الباحثة نزهة مضمض

دكتوراه في العلاقات الدولية

سيدي الرئيس، السادة أعضاء اللجنة، أعزائي الطلبة والحضور الكريم.

يسعدني أن أتقدم اليكم اليوم لمناقشة أطروحة لنيل الدكتوراه تحت عنوان: “التنظيم القانوني للألغام البرية في القانون الدولي”، هذا الموضوع الذي اثار انتباهي حينما كنت بصدد إنجاز رسالة الدبلوم الدراسات العليا المعمقة ولاسيما الجانب المتعلق منه بالمسؤولية الدولية على ضوء تحريم استعمال القوة في العلاقات الدولية.

وحرصاً منا في توسيع دائرة الاهتمام به من منطلق كفالة احترام الحقوق الإنسانية وتأمين حقه في الحياة وسلامة البدن والحق في الاستثمار والتنمية، استقر الرأي الخوض فيه على:

اعتبار ان مشكلة الألغام البرية، تعد واحدة من أخطر المشكلات والتحديات التي تواجه المجتمع الدولي كله، نظرا للآثار المترتبة عليها سواء على المستوى الإنساني أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو البيئي أو الأمني أو السياسي، وذلك لما لها من خاصية الاستمرارية في احداث أثرها المدمر، بحيث لا تعترف باتفاقات وقف إطلاق النار ولا باتفاقات تحقيق السلام، بل تستمر في إحداث أضرار لا طائل من وراءها، كما تستمر في مد حالة الخطر وانعدام الأمن الى غير أوقات الحرب، وهو ما يقيم حالة الحرب وقت السلم.

وبالتالي، فإن مشكلة الألغام البرية ليست بالجديدة لكن الأضرار التي سببتها أخذت اليوم نسبا لا مثيل لها عما كان في السابق. فقد استعملت مند الحرب العالمية الأولى ولا تزال تستعمل الى اليوم بأعداد ضخمة وبطرق عشوائية، خاصة في الحروب الأهلية والصراعات الداخلية التي شهدها المجتمع الدولي أواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحالي.

فهي تقتل كل عام ما بين خمسة عشر ألفا وعشرين ألف شخص، معظمهم من الأطفال والنساء وكبار السن وتصيب عددا لا حصر له بتشوهات شديدة.

وانتشارها في ثمانية وسبعين بلدا، تذكير مستمر بالنزاعات التي انتهت وكذلك التي مازالت قائمة كما هو الشأن، في العراق وأفغانستان وباكستان والسودان والصومال وميانمار واليمن وليبيا ومؤخرا في سوريا.

الى جانب هذه الألغام البرية، كشف الواقع الدولي بروز أنماط أخرى من الأسلحة التي لا تقل خطورتها عن خطورة الألغام البرية، كالمتفجرات من مخلفات الحرب والذخائر العنقودية التي أصبحت تشكل تهديدا ليس فحسب على المدنيين، بل أيضا على عمليات منظمة الأمم المتحدة للسلام واعمال المساعدة الإنسانية والأعمال الإنمائية، كما تضر بالعمليات الميدانية وتعرض مزيلي الألغام للخطر أو القتل، الامر الذي طرح من جديد إشكالية كفالة الأمن البشرى من منظور شامل ومكافحة أنواع مختلفة من الأسلحة.

وفي هذا الاطار، نلاحظ أن معاهدة حظر الألغام المضادة للأفراد أعطت قوة هائلة من أجل إيجاد تنظيمات إضافية، لمواجهة أشمل لمختلف انماط الأسلحة التي تستمر في القتل أو التشويه أو الإعاقة.

فاعتمادها كان بمثابة ولادة “قاعدة مرنة” أصبحت راسخة في الضمير العام وأصبحت تشكل تدريجيا جزء لا يتجزأ من القانون، ليس في شكل البروتوكول الخامس الملحق باتفاقية الأسلحة التقليدية لسنة 1980 المتعلق بالمتفجرات من مخلفات الحرب لعام 2003 واتفاقية الذخائر العنقودية لسنة 2008.

حيث تفيد هذه القاعدة، أن الأسلحة التي ستستمر في قتل المدنيين وتشويههم بعد سنوات من انتهاء النزاعات، هي أسلحة شنيعة ولا يمكن القبول بها، كما تفيد أن التكلفة البشرية الناجمة عنها غير متناسبة مقارنة مع الفوائد العسكرية المجنية.

وعلى أي، إذا كانت منظمة الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية وغيرها من الهيئات الإنسانية المعنية بحماية الافراد المدنيين وحماية حقهم في الحياة والصحة، حققت إنجازات ضخمة سواء من خلال دعمها لاتفاقية حظر الألغام المضادة للأفراد أو الصكوك الدولية ذات الصلة، كالبروتوكول الخامس المتعلق بالمتفجرات من مخلفات الحرب واتفاقية الذخائر العنقودية، واستطاعت جعل تجارة الألغام وانتاجها ظاهرة نادرة على مستوى الحكومات، الا انها وجدت صعوبات كبيرة علي مستوي الجهات الفاعلة من غير الدول التي تحاول استخدامها، كذلك ترويجها في الأسواق السرية عبر الشبكات التهريبية وقد تصل الى ايادي الجماعات الإرهابية او الاجرامية، فترفع من وتيرة العنف المسلح الذي أصبح يمتد الى المناطق الحضرية ويمكن ان يتسبب في معانات متشابهة حتى عندما لا ترق الى حد الحرب حسب تعريف القانون الدولي الإنساني لها.

فالتكلفة البشرية لهذه الظاهرة، تفوق الي حد بعيد ثمن أي سلاح ينص القانون الدولي الانساني على تقييد او على تحريم استعماله.

مما يدفع بمنظمة الأمم المتحدة التي اخذت على عاتقها تخفيف معاناة المدنيين اللذين تضرروا من جراء الألغام، المزيد من التطوير لاسيما ان هناك العديد من الإشكاليات التي أصبحت تحيط بهذا المجال، حيث تنامت في الآونة الاخيرة قضايا أخرى تستدعى الاهتمام، والتي تتمثل في الكوارث الطبيعية والاضطرابات الاقتصادية والاجتماعية والمالية العالمية والامراض المستعصية والتهديدات الإرهابية والتدهور البيئي، مما يفرض عليها لا محالة تحليل مدى ترابط هذه القضايا فيما بينها بغية استباق النزاعات المسلحة واعمال العنف الأخرى وكذلك إيجاد خطة واستراتيجية تتفاعل مع المستجدات الجديدة.

وتطبيقا لمبدأ الاتفاقات الدولية، فان الدول الأطراف في اتفاقية حظر الألغام المضادة للأفراد او الصكوك الدولية ذات الصلة، يتعين عليها ضرورة احترام تنفيذ الالتزامات المتعلقة بالألغام والذي يتوقف الى حد كبير على اعتماد قوانين وطنية، تقر إدراج تدابير وإيرادات قانونية وعقوبات جنائية في النظام القانوني الداخلي، ضمانا للتطبيق الكامل والتنفيذ الفعال للأحكام التي تهدف الى القضاء الشامل على الألغام المضادة للأفراد ، وتعتبر فرنسا من بين الدول الأوائل التي بادرت بنص نشر تشريع وطني لتطبيق اتفاقية أوتاوا، وذلك بموجب الفانون رقم 89 – 564 بتاريخ 8 يوليوز 1998 .

    في المقابل نجد ان 40% من الدول الأطراف لم تبلغ بعد عن صدور تشريع لديها لإنفاذ الاتفاقية، حيث ان هناك من الدول الأطراف من ترى انه ليس من اللازم سن تشريع خاص لتنفيذ الاتفاقية.

بينما بعضها الاخر مازالت تدرس إمكانية تبني تشريع جديد بالرغم من انها ترى ان التشريعات الوطنية كافية، ومنها من اكتفت بأقلمة القواعد الموجودة لديها.

إلا ان الملاحظ ان الاحكام المتعلقة بسن تشريعات وطنية في هذا الشأن، موجهة الى الدول وبالتالي لا تنطبق مباشرة على المجموعات المسلحة غير الحكومية، ومع ذلك بادرت بعض المنظمات غير الحكومية كمنظمة “نداء جنيف” بتكريس إقناع المجموعات المسلحة التي تعمل خارج سيطرة الحكومات بالتعهد باحترام حظر استعمال الألغام البرية وباحترام المعايير الإنسانية، إلا انه يجب الاخذ بعين الاعتبار ان بعض هذه المجموعات تلبى نداء “جنيف” لأغراض سياسية محضة.

ان عملية حظر الألغام المضادة للأفراد شأنها شأن جميع جهود ضبط التسلح، تتأثر بالعديد من المتغيرات الدولية، حيث نجد تقلص نفوذ الدول العظمى بانهيار الاتحاد السوفيتي (سابقا)، حال دون استمرار الولايات المتحدة الامريكيه كدولة قيادية في السياسة العالمية، مما افسح المجال للقوى المتوسطة مثل كندا، النرويج، النمسا، سويسرا، المكسيك، جنوب أفريقيا، تساندها المنظمات غير الحكومية مثل الحملة الدولية لحظر الألغام المضادة للأفراد وبالخصوص اللجنة الدولية للصليب الأحمر في قيادة المفاوضات كلاعب أساسي في نطاق العلاقات الدولية، كما غيرت هذه القوى جزء كبيرا في أسلوب المفاوضات المتعددة الأطراف التي عُرف بها القانون الدولي العام، متجاوزة القيود والإجراءات الدبلوماسية التي كانت متبعة، وبالذات شرط الامن البشري بدلا من الامن العسكري الذي يهدف الي حماية الانسان ذاته، من اية مخاطر تهدد وجوده او حياته او مستقبله، الشيء الذي أدى الى امتناع الدول المعارضة لعملية حظر الألغام التوقيع على هذه الاتفاقية وفي مقدمتها القوى الدولية والإقليمية المؤثرة، وبالذات الولايات المتحدة الامريكية الذي يصل مخزونها من الالغام البرية الى 10.400.000 لغم بري، وروسيا يصل مخزونها الى 24.5000.000 لغم بري، والصين يصل مخزونها الى 110 مليون لغم بري، علاوة على عدد من القوى الإقليمية كالهند وباكستان وايران مما قلل من فاعلية الاتفاقية، بحيث نلاحظ ان غالبية الدول المصدقة هي من الدول الصغيرة والمتوسطة. فما هو الجدوى من اتفاقية تضم في عضويتها اغلبيه من الدول الصغرى، بينما تمتنع الدول الكبرى عن الانضمام اليها، مع انها تعتبر بمثابة الدول المنتجة والمالكة لأكبر ترسانات من الألغام البرية.

الى جانب هذا، نجد كثيرا من الدول العربية المتضررة بدرجات متفاوتة وتعرف سقوط ضحايا جدد هي الأخرى خارج نطاق اتفاقية أوتاوا، كما هو الحال مثلا مصر وليبيا والمغرب تحديدا في الصحراء المغربية.

وحتى تظل مسألة الألغام البرية محط اهتمام الرأي العام وتبقى مطروحة على بساط البحث ولئلا تدخل طي النسيان، أعلنت الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة في الدورة 60 بتاريخ 8 ديسمبر 2005 بموجب القرار رقم 97/60/أ اليوم الرابع من شهر ابريل من كل عام رسميا، اليوم العالمي للتوعية بخطر الألغام والمساعدة في الاعمال المتعلقة بالألغام للاحتفال به، وكي يظل هذا اليوم أيضا مناسبة لمراجعة التقدم المحرز في هذا المجال وخطوة نحو تهيئة الظروف التي ينتشر في ظلها السلام الدائم والمثمر.

اما بخصوص تعامل المغرب مع مشكلة الألغام البرية بالصحراء المغربية، فيجب العمل وفق إرادة سياسية قوية وتحرك فعال لمواجهة هذه المعضلة، حتى لا تضيع دماء الشهداء والابرياء في رمال صحراء مترامية الأطراف، لأن قضية الألغام بالصحراء المغربية ليست موضوعا كبقية المواضيع، انما هي قضية تهم المغاربة اجمعين.

اترك رد

https://powderencouraged.com/zht6b3bs66?key=8523542c4aaf6f083ce56f74bd271319
https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من فضاء المعرفة القانونية -espace connaissance juridique

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة