دلالاته النظرية وتطبيقاته الدولية

ذ. محمد بوبوش

باحث في العلاقات الدولية و القانون الدولي،

جامعة محمد الخامس ، أكدال- الرباط

يعتبر الحكم الذاتي ذو تاريخ طويل في التفكير الإنساني والفلسفي والقانوني ، هذا الأمر أكسبه شيئا من الغموض والتعقيد نتيجة للمعاني والأدوار التاريخية التي مر بها، وللازدواج في مدلولها بين الجانب السياسي والجانب القانوني . والحكم الذاتي كمفهوم يصعب ضبطه نظريا ([1])، إذ غلب على وجوده في إطار القانون الدولي الطابع الانتقالي والإشكالي . كما أن دلالاته تختلف من سياق لآخر وفقا للظروف والملابسات والأهداف المضمرة والمعلنة وعلاقات القوى التي يطرح لصياغتها، وذلك يرتب اختفاء الضوابط النظرية والقانونية وتضاؤل أهمية المرجع التاريخي مقارنة بعلاقات القوى ، وهو الأمر الذي يفسح المجال للنزاعات الأيديولوجية والسياسية في التعامل مع المفهوم ، حيث يحاول البعض طرح صيغ ومفاهيم صورية للحكم الذاتي تفصل بين الشعب والإقليم الذي يقيم فيه ، كما لو كان الشعب معلقا في الهواء لا أرض له ، ونشأ في فراغ خارج الإقليم والتاريخ.

ومصدر ذلك – في جزء منه على الأقل – هو غموض المفهوم وطابعه الانتقالي وافتقاد سلطة ضبط نظرية وقانونية يمكن الاحتكام إليها للفصل حول الاختلاف حول حدود المفهوم في حالة لجوء الأطراف المتنازعة إليها. وقد بدأ مفهوم الحكم الذاتي في البروز عندما هجرت الدول الاستعمارية سياسة نظام المركزية في إدارة شؤون مستعمراتها، ولجأت إلى تطبيق الحكم الذاتي بهدف تحويل رابطة الاستعمار بينها وبين مستعمراتها إلى علاقة اشتراك ([2]) بمعنى آخر بقاء المستعمرات في حالة تبعية ، ولكن في إطار جديد هو الحكم الذاتي ، ومن هنا كانت العلاقة القانونية بين الدول المستعمرة والأقاليم الخاضعة لها، علاقة داخلية بحتة ، لذلك فإنه يصعب تحديد العلاقة بين الطرفين على أساس مبادئ القانون الدولي العام ، غير أن التحولات التي عرفها العالم بعد الحرب العالمية الأولى 1918-1914 وتأسيس عصبة الأمم (.S. D. N) وتبنيها لنظام حماية الأقليات ، ونظام الانتداب ، جعلت مفهوم الحكم الذاتي يعرف تطورا أساسيا، فقد تمكنت الدول الاستعمارية من إيجاد صيغة قانونية لاستمرار هيمنتها الاستعمارية ، وذلك عن طريق تطبيقها لنظام الحكم الذاتي في مستعمراتها . وقد أدى هذا التطور الذي شهده مفهوم الحكم الذاتي إلى خروجه من نطاقه الضيق كعلاقة داخلية إلى المجال الدولي واكتسابه بعدا قانونيا دوليا . وتم التنصيص عليه بعد ذلك في ميثاق الأمم المتحدة .

أولا : الأصول النظرية لمفهوم الحكم الذاتي

يمكن القول إن الحكم الذاتي في إطار القانون الدولي العام يعني ” صيغة قانونية لمفهوم سياسي يتضمن منح نوع من الاستقلال الذاتي للأقاليم المستعمرة لأنها أصبحت من الوجهتين السياسية والاقتصادية جديرة بأن تقف وحدها مع ممارسة الدولة المستعمرة السيادة عليها” . وقد يطلق عليه أيضا الحكم الذاتي الدولي Internationale Autonomic وهو ينشأ بواسطة وثيقة دولية ، سواء أكانت معاهدة دولية تعقد بين دولتين بشأن إقليم خاضع لسيطرتها ([3]) و عن طريق اتفاقيات تبرمها منظمة الأمم المتحدة وقبلها عصبة الأمم مع الدول الأعضاء القائمة بإدارة الأقاليم الخاضعة لها، لهذا فإن هناك علاقات توصف من الوجهة القانونية بأنها دولية ، وتخضع لقواعد القانون الدولي العام ، فهو نموذج للعلاقات الدولية.
كما يقصد باصطلاح الحكم الذاتي Self- Government من وجهة نظر القانون الدولي أن يحكم الإقليم نفسه بنفسه . وهناك من الشراح من يفرق بين اصطلاح Self- Government وبين الأوتونومي ، فيرى في الأول معنى اللامركزية Decentralisation التي قد يتمتع بها أحد الأقاليم في إطار الدولة ،أما الثاني فيمثل له بالدول الأعضاء في اتحاد فيدرالي حيث تتمتع الدولة العضو في الاتحاد بتشريعها وإدارتها وقضائها وتملك كل وظائف السلطة الخاصة بالدولة   les fonctions de puissance étatiques وعلى ذلك فإنها تتمتع باستقلال ذاتي ([4]).

ونحن لا نؤيد مثل هذه التفرقة ونرى أن من الأوفق أن يطلق على حقوق الإقليم الذي يتمتع بقدر كبير من اللامركزية اسم الحكم المحلي Local Government للتفرقة بينه وبين الحكم الذاتي Self- Government أما اصطلاح Autonomy فإنه يعني الاستقلال الذاتي أو الحق في الحكم الذاتي . وغني عن الإشارة أنه إذا كان المنطق يقول بأن خصائص الاستقلال إنما تشمل ضمنا صلاحيات الحكم الذاتي بالإضافة إلى الصلاحيات الأخرى لممارسة السيادة الكاملة ،إلا أنه من غير الجائز أن يقال عن دولة كاملة السيادة أنها تتمتع بالحكم الذاتي لأن ذلك سوف يعني التخصص وأنها لا تتمتع إلا بالحكم الذاتي دون باقي صلاحيات الدولة كاملة السيادة .

وهناك من الشراح من يرى أن اصطلاح الاستقلال الذاتي Autonomy إنما يعني الاستقلال الكامل لوحدة معينة داخليا وخارجيا وهو يفرق بذلك بينه وبين اصطلاح الحكم الذاتي Self- Government والذي يقتصر على بعض السلطات والصلاحيات في الأقاليم ناقصة السيادة ([5]) .

ولم يعرف القانون الدولي صورة واحدة للحكم الذاتي وإن كان ذلك الاصطلاح قد ارتبط تاريخيا بالمستعمرات وبالفترات الانتقالية التي سبقت استقلال الدول المستعمرة ولكن الحكم الذاتي ينطبق أيضا على أشكال أخرى من حكومات الأقاليم التي ترتبط باتحاد فيدرالي ، أو بالدول التي تمنح أحد أقاليمها حكما ذاتيا لإقناع ذلك الإقليم بالبقاء في إطار الدولة الأم .

كما أن القانون الدولي لم يحدد نمطا واحدا لسلطات الحكم الذاتي وإنما تختلف هذه السلطات من حالة إلى أخرى . وإن كان يمكن القول بصفة عامة أن هذه السلطات لا تشمل عادة الشؤون الخارجية والدفاع وإن لم يكن هناك ما يمنع حصول سلطة الحكم الذاتي على بعض اختصاصات الشؤون الخارجية والدفاع بشكل محدود.

ثانيا : الحكم الذاتي في ظل عصبة الأمم ومنظمة الأمم المتحدة
1. عصبة الأمم

في أعقاب الحرب العالمية الأولى عام 1918 وبناء على اقتراح من الجنرال سمطس رئيس وفد جنوب إفريقيا في مؤتمر الصلح للدول المنتصرة ، تم وضع أسس نظام الانتداب ، الذي اعتبر حلا وسطا بين أنصار فكرة ضم المستعمرات الألمانية والمناطق التابعة للدولة العثمانية وبين القائلين بوضع هذه المناطق تحت إشراف إدارة دولية ([6]). وهذه المناطق هي المستعمرات والممتلكات الألمانية السابقة في القارة الإفريقية والمحيط الهادي .وكذلك الأقاليم التي كانت خاضعة للسيادة العثمانية في شبه الجزيرة العربية وهي العراق وسوريا وفلسطين ولبنان وشرق الأردن .

وكانت بريطانيا العظمى وفرنسا قد شرعتا بالفعل في معاهدات سرية وقعت قبل تحقيق النصر في اقتسام تلك الأقاليم بالطريقة التقليدية السافرة كحلفاء منتصرين على نحو ما كان يجري عليه العمل من قبل ، ولكن ذلك كان من شأنه أن يلصق بالدولتين تهمة إقرار مبدأ التوسع عن طريق الغزو والفتح وضم الأراضي بالقوة ، الأمر الذي كان يتعارض مع إعلانات تحرير الشعوب ومع مبدأ تقرير المصير الذي أعلنه الرئيس الأمريكي ويلسون ، والذي كان له ولبلاده دور كبير في تحقيق النصر، ولذلك فقد تم التوصل إلى هذا الابتكار الجديد في ذلك الوقت الذي يتيح للدول الاستعمارية أكبر قدر من التواجد والحصول على ثمار الاستعمار تحت مظلة الانتداب .

وقد حددت المادة 22 من عهد عصبة الأمم الغرض منة نظام الانتداب بأنه : الأخذ بيد الشعوب التي انتزعت من يد الأعداء ولازالت غير مؤهلة لإدارة نفسها في الظروف الصعبة الدقيقة للعالم المعاصر.

وإن رفاهية هذه الشعوب وتقدمها هي رسالة حضارية مقدسة Mission Sacrée de la civilisation يجب أن يناط تحقيقها ببعض الضمانات وأن أداء هذه الرسالة على خير وجه إنما يتحقق بأن يعهد بالوصاية على هذه الشعوب إلى الأمم المتقدمة التي بسبب مواردها وتجاربها ووضعها الجغرافي سوف تكون أصلح من غيرها في تحمل هذه المسؤولية متى قبلت .وعلى أن تتولى الوصاية بوصفها منتدبة ، أو وكيلة عن عصبة الأمم وباسم هذه المنظمة العالمية.

وينشأ عن الاختصاصات المحددة للدولة المنتدبة أن المعاهدات التي تعقدها لا تنطبق حكما على الدولة المنتدب عليها .وأن القوانين الداخلية الخاصة بها لا تطبق في الإقليم المنتدب عليها، وأن القوانين  الداخلية الخاصة بها لا تطبق في الإقليم المنتدب عليه كما تلتزم الدولة المنتدبة بمراعاة حرمة الأراضي للإقليم المنتدب عليه ،كذلك لا يعتبر سكان الأقاليم المنتدب عليها من رعايا الدولة المنتدبة.

في عهد العصبة ، لم يكن هناك نص صريح بشأن الحكم الذاتي ، ويعود ذلك إلى فكرة السياسة الاستعمارية ذاتها والتطورات التي حصلت في مفهومها وممارستها، فبالرغم من الآمال التي علقت على عهد العصبة من أنها تأخذ بيد الجماعات التي لم تكن لها فرصة للتعبير عن وجودها نحو تحقيق ذاتها في دول مستقلة فإن الوقائع السياسية والتاريخية أثبتت أن دور العصبة في هذا المجال كان مقتصرا على إضفاء الصفة الشرعية على تلك العلاقة الاستعمارية القديمة ، وذلك بنقلها من علاقة داخلية بحتة تنظمها دولة الأصل بحكم سلطانها الداخلي (دون رقابة دولية ) إلى مجال القانون الدولي ، حيث أصبحت مسؤولية دولية من مسؤوليات المجتمع الدولي (ممثلا في عصبة الأمم )، وبتعبير آخر، فإن نية الدول الاستعمارية لم تكن متجهة – في الواقع – إلى منح حكم ذاتي كامل أو استقلال تام للشعوب التي كانت خاضعة لها . وللتأكيد على ذلك فقد ربطت العصبة حصول هذه الشعوب على الاستقلال بشروط معينة ، كأن يتم هذا الاستقلال على أساس أن تتولى إدارة هذه الأقاليم دولة تنتدبها العصبة لهذا الغرض ، إذ نصت المادة 4/22 من العهد على أن ” بعض الجماعات التي كانت تتبع الدولة العثمانية فيما مضى ، قد بلغت درجة من الرقي والتقدم يمكن الاعتراف بها أمما مستقلة ، بشرط أن تسدي الدولة صاحبة الانتداب بالنصح والمعونة ، حتى يأتي الوقت الذي تستطيع
فيه أن تعتمد على نفسها” ([7]).

ومن جهة أخرى ، فإن الدول الكبرى التي اشتركت في تأسيس العصبة لم تكن ذاتها مقتنعة بمبادئها وأهدافها، بل إن هذه الدول اتخذت العصبة كأداة لتحقيق سياستها الخارجية . فالدول التي أنشأت نظام الانتداب أرادت به أن يكون ستارا يخفي نواياها الاستعمارية وأغراضها الاستغلالية ([8]).

وبناء على ما سبق، يمكن القول بأن عدم النص صراحة على الحكم الذاتي في عهد العصبة يعود إلى نظام الحكم الذاتي وبالشكل الذي تم تطبيقه في ظل العصبة ، قد جاء نتيجة التوفيق بين عدة عوامل تاريخية وسياسية وقانونية.

1. انتشار مبادئ القومية والاستقلال بين شعوب العالم المستضعفة الخاضعة لهيمنة الدول الأجنبية، ومن العجب أن تلك الدول الكبرى ذاتها قد لعبت دورا فعالا في إعلان هذه المبادئ والترويج لها : فقد أعلن ويلسون ” “Wilson” ” رئيس الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1917 ” إن العدالة لكل الشعوب والقوميات ، وحقهم في المساواة والحرية والأمن سواء كانت هذه الشعوب قوية أو ضعيفة “، كما أعلنت فرنسا في 13 يونيو 1917 أن “فرنسا لا تفكر في اضطهاد أي شعب أو أية جنسية حتى ولا أعدائها”. ومعنى ذلك، أنه لم يعد منطقيا أن تقتنع شعوب العالم بالتبعية والخضوع وفرض إرادة دولية أجنبية عليها، وإزاء ذلك كان لابد أن تأخذ السياسة الاستعمارية شكلا آخر بغية بقائها واستمرارها، ولتحقيق ذلك عملت الدول الاستعمارية على إيجاد صيغة قانونية توفق بين طموح هذه الشعوب المستضعفة في نوع من الحكم الذاتي والاستقلال ، وبين الإبقاء على سيطرتها . وهكذا فإن النص الصريح على الحكم الذاتي أو الاستقلال وبشكل عام مطلق لم يكن في صالح الدول الاستعمارية.

2. تثبت الوقائع السياسية والتاريخية أن الغرض الحقيقي من نظام الانتداب لم يكن هو تحقيق الحكم الذاتي الكامل أو الاستقلال للشعوب والأقاليم التي شملها هذا النظام ، بل إن هذه الوقائع تؤكد أن تسوية الحسابات المالية وتعويضات الحرب بين الدول الكبرى كانت هي الأهداف الأساسية من وضع نظام الانتداب ، فإيطاليا كانت تطالب بتعويض عادل مقابل اشتراكها في الحرب بجانب الحلفاء.

وإذا علمنا أن نظام الحكم الذاتي كان تطبيقا عمليا لفكرة الانتداب في عهد عصبة الأمم تبين لنا أن الوضع الحقيقي للدول الكبرى لم يكن مهيئا للنص على الحكم الذاتي أو الاستقلال صراحة في عهد العصبة.

3 . إن مبادئ الحرية والمساواة والعدالة التي أعلنتها الدول الكبرى حقيقة ، لم تخف حقيقة نواياها تجاه الشعوب والأقاليم الخاضعة لها، فقد وجهت الأمم البيضاء أسلحتها ضد الأمم الأخرى وشرعت في القيام بالمذابح في القرن 20، وهيمنت الإمبراطورية البريطانية – التي أطلق عليها رسميا الكومنولث البريطاني في سنة 1926 – على خمس مساحة الكرة الأرضية ، وعلى ربع سكانها مع الهند والممتلكات ” “Dominions التي تتمتع بالاستقلال ، وسيطرت فرنسا على الجزء الثاني الأكبر من الممتلكات المستعمرة مع الهند الصينية وجنوب إفريقيا.

4. ثم إن نظام الانتداب كما تقرر في عهد العصبة في المادة 22 منه لم يكن مبدأ عاما شمل كل الأقاليم التي لم تبلغ بعد استقلالها بل اقتصر تطبيق هذا النظام عن طريق الحكم الذاتي على مجموعة معينة من الشعوب والأقاليم التي كانت خاضعة للدولتين العثمانية والألمانية ، وهذا يعني أن ماعدا تلك الشعوب والأقاليم المذكورة لم يستفد من النظام المذكور([9]).
يتضح من بيان هذه العوامل أنه لم يكن من السهل على الحلفاء وقادتهم الإعلان عن الحكم الذاتي أو الاستقلال بنص صريح وبشكل عام مطلق ، لأن ذلك كان يتعارض مع مصالحهم الذاتية السياسية والعسكرية والاقتصادية ، وهذا لا يمنع القول بأن الحكم الذاتي قد وجد تطبيقا له في ظل عهد العصبة على الرغم مما شاب هذا التطبيق من عيوب وقصور.

2. ميثاق الأمم المتحدة

نص ميثاق الأمم المتحدة على الحكم الذاتي في موضعين:
أو لهط: في مقدمة المادة 73 ([10]) من الفصل الحادي عشر منه ، إذ جاء فيها بصدد الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي ” يقر أعضاء الأمم المتحدة – الذين يضطلعون في الحال أو في الاستقبال بتبعات عن إدارة أقاليم لم تنل شعوبها قسطا كاملا من الحكم الذاتي – بالمبدأ القاضي بأن مصالح أهل هذه الأقاليم لها المقام الأول ، ويقبلون أمانة مقدسة في عنقهم ، الالتزام بالعمل على تنمية الحكم الذاتي ، ويقدرون الأماني السياسية لهذه الشعوب حق قدرها ويساعدونها على إنشاء نظمها السياسية الحرة نموا مطردا ” ([11]).

ثانيهما: في المادة 76 من الفصل الثاني عشر منه ، إذ بينت أن الغرض من نظام الوصاية الدولية تحقيق الأهداف والمقاصد التي تسعى إليها الأمم المتحدة ، ومن بين أهدافه الأساسية العمل على ترقية أهالي الأقاليم المشمولة بالوصاية في أمور السياسة والاجتماع والاقتصاد والتعليم ، واطرادا تقدمها نحو الحكم الذاتي أو الاستقلال ” . وبالرغم من أن الميثاق قد أوجب التزاما بتحقيق الحكم الذاتي على الدولة القائمة بإدارة هذه الأقاليم إزاء هيئة الأمم المتحدة ، إلا أنه لم يتضمن تعريفا محددا له.

لقد أحدثت الأمم المتحدة نظام الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي كوسيلة قانونية لنقل المستعمرات المملوكة للدول الاستعمارية إلى إدارة دولية ووضع حد للروابط الاستعمارية التي تربط أهالي المستعمرات بالقوى الاستعمارية ([12]) . إن الإعلان الخاص بالأقاليم التي لا تتمتع بالحكم الذاتي اعتبر بمثابة إعلان حقوق لشعوب المستعمرات ، ورغم أن هذا الإعلان لم يحدد موقفا واضحا وقاطعا من المسألة الاستعمارية ولم ينص صراحة على حق شعوب المستعمرات في الاستقلال أو الحكم الذاتي بأن إدراجه في الميثاق شكل نقطة الانطلاق الرئيسة لعمل منهجي منظم قامت به الدول المناهضة للاستعمار في الجمعية العامة للقضاء على الظاهرة الاستعمارية تماما ([13]).
ويذهب أغلب الفقهاء إلى أن الميثاق في المادة 73 يلزم الدولة المسؤولة عن تلك الأقاليم بتنمية (الحكم الذاتي ) نحو واجب مقدس دون أن يجعل منه على وجه التحديد هدفا مقررا، كما أن أصل المادة 76 الخاصة بنظام الوصاية الدولية ، قد جعل هدف هذا النظام هو اضطراد التقدم نحو الحكم الذاتي أو الاستقلال ” بمعنى أن الدولة المسؤولة عن الأقاليم المشمولة بالوصايا ملزمة بأن تبلغ هذه الأقاليم إما إلى الحكم الذاتي وإما إلى الاستقلال . ثم إن الميثاق قد استعمل لفظة “الاستقلال ” بجانب الحكم الذاتي ، هذا دليل قاطع على أن الميثاق يقصد بالحكم الذاتي شيئا آخر غير الاستقلال السياسي . هذا وقد حددت المادة 77 من الميثاق الأقاليم التي ينطبق عليها نظام الوصاية وقسمتها إلى ثلاث فئات :
الفئة الأولى : الأقاليم التي كانت مشمولة بالانتداب وقت صدور ميثاق الأمم المتحدة .
الفئة الثانية : الأقاليم التي انتزعت من دول المحور إثر انهزامها في الحرب العالمية الثانية.
الفئة الثالثة : الأقاليم التي أدخلتها إلى نظام الوصاية بمحض اختيارها دول مسؤولة عن إدارتها.
ويلاحظ أن تطبيق نظام الوصاية يتم تحت إشراف الأمم المتحدة ، ويباشر هذا الإشراف عن الأمم المتحدة الجمعية العامة ([14]) إلا إذا كان الأمر يتعلق بأقاليم تعتبر مواقع استراتيجية ([15]) فيكون الإشراف على إدارتها من خصائص مجلس الأمن ويساعد الجمعية العامة ومجلس الأمن في القيام بوظائفهما هذه هيئة خاصة هي مجلس الوصاية . على أن نظام الوصاية ([16]) كالانتداب ، لا يمكن أن تكون له صفة الدوام ، ويجب أن تنتهي الوصاية إذا ما تحققت أهدافها، أي إذا ما وصل الإقليم المشمول بها إلى الدرجة التي يستطيع معها أن يتولى جميع شؤونه ويصبح أهلا للتمتع بكامل استقلاله ([17]).

وفي العام 1994 كانت “بالاو” هي الكيان الوحيد الذي لا يزال خاضعا لاتفاق الوصاية وفي 9 تشرين الثاني 1993 أجرت حكومة “بالاو” الاستفتاء على ميثاق الارتباط الحر بالولايات المتحدة الأمريكية ، وفي ختام الدورة الستين لمجلس الوصاية المعقود في كانون الثاني 1994 أبلغت الولايات المتحدة بوصفها السلطة القائمة بالإدارة في “بالاو” المجلس بأن حكومتها وحكومة “بالاو” تعتزمان تنفيذ ميثاق الارتباط الحر. وبانتهاء اتفاق الوصاية على ” بالاو”، يكون مجلس الوصاية قد أنجز أعماله وأوصى الجمعية العامة بأن تشرع وفقا للمادة 108 من الميثاق في اتخاذ ما يلزم لحل هذا الجهاز ([18]).

ثالثا : الأقاليم التي تخرج عن نطاق فكرة الحكم الذاتي

1. الدول كاملة السيادة

تتمتع الدول كاملة السيادة بخصائص الاستقلال وهي كما اصطلح عليها الانفراد بممارسة الاختصاص وحرية ممارسة الاختصاص ثم التمتع بالاختصاص الشامل ([19]) . وغني عن الإشارة أن السيادة ” الكاملة ” أو “المطلقة ” بالمعنى المطلق للكلمة لم تعد معروفة في ظل قواعد القانون الدولي الحديث مع نشأة المنظمات الدولية والعلاقات الدولية المتعددة الأطراف التي تضع على الدول بإرادتها التزامات تمثل أعباء على سيادتها الوطنية لو قيمت بمعيار مطلق ([20]) . وأبرز مثال على ذلك هو ما تضمنه ميثاق الأمم المتحدة من أحكام مستحدثة تمنع التهديد باستخدام القوة ،أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة ([21]).

ومن القيود التي تحد من السيادة المطلقة للدول أيضا مسؤولية الدولة فيما يتعلق باحترام حقوق الدول الأخرى وحقوق رعاياها. ومنها كذلك ما يتعلق برقابة الأمم المتحدة لمدى احترام الحكومات المختلفة لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية بالنسبة لمواطنيها.

وفي كل هذه الحالات وما شابهها وهو عديد فإن الأمر هنا لا ينتقص في شيء من ” الاستقلال الكامل” للدولة تامة السيادة ولا يدخلها في النطاق المقصود بهذه الدراسة وهو نطاق الأقاليم المتمتعة بالحكم الذاتي.

2. الأقاليم منعدمة السيادة

كان القانون الدولي التقليدي في الماضي يترك للدول الاستعمارية الحرية فيما يتعلق بمستعمراتها والأقاليم التابعة لها والخاضعة لسيادتها ([22]) . وترتب على التطور التاريخي أن أصبحت النظرة التقليدية في أسباب دخول الإقليم في سيادة الدولة وولايتها ،أنها ترجع إلى أسباب أصلية هي الاستيلاء والإضافة ، وأسباب ناقلة هي التنازل والفتح والتقادم ([23]) . وقد بقيت بعد أن استحدث نظام الانتداب ثم نظام الوصاية الدولية أقاليم لا تتمتع بالحكم الذاتي ، وهي تمثل المستعمرات التي ضمتها الدول المستعمرة إلى أراضيها وكذلك المحميات والدول التابعة ، وقد عنى ميثاق الأمم المتحدة بوضع هذه الأقاليم وأفرد لها الفصل الحادي عشر بعنوان ” إعلان يتعلق بالأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي “.

وواضح من هذه التسمية أن الشكل الذي تحكم به هذه الأقاليم لا يدخل ضمن إطار ” الحكم الذاتي” الذي يتناوله بجثنا هذا. بل لعل حصول الإقليم على القسط ” الكامل من الحكم الذاتي ” هو الهدف من الفصل 11 من الميثاق . وكان وضع هذا النص بالميثاق وضح حدا لحالة المجتمعات التي لم تحصل بعد على الحكم الذاتي .وهو الاتجاه الذي بلغ مداه في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الخاص بتصفية الاستعمار الصادر في ديسمبر 1960.

رابعا : الأقاليم التي تدخل في نطاق الحكم الذاتي وتطبيقاته المختلفة

هناك صور متعددة وتطبيقات مختلفة لفكرة “الحكم الذاتي ” وإن كانت جميعها تشترك بدرجات متفاوتة في الملامح العريضة التالية:
أ – الاستقلال بالشؤون الداخلية بما في ذلك إصدار القوانين والقضاء والمهام التنفيذية.
ب – قيود شبه كاملة أو كاملة على الشؤون الخارجية والدفاع .
ج – أن الحكم الذاتي يرتبط في كل أشكاله بفكرة الحق في تقرير المصير، وهو أحيانا ما يكون الهدف أو النتيجة لتقرير المصير.

ومن أشكال التطبيقات المختلفة لفكرة الحكم الذاتي نشير إلى أهم ثلاثة منها وهي الحكم الذاتي داخل إطار الدول الواحدة والولايات في الدولة الفيدرالية ،ثم أخيرا الحكم الذاتي كفترة انتقالية تمهيدا لتقرير المصير.

1. الحكم الذاتي في إطار الدولة الواحدة

وعلى سبيل المثال منح الأكراد في العراق الحكم الذاتي كنوع من التهدئة للامة الكردية التي أشعلت حربا أهلية لسنوات طويلة في العراق . ومن أمثلته أيضا الحكم الذاتي في جنوب السودان الذي أعلن في 1969 واستمرت المفاوضات لإقامته حتى وقعت اتفاقية سلام في فبراير 1972 ،وصدر في 3 مارس 1972 قانون الحكم الذاتي الإقليمي الذي أنهى مشكلة عويصة وقتالا ضاريا استمر على مدى 17 عاما في جنوب السودان .

ولعل أحدث الأمثلة على منح أجد الأقاليم الحكم الذاتي في إطار الدولة الأم هو إقليم الباسك الإسباني الذي حصل على الحكم الذاتي نتيجة استفتاء أجري في فبراير 1980 طبقا للمادة 151 من الدستور الإسباني.

وهناك أمثلة حديثة للغاية لأقاليم أجرى فيها استفتاء أسفر عن رفض سكان الأقاليم لفكرة الحكم الذاتي ،وتفضيلهم البقاء في إطار الدولة الموحدة ومن ذلك مثلا أقاليم الأندلس في إسبانيا على إثر استفتاء أجري في مارس 1980 ،وإقليم الكيبيك في كندا الذي اسفر استفتاء أجري فيه في ماي 1980 على تفضيل البقاء في إطار الدولة الموجدة بأغلبية 60 % مقابل 40 % كانوا يفصلون الاستقلال الذاتي.

2. الولايات في الدولة الفيدرالية

وفي هذه الصورة تكون مجموعة من الولايات اتحادا فيدراليا بحيث تصبح دولة واحدة وإن تمتعت كل ولاية داخل نطاق الدولة باستقلال ذاتي كبير ([24]).

وهذه الصورة تكون مجموعة تكاد تعكس الصورة السابقة حيث وجدنا أن الأصل فيها دولة واحدة تمنح إقليما أو أكثر منها الحكم الذاتي في حين أنه في حال الدولة المتحدة يكون الأصل فيها عادة دول أو دويلات مستقلة تتنازل كل منها عن قدر من الاستقلال لتشكل على قدم المساواة فيما بينها الدولة المتحدة .

وهناك عدة صور للدولة الفيدرالية المتحدة ، كما أن مدى السلطات المركزية ،ونلك التي تحظى بها كل ولاية يختلف من حالة إلى أخرى وفقا لما يحدده اتفاق إنشاء الدولة الفيدرالية ودستورها الفيدرالي. من الأمثلة التقليدية لهذا النزع من الدول الفيدرالية الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا الاتحادية واتحاد ماليزيا والبرازيل والمكسيك والإمارات العربية المتحدة .

3. الحكم الذاتي كفترة انتقالية

وفي هذه الحالة يكون منح الحكم الذاتي لإقليم معين – يكون عادة خاضعا للاحتلال أو الاستعمار أو لأي شكل من أشكال التبعية – ويكون الحكم الذاتي في هذه الحالة كفترة انتقالية تمهيدا لممارسة شعب ذلك الإقليم في نهايتها لحقه الطبيعي والقانوني في تقرير المصير في حرية كاملة.

ومن الأمثلة على الحكم الذاتي كفترة انتقالية حالة السودان قبل الاستقلال . فقد عقد بتاريخ 12 فبراير 1953 اتفاق مصري بريطاني نص على إقامة الحكم الذاتي في السودان لمدة ثلاثة أعوام يمكن بعدها للسودانيين من الاختيار بين الاستقلال وبين الوحدة مع مصر. وقد تم الاستفتاء في عام 1956 وأسفر بالفعل عن استقلال السودان ([25]) . والمثال الحديث نذكر أيضا إقليم كوسوفو الذي تمتع بحكم ذاتي لفترة انتقالية منذ سنة 1999 إلى سنة 2008 (طبقا لخطة أهتيساري ) حيث أعلن برلمان كوسوفو الاستقلال من جانب واحد.

خامسا : تطبيقات الحكم الذاتي

1. في الإطار الاستعماري

مرت السياسات الاستعمارية بفترات متميزة من حيث أهدافها ووسائلها إزاء البلدان المستعمرة كان في مقدمتها الإخضاع الذي استند تطبيقه إلى مركزية صارمة في إدارة شؤون المستعمرات ، حيث تركزت السلطة في أيدي الموظفين المعينين من قبل الدول المستعمرة . وجاءت سياسة الإدماج كمرحلة ثانية في تطور السياسات الاستعمارية ارتكزت على الفكرة الاستعمارية القائلة بأن البلدان المستعمرة ما هي إلا امتداد لا للدولة الأم ” فيما وراء البحار . أما ثالث هذه المراحل فهي الاستقلال الذاتي وقد عنى بها منح المستعمرات إدارة شؤونها الذاتية وتحويل الرابطة الاستعمارية إلى علاقة اشتراك مع ” دول الأصل ” أو استقلال محدود بنطاق الاختصاصات الداخلية . وسياسة الاستقلال الذاتي نظرية إنجليزية الأصل ، وكانت كندا أولى حالات تطبيق هذه السياسة ، حيث قدم اللورد ” درهام ” الحاكم العام لكندا عام 1839 تقريرا اقترح فيه تطبيق سياسة الاستقلال الذاتي في كندا على صعيد الشؤون الداخلية على أن تبقى المملكة المتحدة محتفظة بإدارة الشؤون الخارجية . وفي عام 1867 صدر قانون عن البرلمان البريطاني منحت كندا بموجبه دستورا فيدراليا يجمع بين مقاطعاتها الأربع في ” دومينون فيدرالي “، وشكلت بموجب هذا القانون وزارة فيدرالية مسؤولة أمام برلمان فيدرالي مكون من مجلسين ، وتقلصت صلاحيات الحاكم العام واقترب من اختصاصات الملك في النظام السياسي الإنجليزي ([26]) .

وانتقل هذا النظام إلى أستراليا بعد منتصف القرن 19 ، وحصلت عليه المستعمرات الأسترالية واحدة بعد الأخرى بين عامي 1855 18909 ، وحصلت كذلك ” نيوزيلاندا ” على نفس النظام عام 1907 وكذلك اتحاد جنوب إفريقيا عام . وحصلت جميع هذه المستعمرات على نظام الاستقلال الذاتي بموجب قوانين صادرة عن برلمان المملكة المتحدة ([27]) .

وقد تبلور في إطار السياسة الاستعمارية الإنجليزية مجموعة من الدول والمستعمرات : هي مجموعة ” الدومينون ” وتضم كندا وأستراليا ونيوزيلاندا واتحاد جنوب إفريقيا وإيرلندا الحرة ، وحصلت هذه المجموعة على حق عقد المعاهدات مع الدول الأجنبية ، وتحررت من التزامها بالتقيد بالمعاهدات التي تعقدها حكومة لندن وأصبحت دولا ذات سيادة ، وهي الدول التي تمتعت بنظام الاستقلال الذاتي المحدود بالاختصاصات الداخلية ، وفي مجرى التطور العام لعلاقة هذه الدول بالكومنولث البريطاني ، تجاوزت صلاحياتها نطاق الشؤون الداخلية لتمارس كافة الصلاحيات في الشؤون الداخلية والخارجية وحق عقد المعاهدات وتبادل التمثيل الدبلوماسي ، وأصبحت تتمتع بمركز قانوني معادل للملكة المتحدة على الأقل من الناحية النظرية.

ورغم أن سياسة الاستقلال الذاتي هي إحدى النظريات السياسية الإنجليزية ، فإن العديد من الدول قد استلهمت تطبيقها، فقد منحت الولايات المتحدة الأمريكية مثلا “بورتوريكو” ت التي كانت مستعمرة إسبانية تنازلت عنها إسبانيا للولايات المتحدة – نظام الاستقلال الذاتي بعد استفتاء السكان في 25 يوليو عام 1952 بموجب الدستور الحالي الصادر عن الكونغرس الأمريكي والذي نص على تشكيل حكومة ذاتية وتتركز السلطة التنفيذية في أيدي الحاكم العام الذي ينتخب انتخابا حرا مباشرا من الشعب لمدة 4 سنوات .

كذلك فإن السلطة التشريعية شكلت من مجلسين أحدهما للشيوخ والآخر للنواب ، وتشكل مجلس من السكرتيرين لمعاونة الحاكم العام وهو جهاز استشاري ، وفي نفس الوقت احتفظت الولايات المتحدة بحق تعيين قاض ونائب عام جنبا إلى جنبا مع القضاء المحلي ، وقد علق الرئيس “إيزنهاور” في رسالته للأمم المتحدة استقلال “بورتوريكو” على رغبة السلطة التشريعية حيث أوصى بمنحها الاستقلال بمجرد أن تعرب عن رغبتها فيه ([28]). وتتمتع “بورتوريكو ” الآن بحكم ذاتي داخلي مع احتفاظها بعلاقة اتحادية مع الولايات المتحدة الأمريكية ، غير أن هناك من يرى أن بورتوريكو لا تنطبق عليها بتاتا صورة الدخول الحر في رابطة ، لأن تطبيق حق تقرير المصير في هذا البلد تم بصورة غير عادلة ، فالولايات المتحدة الأمريكية وهي الدولة القائمة بالإدارة أجرت استفتاء تقرير المصير في غياب إشراف منظمة دولية وضماناتها عام 1952 الأمر الذي أعطاها فرصة تحريف قضية تطبيق حق تقرير المصير، إذ أعلنت بالفعل عقب الاستفتاء تحقيق استقلالية بورتوريكو عن طريق وضع دستور لها يضمها عمليا إليها.[29]ووافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على ذلك بموجب القرار 748 (د -8) ([30]) . ولذلك فإن هذا القرار الأخير منتقد لكونه اتخذ في غياب مراقبة حقيقية لتطبيق حق تقرير المصير ([31]) . إذن فإن المركز القانوني الحالي لبورتوريكو تم بدون الموافقة الصريحة لشعب هذا الإقليم وهو ما اعترفت به صراحة لجنة تصفية الاستعمار في السنوات الأخيرة ، وهي تعلن لمرة تلو المرة ، أن شعب بورتوريكو لم يمارس حقه في تقرير المصير والاستقلال وفقا لما حدده قرار الجمعية العامة 1514 (د-15) ، ومن ثم ينبغي الاعتراف له بممارسة هذا الحق بكل حرية ([32]) .

كذلك فإن هولندا وفرنسا والدانمرك نهجت سياسة الاستقلال الذاتي مع مستعمراتها، حيث منحت هولندا الاستقلال لإندونيسيا في 22 نوفمبر 1949 بموجب ميثاق نقل السيادة الذي وقع في ” لاهاي ” ونص على إنشاء اتحاد على نمط الكومنولث البريطاني بين هولندا وإندونيسيا ينظم التعاون المشترك بين الدولتين في مجال العلاقات الخارجية والدفاع . وفي عام 1950 ، منحت هولندا إقليمي ” سورينام ” أو ” جيانا الهولندية” و” الأنتيل ” في أمريكا الجنوبية استقلالا ذاتيا في شؤونهما الداخلية.

أما فرنسا التي استندت ممارستها الاستعمارية على الإدماج اعتقادا في تفوق الثقافة الفرنسية ، ورغبة في تحويل ملايين من الإفريقيين لهذه الثقافة ، فقد اضطرت إزاء الصعوبات والمشكلات التي أثارها تطبيق هذه السياسة للأخذ بسياسة الاستقلال الذاتي في إطار الاتحاد مع فرنسا في إطار المجموعة الفرنسية على غرار سياسة ” الكومنولث البريطانية “، حيث حصلت في إطار هذه السياسة كل من لاوس وكمبوديا وفيتنام على الاستقلال الذاتي في إطار الاتحاد الفرنسي وكذلك توجو، والكاميرون في 24 غشت 1956 وأبريل عام 1957 على التوالي.

وبالنسبة لأقاليم ما وراء البحار، فقد كرس الدستور الفرنسي نوعية المحافظات في ما وراء البحار (المسافة ، الجزرية ، والتاريخ ) ونص في المادة 73 منه على أن النظام التشريعي والتنظيم الإداري للأقاليم في  ما وراء البحار يمكن أن يكون موضوع تدابير تكييف ضروري بسبب وضعها الخاص . وقد عرفت أقاليم في ما وراء البحار بالاستفادة من أحكام قانون 2 آذار/مارس 1982 ، تدابير اللامركزية المشتركة ، قبل أن يقر النواب في 23 تشرين الثاني /نوفمبر 1982 القانون الذي نص على تطبيق مبدأ التكييف ، إقامة جمعية وحيدة ، مجلس عام وإقليمي ودمج جمعيتي تداول إقليميتين متميزتين تنتخب على الأساس النسبي ، وتطبيق المبدأ عينه في دمج السلطتين التنفيذيتين ، غير أن النص لم يتجاوز عقبة المجلس الدستوري الذي رأى في إلغاء المقاطعات تجاوزا لحدود التكييف ، وخلق قانون 31 كانون الأول /ديسمبر 1982 أربعة أقاليم لكل منها محافظة واحدة تتمتع بأجهزتها الخاصة ([33]) .

كذلك ، تجدر الإشارة إلى أن تونس قد حصلت على استقلالها الذاتي الداخلي بموجب الاتفاقية التي أبرمت بينها وبين فرنسا في 3 يونيو عام 1955 في إطار اتحاد بينها وبين فرنسا ينظم روابط التعاون بين البلدين وأصبح تمثيل تونس في المجال الخارجي من اختصاص فرنسا مع استشارة تونس . وطبقا لهذا النظام والاتفاقية المنظمة له، احتفظت فرنسا بحق الإشراف على شؤون الدفاع وتعهدت تونس بأن لا تجري تعديلات في شؤون الدفاع والأمن والقوانين المنظمة لهما إلا بموجب اتفاق مشترك بينها وبين فرنسا، وكذلك احتفظت فرنسا بحق تعيين مندوب سام يمارس كافة الصلاحيات الممنوحة للحكومة الفرنسية بموجب هذه المعاهدة .

ويعتبر هذا الأخير وسطا في العلاقات بين البلدين في جميع المسائل المشتركة ، ويتولى حماية مصالح الرعايا الفرنسيين في تونس وتلتزم تونس كذلك بموجب الاتفاقية بتعيين موظف مقيم في العاصمة الفرنسية لتنسيق المصالح التونسية في فرنسا. وتم إنشاء مجلس تحكيم تونسي فرنسي من ستة أعضاء مناصفة بين البلدين وذلك للنظر في الخلافات بينهما حول تفسير بنود الاتفاق ، وتعتبر قراراته ملزمة للطرفين ، وله سلطة وقف تنفيذ أي تصرف سواء كان تشريعيا أو قضائيا أو تنفيذيا، ويعين أعضاؤه بعد موافقة الحكومة الأخرى ويتناوب الطرفان رئاسة المجلس ومنصب نائب الرئيس ويتم انتخابهما عن طريق الأعضاء . وقد استند تنظيم سياسة الاستقلال الذاتي لتونس على معاهدة الحماية المعقودة في 12 ماي 1892 .

وقد اضطرت فرنسا إزاء تغير الظروف وتطور الحركة الوطنية التونسية إلى الاعتراف بتونس كدولة مستقلة ذات سيادة وذلك بموجب بروتوكول وقع في مارس 1956 ، وتعهدت فرنسا بتعديل أحكام اتفاقية 3 يونيو 1953 والتي تتعارض مع الوضع الجديد لتونس ، كذلك أقرت حق تونس في إدارة علاقاتها الخارجية والأمن  والدفاع وإنشاء جيش وطني مع ضرورة الإبقاء على ارتباط البلدين في مجالات التعاون المشترك بالذات في الدفاع والعلاقات الخارجية على أن يتم ذلك بين دولتين كاملتي السيادة . وفي 25 مارس عام 1956 وضعت الجمعية التأسيسية التونسية دستورا جديدا للبلاد وأعلن عن فوز الحزب الدستوري بكل المقاعد (98 مقعدا) وتألف مجلس الوزراء برئاسة الحبيب بورقيبة ([34]) .

وفي الأخير نشير إلى أن الدانمرك طبقت الحكم الذاتي على جزيرة ” جرينلاند ” فهذه الجزيرة تعتبر من أحدث المستعمرات التي حصلت على الحكم الذاتي ، وكانت الجزيرة من أكبر المستعمرات الدانمركية منذ عام 1721 منذ رحلة المستكشف الدانمركي ” “Hans Egede” ، وحتى الحرب العالمية الثانية حيث كانت شؤون الجزيرة تدار من العاصمة “كوبنهاجن “. وفي النصف الثاني من القرن 19 بدأت منظمات محلية وحكومية تستقر في الجزيرة كمستشاري المجالس المنتخبين وكذلك مجلسان أحدهما للشمال والآخر للجنوب ، وتم إدماج المجلسين في مجلس واحد عام 1960 وأصبحت الجزيرة جزء لا يتجزأ من الدانمرك طبقا للدستور الجديد، وقد وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على هذا الضم في عام 1954 وذلك بعد موافقة ممثلي ” جرينلاند ” على الدستور المعدل الذي أقر الإلحاق ، وأعقب ذلك قيام الحكومة الدانمركية بتطبيق خطة شاملة للتنمية تتناسب والوضع الجديد للجزيرة الذي أقره ممثلوها، والدانمركيون على حد سواء.

وقد حصلت “جرينلاند” على مطلبها في الحكم الذاتي عقب الاستفتاء الذي أجري في يناير 1979 ، وطبق فيها الحكم الذاتي من مايو 1979 وطبقا لهذا النظام يقوم شعب الجزيرة بتقرير مسائل الإدارة المحلية ونظام الضرائب وتشريعات العمل والتعليم والثقافة يقوم بإقرارها البرلمان “الجرينلاندي ” بينما تحتفظ المملكة الدانمركية باختصاصات السياسة الخارجية والدفاع والإشراف على المسائل المالية ([35]) . ورغم أن الحكومة المركزية في ” كوبنهاجن ” تحتفظ بتقرير الشؤون الخارجية للجزيرة ، إلا أنها مع ذلك أفرزت هامشا لمشاركة ” الجرينلانديين ” مع الحكومة المركزية في مناقشة السياسة الخارجية ، وكذلك المفاوضات التي تهم شعب الجزيرة ومصالحها التجارية بالذات فيما يتعلق بشؤون السوق الأوربية المشتركة التي تهم
السكان ([36]) .

2. الحكم الذاتي في إطار معالجة مشكلات الأقليات القومية والثقافية

يطرح الحكم الذاتي في هذا الإطار في المجتمعات التي سمحت ظروفها التاريخية والاجتماعية والجغرافية بوجود أقليات قومية أو إثنية احتفظت عبر التاريخ بخصائصها الثقافية وحالت ظروف شتى دون اندماجها وصهرها في القومية السائدة بالطرق الديمقراطية ، وقد توجد هذه الجماعات جغرافيا في مناطق بعيدة عن المراكز الحضرية الثقافية في الجبال ، ويصعب الاتصال بها أو قد تكون نتيجة لذلك عرضة لثقافات أخرى غير الثقافة السائدة ، لموقعها قرب التقاء حضارات مختلفة ([37]) كذلك فإن هذه الأقليات قد تكون عرضة تاريخية لتمايز في الحقوق والمواطنة بسبب الطابع غير الديمقراطي للحكم الذي يحول دون إيجاد حلول ديمقراطية لمشكلات الأقليات ، ومن ثم تعرضها لحالة تذويب إكراهي يؤدي إلى عزلتها، وفي هذه الظروف مجتمعة جزئيا أو كليا تطالب بعض هذه الأقليات بالحكم الذاتي لتنمية ثقافتها القومية وتراثها الحضاري وتدابير أمورها الداخلية في إطار الدولة الواحدة ، ولا ينبغي أن نفهم من ذلك أن جميع الأقليات تطالب بالحكم الذاتي ، فالكثير منها يطالب بحق تقرير المصير.

غير أن النصوص التي تقرأ مبدأ تقرير المصير قيدت ممارسته بضرورة احترام الوحدة السياسية والترابية للدول المستقلة وذات السيادة . فمبدأ تقرير المصير لا يمكن أن يمارس على حساب مبدأ الوحدة الترابية للدول المستقلة ([38]) . فقد نصت التوصية 1514 في فقرتها السادسة على أن كل محاولة تسعى إلى تفكيك الوحدة الوطنية للدول تخالف أهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة ([39]) وقد أعيد التركيز على هذه الفكرة في التوصية 2625 (د-25) لسنة 1970 المتعلقة بمبادئ القانون الدولي المنظمة للعلاقات الدولية بين الدول ومنها مبدأ حق تقرير المصير، وتنص هذه التوصية على أنها لا تتضمن ما يمكن أن يفسر بمثابة تشجيع أو ترخيص لأي عمل كيفما كان نوعه قد يفكك أو يهدد كليا أو جزئيا الوحدة الترابية والسياسية لكل دولة مستقلة وذات سيادة ([40]) . وقد تزايدت في الآونة الأخيرة حدة المواجهة بين مبدأ حق تقرير المصير والوحدة الترابية للدول . وتشير إحصاءات الأمم المتحدة إلى وجود ما يزيد عن 5000 إثنية في العالم . النظام الدولي الراهن المبني على الدولة واحترام الحدود القومية لا يمكنه إرضاء كل العرقيات الاستقلالية ، إلى ذلك فإن تزايد عد الدول تزيد من احتمالات الصدام ، كما يوضح ذلك المثال الإريتيري ([41]) . لكن في شكل عام يبدو جليا أن ” الحرب لا تنبع اليوم من قوة الدول وإنما من ضعفها، فقضية الأمن الأولى اليوم ليست طموحات القوة ، بل عطل الدول ([42]) .

لقد كان الفقه وإلى زمن غير بعيد يعتبر أن القانون الوضعي لا يقبل بالحق في الانفصال ، فلقد كلفت عصبة الأمم سنة 1920 لجنة من الحقوقيين ([43]) بإنجاز تقرير حول الجوانب القانونية لجزر ” الأند ” وانتهت اللجنة في تقريرها إلى أن دا القانون الوضعي لا يعترف لفئات من الشعب بالحق في الانفصال ([44]) عن الدولة التي ينتمون إليها، وذلك بمجرد أن لهم الرغبة في ذلك ، كما أنه لا يعطي الحق لدول أخرى في أن تدعم تلك المطالبة . وقد أشار ” جورج سيل ” إلى أن حق مجموعة في الانفصال يصطدم مباشرة بحق آخر وهو حق باقي السكان في الاستمرار في تكون أمة ودولة ورغبتهم في العيش المشترك ([45]). كما سبق للأمين العام للأمم المتحدة ” أوتانت ” أن أكد أن الأمم المتحدة لم يسبق لها أن قبلت ولا تقبل اليوم ، ولن تقبل أبدا – على ما أعتقد – مبدأ انفصال جزء من إحدى الدول الأعضاء ([46]) . لقد أصبحت عملية التفتت الإقليمي لدول ذات سيادة شيئا مألوفا، كما أن الدول المجهرية التي تفرزها النزعات الانفصالية في ظل المخاض المرتبط بتطبيق النظام العالمي الجديد سوف تتزايد ([47]) .

إن الإقرار للأقليات بحق الانفصال وإقامة كيانات صغيرة فيه من التفتت للمجتمع الدولي ما يؤدي إلى عدم الاستقرار وتهديد النظام القانوني الدولي بالانهيار، وبالتالي تهديد السلم والأمن الدوليين ، ولما كانت الأقليات في هذا العالم وفقا للاتفاقيات الدولية قد حظيت بحقوقها وتوفرت لها الحماية القانونية اللازمة، فإنه وفقا لمقتضيات استقرار القواعد القانونية في النظام القانوني الدولي ، أن لا يسمح لهذه الأقليات بتجاوز هذه الحقوق والحماية المقررة لها، بحيث لا يفسر حق تقرير المصير تفسيرا واسعا، تفسيرا واسعا، بل تعتبر هذا الحق من الحقوق التي أقرت للشعوب الواقعة تحت الحكم الاستعماري ” ([48]).
ويبدو أن المجموعة الدولية تكيل بالمكيالين في تعاطيها مع حق الشعوب في تقرير مصيرها . لكن من البين أنها اليوم أمام إشكالية صعبة كيف يمكن رسم الحدود بين القبول الدولي بالانفصال ومساندة الحلول في إطار الدولة القائمة ([49]) . تشترك مختلف الخصوصيات رغم تنوعها في كونها مطالب هوياتية ، إثنية ثقافية عرقية أو دينية ، وغالبا ما تكون كلها تعبر عنها جماعات تشعر بأنها محرومة ومقهورة في الدول –الأمة الفتية أو القديمة ، ولقد جاءت الحاجة إلى الرفاهية الاقتصادية لتقوي هذه الكوكبة من الميزان أو الملامح. إذا كان الانفصاليون يعبرون عن رغبة في حماية هويتهم التي يعتقدون أنها مهددة ، فإن الدافع الاقتصادي أصبح عاملا محركا. البعض يرغب في الانفصال عن الآخرين ليستفيد لوحده بثروات البلاد أو برخائها الاقتصادي ([50]) .

ومن الخطأ الاعتقاد بأن الصراعات العرقية السياسية شيئا تافها، فالمطالب الطائفية بالخروج أو الانفصال تمثل تهديدا خطيرا لأنها تعتبر تحديا للإيديولوجية القومية التي تتبعها معظم الجماعات المستقرة ، وبصفة  عامة يقاوم ذلك الاتجاه بالقوة . فمنذ الحرب العالمية الثانية خاضت مجموعات الأعراق القومية حروبا طويلة للاستقلال القومي لمجموعة طائفية أو الوحدة مع مجموعة من نفس العشيرة أو دولة مجاورة ، وقد تم اتباع استراتيجيات متعددة للوصول إلى نوع من التسويات بين مصالح الجماعات الطائفية وبين الدول تراوحت بين منح الاستقلال والحكم الذاتي الإقليمي مع تجدد الصراع بين الفينة والأخرى ([51]). إن تطبيق الحكم الذاتي في إطار تسوية مشكلات الأقليات الثقافية والقومية يصاحبه وجود سلطة محلية في إطار السلطة المركزية ويقترب المفهوم من مفهوم اللامركزية الإدارية ، مع فارق وحيد هو أنه في حين يمنح الحكم الذاتي لأقلية قومية بهدف تنمية ثقافتها وتراثها الحضاري والحفاظ على خصائصها القومية ، فإن اللامركزية الإدارية تمنح لجميع مقاطعات والأقاليم التي تتكون منها الدولة بهدف توزيع الأعباء والصلاحيات ، وأخذا بالاعتبار قدرة القيادات المحلية على تلمس ظروف الواقع المحلي.

خلاصة

لقد تبين من خلال التأصيل النظري لمفهوم الحكم الذاتي ، التمييز بين معنى الحكم الذاتي في القانون الدولي العام ، فالحكم الذاتي يوجد في القانون الدولي العام ، إذا ما تم عن طريق وثيقة قانونية دولية .وليس من الغريب القول إن نظام الحكم الذاتي هو بحق في مفترق الطرق ، وأن الأزمات التي واجهته طرحت تأثيرات أضرت به ، وأنه على وشك الانتهاء في النطاق الدولي ، ويمر بحالة عميقة من القلق حول مصيره ومستقبله. ومن الواضح أن مفهوم الحكم الذاتي في نطاق القانون الدولي كان يستهدف حماية مكاسب ومصالح الدول الاستعمارية في المقام الأول والعمل على إضفاء الشرعية على تصرفاتها وإجراءاتها التي كانت تتخذها في أقاليم الحكم الذاتي.


[1] لقد أثار مفهوم الحكم الذاتي جدلا فقهيا واسعا، فالفقيه السوفيتي دنيسوف “Denisov” يعرف الحكم الذاتي الإقليمي بأنه ” التسوية السياسية المناسبة لتنظيم الدولة على أساس رغبة الجماهير، حتى في حالة عدم التعبير عن رغبتها في الانفصال أو في كونها غير قادرة على التعبير عن تشكيل دولة مستقلة “.
أما الأستاذ Ludo Van Wauwe”” فيعرف نظام الحكم الذاتي ” Autonomia” بأنه استقلال يصل مداه إلى هيئات الدولة العليا، مع التمتع بالسيادة بمعنى أن يكون لها الحكم الذاتي وهذا الاستقلال له سلطة تشريعية وسلطة تنفيذية.
وذهب الفقيه الإيطالي ” Gianini” إلى القول : ” يقصد بالحكم الذاتي في الحقبة التاريخية المعاصرة التنظيمات ذات السلطة العليا، بمعنى أن الدولة تمنح – عن طريق قوانين خاصة بها – الهيئات الإقليمية التي تشكل جزءا من نظامها بعضا من سلطاتها العامة “، أنظر محمد الهماوندى ، الحكم الذاتي والنظم اللامركزية الإدارية و السياسية. دراسة نظرية مقارنة، دار المستقبل العربي ، ط. 1، 1990، ص . 12.
أما الدكتور محمد طلعت الغنيمي فهو بعد أن يفرق بين الاستقلال والحكم الذاتي ، يقرر أن “الحكم الذاتي هو النظام الديمقراطي للحكم يتولى فيه الشعب حكم نفسه بنفسه ” ، راجع : د .محمد طلعت الغنيمي ، في التنظيم الدولي ، الإسكندرية، 1974 ص . 858-859 . وهناك بعض الفقهاء من ينظر إلى الحكم الذاتي لا باعتباره نظاما قانونيا أو كيانا سياسيا مستقلا بذاته بل باعتباره ” نظرية ” أو ” قاعدة ” تعبر عن الفكرة التي تكمن وراء أي نظام لا مركزي يسعى لتحقيق نوع من الاستقلال ، وهو بذلك أساس اللامركزية أيا كان شكلها أو نظامها القانوني ، باعتباره يفصح عن ميل نحو تقليص السلطات المركزية في الدولة وتوسيع السلطات الإقليمية المهتمة بالشؤون المحلية أو الذاتية . أنظر: د. الشافعي محمد بشير، القانون الدستوري و النظم السياسية السودانية : دراسة مقارنة، الجزء الأول ، المبادئ العامة ، منشأة المعارف ، الإسكندرية ، 1970، ص . 124-125.
أما الفقيه بيردو ” “Burdeau” فإنه يستخدم مصطلح “Autonomic” في استعمالات عديدة ، فهو تارة يربطه بمبدأ الحرية الشخصية، ويشير إليه بعبارة l’ autonomie individuelle أي الاستقلال الفردي ، أنظر:

Burdeau G., Traité de science politique, Tome VI, Paris, 1971, p .189.

[2] Burdeau G., Traité de science politique, Tome 11, Paris, 1980, p. 651.

[3]كمثال على ذلك نظام الحكم الذاتي الذى تم تطبيقه في السودان عام 1953 تنفيذا للمعاهدة البريطانية المصرية عام 1953 .

[4] راجع في تفصيل هذه التفرقة والخلاف الذى يثور حول إطلاق اسم الدولة على إقليم معين:

R. Carre de Malberg, Théorie Général l’Etat, Librairie de la Société du Recueil Sirey, Paris, 1962, p. 159.

[5]وفي بحث تعريف الحكم الذاتي يثير الدكتور إبراهيم العناني موضوعا جديرا بالمناقشة ، إذ يرى أنه من الخطأ والخطورة
ترجمة الاصطلاح الإنجليزي Autonomy بالحكم الذاتي الذى يقابله باللغة الإنجليزية اصطلاح “self- governig” حيث إن لكل من المصطلحين مفهوما ومعنى يخالف الآخر تماما، المعنى الاصطلاحي للحكم الذاتي “self govemig” في القانون الدولي يتفق عليه فقهاء القانون العام عموما هو “أن يمارس شعب الإقليم سلطاته الداخلية بنفسه وخاصة فيما يتعلق بالشؤون التشريعية والتنفيذية والقضائية ” .
أما المعنى الاصطلاحي للاستقلال Autonomy الذاتي هو : ” المظهر الرئيسي للسيادة بوجهيها الداخلي والخارجي ، فالاستقلال الذاتي لوحدة معينة يعني أن يكون لها السلطة في تسيير شؤونها المختلفة داخليا وخارجيا دون خضوع أو تبعية لأى جهة أخرى أ، الدكتور إبراهيم العناني : معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية في ضوء قواعد القانون الدولي ، دار الفكر العربي ، القاهرة ، 1980 ، ص . 94-95 . غير أن هذا التعريف انتقده الأستاذ عصام الدين حواس بقوله : يرى الدكتور إبراهيم العناني أن اتفاقية كامب ديفيد قد استخدمت في نصها الإنجليزي العبارتين في مكانين مختلفين ، أي Autonomy’ “self- governig في حين أن النص العربي استخدم كلمة ” حكم ذاتي أ في الحالتين وهو خطأ في الترجمة العربية لان اصطلاح ” أوتونومي ” يعني الاستقلال الكامل.
ونحن لا نتفق مع هذا الرأي ، ونرى أن اصطلاح “أوتونومي ” ينصب أكثر على الحق نفسه في الحكم الذاتي ولذلك فإن اتفاقية كامب ديفيد قد استخدمت الاصطلاحين كل في موضعه المناسب حيث ذكرت في الموضعين الأول والثاني على التوالي:

  • In order to provide full autonomy to the in habitant.
  • The powers and responsibilities of the self-Goveming Authority to be exercised in the West-Bank and Gaza.

ففي الأول يتحدث عن الحق في الاستقلال الذاتي وفي الثاني يتكلم عن سلطة الحكم الذاتي ، فالاصطلاحان في رأينا هما وجهان لنفس العملة ، أحدهما يعبر عن الحق والآخر يعبر عن الحكم نفسه . وأن اصطلاح الاستقلال الذاتي Autonomy يفترض أن الإقليم الذى يطلق عليه الاصطلاح لا يتمتع بالاستقلال الكامل مثله في ذلك مثل اصطلاح الحكم الذاتي ، أنظر: عصام الدين حواس ، “الحكم الذاتي وحقوق السيادة وتقرير المصير في ضوء القانون الدولي مع معالجة تطبيقية لحالة الضفة الغربية وقطاع غزة ” ، المجلة المصرية للقانون الدولي ، عدد 36 ، 1980 ، ص 4-5.

[6] سموحي فوق العادة ، القانون الدولي العام، طبعة 1960 ، ص  97.

[7] د . محمد طلعت الغنيمي ، بعمق  الاتجاهات الحديثة في الظنون الدولي العام (قانون الأمم)، منشأة المعارف ، الإسكندرية، 1974 ، ص . 214.

[8] د .حامد سلطان ، القانون الدولي العام ، ” وقت السلم “، القاهرة ، 1962 ص . 5 .

[9] معنى ذلك أن الحكم الذاتي لم يطبق عن طريق المادة ” 22 ” من عهد العصبة على المستعمرات والأقاليم الأخرى ، سواء كانت تابعة للدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى أو الدول الأخرى الأعضاء في العصبة.

[10]أنظر: تعليق محمد بجاوي على هذه المادة :

  • Jean-Pierre Cot et Alain Pellet, La Charte des Nations-Unies, 2e éd., Economica, Paris, p. 1069-1070 et s.

[11] يعلق الأستاذ محمد عزيز شكري على نص المادة 73 قائلا : واضح من هذا النص الواسع الغامض ما يلي:
أ- لم يحدد الميثاق البلدان التي تخضع لنظام الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي ، بل ترك الأمر للدول المستعمرة ، فهي التي تقدم للأمم المتحدة أسماء هذه البلدان ، وهذا ما فتح الباب واسعا أمام هذه الدول للإحجام عن تقديم أسماء بعض مستعمراتها أو لسحب هذه الأسماء بعد تقديمها بحجة أنها حصلت على الحكم الذاتي وذلك للتخلص من الرقابة التي حاولت الأمم المتحدة ممارستها عليها.
ب -إن الهدف من نظام الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي بموجب نصوص الميثاق إيصال هذه الأقاليم إلى ما أسماه واضعو الميثاق الحكم الذاتي وهو شيء غير الاستقلال ، وحتى الحكم الذاتي هو لم يحدد الميثاق من الذى يقرر وصول الشعب المستعمر إليه . ولا نظن أن واضعي الميثاق سهوا عن النص على الاستقلال كهدف تصل إليه هذه الشعوب ، بل إن محاضر اجتماعات سان فرانسيسكو تشهد أن الدول الصغرى والاتحاد السوفيتي أصرت على هذا الهدف ولكنها لم تستطع مقاومة الدول الاستعمارية التي هددت بإفشال المؤتمر ونسف الأمم المتحدة إذا أدخل الاستقلال كهدف تصل إليه شعوب الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي.
ج – إن النص رتب على الدول المسؤولة عن هذه الأقاليم التزامات ضعيفة تتمثل في التعهد المجرد بإرشاد سكان هذه الأقاليم والإشراف على شؤون حياتهم و(رسال تقارير إحصائية عن النواحي غير السياسية لتطورهم دون أن يبين دور الأمم المتحدة في ممارسة الرقابة الفعالة على هذا التطور.
أنظر: د . محمد عزيز شكري ، المدخل إلى القانون الدولي العام وقت السلم ، دمشق ، دار الفكر، الطبعة الثانية ، 1973 ، ص 105-106-107 .

[12] لحبيب أنفاد، القضايا السياسية الكبرى المعاصرة ، دار النشر الجسور، وجدة ، طبعة 1999 ص . 22.

[13]   حسن نافعة ، الأمم المتحدة في نصف قرن ، سلسلة عالم المعرفة ، العدد 202 أكتوبر 1995 ، ص . 75 .

[14] ألزمت الجمعية العامة الدول المديرة للأقاليم المشمولة بالوصاية بتزويد مجلس الوصاية بكافة البيانات والتقارير اللازمة عن حالة سكان هذه الأقاليم . وفي الدورة السادسة للجمعية العامة ناشدت هذه الأخيرة في قرارها 858 الدول المديرة للأقاليم المشمولة بالوصاية بتقييم الفترة الزمنية الواجب رعايتها لمنح سكان هذه الأقاليم حق الاختيار بين الاستقلال أو الحكم الذاتي.
وفي الدورة 13 للجمعية العامة ذكرت الدول المديرة بضرورة تقديم البيانات والمعلومات حول الحالة للسياسية لسكان للأقاليم المستعمرة .

[15] أحدث الميثاق بالإضافة إلى الوصاية العادية ، وصاية خاصة لصالح الولايات المتحدة الأمريكية ، أطلق عليها اسم ” الوصاية الاستراتيجية أو الذى تشبه نظام الاستعمار المباشر أي الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي ، وقد طبق على الجزر الكائنة في المحيط الهادي والتي كانت عن الانتداب الياباني ويطلق عليها أحيانا جزر الباسفيك ، راجع حول هذا النوع الخاص من الوصاية، المادة 32 وما بعدها من ميثاق الأمم المتحدة .

[16] أنظر المادة 85 من ميثاق الأمم المتحدة .

[17] د . عبد الكريم علوان ، الوسيط في القانون الدولي العام، الكتاب الأول ، المبادئ العامة ، مكتبة دار الثقافة للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى ، عمان الأردن 1997 ، ص . 162 .

[18] بطرس بطرس غالي ، التقرير العام السنوي عن أعمال المنظمة تحت عنوان : بناء السلام و التنمية 1994 ص . 17-18.

[19] د . سموحي فوق العادة ، القانون الدولي العام، مرجع سابق ، ص . 70-75

[20] محمد بوبوش، “أثر التحولات الدولية الراهنة على مفهوم السيادة الوطنية “، في كتاب السيادة و السلطة، الآفاق الوطنية و الحدود العالمية (مجموعة من الباحثين) ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، الطبعة الأولى ، 2006 .

[21] مادة 3 فقرة 4 من الميثاق ، وراجع كذلك : د .حامد سلطان ، القانون الدولي العام وقت السلم ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، الطبعة الخامسة 1975 ، ص . 798 وما بعدها.

[22] د .وحيد رأفت ، ” القانون الدولي وحقوق الإنسان أ، المجلة المصرية القانون الدولي ، العدد 1977 33 ، ص . 30.

[23] د .حامد سلطان ، المرجع السابق ، ص . 738 وما بعدها.

[24] عادل طبطبائي ، ” الاستقلال الذاتي لولايات الدولة الاتحادية “، مجلة الحقوق و الشريعة ، السنة الرابعة ، العدد الأول 1980، كلية الحقوق والشريعة ، جامعة الكويت ، ص . 112 .

[25] راجع أيضا، نبيل أحمد حلمي ، ” الصفة الغربية بين الحكم الذاتي وتقرير المصير”، السياسة الدولية ، عدد 59، يناير 1980، ص . 119 .

[26] د. عبد العليم محمد عبد العليم ، مفهوم الحكم الذاتي في القانون الدولي (دراسة مقارنة) لبعض الأنماط و المشكلات، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية ، الأهرام ، القاهرة ، 1994 ص . 24-23 .

[27] بتطور تطبيقات هذا النظام حصلت بعض هذه المستعمرات على صلاحيات تتجاوز نطاق الاستقلال الذاتي ، بالذات في مجال الشؤون الخارجية ، حيث حصلت بعضها على حق التفاوض وعقد الاتفاقيات التجارية في عام 1884 إلى جانب المفاوض البريطاني الذى احتفظ لنفسه بحق التوقيع . وفي تطور لاحق حصلت بعض هذه المستعمرات على حق الاشتراك في المؤتمرات المتعلقة بالمسائل الفنية والإدارية ، وأثناء اشتراك قواتها في الحرب العالمية الأولى حصلت على حق عقد المعاهدات الدولية، حيث اشترك مندوبوها في التوقيع على معاهدات الصلح ودخلت عصبة الأمم باعتبارها متميزة عن الدولة الأم .

[28] عبد العليم محمد ، الحكم الذاتي و الأراضي الفلسطينية المحتلة، القاهرة ، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، 1980 .

[29] بعض الكتاب يظهرونها على أنها مثال للدخول الحر في رابطة ، ونشير في هذا الصدد إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية استولت على بورتوريكو سنة 1898 ثم وضعت دستور بورتوريكو وصدقت عليه ، وهو يمنحها حق اختيار جميع موظفيها العموميين ووضع قوانينها الخاصة ، واعتبرت الولايات المتحدة نتيجة لذلك أن بورتوريكو بلد متمتع بالحكم الذاتي وصوتت الجمعية العامة لأمم المتحدة عام 1952 مؤيدة أن بورتوريكو تتمتع بالحكم الذاتي ، ومن ثم توقفت الولايات المتحدة عن تقديم تقارير عن هذا البلد إلى الأمم المتحدة .

[30] د . عمر إسماعيل سعد الله ، تقرير المصير السياسي الشعوب في الظنون الدولي العام المعاصر، المؤسسة الوطنية للكتاب ، الجزائر، 1986 ص 264.

[31] اعتبر المؤتمر السادس لرؤساء دول عدم الانحياز المنعقد في هافانا ما بين 3 و 9 سبتمبر 1979، بورتوريكو إقليما مستعمرا وشعبه خاضعا فعلا لسيطرة أجنبية ومن تم ينبغي أن يطبق عليه قرار الجمعية العام 1514 (د-15).

[32] نورد هنا قرار اللجة الخاصة المعنية بحالة تنفيذ إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة الذى اعتمدته بخصوص بورتوريكو في جلستها 1179 المنعقدة في 20 غشت عام 1979 والغرض منه الكشف عن موقف الأمم المتحدة الراهن والتي سبق لها أن قبلت ضم بورتوريكو إلى الولايات المتحدة الأمريكية وكيفية تدخل لجنة تصفية الاستعمار في هذا الموضوع ، فقد أعلنت:
“إن اللجنة الخاصة ، إذ تضع في اعتبارها مقررها الخاص بإبقاء مسألة بورتوريكو قيد الاستعراض والوارد في الفقرة 8 من القرار الذى اتخذته اللجنة الخاصة في جلستها 1160 المنعقدة في 15 غشت 1979 . وإذ تذكر بقراراتها السابقة المتعلقة ببورتوريكو المؤرخة في 28 غشت 1972 ، و 3 غشت 1973 و 12 شتنبر 1978، و 15 غشت 1979 وكذلك بقرارها المؤرخ في 7 شتنبر 1976، وإذ تذكر كذلك بالفقرة 5 من قرارها الصادر في 15 غشت والذى يحث حكومة الولايات المتحدة الأمريكية على الإفراج عن السجناء الوطنيين البورتوروكيين الأربعة الذين سجنوا فترة تزيد عن 25 سنة في سجون الولايات المتحدة .
وإذ تضع في اعتبارها الإعلان الخاص بمنح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة الوارد في قرار الجمعية العامة 1514 ((د-15) لمؤرخ في 14 دجنبر 1960، وإذ تأخذ في اعتبارها المقررات المتعلقة ببورتوريكو التي اتخذها المؤتمر السادس لرؤساء دول وحكومات بلدان عدم الانحياز المنعقد في هافانا في الفترة من 3 إلى 9 شتنبر 1979 ، وإقناعا منها بأن شعوب كافة الأقاليم …//…

التي تحصل على استقلالها لها حق غير قابل للتصرف في تقرير المصير والاستقلال والسلامة الإقليمية ، وفي ممارسة سيادتها الوطنية وسيطرتها الكاملة على ثروتها ومواردها الطبيعية بهدف النهوض بتنميتها الاقتصادية وسلامة كيانها، وقد استمعت ونظرت في بيانات ممثلي مختلف الاتجاهات التي تؤلف الرأي السياسي البورتوريكي من حيث أن شعب بورتوريكو لم يمارس حقه في تقرير المصير والاستقلال وفقا لما حدده قرار الجمعية العامة 1514 (د-15).
وإذ تحيط علما بالبيانات التي أدلى بها عدة ملتمسين بشأن الأنشطة العسكرية التي تقوم بها الولايات المتحدة في الإقليم البورتوريكي ولاسيما على جزيرة فييكس وبالأخطار والمشاكل التي تنطوي عليها تلك الأنشطة بالنسبة لشعب بورتوريكو وبالنسبة للتطبيق الصحيح لقرار الجمعية العامة 1514 (د-15).
وإذ يساورها القلق لازدياد تدابير الاضطهاد والقمع ضد المنظمات والأشخاص الذين يناضلون من أجل الحقوق غير القابلة للتصرف للشعب البورتوريكي.
وإذ تلاحظ مع القلق أن حكومة الولايات المتحدة قد أخفقت في اتخاذ التدابير اللازمة لتنفيذ ما اتخذته اللجنة الخاصة من قرارات بشأن بوتوريكو.
1 . تعيد تأكيد الحق غير القابل للتصرف لشعب بوتوريكو في تقرير المصير والاستقلال طبقا لقرار الجمعية العامة 1514 (د-15) وانطباقه الكامل على بورتوريكو، كما أكدت ذلك قراراتها ومقرراتها بشأن بورتوريكو.
2. تحث مرة أخرى حكومة الولايات المتحدة الأمريكية على اتخاذ كافة التدابير اللازمة لنقل جميع السلطات إلى شعب بورتوريكو نقلا تاما، ولهذا الغرض تطلب من تلك الحكومة أن تقدم في أقرب وقت مستطاع خطة لتصفية الاستعمار من بورتوريكو طبقا لقرار الجمعية العامة 1514 (د-15).
3. تعلن عدم موافقتها على أي تدبير من شأنه محاولة تغيير مركز بورتوريكو دون الموافقة الصريحة لشعب هذا الإقليم ومشاركته في ذلك طبقا لأحكام وقرار الجمعية العامة 1514 (د-15).
4. تدين تدابير الاضطهاد والسجن والقمع التي تتعرض لها المنظمات والأشخاص الذين يناضلون من أجل تقرير المصير في بورتوريكو واستقلالها.
5 . ترحب بالإفراج عن السجناء الوطنيين البورتوريكيين الأربعة.
6. تدين المناورات والاستفزازات التي تقوم بها بحرية الولايات المتحدة على جزيرة فييكس، وكذلك أعمال القمع ضد الوطنيين الذين يناضلون من أجل إنهاء التدخل العسكري من جانب الولايات المتحدة في بلدة فييكس الجزرية . .
7. تطالب بأن تنهي الولايات المتحدة جميع أنشطتها العسكرية في بورتوريكو وبأن تتيح لشعب بورتوريكو بأن يعيش في سلام في إقليمه.
تكرر طلبها إلى حكومة الولايات المتحدة بالسماح لبعثة تقصي الحقائق عن اللجنة الخاصة بزيارة بورتوريكو لكي تجمع كل البيانات ذات الصلة بما في ذلك بوجه خاص المعلومات المتعلقة بالاضطهاد والمضايقة والقمع ضد الوطنيين البورتوريكيين.
9 . تقرر أن تبقي مسألة بورتوريكو قيد الاستعراض .
راجع نص هذا القرار في الوثائق الرسمية للجمعية العامة ، الدورة 35 ، الملحق 23 /23/Rev. 1 ( A/35) الأمم المتحدة ، نيويورك 1981 ، ص . 31-30 .

[33] تتمتع أقاليم في ما وراء البحار التابعة لفرنسا باستقلال ذاتي ، ونشير هنا إلى بعض الأقاليم:

– النظام الخاص لإقليم كورسيكا: إن مبدأ النوعية الذى يعود للجزرية ، والطابع الحاد للمعضلات الاقتصادية ، هما اللذان قاد المشرع في عام 1982.. أن يضفي عليها طابعا خاصا. فبعد أن رأى المجلس الدستوري أن إنشاء نموذج آخر من الجماعة الإقليمية كنموذج وحيد لا يتعارض مع الدستور، ولم يكن ذلك محصورا بالضرورة في ما وراء البحار، وأن أحكام القانون لم تكن ضد الطابع غير القابل للانقسام للجمهورية ولا ضد سلامة أراضيها . وقد تم إنشاء إقليم كورسيكا بالقانون 214-82 مع نظام خاص ، حيث يتوفر الإقليم على جمعية (جمعية كورسيكا)، وفي بعض المؤسسات المكلفة بالإشراف على إقليم كورسيكا في ممارسة صلاحيته . مجلس اقتصادي واجتماعي ، ومحلي للثقافة والتربية وتنتخب جمعية كورسيكا رئيسها الذى يتولى السلطة التنفيذية ، وتتألف الجمعية من 61عضوا منتخبين بالاقتراع العام المباشر لـ 6 سنوات على أساس التمثيل النسبي حسب قاعدة المعدل الوسطي الأقوى مع لوائح كاملة في إطار داثرة انتخابها، وكان الهدف من ذلك تأمين مشاركة جميع الحساسيات المحلية وتسهيل الاندماج السياسي للحركات المطالبة بالاستقلال والاستقلالية . وكانت الجمعية الأولى المنتخبة غير قابلة للحكم، فعمد مجلس الوزراء إلى حلها بطلب رئيسها بتاريخ 27 حزيران /يونيو 1984 وأقام قانون 25 حزيران /يونيو من العام ذاته عتبة تمثيل بنسبة %5 من الأصوات المدلى بها لامتلاك الحق في التمثيل ، وجرت الانتخابات في 12 آب/غشت 1984 ودخلت كورسيكا في عام 1985 في مجموعة القواعد المطبقة على طائفة معينة من العلاقات القانونية (إدماج كورسكا في القانون الانتخابي المشترك قانون 10 تموز/يوليو 1985) .
وقد نص قانون 13 أيار/ماى 1991 على نظام جديد للجماعة الإقليمية في منتصف الطريق بين الأقاليم العاصمية والأقاليم في ما وراء البحار . وتنتخب الجمعية رئيسا ومجلسا تنفيذيا من 6 أعضاء مسؤولين تجاه الجمعية تدير العمل في الجماعة المحلية، ولا ينتخب مكتب الجمعية إلا لسنة واحدة ، ومهمته تنظيم العمل في الجمعية ، وقد جمع الجهازان الاستشاريان لعام 1982 في جهاز واحد ، ومع أن القانون الجديد اعتبر المجلس الجديد خاليا من أي إسناد للشعب الكورسيكي ، فقد أنشأ جماعة إقليمية طريفة سياسيا وقانونيا.
– أقاليم كاليدونيا الجديدة ، نص قانون 23 آب/غشت 1985 (المسمى فابيوس بيزاني Fabus Pizani على تقسيم الأراضي إلى 4 أقاليم تديرها بحرية مجالس إقليمية منتخبة بالاقتراع العام المباشر وعلى أساس التمثيل النسبي ، وينتخب كل مجلس إقليم رئيسا يتولى السلطة التنفيذية للإقليم . وقد حدد قانون 6 أيلول /شتنبر 1984 (نظام اللورين صلاحيات الأقاليم (التنمية والزراعة، السياحة ، الثقافات المحلية ، المطارات ، السكن الاجتماعي …) وسجل قانون 17 تموز 1986 ثم قانون 22 كانون الثاني /فبراير (1988 نظام (Pons العودة إلى أولوية الإقليم (جزء لا يتجزأ من فرنسا) واحتفاظ فرنسا بالصلاحيات السيادية (الشؤون الخارجية، الدفاع ، الأمن) مع المحافظة على المجالس الإقليمية الأربعة ، فقد تقلصت الصلاحيات الإقليمية ، وتعدل التقطيع الإقليمي …//…

وقد جنى التوازن السياسي فائدة أكبر مما جناه مناهضو الاستقلال . ومؤسسات كاليدونيا الجديدة التي أنشأها استفتاء 6 تشرين الثاني /نوفمبر 1988 بمبادرة من حكومة ” ميشال روكار ” (قانون 9 تشرين الثاني /نوفمبر 1988 (مجلس تنفيذي-جمعية إقليمية )- على أساس 3 مناطق حلت محل الأقاليم الأربعة وتدير نفسها بحرية ممارسة الصلاحيات التي ليست صلاحيات الدولة.
. (غوادالوب Guadaloupe ، غويانا Gayane ، المارتينك ، لارينيون (La Reunion : نص قانون 23 آذار/مارس 1982 للأخذ في الاعتبار خاصية هذه الأقاليم على الأخذ بقانون 2 آذار/مارس 1982 فيما يتعلق بالمحافظات ما وراء البحار . وأنشأ القانون جمعية وحيدة تقوم في أن واحد بدور المجلس العام والمجلس الإقليمي . ولدى إحالته على المجلس الدستوري قرر إلغاءه بكامله (القرار الصادر في 2 كانون الأول /ديسمبر 1982 الذى تعدل قليلا بقانون 13 حزيران /يونيو 1989 المتعلق بصلاحيات أقاليم غادالوب وغويانا والمارتنيك ولارينيون . وقد رأى المجلس الدستوري بعد مراجعته أن المادة 72 و 73 من الدستور لا تمنعان جعل حدود المحافظات وحدود الأقاليم متطابقتين ولكنهما تجيزان بالمقابل للجمعيات الإقليمية وجمعيات المحافظات أن يكون لها صلاحيات متنافسة (القرار الصادر في 25 تموز-يوليو 1984) ، وهكذا فبعد انتخاب المستشارين الإقليميين في إقليم ما وراء البحار في 25 شباط /فبراير 1983 حسب الشروط الواردة في قانون 31 كانون الأول /ديسمبر 1982، تم تجديدهم بكاملهم في 16 آذار/مارس 1986 بعد تطبيق قانون 10 تموز/يوليو 1985 المتعلق بانتخاب المستشارين الإقليميين . أنظر بخصوص هذه الأمثلة : أوليفيه دوماهيل، إيف ميني ، المعجم الدستوري ، ترجمة منصور القاضي ، مراجعة العميد . د. زهير شكر، المؤسسة الجامعية للنشر والتوزيع ، بيروت ، الطبعة 1/ 1996 ، ص . 114-115-117 و ص 170 . بخصوص إقليم كاليدونيا الجديدة راجع:

– Satineau Maurice, Le Miroir de Nounea, La classe politique française face à la crise calédonienne, ED, L’Harmattan, Paris 1987.

– Hervé Coutan Begoire et jeans louis sevrins, Nouvelle Calédonie : Les antipodes de la démocratie, Ed lieur commun, Paris, 1986.

[34] د. محمد محمد حسنين ، الاتحاد الفرنسي و الجماعة الفرنسية في ما وراء البحار: دراسة سياسية قانونية تحليلية مقارنة، مطبعة العلوم ، القاهرة ، 1966، ص . 58 وما بعدها . ورغم استقلال تونس ظل المندوب السامي الفرنسي مسؤولا عن شؤون الأمن حتى يونيو 1957، حيث قررت الجمعية التأسيسية بالإجماع عزل المندوب السامي وإعلان الجمهورية التونسية.

[35] د. عبد العليم محمد، “مفهوم الحكم الذاتي في القانون الدولي والدستوري “، مجلة شؤون فلسطينية ، العدد 227-228  أذار-مارس 1992 ، ص . 18 .

[36] Hannum and lillich, The concept of Autonomy in international law. In yoran Dinstien Mode ls of Autonomy, New Brunsiwich, N.J. Transaction Books, 1981, p. 235.

مذكور في عبد العليم محمد ، مفهوم الحكم الذاتي في القانون الدولي العام، (دراسة مقارنة) لبعض الأنماط و المشكلات ، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية ، الأهرام ، القاهرة ، 1994، ص 41.

[37] د .سعد الدين إبراهيم ، ” نحو دراسة سوسيولوجية للوحدة ، الأقليات في العالم العربي “، مجلة قضايا عربية ، عدد خاص ، أبريل ، السنة الثالثة ، بيروت 1976 ، ص . 5-24.

[38] عبد الحق الجناتي ، الإدريسي ، القانون الدولي العام ، مكتبة المشكاة ، وجدة 2002، ص . 211.

[39]  « Toute tentative visant à détruire partiellement ou totalement l’unité nationale et l’intégrité territoriale d’un pays est incompatible avec les buts et les principes de la charte ».

[40] « Rien dans les paragraphes précédents ne sera interprété comme autorisant ou en cou rageant une action qui dememberait ou minerait, totalement ou partiellement l’intégrité territoriale ou l’unité politique de tout Etat souverain et indépendan t».

[41] بعد سنتين فقط من استقلالها في سنة 1993 احتلت إريتيريا جزر حنيش اليمنية ، وفي 1999 شنت حربا ضد أثيوبيا.

[42]  Delmas Phillipe,Le bel avenir de la gweAT£,Paris,Gallimard,1995,p.9.

[43] تم تكوين هذه اللجنة من ثلاث حقوقيين وهم الأساتذة لارناند M. Lamande عميد كلية الحقوق بباريس ، وماكس هيبر Max Huberd أستاذ في زوريخ syryken مستشار قانوني نيوزيلاندي .

[44] يقصد بالانفصال Secession تكوين دولة جديدة فوق جزء قد يضيق وقد يتسع من إقليم دولة قائمة ، شريطة استمرار هذه الدولة التي كانت ضحية الانفصال ، إن استمرار هذه الدولة هو الذى يميز الانفصال عن حل أو تفكك الدول Dislocation desintegration eclatement بحيث تنهار وتختفي الدولة الأصلية نهائيا لفائدة دولتين جديدتين أو أكثر.

[45] د. محمد تاج الدين الحسيني ، المجتمع الدولي وحق التدخل ، سلسلة “المعرفة للجميع “، العدد 18، يناير 2001 ، منشورات رمسيس ، الرباط ، ص . 180-181.

[46] L’ONU, Chronique mensuelle,janvier 1970, p. 30.

وقد جاء هذا التصريح أثناء محاولة الانفصال التي عرفتها نيجيريا والتي أدت إلى حرب أهلية دامية استمرت ما بين سنتي 1967 و 1970 انتهت لصالح السلطة المركزية ضد انفصال إقليم ” بيافرا ” .

[47] عبر الأمين العام للأمم المتحدة بطرس بطرس غالي بخصوص هذا التطور المتمثل في استفحال ظاهرة الدول المجهرية: ” نعم لقد أظهرت تخوفاتي بخصوص نزعة القوميات التي تجتاح العالم ، وإذا استمر هذا الاتجاه فسيصبح لدينا ما بين مائتين إلى ثلاثمائة دولة عضو، لكن ينبغي أن نعترف في مقابل ذلك بأن عدة جهات من العالم تعرف جهودا لإنشاء نوع من الاندماج ، وما حدث في الرابطة الأوربية ، يمكن أن يتكرر في عدة مناطق . إن القومية المجهرية هي مرحلة ، وينبغي أن نكون جاهزين للمرحلة الموالية لمحاولة إدماج مختلف الدول المجهرية عن طريق نظام فيدرالي أو كنفدرالي بقصد الرجوع إلى وضعية ” الماكرو-دولة ” التي هي أساسية لتحقيق النمو الاقتصادي والسياسي ” .

– Voir l’Entretien avec le secretaire general de l’ONU. B.B.Ghali (le trimestre du Monde) 2e trimestre 1992, n° 18, p. 9 et s.

[48] سالم الكسواني ، المركز القانوني لمدية القدس ، الطبعة الثانية 1978 (دون ناشر)، ص . 275 .

[49] ناصيف يوسف حتي ، ” التحولات في النظام العالمي والمناخ الفكري الجديد وانعكاساته على النظام الإقليمي العربي “، بيروت ، مجلة المستقبل العربي ، العدد 165 ، تشرين الأول نوفمبر 1992 ص 46.

[50] عبد النور بن عنتر، ” الدولة والعولمة وظهور مجتمع مدني عالمي “، بيروت ، مجلة شؤون الأوسط، العدد 107، صيف 2002، ص . 79.

[51] ومن بين تلك الأمثلة نشير إلى ما يلي : (نتائج بعض حروب الاستقلال العرقية القومية ).
– أوكرانيا : (الاتحاد السوفياتي ): الاستقلال عام 1992/ فترة الصراع 1944 .
– مجموعة ميسكيتو (نيكاراغوا) : حكم ذاتي إقليمي في /1990 فترة الصراع 1988-1981.
– مجموعة ناجا (الهند) : حكم ذاتي إقليمي عام /1972 فترة الصراع 1952-1975 .
– مجموعة شيتا جونج (مجموعة التلال ) (البنغلاديش) : مجالس محلية استقلالية محدودة 1989 فترة الصراع 1975-1989 .
– مجموعة ” عفارا” (إثيوبيا) : حكم ذاتي إقليمي في 1977 .
– مجموعة ” بالوش” (باكستان) : حكم ذاتي 1973-1970 : استعادة جزئية.
– الكاثوليك (شمال إيرلندا) : منذ 1969 حتى الآن مفاوضات متقطعة على المشاركة في السلطة.
– إيبو (نيجيريا) : فترة الصراع 1970-1967 : الصراعات قمعت ، إعادة الاندماج مع الدولة.
– تأميل (سريلانكا) : فترة الصراع من 1975 حتى الآن : حكم ذاتي إقليمي 1987 استمرار الصراع .
– جنوب السودان : فترة الصراع 1955-1978: حكم ذاتي 1983-1973 : استمرار الصراع .

اترك رد

https://powderencouraged.com/zht6b3bs66?key=8523542c4aaf6f083ce56f74bd271319
https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من فضاء المعرفة القانونية -espace connaissance juridique

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة