أ. د. أحمد يحيي علي محمد
أستاذ الأدب والنقد المساعد، كلية الألسن، جامعة عين شمس، مصر
مقدمة: الأدب دعوة والقارئ مدعو
الإنسان كائن اجتماعي بطبعه جملة أثيرة طالما ترددت في الآفاق بوصفها من المسلمات، والاجتماع ها هنا كلمة تأخذك إلى الجماعة التي تشكل بناء مركبا مني ومنك، ولهذه الجماعة امتدادات تبدأ بالجماعة المحلية (أبناء الوطن الواحد كمصر على سبيل المثال) ثم تكبر لتصير جماعة إقليمية (الجماعة العربية على سبيل المثال) ثم تتسع لنجد أنفسنا أمام الجماعة الإنسانية التي تمثل الجنس البشري كله، أبناء آدم هذه النفس الواحدة التي منها خرجنا جميعا على اختلاف ألسنة أبنائها وألوانهم وعقائدهم.
إذا فإن هذا التركيب اللغوي العبقري (اجتماعي) يعد بمثابة قانون يحتم على هذا الجزء (الإنسان/ الفرد) الالتحام/ التواصل مع هذا الكل (الجماعة) على اتساعه. ولا شك في أن هذا البعد الإنساني للتواصل لا يأتي منقطعا عن هذه الكلمة الساحرة وما تشع به من معان إنها كلمة (عالم) التي تشمل من بين ما تشمل الأرض التي نحيا فوقها والسماء التي تظلنا والبحر والبشر والجماد والحيوان وأيضا الإنسان؛ إنها كلمة حاشدة إذا ومن ثم فإنك أيها الإنسان الموصوف ب (اجتماعي) على موعد مع هذا الأمر الإلهي “اقرأ” الذي بتنفيذك له تتواصل وتلتحم فتتعلم لتؤدي وظيفتك في إعمار الكون؛ لذا لا عجب أن نجد هذه الكلمة (عالم) تتردد في أفاقنا دائما؛ ومن ثم فإن كل واحد فينا يسير في دنياه حاملا بطاقة دعوة هي في جوهرها قانون/ أمر تعكسه هذه الكلمة “اقرأ” مستخدما أدواته (العقل / القلب/ الجوارح) ليثبت بفاعليته وقدرته على التأثير بالبناء والتغيير دائما إلى الأفضل أنه حاضر/ موجود/ لذا نجد هذه الكلمة (حضارة) انعكاسا لواقع إنساني دائم ومتواصل فكل ما تشيده يد الإنسان بناء على ما يتمخض عنه عقله من فكرة وقلبه من شعور يعد بمثابة لبنات في هذا البناء الذي لا يمثل حكرا على جماعة بشرية بعينها.
هنا يأتي الدور على القلم ليكون شاهدا مسطرا عمل هذا الإنسان وفي كتابته نتوقف أمام خطين بارزين:
- خطر التاريخ الذي يحرص على نقل ما يحصل كما هو.
- الثاني: خط الفن الذي يمنح الخيال فرصة ونحن نعبر عن نتائج هذه المعادلة التفاعلية التي تجمعنا بالعالم من حولنا وفي هذا الخط الثاني تظهر أمام العيون، اللوحة المرسومة، والتمثال المنحوت، والأدب بأنواعه: الشعر، والنثر وفيه (القصة، المسرحية، الرواية، المقال، وفي القديم الخطبة والرسالة والوصية، المثل، الحكمة).
إذا فإن القلم وما يسطره يعد مرآة عاكسة لهذه الدعوة/ الأمر/ القانون “اقرأ” ولقد أدركت الروح الشاعرة الساكنة نفس العربي منذ القدم ذلك بحكمة المجرب عندما قرنت بين معنى كلمة (أدب) والدعوة إلى التواصل والاجتماع، بوصفها فضائل أو لنقل خصائص تشكل قوام الذات البشرية عموا: فها هو ذا الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد يقول:
نحن في المشتاة ندعو الجفلى.. لا ترى الآدب فينا ينتقر.
إن الضمير (نحن) ها هنا يشير إلى الجماعة التي تعد علامة أمان/ قوة فيها يرى الفرد ملامح تميزه، من دونها ربما تنطمس بعض معالمه أو لو شئنا قلنا: هويته، إن الجماعة التي يتحدث صوت الشاعر طرفة باسمها هي (القبيلة): من منا بلا قبيلة/ عائلة (الآباء، الأجداد، الأعمام، الأخوال) تمثل جذورا وسياقا لهذا الفرع الذي هو أنا… إن الأوراق التي أسير أحملها (بطاقتي الشخصية، الشهادات التي تثبت مؤهلاتي) تشهد على هذا الضمير (نحن) الذي أسكنه ويسكنني وظهر ساطعا في سماء الشعر لدى طرفة، فأنا في شهادة الميلاد، والمدرسة، وكارنيه المترو فلان/ فلانة بن فلان بن فلان. إنها العائلة إذا إنها الجماعة إذا..
نعود إلى هذا الصوت الذي يتردد صداه منذ الجاهلية الذي يقول::
نحن في المشتاة، أي في شتاء شديد البرودة، ترى ماذا تفعل في ذلك الوقت الصعب؟ طرفة يقول: ندعو الجفلي، أي ندعو إلى طعامنا وشرابنا دعوة عامة تشمل بمظلتها كل فقير ومسكين وابن سبيل ومحتاج ([1])… وانظر أيها السامع لقولي لترى حالي: لا ترى الآدب فينا ينتقر: إن الآدب هاهنا بمعنى الداعي إلى الطعام والشراب، وإذا ذهبنا إلى المعجم العربي وجدنا من بين جيران هذه الكلمة كلمة (مأدبة) التي تطلق على الطعام والشراب يلتقي حوله جمع من الناس ([2]).
إن هذا الآدب، أي الداعي شخص يحظى بقدر من المثالية قد تدفع الرائي له العارف بفعله إلى الاقتداء به فضلا عن حبه، من منا لا يحب الكرم والكرماء؟ إن اليد العليا عند الله هي اليد التي تبذل العطاء بكل أشكاله: مال/ وقت/ علم/ خلق لويم يراه الناس فيتأثرون فيتبعون… هذه اليد رفيعة المقام خير من اليد السفلى التي تعودت فقط على الأخذ ربما كانت مأزومة في البداية حتى أضحى الحال بمرور الوقت سلوكا ومنهج حياة. إن هذا الآدب/ الداعي كما خطه إحساس الشاعر طرفة لا ينتقر، أي لا يختار ([3])، من يدعوه ومن يتركه، بل إن كرمه عام شامل لا يقف فقط عند أبناء القبيلة، بل يفتح نوافذه ليصافح الآخر من أبناء القبائل الأخرى.
إن طرفة الشاعر في هذا البيت يضعنا أمام معجم عربي نسافر فيه إلى الجذور الدلالية لهذه الكلمة الشائعة بيننا. ألا وهي كلمة (أدب) التي تعد بمثابة أم لعدد من الأبناء، من بينهم (الشعر)… إن جوهر هذه الكلمة إذا يأخذنا إلى الدعوة/ التواصل/ صوت ينادي مؤذنا في الناس هو صوت هذا الأديب/ المبدع الذي معنا يرتدي ثياب الشاعر. وفي مقابلة كيان آخر يستمع ونرجو منه أن يلبي نداء الداعي إنه المستمع/ القارئ. إنه أنا وأنت.
إن طرفة في هذا البيت يقدم لنا مثالا ونموذجا راقيا لهذه الذات المنفتحة بسلام المصافحة للعالم من حولها ترى في الأزمة فرصة مواتية للتواصل لكي يقدم كل واحد فينا مظهرا أنبل ما فيه من خصال؛ فالمشتاة ها هنا تعكس أزمة، وبلا شك فإن لكل أزمة من يتضرر منها. هنا يتبادر سؤال: ما الذي يمكن أن تقدمه لغيرك وقت الشدة. هل سنكتشف عند المحنة ذاك الملاك الذي يسكننا؟ أم لا؟ هل سنتحلى بهذه الفضيلة التي خطها العربي بصوته عندما قال: “لا ترى الآدب فينا ينتقر” إن مواقف الحياة بصفة عامة تعد بمثابة مصابيح مضيئة/ كاشفة تجلي الإنسان أمام نفسه من جانب، وأمام غيره من جانب ثان.
لاحظ معي هنا استخدام الشاعر للضمير الظاهر المنفصل “نحن”، ثم تكراره لهذا الضمير المعبر عن الجماعة متصلا بالفعل المضارع في “ندعو” ثم بحرف الجر في “فينا” في إشارة بليغة إلى الجماعة والتحامها بالمكان الذي يشهد زيارات المدعوين إليها، بالإضافة إلى التحامها باللحظة/ الزمن وما يحصل فيه من أحداث تستحق الوقوف للنظر/ التأمل واتخاذ ما يجب أن يكون ملائما عند الشدة “في المشتاة” فنتاج هذا الاتصال بالزمان وبالمكان يبدو في هذا الحال الراقي الجميل الذي يتجدد ويستمر، وعبر عنه بهذه الجملة الفعلية ذات الفعل المضارع الدال على الحال والاستقبال “ندعو الجفلي”.
إن جماعة طرفة بن العبد عقدت العزم على الخروج من مكانها الضيق لتصافح العموم؛ لتنظر إلى العالم من حولها مظهرة أمامه أفضل ما فيها من خصال تتجمع كلها في هذه الكلمة الساحرة (الكرم)، هذا العالم المتسع نراه في هذه الكلمة التراثية/ القديمة “الجفلى”.
إن الوعي العربي القديم يكرس لفكرة الجماعة التي تكتسب تماسكها من خلال سعي أفرادها، والوطن والحضارة في جوهرهما ما هما إلا جماعة تضافرت عناصرها وتعاونت لتقدم (فضيلة الكرم) معمارا ماديا ومعنويا في العلم والفن وسائر أشكال المعرفة دون قصور في الرؤية يجعل من عطائها حكرا على فئة دون أخرى، إنه العطاء الذي يصب في نهاية المطاف في هذا البنك الجامع الذي منه تنتفع كل أفراد المنظومة البشرية بلا اختيار أو تمييز. أو كما قال العربي القديم فوق مطية هذه اللفظة الساحرة “آدب””: لا ترى الآدب فينا ينتقر”.
إذا نخلص من ذلك كله إلى أن لفظة الأدب التي منها الشعر بالطبع قد خرجت من هذا الجذر الذي فيه (أدب) بمعنى دعا وآدب بمعنى داع لنراها تنطلق من ضيق المعجم إلى رحابة المعنى لتلتقي بما هو ثقافي وإنساني عام.
أمل دنقل في مرمى القراءة
إن الفعل (أبدع) يأخذنا إلى هذه العملية التي قام بها صاحبها، أي عملية إنتاج اعتمدت على مفردات اللغة وتراكيبها وإمكاناتها في سبيل تقديم (منتج) يرضي صاحب هذه العملية ويلبي طموحاته العقلية والوجدانية التي دفعته دفعا إلى ممارسة هذا الفعل. إننا نسمي هذا المنتج الشعري الذي يتراءى أمام العيون بصياغة شكلية نعرفه من خلالها باسم (التجربة الشعرية) إنها القصيدة في شكلها الآخير الذي استقر عليه صاحبها… لكن هذا الشكل ما هو إلا نتيجة لمرحلة سابقة عليه، هذه المرحلة يكشف عنها ما يمكن أن نسميه معادلة تفاعلية جمعت هذا المبدع بالعالم من حوله وما يحصل فيه مما يؤثر في وعي الأديب ويترتب عليه موقف يتخذه ويحتاج إلى أن يبحث له عن سبيل يخرج من خلاله لتستقبله ذوات إنسانية أخرى، فتكون اللغة بإمكاناتها الصوتية والصرفية والنحوية والمعجمية بمثابة الوسيلة التي يلجأ إليها من أجل هذا الغرض… إننا نطلق على هذا التفاعل مع العالم وما يترتب عليه مسمى (التجربة الشعورية) أي هذا الموقف الذي تفرزه معايشة ذات الأديب لعالمها وما ينجم عنه من فكر وشعور يأخذ مكانه في داخلها.
الفاعل: بما أننا في منهجنا سنركز على نصوص الشعر العربي فإن الفاعل الذي سنتصدى له بالمعرفة/ القراءة هو الشاعر المصري أمل دنقل، من أمل دنقل؟
(بطاقة شخصية)
الاسم: محمد أمل فهيم أبو القسام محارب دنقل، اسم الشهر (أمل دنقل).
سنة الميلاد: 1940.
مكان الميلاد: قرية القلعة بمحافظة قنا بصعيد مصر.
- أسرته: ولد ونشأ في أسرة نوبية، كان والده عالم بالأزهر، حصل على إجازة العالمية (أي الليسانس) في عام 1940 فأطلق اسم أمل على مولوده الأول تيمنا بالنجاح الذي أدركه في ذلك العام، كان والده يكتب الشعر العمودي (القصيدة التي تعتمد على نظام الشطرين مع وحدة الوزن والقافية) يمتلك مكتبة ضخمة تضم كتب الفقه والشريعة والتفسير وذخائر التراث التي كانت المصدر الأول لثقافة الشاعر، فقد والده وهو في سن العاشرة فأصبح مسئولا عن أمه وشقيقتيه.
- رحلته في الحياة وفي الأدب: التحق بكلية الآداب في القاهرة لكنه انقطع عن متابعة الدراسة منذ العام الأول ليعمل في وظائف مختلفة كان يترك الواحدة منها ليلتحق بغيرها والسبب هو انصرافه إلى كتابة الشعر الذي كان شغله الرئيس.
- توجهه الفكري: عرف عن أمل دنقل حبه لفكرة القومية العربية التي تعني وحدة الشعوب العربية في تكتل واحد يجمعها ويعبر عن خصوصيتها الحضارية التي تجمع كل شعوبها. وقد اتخذ من الواقع المحيط ومشكلاته مادة يصنع منها قصائده الشعرية، إننا نستطيع أن نصنفه/ نضعه تحت هذه اليافطة الشهيرة (الأدباء الواقعيون) لذا كتب شعرا يعبر عن اتجاه الرفض/ الإدانة/ الخصومة مع كثير مما يقع في عالمه، موظفا في ذلك بالطبع الخيال/ الرمز الذي يميز الأدب عموما([4]).
- المدرسة الشعرية التي ينتمي إليها:: يعد أمل دنقل واحدا من أبناء مدرسة الشعر الجديد/ الحر/ التفعيلة، كلها أسماء تعبر عن القصيدة العربية في ثوب مغاير لثوبها التقليدي (القصيدة العمودية) وذلك بعد أن تخلصت من شكلها القديم الذي اعتدناه وألفناه منذ العصر الجاهلي، فتخلصت من البحر الشعري الواحد (موسيقى القصيدة) الذي يقوم على عدد معين ثابت من التفعيلات (المقطع الموسيقي يطلق عليه تفعيلة)، وتخلصت من وحدة القافية (عندما تنتهي القصيدة بحرف واحد يسمى حرف الروي وحركة واحدة كالفتحة والضمة أو الكسرة)، وقد استبدلت القصيدة في الشعر الجديد بهذا البحر التفعيلة تتكرر في السطر (لم يعد هناك بيت مكون من شطرين بل أصبح هنا في الشعر الجديد سطر) بعدد غير ثابت، فهناك سطر يكون فيه ثلاث تفعيلات، وآخر أربعة وخمسة دون تحديد أو تثبيت لعدد معين… ورائد هذه المدرسة الشعرية التي ينتمي إليها دنقل الشاعرة العراقية نازك الملائكة التي دعت إلى هذا الشكل الجديد في الشعر من خلال ديوانها الأول “شظايا ورماد” في عام 1949 ثم بلورت فكرتها ووضعت نظرية تعبر عن هذا الاتجاه الجديد في كتابة الشعر في كتابها “قضايا الشعر المعاصر 1962″، ومن أشهر شعراء مدرسة الشعر الحر: صلاح عبد الصبور، وأحمد عبد المعطي حجازي، وفاروق شوشة، وفاروق جويدة، ومن خارج مصر: بدر شاكر السياب، وعبد الوهاب البياتي من العراق، ومن سوريا: نزار قباني وأدونيس (عي أحمد سعيد).
- إنتاجه الشعري: عرف القارئ العربي شعره من خلال ديوانه الأول: “البلاء بين يدي زرقاء اليمامة سنة 1969م، الذي جسد فيه إحساس القارئ العربي بنكسة يونيو 1967م وقد صدرت له إلى جانب هذا الديوان خمس مجموعات شعرية: “تعليق على ما حدث 1971، مقتل القمر 1974، العهد الآتي 1975، أقوال جديدة عن حرب البسوس 1983م، أوراق الغرفة 1987م، الذي كتبه قبل موته من وحي إقامته في المستشفى الذي كان يتلقى فيه العلاج ([5]).
- أشهر ألقابه: الشاعر الصعلوك، نظرا لما كان يعانيه أغلب فترات حياته من فقر وحرمان، إضافة إلى سلوك الرفض والخصومة مع كثير مما يحدث في واقعه المحيط؛ فلم يكن شاعر سلطة يقترب منها وينال عطاياها ويحقق منافع معنوية ومادية من خلالها ([6]).
- وفاته: توفي في 21/3/1985.
- أما عن المفعول به/ القصيدة: ستتركز قراءتنا في شعر أمل دنقل على قصيدتين له:
- الأولى: “كلمات سبارتاكوس الأخيرة” من ديوانه “البكاء بين يدي زرقاء اليمامة”.
- الثانية: “الموت في الفراش” من ديوانه” تعليق على ما حدث”.
إذا نحن بصدد تجربتين شعريتين هما ابنتان لتجارب شعرية لها موقعها في الزمن؛ إذ تأخذاننا إلى الفترة من العام 1967 م إلى سنة 1971م التي شهدت خروج قصائد ديوانيه: البكاء بين يدي زرقاء اليمامة، وتعليق على ما حدث، بكل ما تحمله تلك الفترة وما تلاها من مشاعر: الحزن والإحباط، وانكسار الحلم على مستوى الجماعة المصرية والعربية في أعقاب هزيمة يونيو ووفاة هذا الحاكم الذي التف حوله كثيرون في مصر والعالم العربي (جمال عبد الناصر).. هذه المعرفة بلا شك تمثل دعما للقارئ المترجم في رحلة استخراجه للمعنى الذي سينقله إلى لغة مغايرة، هذه المعرفة تمثل عتبات يقف عليها في عملية اكتشافه لهذه المعاني المراد ترجمتها… خصوصا إذا كان هذا المترجم يتعامل مع نص له خصوصية كنص الشعر، الكلمة فيه تأتي مسكونة بإحساس/ عاطفة مردها نفس هذا المبدع الذي تأثرت بما حولها وانعكس ذلك على كلمتها، فما حروفها في الحقيقة إلا خلايا تنبض بشعور انتقل إليها من ذلك الناظم/ الشاعر، فكلما استطعت الوصول إلى ذلك الإحساس في رحلة إدراك المعنى كانت ترجمتك أقرب إلى الدقة.
وإذا كان الأدب يعني الدعوة فإننا مدعوون إلى بيت أمل دنقل الشعري للزيارة / تأمل بعض غرفاته، ننهل من مأدبته التي أعدها بطريقة خاصة تنسجم وذوقه، أي اتجاهه في الفكر (الواقعية)، واتجاهه في الكتابة (الشعر الحر)، وإذا كان الأدب يعني الدعوة فإننا نجد أن هذه الدعوة تتكرر وتتجدد لأن سمتها المضارع الذي يعبر كما نعرف عن الحال والاستقبال، يشير إلى ذلك الفعل “ندعو” في بيت طرفة بن العبد سالف الذكر. صحيح أن عمل الأديب واحد (قصيدة/ قصة/ رواية… الخ) لكن تتعدد قراءاته وتكثر تبعا لعدد من يتلقونه واختلاف أمزجتهم الثقافية وما يترتب على ذلك من أثر يتركونه في النص بالفهم والتحليل والتعليق عليه، تماما كما يترك النص بصمته عليهم بصياغته واحتمالات المعنى الساكنة فيه.
“كلمات سبارتاكوس الأخيرة”: سفر إلى التراث العربي والعالمي في المعرفة.
في هذه القصيدة عنوانها، عبارة عن تركيب إضافي يتكون من:
- مضاف: كلمات.
- مضاف إليه موصوف: سبارتاكوس الأخيرة
إن هذا المضاف إليه يدفعنا إلى الخروج من نص أمل دنقل في رحلته ذهنية وصولا إلى هذه الشخصية التاريخية الشهيرة في الثقافة الرومانية، التي كانت نموذجا للقيادة والثورة على الظلم وغياب العدل، وذلك بهيمنة طبقة تمتلك المال والسلطة، في مقابل طبقة من العبيد ذوي اللون الأسود لا يمتلكون حتى أجسادهم التي يسخرها هؤلاء الموصوفون بالسادة في خدمتهم، كان هذا الثائر الذي قتل في 71 ق . م رمزا مجسدا لأحلام هذه الفئة المستضعفة في الخلاص بالبحث عن إنسانيتها المفقودة بفقد معنى الكرامة ([7])، إن أمل دنقل هاهنا يفتح ذراعي عالمه الفني ليصافح ما هو تاريخي، وذلك في لحظة صعبة ذاقت فيها الجماعة المصرية/ العربية مرارة غياب الحلم بالهزيمة التي كشفت ما هو كامن من قصور وسلبيات شابت حركة الجماعة ومن يقودها في لحظة تعر تاريخية يدركها الجميع (حرب يونيو 1967م)؛ إن الديوان الذي منه هذه القصيدة قد نشر كاملا بعد الهزيمة بسنتين 1969 م إن معاني “الحرية”، العدالة الاجتماعية، الكرامة الإنسانية” قد تعرضت لمحنة قاسية في ذاك الزمن على يد قوى استعمارية عالمية ولم يكن لها أن تحقق ذلك بمفردها لولا خطايا وقع فيها أفراد الجماعة المصرية/ العربية وأسهمت في الوصول إلى هذا الحال…
نلاحظ من خلال جملة العنوان أن هناك ناقصا بالمنظور اللغوي؟ ففيها فراغ يحتاج إلى إكمال، قد يكون في أولها “كلمات سبارتاكوس الأخيرة”. وقد يكون في آخرها” كلمات سبارتاكوس الأخيرة” هنا أسألك: كيف تملأ فراغات هذه الجملة؟
ترى ماذا يكون الناقص؟ هل اسم؟ عندئذ نكون أمام جملة اسمية تتشكل من مبتدأ وخبر على هذا النحو: (هذه كلمات سبارتاكوس الأخيرة):
هذه: مبتدأ.
كلمات” خبر، وهي في الوقت نفسه مضاف، وسبارتاكوس مضاف إليه، الأخيرة صفة لكلمات مرفوعة وعلامة رفعها الضم.
أم أن هذا الناقص فعل قد يكون: أكتب/ أقول مثلا؟ عندئذ نكون أمام جملة فعلية تتكون من: فعل، وفاعل، ومفعول به.
أكتب/أقول: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة.
الفاعل: ضمير مستتر تقديره أنا.
كلمات: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الكسرة، لأنه ينتهي بألف وتاء كجمع المؤنث السالم الذي يأتي منصوبا بالكسرة في موقع النصب.
وقد يلون الناقص في نهاية الجملة: عندئذ يكون المحذوف أو لنقل المسكوت عنه على سبيل المثال: كلمات سبارتاكوس الأخيرة أقرؤها أو أقولها أو أرصدها أو أسجلها. ومن ثم فنحن أمام:
مبتدأ: كلمات مرفوع وعلامة رفعه الضمة، وهو في الوقت نفسه مضاف، سبارتاكوس: مضاف إليه، والأخيرة: صفة لكلمات مرفوعة وعلامة رفعها الضم.
أما الجملة الفعلية: أقرؤها/ أقولها/ أرصدها/ أسجلها فهي تتكون من فعل مضارع وفاعل ومفعول يشير إليه الضمير العائد إلى مؤنث (الهاء) فهي في محل رفع خبر للمبتدأ كلمات.
إن الجملة الاسمية كما تعرف تعبر عن حقيقة، والفعلية تعبر عن حدث مقترن بزمن قد يكون في الماضي أو المضارع أو المستقبل، في كل الأحوال فإن صوت الشاعر أمل دنقل يقيم وصلا مع هذه الشخصية التاريخية “سبارتاكوس” لأنه يرى أن هناك قدرا من التشابه بين تجربة ذاك الرجل في زمانه وتجربته هو في حقبة الستينيات من القرن العشرين في واقعه المصري والعربي، قد يصل هذا الرباط بين الاثنين إلى درجة التماهي أو الذوبان فيها، المهم أن ما سيأتي بعد هذا العنوان هو القصيدة، التي لا شك في أن كلماتها من إبداع الشاعر، إن هذا الانفتاح من قبل أمل دنقل على ما هو تاريخي يأتي في إطار تسمية لها مكانها في الدراسات النقدية الحديثة هي (التناص/ Intertextuality) عندما يتجاوز النص حدوده الذاتية ليعانق غيره من النصوص ([8]). نلمح هذه المعانقة بداية من خلال عنوان الديوان الذي منه هذه القصيدة “البكاء بين يدي زرقاء اليمامة” من زرقاء اليمامة؟ هل مررت ذات مرة على محل للنظارات مكتوب عليه: نظارات زرقاء اليمامة؟ أو نظارات الزرقاء؟ وما العلاقة بين محل للنظارات والعدسات. ورزقاء اليمامة؟ إنها امرأة عربية شاعت سيرتها في العصر الجاهلي، عرف عنها حدة النظر الذي يمكنها من الرؤية والالتقاط على مسافات بعيدة وتحديد طبيعة هذا المرئي، وقد أفاد قومها منها كثيرا إذ كانت تخبرهم بتحركات عدوهم قبل مجيئه، لكنها في نهاية المطاف قد فقئت عيناها؛ إذ تمكن العدو من الانقضاض على أهلها والنيل منها ومنهم، لأنهم ذات مرة سخروا من حديثها ولم يعطوه اهتماما، لكن العربي بوعيه وبكلمته الأدبية الجميلة خلد ذكرها في مثل شهير “أبصر من زرقاء اليمامة” ([9])بوصفها نموذجا لهذا الناصح الأمين الذي ينبه إلى الخطر قبل وقوعه؛ إن الزرقاء تعد نموذجا واضحا لمن يوظف قدراته في سبيل خدمة أهله. والبكاء ها هنا في عالم أمل دنقل الفني إشارة رمزية/ جمالية إلى الطابع الحزين المميز لقصائده في هذا الديوان على وجه الخصوص، هذا الحزن حتما وثيق الصلة بواقع خارجي مأساوي الحال، ومأساته تنبع من سلوك أهله أولا قبل أن تكون آتية من عدوه الساكن خارجه، ويمكن القول إن قصيدة “كلمات سبارتاكوس الأخيرة” هي خاص يرتبط بعام يحتويه ويكتسب خصائصه على مستوى الفكرة والعاطفة من خلاله، هذا العام هو الديوان.
من هذه الرحلة السريعة في عنوان القصيدة، ثم في عنوان الديوان ننتقل إلى بعض تفاصيل القصيدة من الداخل:
“مزج ثان
معلق أنا على مشانق الصباح
وجبهتي-بالموت- محنية
لأنني لم أحنها حية
يا إخوتي الذين يعبرون في الميدان مطرقين
منحدرين في نهاية المساء
في شارع الإسكندر الأكبر
لا تخجلوا ..ولترفعوا عيونكم إلي
لأنكم معلقون جانبي على مشانق القيصر
فلترفعوا عيونكم إلي
لربما إذا التقت عيونكم بالموت في عيني.
يبتسم الفناء داخلي… لأنكم رفعتم رأسكم مرة
….
فلترفعوا عيونكم للثائر المشنوق
…
فالانحناء مر
والعنكبوت فوق أعناق الرجال ينسج الردي
….
مزج رابع
….
يا إخوتي الذين يعبرون في الميدان في انحناء
منحدرين في نهاية المساء
لا تحلموا بعالم سعيد
فخلف كل قيصر يموت قيصر جديد” ([10]).
إن زرقاء اليمامة قد فقئت عيناها لأن أهلها لم يأخذوا تحذيرها مأخذ الجد، وإذا كانت الزرقاء ترى الخطر ببصرها فإن الشاعر المهموم بواقعه وأمثاله من المصلحين المشغولين بقضايا أمتهم يرون ببصيرة تقوم على الاقتراب الشديد والتفاعل والرصد ويضعون وفقا لذلك ما يمكن أن نسميه خرائط للمسير باتجاه المستقبل (تنبؤات) فنكسة 1967م على سبيل المثال قد وجدت من يتوقعها وينبه إليها قبل حدوثها وظهر ذلك في الأدب: فقصيدة “نحن غزاة مدينتنا” على سبيل المثال للشاعر محمد إبراهيم أبو سنة التي نشرت قبل هذه الهزيمة بأسابيع تبدو وكأنها كانت تقرأ ما سوف يحدث.
ويمكن القول أن المترجم المثقف يدخل إلى نصه بمعرفة سابقة تعينه كثيرا على الاقتراب/ المعايشة/ الفهم الدقيق لما ينوي نقله إلى لغة أخرى. ربما قرأ أمل دنقل هذه القصيدة للشاعر (أبو سنة) بعد نشوب الحرب وما لحق بنا من هزيمة نفسية وعسكرية فأيقن هذا الدور الخطير للأديب وللشاعر فجاء اختياره لاسم زرقاء اليمامة ليكون عنوانا لأحد دواوينه ولقصيدة بداخله تحمل التسمية نفسها “البكاء بين يدي زرقاء اليمامة”.
في تعاملك مع قصيدة الشعر اقرأ وردد مرات ولو استطعت فاجعل ذلك بصوت مسموع لك أولا وللمحيطين بك ثانيا إن وجدت عندهم استعدادا ورغبة في ذلك… ثم ليكن الدور بعد ذلك على الكلمات الصعبة نتعرف إلى معانيها في المعجم وصلة هذا المعنى بالسياق الذي تسكنه هذه الكلمة. أي وجودها في داخل جملة في داخل قصيدة… ثم تأتي مرحلة التحليل بدءا من الكلمة وما تتكون منه من حروف وبنيتها وحضورها في داخل تركيب (جملة) وصلة هذه الجملة بسابقها واللاحق الآتي بعدها. وصولا إلى الدلالة في نهاية المطاف.
إننا نقف في هذا النص على سبيل المثال مع كلمة.
“مطرقين” وهي اسم فاعل من أطرق وتعني: الذي يميل رأسه ناحية صدره ولا يتكلم ([11]).
الردى: الهلاك([12]).
إن شاعرنا ها هنا الذي يرتدي ثوب ذاك المصارع الروماني الشهير الذي دافع عن قضية رفاقه من العبيد حتى قتل يقول لنا في مستهل هذا المقطع الذي يصف حالا ويعبر عن حقيقة.
“معلق أنا على مشانق الصباح.
وجبهتي- بالموت- محنية”
إننا هاهنا أمام تقديم وتأخير في الجملة: فاللغة العربية لا تحب الابتداء بالنكرة لذا كان لزاما عليه- إذا ما غضضنا الطرف عن ضرورات الضبط الموسيقي- أن يقول: أنا معلق، لكن هذه العملية التي عالجها البلاغيون العرب في باب علم المعاني ([13])، تقول لنا: إن تقديم ما يجب تأخيره يحدث لأجل أن نهتم ونتوجه بأذهاننا إلى المتقدم ونركز بصرنا العقلي المتأمل عليه؛ إن الشاعر هاهنا يصف حالة ويصورها بكلمته، فنحن الآن أمام صورة شعرية تسترعي الانتباه فيها هذا البطل سبارتاكوس في أزمة هي الموت شنقا في زمان ومكان غاية في الدقة “على مشانق الصباح”، إن هذا الحرف الجر” على يأخذنا إلى المكان (المشنقة) ولنتأمل معا هذه الكلمة الجمع “مشانق” لماذا لم يقل: مشنقة التي تناسب كونه فردا؟ إنه يرى في نفسه نموذجا سيتكرر في كل زمان ومكان، ففي كل عصر سنجد أصحاب القضايا النبيلة الذين يدافعون عنها ويدعون الجمع للالتفاف حولها. ويدفعون أيضا أثمانا باهظة لها كحياتهم/ لكي يأتي الغد المرجو كما نتطلع آملين: لذا تأتي كلمة “الصباح انسجاما مع هذه الغاية المنتظرة التي ينشدها الشاعر في نهاية المطاف بارتدائه ثياب سبارتاكوس.
نحن إذا أمام صورة تشير إلى حقيقة وحال ذي ضلعين يقيمان بناءه:
- حاضر مأزوم: يعبر عنه هذا القول الشعري “معلق أنا على مشانق” تكتمل هيئته بقول أمل دنقل “وجبهتي -بالموت- محنية” إننا ندرك هذا الحال من خلال هذه الواو التي يسميها نحاة العربية بواو الحال وما بعدها يكون جملة اسمية تتشكل من مبتدأ وخبر: (جبهتي، مبتدأ، وجبهة مضاف، وضمير المتكلم الياء: مضاف إليه) والخبر: محنية.. ولننظر معا إلى هذا الجار والمجرور بين شرطتين – بالموت: إنهما أي الشرطتين يعنيان أننا أمام جملة اعتراضية وجودها يضيف إلى الكلام معنى جديدا، لكننا إذا حذفناها لا يختل المعنى ولا يضطرب بناء الكلام، كأنك تستطيع أن تقول: معلق أنا على مشانق الصباح وجبهتي محنية دون أن يكون هناك خلل: فما الجديد إذا الذي يضيفه هذا الاعتراض بالجار والمجرور- بالموت؟ إن هذا الثائر لو كان ضعيفا أو ذليلا فستكون رأسه إلى أسفل أيضا حتى وإن كان في عداد الأحياء بوصف ذلك إمارة وعلامة كاشفة على الخوف الذي يجعل صاحبه كالميت لا يفكر فضلا عن أن يعلي الصوت بحق أو برفض ظلم. أما هو أي سبارتاكوس الذي يتقمص دوره الشاعر فهو وإن شنق حي؛ لأنه يمتلك صفات القوة والشجاعة والجرأة التي يثبت بها حضورا متواصلا في ضمير من سيقتدون به ويسيرون على خطاه… هل تتذكر كلمات عمر المختار المناضل الليبي الشهير ضد الاحتلال الإيطالي لليبيا في النصف الأول من القرن العشرين التي قالها للقائد العسكري لروما هناك.. أما أنا فسيكون عمري أطول من عمر شانقي؟ … وتأتي جملة “لأنني لم أحنها حية” في القصيدة توضيحا وشرحا وإكمالا لجزئيات هذا المشهد الذي يدعو إلى التأمل.
- الضلع الثاني: المستقبل/ الحلم، الذي تشير إليه في القصيدة كلمة “الصباح”، إننا من رحم الأزمة ننتظر دائما هذا الوليد المستقبل الذي نرجوه أن ينأى بنا عن مواطن الخلل والسقوط والتعثر التي يشهدها حاضرنا. وتمهيد الطريق لمجيئه ليست بالأمر الهين أو الثمرة التي تأتينا بالتمني دون سعي وأخذ بالأسباب وإعمال للمتاح من القدرات والإمكانات؛ إن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة وتحصيل النجاح لا يكون فقط بالدعاء والرجاء دون عمل حقيقي وتضحية مطلوبة تمثل ثمنا مدفوعا لما نريد تحصيله من غايات تنتمي إلى هذه القيم المثالية: الحق والخير والجمال، التي تحقق لنا سعادة نشتاق إليها، إذا فإن كلمة صباح عزيزي القارئ المترجم لا تتوقف فقط عند هذا المعنى المباشر الذي بالقطع لا يقصده الشاعر ولا يتوقف عنده ألا وهو الصبح الذي يعني يوما جديدا بعد ليل فائت.
- إن خصوصية النص وتميزه- بحكم خصوصية تجربة صاحبه وطبيعة النوع الأدبي الذي ينتمي إليه- يفرض على وعي القراءة سلطة مفادها أن الشعر لعبة تقوم على الخيال/ المجاز؛ ومن ثم فإن النقل الحرفي للنص يسئ إليه؛ إن الصباح ها هنا وفقا لإحساس الشاعر المتسق مع فكرته يشير إلى الغد/ الحلم/ المستقبل السعيد المنتظر بعد عناء في الواقع الحاضر المعيش، نترقبه ونضحي من أجله؛ إذا فإن تذوقك للنص ومعايشتك له بناء على متعة به ودراية بقوانين بنائه ستؤثر كثيرا.
ننتقل من وصف الحقيقة والحال بواسطة الجملة الاسمية في الجزء السابق من القصيدة إلى الإنشاء / النداء/ الخطاب الذي يقتضي وجود طرفين:
- مناد: أنا/ الناطق الشاعر الذي يتقمص ويمثل شخصية سبارتاكوس في هذا البناء الفني التمثيلي (القصيدة).
- منادى عليه: جماعة بهيئة يرفضها الشاعر ويرغب بحسه الإصلاحي الثائر في تغييرها.
- أداة النداء: يا
- “يا أخوتي الذين يعبرون في الميدان مطرقين.
- منحدرين في نهاية المساء
- في شارع الإسكندر الأكبر”
إن النداء يقتضي وجود مسافة فاصلة بين هذين الطرفين، تدفع المنادي إلى الجهر بالقول، ربما بصوت شديد الارتفاع يضمن وصول محتواه إلى هذا المستمع المنادي عليه. والمسافة ها هنا نتصور أيضا أنها ليست مقصورة على المكان فحسب، بل هي مسافة فكرية ونفسية بينهما، هذا الثائر/ الرافض/ المتمرد على إحباطات واقعه، وذاك المستقبل الذي يتحرك في دنياه (عبر عنها أمل دنقل بقوله “الميدان” ) محملا بمعاني الاستسلام والخنوع والضعف. لكن على الرغم من هذه المسافة فإن شاعرنا يحتفظ بخيط واصل بينه وبين هذه الجماعة المعنية بندائه، نلمح ذلك في قوله “إخوتي” إنه تركيب من مضاف: أخوة، ومضاف إليه تشير إليه هذه الياء الخاصة بالمتكلم المعبرة عن الملكية والنسب بكل ما تحمله من دلالات القرب والمودة، إن شاعرنا منتم إلى جماعته، محب لها، مهموم بمشكلاتها، لكنه في الوقت نفسه لا يقر بها بعضا من سلوكياتها وطرقها في الفكر والأداء التي قد تدفع إلى مثل هذه الحالات السلبية وما تتشبع به من معان يرفضها ويتمرد عليها، لذا فإنه يقف منها على مسافة، يحاول الاحتفاظ لنفسه بموقع خاص يرى منه واقعه من جانب، وما يجب أن يكون عليه من جانب آخر.
إن أمل دنقل الذي يمثل شخصية سبارتاكوس لا يحدثنا من غرفة مغلقة يقدم لنا من خلالها تأملات بمعزل عن العالم الخارجي وما فيه من حركة؛ إنه ينزل إلى شارع الحياة، ميدان الناس، يراهم عن قرب، ولا يكتفي بمجرد المشاهدة الصامتة المستسلمة، بل ينطق بما يرى أن لحظته بحاجة إليه، إن مفهوم الثورة عنده لا يعني الاكتفاء والسعادة والرضا بالجلوس على مقاعد في استديوهات أو قاعات مغلقة للحديث وتبادل الكلمات والرأي والرأي الآخر دون تخطي هذه العتبة. إنما يعني الحركة والتفاعل الذي يقدم رصدا للمشهد بعين اليقين؛ ومن ثم اتخاذ ما يلزم من إجراءات من أجل التغيير، أمل دنقل يحاول فعل ذلك بحيوية وواقعية شديدة، إنه يتعمق في الزمن المضارع الذي يعيش فيه، ويختار له- كما هو الحال في هذه القصيدة وهذا الديوان من الرموز التاريخية التي تحمل من الدلالات ما يناسب اللحظة وما تمر به؛ إن سبارتاكوس ثائر في زمن الأزمة، وزرقاء اليمامة ذات البصر القوي البعيد تدفع حياتها ثمنا لقدراتها التي وظفتها في خدمة جماعتها.
إن سبارتاكوس صاحب الرأس المرفوعة/ صوت أمل دنقل في القصيدة يخاطب أصحاب رؤوس مخفوضة “مطرقين” مصحوبة بصمت لا ينسجم إلا مع الميت الذي لا حراك له، لكن المفارقة ها هنا تكمن أننا أمام موتى يتحركون
“يعبرون الميدان مطرقين
منحدرين في نهاية المساء”
إن الانحدار يعني الحركة بالنزول من مكان مرتفع إلى مكان منخفض يتم ذلك في إطار للمكان أكثر دقة وتحديدا: “في شارع الإسكندر الأكبر”
إننا مع صوت الشاعر نتجول في حالة من الإثارة والتشويق من زمان “الصباح” إلى نقيضه “المساء”، ومن مكان عام غير محدد ولا معلوم “الميدان” إلى خاص معلوم “شارع الإسكندر الأكبر”؛ إن هذه الحركة تضفي على موسيقى القصيدة إيقاعا يندرج تحت ما يسمى ب (الموسيقى الداخلية)؛ فترتيب الكلمات وما بينها من علاقات: طباق، ترادف… الخ تسهم في بناء هذا النوع من الموسيقى الذي يعمل جنبا إلى جنب مع الموسيقى الخارجية التي نلمحها بداية في التفعيلة التي تسير عليها أسطر القصيدة، وهي “مستفعلن” ومتغيراتها بحذف الثاني الساكن لتصير “”متفعلن” أو بحذف السابع الساكن في أحياء أخرى لتكون مرة “مستفعل”، ومرة “متفعل”.
ولا شك في أن بين التعبيرين “مطرقين” و “منحدرين” وشائج قربى تعبر عن وجهة نظر الشاعر الفكرية والنفسية؛ إننا أمام مشهد تمثيلي حركي تلتقطه كاميرا دنقل بالكلمات، فيه جماعة تسير ورءوسها مائلة إلى صدورها دون كلام “مطرقين”، بالتزامن مع حركة نزولية من أعلى إلى أسفل “منحدرين”؛ إننا أمام جناس ناقص، والجناس أحد موضوعات باب البديع في بلاغتنا العربية، والنوع الناقص منه يشير إلى اتفاق اللفظتين في بعض الحروف واختلافها في البعض الآخر مع اختلاف في المعنى ([14])، إن الشاعر هاهنا ذكي في رصده ورؤيته، فاختار لمشهده هذا الجزئيات التي تزيده انسجاما ووضوحا في وعي القارئ؛ إن سبارتاكوس مرفوع الرأس يخاطب جمهورا بهيئة خاصة، هذه الهيئة استسلاميه، انهزامية، والاستسلام يعني أننا أمام ذات ضعيفة، هابطة لا تعلو بشأن نفسها، بل تحط منه، فجاء اتساقا مع هذا الرأي تعبير “منحدرين” وإذا كان الصباح في فهم أمل دنقل يساوي غدا/ مستقبلا أفضل مغايرا لما في الحاضر فلا شك في أن المساء يعني العكس، يعني حاضرا محبطا حزينا؛ لذا أتى لهذه الجماعة التي يرفض حالها بزمان يعكس- بدرجة كبيرة- موقفه تجاهها “المساء”
إذا وشاعرنا الذي يؤدي دور سبارتاكوس ينادي نجد أنفسنا أمام هذه الجملة الفعلية التي جاءت بعد اسم الموصول الذين:
- يعبرون: فعل مضارع
- الفاعل: ضمير مستتر تقديره هم يعود إلى قول الشاعر “إخوتي”
- في الميدان: جار ومجرور.
- مطرقين: حال.
- منحدرين: حال ثان.
- في نهاية المساء: بناء يجمع بين الجر والإضافة.
- لماذا المضارع “يعبرون”؟
إنه يعبر عن الحال الحاصل، فشاعرنا واقعي في قلب العالم، يقدم لنا من داخله مشهدا متجددا؛ إن الجماعة البشرية بصفة عامة دائمة الحركة منذ خلقها الله على الأرض، وفي حركتها تتجارى مظاهر للهزيمة والانكسار تتطلب منها عملا للبحث والوصول إلى مواطن للنجاح والإصلاح وعلاج الأزمات.
بعد هذا الرصد لمشهد المنادي والمنادي عليه، ما الرسالة التي يريد هذا الأول إيصالها للثاني؟
“لا تخجلوا ولترفعوا عيونكم إلي.
لأنكم معلقون جانبي على مشانق القيصر.
فلترفعوا عيونكم إلي.
لربما إذا التقت عيونكم بالموت في عيني.
يبتسم الفناء داخلي لأنكم رفعتم رأسكم مرة.
إن صوت سبارتاكوس يريد من هذه الجماعة المطرقة أن تسعي إلى تبديل حالها السلبي هذا، أن تحيل حالة الخفض هذه إلى رفع، والرفع بالتأكيد لا يعني مجرد رفع الرأس، بل له متعلقات وتوابع؛ فالالتفات من الاستسلام والخوف إلى الجهر بالحق على طريقة سبارتاكوس يجسد حالة الرفع هذه لماذا؟ لأن الكل في جوهر الأمر ميت؛ فهؤلاء الذين اختاروا جانب الاستسلام قد أماتهم الظلم الاستبداد بإحساس الخوف. إن الخوف يجعل صاحبه كالميت، لا يرغب في الفكر الإيجابي. يتجمد على حاله، يسكن، تماما كالجماد، تماما كالميت؛ لأنه بذلك يعطل فضيلة كرم الله بها الإنسان على غيره، ألا وهي فضيلة التفكر/ التدبر/ التأمل بالعقل.. لكن شتان بين ميت وميت، فسبارتاكوس ميت الجسد حي بأفعاله التي أصبحت رمزا سيجد من يقتدي به ويتشبه في أزمنة وأمكنة مغايرة ومتجددة، أما هؤلاء المطرقين فلا سيرة لهم تستحق الاقتداء من قبل من يبحثون عن القدوة.
إن القيصر هاهنا في شعر أمل دنقل تعبير رمزي عن كل سلطة ظالمة تسلب أصحاب الحقوق حقوقهم؛ إنها تخرج من عباءتها التاريخية بوصفها تعبيرا عن حاكم روما الذي كان يأخذ في الماضي هذا اللقب لترتدي في عالم الفن/ الشعر عباءة أكثر اتساعا ومرونة عندما تعكس هذه الحالة السلبية من السطوة والسلب والاستحواذ والتملك.
وفي هذه الرسالة الواصلة بين المنادي والمنادي عليه:
- أسلوب إنشائي/ نهي: “لا تخجلوا.
- أسلوب إنشائي/ أمر: ولترفعوا عيونكم إلي.
- وخلف هذا النهي والأمر علة تبررهما نجدها في:
- أسلوب الشرط المتكون من أداة الشرط “إذا” وفعل الشرط “التقت” وجواب الشرط “يبتسم” إذا التقت عيونكم بالموت في عيني يبتسم الفناء داخلي” وفي جملة الجواب هذه نلمح تركيبا يطلق عليه البلاغيون الاستعارة المكنية وسر الجمال فيها التشخيص “يبتسم الفناء داخلي”: لقد جعل الفناء كما لو كان كائنا حيا/ إنسانا يبتسم، ما الذي يضيفه هذا التعبير الجميل إلى المعنى الذي تقصده أيها المترجم لتنقله؟
إن سبارتاكوس سيموت، ذلك هو الثمن الذي سيدفعه مقابل مواقفه إزاء هذا الخلل، لكنه يريد أن يكون لموته قيمة/ أثر يراه ويستشعره عندما يجد من كافح لأجلهم قد بدءوا في التغير/ في التبدل من السلب إلى الإيجاب/ من الجمود بالاستسلام إلى شيء من الحركة بالمواجهة، إنه يتمنى/ يحلم/ يرجو أن يحصل ذلك حتى لا يكون موته كمدا وحسرة… إنه يريد أن يبتسم ابتسامة رضا تعني أن رحيله ليس نهاية للفكرة، بل بداية لها ستصادف من يحملها، ينادي بها، يدافع عنها، ستجد من تتشخص فيه، لتتحول من فكرة مجردة إلى إنسان يطوف بها، يرسلها إلى القريب والبعيد… المهم أن يتحقق هذا العبور “لأنكم رفعتهم رأسكم مرة “إن شاعرنا واقعي محبط يدرك هذه الحالة المأساوية التي عليها الجمع الذين يخاطبهم، لكنه على الرغم من ذلك لم يصل إلى عتبة اليأس المطلق الذي يعني ألا فائدة. تلك طاقة نفسية يتميز بها- في الغالب – المصلحون، نستشعر ذلك ونحن نقف متأملين متذوقين قوله “مرة.
في الشعر الجديد سمة تميز بعض قصائده، هي أن صاحبها يقسمها إلى مقاطع، لكل مقطع عنوان خاص، هذا التقسيم في الحقيقة هو تقسيم للفكرة وللحالة النفسية وفق نظام معين. وفي هذه القصيدة لأمل دنقل نتوقف عند أربعة مقاطع، اتخذ كل واحد فيها اسم مزج: مزج أول، مزج ثان، مزج ثالث، مزج رابع، وفي النموذج الذي استشهدنا به منها توقفنا عند جزء من المزج الثاني والمزج الرابع. والمزج في اللغة هو: الخلط، أي خلط شيء بشيء فيصيرا ككتلة واحدة، ولا شك في أن هذه الكلمة تتفق والتجربة الشعورية لدنقل التي انعكست على تجربته الشعرية (قصيدته)؛ فنحن بصدد استدعاء لتجربة في التاريخ (سبارتاكوس الذي ثار من أجل معاني الحرية والكرامة من أجل أبناء طبقة معذبة مسحوقة هي طبقة العبيد التي ينتمي إليها وقد انتهت ثورته هذه بقتله)، هذه التجربة من الماضي لها ما يبررها في داخل السياق الزماني والمكاني للشاعر أمل دنقل. وبنظرة أوسع يمكن القول: إن الحديث عن معاني مثل: العيش، والتغيير والحرية والعدالة الاجتماعية نجده يتكرر ويتجدد في أزمنة وأمكنة مختلفة ومتعاقبة، كما هو الحال بالنسبة إلى الشعارات التي رفعتها ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011م، في مصر وما تلاها بعد ذلك من نتائج.
إن الحلم في البداية قد يولد ضعيفا، ثم ينتقل بعد ذلك إلى مرحلة الفتوة والقوة والانتشار، وقد يتعرض في أوقات لمحن وعثرات بحكم قانون الحياة المستمر: لكل فعل رد فعل، فكل خير حتما سيواجه شرا، وكل بطل نبيل سيواجه من يقف أمامه ويعترض مسيره، هكذا كان حال الفرد والجماعة في زمن سبارتاكوس وفي زمن أمل دنقل الذي ظهر فيه ديوانه هذا. ومن ثم فإن كلمة مزج التي اختارها دنقل لتكون عنوانا لكل مقطع من مقاطع قصيدته تأخذنا- بصفة عامة- إلى ما يمكن أن نسميه وحدة التجربة الإنسانية وتشابه تجارب أهلها؛ ففي كل ماض فائت سنجد ما يلامس شيئا في حاضرنا… وبأمثلة محددة على ذلك نتوقف أمام: عنترة بن شداد في كفاحه ضد العنصرية، ضد سطوة طبقة على طبقة في العصر الجاهلي، نتوقف في عصرنا الحديث أمام مارتن لوثر كينج في أمريكا في ثورته لينال السود حقوقهم في مجتمع يجعل من اللون ومن الأصل/ الجذر معيارا لتصنيف البشر فيقدم فئة في المكانات والحقوق ويؤخر أخرى.. وهناك مسلسل أمريكي شهير يناقش عبر عدد من الأجزاء سيرة أسرة أمريكية سوداء اللون منذ بداية هجرتها من الساحل الإفريقي على يد بعض تجار الرقيق إلى الساحل الأمريكي يحمل عنوان (جذور/ Roots) وفي جنوب إفريقيا نزور هذا الزعيم المناضل نيلسون مانديللا الذي فعل الشيء نفسه كعنترة ولوثر كينج؛ فبين هذه الشخصيات جميعا وشائج قربى ومواطن تشابه وإن اختلفت أطر الزمان والمكان التي ظهروا فيها..
في المزج الرابع من القصيدة نجد المشهد الإنساني نفسه يتكرر مع بعض الاختلافات والإضافات:
“يا إخوتي الذين يعيشون في الميدان في انحناء
منحدرين في نهاية المساء.
لا تحلموا بعالم سعيد.
فخلف كل قيصر يموت قيصر جديد”
هنا يبدو في فضاء تساؤلي لا ينفك يغادر وعي التلقي نسق استفهامي مفاده: ما الفرق بين: “مطرقين” في قوله “يا إخوتي الذين يعبرون في الميدان مطرقين” و “في انحناء” في قوله: “يا أخوتي الذين يعبرون في الميدان في انحناء”؟
إن مطرقين في العبارة الأولى حال؛ فكيف الشأن بالنسبة إلى “في انحناء” في العبارة الثانية؟
إننا أمام جار “في” ومجرور “انحناء” والجار والمجرور هاهنا في محل نصب حال شبه جملة، نحن بصدد حال يتكرر، والتكرار – غالبا- يأتي بغرض التأكيد والتركيز على موقف ومعنى معين يقصده صاحب الكلام، والملاحظ هاهنا أن صوت الشاعر لا يكرر كلامه كما هو بشكل حرفي، بل يكرر مع بعض التغيير والإضافة، وقد لاحظنا ذلك ونحن نقارن إعرابيا بين “مطرقين”، و “في انحناء”” إن هذا التركيب الأخير في دلالته يبدو أوسع وأشمل، فإمالة الرأس باتجاه الصدر في “مطرقين” تأتي مصحوبة بصمت، لكن هذه العملية في “في انحناء” لا يشترط فيها الصمت، بل ربما يكون هذا الانحناء ملازما لحالة من الكلام. إن الأمر يبدو من وجهة نظر ذات متفائلة، أو تمني نفسها على الأقل قد تطور، فهذه الحالة الانهزامية من قبل الجماعة المصحوبة بصمت كأنه الموت في “مطرقين” لم تعد هي هي، نعم يبقى حال الانحناء/ الذل كما هو لكن قد يتغير الحال درجة لنجد صوتا أو مجموعة من الأصوات قد بدأت في الظهور والارتفاع على استحياء، لكن سيبقى الظلم كما هو، ستبقى سطوة المستبد كما هي، ستبقى قيم الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية غائبة إن لم يحدث تغيير جذري فترتفع الهامات في قوة وشجاعة وجرأة لتواجه أزمتها وهي تمتلك إرادة الإنسان الفاعل الذي استخلفه ربه على أرضه ليعمرها؛ لذا يضيف صوت الشاعر في هذا المزج الرابع ما لم يقله في المزج الثاني:
“لا تحلموا بعالم سعيد
فخلف كل قيصر يموت قيصر جديد”
إن هذه الرسالة الواصلة بين المنادي: صوت أمل دنقل المتدثر بثوب سبارتاكوس، والمنادى عليه: الجماعة الإنسانية المنحنية/ المهزومة بضعفها متى وجدت وأينما وجدت تؤكد على واقعية هذا الرجل وإيجابيته؛ فالأخذ بالأسباب والمشي في مناكب الأرض سنن كونية لا بد منها” إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ([15]).
تعليق
من خلال هذا النموذج من قصيدة “كلمات سبارتاكوس الأخيرة” نستطيع أن نقول الآتي:
- إن القصيدة في مجملها عبارة “عن استعارة” لو أفدنا من هذا المصطلح في بلاغتنا العربية- لقد استعار دنقل شخصية سبارتاكوس وتماهي فيها. أي أذاب نفسه فيها. وقال على لسانها؛ فشاعرنا لم يقل مثلا: سأقول مثل سبارتاكوس، أو أكتب كاسبارتاكوس، بل تخيل- والشعر مثل أنواع الفن الأخرى لعبة تقوم على الخيال- أنه هو سبارتاكوس ذات واحدة، ربما لتشابه الحال هنا وهناك؛ ربما لأنه وجد بينه وبين سبارتاكوس نقاط اتفاق عديدة، منها أن سبارتاكوس كان فقيرا يعاني الحرمان والاحتياج يستوي في ذلك مع العبيد الذين ينتمي إلى طبقتهم، كذلك أمل دنقل في معظم فترات حياته، لكنه أحال فقره إلى طاقة إيجابية حملها إبداعه يواجه به واقعه المأزوم، ولا ننس أنه قد أطلق عليه في مرحلة من حياته لقب “الشاعر الصعلوك”.
- في قصيدة أمل دنقل إيقاع موسيقي داخلي يضيف إلى جمالها، ففيها المقابلة والمقابلة كما نعرف في باب البديع وهو من أبواب البلاغة العربية تعني العلاقة الضدية بين جملتين، هذه المقابلة نلمحها ونحن نقود بصياغة الدلالة التي نستخرجها من البنية الشكلية الظاهرة للقصيدة، ذات شاعرة تثور على واقع سلبي. في مقابل: جماعة مستسلمة بخوفها وضعفها لحالها المأساوي هذا… وإلى جوار ذلك أيضا نلمح قوله: “قيصر جديد” وقيصر يموت” كلاهما يعبر عما يمكن أن نطلق عليه: بقاء الوضع على ما هو عليه أو ما نسميه في استخدامنا الشائع “محلك سر” ماذا لو قلت لك اكتب موضوعا تحت هذا العنوان: “خلف كل قيصر يموت قيصر جديد “أو بتعبيرنا نحن “محلك سر”؟ هناك الطباق: الذي يعني العلاقة الضدية بين لفظتين، وهو أيضا من موضوعات البديع في بلاغتنا العربية. نرى ذلك في كلمة المساء وما توحي به في شعر دنقل، والصباح وما ترمز إليه ([16]). وهناك أيضا في النظام الموسيقى الداخلي للقصيدة: الترادف الذي يعني الكلمتين يلتقيان عند معنى معين، نلمح ذلك في: مطرقين. ومنحدرين: كلاهما يتقاطع عند دلالة الحركة إلى أسفل. الأولى بالرأس والثانية سيرا بالأقدام، وبالمثل العلاقة الترادفية الواصلة بين هذه التعابير الثلاثة: مطرقين، منحدرين، في انحناء، هيئات ثلاثة متشابهة بدرجة كبيرة في معانيها المتجهة ناحية موصوف واحد يتمثل في تلك الجماعة السلبية غير الراغبة في التغيير، الراضية بما هي فيه على قبحه.
- بل إن هذه الحالة الضدية ذات الطابع البديعي تعلو فوق النص ذاته فتتسع عندما نرصد متأملين الموقف الفكري/ النفسي للشاعر المبني على الرفض في مواجهة واقع خارجي يدين بشدة ما فيه: إننا إذا أمام ذات محبطة، هنا يكون السؤال: إلى أي مدى تصل هذه الذات بحالتها العاطفية، هل إلى درجة اليأس المطلق؟ أم الحزن الذي يتعلق بأهداب الأمل؟
- ومن خلال هذا النموذج نكتشف أننا أمام حكاية قد تمت صياغتها بالشعر، فيها: بطل ثائر: يمثله صوت الشاعر المرتدي ثياب سبارتاكوس- سطوة واقع مستبد يعبر عنه جماليا: القيصر- جماعة: تؤدي دور المستضعف السلبي عرفناها من خلال تعابير ثلاثة “مطرقين” منحدرين” “في انحناء” – زمان: المساء الذي يشير إلى اشتداد الأزمة وخلفه زمن واقعي يأخذنا إلى فترة هزيمة يونيو 1967م- مكان: يأخذنا إلى ما هو واقعي قريب في البيئة المصرية على وجه التحديد “شارع الإسكندر الأكبر” – الحدث: عبارة عن شخصية تتجه إلى مصير مأساوي بالشنق لمواقفها، وفي ثنايا هذا الحدث تقول كلماتها الأخيرة قبيل الموت- ولكل حكاية دائما روا يقوم بنقلها والراوي هاهنا يؤدي دور التمثيل والرواية معا: إنه أمل دنقل الذي يطالعنا في هذه القصيدة بشخصية سبارتاكوس.
مرئيات شاعر جوال في شارع الحياة
هل تلاحظ معي هذا الإيقاع البديعي الجميل الذي تحمله الكلمتان: شاعر، شارع؛ أرأيت كيف يتغير المعنى كثيرا ويتأثر لمجرد حرف يتحرك من مكانه سواء بالتقديم أو بالتأخير، عين تقدمت وراء تأخرت صرنا أمام شاعر، وفي الثانية العكس: عين تأخرت وراء تقدمت صرنا في شارع.. الصياغة في اللغة أشبه بلعبة المكعبات الفك والتركيب يؤدي دوره في تكوين الشكل الذي نريد وأخيرا: هل هناك من حيث المعنى علاقة تربط بين شاعر، وشارع؟؟ ما رأيك؟ ولا تنس أن الشارع اسم فاعل من شرع، أي هذا الشخص الذي يقنن، أي يضع القانون.. والشارع أيضا هو الشخص الذي يهم بالقيام بعمل معين… كأن تقول: سأشرع في المذاكرة الآن أي أهم بالمذاكرة؛ إذا أنت شارع اسم فاعل.. المترجم يحمل مدققا لغويا يستطيع به التصنيف والتمييز بين المعاني التي تحملها الصياغة الواحدة للكلمة: فشارع أي مكان/ طريق يسير فيه الناس، غير شارع: أي واضع قانون ونقول عنه أيضا مشرع، اسم فاعل من غير الثلاثي إذا كان الفعل مزيدا بالتضعيف (شرع) غير شارع، بمعنى يهم لأداء عمل معين.
في العلاقة التي تصل بين شاعر وشارع:
الشاعر صوت ينطلق بلغته/ قصيدته في فضاء يتلقاه يستمع إليه/يقرؤه… هنا نجد أنفسنا أمام كلمة شارع. إن الشارع كلمة تتسع وتتمدد بمعناها لتعبر عن هذا الجمهور الذي يتلقى إبداع الأديب ولتكون معبرا عن واقع الحياة وحركته، هذا الواقع الذي ينتقي منه المبدع مادة يصوغها في فنة… فلا يوجد فن ينشأ من عدم، كل فن هو منتج تم تصنيعه من مادة خام مستقاة من سابق قد يكون واقعا/ شارعا ينزل إليه الأديب يتحرك بين جنباته يتطلع ببصره وبعقله وبقلبه ويتأثر ويسجل استعدادا لمرحلة التصنيع التي ستظهر في شكل نهائي يعاد إرساله إلى الشاعر مرة أخرى… فالشارع هاهنا ليس مجرد محلات، لوحات معلقة، وسيارات ونافورات.. الخ الشارع: حالة من التفاعل والامتزاج بين البشر والجماد والحيوان يسفر عن أحداث، عن أفكار تختزنها هذه العقول العاشقة للكلمة تظهرها في أدب أو تعبر عنها في رسم، أو في نحت أو في مقطوعة موسيقية كتلك التي ننفعل بها مع واحد مثل: عمار الشريعي، وعمر خيرت، وغيرهما.. هؤلاء أيضا يعشقون الكلمة لكنهم يخرجونها بطريقتهم ووفقا لقانون الفن الذي تخصصوا فيه.
نعود إلى أمل دنقل:
إن شاعرنا يستمر في جولته في شارع الحياة على اتساعه؛ إننا نستطيع أن نتخذ من الميدان والشارع في قصيدته “كلمات سبارتاكوس الأخيرة” طرف خيط يأخذنا إلى ما يمكن أن نسميه مشاهدات شاعر واقعي متجول في شارع الحياة، ففي قصيدة “الموت في الفراش” من ديوانه “تعليق على ما حدث” يمكننا الوقوف عند بعض من هذه المشاهدات في المقطع رقم (2)، ننصت إلى لسانه الناطق بناء على عينه التي رأت:
“نافورة حمراء
طفل يبيع الفل بين العربات
مقتولة تنتظر السيارة البيضاء
كلب يحك أنفه على عمود النور
مقهي، مذياع، ونرد صاخب، وطاولات.
أندية ليلية
كتابة ضوئية
الصحف الدامية العنوان… بيض الصفحات
حوائط وملصقات
تدعو لرؤية الأب الجالس فوق الشجرة، والثورة المنتصرة ([17])
إن الشعر من الشعور، والشعور منبعه القلب، والقلب- كما يقال- سلطان الجوارح، فبناء على ما يمليه تنشط الجوارح، العين للرؤية، والأذن للسمع والإنصات، واليد للبطش، والقدم للحركة.. إن أمل دنقل يلتقط صورة الشعرية عبر اللغة وهو وهي في حالة من الحركة، يفتح نوافذه ولا يكتفي بذلك، بل ينزل للحركة/ التجوال/ التفاعل هكذا شأن المهمومين بعالمهم، يقتربون منه، ليلتقطوا من تفاصيله ما يستحق من وجهة نظرهم الرصد والتعليق… فشارع الإسكندر الأكبر في القصيدة السابقة من ديوان “البكاء بين يدي زرقاء اليمامة” يقترب منه ونقترب منه أكثر فأكثر بعين أمل دنقل/ بلسانه وقبل ذلك بقلبه، كأنها علاقة الإجمال والتفصيل، أو ما يطلق عليه في باب علم المعاني في بلاغتنا العربية الإيجاز في مقابل الإطناب ([18])، لقد عرفنا هذا الشارع مجرد اسم في قصيدة كلمات سبارتاكوس، وها نحن أولاء ننتقل من مع دنقل من مرحلة الإدراك الذهني إلى رؤية بصرية شديدة الالتحام بما هو واقعي في عالم الحقيقة. إن الصعلوك الذي وصلتنا أخباره منذ العصر الجاهلي ([19])، كثير العدو والحركة بخفة وسرعة مستخدما في ذلك قدميه، وأمل دنقل الملقب بالشاعر الصعلوك يفعل الشيء نفسه، ينزل إلى أحد شوارع الحياة في بيئته المصرية، وفي مشهد حي يقدم لنا جانبا من حياة يومية في عالم المدينة، في هذا المشهد ما يبدو مبعثرا لا علاقة وثيقة تربط بين أجزائه؛ فهنا نافورة، وهناك طفل يبيع الفل لا يعرف أصحاب العربات ولا يعرفونه؛ كلاهما بحكم الدور الذي يؤديه ينظر إلى الآخر، وقد لا يعبأ بعض قائدي السيارات حتى بمجرد النظر إلى ذاك الطفل البائس، قد تحدث عملية بيع وشراء بين الاثنين (يرتجيها ذاك الطفل)، وقد لا تحدث، وهذه مقتولة صدمتها سيارة، وهذا كلب يحاول التخلص من شيء يؤلمه في عمود إنارة.. كما أن جو الليل الذي غادرناه في “كلمات سبارتاكوس” ما يزال حاضرا معنا في هذا المقطع من “الموت في الفراش” نلمح ذلك في تعبيره بعد “أندية ليلية”، كتابة ضوئية”، إننا أمام مشهد مزيج/ خليط بامتياز، يجتمع فيه الثابت بالمتحرك، البشر بالجماد والحيوان، السمع القائم على الالتقاط بالأذن مع البصر القائم على الرؤية بالعين. لكن ما الذي يمكن أن يجمع هذا المبعثر؟ إنه جو المدينة الصاخب، أو لو شئت قلت: مجتمع الغرباء، الزحام، القادم بالقائم، والماشي بالجالس، إن أمل دنقل ينزل بنا في هذه الجولة إلى جانب من دفتر يوميات مجتمع المدينة هذا؛ إنه مشهد له سمة التكرار بشكل شبه يومي. يقدمه إلينا الشاعر في سياق نظرته إلى أزمة مستفحلة في عالمه الواقعي المعيش.. فعلى الرغم من أن الجماعة. المصرية/ العربية تمر بلحظات استثنائية صعبة/ بمأزق حضاري خطير للغاية، انحسرت فيه مساحات الأحلام مع انحسار الأرض وتناقصها بالتزامن مع هذه الهجمة القاسية للعدو الصهيوني ومن يسانده ويدعمه في العام السابع والستين من القرن المنصرم فإن الحياة في مجتمع المدينة المصري تبدو طبيعية بما لا ينسجم وطبيعة تلك اللحظة الصعبة وما يدور فيها من حوادث جسام. إن كاميرا الشاعر التي تلتقط بالعين وتكون باللغة تقدم دليل إدانة/ شهادة على هذه الجماعة تستنكر فيه موقفها وحالها. تستطيع بعد ذلك أن تقيم ربطا دلاليا بين قوله في قصيدة “كلمات سبارتاكوس الأخيرة”، فخلف كل قيصر يموت قيصر جديد” وتفاصيل هذا المشهد في “الموت في الفراش”: سيبقى الظلم على حاله، سيبقى المستبد يذهب واحد ليأتي آخر ما بقيت الجماعة على حالها. والدليل المفصل الشاهد على ذلك هذا المقطع الحي من قصيدة أمل دنقل التي بين أيدينا الآن…
سؤال من وعي القراءة:
وأنت ترى وتقرأ بصحبة أمل دنقل ما الوصف الذي يمكن أن تضعه لجماعة بهذا الحال؟. جماعة تعيش يوما ثابتا يتكرر دون جديد، في وقت تتزاحم فيه المحن وتشتد وطأتها على الأمة والأوطان؟
إن عنوان الديوان “تعليق على ما حدث” ليس ببعيد عن هذا العنوان الفرعي لإحدى قصائده “الموت في الفراش”: جرت العادة في مجتمعاتنا أن الذي يموت على فراشه نقول عنه: مات ميتة طبيعية أليس كذلك؟ في مقابل من مات في حادثة أو في حرب أو أصيب في عمل فمات.. الخ دائما أبدا في كل النصوص التي نصافحها بالقراءة علاقة وثيقة قوية تصل العنوان بالتفاصيل من الداخل تجعل من هذا العنوان بالنسبة إلى العين القارئة مبررا ومقنعا بدرجة كبيرة. ونستطيع أن نلمح لهذا العنوان للقصيدة أكثر من ذراع.
- الأول: باتجاه الجماعة التي إن بقيت على هذا الحال من الغفلة تكرر يومها وتعيش حياتها دون وعي أو إدراك لطبيعة اللحظة وكيفية التعامل معها فسينقضي الأجل وستموت دون علامة تشهد لها بعطاء وبناء يشير إليها ويبقي لها ذكرا في سجل صناع الحضارة.
- الثاني: باتجاه هذا الثائر القلق المتمرد الغاضب الذي ينظر إلى واقع الجماعة فيزداد ألمه لدرجة تعجل من موته هو؛ لذا نلمح ما عسى أن يكون ناقصا في بناء العنوان، ألا وهو هذا المفعول لأجله (كمدا/ حسرة)، كأنه أراد أن يقول لنفسه ومن على شاكلتها من الثائرين المهمومين ولغيرهم “هذا الموت في الفراش كمدا وحسرة”.
- باتجاه المتلقي: في كل زمان ومكان، إن الشاعر بهذا العنوان لقصيدته وما يأتي تحته يخاطب قارئا غير معلوم الزمان والمكان، كأنه يقول له: هذا الموت في الفراش كما أراه، فما شكل الموت في الفراش كما تراه؟ إن تجربة الشاعر الشعورية والشعرية تتحرك في الزمان والمكان حركة نشطة تصافح مستقبلها ليدخل الاثنان معا في حالة حوارية حتما ستفرز شيئا جديدا..
في عمق هذا المشهد الحي نلمح محذوفا به يكتمل بنيان هذه الجمل التي تبدو ناقصة بما يتفق وهذا الواصف الرائي “أمل دنقل”، هذا المحذوف هو اسم الإشارة، هذا، وهذه:
هذه نافورة- هذا طفل- هذه مقتولة- هذا كلب- هذه حوائط وملصقات.
إننا إذا أمام تراكيب اسمية تتشكل من مبتدأ معرفة (اسم الإشارة: هذا/ هذه)، وخبر في هيئة النكرة، نافورة، طفل، مقتولة، كلب، أندية، هل يدفعك هذا التنكير إلى الفضول لتعرف على سبيل المثال: من هذا الطفل؟ وما تفاصيل حياته التي كانت سببا ألجأه إلى هذا الحال المأساوي؟ من عائلته؟ أين أبوه؟ إن قلم الكاتب والأديب وعمل الفنان بصفة عامة ينشط في مثل تلك الحالات ليعبر بالمقال والقصة والرواية. ليحيل هذه الصور المرئية إلى نصوص لغوية تحاور من يقرؤها، هل تتذكر الآن لتقارن بين هذه الفتاة المسكينة في قصة “نظرة” ليوسف إدريس وهذا الطفل عند أمل دنقل؟.بل ربما رأت وترى عينك أمثال هؤلاء كثيرين في يومياتك.. وبالمثل من هذه المقتولة؟ أين كانت ذاهبة؟ ومن أين خرجت؟ ومن أهلها؟ وما حالهم الآن؟ وما المصير؟ تتوالد الحكايات وتتناثر وتخرج وتتفتح من قلب هذه التفاصيل التي تضعها أمام العيون كاميرا أمل دنقل.
إن اللون الأحمر يخيم على جو هذا المشهد: “نافورة حمراء”، مقتولة، فالمقتولة بلا شك تنزف دما والدم بالطبع لونه أحمر، “الصحف الدامية العنوان”، ربما يقصد أمل دنقل هذه العناوين المكبرة البارزة في صدر صفحات الجرائد المكتوبة باللون الأحمر، لكن هل يقصد دنقل شيئا غير ذلك؟ هل يقصد أن مضامينها تأتي مخضبة بالدم؟ إن مصر في تلك الفترة كانت في حرب وقتال، الصراع بينها وبين العدو الصهيوني لم يتوقف ومن ثم لا يكف الدم عن النزيف، هل المقصود أن المكتوب الذي يرصد ويعلق على الحاصل في الواقع يدعو إلى الأسى ويجرح النفس ويؤلمها تماما كما ينجرح الجسد فينزف الدم؟ أنت تمر كل يوم تقريبا على الصحف مع بائع الجرائد، هل تتوقف ببصرك عند هذه العناوين الدامية؟ ما الذي تستثيره فيك. ما الذي لفت نظرك إليها اليوم؟ ما الذي كان يمكن أن تفعله لو أنت مكان هذا الصحفي الذي كتب هذا العنوان؟ ما الذي تقترحه عليه في الصياغة؟ وفي التفاصيل الآتية بعد العنوان من الداخل؟ ما رأيك في دقة ما يعرض وصدق ما ينشر؟ هل ترى صحيح تماما، أم أنه على درجة عالية من المبالغة؟ أم أنك ترى أنه يكذب؟ خصوصا إن الخبر في معناه: كلام يساق إلى قارئه قد يحتمل الصدق. وقد يحتمل الكذب؟ هل تفند ما تقرؤه؟ تجادله؟ أم أنك للوهلة الأولى تصدق تلقائيا كل ما تقرأ وكل ما تشاهد؟ وأخيرا كيف ستترجم هذا المقروء؟
“حوائط وملصقات“
في قصيدة أمل دنقل هذا التعبير “حوائط وملصقات” ما الصور التي تحملها؟ وما الكلمات التي كتبت عليها؟ إن الملصقات تأخذنا إلى ما هو شائع ومنتشر بيننا الآن مما يعرف بفن الجرافيتي ([20])، أي فن الرسم على الحوائط مع الكتابة بخطوط مكبرة غليظة بغرض الدعايا لشيء معين وفي أعقاب ثورة 25 يناير انتشر هذا الفن في بلدنا بدرجة كبيرة انسجاما مع هذا الزلزال الذي رج أركان المجتمع المصري ووصلت توابعه إلى المحيطين.
إن الثائر المتأمل ببصره، الناطق بلسانه، الكاتب بقلمه ونموذجه الذي معنا الآن أمل دنقل يسير في شارع الحياة يرصد ليعلق. هنا تنشط المقارنة بالتزامن مع هذا السؤال الفضولي: ما الذي كان علي هذه الحوائط التي رآها أمل دنقل؟ لقد أشار إليها مجرد إشارة دون أن يعطينا تفاصيل.. ولو أردنا أن نقيم مقارنة: ما الفرق بين ما كانت تحتويه هذه الحوائط والملصقات عند دنقل وفي زمانه، وما تقدمه رسوم الجرافيتي في أيامنا هذه؟
أخيرا:
يمكن القول: إن المتلقي الإيجابي نصف كاتب، يترك بلا شك بصمته وروحه على النص الذي ينقله من لغة إلى أخرى، يبدو ذلك في اختياره للألفاظ والجمل وفي صياغته لها يما يتسق والمعنى والإحساس الذي يظنه يسكن ما يقوم بتأويله.
إن تعبير “تدعو لرؤية الجالس فوق الشجرة” يشير إلى حالة الورطة والأزمة والعزلة، كالذي ذهب ليعالج خطأ فوقع هو فيه: إننا هنا أمام كناية وفقا لمصطلح البلاغة العربية وباب علم البيان فيها الذي يهتم بجانب الخيال.
لننظر إلى الإحساس الساكن خلف قوله “الثورة المنتصرة” وعلامة التعجب الكائنة أمامها؛ إن شاعرنا ها هنا يسخر من تزييف الوعي في وسائل الإعلام المختلفة وفي غيرها التي ما زالت في زمان كتابته لشعره هذا تتغنى بثورة يوليو وأمجادها، بينما الحال الحاصل هزيمة وانكسار وانحسار للحلم يدعو للبكاء والرثاء.
إننا إذا بصدد حالة جمالية طرفيها واقع يسكن منطقة النفي على المستوى الذهني والشعوري بالنسبة إلى وعي الأديب، أما عن الأداة الكاشفة عن هذه المنطقة فهي البناء الشعري الذي يقدم وصفا فنيا لها وفي ثناياه وفي بنيته العميقة إثبات يعد بمثابة فرودس مفقود، إنه منطقة الحلم المتمناة التي تنشدها عموما كل ذات إنسانية مفكرة قلقة لا تكتفي من حياتها بالمتابعة السلبية المستسلمة المتصالحة لما يشوبها ويصحبها من مقومات أزمة تحتاج إلى طاقة دفع ومقاومة، تعد بمثابة رد الفعل لمرسل واقعي يشغل بما يموج به موقع الفعل؛ هي إذا ثنائيات إطارية تعد بمثابة الوعاء الحاضن لكل من: الواقع والفنان، والمنتج الفني، والمتلقي؛ ألا وهي:
- ثنائية: (الواقع والفن).
- ثنائية (الفعل ورد الفعل).
- ثنائية (النفي والإثبات)
[1] ابن منظور، لسان العرب، مادة جفل، الموسوعة الشعرية الإلكترونية، إصدار 2003م، المجمع الثقافي العربي، الإمارات العربية المتحدة.
[2] ابن منظور، لسان العرب، مادة أدب
[3] ابن منظور، لسان العرب، مادة نقر
[4] انظر: دائرة المعارف العالمية على الإنترنت: WWW,Wikipedia.org
[5] انظر: دائرة المعارف العالمية على الإنترنت www.wikepedia.org
[6] انظر: مقدمة الأعمال الشعرية الكاملة لأمل دنقل بقلم د. عبد العزيز المقالح، ص 24، الطبعة الثالثة 1407ه، 1987م، مكتب مدبولي، القاهرة.
[7] انظر: دائرة المعارف العالمية على الإنترنت.
[8] انظر: د. محمد عناني، المصطلحات الأدبية الحديثة (دراسة ومعجم)، ص 46، 47، الطبعة الأولى، 1996م، العالمية للنشر (لو نجمان)، القاهرة.
[9] انظر: الميداني، مجمع الأمثال، الموسوعة الشعرية الإلكترونية، إصدار 2003م، المجمع الثقافي العربي بالإمارات.
[10] انظر: أمل دنقل، الأعمال الشعرية الكاملة، ديوان: البكاء بين يدي زرقاء اليمامة، قصيدة: “كلمات سبارتاكوس الأخيرة، ص 110، 111، 114، ولا بد من الإشارة إلى أن النقاط المنفردة في سطور تشير إلى نصوص من داخل القصيدة لم يتم الإشارة إليها، وهذا ما يشجعك على الذهاب إلى الديوان وقراءة النص كاملا، أما هذه النقاط التي نلمحها بين كلمات أمل دنقل في بعض سطور قصيدته فهي من صنيعه هو أو ربما كانت من صنيع محرر أعماله الشعرية، أي من جمعها وأشرف على طباعتها.
[11] انظر: ابن منظور، لسان العرب، مادة طرق.
[12] انظر: ابن منظور، لسان العرب، مادة: ردى
[13] انظر: السيد أحمد الهاشمي، جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع، باب علم المعاني، مبحث التقديم والتأخير، من ص 112 إلى ص 116، مكتبة ابن خلدون، الإسكندرية.
[14] انظر: السيد أحمد الهاشمي، جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع، باب البديع، مبحث الجناس، من ص 320 إلى ص 324.
[15] سورة الرعد من الآية 11
[16] انظر: السيد أحمد الهاشمي، جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع، مبحث الطباق والمقابلة، ص 291، 292
[17] أمل دنقل، الأعمال الشعرية الكاملة، ديوان: تعليق على ما حدث، قصيدة “الموت في الفراش”، المقطع الثاني من القصيدة، ص 250.
[18] السيد أحمد الهاشمي، جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع، باب علم المعاني، مبجث الإيجاز، ومبحث الإطناب من ص 179 إلى ص 188؟.
[19] يراجع: لسان العرب لابن منظور: مادة صعلك، ويراجع تقصي لا كتاب الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي لدكتور يوسف خليف.
[20] انظر: دائرة المعارف العالمية على الإنترنت: WWW.wikipedia.org



اترك رد