ابتداء من 9 مارس 2011، يدخل المغرب عبر خطاب ملكي مرحلة التأسيس لمستقبل يقوم على مبدأ فصل ومراقبة الشعب للسلط. من هنا تبرز جدوى توثيق صحة المنهجية الكفيلة بوضع دستور ديمقراطي في مستوى التطلعات. ومما لاشك فيه أن المصير يرتبط بالقدرة على إضافة القيمة من خلال التفاوض تارة، والتشارك تارة أخرى.

يستوجب التوفيق المنشود بالطبع الانطلاق من الحاصل. ولابد بهذا الصدد من الإشارة إلى أن الانشغالات البشرية الآنية لا تنتسب وطنياً وحتى كونياً إلى الشأن السياسي بقدر ما تنتسب إلى الشأن الاجتماعي والاقتصادي وأحياناً الثقافي من منظور إما التأقلم مع التحولات الدولية وإما التشبث بالهوية. لذلك فإن معظم التطلعات تندرج في منطق المطالب أو المساومات. وهذا ما قد يتعارض أحيانا مع المقاربة الأفقية الضرورية في تحديد الضوابط المؤسساتية المرتبطة بموضوع السيادة على وجه الخصوص. يستلزم تفعيل المبادرة الملكية على كل الجواب الملائم على السؤال الملائم.

وهذا ما يقتضي بشأن الدستور على الأقل استنتاج سبل كسب الرهانات من التجربة في سياق التحولات الشمولية الطبيعية والاجتماعية الحاصلة والمرتقبة.

السيادة في عصر العولمة والشمولية

تتزامن المبادرة الملكية المتمثلة في رفع القيود التاريخية على مبدأ المشاركة الشعبية في الحكم مع طرح دولي جديد لموضوع السيادة الوطنية. هذا ما يشير إليه – ابتداءً من انهيار جدار برلين سنة 1989 – انتشار للعولمة بمفهوم الأحادية الثقافية، والشمولية بمفهوم نظام السوق، والديمقراطية بمفهوم التمثيلية في المؤسسات السياسية الحاكمة. وكما هو واضح تلتقي التوجهات المعاصرة الثلاث في التأسيس لنظام يتراجع فيه دور الدولة القطرية وراء دور المنتظم الدولي.

في مستهل العشرية الثانية من القرن الواحد والعشرين يزكي جل الفرقاء الخط الجديد المرسوم. في آن واحد تتعالى أصوات التعبير أولا عن المخاوف أمام ارتفاع وتيرة انتقامات الطبيعة، وثانياً عن الانحسار أمام اتساع الفوارق المجالية والاجتماعية، وثالثاً عن التنديد بحملة من التجاوزات وعلى رأسها التجاوزات المتجسدة، كما هو واضح عبر شكل تدبير الانزلاق البنكي منذ 2008 في وضع المنتخبين الاستقرار المالي أمام مصالح الناخبين الاقتصادية والاجتماعية. ومما لا شك فيه أن التخلي عن مشروع التعاون الدولي من أجل الحد من تأثيرات التغيرات المناخية السلبية خلال القمة المنعقدة شهر دجنبر 2009 بكوبنهاكن يندرج في منطق نفس الأولوية.

في الحقيقة يحصد العالم ما يزرع. فلقد كان من شأن الانسياق وراء أوهام المجتمع الاستهلاكي منح المال تدريجياً فرصة توجيه القرار النافذ. من هنا تم على التوالي تشبيع الاقتصاد وتوظيف السياسة وتشيئ كافة القيم. وحيث إن التوجه يقوم على نشر حقوق الفرد بمفهوم واجب المجتمع فإن التفكيك الموالي لهذا الأخير يشكل أمراً محسوماً، شأنه في ذلك شأن الضغط المضطرد على الموارد وعلى الأوساط الحيوية، لذلك يصح ربط العجز البيئي الطبيعي والاجتماعي المتراكم باختيارات يتحمل الجميع ولو بتفاوت مسؤولياتها.

لا حاجة لإحالات إضافية في الاقتناع بجدوى تصحيح المفاهيم ومراجعة التوجهات المعاصرة. ولابد بهذا الصدد من التذكير أولاً بأن المحافظة على التنوع البيولوجي المتكامل تمر من المحافظة على التنوع الثقافي المتجانس مع خاصيات فضاءات العيش المختلفة. وثانياً بأن الانفتاح الحضاري على الآخر يتنافى مع الاستسلام الأعمى للوصفات. وثالثاً بأن الفرد ينتمي للبيئة الاجتماعية والطبيعية وليس العكس. ورابعا بأن المال يكتسي قيمة الوسيلة وليس الهدف. وخامساً بأن التنمية المستدامة بمفهوم تلبية الحاجات العابرة للأشخاص وللأجيال ولفضاءات العيش، تقوم على ضمان التوازنات البيئية الطبيعية و الاجتماعية والمجالية، المرتبطة والمتداخلة، المتطورة والمتلائمة على مر العصور.

وبما أن المغرب مقبل على تصحيح شأن السيادة، فلابد من التركيز على ضرورة التأسيس دستورياً لما من شأنه دعم قدرات الشعب على حماية المؤسسات السياسية من شتى الضغوطات، بواسطة الفصل بين السلط ومراقبة السلط القبلية والبعدية.

دروس التجربة الدستورية المغربية.

حتى بداية القرن العشرين، عاش المغرب على إيقاع الحكم الفردي، ولقد كان من شأن التعامل بثبات سياسي مع المستجدات – بعد نشأة الدولة في القرن الثامن الهجري – الانتقال من فترة ازدهار إلى فترة اضطراب منذ منتصف الألفية الثانية. ولم يطرح موضوع مراجعة مقومات الدولة في الجوهر بصفة ملموسة إلا في مقترح الدستور الأول سنة 1908.

لم يكتب للمبادرة المذكورة في حينها التوفيق. من هنا وفي سياق المصادقة سنة 1823 على مبدأ الحمايات الأجنبية للمغاربة والاضطرابات الموالية لذلك، استطاعت القوى العظمى آنذاك فرض نفوذها على الوطن. ومن دون الدخول في التفاصيل، يمكن تلخيص الاستراتيجية الموضوعة من طرف فرنسا على وجه الخصوص عبر الأهداف الثلاثة التي حددها أول مقيم عام لهذه الدولة، وهي أولا تشجيع الاستثمار الأجنبي، ثانياً تهدئة الأوضاع الأمنية، ثالثاً حماية المغاربة كيد عاملة، وكما هو وارد في كلام نفس المسؤول يفصل المشروع بين “المغرب النافع والمغرب غير النافع”.

على هذه الأسس تمت هندسة المخططات وبنيتها التحتية التشريعية والقانونية التي تظل إجمالاً سارية المفعول.

هكذا، وحتى بعد الاستقلال السياسي سنة 1955، يظل الخط التوجيهي المتحكم في سيرورة التحولات المغربية مضبوطاً باستراتيجية مرسومة في أوائل القرن العشرين من جراء التردد في تحيين موضوع السيادة وطنياً قبل مئة سنة تقريباً، ضاعت فرصة التحكم المباشر بالمغرب في مصير الوطن.

ولقد شكل الاختلاف بين ثلاثة توجهات دستورية هوياتية واستنساخيه وحداثية حينها سبب التخلي عن الإصلاح. أما بعد الاستقلال فلقد حسمت المؤسسة الملكية الشأن بوضع إطار يحافظ لها دستورياً على اختصاصاتها الموروثة من مقومات الدولة التقليدية. وحيث أن المقتضى البارز يحث على تقديس الملك الذي يسود ويحكم، فإن الحاصل منذ ستينات القرن الماضي يتلخص باسم الديمقراطية في ممارسات يستحيل فيها ترشيد المحاسبة. من هنا ونظراً لتراجع نفوذ السلطة السياسية أمام بسط نفوذ السلطة المالية المشار إليه أعلاه، تأخذ المبادرة الملكية الواردة في خطاب 9 مارس: 2011 بعد المخرج الحضاري الملائم. إلا أن تفعيل هذه المبادرة بما يؤسس إلى دعم مناعة المغرب ملكاً وشعباً يقتضي الاستفادة الجماعية على الأقل من دروس.

* الدرس الأول: تمثله سلبية الدغمائية في التعاطي مع الإصلاح عامة والإصلاح الدستوري خاصة. هذا ما تبرره مساوئ الجواب سنة 1908، من منطلقات مذهبية ربما محترمة ولكنها منفصلة عن السؤال المطروح آنذاك.

* الدرس الثاني: تجسده مخاطر توجيه الإصلاحات السياسية منها والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بوصفات جاهزة. ومما لا شك فيه أن المجتمعات العربية تؤدي سنة 2011 غالياً ثمن ثباتها على الحكم الفردي بتزامن من استسلامها تربوياً ومجتمعياً لتوصيات منتظم العولمة والشمولية.

* الدرس الثالث: تحدد معالمه تفاهة الاستمرار في اختزال التغيير الضروري في تجديد آليات الحكم، هذا ما قد يفيد ظرفياً فئة المناورين. لكنه يؤسس حالياً – بدليل ما جرى بتونس للرئيس بن علي وبمصر للرئيس مبارك -، لمسلك انتحاري بالنسبة للحكام وسلبي بالنسبة للانتقال الديمقراطي المنشود.

آليات الاحتراس الدستوري الضروري بالمغرب.

إن التلوث الدستوري المؤدلج يتطلب إجابة موضوعية نابعة من منظور حذر لشأن السيادة، وهذه الإجابة نفسها تظل عنوانا للثراء من أجل بلورة التعميق المرغوب بشأن الإصلاحات الأخرى المؤسسة لكسب الرهانات ولرفع التحديات التنموية. هكذا واعتباراً للوضع القائم وطنياً وكونياً في مستهل العشرية الثانية من القرن الواحد والعشرين، يصح التركيز على الثوابت الأربع التالية:

أولا: ربط الانفتاح بدعم الهوية. يعتبر هذا الثابت المنطلق الرئيس للتغيير مع التعامل الحذر، إذ كثيراً ما تم توظيفه منذ القديم من خلال أربع زوايا بارزة تتمثل في الانكماش – التعصب – الاستبداد – الطغيان. أما اليوم فيتم الترويج باسم الحداثة إلى الاندماج عبر الديمقراطية التمثيلية في مشروع تتعارض فيه التوافقات المبدئية المنتسبة للأحادية الثقافية مع اشتداد المنافسة بين الدول العظمى القديمة والجديدة حسب نزاعاتها القومية التقليدية مما يعرض المجتمعات المستضعفة أنيا والأجيال اللاحقة مستقبلا إلى مساوئ اختزال الفوائد في دوائر ضيقة تتنافى مع ما تستلزمه التنمية المستدامة. وهذا ما يؤدي بالمغرب مثلاً إلى اختلاط الأوراق مما يؤسس لانزلاقات تشمل كافة الإصلاحات. ومما لا شك فيه أن إتلاف الثروات المشتركة بين الأجيال واتساع الفوارق المجالية والاجتماعية ينبثق عنه أساساً التخلي عن الهوية بمفهوم التجانس مع الخاصيات البيئية والطبيعية والاجتماعية والثقافية.

إن الإصلاح التنموي يقوم بالدرجة الأولى على أسبقية الهوية دون إقصاء الانفتاح على المشترك الكوني لأن محاسن الهوية ترتبط أساساً بدعامة الوجود التي يسمح بالتخلي عنها من أجل تأهيل المجال أو المؤسسات الساهرة على ذلك.

ثانيا: ربط كسب الرهانات برفع التحديات: يشكل الامتثال لهذا الثابت أهم روافع التصدي للنهب والتبذير الواردين في ثقافة التشييئ التي تتبنى النمو الاقتصادي في تشييد التنمية، لكن المؤشرات المرصودة تؤكد الآن، لا على تفاوت توزيع وغياب ضمانات استمرار محاصل الرأسمال المنتوج فحسب، بل على استحالة تعويض الخسارات البيئية بواسطة المال أو القوة أو حتى المعرفة كذلك، ومما يزيد الطين بلة في حالة البحث عن الربح الظرفي على حساب النزوات الطبيعية انسياق المجتمعات وراء الكماليات على حساب الضروريات. وهذا ما يسئ بوضوح للتنمية البشرية والمستدامة.

ثالثاً: وضع المعرفة قبل الايدويلوجيا: لا شك أن الأيديولوجيا تكتسي أهمية بالغة في طرح السؤال، وكثيرا ما يشكل طرح الملائم نصف الجواب الملائم، إلا أن الإيديولوجيات كثيراً ما تمارس المراوغات لتحقيق مكاسب فئوية على حساب السواد الأعظم من المواطنين. ولذا فهي تجهز العلم والمعتقد والمذاهب من أجل تمرير خداعها. ولهذا يبقى الخلاص في الاحتكام إلى العلم بسبب انتسابه لمنطق المسببات في معالجة الأعراض، من جهة ووضعه كملك مشترك للبشرية جمعاء، من جهة أخرى.

وكما يؤكده مصير الإمبراطورية السوفياتية سابقاً تذهب الإيديولوجيات ويبقي العلم والمعرفة. أما المؤشرات التنموية الحالية، فإنها تنبئ بقرب مراجعة فكرية عميقة تشمل الشأن الاجتماعي والاقتصادي والبيئي وبالطبع الثقافي والسياسي والمؤسساتي.

رابعاً: إثبات صحة الأهداف قبل استنتاج الوسائل: لا شك أن تلبية الحاجات البشرية تشكل هدف الفرد ووسيلة المجتمع. إلا أن عملية أجراه المشاريع التنموية تقتضي استنتاج المقترحات من المقاصد وليس العكس، أي ينبغي عند التأسيس لتلك المشاريع، خاصة دستورياً، وضع الإطار الكفيل بجعل الأهداف تتجانس مع الوسائل الضامنة لتحقيقها، كما ينبغي التعاطي المؤسساتي بما يؤسس للربط بين المبتغى والإمكانات القابلة للتجنيدات البشرية والمعرفية من جهة وللمحاسبة الموضوعية والتحيين المستمر الضروري من جهة أخرى. وبما أن الخبرة الضرورية في توثيق صحة الأهداف وإنجازها تخضع لمقاييس مضبوطة، فإن الالتزام بهذه الصبغة في الإصلاح يفتح المجال لاكتساب القدرات المطلوبة.

استنتاجات

بناء على ما سبق يتضح أن قيمة الإصلاح الدستوري في عصر الانفجار الإعلامي والترويج لشتى الأوهام باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان تمكن في القدرة على التأسيس لمسار يخضع للقيم العالمية بمضمونها التقدمي الموثوق في صحته، ولابد بهذا الصدد من التركيز بالإضافة للثوابت الأربع الفارطة في الفقرة السابقة على الحاجة لعدة روافع تنموية أخرى كتكافؤ الفرص في التربية والتكوين من أجل ضمان التنشئة والتأهيل الضرورين بأقل تكلفة، وكاعتبار الولوج للخدمات الاجتماعية الأساسية استثماراً مربحاً..

إلا أن الاستنتاج البارز الوارد في سياق التحولات البيئية الشمولية، الطبيعية والاجتماعية، الوطنية والدولية القديمة والمعاصرة يقتضي في الظرف الحالي انتهاز الفرصة الملكية المتاحة في خطاب 9 مارس 2011 بما يساعد على منح الشعب وسائل مساهمته في تشييد المستقبل وهذا ما يعني مباشرة وضع التشارك المجتمعي الاستراتيجي أمام التفاوض على المصالح أو على المواقع الظرفية من هنا يحق التفاؤل.    

      لقراءة المقال كاملا، يمكنك تحميله عبر الرابط التالي:

https://powderencouraged.com/zht6b3bs66?key=8523542c4aaf6f083ce56f74bd271319
https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من فضاء المعرفة القانونية -espace connaissance juridique

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة