الدكتور / محمد خيري
أستاذ التعليم العالي سابقا بكلية العلوم القانونية
والاقتصادية والاجتماعية بالدار البيضاء
محام بهيئة المحامين بالدار البيضاء
لقد منح المشرع للمحافظ إمكانية رفض كل طلب تسجيل أو تقييد أو تشطيب لا يستجيب للمقتضيات المقررة في قانون التحفيظ العقاري ويستفاد هذا من خلال ما ورد في الفقرة الأخيرة من الفصل 77 من ظهير التحفيظ العقاري حيث نصت على ما يلي “عند عدم تنفيذ هذه المقتضيات فإن المحافظ يرفض التسجيل ويرد لطالبه الوثائق المدلى بها وصحبها بتصريح كتابي يبين فيه أسباب الرفض “
والمشرع لم يحدد الحالات التي يجوز فيها للمحافظ رفض التسجيل ولكن يمكن استنتاج حالات كثيرة بالاستناد إلى الفقرة الأخيرة من الفصل 77 المشار إليه آنفا. كما يستفاد أيضا من الفصل 72 حيث أوجب على المحافظ أن يتحقق – تحت مسؤوليته – من هوية المفوت وأهليته وكذا صحة الوثائق المدلى بها تأييدا للمطلب شكلا وجوهرا.
فالمسؤولية الملقاة على المحافظ في هذا المجال هي التي تبرز له اتخاذ قرار رفض كل تسجيل لا يستجيب للمقتضيات المتعلقة بالتسجيل العقاري.
فإذا تبين لذوي العلاقة بأن أسباب الرفض غير مبنية على أساس فإنه يحق لهم الطعن في قرارات المحافظ لمدى المحكمة الابتدائية التي يتعين عليها أن تبث في هذا الطعن مع الحق في الاستئناف أو لدى المحكمة الإدارية خارج الحالات المنصوص عليها في الفصل 96 ظهير التحفيظ العقاري .
ولقد تمت الإشارة إلى إمكانية الطعن استنادا إلى الفصل 96 من ظهير 12، غشت 1913 وتولى الفصل 10 من القرار الوزيري (3 يونيو 1915) بيان طريقة الطعن حيث ورد الفقرة الأولى من هذا
الفصل ما يلي: “وفي حالة إذا رفض المحفظ أن يحفظ عقارا كلا أو بعضا أو أن يسجل حقا عينيا أو يشطب عليه بالسجلات العقارية فإن قراره يجب أن يكون معللا وأن يبلغ للطالب بدون تأخير”.
ونشير بأن رفض المحافظ لا يتمثل دائما في رفض طلب تسجيل حق بل يمكن أن يكون في شكل رفض التشطيب على حق مسجل، وفي كلتا الحالتين يحق للمعني بالأمر الطعن في هذه القرارات بواسطة مقال كتابي يوجه إلى كتابة ضبط المحكمة الابتدائية يبين فيه طالبه بكيفية مختصرة وقائع النزاع والأسباب المستند إليها قصد مراجعة القرار المطعون فيه ويجب أن يتم الطعن في قرار المحافظ خلال أجل شهر واحد من تبليغ القرار.
ويجب أن يكون الطعن موجها مباشرة ضد المحافظ دون غيره، ودون إدخال أي طرف آخر والا فسيكون الطعن مرفوضا، لأن الطعن يجب أن يكون موجها ضد قرار المحافظ لا ضد تصرفات أشخاص آخرين، ولهذا يجب على طالب التسجيل أن يتأكد بداية من الموقف الذي يجب اتخاذه، فإذا تبين له بأن قررا المحافظ برفض التسجيل أو رفض التشطيب لا يستند على أساس وأن كل الوثائق المقدمة إليه صحيحة فسيكون من حقه الطعن في هذا القرار ضد المحافظ.
وإذا تبين له بأن قرار المحافظ يستند إلى أسباب معقولة إما لعدم صحة الوثائق المقدمة أو لنقصان بعض الإجراءات فيتحتم عليه في هذه الحالة إتمام الإجراءات الناقصة أو إقامة دعوى ضد المالك الذي كان طرفا في العقد مع لجوئه إلى طلب تقييد احتياطي للحفاظ على رتبة حقوقه إن كان ذلك ممكنا.
والطعن في قرار المحافظ يتخذ فيه طالب التسجيل صفة المدعي والمحافظ صفة المدعى عليه، ولا يمكن اعتبار هذا لوصف من قبيل الإجراءات الشكلية بل أنها تعتبر إجراء جوهريا.
مما يبرز ضرورة توجيه الطعن ضد المحافظ هو أن رئيس المحكمة يتوجب عليه أن يبلغ المحافظ مقال الطعن الذي رفعه إليه، ويجب على المحافظ أن يدلي بمذكرة جوابية يبين فيها الأسباب المبررة للقرار موضوع الطعن، وذلك خلال خمسة عشر يوما، واذا اقتضى الحال يجب أن يرفق مذكرته بملف القضية والوثائق التي استند إليها في اتخاذ قراره وفقا للمقتضات المقررة في الفصل 10 من الظهير 3 يونيو 1915 والمتعلق بكيفية تطبيق تفاصيل نظام التحفيظ العقاري، وتقوم كتابة الضبط من جانبها بتبليغ المعني بالأمر بمحتوى الذكرة التي بعث بها المحفظ لكي يرد عليها خلال خمسة عشر يوما.
ولا يتم البت في القضية إلا بعد انتهاء تبادل الطرفين لمذكراتهم حيث يتعين على المحكمة بعد ذلك أن تصدر قرارها في الموضوع.
والحكم الصادر في هذه الحالة يمكن استئنافه عند الاقتضاء داخل أجل 30 يوما من تبليغه لكل من المحافظ والأطراف.
والحق في الاستئناف يمكن مباشرته من طرف المحافظ أو من طرف الطاعن في قراره وتجري نفس المسطرة أمام محكمة الاستئناف مع احترام المقتضيات المقررة أمام محاكم الاستئناف.
والأحكام الاستئنافية هي بدورها يمكن الطعن فيها عن طريق النقض لدى المجلس الأعلى.
وحينما يستفيد الأطراف جميع طرق الطعن المقررة ويصبح الحكم نهائيا فإن الحكم لا يكاد يخرج عن حالتين:
– إما رفض الطعن وفي هذه الحالة فإن قرار المحافظ برفض التسجيل سيبقى ساري المفعول ويتحمل الطرف المعني بالأمر جميع المصاريف القضائية المترتبة عن الطعن،
– وأما أن يقضي الحكم بإلغاء القرار موضوع الطعن حيث يجب على المحافظ أن يطبق الحكم على نسخة من الحكم الابتدائي أو الاستئنافي أو على شهادة تثبت أن الحكم أصبح نهائيا طبقا لما هو مقرر في الفقرة 9 من الفصل العاشر من القرار الوزيري الصادر في 20رجب1333 ( 3 يونيو 1915) المقرر لتفاصيل تطبيق النظام العقاري للتحفيظ.
وحسب الفصل 97 من ظهير التحفيظ العقاري وكذا الفصل 10 من القرار الوزيري المشار إليه آنفا فيمكن للمحكمة أن تحدد قدر الصوائر التي يتحملها المحافظ إذا أكد لها صدور خطأ جسيم من جانبه.
ويستنتج من مقتضيات الفصل 97 أيضا أن أغلب المسائل التي يغفل عنها محافظ الأملاك العقارية أو تحصل منه بطريقة فاسدة وغير صحيحة أثناء مزاولته لوظيفته تنشئ من جانبه خطأ شخصيا.
ويظهر أن هذا النص بما يحتوي عليه من شدة لم يكن للاعتبارات القانونية عند وضعه من أهمية، إلا الرغبة في إبعاد المسؤولية عن الدولة وتجنبها أمر تعويض المتضررين عن الأخطاء المصلحية التي تصدر عن إدارة المحافظة العقارية.
وإذا فلا يكون من الحتمي أن يقع البحث في هذا المضمار عن طريقة للتمييز بين الأخطاء الشخصية والأخطاء الجسيمة لتكون صالحة لأن تستعمل بالنسبة للأصناف الأخرى من الموظفين العموميين.
ونشير أنه يمكن لطالب التسجيل الذي ألغى أو رفض طلبه أن يتتبع أحد الطريقين للطعن في قرارات المحافظ:
– الطعن لدى المحافظ العام للملكية العقارية، ويعتبر هذا بمثابة تظلم رئاسي ولكن دون السير في مسطرة الطعن في القرارات الإدارية حتى نهايتها. ويحق للمحافظ العام في هذه الحالة تعديل قرار المحافظ الإقليمي إذا ما ثبت لديه عدم شرعية القرار الصادر وذلك بتوجيه أمر إليه يقضي بالتراجع عن قراره دون أن يستطيع المحافظ العام الحلول محل المحفظ الإقليمي لأن مسؤولية المحافظ في هذا الإطار تعتبر مسؤولية شخصية،
– الطعن لدى الجهات القضائية المختصة حيث يمكن للمعني بالأمر اللجوء إلى المحكمة الابتدائية أولا واتباع مسطرة التقاضي حتى نهايتها.
فهل يمكن للمعني بالأمر سلوك الطريقين معا في آن واحد، مما قد يتسبب في اتخاذ قرارات متناقضة من طرف المحافظ العام ومن طرف المحكمة؟
إن صلاحيات المحافظ العام تخول له طلب أي ملف قصد البحث فيه واتخاذ قرار بشأنه حسب مقتضيات الفقرة الثالثة من الفصل الأول من ظهير 1953/12/16 المحدد لصلاحيات المحافظ العام للملكية العقارية. وقد ورد في الفقرة المذكورة ما يلي “بإمكان المحافظ العام من أجل اتخاذ القرار الملائم طلب أي ملف للتحفيظ أو العمليات المتعلقة به إما مباشرة إما بناء على طلب من المعنيين بالأمر”.
كما أن للمحكمة بدورها صلاحية البت في قرار المحافظ برفض التسجيل أو التشطيب.
إذن كيف سيكون موقف المحافظ في حالة توصله بأمر من المحافظ العام يقضي بتأييد قراره مما يعزز من موقفه، ثم يتوصل بحكم قضائي يقضي بإلغاء القرار المطعون فيه؟
إن وجود المحافظ أمام هذا التناقض سيجعله في موقف حرج بالنسبة للمحافظ العام الذي يعتبر بمثابة رئيس إداري للمحافظين وعليه الالتزام بتعليماته. وسيقع نفس الحرج حينما يجد المحافظ نفسه أمام حكم يتعين تنفيذه.
ونرى بأن إزالة هذا التناقض يكمن في اتباع طريق واحد دون الآخر وعلى المعني بالأمر أن يختار اللجوء إلى المحكمة أو إلى المحافظ العام، وفي اللجوء إلى المحكمة ضمانات أكثر لأنه يمنح المعني بالأمر ممارسة طرق الطعن حتى نهايتها مع الإشارة إلى أن مقتضيات الفصل 360 من قانون المسطرة المدنية يشير في فقرته الثانية إلى أن التظلم الإداري إجراء اختياري لا إجباري بحيث يمكن للمعني بالأمر أن يختار ما يخوله له القانون صراحة.
وكثيرا ما تثار مسألة الاختصاص كذلك حينما يتم الطعن في قرارات المحافظين لدى جهات أخرى غير المحكمة الابتدائية حيث يدفع بعض المحافظين بعدم الاختصاص إذا ما قدم الطعن أمام المجلس الأعلى أو أمام المحكمة الإدارية.
فيتشبت بعض المحافظين بعدم الاختصاص استنادا إلى الفصل 96 من ظهير التحفيظ العقاري.
وهنا ينبغي التذكير أن قرارات المحافظ تخضع بشكل استثنائي لدعوى القضاء العادي أو الشامل، لأن المبدأ العام المتعلق باختصاص المجلس الأعلى بالنظر في طلبات الإلغاء المرفوعة ضد المقررات الإدارية له استثناء فيما يرجع للمحافظ على الملكية العقارية الذي يعتبر سلطة إدارية وتتصف مقرراته بكونها مقررات إدارية في مواجهة المتعاملين مع نظام التحفيظ العقاري، وهو الاستثناء الوارد في الفصل 96 يجعل اختصاص المحكمة الابتدائية منحصرا في الحالات التالية:
– حالة وفض المحافظ تحفيظ العقار،
– حالة رفض المحافظ تسجيل حق عيني،
– حالة رفض المحافظ التشطيب على حق عيني. وهذه الحالات ينبغي أن تكون مبررة بعدم كفاية الحجج والسندات المقدمة للمحافظ. وفي غير هذه الحالات ينزع الاختصاص عن المحكمة الابتدائية ويسند إلى المحاكم الإدارية طبقا للقانون رقم91-41 المحدث للمحاكم الإدارية.
ويستنتج مما سبق أن اختصاص المحكمة الابتدائية للنظر في قرارات المحافظ العقاري محددة بالفصول 32 و96 و103 من ظهير التحفيظ العقاري وكذا الفصل 10 من القرار الوزيري الصادر في 3 يونيو 1915. وخارج هذه الحالات يعود الاختصاص للمحاكم الإدارية صاحبة الولاية العامة على القرارات الإدارية.
والتساؤل الذي سيبقى مثار نقاش هو لماذا أعطى المشرع صلاحية الطعن في تلك الحالات للمحكمة الابتدائية رغم أهميتها وخطورتها أحيانا؟ ألم يكن من الملائم اللجوء إلى جهة قضائية واحدة بالنسبة لجميع القرارات التي يتخذها المحافظ؟
الملاحظ أنه قبل إحداث المحاكم الإدارية كان المجلس الأعلى ينظر في القضايا المعروضة عليه عن طريق دعوى الإلغاء حيث يكون هو قاضي الموضوع وله الصلاحية للبت في جميع جوانبها الواقعية والقانونية وبالقدر الضروري الذي مكنه من البت في مشروعية القرار المطعون فيه.
ومنذ صدور القانون رقم 41.90 المحدث للمحاكم الإدارية فقد أصبحت الطعون ضد مقررات المحافظين في غير الحالات المنصوص عليها في الفصل 96 المشار إليها توجه إلى المحكمة الإدارية المعنية تطبيقا للمادة 8 من القانون المحدث لهذه المحاكم، فهي تختص بالبت ابتدائيا مع مراعاة المقتضيات الواردة في المادتين 9 و11 في القضايا التالية:
-في طلبات إلغاء قرارات السلطات الإدارية بسبب تجاوز السلطة،
-في دعاوي التعويض عن الأضرار التي تسببها أعمال ونشاطات أشخاص القانون العام.
ويتبين من هذا أن الطعون الموجهة ضد قرارات المحافظين أصبحت من اختصاص المحاكم الإدارية كدرجة ابتدائية، مع إمكانية الطعن فيها أمام محاكم الاستئناف الإدارية.
ويستنتج من هذا أن الطاعن أصبح يستفيد من مبدأ التقاضي على درجتين بدل درجة واحدة كما كان عليه الأمر في السابق وهو ما يشكل ضمانة إضافية بالنسبة للأفراد وحتى بالنسبة للمحافظين.



اترك رد