والحجز في نظام التحفيظ العقاري

على ضوء القانون 14/07 والقانون 39/08

الدكتور إدريس الفاخوري

أستاذ التعليم العالي

كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بوجدة

يحظى التشطيب كعملية قانونية بأهمية خاصة داخل منظومة التشريع العقاري المغربي، ذلك أنه إذا كانت الحقوق لا تنتج آثارها إلا بتسجيلها على الرسم العقاري استنادا إلى الفقرة الثانية من الفصل 66 من ظهير التحفيظ العقاري ، كما تم تغييره وتتميمه ، فإن هذا التقييد له قوة إثباتية نسبية ، إذ يمكن التشطيب عليه متى توفرت شروط ذلك.

ويعتبر الفصل 91 من ظهير التحفيظ العقاري كما تم تغييره وتتميمه ، النص المحوري الذي نظم عملية التشطيب إذ جاء فيه ، “مع مراعاة أحكام الفصل 86 أعلاه ، يمكن أن يشطب على كل ما ضمن بالرسم العقاري من تقييد أو بيان أو تقييد احتياطي بمقتضى كل عقد أو حكم مكتسب لقوة الشيء المقضي به يثبت انعدام أو انقضاء الحق موضوع التضمين في مواجهة الأشخاص الذين يعنيهم هذا الحق”.

هذا الفصل الذي نظم التشطيب الذي يتم بناء على عقد أي التشطيب الاتفاقي ، أو بناء على حكم حائز لقوة الأمر المقضي به أي التشطيب القضائي ، وأحال بخصوص التشطيب التلقائي على مقتضيات الفصل 86 من نفس الظهير.

غير أننا لن نتناول في هذه المداخلة جميع أنواع التشطيب ، بل سنركز على بعض الصعوبات التي تطرحها عملية التشطيب ، وأساسا التشطيب على التقييد الاحتياطي ، وكذا التشطيب على الحجز، من خلال تسليط الضوء على المستجدات التي جاء بها الظهير الشريف الصادر بتاريخ 22 نوفمبر 2011 بتنفيذ القانون رقم 14/07 المغير والمتمم بمقتضاه الظهير الشريف الصادر في 09 رمضان 1331 (12 غشت 1913) المتعلق بالتحفيظ العقاري ([1]).

وعليه سنقسم موضوع هذه المداخلة إلى مطلبين نتناول في المطلب الأول التشطيب على التقييد الاحتياطي ، على أن نتناول في المطلب الثاني التشطيب على الحجز.

المطلب الأول:

التشطيب على التقييد الاحتياطي

يعتبر التقييد الاحتياطي إجراء مؤقتا يقوم به كل من يريد الحفاظ على حق عيني أو حق شخصي قابل لأن يتحول إلى حق عيني، في انتظار استكمال الشروط القانونية للتسجيل النهائي بالسجل العقاري أو انتظار صدور حكم قضائي يفصل في النزاع المعروض على المحكمة.

والتقييد الاحتياطي طبقا للفصل 86 من ظهير التحفيظ العقاري كما تم تغييره وتتميمه يكون إما بناء على سند وتستمر صلاحيته لمدة عشرة أيام ، ولا يمكن خلال هذه المدة قبول أي تقييد آخر لحق يقتضي إنشاؤه موافقة الأطراف، وقد يكون هذا التقييد بناء على أمر قضائي من رئيس المحكمة الابتدائية ويحدد مفعوله في ثلاثة أشهر ابتداء من تاريخ صدوره وليس من تاريخ تقييده بالسجل العقاري ، وتكون هذه المدة قابلة للتمديد شريطة تقديم دعوى في الموضوع ، ويستمر مفعول هذا التمديد إلى حين صدور حكم نهائي ، أما التقييد الاحتياطي بناء على مقال الدعوى فتنحصر في شهر مدة صلاحيته ، ما لم يدل صاحبه بأمر صادر عن رئيس المحكمة الابتدائية.

إلا أنه إذا كان التقييد الاحتياطي مجرد إجراء مؤقت فإنه في أحيان كثيرة يعرقل تداول العقار المثقل به، لأن المتعاملين العقاريين لا يرغبون التعامل في عقار موضوعه نزاع ، لذلك لا يمكن أن يبقى هذا التقييد مسجلا بصفة أبدية بل لا بد من تسجيل الحق نهائيا أو التشطيب عليه إذا وجدت مبررات ذلك، غير أننا لن نتناول التشطيب التلقائي للتقييد الاحتياطي، الذي نص عليه الفصل المذكور أعلاه ، بل سنركز فقط على التشطيب على التقييد الاحتياطي بناء على أمر قضائي ، والذي يعتبر من بين أهم المستجدات التي جاءت بها الفقرة الأخيرة من الفصل 86 من ظهير التحفيظ العقاري كما تم تغييره وتتميمه ، كما سنتناول إمكانية التشطيب على التقييد الاحتياطي إثر بيع العقار في المزاد العلني ، وذلك من خلال تقسيم هذا المطلب إلى فقرتين نتناول في الفقرة الأولى التشطيب على التقييد الاحتياطي بناء على أمر قضائي، على أن نتناول في الفقرة الثانية التشطيب على التقييد الاحتياطي على إثر بيع العقار في المزاد العلني.

الفقرة الأولى:

التشطيب على التقييد الاحتياطي بناء على أمر قضائي

نص الفصل 91 من ظهير التحفيظ العقاري كما تم تغييره وتتميمه على أنه: “… يمكن أن يشطب على كل ما ضمن بالرسم العقاري من تقييد أو بيان أو تقييد احتياطي بمقتضى كل عقد أو حكم مكتسب لقوة الشيء المقضي به يثبت انعدام أو انقضاء الحق موضوع التضمين في مواجهة الأشخاص الذين يعنيهم هذا الحق”.

وهو نفس المقتضى الذي كرسه الفصل 91 من ظ .ت .ع قبل التعديل.

إن هذا الفصل أكد بصورة صريحة ضرورة صدور حكم في الموضوع من أجل التشطيب على التقييد الاحتياطي، وهو ما أكده الأمر الاستعجالي الصادر عن المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء ([2]) حيث جاء فيه: “لكن حيث إنه بموجب الفصل 91 من ظهير التحفيظ العقاري الصادر في 1913/08/12 فكل ما ضمن بالسجل العقاري من تسجيل وتقييد احتياطي يمكن أن يشطب عليه بموجب كل عقد أو حكم اكتسب قوة الشيء المقضي به.

وحيث يتجلى من الفصل المذكور ضرورة استصدار حكم مكتسب لقوة الشيء المقضي به أي صادر عن قضاء الموضوع وذلك ليتأتى التشطيب على تقييد الاحتياطي موضوع الطلب”.

من هنا يظهر أن قاضي المستعجلات غير مختص بالتشطيب على تقييد احتياطي اتخذ بناء على مقال الدعوى.

إلا أنه في المقابل نجد بعض الأوامر القضائية تذهب إلى أن رئيس المحكمة الابتدائية بصفته قاضيا للمستعجلات مختص لاتخاذ أوامر بالتشطيب على التقييد الاحتياطي الذي يشكل عرقلة في وجه تداول العقار إذ جاء في أمر صادر عن رئيس المحكمة الابتدائية بالرباط ([3]) على أنه: “أن قاضي المستعجلات مختص بالتشطيب على كل تقييد احتياطي متى تبين له من أن تسجيله تم بصفة غير قانونية وخرق القواعد العامة ، باعتبار أن هذا التقييد الاحتياطي يشكل عرقلة بالنسبة لحرية التصرف والتفويت التي تعتبر من الحقوق الشرعية لكل مالك ، وان الضرورة والاستعجال يستدعي تدخل قاضي المستعجلات”.

إن إعطاء قاضي المستعجلات صلاحية إصدار أوامر بالتشطيب على التقييد الاحتياطي المتخذ بناء على مقال الدعوى من شانه أن يعطي حلا لبعض التقييدات الاحتياطية التي تظل قائمة لمدة طويلة مما يعوق التداول العادي والطبيعي للعقار، كما يؤدي إلى تفادي صدور تقييدات احتياطية بشكل تعسفي.

غير أن هذا التوجه القضائي ، كان لا ينسجم مع مقتضيات الفصل 91 من ظهير التحفيظ العقاري ، الذي كان صريحا بخصوص ضرورة استصدار حكم من أجل التشطيب ، أي صدور حكم عن قضاة الموضوع ، وليس القضاء الاستعجالي، كما أنه غير منسجم مع الشروط المتطلبة في القضاء الاستعجالي وهو شرط الاستعجال وشرط عدم المساس بالجوهر، فإذا كان الشرط الأول يمكن تصوره ، فإن الشرط الأخير لا يمكن تحققه ، على أساس أنه لا يعقل الفصل في نزاع موضوع تقييد احتياطي بناء على مقال دون المساس بالجوهر.

واذا كان التشطيب على التقييد الاحتياطي بمقتضى أوامر استعجالية، تم تكريسه تشريعا من خلال الفقرة الأخيرة من الفصل 86 من ظهير التحفيظ العقاري كما تم تغييره وتتميمه والتي نصت على أنه: “يمكن اللجوء إلى رئيس المحكمة الابتدائية التي يقع في دائرة نفوذها العقار بصفته قاضيا للمستعجلات ، للأمر بالتشطيب على التقييد الاحتياطي كلما كانت الأسباب المستند عليها يخير جدية أو غير صحيحة”.

فإن الإشكال الذي سيظل قائما حول مدى قانونية منح هذه الصلاحية لقاضي المستعجلات، رغم تجاوز أحد أهم شروط الدعوى الاستعجالية ألا وهو شرط عدم المساس بالجوهر.

الفقرة الثانية:

التشطيب على التقييد الاحتياطي إثر بيع العقار بالمزاد العلني

إن التنفيذ الجبري ينقل فكرة الحق الثابت بمقتضى السند التنفيذي من مجال التصور إلى مجال التحقيق العملي إذ أنه يخول للدائن جبر مدينه على تنفيذ التزامه قضاء، في الحالة التي يرفض فيها تنفيذه طوعا، وتختلف طبيعة التنفيذ باختلاف موضوعه ، غير أن الذي يهمنا بهذا الصدد هو التنفيذ الجيري على العقار المحفظ ، وأساسا مدى تأثير بيع العقار بالمزاد العلني على التقييدات الاحتياطية المدونة بالرسم العقاري ، وقبل هذا مدى إمكانية تسجيل التقييد الاحتياطي رغم وجود مسطرة الحجز على أساس أن المشرع ننص في الفقرة الأولى من الفصل 87 من ظهير التحفيظ العقاري كما تم تغييره وتتميمه على أنه: “كل حجز أو إنذار بحجز عقاري يجب أن يبلغ إلى المحافظ على الأملاك العقارية الذي يقيده بالرسم العقاري وابتداء من تاريخ هذا التقييد لا يمكن إجراء أي تقييد جديد خلال جريان مسطرة البيع الجبري للعقار المحجوز”.

إن المشرع أراد حماية الدائن الحاجز، إذ خوله حماية إجرائية بمجرد تقييد الحجز أو الإنذار بالرسم العقاري ، وليس بمجرد تبليغه بالحجز كما كان سابقا في ظهير التحفيظ العقاري ، إلا أن التساؤل يبقى مطروحا حول نطاق المنع المشمول بمقتضيات الفصل 87 من ظهير التحفيظ العقاري كما تم تغييره وتتميمه ، هل ينصب فقط على التقييدات النهائية أم يشمل حتى التقييدات المؤقتة؟

إن الفصل 87 جاء بصيغة عامة تشمل جميع التقييدات وإن كان هذا لا يمنع تسجيل بعض التقييدات التي لا تتعارض والغاية التي صيغ من أجلها الفصل المذكور أعلاه ، ألا وهي حماية الدائن الحاجز، ومن هذه التقييدات مثلا تقييد ملحق رهن يقلص من مبلغ الدين المضمون بالرهن الرسمي ، وكذا عملية الإحداث المتعلقة بمطابقة تصميم العقار مع وضعيته الراهنة، على إثر البناءات المشيدة على العقار، طالما أن هذين الإجراءين يزيدان في الضمانة الممنوحة للدائن الحاجز، كما أن هذا المنع لا يشمل الحقوق المنجزة للورثة ، لأن تسجيل الإراثة لا يحول دون مواصلة إجراءات التنفيذ على العقار، لأنه لا تركة إلا بعد سداد الديون ([4])، إضافة إلى أن وفاة المنفذ عليه توجب مواصلة الإجراءات المتعلقة بالتنفيذ ضد ورثته ، لأنه لا يمكن مباشرة الدعوى ضد شخص ميت باعتبار أن الأهلية من النظام العام ([5]).

هذه بعض الاستثناءات من مبدأ المنع المنصوص عليه في الفصل 87 المذكور أعلاه ، ليبقى الإشكال بخصوص ما مدى جواز تسجيل التقييد الاحتياطي خلال جريان مسطرة نزع الملكية؟.

نعتقد أن التقييدات الاحتياطية غر مشمولة بقاعدة المنع ، لأنها لا تؤدي إلى نقل ملكية العقار أو الحقوق العينية المضمنة به، بل تهدف فقط إلى الحفاظ المؤقت عليها، لذلك ليس هناك ما يمنع تقييدها، خاصة وأن الحجز بدوره إجراء مؤقت قابل لأن يرفع أو يبطل ، لذلك ليس من العدل منع الغير من إجراء تقييد احتياطي لضمان حقوقه في حالة زوال الحجز، لكن الإشكال يبقى مطروحا في حالة ما إذا كان الحجز صحيحا تم البيع بالمزاد العلني ، فهل ذلك يطهر العقار من كل التحملات المرتبطة به وبالتالي يتم التشطيب على التقييد الاحتياطي؟.

إن هذا الموضوع مخل خلاف قضائي ، إذ ذهبت محكمة الاستئناف بالدار البيضاء ([6]) إلى القول: “… وحيث إنه لئن كان محضر إرساء المزاد يعد سندا للملكية لصالح الراسي عليه المزاد وفق الفصل 480 من قانون المسطرة المدنية فإن هذا السند لا ينقل إلا حقوق الملكية التي كانت للمحجوز عليه وفق الفصل 481 من نفس القانون.

وحيث إن الفصل 211 من ظهير 2/06/1915 جعل التطهير ينصب على الامتيازات والرهون أي الحقوق الشخصية ولا يطال التقييدات الاحتياطية المسجلة بناء على دعاوى متعلقة بالعقار المبيع والتي قد تنتح حقوقا لأصحاب التقييد الاحتياطي على هذا العقار ذلك أن التقييد الاحتياطي هو ضمان لحق عيني عقاري بناء على دعوى عقارية ولا يتأتى رفعه إلا بعد معرفة مآل هذه الدعوى.

وحيث إنه ما دام السيد… قد اطلع على دفتر التحملات الذي يتضمن التقييد الاحتياطي المذكور فإنه يكون قد قبل العقار على حالته ويتعين لذلك اعتبار طلبه الرامي إلى التشطيب على التقييد الاحتياطي في يخير محله وينبغي رفضه”.

وفي المقابل قضت المحكمة الابتدائية بالحي المحمدي عين السبع بالدار البيضاء ([7]). بالتشطيب على التقييد الاحتياطي ، واستندت في تعليلها على مقتضيات الفصل 508 من قانون المسطرة المدنية على أساس أن أصحاب هذه التقييدات هم دائنون للمالك القديم وأنهم حضروا عملية البيع بالمزاد العلني كما حفروا عملية التوزيع بالمحاصة، إذ جاء في حكمها على انه: “وحيث بالنظر إلى مراعاة مقتضيات الفصل 508 من ق م م، فإن طلب المدعي الرامي إلى التشطيب على التقييدات الاحتياطية… يبقى والحالة هذه مبررا”.

إن هذا الحكم وقع في خلط بين الحجز والتقييد الاحتياطي ، فأغفل أنه ليست الغاية من التقييد الاحتياطي ضمان حق مديونية ، كما هو الشأن بالنسبة للحجز حتى يتسنى تطبيق مقتضيات الفصل 508 من قانون المسطرة المدنية.

إن هذا الإشكال القانوني لم يتم حسمه من قبل المشرع ذلك أنه بالرجوع إلى الفقرة الثانية من المادة 220 من القانون رقم 08/39 المتعلق بمدونة الحقوق العينية ([8]) نجدها تنص على انه: “يترتب على تقييد محضر إرساء المزايدة بالرسم العقاري انتقال الملك إلى من رسا عليه المزاد وتطهيره من جميع الامتيازات والرهون ولا يبقى للدائنين حق إلا على الثمن”.

لذلك نعتقد أن تقييد البيع بالمزاد العلني لا يترتب عنه تشطيب التقييد الاحتياطي لأنه لو كان المشرع يقصد ذلك لنص عليه صراحة كما فعل في الفصل 37 من الظهير المتعلق بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة الذي نص على أنه: “بالرغم من كل المقتضيات المنافية الواردة في التشريع المتعلق بنظام التحفيظ… فإن إيداع الحكم بنقل الملكية لدى المحافظة على الأملاك العقارية يترتب عليه في تاريخ الإيداع المذكور تخليص العقارات المعنية من جميع الحقوق والتحملات التي قد تكون مثقلة بها وذلك طبق الشروط الآتية:

فيما يخص العقارات المحفظة يترتب عليه بحكم القانون نقل الملكية إلى اسم السلطة النازعة للملكية ويشطب تلقائيا على جميع التقييدات الموضوعة لفائدة الغير، كيفما كان نوعها وتحول حقوق المستفيدين إلى حقوق في التعويضات..”.

المطلب الثاني :

التشطيب على الحجز

إن الطبيعة الوقتية للحجز تقتضي عدم استمراره ، فهو غير مقصود بذاته ، وإنما لغرض محدد، وهو الوفاء بالدين، ولذلك فمصيره ينتهي حتما، إما بالوفاء، أو بيع العقار بالمزاد العلني ، وقد ينتهى الحجز أيضا بصدور أوامر استعجالية مشمولة بالنفاذ المعجل الأمر الذي كان يطرح مدى إلزامية الإدلاء بشهادة من كتابة ضبط المحكمة مصدرة الحكم تشهد بأنه لم يقع أي تعرض أو استئناف ضده، استنادا إلى مقتضيات الفصل 437 من قانون المسطرة المدنية التي تستلزم ذلك ، أم ينبني تطبيق هذه الأوامر دون استلزام هذه الشهادة على أساس أن الأوامر الاستعجالية مشمولة بالنفاذ المعجل بقوة القانون.

إن هذه الإشكالية تم تجاوزها في إطار ظهير التحفيظ كما تم تغييره وتتميمه ، وأساسا من خلال الفقرة الأخيرة من الفصل 87، حيث أصبحت هذه الأوامر نهائية ونافذة على الفور.

وقد ينتهي الحجز أيضا في حالة تراخي الدائن عن مواصلة إجراءات الحجز، على أساس أن الحجز كما سبق القول له طبيعة وقتية ، لذلك حافظ ظهير التحفيظ العقاري كما تم تغييره وتتميمه في الفصل 218 من القانون 39/08 على هذه الإمكانية ، التي كانت متاحة في ظل ظهير التحفيظ العقاري في الفصل 208 من ظهير 2 يونيو 1915 الملغى.

وعليه سنقسم هذا المطلب إلى فقرتين ، نتناول في الفقرة الأولى التشطيب على الحجز على ضوء الفصل 87 من القانون رقم 14/07، على أن نتناول في الفقرة الثانية التشطيب على الحجز على ضوء الفصل 218 من القانون رقم 39/08.

الفقرة الأولى:

التشطيب على الحجز على ضوء الفصل 87 من القانون رقم 07/14

نصت الفقرة الأخيرة من الفصل 87 من ظهير التحفيظ كما تم تغييره وتتميمه على أنه: “يشطب على الحجز والإنذار بحجز المنصوص عليهما في الفقرة السابقة بناء على عقد أو أمر من قاضي المستعجلات يكون نهائيا ونافذا فور صدوره”.

إن هذه الفقرة حسمت الإشكال الذي كان قائما في ظل ظهير التحفيظ العقاري قبل التعديل، حيث كان الخلاف حول مدى ضرورة استلزام شهادة عدم التعرض والاستئناف مع الأمر القاضي بالتشطيب على الحجز، وأساس هذا الخلاف كان يكمن في التعارض بين مقتضيات الفصل 437 من قانون المسطرة المدنية الذي كان ينص على أنه: “لا يكون الحكم الذي يقضي برفع يد أو رد وفاء أو أي عمل آخر يجب إنجازه من قبل الغير أو على حسابه، قابلا للتنفيذ من قبل الغير أو بينهم ولو بعد أجل التعرض أو الاستئناف إلا بعد تقديم شهادة من كتابة ضبط المحكمة التي أصدرته ، تحتوي على تاريخ تبليغه للطرف المحكوم عليه وتشهد بأنه لم يقع أي تعرض أو استئناف ضده”. ومقتضيات الفصل 153 من قانون المسطرة المدنية في فقرته الأولى التي تنص على أنه: “تكون الأوامر الاستعجالية مشمولة بالتنفيذ المعجل بقوة القانون ويمكن للقاضي مع ذلك أن يقيد التنفيذ بتقديم كفالة”.

وبناء على ما سبق هناك من يرى ([9]) بأن الفصل 437 من قانون المسطرة المدنية نص خاص وهو أولى بالتطبيق من الفصل 153 من نفس القانون ، بينما هناك من يعتبر أن الأوامر الاستعجالية الصادرة برفع الحجز تكون مشمولة بالنفاذ المعجل بقوة القانون وبالتالي لا يمكن الاحتجاج بمقتضيات الفصل 437 من قانون المسطرة المدنية على أساس أن هذا الفصل ورد ضمن القواعد الخاصة بالتنفيذ الجبري للأحكام والتالي تخرج من نطاقها الأوامر الاستعجالية.

عموما إذا كانت الفقرة الأخيرة من الفصل 87 من ظهير التحفيظ العقاري كما تم تغييره وتتميمه قد حسمت هذا الإشكال ، حيث اعتبرت هذه الأوامر نهائية ونافذة على الفور، ومن ثمة فلا حاجة لاستلزام شهادة عدم التعرض أو الاستئناف فإن الإشكال الذي سيبقى قائما حول التشطيب على الحجز وبالتبعية على الرهن استنادا إلى أوامر قضائية ، إذ قضت المحكمة الابتدائية بطنجة ([10])، بأداء المحافظ على الأملاك العقارية والرهون تعويضا لفائدة المدعين من عدم تشطيبه على الرهن والإنذار العقاري من الرسم العقاري تنفيذا للأمر الاستعجالي الصادر في 22/12/11 واعتبرت امتناع المحافظ عن رفع الرهن والتشطيب على الإنذار العقاري المترتب عنه وفقا لأمر السيد رئيس المحكمة يعتبر خطأ جسيما يرتب التعويض عن الضرر.

إن هذا الحكم مجانب للصواب في نظرنا على أساس أن التشطيب على الإنذار والحجز العقاري يمكن أن يصدر بناء على أوامر قضائية في حين أن التشطيب على الرهن ينبغي أن يكون حائزا لقوة الأمر المقضي به طبقا للفصل 91 من ظهير التحفيظ العقاري.

الفقرة الثانية:

التشطيب على الحجز على ضوء الفصل 248 من القانون رقم 08/39

نظرا للطبيعة المؤقتة للحجز العقاري ، والتي قلنا عنها سابقا أنها غير مقصودة لذاتها، بل لتحقيق غرض معين ، وهو الوفاء بالدين فقد تنبه المشرع إلى إمكانية تراخي الدائن الحائز في مواصلة الإجراءات التي تتلو الحجز، ليعطي الإمكانية للمحجوز عليه في طلب التشطيب على هذا الحجز بمقال يقدمه إلى قاضي المستعجلات الذي يصدر أمرا نهائيا ونافذا على الفور، إذ نصت المادة 218 من القانون رقم 08/39 على أنه “إذا وقع التراخي في مواصلة الإجراءات التي تتلو الحجز أمكن للمحجوز عليه أن يتقدم بمقال إلى رئيس المحكمة المختصة بوصفه قاضيا للمستعجلات للمطالبة برفع اليد عن الحجز.

تبلغ نسخة من هذا المقال إلى الحاجز وفق القواعد المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية.

يكون الأمر الصادر برفع اليد عن الحجز نهائيا ونافذا على الفور”.

ونفس المقتضى نص عليه الفصل 208 من ظهير 2 يونيو 1915 قبل أن يتم نسخه بمقتضى المادة 333 من القانون رقم 08/39 حيث كان ينص على أنه: “إذا وقع التراخي في مواصلة الإجراءات التي تتلو الحجز أمكن للمحجوز عليه أن يحصل على الإعذار وجميع الوثائق المسجلة تبعا له وذلك بمقال معلل يقدمه لقاضي المستعجلات ويبلغ كاتب الضبط نسخة منه إلى طالب البيع في عنوانه المختار ثلاثة أيام على الأقل قبل تاريخ جلسة الاستعجال الذي يعينه الرئيس أسفل المقال ويكون الأمر القضائي الصادر عنه نهائيا ونافذا على الفور”.

إن هذا الفصل ينظم حالة خاصة للتشطيب على الحجز بناء على أوامر استعجالية ، فالمشرع قرر أن التراخي في مواصلة إجراءات الحجز من شأنه الإضرار بحقوق المحجوز عليه ، ولذلك خول المشرع صلاحية اللجوء مباشرة إلى قاضي المستعجلات للتشطيب على الحجز، ويبقى من صلاحية هذا الأخير تقدير ما إذا كان التأخير الحاصل في مواصلة الإجراءات تراخيا يبرر التشطيب على الحجز أم أنه تأخير مبرر، وناتج عن صعوبات في التنفيذ، حيث لا مجال للتشطيب عليه.

وقد طرح التساؤل حول نطاق الفصل 208 من ظهير 2 يونيو 1915، هل يتعلق بجميع أنواع الحجز، أم فقط في حالة وجود رهن رسمي سابق على الحجز العقاري؟

ففي قرار صادر عن المجلس الأعلى ([11]) قضى بما يلي: “إن الفصل 208 من ظهير 2 يونيو 1915 ورد ضمن فصول القسم الثالث عشر المتعلقة مقتضياته بالحجز والبيع عن طريق نزع الملكية الإجباري بالمزاد العلني ، وذلك فقط عندما يتعلق الأمر برهن رسمي مسجل على عقار محفظ في ملك المدين أو في ملك الغير عندما يتكفل هذا الأخير بضمان الدين ، ففي هذه الحالة يخول الفصل 204 من الظهير المذكور للدائن المرتهن بعد حصوله على شهادة رهن مسلمة من المحافظ على الملكية العقارية ، اللجوء مباشرة إلى اتخاذ جميع إجراءات التنفيذ الجبري ابتداءا من إنذار المدين الراهن بأداء مبلغ الدين إلى النزع الإجباري لملكية العقار وبيعه بالمزاد العلني ، وأن مسطرة الفصل 208 لا يمكن تطبيقها إذا ما تعلق الأمر كما في النازلة موضوع هذا القرار بعقار محفظ ولكنه غير مثقل برهن رسمي إذ أن الدائن الغير المرتهن في حالة امتناع مدينه عن أداء الدين لا يتصور فيه أن يوجه إعذارا لمدينه بسبب عدم إمكانية حصوله على شهادة تسجيل الرهن وإنما عليه أن يستصدر من رئيس المحكمة الابتدائية أمرا بناء على طلب بحجز عقار مدينه حجزا تحفظيا طبقا للفصل 148 من قانون المسطرة المدنية وأن القاضي عندما يرجع إلى الطرف المأمور ضده بالحجز التحفظي يبت في هذا الطلب في نطاق الفصل 149 من قانون المسطرة المدنية ، ويكون أمره قابلا للاستئناف طبقا للفصل 153من ق م م”.

وقد انتقد الأستاذ عبد العالي دقوقي ([12]) هذا القرار، على أساس أنه لو كان قصد المشرع تقييد اللجوء إلى الفصل 208 بوجود رهن رسمي لأورد هذا الفصل في القسم العاشر (الفرع الثاني) المتعلق بالرهون الرسمية ولما أورده في القسم المتعلق بالحجز والبيع عن طريق نزع الملكية الإجباري وفي البيع بالمزاد العلني ، لأن الحجز قد ينصب على العقار ولو بدون وجود رهن رسمي ، إذ أن الصيغة المستعملة “إذا وقع التراخي في مواصلة الإجراءات التي تتلو الحجز” لا تحمل في طياتها أي شكل من أشكال التقييد المذكور، فالحجز يكون ضمانا لحق مديونية يتم تقييده سواء بوجود رهن رسمي أو عدم وجوده ، والنتيجة المستهدفة منها هو استيفاء الدين عن طريق البيع بالمزاد العلني، وطبعا في حالة التراخي في مواصلة الإجراءات التي تتلو الحجز، وليس الإجراءات التي تتلو الرهن الرسمي يمكن إصدار أمر نهائي بالتشطيب على الحجز.

وهذا التوجه الأخير هو الذي كرسه الفصل 218 من القانون رقم 39/08 حيث تم حذف كلمة الأعذار المنصوص عليها في الفصل 208 من ظ 2 يونيو 1915، لكن يبقى التساؤل حول جدوى الإبقاء على هذا الفصل على أساس أن الفصل 87 من ظ .ت .ع كما تم تغييره وتتميمه يستوعب هذه الحالة.

خلاصة القول إن المشرع حاول في القانون رقم 07/14 الذي غير وتمم ظ.ت.ع التعامل بنوع من المرونة مع عملية التشطيب ، وأساسا التشطيب على التقييد الاحتياطي والحجز، رغبة منه في تسريع تداول العقار حتى لا يبقى عائقا في وجه الاستثمار، غير أن هذه المقتضيات تطرح بعض الإشكالات، وأساسا تعارض الفصل 87 من ظ .ت .ع كما تم تغييره وتتميمه، الذي خول لقاضي المستعجلات صلاحية إصدار أوامر للتشطيب على التقييد الاحتياطي بناء على مقال الدعوى مع الشرط الأساسي لانعقاد الاختصاص للقضاء الاستعجالي ألا وهو شرط عدم المساس بالجوهر، كما أن المشرع لم يحل إشكالية مدى إمكانية التشطيب على التقييد الاحتياطي إثر بيع العقار بالمزاد العلني ، كما أن التساؤل الأخير يبقى حول جدوى الإبقاء على الفصل 218 من القانون رقم 39/08 في ظل وجود الفصل 87 ظهير التحفيظ العقاري كما تم تغييره وتتميمه الذي يغني عن الفصل المذكور.


[1] ظهير شريف رقم 177/11/1 صادر في 25 من ذي الحجة 1432 (22 نوفمبر 2011) بتنفيذ القانون رقم 07/14 المغير والمتمم بمقتضاه الظهير الشريف الصادر في 09 رمضان 1331 (12 غشت 1913) المتعلق بالتحفيظ العقاري ، منشور بالجريدة الرسمية عدد 5998 بتاريخ 27 ذو الحجة 1432، (24/11/2011)، ص. 5575.

[2] أمر استعجالي رقم 513 في الملف عدد 10752/01/2004 بتاريخ 01/02/2005 أشار إيه حسن زرداني، دور المحافظ على الأملاك العقارية في تقييد الأحكام القضائية من زاوية إكراهات التطبيق ، مجلة الأملاك ، العدد المزدوج الرابع والخامس ، المطبعة والوراقة الوطنية بمراكش، ص. 231.

[3] أمر رقم 278 في الملف الاستعجالي رقم 6/84/742 بتاريخ 21/08/1984 منشور بمجلة رابطة القضاة السنة 22 العدد 18 بتاريخ 19 شتنبر 1986، ص. 119.

ونفس التوجه ذهب في الأمر القضائي رقم 2031 الصادر عن قاضي المستعجلات بمراكش تاريخ 13/12/2000، غير منشور.

[4] تنص المادة 323 من مدونة الأسرة على أن: “الإرث انتقال حق بموت مالكه بعد تصفية التركة لمن استحقه شرعا بلا تبرع ولا معاوضة”

[5] الفصل الأول من قانون المسطرة المدنية.

[6] قرار محكمة الاستئناف بالدار البيضاء رقم 810/811/02 ملف رقم2752/2/04 و 3066/02/04 ملفين مضمومين بتاريخ 10/03/2005، غير منشور.

[7] حكم المحكمة الابتدائية بالحي المحمدي عين السبع، رقم 1928 ملف رقم 2787/01 تاريخ26/11/2001، غير منشور.

[8] ظهير شريف رقم 178/11/1 صادر في 25 من ذي الحجة 1432، (22 نوفمبر 2011) بتنفيذ القانون رقم 08/39 المتعلق بمدونة الحقوق العينية، منشور بالجريدة الرسمية عدد 5998 الصادرة تاريخ 27 ذو الحجة 1432 (24 نوفمبر 2011)، ص. 5587.

[9] حسن زرداني ، صعوبة التنفيذ الوقتية في القانون المغربي والمقارن، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، وحدة التكوين والبحث في القانون المدني، جامعة الحسن الثاني ، كية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية ، عين الشق، الدار البيضاء، الموسم الجامعي 2005- 2006، ص. 204- 205.

[10] حكم المحكمة الابتدائية بطنجة عدد 3682/05/13، ملف رقم 2780 بتاريخ 02/07/2006، غير منشور.

[11] قرار 1433 الصادر عن المجلس الأعلى بتاريخ 17/06/1987، منشور بمجلة القضاء والقانون، العدد 139، السنة 26 دجنبر 1988، ص. 81.

[12] عبد العالي دقوقي ، الإلغاء والتشطيب في التشريع العقاري، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، وحدة التكوين والبحث في القانون المدني والاقتصادي والاجتماعي، أكدال بالرباط ، السنة الجامعية 2001-2002، ص. 230 وما بعدها.

اترك رد

https://powderencouraged.com/zht6b3bs66?key=8523542c4aaf6f083ce56f74bd271319
https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من فضاء المعرفة القانونية -espace connaissance juridique

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة