اعتبارا لكون الدولة المغربية دولة إسلامية مند قرون خلت وإلى غاية يومنا هذا،و وفقا لمفهوم الدولة الحديثة التي جعلت من الإسلام أحد أعمدتها،و ركيزة أساسية للنظام السياسي المغربي الذي يجمع بين الأصالة المرتبطة بالإسلام وبين المعاصرة المتعلقة بمقومات الدولة الحديثة التي تسعى إلى الفصل بين السلط، وحيث أن التشريع المغربي قد اعتمد في جزء كبير منه على الفتاوى والنوازل الفقهية التي شكلت على مدار تاريخ التشريع بالمغرب إطارا قانونيا يحتدى به ويستلزم التطبيق لحل المشكلات الخلافية عبر العصور الماضية، يجعلنا نطرح التساؤل التالي: كيف عمل الدستور المغربي على إدراج دين الإسلام بمتنه؟ وما هي المكانة التي أولاها له؟،و كيف يعتمد النظام المغربي على الدين في قيادة الدولة؟ وإلى أي حد يمكن اعتباره شريان النظام السياسي ومحركه الأساس؟.

المطلب الأول: الإسلام والدستور أية علاقة؟
- الإسلام في الدستور المغربي
لقد نصت مختلف الدساتير المغربية منذ صياغتها الأولى سنة 1962 على أن المغرب دولة اسلامية )الذيباجة( كما نصت على أن الاسلام دين الدولة،و الدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية)الفصل6(،كما اعتبر الفصل 19:”الملك أمير المؤمنين….و هو حامي حمى الملة والدين”.
مما يفيد بأن الفكر السياسي المغربي ظل مطبوعا منذ بداياته الأولى بنزعة توفيقية تحاول الجمع بين الفكر السياسي الإسلامي )الشورى، البيعة، الخلافة (مع مستجدات الوعي الدستوري الحديث.حيث اعتمدت الحركة الدستورية والسياسية التي ابتدأت مع النخبة الاصلاحية بداية القرن العشرون على أصول فكرية مزدوجة، من خلال محاولتها العمل على تطوير مفاهيم الشورى والبيعة، اضافة الى اقتباسها من التجربة الأوربية بعض الأدوات التنظيمية اللازمة لتفعيل هذه المبادئ وبلورتها في نموذج واضح وذلك بتكييف النموذج الدستوري الغربي مع المفاهيم السياسية الاسلامية حتى تحظى بالشرعية الدينية اللازمة.
وهكذا، فقد ظهرت مجموعة من الإرهاصات الأولية لتقييد سلطة الحاكم بعدما كانت مطلقة من خلال فكرة الانتخاب وبوادر النظام التمثيلي وتشكيل مجالس للأمة لتبادل الرأي وفق اختصاصات ومهام محددة، توجت هذه الأفكار بتشكيل مجلس للأعيان )1905 ( وبإقالة المولى عبد العزيز وبيعة أخيه مولاي عبد الحفيظ بيعة مشروطة اعتبرت بمثابة ميثاق دستوري وسياسي أنداك،و هو ما دفع بعبد الله العروي إلى القول بأنه:”لو لم يحصل نظام الحماية لربما تطور هذا النوع من البيعة تطورا طبيعيا إلى دستور مكتوب في الشكل الحديث”[1]، كما وجدت هذه الأفكار أسمى تعبير لها في مشروع دستور 1908 الذي حدد شكل الدولة وعناصرها، وتطرق لمجموعة من الحقوق والحريات المستلهمة من التجربة الأوربية، والتي تحاول تبيئتها داخل التربة المحلية كفكرة المواطنة والحرية والمساواة[2].
وهكذا حاولت النخبة المغربية لبداية القرن تنظيم السلطات وتقييدها انطلاقا من الأصول الفكرية الإسلامية مع توظيف أشكال التنظيم السياسي التي توصل إليها الغرب وانتقلت الى العالم الإسلامي، الشيء الذي يبرز بوضوح عند دراسة وتحليل المشاريع الدستورية التي طرحت في المغرب ما بين سنة 1901 و1908، بحيث نلاحظ أن مشروع دستور 1908 تضمن 93 مادة موزعة على 10 أبواب، تطرق الباب الأول للحديث عن الدولة والدين والسلطان، بينما اهتمت باقي المواد بالحديث عن مجلس الأمة ومنتدى الشورى ومالية الدولة والجبايات وحقوق وواجبات أبناء الدولة.
ويعزز مشروع 1908 الصفة الدينية للسلطان الذي يلقب بإمام المسلمين وحامي حوزة الدين )المادة 6(، ويتمتع بالعديد من الصلاحيات المركزية التي تجعل منه الفاعل الرئيسي داخل الدستور، إذ باسمه تضرب النقود وتخطب الخطب، وله قيادة الجيش وإشهار الحرب وعقد الصلح، وإبرام المعاهدات مع الدول… وهو الذي يمثل الأمة والدولة معا أمام الدول الأجنبية )المادة11(،كما نص المشروع على مؤسسة أطلق عليها اسم “مجلس الشرفاء”،و من بين أبرز مهامها مراقبة ما يصدر عن مجلس الأمة من تقارير ولوائح والنظر في مدى انسجامها مع الشروط الستة التي حددها المشروع وعلى رأسها:”أن لا يكون هناك شيء مما يمس أساس الدين وجوهره أو يخالف نصا من القرآن الكريم وأن لا يمس بحقوق الأمة…و أن لا يضر بحقوق السلطان..و أن لا يمس الحرية والدستور والآداب العامة وأن لا يسبب خسائر لبيت مال المسلمين وأملاك الدولة…”مما يجعل منها مؤسسة للرقابة الدستورية والشرعية والمالية إضافة لحماية الدين وحقوق السلطان، مؤسسة لا تؤمن بالفصل بين الشؤون الدينية والدنيوية، رؤية تختزل منظورا سياسيا تمتزج فيه المصالح الدينية للناس بمصالح معاشهم وتحرص على خلق نوع من التوازن بين السلطات والمؤسسات التمثيلية، كما حرصت على أن تكون شرعية السلطات منبثقة عن بيعة تعاقدية مشروطة تعبر عن الإرادة الحرة للناس وتمنح للسلطان صلاحيات واسعة لكنها مقيدة بالشروط المتفق عليها وبالأجهزة المكلفة بالرقابة وحماية الحقوق العامة وضمان الالتزام بالدستور.
إذن، فما دامت إمارة المؤمنين من المفاهيم المؤسسة والمؤطرة داخل الدستور المغربي، فإلى أي حد يمكن اعتبارها شريان النسق السياسي المغربي ومحركه الأساس باعتبار الدولة المغربية دولة إسلامية بالأساس؟و ما هي الآليات والوسائل التي يعتمدها النظام في قيادة الدولة ومؤسسات المجتمع؟
ب.امارة المؤمنين:
ب.أ.مفهوم امارة المؤمنين:
يستفاد من قول ابن خلدون أن امارة المؤمنين هي لقب للخليفة أو للإمام،و تعريف أحدهما هو تعريف لإمارة المؤمنين مما يعني أن مصطلح أمير المؤمنين هو امتداد لفكرة الخلافة على اعتبار أن الرسول صلى الله عليه وسلم مستخلف على النبوة، والمسلمون خلفاء الله في الأرض ورئيسهم هو الخليفة، لقوله تعالى:”وعد الله الدين امنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الدين من قبلهم”[3]. والامام أو الخليفة وكذا الامامة لفظان مختلفان مبنى مترادفان معنى، يضاف لكل واحد منهما من الأحكام ما يضاف للآخر، والامامة كما عرفها الماوردي بقوله:”الامامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا”[4]، غير أن المراد بالإمامة قد يكون أشمل وأعم من الخلافة والسلطان والولاية، حيث يقصد بها الرئاسة الشرعية للأمة الاسلامية في حفظ الدين وسياسة الدنيا، وحسب تعريف ابن خلدون فهي:”حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة اليها، اذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع الى اعتبارها بمصالح الاخرة، فهو في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به”[5]. وهاتان الوظيفتان موكولتان في الدين الاسلامي الى أولي الأمر من المسلمين، الذي تجب طاعتهم في المعروف لقوله تعالى:”يا أيها الدين امنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه الى الله والرسول ان كنتم تومنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا”[6].
ويكشف ميراث الأمم والشعوب أن الدين كان وما زال وسيبقى يتصل ويتحكم بالحاجات والمشاعر والقيم والتطلعات البشرية الأكثر عمقا،و أن تأثيره حاضر وملموس باستمرار في أغلب مجالات الحياة الفردية والجماعية، وهكذا الحال بالنسبة إلى الدين الإسلامي الذي شكل على مدار تاريخه الطويل وما زال بؤرة كل القيم (حتى تلك التي تحكم السياسة)، والنظام الملكي في المغرب يعد أنموذجا لذلك. وعليه، فإن مكانة الدين تبقى بحاجة الى المزيد من البحث والتقصي والدراسة، ولا سيما وأن العقد الأخير من القرن العشرين وما تلاه سجل عودة الدين وبقوة بعد تراجع ثقة البعض في الأيديولوجيات العصرية وقدرتها على الخلاص وتحقيق التنمية[7]، فما هي اذن مكانة الدين في النظام الملكي المغربي المعاصر؟ وكيف تطور مفهوم امارة المؤمنين في المغرب حتى أصبح في قلب النظام السياسي المغربي؟، وما هي الآليات والوسائل التي يعتمدها في قيادة الدولة ومؤسسات المجتمع؟. ولماذا يصر النظام المغربي على الاحتفاظ بإمارة المؤمنين؟هل لحماية الملة والدين؟أم لأهذاف ضبطية وسياسية لتكريس سمو الملكية التنفيذية؟.
للإجابة عن هذه الأسئلة يستوجب الإحاطة بمفهوم إمارة المؤمنين الذي يرتبط ارتباطا أصيلا بالتراث الإسلامي السياسي، حيث نجد لقب أمير المؤمنين خص به المجتمع الإسلامي عمر بن الخطاب،فقد كان أول خليفة يلقب بأمير المؤمنين كما أشار الى ذلك ابن خلدون في المقدمة:”فلما بويع لعمر يعهذه اليه كانوا يدعونه خليفة خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكأنهم استثقلوا هذا اللقب بكثرته وطول اضافته…و قد كان الجاهلية يدعون النبي صلى الله عليه وسلم أمير مكة وأمير الحجاز… واتفق أن دعا بعض الصحابة عمر رضي الله عنه يا أمير المؤمنين فاستحسنه الناس واستصوبوه ودعوا به… وسمعها أصحابه فاستحسنوه وقالوا أصبت والله اسمه، انه والله أمير المؤمنين حقا، فدعوه بذلك ودهب لقبا له في الناس، وتوارثه الخلفاء من بعده سمة لا يشاركهم فيها أحد باستثناء بعض الاستثناءات كما فعل الشيعة حين نعثوا عليا بالإمامة التي هي أخت الخلافة[8].
يستفاد من دلك أن مصطلح أمير المؤمنين يعد امتدادا لمصطلح الخلافة، مما يعني أن لقب أمير المؤمنين هو نفسه لقب الخليفة أو الإمام لاشتراكهم في نفس المعنى أو القصد، والإمامة كما عرفها الماوردي بقوله:”الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا”[9]، الا أن المقصود بالإمامة قد يكون أشمل من معنى الخلافة والسلطان والولاية، حيث يقصد بها الرئاسة الشرعية للأمة الإسلامية في حفظ الدين وسياسة الدنيا، وحسب تعريف ابن خلدون فهي:”حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها، اذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع الى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهو في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به”[10]. وهاتان الوظيفتان موكولتان في الدين الإسلامي إلى أولي الأمر من المسلمين، الذي تجب طاعتهم في المعروف لقوله تعالى:”يا أيها الدين امنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تومنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا”[11].
وتكشف مختلف الحقب التاريخية لمختلف الأمم أن مسألة الدين ظلت تتصل وتتحكم في مختلف القيم والتطلعات البشرية عبر مر التاريخ والعصور، كما قال بدلك أحد المفكرين:”لقد وجدت وتوجد جماعات إنسانية من غير فنون وعلوم وفلسفات، ولكن لم توجد جماعة قط بدون ديانة”، مما يجعل سؤال :مكانة الدين في النظام السياسي المغربي سؤالا مشروعا وواقعيا يحتاج مزيدا من الدراسات والأبحاث نظرا للإشكالات الكثيرة المطروحة الخاصة بهذا الحقل المعرفي.
ب.ب. دسترة امارة المؤمنين:
إن دسترة إمارة المؤمنين في جميع دساتير المغرب، قد جعلت من الحقل الديني أهم مورد لمشروعية النظام الملكي، وتنظيمه ضمن المجال المحفوظ للملك باعتباره أمير المؤمنين، أي كامتداد للوظائف التقليدية المرتبطة بوظيفة السلطان التي تحدثت عنها الأدبيات المتعلقة بالآداب السلطانية كابن رضوان وابن الأزرق في تولية الخطط الدينية[12]، حيث تمنح صفة أمير المؤمنين للمؤسسة الملكية صلاحيات واسعة في الحقل الديني والدنيوي نظرا لارتباطها بالطابق العلوي من الدستور الذي يترجم البعد القانوني الخلافي (نسبة للخلافة في تصورها السلطاني) والممارسة السياسية التاريخية للسلاطين المغاربة (أي إمارة المؤمنين،البيعة، قداسة الخلافة،و الدين الإسلامي، والحفاظ عليه الخ… ) ومن تم يرتكز هذا القانون على المكانة السياسية والدينية للملك-الخليفة-، وعلاقته بالأمة في غياب الوسطاء، وحتى لو كان هؤلاء الوسطاء هم البرلمان والحكومة[13]، مما يجعل من إمارة المؤمنين العمق الاستراتيجي للملك الدستوري[14].
ويمكن القول أن مفهوم إمارة المؤمنين قد انتقل إلى المغرب تزامنا مع تفكك الخلافة العباسية من الناحية العملية، وأصبحت المنطقة العربية الإسلامية تعرف تعدد المراكز السياسية، فبالموازاة مع المشرق كان المغرب يعيش تاريخه السياسي المستقل، وللإشارة، فإن العهد العباسي وابتداء من سنة 750م، أصبح معيار الانتماء إلى آل البيت شرطا رئيسيا في اختيار أمير المؤمنين، بحيث أن العباسيين بحكم انتمائهم إلى العباس ابن عبد المطلب (عم الرسول ) حصروا إمارة المؤمنين في سلالته، غير أن الفاطميين (نسبة إلى فاطمة الزهراء بنت الرسول زوجة علي بن أبي طالب)،ظلوا متشبثين باشتراط النسب إلى علي وفاطمة بالنسبة لمن يتولى إمارة المؤمنين.
وبعد قيام الدولة المرابطية في المغرب التي حققت استقلالها عن المشرق، ظهر لقب جديد مع يوسف بن تاشفين وهو لقب أمير المسلمين، هذا الأخير الذي رفض هذا اللقب بحجة أنه بربري صحراوي، وبأن هذا اللقب لا يمكن أن يصير إلا لرجل منحدر من السلالة النبوية[15].
غير أنه مع الدولة السعدية والعلوية، وبعد توفر شرط الانتماء الى البيت النبوي،حل لقب “أمير المؤمنين: محل لقب “أمير المسلمين”، وأصبح السند الشريف من الأمور التي تتميز بها المؤسسة الملكية المغربية عن قريناتها في العالم الإسلامي، وأصبح القائم عليها يتباهى بانتمائه الى البيت النبوي، وهذه الخاصية اعتمدتها المؤسسة منذ نشأتها، ولا تتردد في التذكير بها والتأكيد عليها بشكل قوي في كل المناسبات[16].
وقد تمكن لقب أمير المؤمنين من المحافظة على استمراريته وتجدره في الوعي السياسي والديني للمغاربة، حيث تمت دسترته سنة 1962، ليخرج من دائرة التعبير على الارتباط الرمزي والأخلاقي بالتقاليد الدينية، ويأخذ أبعادا أخرى تجعل الحامل للقب أمير المؤمنين، أي الملك، يتمتع بسند إضافي يضمن له شرعية دينية بوصفه قائما على أمور الجماعة المؤمنة (…) واعتمادا على وظيفته الدينية السامية ينصب أمير المؤمنين الملك نفسه راعيا للإجماع بين أفراد وجماعات مكونة لمجتمع مسلم يربط بين مكوناته اعتقاد راسخ بأحادية السلطة. وعليه، يتمتع أمير المؤمنين بسلطات لا تحد، وتشمل صلاحيات دينية وأخرى دنيوية.
ويمكن القول بأن مفاهيم البيعة وإمارة المؤمنين استطاعت أن تجد مكانا لها داخل المتن الدستوري، بشكل مباشر (أمير المؤمنين) أو بشكل غير مباشر (البيعة)، وتشكلت من خلالها بعض الأدوات الدستورية التي عملت على تنزيل الصلاحيات الواسعة لسلطة “الخلافة”أو الإمارة وإدماجها داخل الحقل الدستوري، مقدمة بذلك أحسن طريقة لاستغلال مفاهيم التراث السياسي الإسلامي لخدمة مركزية السلطة وتجسيدها في شخص “أمير المؤمنين”[17].
وعادة ما تتم الإشارة إلى عبارة “أمير المؤمنين” التي تضمنها دستور 1962 أنها قد أضيفت إلى النص الدستوري باقتراح من الدكتور الخطيب وتزكية من علال الفاسي لإظهار أن السلطة هي ذات مصدر الهي وأنها لا تتأثر بنتائج الاستفتاء أو صراع الأحزاب[18].
المطلب الثاني: مكانة الدين في النظام السياسي المغربي:
يحضى الدين الاسلامي بمكانة رفيعة ومقدسة في نفوس وعقول الشعب المغربي، فهم مسلمون سنة ومالكيون، اذ ليس في المغرب تعدد ديني أو طائفي أو تعدد مذهبي،” وكان الاعتبار الديني دائما هو المحرك الأساس لكل اهتمام سياسي بالشأن العام[19]، لذلك فإن الدين في المغرب، كان وما زال شرط من شروط الوجود[20]، ومعنى ذلك أن البعد التاريخي لمكانة الدين في النظام السياسي المغربي متجذر في التاريخ المغربي، اذ يؤدي العلماء وخطباء المساجد باستمرار دورا مهما في تعزيز هذه المكانة التي يعتبرون مساندتها واجبا شرعيا يجب الالتزام به والمحافظة عليه طبقا لمقتضيات البيعة (العهد على الطاعة)، لذلك فإن محاولة طرح مسألة الدين في المغرب فيها نوع من المبالغة،نظرا الى ما يتمتع به المغاربة من وحدة،لأنه ليس في المغرب سوى دين واحد ومذهب واحد[21].
وتعتبر المرجعية العليا لأي دولة محددا لسياساتها، وحكما لمؤسساتها، وما ينتج عنها من قوانين أو قرارات وخيارات، ويشكل الإسلام المرجعية العليا للدولة المغربية بمقتضى جميع دساتيرها المتعاقبة منذ أول دستور للمملكة سنة 1962 الذي نص في ديباجته كما هو حال الدساتير المتعاقبة الى غاية دستور 2011 على أن:”المملكة المغربية دولة إسلامية، والدولة تضمن لكل واحد ممارسة شؤونه الدينية، وما نص عليه تصدير مختلف الدساتير يتضمن المبادئ المرجعية والقيم العليا التي على الدولة أن تتقيد بها وتحتفظ عليها وتسعى لتحقيقها.
وتجدر الإشارة إلى أن الموقع المخصص للدين الإسلامي في تصدير 2011 جاء صريحا في كونه حاكما على بقية روافد الهوية المغربية، وقد أكد ذلك تصدير دستور 2011 بعد أن تطرق لمحددات ومكونات الهوية الوطنية الموحدة بانصهار مكوناتها العربية والإسلامية، والأمازيغية، والصحراوية، والحسانية، والغنية بروافدها الإفريقية، والأندلسية، والعبرية، والمتوسطية، أكد أن هذه الهوية يميزها تبوئ الدين الإسلامي مكانة الصدارة فيها.
ويؤكد الفصل الأول من دستور 2011 على هذه المرجعية بشكل صريح حينما نص على أنه:”تستند الأمة في حياتها العامة على ثوابت جامعة،تتمثل في الدين الإسلامي السمح، والوحدة الوطنية المتعددة الروافد،و الملكية الدستورية، والاختيار الديمقراطي”، ويتضح من خلال هذه الفقرة أن الدين الإسلامي يأتي على رأسها بما يفيد حكمه على بقية الثوابت الأخرى المشكلة للهوية المغربية، ويتجلى ذلك بوضوح حينما تطرق الدستور للقضايا المثيرة للخلاف بين القوى السياسية المدنية من قبيل:المواثيق الدولية وقضية المساواة بين الرجل والمرأة.
أ. سمو المواثيق الدولية شرط عدم معارضتها لأحكام الدين الإسلامي
لقد جعل الدستور الجديد سمو المواثيق الدولية على التشريعات الوطنية في حال عدم مخالفتها لأحكام الإسلام، حيث كرس الدستور في فصله 132 إمكانية الطعن في دستورية تلك الاتفاقيات، فنص على أنه:” يمكن للملك، وكذا لكل من رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس المستشارين وخمس أعضاء مجلس النواب، و40 عضوا من أعضاء مجلس المستشارين أن يحيلوا القوانين أو الاتفاقيات الدولية قبل إصدار الأمر بتنفيذها، أو قبل المصادقة عليها إلى المحكمة الدستورية لتبث في مطابقتها للدستور”.
كما منح المشرع الدستوري حصانة دستورية لأحكام الإسلام من أية مراجعة تحت أي ظرف من الظروف وكيفما كانت الأسباب والدوافع، وهذا ما أكدت عليه كافة الدساتير بدءا بدستور 1962 في الفصل 108، ودستور 1970 في الفصل 100، ودستور 1972 في الفصل 101، ودستور 1992 في الفصل 100، ودستور 1996 في الفصل 106 التي نصت جميعها على أن:” النظام الملكي للدولة وكذلك النصوص المتعلقة بالدين الإسلامي لا يمكن أن تتناولها المراجعة”، الشيء الذي زكاه الإصلاح الدستوري الأخير الذي نص في فصله 175 على أنه:” لا يمكن أن تتناول المراجعة الأحكام المتعلقة بالدين الإسلامي، وبالنظام الملكي للدولة، وبالاختيار الديمقراطي للأمة، وبالمكتسبات في مجال الحريات والحقوق الأساسية المنصوص عليها في هذا الدستور”.
ويرجع تنصيص مختلف الدساتير المغربية على كون مراجعة الدستور لا يمكن أن تشمل الإسلام بالإضافة إلى الملكية إلى عدة أسباب أهمها: أن المرجعية الإسلامية تشكل أحد المرجعيات التي تستند عليها شرعية المؤسسة الملكية “التي ترتبط بوظيفة إمارة المؤمنين التي تنبني على مسطرة البيعة كأحد الأسس التي تقوم عليها[22]، مما يجعل من المؤسسة الملكية ودين الإسلام ثابتان أساسيان وركيزتان رئيسيتان قامت عليهما الدولة المغربية، وتربط بينهما علاقة تلازمية لاعتبارين أساسيين هما:
-وضعية الملك الدستورية باعتباره أمير المؤمنين
-علاقة الملك بالمؤسسات الدستورية.
ب– المساواة بين المرأة والرجل:
رغم كون مسألة المساواة بين المرأة والرجل من القضايا التي تثير باستمرار خلافا كبيرا بين المرجعيات المختلفة داخل المجتمع الواحد، الا أن الفصل 19 حسم الخلاف حينما نص على أنه: “يتمتع الرجل والمرأة على قدم المساواة بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية الواردة في هذا الباب من الدستور، وفي مقتضياته الأخرى، وكدا في الاتفاقيات والمواثيق الدولية، كما صادق عليها المغرب، وكل دلك في نطاق أحكام الدستور وثوابت المملكة وقوانينها.
وفي بيان المجلس العلمي الأعلى الذي أصبح مؤسسة دستورية،ثمة تأكيد على أن “تشمل المساواة كافة المجالات،بما لا يتعارض مع أحكام الشريعة وثوابت المملكة وبما ينسجم مع مقتضيات الدستور.
إضافة لما سبق، فقد نص دستور 2011 على إجراءات دستورية متعددة تمنع المساس بالدين الإسلامي أو المس بأحكامه وقيمه، ويتجلى دلك من خلال منع تأسيس أي حزب سياسي يبني هدفه المس بالدين الإسلامي كما ينص الفصل 7.
وفي الفصل 64 من دستور 2011 ثمة تنصيص بشكل واضح على أن أعضاء البرلمان لا يمكن متابعتهم بسبب إبداء آرائهم حول مسائل أو قضايا معينة، إلا إذا كانت آراؤهم تجادل في الدين الإسلامي أو بقية الثوابت الوطنية، ويلزم الفصل 165 الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري بالسهر على احترام التعبير التعددي لتيارات الرأي والفكر، والحق في المعلومة في الميدان السمعي البصري، ودلك في إطار احترام القيم الحضارية الأساسية وقوانين المملكة.
ويتوج الدستور الجديد إجراءات الحماية والتحصين للهوية المغربية التي يتبوأ الدين الإسلامي فيها مكان الصدارة بالفصل 175 الذي ينص على أن المراجعة لا تتناول الأحكام المتعلقة بالدين الإسلامي وبالنظام الملكي للدولة، وباختيارها الديمقراطي، وبالمكتسبات في مجال الحريات والحقوق الأساسية.
الشيء الذي يفسر احتواء الدستور المغربي على بعض الفصول التي تعتبر تكريسا لمبادئ القانون العام الإسلامي خاصة المبادئ المتعلقة برئاسة الدولة ومركزها بتنصيصه على إمارة المؤمنين من جهة، علاوة على عدة فصول مستمدة من التنظيم السياسي العصري للدول التي تعمل بمبدأ الفصل بين السلطات، مما يبين أن الدستور المغربي يمزج بين مرجعيتين فكريتين: المرجعية الإسلامية كما حددها الفقهاء المسلمون انطلاقا من مصادر الشريعة ومن الممارسة التاريخية للحكم في الدول الإسلامية، والمرجعية العصرية كما يتم تطبيقها اليوم في العديد من الدول سواء كانت إسلامية أو لا.
وانطلاقا من هده الازدواجية في التنظيم السياسي المغربي،يستوجب البحث في كيفية الأخذ في آن واحد بعناصر نظرية الإمامة التي تجعل مبدئيا السلط كلها بيد الإمام( رئيس الدولة )وبعناصر الأنظمة العصرية التي تتبنى فصل السلط وتضم مؤسسات تشارك في ممارسة الوظيفة التنفيذية والوظيفة التشريعية.
المطلب الثالث: وضعية الملك الدينية وعلاقته بالمؤسسات الدستورية وآليات تحديد السياسة الدينية للدولة
أ. وضعية الملك الدستورية باعتباره أمير المؤمنين
تصنف هده الوضعية في نظر “ريمون جاموس ” في نطاق “بركة السلطان”،أي أن جميع الأفعال التي يضطلع بها تدخل في نظره في هدا المجال. وبالنظر إلى ذلك يؤكد نفس الباحث على أن العنف الناتج عن القوة العسكرية للسلطان، لا يعتبر عنفا بالمعنى المتداول وإنما يعتبر “عنفا قربانيا”، وذلك بالنظر إلى مركز السلطان المغربي كزعيم ورمز لوحدة جماعة المؤمنين، كما تؤكد ذلك الباحثة”MAGALIE MORSY”.[23]
فالانحدار الاجتماعي للسلطان المغربي من السلالة النبوية، والتزامه وحرصه على احترام مسطرة البيعة والشورى كأشكال لممارسة السلطة أو لدى المفاوضات أو المشاورات التي يجريها مع الفاعلين السياسيين والاجتماعيين، تشكل ما يمكن اعتباره على المستوى الثقافي بالرأسمال الرمزي التقليدي للملكية المغربية تلجأ إلى توظيفه لحل الأزمات السياسية عن طريق استحضار واستلهام تجربة الرسول.
وقد استند النظام الملكي في المغرب على شرعية دينية مهدت لحكامه زعامة روحية وسياسية شغلت منظومة القيم الدينية فيها مكانة محورية، فقد عد الإسلام في المغرب على مدار التاريخ بمثابة المحور الذي انتظمت حوله البيئة السياسية برمتها في إطار ما سمي ب “نظام المخزن”.[24]
وعليه، فلا يمكن إخفاء العامل الديني وما يؤديه من دور في الحياة العامة والخاصة بالمغرب، وكذلك في تأثيره في القيم التقليدية، حتى إن الأستاذ محمد الطوزي يرى ذلك متجليا في عقلية الشعب المغربي وتصرفاته، فضلا عن أنه يشير- الطوزي- إلى أن التنافس على السلطة يتحدد من خلال المكانة التي يحتلها المتنافسون داخل الحقل الديني[25].
إزاء ذلك، فالإسلام في المغرب يمثل أبرز الثوابت التي تضفي الشرعية الدينية على الملك بكونه أميرا للمؤمنين، ومن سلالة شريفة ترجع في نسبها إلى الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب (رضي الله عنهم أجمعين)، هذا النسب الشريف الذي أصبح يمثل في المغرب جوهر كل مشروعية سياسية[26]، لا بل هذا الانتماء يخول الملك مكانة خاصة حتى داخل المجال الديني نفسه،و في ضوء هذا الفهم، فالمشروعية الشعبية للنظام الملكي في المغرب تتجذر بصورة عميقة في التقاليد الإسلامية، كما تفهم محليا[27].
لذلك نجد أن الملك المغربي يستند إلى شرعيته الدينية والتاريخية في إدارة شؤون الحكم، فينطلق في ذلك من الالتزام بما جاء في عقد البيعة الذي هو أساس العلاقة التعاقدية والعهد بين الملك والشعب.
وقد استطاعت الشرعية الدينية اللعب على ثلاثة أبعاد: تاريخية، قانونية، ولاهوتية. وقد اتخذت هذه المسيرة اتجاهين: سياسي تمثل في إضعاف العلماء وتنويع المظاهر الدينية، ومذهبي تجسد في احتكار تأويل الخطاب الديني وتقديس شخص حفيد النبي[28].
ب.علاقة الملك بالمؤسسات الدستورية وآليات تحديد السياسة الدينية للدولة:
يكتسي التنصيص على إمارة المؤمنين في الدستور المغربي ثلاث دلالات:
1.منح الأولوية للمشروعية الدينية.
2- عدم الفصل بين الوظائف الدينية والوظائف الرمزية للملك.
3- تأكيد المرجعية الإسلامية للنظام السياسي المغربي[29].و تلتقي هذه الدلالات الثلاث حسب الدكتور محمد ضريف في خدمة هدف مركزي هو :”دولنة الدين”، أو بتعبير أوضح، جعل الدين عنصرا في بنية الدولة،و هو هدف مركزي يتجلى من خلال ثلاث استعمالات[30]:
أ.خدمة الإسلام للدولة: فكلما كانت بعض أحكام الإسلام تصب في اتجاه خدمة مصلحة الدولة،يتم التشديد عليها وإبرازها لتأكيد الطابع الإسلامي للدولة، في حين أن كل تناقض بينهما يتم تجاوزه باسم قراءة متسامحة لطبيعة الإسلام وأحكامه.
ب.التمييز في الإسلام بين العقيدة والشريعة: فالإسلام في البنية الدستورية المغربية يفيد العقيدة ولا يفيد الشريعة. لذلك، فإن النص الدستوري المغربي حين يتحدث عن الإسلام، يتحدث عنه كدين، أي كعقيدة ليس إلا.
ب.أ. استخدام الإسلام كأداة لضبط سير المؤسسات الدستورية:
وفي إطار ضبط المؤسسات الدستورية، استطاعت المؤسسة الملكية، من خلال هيمنتها على الحقل الديني، احتواء ومحاصرة ظاهرة الإسلام السياسي، ومن الآليات الفاعلة هنا، نجد وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية التي تتمتع ببنية خاصة في النظام السياسي المغربي،اذ تعتبر القناة المركزية التي تترجم السياسة الدينية للدولة،و من خلالها يتم تنظيم الشؤون الدينية للمواطنين والإشراف عليها[31]. ومن ثم،يمكن اعتبارها مظهرا من مظاهر إدماج الدين في بنية الدولة.
وتحرص المؤسسة الملكية على إبراز عدة مظاهر أثناء المواسم أو المناسبات الدينية لإبراز التزامها على المستوى الشعبي،بشعائر الدين،و نخص بالذكر:
– تنظيم الدروس الحسنية الرمضانية.
– الاحتفال الرسمي بالأعياد والمناسبات الدينية.
– الحضور الرمزي في الزوايا والمواسم عبر تقديم الهدايا والإعانات.
- إرسال البعثات الرسمية لأداء فريضة الحج.
- إطلاق إذاعة محمد السادس للقران الكريم والقناة الفضائية”السادسة”.
وفي إطار اعتبار الخصوصية الدينية ثابتا من الثوابت السياسية لإمارة المؤمنين قام الملك بمجهودات كبرى من أجل صيانة الخصوصية الدينية للمغرب في ظل التغيرات العالمية المعاصرة، والتفاعل الحضاري بين الأمم والشعوب.
وفي هذا الصدد يقول جلالته في تحديد هذا الخيار:جعلناه ثابتا من ثوابت سياستنا[32]، ومن ثم فإن العلماء كما يقول جلالته، (الدين هم النواب عن أمير المؤمنين في تبليغ أحكام الشرع كانوا على مدى العهود وما زالوا في طليعة بناة الوطن، وحراس كيانه، والمدافعين عن مقدساته، خداما للعرش الذي هو الدعامة والضامن لاستمرار الأمن والاستقرار، وكانوا بصدق وإخلاص وولاء ووفاء بمساندة عفوية وتلقائية متجاوبين مع ملوكه الدين هم حماة الوطن والدين، ورموز الشرعية والسيادة )[33].
ب.ب. اللجوء إلى إمارة المؤمنين لتأويل الدستور وسد الفراغ التشريعي:
إن عناصر التأويل التي يلجأ إليها الملك تستند إلى المكانة السامية التي يتمتع بها بصفته أميرا للمؤمنين، وهي تمكنه من تحديد محتويات المفاهيم السياسية أيا كانت طبيعتها وموضوعها، كما تجعله يفرض نفسه كمرجعية وحيدة لها الحق في إصدار المعاني والمفاهيم[34]. وقد وضح الأستاذ محمد معتصم هذه الصورة بالقول إن ملك المغرب قد شكل نوعا من معهد لإصدار القيم الدينية والدستورية والسياسية، واستأثر بمهمة التأويل الدستوري دون باقي المرجعيات الأخرى من فقه وبرلمان وقضاء، للاعتبارات التالية:
أ.نظرا إلى كون الملك يعمل في حقل رمزيته المسيطرة ذات الأصل الديني.
ب.نظرا إلى الطابع الإسلامي لعدة نصوص دستورية، وبالأخص المكانة الرمزية للفصل 19 من الدساتير السابقة الذي كان يفضي إلى تخويل الملك مهام تأويل الدستور إدا لم تسعفه في ذلك سلطات الملك الدستوري، وذلك عن طريق لجوء أمير المؤمنين إلى سلطاته الضمنية لتمكين الملك الدستوري من اختصاصات يواجه بها الضرورات والمستجدات السياسية كما حدث حين انسحب نواب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية من البرلمان في تشرين الأول/أكتوبر 1981 على اثر تعديل تعديل الفصل 43 من دستور 1972 باستفتاء شعبي، بناء على اقتراح ملكي، في 30 أيار/ماي 1980، الذي قضى بتمديد مدة انتداب البرلمان الى ست سنوات، حينها قررت المعارضة الاتحادية، في تشرين الأول/أكتوبر 1981، الانسحاب من برلمان 1977، مثيرة إزاء ذلك انتخابه لمدة أربع سنوات فقط، ومستندة إلى مبدأ عدم رجعية القوانين[35]، ولتخلص إلى أن نتائج التعديل السالف الذكر لا ينبغي أن تنطبق على برلمان 1977.و بناء على ذلك، اعتبر النواب المنتمون الى الحزب السالف الذكر أن فترة نيابتهم قد انتهت.
وأمام هذا المأزق السياسي، وما نتج عنه من إخلال بالنظام العام،واجه الملك قرار المعارضة الاتحادية بانسحابها من البرلمان بقرار مضاد يقضي بعدم الاستجابة لرغبة هؤلاء النواب في الانسحاب[36]، حيث وجه لها تحذيرا قويا هدد فيه بحل الحزب ووضعه خارج القانون في حالة انسحابه الفعلي من البرلمان[37].
وفي هذا السبيل لم يتردد الملك في اللجوء إلى البعد الثيولوجي والإيحائي والرمزي للدستور حينما فطن إلى ممارسة التأويل انطلاقا من وضعه كأمير للمؤمنين استنادا إلى الفصل 19 من الدستور،لإرغام الفريق الاتحادي على العدول عن قراره، حتى لا يسري عليه حكم الخارجين عن جماعة المسلمين[38].
لقد لجأ الملك الحسن الثاني إلى توظيف الآلية الدينية لدحض ما ارتكز عليه الاتحاديون في قرارهم بالانسحاب، إذ لم يتحدث الملك عن المؤسسة البرلمانية باعتبارها رمزا للممارسة الديمقراطية والتعاقد بين الشعب ومنتخبيه. وإنما تحدث عن الخروج عن الجماعة، في إحالة على المشروعية الدينية التي تضع نفسها فوق المشروعية الديمقراطية[39]. وقد أبان هذا التكتيك عن فعاليته، حيث عاد نواب الاتحاد الاشتراكي إلى البرلمان في 25 تشرين/أكتوبر 1981.
خاتمة:
يستفاد مما سبق، أن مؤسسة إمارة المؤمنين تمثل أعلى سلطة سياسية ودينية وتنفيذية تأسست على أسمى المشروعيات التي قامت عليهم الملكية بالمغرب وهي المشروعية الدينية. وبالتالي، فهي مشروعية تاريخية ومتعالية تستمد قوتها من المقدس، وتستند على مرتكز شعبي كذلك هو البيعة، لهذا، تعتبر ثنائية الديني والسياسي في النظام السياسي المغربي مسألة بنيوية تجدرت من خلال تواثر العلاقة بينهما طيلة تاريخ المغرب، فتمت دسترتها ضمن جميع دساتير المغرب بدءا بدستور 1962 إلى حدود الوثيقة الدستورية الحالية، وتمت هيكلتها في إطار ما سمي بإعادة هيكلة الحقل الديني في المغرب، والإستراتيجية الرسمية لمواجهة التكفير والإرهاب.
ويمكن القول أن مؤسسة إمارة المؤمنين تظل هي الفاعل السياسي والديني الرئيسي في المغرب، حيث اتضحت بشكل جلي أهمية وثقل ووزن هذه المؤسسة خلال اندلاع ما بات يعرف ب “الربيع العربي” في نسخته المغربية التي تميزت بنوع من الاستقرار مقارنة مع السائد من الأنظمة التي شهدت إسقاط أربع رؤساء، واتضح كذلك دورها على الخصوص في مرحلة ما بعد اندلاع هذه الأحداث مع كثرة الصراعات السياسية بين مختلف الفرقاء السياسيين، الشيء الذي يبرز سمو المؤسسة الملكية في قلب الوثيقة الدستورية، وسعيها للحفاظ على وظيفتها التحكيمية داخل الحقل السياسي والحزبي، وعلى التوازنات السياسية والاجتماعية والثقافية داخل المجتمع المغربي.
[1]– عبدالله العروي، أهم المحطات التاريخية في الحياة الدستورية المغربية، سلسلة تشييد دولة حديثة،ص 54.
[2]– عبد العلي حامي الدين، المسألة الدستورية في الفكر السياسي المغربي المعاصر، أطروحة دكتوراه في القانون العام، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، أكدال، بالرباط، ص 40 وما بعدها.
[3]-سورة النور الاية 55.
[4]-أبي الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي،الأحكام السلطانية والولايات الدينية،تحقيق الدكتور أحمد مبارك البغدادي، مكتبة دار ابن قتيبة الكويت،الطبعة الأولى:1409ه/1989م، ص 3.
[5]– ابن خلدون عبد الرحمان، المقدمة، مطبوعات مكتبة الحاج عبد السلام بن محمد بن شقرون، مصر ( ب ت)،ص 151.
[6]-سورة النساء الآية 59.
[7]– حيدر إبراهيم علي، الأسس الاجتماعية للظاهرة الدينية:ملاحظات في علم اجتماع الدين،ورقة قدمت بعنوان:الدين في المجتمع العربي (ندوة) بيروت،مركز دراسات الوحدة العربية،1991،ص 32.
[8]-ابن خلدون، م س، ص 178.
[9]-الماوردي، م س، ص 5
[10]-ابن خلدون، م س،، ص 151.
[11]-سورة النساء الآية 59.
[12]-عز الدين العلام،الآداب السلطانية دراسة في بنية وثوابت الخطاب السياسي، سلسلة عالم المعرفة، فبراير 2006.
[13]-عبداللطيف أكنوش، السلطة والمؤسسات السياسية في مغرب الأمس واليوم،مكتبة بروفانس الدارالبيضاء 1988،ص 172.
[14]– محمد معتصم في أطروحته الجامعية،التطور التقليداني للقانون الدستوري المغربي، كلية الحقوق بالرباط،سنة 1988،ص 215.
[15] – عبد اللطيف أكنوش، م س، ص 55-65.
[16]– محمد الطوزي،الملكية والاسلام السياسي في المغرب، ترجمة محمد حاتمي،خالد شكراوي،و راجع نصوصه عبدالرحيم بنحادة،نشر الفنك بالدارالبيضاء،ط 2001،ص 47.
[17]-عبد العلي حامي الدين، الدين والدولة في الدستور المغربي: قراءة تاريخية، وجهة نظر، عدد مزدوج 25/26 صيف 2005،ص29.
[18] -ريمي لوفو،الاسلام والتحكم السياسي في المغرب، المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي،ع 13- 14، السنة 1991-1992، ص 169.
[19]-عبد الناصر فتاح الله، تجربة الحركة الإسلامية في المغرب، مجلة دراسات شرق أوسطية، السنة 4، العددان 7-8 مارس 1999،ص 44.
[20]– محمد عابد الجابري، الحركة السلفية والجماعة الدينية المعاصرة في المغرب، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت،1987،ص 234.
[21]– نفس المصدر ص 234.
[22]-ينظر في دلك إلى:
-المسكي محمد،مؤسسة إمارة المؤمنين مقاربة في المفهوم والممارسة،وجهة نظر،ع10،سنة 2001،ص 15.
[23]-المسكي محمد،مؤسسة إمارة المؤمنين، م س، ص 16
[24] – الجابري،الحركة…،م س، ص 21. والمخزن:اصطلاح مغربي يقصد به الحكومة أو السلطة المركزية التي تتولى ادارة مؤسسات الدولة.
[25]_Mohamed tozy.champ politique et religieux au maroc.croisement ou hierarchisation?Mémoire pour diplôme d’études superieures et sciences politiques.faculté sciences juridiques économiques et sociales.casablanca.avril 1980.p 9.
[26] -محمد ضريف، تاريخ الفكر السياسي بالمغرب، أطروحة دكتوراه، كلية العلوم القانونية والاقتصادية،الدار البيضاء،1990، ص 124.
[27] -ديل ايكلمان، الإدراك المتغير لسلطة الدولة في ثلاث دول عربية، مصر والمغرب وعمان، المستقبل العربي، السنة 10، العدد 99،ماي 1987،ص 127.
[28] – محمد الطوزي، الإسلام والدولة في المغرب العربي المغرب الجزائر تونس، المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي، العدد 13-14،السنة 1991م/1992. ص 32.
[29]– محمد ضريف، الإسلاميون المغاربة، حسابات السياسة في العمل الإسلامي،1969-1999 (الرباط:المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي،1999)،ص 183.
[30]– محمد ضريف، الإسلاميون المغاربة، ص 183-184.
[31]– محمد ضريف، الدين والسياسة في المغرب: من سؤال العلاقة إلى سؤال الاستتباع،(الرباط:المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي،2000)، ص 92-93.
[32]–من نص خطاب أمير المؤمنين الملك محمد السادس في حفل تنصيب المجلس العلمي الأعلى والمجالس الإقليمية بتطوان بتاريخ 18 رمضان 1424ه الموافق 15 دجنبر 2000م.
[33]-من نفس الخطاب في حفل تنصيب المجلس العلمي الأعلى والمجالس الإقليمية بتطوان بتاريخ 18 رمضان 1424ه الموافق 15 دجنبر 2000م.
[34]-عبد العلي حامي الدين، سؤال الانتقال الديمقراطي بالمغرب:المعوقات الدستورية للانتقال. وجهة نظر، العدد 23،سنة 2004، ص 18.
[35]– ينص الفصل الرابع من الدستور على ما يلي:”القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة ويجب على الجميع الامتثال له، وليس للقانون أثر رجعي”.
[36]– عبد اللطيف بكور،دور المؤسسة الملكية في إحلال التوازن السياسي في المغرب،أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام،جامعة محمد الخامس،كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، الرباط،2001-2002،ص 259.
[37]– محمد معتصم،الحياة السياسية المغربية،1962-1991:التأويلات الدستورية،الممارسة السياسية للحكم،الظاهرة الأغلبية،وضعية المعارضة،قواعد اللعبة السياسية،المسلسلات الانتخابية،الحياة الحزبية،ص 24.
[38]– بكور،المصدر نفسه،ص 259.
[39]– أنظر محمد ظريف،في حوار مع أسبوعبة الصحيفة (23 نيسان/أبريل 2003)،ص 10.
لقراءة المقال كاملا، يمكنك تحميله عبر الرابط التالي:


