تأهيل الوضع الحقوقي للمرأة المغربية: مكافحة العنف ضد النساء نموذجا

Rehabilitation of the human rights situation of Moroccan women: combating violence against women as a model

?الدكتور :  لميسي عابد

Doctor : Lamissi Abed

أستاذ جامعي وباحث في المجال الحقوقي –  جامعة الحسن الأول بسطات

University professor and researcher in the field of law – Hassan I University of Settat

الملخص :

لقد عرف الوضع الحقوقي للمرأة المغربية تحولات كبيرة، كان من سماته البارزة حجم العناية التشريعية التي أصبحت تحظى بها، والتي همت سواء حقوقها الشخصية الأساسية، أو تلك التي تتعلق بعدد من المجالات التي تعتبر فاعلة فيها، والتي عرفت تحولات هامة خاصة بعد الاستقلال وتَشَكُّل معالم الدولة المغربية الحديثة.

ولقد حاولت التجربة المغربية في المجال الحقوقي أن تجعل من غناها الثقافي والاجتماعي ومن تجربتها القانونية العريقة سواء بمرجعيتها الدينية أوالمدنية أن تشكل معالم تلك الحماية، هذه الأخيرة التي همت عددا من المجالات، والتي يعكس تنوعها في الحقيقة حجم المشاركة وأهمية الدور الذي أصبحت تلعبه المرأة المغربية وتساهم به في إنماء المجتمع، مما يجعلها جديرة بالعناية الحقوقية، وهو ما أبرزته الجهود التشريعية الحقوقية المبذولة وخاصة في العقود الأخيرة، والتي عكستها الوثائق الدستورية، وخاصة دستور 2011م.

وإذا كانت تلك الجهود التشريعية تستحق التتبع والرصد والتقييم تبعا لكل مجال، فإنه حسبنا أن نسلط الضوء في هذا البحث على تلك المتعلقة بمكافحة العنف ضد النساء، باعتباره من المواضيع التي ازدادت أهميتها خاصة في العقود الأخيرة، حيث إنه أصبح من التحديات والمعيقات التي تخدش الوضع الحقوقي للمرأة وتمس بجودة حياتها، مما يستلزم نقد الوضع الحقوقي قصد البحث عن الحلول الناجعة، وهو ما لن يتأتى إلا باستعراض وتقييم مدى نجاح التشريعات المقررة في مجال مكافحة العنف ضد النساء، تلكم هي الغاية التي سنحاول الوصول إليها من خلال هذه المداخلة العلمية .    

The Summary:

  The human rights situation of Moroccan women has known major transformation. One of its salient features is the size of the legislative attention they have actually received concerning both their basic personal rights or those related to the innumerable areas in which they are regarded effective. These domains have also recognized significant changes mainly after the independence and the construction of modern Moroccan state landmarks.

     The Moroccan experience in the field of human rights has sought to make out of its cultural and social richness as well as its long-standing legal experiences both in terms of religious and civil frameworks to shape the traits of these protection. The latter has taken into consideration a great deal of areas whose diversity reflect de facto the size of the participation a long with the significant role women play without neglecting their contribution in the development of the society as a whole . Accordingly, this makes her worthy of legal attention demonstrated by the legislative efforts particularly in recent decades these efforts are inherently seen in the constitutional document namely the 2011 constitution.

    If these legislative endeavors deserve observation and evaluation in relation to each field, then we think we need to underscore in this research those associated with combating violence against women because the latter has become a topic of paramount importance mostly in recent decades. Furthermore, it constitutes a substantial challenge and obstacle staining the legal status of women as well as affecting their quality of life.

تقديم:

إن من أقوى الغرائز في الإنسان، غريزة حب البقاء، والتي يأتي بعدها الشعور بالحرية وتفعيل الإرادة، والإحساس بالطمأنينة، والاستقرار النفسي، والاجتماعي، والاقتصادي ضمن التفاعل مع باقي مكونات المحيط الذي يضبطه الاستقرار السياسي.

وإذا أراد المرء تقييم أوضاع المرأة في المجتمعات الحديثة وفق هذا المقياس، فإنه سينتابه خجل كبير، وسيصاب بالدهشة من حجم الضرر اللاحق بها، حيث يعتبر العنف الموجه ضدها أحد مسبباته الرئيسية والمباشرة، والذي تعكسه الإحصائيات الدولية، هذه الأخيرة التي وصلت وخصوصا مع انتشار جائحة كوفيد 19، إلى أرقام مفجعة، لا يناسبها في الوصف إلا مصطلح ” الجائحة الاجتماعية ” والتي لا تقل خطورة عن جائحة كورونا.

وباعتبار الأرقام والإحصائيات لها دلالة معبرة، فإن ما نشرته الأمم المتحدة منها، من أن 1 من كل 3 نساء في العالم تعرضن لعنف جسدي أو جنسي على الأقل لمرة واحدة في حياتهن، وأن 70 بالمائة من ضحايا الاتجار بالبشر هن نساء وفتيات، وأن 6 من كل 10 نساء المُعَنَّفات، لا يخبرن أي جهة عن أنهن معنفات، وأن نسبة العنف ضد النساء في بعض المجتمعات تبلغ 70 بالمائة، وأن 37 بالمائة من النساء في العالم العربي تعرضن لعنف جسدي أو جنسي لمرة واحدة في حياتهن على الأقل، وأن 200 مليون فتاة حول العالم تعرضن قبل بلوغهن سن الخامسة لتشويه الأعضاء التناسلية أو الختان . [1]

وتبعا لذلك فإن الوضع ذو خطورة بالغة، وهو ما دفع الأمم المتحدة إلى دق نقوس الخطر، والتعبير عن ذلك من خلال وصف انتشار العنف ضد المرأة في العالم واستمراره ب ” الوباء ” كما أن منظمة الصحة العالمية وصفته أيضا بكونه “مشكلة في الصحة العالمية ذات أبعاد وبائية ” .

وانطلاقا من كون سن التشريعات يشكل تفاعلا من المؤسسات الدولية والوطنية مع قضايا المجتمعات، فإنها حاولت إيلاء قضية العنف ضد النساء اهتماما متزايدا خصوصا مع تنامي الحركات الحقوقية عبر العالم ومطالب المجتمع المدني بضرورة إصلاح الوضع،  وتوسع دائرة مشاركة المرأة في مختلف المجالات، ولقد تجلى ذلك في زخم مهم من القوانين والمواثيق والاتفاقيات الدولية العامة والفئوية وعلى رأسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والتي حاولت أن تعكس الاهتمام العالمي ـ المتزايد ـ بقضايا المرأة، ومنها قضية العنف ضدها، باعتبارها الأساس والمدخل الناجح لكفالة الحماية لها  وإشعارها بأهميتها في المجتمع، وكونها الشريك الشقيق للرجل في مسار تنميته. 

ذلك التوجه الذي حاولت أن تتفاعل معه عدد من التشريعات الوطنية ومنها التشريع المغربي، من خلال إعادة تأهيل منظوماته التشريعية على المستوى الحقوقي، لتكون متلائمة مع مثيلاتها الدولية، وبما ينسجم مع خصوصياتها المحلية، ومقوماتها المرجعية المؤسِّسة لمجتمعاتها، الدينية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، واختياراتها السياسية، كل ذلك في إطار قالب تشريعي وجهد مؤسساتي يتفاعل فيه الرسمي مع المجتمع المدني، قصد الوصول إلى علاج فعال  لقضايا العنف ضد النساء، وفق منظور يراعي خصوصيات الواقع، ويتفاعل مع تحولاته، ويصبو إلى إصلاح مختلف الاختلالات الناتجة عنه.

وتبعا لذلك، فإن بسط تصور التشخيص والعلاج لظاهرة العنف ضد المرأة، وما يقومان عليه، سيكونان مجالا للنقاش في هذا المقال العلمي، من خلال اعتماد مطلبين رئيسيين، حيث سنخصص الأول للحديث عن ظاهرة العنف عبر بحث مفاهيمها وكشف تجلياتها، أما الثاني فسنحاول من خلاله عرض تقييم للجهود الوطنية في مجال مكافحة الظاهرة. 

المطلب الأول: تقييم الجهود الوطنية لمكافحة ظاهرة العنف ضد النساء

لقد سعى المغرب وعلى غرار عدد من دول العالم وأمام إلحاحية وضرورة التدخل المستعجل الذي فرضه تفشي العنف ضد النساء، إلى الانخراط في جهود مكافحته، وذلك عبر مداخل ومقاربات عدة، أهمها تلك التي تتعلق بالفعل السياسي والتشريعي، كما خلق مؤسسات مختصة، ودخل في عدد من الشراكات مع مختلف الفاعلين ، سواء المحليين، أو الجهويين، أو الدوليين، وذلك قصد الوصول إلى برامج وسياسات متكاملة وناجعة لمحاصرة الظاهرة، ووقف النزيف الحقوقي النسائي الذي يُأْرِق كل دول العالم، وبمستويات مختلفة.

 وانطلاقا من هذه الأهمية، فإنه سيتم تناول الجهود المذكورة بالتحليل، وذلك عبر بحثها من خلال مستويين أساسيين:

المستوى التشريعي (الفقرة الأولى) بالإضافة إلى المستوى المؤسساتي (الفقرة الثانية)

الفقرة الأولى: الآليات التشريعية المقررة لمكافحة العنف ضد النساء

 يعتبر المدخل التشريعي أحد المداخل الأساسية لتقييم سياسات الدول واستراتيجياتها في مختلف المجالات، والتي من بينها المجال الحقوقي، كما أن إثارة مدى أهمية الحركة التشريعية، هو في الحقيقة إثارة لمدى تقدمها وازدهارها.

والمغرب كغيره من الدول، سعى دائما إلى تفعيل عدد من الاختيارات في المجال التشريعي، وخاصة ما يتعلق منها بالجانب الحقوقي للمرأة، تعبيرا منه على عنايته بهذا المكون الأساسي الهام والمؤثر في مختلف المجالات، السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، وخاصة في مجاله الطبيعي والأصلي، ألا وهو المجال الأسري، ولقد اعتبر موضوع مكافحة العنف ضد المرأة من أحد أهم المواضيع المُبرزة لذلك.

ولقد تجلت العناية الحقوقية بشؤون المرأة في المنظومة التشريعية على مستويات عدة، حيت حاولت الوثيقة الدستورية أن تكون عنوانها الأبرز (أولا) وبالمقابل شكلت عدد من القوانين مجالا لتفاصيلها وجزئياتها (ثانيا).

أولا: الحماية المقررة للمرأة على المستوى الدستوري

لقد شكلت فترة التسعينيات مرحلة مهمة من تاريخ المغرب خصوصا على المستوى التشريعي، و الذي كان من أبرز محطاته صياغة وثيقة دستورية منفتحة على  مختلف طروحات التغيير التي نتجت إما عن مطالب الداخل (المجتمع المدني إلى جانب باقي الفاعلين) و إما فرضتها التحولات الدولية التي بدأت تلوح معالمها بمؤشرات العولمة و الموجة الحقوقية، فكانت الوثيقة الدستورية لسنة 1996م تعبيرا عن مرحلة جديدة اتسمت بانفتاح المغرب على المؤسسات الدولية[2]، بالإضافة إلى إقراره لعدد من السياسات الحقوقية المجالية، و التي كان من ضمنها تلك المتعلقة بشؤون المرأة باعتبارها فاعلا أساسيا داعما للمجتمع المدني.

ولقد كان من ثمار المجهودات السالفة، إطلاق أول حملة وطنية لمناهضة العنف ضد النساء سنة 1998 م من طرف القطب المكلف بشؤون المرأة آنذاك بشراكة مع فعاليات المجتمع المدني، وقد واصلت الحكومة المغربية عملها في هذا المجال من خلال إعداد واعتماد استراتيجية وطنية لمناهضة العنف ضد النساء سنة 2002 م، ومخطط تنفيذي لتفعيل مقتضياتها سنة 2004 م، من خلال مجموعة من التدابير التي تهم المجالات التشريعية ذات البعد الحمائي و الوقائي، كما ما تم إطلاق برنامج تمكين  2008- 2012  المتعدد القطاعات[3]لمحاربة العنف المبني على النوع الاجتماعي عن طريق تمكين  النساء و الفتيات.

  تلك الجهود التي ستتعزز أكثر مع إقرار دستور 2011 م، و الذي أحدث نقلة حقوقية كبيرة همت عددا من الفئات، و التي كان من بينها المرأة، هذه الأخيرة التي كان لقضاياها حضور مهم في الوثيقة الدستورية من خلال عدد من نصوصها، وجاءت مُؤَطَّرة بعدد من المفاهيم الحقوقية التي ستعزز خيار استكمال بناء دولة الحق و القانون، وكان من عناوينها البارزة  ما أقرته الديباجة الدستورية، و التي أكدت على حظر ومكافحة كافة أشكال التمييز إلى جانب تأكيد اختيار المغرب وعزمه على مواصلة مسيرة إرساء دعائم مجتمع متضامن يتمتع فيه الجميع بالأمن، والحرية، و الكرامة، والمساواة، وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية، وذلك باعتبار هذه المقتضيات بمثابة الإطار الذي يشمل جميع المغاربة بمختلف مكوناتهم وانتماءاتهم بما فيهم المرأة المغربية باعتبارها مكونا أساسيا  وفاعلا مهما في المجتمع.

كما أولى الدستور أهمية خاصة للقضايا الحقوقية باعتبارها المجال المشترك الحقوقي للمرأة مع غيرها من فئات المجتمع.

ولقد تجلت تلك العناية في عدد من مواده التي أقرها، ومنها ما نص عليه الفصل 19منه[4]، والذي أكد على كفالته المساواة للرجل والمرأة في التمتع بالحقوق والحريات المدنية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية والبيئية، ومن جهته قام الفصل 22[5]بالتأكيد على وجوب ضمان السلامة الجسدية والمعنوية للأفراد، والتأكيد على رفضه للمعاملة القاسية أو اللاإنسانية لأي إنسان، أو التي تشكل إهانة له، أو تعتبر حاطَّة بكرامته الإنسانية.

وانطلاقا من أهمية الوثيقة الدستورية وقيمتها التي تسمو على جميع القوانين، فإن إقرارها للقواعد الحقوقية السالفة، يعتبر كشفا لطبيعة الاختيارات الأساسية -العليا-للمملكة في المجال الحقوقي، وتحديدا وتوجيها للقوانين الأدنى درجة من الدستور، والتي تشكل انعكاسا له من حيث اختياراتها التشريعية.

وبالإضافة إلى ذلك فقد سعى دستور 2011م إلى تعزيز الإطار المؤسساتي الضامن لمبادئ المساواة بين الجنسين، وحظر كافة أشكال التمييز، وذلك عبر نص الفصل 19 منه على إحداث هيئة مكلفة بالمناصفة ومكافحة كافة أشكال التمييز ضد المرأة، ومن خلال العمل على تنزيل مقتضيات الفصل 164 الساعية إلى كفالة الحقوق والحريات المدنية، والسياسية، والاجتماعية، والثقافية، والبيئية.

كما أن الاختيارات والمبادئ الدستورية السالفة الذكر، شكلت الإطار التوجيهي لمختلف الهيئات الرسمية وفعاليات المجتمع المدني في المجال المتعلق بإقرار السياسات والاستراتيجيات القطاعية، وخصوصا تلك المتعلقة بقضايا المرأة، والذي عكسه في عدد من البرامج التي سعت إلى خلق حراك مهم سيأثر بشكل بارز في الوضع الحقوقي للمرأة.

هذه الدينامية التي توافق تفعيل مقتضيات الدستور، مكنت من الانتقال من التبني الصريح لقيم ومعايير حقوق الإنسان التي تم تتويجها بهذا الإصلاح الدستوري، إلى مباشرة ترجمتها على أرض الواقع في مختلف السياسات والبرامج التنموية[6].

كما لا تفوتنا الإشارة هنا إلى أهمية الاختيار الدستوري الجديد، والمتمثل في إقراره لسمو المرجعية الدولية لحقوق الإنسان من خلال نصه في ديباجته على كون المواثيق المصادق عليها تسمو على التشريع الوطني، هذا التحول الدستوري المهم فتح المجال لإقرار عدد من المعايير الدولية التي نصت عليها عدد من المواثيق والاتفاقيات الدولية المتعلقة بالمرأة قصد تأهيل التشريع الوطني وإغنائه، بما في ذلك التشريعات المتعلقة بحمايتها من العنف.

ثانيا: الحماية المقررة للمرأة على مستوى القوانين 

لقد سعت عدد من القوانين إلى أن تشكل إطارا حمائيا للمرأة المغربية في عدد من المجالات، وذلك ضمن الإطار العام الذي يشمل جميع فئات المجتمع، أو ضمن الإطار الذي يبرز خصوصيتها، والذي تدخل جرائم العنف الموجهة ضدها ضمنه، والتي يبقى القانون الجنائي[7]أهمها.

هذا القانون الذي سعى إلى المساهمة في تعزيز الوضع الحقوقي للمرأة من خلال إقرار حماية جنائية لصالحها، سواء باعتبارها ضحية أو جانية، مراعيا بذلك خصوصيتها التي حاول أن يعكسها في عدد من نصوصه القانونية.

ومن أبرز تجليات تلك الحماية ما يتعلق بالعنف الموجه ضدها، والذي قد يشمل الإيذاء الجسدي كالاغتصاب أو هتك العرض، أو العنف الزوجي، أو الإهمال الأسري.

فبالنسبة للحماية المقررة لها من جريمة الاغتصاب باعتبارها من الجرائم التي تدخل في خانة العنف الجنسي، والتي نص عليها المشرع المغربي في الفصل 486[8]من القانون الجنائي و تم تعديله بموجب القانون 03-24[9]، فإنها تقوم بمجرد تحقق عناصرها الأساسية المتمثلة في حصول مواقعة الرجل للمرأة وانعدام رضاها، مع توفر القصد الجنائي، والغاية من إقرارها وتشديد العقوبة في حالة كونها متعلقة بقاصرة أو عاجزة أو موجودة في وضعية إعاقة، أو كون المجني عليها ضعيفة القوى العقلية ، أو في وضعية الحمل، هي كفالة حق المرأة في العيش بأمان، وحماية شرفها من أي انتهاك.

وما يُلاحَظ هنا أن المشرع المغربي قد أغفل صنفا هاما من النساء واستثناه من نطاق الحماية، ألا وهو المرأة المسنة، هذه الأخيرة وبالرغم من المكانة الخاصة المكفولة لها في المجتمع المغربي والاحترام الذي تلقاه، إلا أنه ونظرا لوقوع حالات عدة لانتهاكات جنسية ضدها، أصبح يفرض ضرورة إدخالها ضمن الفئات المشمولة بالحماية، وضمها للفئات التي يقع تشديد العقوبة في حالات وقوع الانتهاكات ضدها، وخاصة الجنسية منها.

وارتباطا بالعنف ذو الطابع الجنسي، فقد قام المشرع المغربي بتعزيز حماية المرأة ضده، من خلال إقراره لجريمه هتك العرض، وذلك طبقا للمادة 485[10]من القانون الجنائي، هذه الجريمة التي تتحقق في حالة ارتكاب فعل مخل بالآداب، موجه ضد الضحية، كتحسس المرأة أو كشف عورتها بدون رضاها، وسواء أكان الممارَس عليه الفعل ذكرا أو أنثى، هذه الأخيرة التي عزز المشرع من حمايتها ضد الجريمة المذكورة حيث إنها ولو تمت بدون عنف، أو تعلق الأمر بالمحاولة، فإن المشرع جعلها كالجريمة التامة.

وبالإضافة إلى ذلك، فلقد حاول المشرع المغربي التوسع ضمن الإطار المفاهيمي للعنف، وجرم عددا كبيرا من صوره وأشكاله، والتي تناولها القانون الجنائي في عدد من النصوص، ومن بينها المادة 400 من القانون الجنائي، حيث استعرض فيها عددا من صور العنف كالضرب والجرح، وأنواع الإيذاء الأخرى، والتي سواء نتج عنها عجز بدني أم لم ينتج، وما يلاحظ على المشرع المغربي أنه قد أورد حالات العنف ضمن إطار من التعميم من حيث اللفظ، مما يحيل على حالات العنف الموجه ضد الرجل والمرأة، ويسمح للقضاء بالتوسع في تفسير المفهوم قصد استيعاب مختلف صوره دون الخروج عن مقاصد النص الجنائي ومراميه.

وبالمقابل جاء الفصل 404 الذي وقع تعديله بموجب القانون 03-24 لتشديد العقوبة الجنائية، إذا تعلق الأمر بحالات العنف العمدي المرتكبة ضد أحد الأصول أو ضد الكافل أو الزوج، وهو ما له أهمية كبيرة في حماية المرأة من العنف في فضائها العائلي.

وضمن إطار تفاعل المجتمع المدني مع مختلف التحولات التشريعية، وعلى إثر مطالبته بإلغاء الفقرة الثانية من المادة 475 من القانون الجنائي المثيرة للجدل، تدخل المشرع واستجاب لتلك المطالب، وأقر المتابعة في حق الجاني المغتصب، وسد الباب أمام إمكانية تزوجه بالضحية لتفادي العقوبة، كما فتح المجال لإقرار إصلاحات جنائية جديدة، والتي كان مشروع القانون الجنائي رقم 10-16 الإطار الذي تضمنها.

ويبقى التحول التشريعي الهام الذي عزز جهود مكافحة العنف ضد المرأة هو صدور القانون 13-103[11]، المتعلق بمحاربه العنف ضد النساء في 12 مارس 2018 م، ودخوله حيز التنفيذ في 13 شتنبر 2018 م، والذي شكل إطارا تشريعا حمائيا خاصا، تضمن 18 مادة قانونية موزعة على 6 أبواب رئيسية، وحاول أن يجسد رؤية تشريعية تجمع بين الشق الموضوعي المتمثل في عدد من النصوص الزجرية التي تجرم مجموعة من السلوكيات المعتبرة عنفا ضد النساء بمختلف أشكالها، وذلك من خلال تحديدها وترتيب جزاءات قانونية عليها، وذلك عبر تعديل عدد من نصوص القانون الجنائي، والتي همت من حيث توزيعها المجالات التالية:

المجال الأسري:

 حيث جرم العنف الزوجي بمختلف أشكاله، والذي يقع من الشريك وضمن إطار العلاقة الزوجية أو الخطوبة، أو في وضعية الطلاق، والذي يوجه ضد المرأة على أساس جنسها، أو ضد المرأة الحامل، أو الموجودة في وضعية إعاقة، أو المعروفة بضعف قواها العقلية، بالإضافة الى ذلك الموجه ضد الأصول أو ضد الكافل (المادة 2)[12].

كما جرم القانون المذكور عددا من الأفعال والسلوكيات المهددة لاستقرار الأسرة، والتي من ضمنها سلوك الطرد من بيت الزوجية الذي قد يمارسه أحد الزوجين، أو الامتناع عن إرجاع الزوج المطرود لبيت الزوجية (الفصل 481 والفصل 1-481)[13]

الجانب الاقتصادي:

كما حاول المشرع التدخل في الجانب المتعلق بتدبير العلاقات المالية بين الزوجين من خلال تجريم تبديد أو تفويت أموال زوجية بنية الإضرار بالزوج، أو التحايل على مقتضيات مدونة الأسرة في الجانب المتعلق بالنفقة أو السكن أو استيفاء المستحقات المترتبة عن إنهاء العلاقة الزوجية أو تقسيم الممتلكات، على أن تفعيل المقتضيات السالفة يبقى معلقا على إثارتها من قبل الزوج المتضرر، باعتباره صاحب الصفة والمصلحة (الفصل 1-526 من القانون الجنائي).

جانب الحماية الجسدية والنفسية:

ويضاف إلى المقتضيات المذكورة، ما نص عليه المشرع من تجريم عدد من الأفعال المصنفة ضمن إطار العنف الجنسي والنفسي، والتي على رأسها جريمة التحرش الجنسي ضد النساء الذي تنامى بشكل خطير، خصوصا في الفضاء العام، والذي قام المشرع بتعريفه وتحديد صيغه، وكذلك الوسائل المختلفة التي يمكن أن يتم بها، والتي تشمل صيغ القول أو الفعل أو الإشارات الحاملة للإيحاءات الجنسية أو عبر الوسائل الالكترونية الحديثة، من خلال الرسائل النصية القصيرة أو باستعمال الصور والتسجيلات ذات المحتوى الجنسي.

بالإضافة إلى ذلك، وقصد زيادة التدابير الحمائية قام المشرع أيضا بتشديد العقوبة على الجرائم المذكورة إذا تم ارتكابها من طرف الأصول، أو ممن توجد الضحية تحت سلطته أو كفالته، أو تمت من قبل زملاء العمل، أو من طرف الأشخاص المكلفين بحفظ النظام وإنفاذ القانون، أو تم ارتكابها ضد قاصر.

ومما يلاحظ على المقتضيات السالفة، أن المشرع حاول توسيع مفهوم التحرش الجنسي، وتوسيع أيضا دائرة الحماية لتشمل مختلف الفضاءات التي تتفاعل فيها المرآة، بما فيها الفضاء الإلكتروني الذي يعرف انتشارا واسعا لهذا النمط من الجرائم، كما أنه يعتبر منفلتا أيضا -إلى حد كبير-من أعين الرقابة القانونية بسبب خصوصيته وجِدته.

كما أن الأحكام الجديدة التي جاء بها القانون الجديد (103.13) كشفت التفات المشرع إلى جانب مهم متمثل في إقرار عدد من التدابير الحمائية إلى جانب نظيرتها الزجرية، تحت مسمى “التدابير الوقائية الشخصية” من قبيل الإقصاء، أو الإجبار، أو الإقامة بمكان معين، أو المنع من الإقامة، أو إخضاع المحكوم عليه لعلاج نفسي ملائم، أو الوضع القضائي في مؤسسة فلاحية، أو إقرار عدم الأهلية لمزاولة جميع الوظائف أو الخدمات العمومية، أو المنع من تعاطي مهنة أو نشاط أو فن معين، أو إقرار سقوط الحق في الولاية الشرعية على الأبناء عند تعلق الجريمة بالمجال الأسري، أو منع المحكوم عليه من الاتصال بالضحية (المادة 4 من القانون 103.03).

وبالمقابل ولأجل تعزيز مختلف التدابير التشريعية التي أقرها القانون 103.13 فإن المشرع نص على مسألة غاية في الأهمية، والتي تتمثل في إقرار عدد من الأدوار الإجرائية

 ـ الإسنادية-التي تتكفل بها السلطات العمومية، هذه الأخيرة التي تعتبر مدعوة لأن تعكسها في شكل تدابير إجرائية ضمن إطار تشاركي مع مختلف الفاعلين، بحيث تساهم بها من جهتها       -باعتبارها سلطة مُشَارِكة لمختلف القطاعات في تنفيذ السياسات والمخططات الرسمية-في جهود الوقاية من العنف ضد المرآة، وذلك وفقا للتوجيه التشريعي الوارد في الباب الخامس من القانون 103.13 ودلَّت على تفاصيله المادة 17[14] منه.

وفي جانب آخر، ومما يمكن تفسيره باستشعار المشرع لأهمية العمل المؤسساتي في إنجاح مختلف السياسات ومن ضمنها جهود مكافحة العنف ضد المرأة، فإنه أقر وباعتبارها آليات تنفيذية، ضرورة إحداث عدد من الخلايا واللجان المشتركة بين مختلف القطاعات المتدخلة في مجال مكافحة العنف ضد المرأة، حيث أسند لها القيام بمهام التتبع والتكفل بالنساء ضحايا العنف، وذلك لأجل التعاون والتكامل في الوصول إلى مقاربة فعالة تقوم على دعائم أساسية تشمل:

ü     تشكيل قوة اقتراحية في قضايا مكافحة العنف ضد المرآة؛

ü     التكفل بالنساء ضحايا العنف على المستوى الوطني والجهوي والإقليمي تتولى إعداد وتنفيذ مخططات مكافحة العنف ضد النساء، وذلك ضمن مقاربة تشاركية تنفتح على مختلف الفاعلين المجالين.

وهكذا، وبعد التطرق لمختلف الآليات والتدابير التشريعية المتعلقة بمكافحة العنف ضد النساء، اعتبارا لأهميتها ولكونها الإطار المعبر عن حجم وتجليات الحماية المقررة لهن، فإن التطرق للآليات المؤسساتية لكونها لا تقل أهمية عن نظيرتها التشريعية، يعتبر مسألة ضرورية أيضا، نظرا لكونها تعتبر محددا أساسيا في إنجاح الجهود التشريعية. فماهي الآليات المؤسساتية المساهمة في جهود مكافحة العنف ضد النساء؟ وما هي الأدوار التي تؤديها
لإنجاح تلك الجهود؟ هذا ما سيتم بحثه في الفقرة الثانية.

الفقرة الثانية: الآليات المؤسساتية المقررة لمكافحة العنف ضد النساء

لقد سعى المشرع المغربي إلى جعل قضية مكافحة العنف ضد المرآة عبارة عن ورش ومجال منفتح على جهود مختلف الفاعلين، سواء الرسميين وغير الرسمين، والذين تعتبر المؤسسات التي تمثلهم بمثابة الإطار الذي يحقق مستوى متقدم من الفعالية من حيث إنجاز البرامج والسياسات.

وتأسيسا على نفس المنطق -التشاركي-فقد حاولت عدد من المؤسسات الرسمية المشارَكة بجهودها من خلال عدد من البرامج والمخططات (أولا) إلى جانب عدد من المؤسسات غير الرسمية المتمثلة بالأساس في فعاليات المجتمع المدني (ثانيا) وذلك قصد الوصول إلى النجاعة الحمائية المطلوبة.

أولا: أدوار المؤسسات الرسمية في مكافحة العنف ضد النساء

لقد عرف المغرب في مرحلة التسعينات من القرن الماضي – كما أسلفنا الإشارة إليه ـ عددا من التحولات السياسية والاجتماعية في مختلف المجالات، كان أبرزها تلك التي طرأت على المستوى التشريعي من خلال إصدار دستور 1996م، وبداية المخاض والنقاشات التي أفرزت فيما بعد عددا من القوانين التي همت مجموعة من المجالات (مدونة الأسرة، مدونة الشغل، قانون الجنسية، قانون كفالة الأطفال المهملين…. وغيرها) وبالإضافة إلى وقوع انفراجات سياسية هامة، كان من مظاهرها تجربة حكومة التناوب، هذه الأخيرة التي فتحت النقاش في عدد من المواضيع المجتمعية الهامة، والتي كان من أبرزها تلك المتعلقة بقضايا المرآة، وخاصة ما يمس منها الجانب الحقوقي، ومنها موضوع مكافحة العنف ضدها.

فلقد انخرط المغرب وبتحفيز من المؤسسة الملكية ـ باعتبارها الفاعل الرئيسي في السياسات العمومية  ـ مبكرا في مناهضة العنف ضد النساء، حكومة ومجتمعا مدنيا، ولقد كان لهذا الأخير دور كبير في كسر الصمت عن هذه الظاهرة، كما تم إطلاق أول حملة وطنية لمناهضة العنف ضد النساء سنة 1998م من طرف القطاع المكلف بشؤون المرآة آنذاك بشراكة مع فعاليات المجتمع المدني، وواصلت الحكومة عملها في هذا المجال من خلال اعتماد استراتيجية وطنية لمناهضة العنف ضد النساء سنة 2002 م، ومخطط تنفيذي لتفعيل مقتضياتها سنة 2004 م عبر مجموعة من التدابير التي تهم المجالات التشريعية والحمائية والوقائية، كما تم إطلاق برنامج تمكين 2008-2012، وهو البرنامج المتعدد القطاعات لمحاربة العنف المبني على النوع الاجتماعي عن طريق تمكين النساء والفتيات، كما نظمت في دجنبر 2012 م محطة للتقييم الجماعي والتشاركي لمسار الحملة الوطنية المحققة في مجال مناهضة العنف ضد النساء بعد عشر سنوات من الإعلان عن الاستراتيجية الوطنية[15].

كما كان لتعبير المغرب عن انفتاحه على برامج المؤسسات الدولية والمواثيق والاتفاقيات الصادرة عنها في دستور 1996م والذي كرسه في دستور 2011 م، الأثر الهام على تأهيل المنظومة الحقوقية المتعلقة بالمرآة، من خلال اعتماد عدد من المعايير الأولية التي نصت عليها، والتي على رأسها تلك المتعلقة بالمساواة ومكافحة كافة أشكال التمييز والعنف ضد المرآة.

ومن جهته فإن دستور 2011م كان له الأثر البالغ في تعزيز الإطار المؤسساتي الضامن لمبادئ المساواة بين الجنسين وحظر كافة أشكال التمييز، والذي من تجلياته ما أشارت إليه ديباجته من إحداث هيئة مكلفة بمناهضة ومكافحة كل أشكال التمييز، وكذلك المادة 19 منه التي نصت على إحداث هيئة مكلفة بالمناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز، والتي من مضامينها الأساسية التي حددها الفصل 164 منه تلك المتمثلة في احترام الحقوق والحريات المدنية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والبيئية.

وتجسيدا للتوجهات الدستورية، فقد تم إقرار خطة حكومية للمساواة “إكرام” في أفق المناصفة 2012م – 2016م، والتي صادق عليها مجلس الحكومة بتاريخ  6 يونيو  2013م، حيث  تم تخصيص مجالها الثاني لمكافحة التمييز والعنف ضد النساء من خلال اعتماد عدد من الإجراءات التي تروم تطوير البرامج الوقائية والحمائية.

كما قامت الوزارة ببدل جهود مهمة في مجال مكافحة العنف ضد النساء من خلال السعي لاستحداث عدد من الفضاءات حُددت في 40 فضاء متعدد الاختصاصات قصد التكفل بالنساء ضحايا العنف، وذلك على المستوى المحلي والجهوي والوطني، لتكون الغاية من ذلك هي السعي لتقديم خدمات عدة للنساء المعنفات، كخدمات الدعم والتكفل والمواكبة، بالإضافة إلى الإيواء بشكل مؤقت.

وفي جانب آخر حاولت الوزارة الانفتاح على عدد من الفاعلين غير الرسميين المساهمين في جهود مكافحة العنف ضد النساء، والمتمثلين بالخصوص في مراكز الاستماع والتوجيه القانوني للنساء ضحايا العنف، من خلال إبرام شراكات مع جمعيات المجتمع المدني التي تتقاسم معها نفس الاهتمامات.

وبالمقابل وتفعيلا للجهود التحسيسية التي لا تقل آثارها وأهميتها عن الجهود التشريعية في مكافحة العنف ضد النساء، فلقد قامت الوزارة الوصية بإطلاق برنامج تحسيسي مندمج وبشراكة مع عدد من القطاعات لمناهضة العنف والتمييز ضد النساء، وذلك في مارس 2013م، كما قامت أيضا بتفعيل المنظومة المعلوماتية المؤسساتية عبر التوقيع على بروتوكول لتبادل المعطيات المعلوماتية المتعلقة بعدد الحالات التي يتم التعاطي معها، واستقبالها في المحاضن التابعة للقطاعات التي لها شراكة مع وزارة التضامن والمرأة والأسرة والتنمية الاجتماعية، وهي تضم كلا من وزارة العدل والحريات، ووزارة الصحة والمديرية العامة للأمن الوطني إضافة إلى الدرك الملكي، وذلك في 11أكتوبر 2004 م.

وبالنسبة لمسألة تفعيل المنظومة المعلوماتية والمؤسساتية، فإن الغاية منها كما حددتها الوزارة، تتمثل في توحيد منهجية تجميع المعطيات، ومعايير ووسائل تسجيل المعلومات والبيانات المتعلقة بالنساء والفتيات ضحايا العنف من خلال اعتماد استمارة موحدة في عملها.

ونظرا لأهمية وضرورة التطوير المستمر للأساليب والاستراتيجيات وقصد الوصول إلى الحلول الناجعة في أي ميدان، باعتبار أن رسم السياسات العمومية لا يعتبر حكرا وشأنا خالصا للدول التي تتبنى المنظومة الحديثة للتدبير، فإن الوزارة حاولت أن تتبنى نهجا جديدا في انفتاحها على مراكز الاستماع والتوجيه الخاصة بالنساء ضحايا العنف منذ سنة 2012م، والذي يقوم على تقديم مشاريع تتضمن أهدافا وميزانيات واضحة.

كما سعت أيضا إلى تبني نفس النهج -المنفتح- وضمن منهجية تقوم على التشاركية للتصدي لظاهرة العنف ضد النساء، مع مختلف المتدخلين في مجال مكافحة العنف ضدهن سواء أكانوا هيئات رسمية أو مصنفة ضمن فعاليات المجتمع المدني، أو مراكز أبحاث، تقوم على تفعيل لجنة القيادة الثلاثية التركيبة لمناهضة العنف ضد النساء سنة 2016 م، وذلك قصد استئناف تنفيذ الاستراتيجية الوطنية في ذات المجال، والتي كانت قد توقفت متم سنة 2007 م.

وتماشيا كذلك مع المقتضيات المنصوص عليها في الفصل 13 من الدستور، والتي نصت على ضرورة إحداث هيئات للتشاور بغية إشراك مختلف الفاعلين الاجتماعيين في إعداد السياسات العمومية وتفعيلها وتنفيذهما وتقييمهما، فقد تم إحداث المرصد الوطني للعنف ضد  النساء في 13 أكتوبر  2014 م[16]، والذي يضم في تركيبته ممثلين عن القطاعات الحكومية وجمعيات المجتمع المدني، إضافة إلى مراكز البحث والدراسات التابعة للجامعات.

وفيما يخص طريقة تنفيذ المرصد لأهدافه، فإنها تقوم على إخراج التعاطي مع ظاهرة العنف ضد النساء من النطاق المؤسساتي القطاعي الصرف إلى جعله همّاً وورشاً مشتركا مع جميع الفاعلين، وذلك عبر اعتماد التشاركية والاشتغال على مشاريع وبرامج وفق رؤية مشتركة.

أما على المستوى الإجرائي، فقد تم إحداث خلايا مؤسساتية تابعة لعدد من القطاعات، كوزارة العدل والحريات، ووزارة الصحة، والمديرية العامة للأمن الوطني، والدرك الملكي، والتي تقوم بأدوار هامة تتمثل بالأساس في تقديم خدمات متكاملة وفعالة لصالح النساء المعنفَات، والتي تشمل الاستقبال والاستماع وتقديم التوجيه لهن، وإرشادهن وتقديم الرعاية التي تتماشى وحالتهن الاستثنائية.

وبالإضافة إلى ذلك، فإنه تم إحداث عدد من الوحدات المندمجة التي تتولى مهمة التكفل بالنساء والأطفال ضحايا العنف على مستوى مصالح المستعجلات بالمستشفيات العمومية، وذلك بإشراف من الطبيب الرئيس قصد تقديم الخدمات العلاجية للضحايا، وكذلك مَدِّهِم بالمعلومات والنصائح المطلوبة باعتبار ذلك من مهامها الرئيسية.

ومن جانبها وانطلاقا من استشعار أهمية أدوارها، فلقد قامت الوزارة الوصية بإشراك المديرية العامة للأمن الوطني بشكل أكبر في جهود مكافحة العنف ضد النساء، والذي يمكن أن يعكس أكثر أهمية أدوارها في المجالات الحمائية المرتبطة بهن، وهو ما تجلى بالخصوص في إنشاء وتعميم “خلايا النساء المعنفات” انطلاقا من أكتوبر  2007 م، وذلك على مستوى مصالح الشرطة القضائية التي تم تعزيزها بالعنصر البشري، وهي تتولى متابعة وضعية النساء المعنفات، حيث تقوم بتقديم خدمات الدعم النفسي لهن، وتشخيص وضعيتهن، وتحديد طبيعة الضرر الذي لحقهن قصد اتخاذ الإجراءات المطلوبة.

وارتباطا أيضا بالمؤسسات الرسمية التي تمارس أدوارا أمنية حمائية، فقد تم إشراك مصالح الدرك الملكي عبر إسنادها أدوارا هامة في مجال مكافحة العنف ضد النساء، والتي تعتبر تجسيدا لمهامها الأساسية المتمثلة في حفظ الأمن العام وضمان استقرار المجتمع، ومن ضمن تلك الأدوار ما تقوم به الخلايا التابعة لها من استقبال النساء المعنفات والاستماع لهن، والقيام بالبحث والتحري وإنجاز محاضر، والتحقيق في قضايا العنف المعروضة عليها.

وهكذا وبعد الوقوف على مختلف الأدوار التي تقوم بها المؤسسات الرسمية في إطار جهود مكافحة العنف ضد النساء، فإنه بقي التساؤل يثار حول تلك التي تساهم بها فعاليات المجتمع المدني، باعتبارها شريكا مؤثرا في إنفاذ السياسات العمومية، وخاصة منها تلك التي تتعلق بالمرأة. فما هي تجليات تلك الجهود والأدوار؟ هذا ما سنحاول بحثه في العنوان الموالي.

ثانيا: الآليات غير الرسمية لمكافحة العنف ضد النساء

لقد أصبحت فعاليات المجتمع المدني، والتي تعَرِّفها المؤسسات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة، على أنها تشمل المنظمات المعنية بحقوق الإنسان، والمنظمات التي تتبنى القضايا ذات الصلة، والتحالفات والشبكات المعنية بحقوق المرأة وحقوق الطفل، والحقوق البيئية…وغيرها[17] تلعب أدوارا فاعلة ومؤثرة في المجتمعات الحديثة، وفي كل المجالات، وذلك باعتبارها فاعلا أساسيا غير رسمي يشارك إلى جانب الدولة في اختيار عدد من التوجهات سواء السياسية، أو الاقتصادية، أو الاجتماعية، أو الثقافية…وغيرها.

فبعد الحرب العالمية الثانية نشط المجتمع المدني وأصبح عنصرا فاعلا لا يستهان به في الدفع بالأنشطة التشريعية والتنفيذية، دولية كانت أو محلية أو إقليمية، والتي تتعلق بحقوق الإنسان ومن ضمنها حقوق المرأة، ومن أهم النتائج والنجاحات التي حققها كانت الصكوك الدولية[18]، والتي من بينها تلك المتعلقة بحقوق المرأة، حيث شكلت إحدى تجلياته البارزة ضمن المواثيق الدولية الكثيرة الصادرة عن الأمم المتحدة، وعن الهياكل التابعة لها.

وفي التجربة المغربية فإن المجتمع المدني ومن ضمنه الجمعيات المختصة في مجال المرأة والأسرة قد عرفت دفعة كبيرة، وعلى جميع المستويات، سواء منها التشريعي، حيث تم تعديل ظهير الحقوق والحريات سنة 2002 م، والذي ساهم في تنشيط العمل المدني وخاصة الجمعوي النسوي منه، مما نتج عنه تنامي نسيجه وتوسعه، ليشكل الإطار المتتبع لقضايا المرأة، ومنها تلك المتعلقة بالعنف الممارس ضدها، حيث برز كقوة احتجاجية واقتراحية في المجال المذكور، كما أنه ساهم إلى جانب المؤسسات الرسمية في إنفاذ عدد من البرامج والسياسات المجالية.

وإذا كان إشراك المجتمع المدني في قضايا العنف ضد النساء، يأتي في إطار تفاعل الدولة مع الفاعلين الأساسيين والمؤثرين في المجتمع المغربي، فإنه يعتبر أيضا استجابة لدعوات منظمات الأمم المتحدة قصد تحقيق أثر حقوقي مستدام على المستويين الإقليمي والوطني.

ومن مظاهر ذلك، توصياتها بالعمل مع منظمات المجتمع المدني المحلية لتعزيز الإصلاح القانوني والدعوة إليه قصد معالجة الثغرات الكامنة في التشريعات، عبر حشد القادة السياسيين والرأي العام لمكافحة العنف ضد المرأة لاسيما العنف الزوجي[19].

ومن تجليات التفاعل الرسمي مع فعاليات المجتمع المدني، ما قامت به الوزارة الوصية من المبادرة إلى توقيع اتفاقيات الشراكة مع 52 مركزا للاستماع والتوجيه والمواكبة لفائدة النساء ضحايا العنف، برسم برنامج الشراكة لسنة 2017م، بمبلغ ناهز 12 مليون درهم، كما قامت بمراجعة وتحيين دفتر التحملات الخاص بمجال الاستماع والتوجيه والمواكبة لفائدتهن، وكذا ملاءمته مع مقتضيات القانون 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، بالإضافة إلى ذلك قامت وزارة العدل بوضع خطة  لحماية والتكفل بالنساء، والمساهمة في إعداد خطط العمل الجهوية والمحلية لذات الغاية، كما عملت أيضا على تجهيز 69 خلية للتكفل بهن وفق معايير نموذجية من شأنها تمكين المساعدات والمساعدين الاجتماعيين من ممارسة الاختصاصات الموكلة إليهم بموجب القانون 103.13 المشار إليه .[20]

وإجمالا فإنه يمكن القول بأن أدوار المجتمع المدني هي ذات أهمية كبيرة في مجال مكافحة العنف ضد النساء، باعتباره الإطار التنظيمي الأقرب إلى هموم المجتمع ومنه النساء، كما أنه يتوفر على عدد من آليات التدخل المباشر، والتي تمكنه من تقديم الحلول المطلوبة لعدد من قضاياهن، أو على الأقل القيام بإثارتها لدى الجهات المسئولة كصيغة للإشعار بطبيعة التحديات التي تطرحها تلك القضايا، وتحسيسها بخطورتها قصد التدخل لعلاجها.

خاتمة:

انطلاقا من كل ما تقدم، يمكن القول بأن وضع النساء بمختلف فئاتهن (الفتاة والزوجة والأرملة والمسنة) يحتاج إلى تغييرات عدة، يمكن تقديم اقتراحات عدة بخصوصها، ومنها :

ü     ضرورة التعجيل بأجرأة المقتضيات الحمائية القانونية، خاصة حالات العنف المرتبطة بالحجر المنزلي؛

ü     تعزيز العمل المؤسساتي وتوسيعه ليشمل كافة التراب الوطني بحيث لا يقتصر على عدد من المناطق فقط، وتأهيل مؤسسات المجتمع المدني الشريكة في مجال مكافحة العنف؛

ü     إشراك مختلف الفاعلين (علماء، باحثين، خبراء، عاملين في الحقل القانوني والقضائي، مجالس علمية…) في جهود التحسيس بخطورة العنف ضد النساء على المجتمع، لما لهم من قدرة كبيرة على التأثير؛

ü     إعطاء عناية كبيرة للجهود الوقائية، عبر تنمية الوعي المجتمعي بقيمة وأهمية مكون النساء في المجتمع؛

ü     إبراز القيم الأصيلة النبيلة للمجتمع المغربي، وجعلها منطلقا لتصحيح صورة المرأة، والتي من دلائلها التي نشأ عليها المجتمع المغربي، مصطلحات (أختي، الشريفة، خالتي، الحاجة، الميمة، بنت الحومة … وغيرها) وإبراز النموذج والقدوة من النساء المغربيات خاصة في البرامج الإعلامية؛

ü     تجريم الاستعمال غير الأخلاقي وغير المنضبط للمرأة في وسائل الإعلام ووسائل الاتصال الحديثة (الانترنت، مواقع التواصل الاجتماعي…)

والكلمة الأخيرة لا يمكن إلا أن تكون اختصارا للرسالة التي حملتها الديانات السماوية، وعلى رأسها الشريعة الإسلامية التي جعلت من المرأة الشريك الأساسي الذي تتحقق به سكينة شقيقها الرجل، والتي عبر عنها قوله تعالى: ” ومن ءاياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ” وكذلك استقرار المجتمع وازدهاره، وصدق الشاعر حينما قال: الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت جيلا طيب الأعراق.

المراجع والمصادر

المراجع باللغة العربية:

 ـ وزارة التضامن والمرأة والأسرة والتنمية الاجتماعية: التقرير السنوي الأول حول العنف ضد النساء بالمغرب 2015 م، طبعة 2016 م.

ـ ناريمان فضيل النمري: الآليات الدولية والشرعية الخاصة بحماية حقوق المرأة في ظل العولمة، رسالة درجة الماجيستير في القانون العام، كلية الحقوق جامعة الشرق الأوسط 2014م.

– وزارة الأسرة والتضامن والمساواة والتنمية الاجتماعية: حصيلة تنفيذ إجراءات الخطة الحكومية للمساواة، إكرام 2 / 2017 م– 2018م، تقرير منشور بالموقع الالكتروني للوزارة: http://www.social.gov.ma .

– اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا): تقرير حول وضع المرأة العربية لعام 2017م العنف ضد المرأة: ما حجم الضرر؟ طبعة 2017م.

القوانين:

– القانون بموجب الظهير الشريف رقم307 .03. 1 بتاريخ 16 رمضان 1424الموافق ل 11 نونبر 2003م، الجريدة الرسمية عدد 5175 بتاريخ 12 ذو القعدة 1424 هـ الموافق ل 5 يناير 2004م.

ـ القانون 13-103 في الجريدة الرسمية عدد 6655 بتاريخ جمادى الاخرة 1439 هـ الموافق ل 12 مارس 2018م.

المراجع باللغة الأجنبية:

–  United Nations Human Rights (Office Of the High Commissioner For Human Rights): Working with The United Nations Human Rights program، A Handbook for civil society, 2008.

[1]ـ لمزيد من التفاصيل حول الموضوع، يرجع للإحصائيات المنشورة حول العنف ضد المرأة في الموقع الالكتروني: dammahug.org

[2]– نشير هنا الى أن مرحلة التسعينات تميزت بحراك هام للمغرب في المؤسسات الدولية حيث شغل عددا من المناصب والمسؤوليات في مؤسسات حقوقية دولية عدة.

[3]– وزارة التضامن والمرأة والأسرة والتنمية الاجتماعية: التقرير السنوي الأول حول العنف ضد النساء بالمغرب 2015 م، طبعة 2016 م، ص 7.

[4]– ينص الفصل 19 من الباب الثاني من الدستور المغربي على أنه ” يتمتع الرجل والمرأة على قدم المساواة بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية …”

[5]– نص الفصل 22 من الدستور المغربي على أنه ” لا يجوز المس بالسلامة الجسدية أو المعنوية لأي شخص، في أي ظرف، ومن قبل أي جهة كانت، خاصة أو عامة. لا يجوز لأحد أن يعامل الغير، تحت أية ذريعة، معاملة قاسية أو لا إنسانية أو مهينة أو حاطة بالكرامة الإنسانية …”

[6]– وزارة التضامن والمرأة المساواة والأسرة والتنمية الاجتماعية: التقرير السنوي الأول حول العنف ضد النساء بالمغرب 2015م، م. س،

ص 8.

[7]– لقد صدر القانون الجنائي المغربي في 26 نونبر 1962 م، وتم نشره بالجريدة الرسمية عدد 2640 مكرر من الجريدة الرسمية الصادرة بتاريخ 5 يونيو 1963 م، ودخل حيز التمثيل بتاريخ 17 يونيو 1963، ولقد عرف تعديلات عده في عدد من نصوصه ومنها تلك المتعلقة بالحماية الجنائية في مختلف وضعياتها.

[8]– ينص الفصل 486 من القانون الجنائي المعدل على أن “الاغتصاب هو مواقعه رجل لامرأة بدون رضاها ويعاقب عليه بالسجن من 5 الى 10 سنوات غير أنه إذا كان سن المجني عليها يقل عن 18 سنة أو كانت عاجزة أو معاقة أو معروفة بضعف قواها العقلية أو حاملا، فإن الجاني يعاقب بالسجن من 10 إلى 20 سنة.

[9]– صدر هذا القانون بموجب الظهير الشريف رقم307 .03. 1 بتاريخ 16 رمضان 1424الموافق ل 11 نونبر 2003م، الجريدة الرسمية عدد 5175 بتاريخ 12 ذو القعدة 1424 هـ الموافق ل 5 يناير 2004م.

[10]– نص المشرع المغربي في الفصل المذكور على أنه: “يعاقب بالسجن من 5 إلى 10 سنوات من هتك أو حاول هتك عرض أي شخص ذكرا كان أو أنثى مع استعمال العنف”.

[11]– تم نشر القانون 13-103 في الجريدة الرسمية عدد 6655 بتاريخ جمادى الاخرة 1439 هـ الموافق ل 12 مارس 2018م.

[12]– تنص المادة 2 من القانون 13-103 المغيرة والمتممة لعدد من فصول القانون الجنائي على أنه “يعاقب كل… العنف أو الايذاء ضد المرأة بسبب جنسها أو ضد امرأة حامل، إذا كان حملها بينا او معلوما لدى الفاعل، أو في وضعية إعاقة أو معروفة بضعف قواها العقلية، أو ضد أحد الأصول أو ضد كافل أو ضد زوج أو خاطب… “.

[13]– يُرجع إلى الفقرة 5 من المادة 2 من القانون 103.13 .

[14]– تنص المادة 17 من القانون 103.13 على أنه: ” تتخذ السلطات العمومية كل التدابير…”

[15]– وزارة التضامن والمرآة والأسرة والتنمية الاجتماعية، التقرير السنوي الأول حول العنف ضد النساء بالمغرب 2015م، م. س، ص 7.

[16] ثم إحداث المرصد الوطني للعنف ضد النساء بموجب القرار الوزاري 2852.14 الصادر في 10 شوال 1435 الموافق ل 7 غشت 2014م.

[17]–  United Nations Human Rights ( Office Of the High Commissioner For Human Rights ): Working with The United Nations Human Rights program, A Handbook for civil society, 2008, page 7.

[18]  –  – ناريمان فضيل النمري: الآليات الدولية والشرعية الخاصة بحماية حقوق المرأة في ظل العولمة، رسالة درجة الماجيستير في القانون العام، كلية الحقوق جامعة الشرق الأوسط 2014م ، ص 121 .

[19]– اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا ( الإسكوا ): تقرير حول وضع المرأة العربية لعام 2017م العنف ضد المرأة : ما حجم الضرر ؟ طبعة 2017م، ص 79.

[20]– وزارة الأسرة والتضامن والمساواة والتنمية الاجتماعية: حصيلة تنفيذ إجراءات الخطة الحكومية للمساواة، إكرام 2 / 2017 م– 2018م ، ص 113، تقرير منشور بالموقع  الالكتروني للوزارة : www.social.gov.ma .

https://powderencouraged.com/zht6b3bs66?key=8523542c4aaf6f083ce56f74bd271319
https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من فضاء المعرفة القانونية -espace connaissance juridique

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة