الدكتور محمد خيري
محامي بهيئة الدار البيضاء
أستاذ التعليم العالي سابقا
بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالدار البيضاء
تعرف البنية العقارية في العالم القروي أشكالا وتنظيمات مختلفة، ولكل تنظيم خصوصياته، سواء من حيث طريقة الاستغلال والانتفاع، أو من حيث التسيير، وكذا من حيث الأسس التي يستمد منها قواعده وأحكامه.
وتتلاقى هذه الأنظمة في كونها تنتمي إلى العالم القروي، ويتعين بالتالي النظر إليها لا من الجانب التنظيمي فقط، بل حتى من الجانب التنموي والاقتصادي كذلك.
فمن بين هذه الأنظمة توجد أراضي الجموع، أراضي الجيش، أراضي الأحباس، إضافة إلى الملكية الخاصة والتي تتسم بطابع فردي أحيانا، أو بطابع جماعي في شكل شيوع أحيانا أخرى.
وتحتل الأراضي الجماعية أهمية خاصة في النسيج العقاري المغربي نظرا لاعتبارات عديدة منها:
- من حيث شساعة مساحاتها (12 مليون هكتار)؛
- من حيث تنوع طبيعتها حيث تتوزع إلى أراضي فلاحية، إما سقوية أو بورية، وإلى أراضي رعوية، وأخرى غابوية. بل ومن هذه الأراضي ما يتوفر على مناجم سطحية تستخرج منها بعض المعادن مثل: الرخام، الملح، الغاسول، الرمال والأحجار بمختلف أنواعها؛
- من حيث عدد سكانها (9 ملايين نسمة) مع تنوع أعرافهم وتقاليدهم، حيث تنتشر أراضي الجموع بمجموع مناطق المغرب بالسهول والجبال.
وتعرف هذه الأراضي نوعا من الجمود في مردوديتها الاقتصادية والتنموية، ومرد ذلك لا محالة راجع لعدم مسايرة النصوص القانونية للتطور الحاصل في البنية الاجتماعية لسكان أراضي الجموع الشيء الذي أدى إلى بروز مشاكل ونزاعات متعددة الجوانب، وإلى تراكم ملفات هذه المشاكل لدى الجهة الوصية.
وتدرك سلطة الوصاية بدون شك تمام الإدراك وضعية هذه ا لأراضي الجموع، وتدرك كذلك أن التنظيم الحالي أصبح لا يتلاءم مع الوضعية الحالية.
وقد سبق لوزارة الداخلية بصفتها سلطة الوصاية على أراضي الجموع أن نظمت ندوة وطنية بتاريخ 4 و5 دجنبر 1995 انعقدت بالرباط، مكنت المشاركين فيها من إبداء وجهات نظرهم، وبسط جميع المشاكل التي تواجه ذوي الحقوق، وكانت مناسبة كذلك تقدم فيها المشاركون، باقتراحات وحلول لتلك المشاكل. وأفرزت تلك الندوة توصيات يمكن أن تكون كأرضية للتفكير في وضع إطار قانوني جديد لأراضي الجموع، وللتفكير كذلك في شكل الوصاية التي ينبغي أن تخضع لها، وهل ينبغي أن تبقى وصاية تنموية واجتماعية؟ وهل بالإمكان أن تتعزز هذه الوصاية بجهات أخرى تعتبر مؤهلة من الناحية التنموية كوزارة الفلاحة مثلا؟
الفقرة الأولى:
المنظومة القانونية لأراضي الجموع
تتميز العقارات بالمغرب بتنوع وتعدد أنظمتها فهناك الإطار العام الذي يميز بين العقارات المحفظة الخاضعة لظهير 9 رمضان 1331 (12 غشت 1913)، والعقارات غير المحفظة الخاضعة لقواعد ومبادئ الشريعة الإسلامية ولمقتضيات قانون الالتزامات والعقود.
وهناك الإطار الخاص الذي يحدد الأنظمة الخاصة لبعض أنواع العقارات وهي متعددة نذكر من بينها الأملاك العامة الخاضعة لظهير 1 يوليوز 1914، الأملاك الخاصة بالدولة الخاضعة لظهير 3 يناير 1916، الأملاك الغابوية الخاضعة لظهير 10 أكتوبر 1917، أراضي الأوقاف الخاضعة لظهير 13 يناير 1918، الأراضي الجماعية الخاضعة لظهير 27 أبريل 1919، وملكية الشقق والطبقات الخاضعة لظهير 16 نونبر 1946 الملغى والذي حل محله القانون رقم 18.00 (ظهير 3 أكتوبر 2002).
ثم هناك أراضي الكيش وليس لها -حسب علمنا-قانون ينظم ويضبط وضعيتها على الرغم من أنها تعتبر في الأصل من الأملاك الخاصة بالدولة، دون نسيان الأملاك الخاصة بالأفراد وتخضع في تنظيمها لعدة مقتضيات حسبما إذا كانت محفظة أو غير محفظة كما أنها قد تتخذ شكل ملكيات فردية أو ملكيات جماعية وفي هذه الحالة الأخيرة فإنها تخضع لأحكام الشيوع وأحكام الشفعة.
ومن خلال هذه التعداد يلاحظ بأن أراضي الجموع تتمتع بوضعية قانونية خاصة سواء في تنظيمها أو تدبير شؤونها حسب ما هو مضمن بظهير 27 أبريل 1919 كما وقع تعديله وتتميمه.
الفقرة الثانية:
مفهوم أراضي الجموع
أولا: تعريف:
هي أراضي ترجع ملكيتها إلى جماعات سلالية في شكل قبائل أو دواوير أو عشائر، قد تربط بينهم روابط عائلية أو روابط عرقية واجتماعية ودينية وحقوق الأفراد فيها غير متميزة عن حقوق الجماعة، بحيث أن استغلالها يتم مبدئيا بكيفية جماعية كما يمكن لأفراد القبيلة أن يتفقوا فيما بينهم على إجراء قسمة استغلالية أي انتفاع.
ومن المعلوم أن هذه الأراضي تسيرها جماعات منتخبة من أعيان القبيلة بواسطة مجالس نيابية تحت الوصاية المباشرة لوزارة الداخلية عن طريق مجلس الوصاية. غير أن هذه الوصاية تتميز بدور أمني وإداري أكثر منه اقتصادي، الشيء الذي يقلص من المردود الاقتصادي لهذه الأراضي رغم مساحتها الشاسعة.
وقد عرفت هذه الأراضي الفلاحية الجماعية توزيعا موسميا بين ذوي الحقوق الذكور دون الإناث. أما أراضي الرعي فإنها لا تخضع مبدئيا لأي توزيع حيث أن استغلالها يتم جماعيا بين أفراد القبيلة.
ثانيا: تمييز الأراضي السلالية عن غيرها:
تتميز الأراضي السلالية بسمات خاصة تختلف عن وضعية بعض الأراضي الجماعية التي تشبهها. وتلافيا للخلط بين هذه الأنواع وأراضي الجموع والتي تسمى كذلك بالأراضي السلالية نستعرض بعض الأنواع المشابهة لها وهي:
- أراضي الكيش
وهي أراضي تعتبر أصلا ملكا من الأملاك الخاصة بالدولة وضعت رهن إشارة أشخاص في شكل جماعات من المتطوعين في غياب جيش نظامي دون أن تكون بينهم روابط عرقية لحماية بعض المناطق ينتفعون بها في الرعي والحرث والتدريب مقابل خدماتهم العسكرية التطوعية، ولا تقبل أي تفويت أو تجزئة، وهي تخضع لقواعد الانتفاع. ومن المعروف أن الانتفاع ينتهي حتما بوفاة المنتفع ونظرا لانعدام ضوابط لتنظيم هذه الأراضي فقد ظل الأفراد ينتفعون بهذه الأراضي لمدة طويلة حتى ساد الاعتقاد بأن المنتفعين بها أصبحوا مالكين لها وفقا لمقتضيات الحيازة الطويلة الأمد.
أما الأراضي السلالية فتعتبر أصلا ملكا للجماعة في شكل قبائل أو عشائر ينتفعون بها بكيفية جماعية أو بالتناوب أو عن طريق قسمة انتفاع، ودور سلطة الوصاية على هذه الأراضي يكمن في تنظيم الانتفاع بهذه الأراضي والحفاظ عليها وفض النزاعات التي تحدث بشأنها.
وليس من اختصاص مجلس الوصاية على أراضي الجموع النظر في النزعات المتعلقة بأراضي الجيش، وقد سبق للمجلس الأعلى أن أوضح موقفه في هذا الشأن في إحدى قرارا ته التي جاء فيها ([26]):
“ليست أراضي الكيش من أملاك الجماعات فلا يختص مجلس الوصاية باتخاذ أي قرار بشأن استغلالها وكل ما له هو الدفاع عن مصالح الجماعات المتعلقة بها. لهذا فإن تصدى مجلس الوصاية للبت في النزاع بين شخصين حول استغلال هذه الأراضي يعتبر خروجا عن دائرة اختصاصه بما يستوجب إلغاء المقرر المطعون فيه. “
قرار عدد 136 بتاريخ 04 ماي 1979، ملف إداري عدد 451913 الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى.
- أراضي الأوقاف
وهي إما أراضي موقوفة لفائدة جهة خيرية أو دينية معينة وهي ما تسمى بالأوقاف العامة وإما أراضي موقوفة لفائدة المعقب عليهم وهو ما يسمى بالأوقاف الخاصة أو المعقبة.
وتعتبر وقفا على عامة المسلمين جميع الأبنية التي تقام فيها شعائر الدين الإسلامي من مساجد وزوايا وأضرحة ومضافاتها.
والوصاية على أراضي الأوقاف ترجع إلى وزارة الأوقاف التي تعمل على حسن استغلالها لما فيه مصلحة جميع المسلمين والحرص على احترام إرادة المحبسين.
وقد تثار بعض النزاعات بين ذوي الحقوق في الأراضي الجماعية والمستفيدين من أراضي حبسيه مما يستوجب الفصل في هذا النزاع عن طريق المحكمة بعد التأكد من طبيعة العقار هل هو أرض جماعية أم حبسيه استنادا إلى سندات وحجج كل طرف.
الفقرة الثالثة:
أهمية الأراضي الجماعية
تحتل الأراضي الجماعية أهمية اجتماعية واقتصادية كبرى تتجلى في الجوانب التالية:
فمن حيث السكان يعيش على الأراضي الجماعية ما يناهز تسعة ملايين نسمة حسب التقديرات الحالية منضوين تحت مليونين ونصف من العائلات.
أما من حيث المساحة فتقدر المساحة الإجمالية للأراضي الجماعية باثنا عشر مليون هكتار بعضها صالح للاستغلال الفلاحي والبعض الآخر للرعي أو الاستثمار الغابوي.
ومن المؤكد أن الأراضي الجماعية كانت ذات مساحة أكبر بكثير من المساحة الحالية، بل يمكن القول بأنها كانت هي الأساس، وأراضي الخواص هي الاستثناء.
فقبل الحماية كانت الأراضي الجماعية سواء منها الخاصة بالرعي أو المعدة للزراعة، تستغل على وجه الشياع ويشكل جماعي وفقا للأعراف السائدة بين القبائل واستنادا إلى التضامن والتكافل الذي كان يسود أفراد الجماعة، ولم يكن هذا التعاون منحصرا في الميدان الفلاحي، بل كان يشمل كل الميادين الاجتماعية.
وخلال فترة الحماية بادرت سلطاته إلى التدخل بواسطة قوانين متلاحقة أولها قانون 27 أبريل 1919 بفرض الوصاية الإدارية على الجماعات السلالية وعلى الأراضي الجماعية بهدف تفكيك التضامن الذي كان سائدا بين أفراد الجماعات.
وقد ادعت سلطات الحماية آنذاك بأن أراضي الجماعات أصبحت عرضة للاستيلاء والتفويت والتجزئة، ولذلك أصدرت عدة نصوص تنظم الوصاية على هذه الأراضي وتمنع تفويتها والحجز عليها واكتسابها بالتقادم.
وقد تم الاستيلاء خلال فترة الحماية على كثير من هذه الأراضي بطرق مختلفة من طرف المعمرين الأجانب، وحتى من طرف بعض ذوي النفوذ المغاربة.
كما أن عددا كبيرا من الفلاحين حاولوا تملك الأراضي التي بين أيديهم استنادا إلى الحيازة المكسبة. فأقاموا ملكيات تفيد توفر شروط الحيازة واستمرارها بواسطة عدول يجهلون أو يتجاهلون طبيعة هذه الأراضي، بل ومنهم من طالب بتحفيظها ومن الفقهاء من أفتى بتملكها استنادا إلى أن من أحيا أرضا ميتة فهي له.
وقد دفعت هذه المحاولات بالمشرع إلى تحديد الأراضي الجماعية لوضع حد لمثل هذه التصرفات كما صدرت بعد الاستقلال عدة ظهائر كان القصد منها رد الاعتبار للشخصية المعنوية للجماعات وللأراضي الجماعية وذلك بإلغاء عدد من التفويتات التي تمت بشأن الأراضي الجماعية.
الفقرة الرابعة:
المصادر القانونية المنظمة لأراضي الجموع
لا يتسع المجال لتحليل وشرح المقتضيات القانونية المنظمة لأراضي الجموع نظرا لتنوعها وكثرتها وسنكتفي بجرد لهذه القوانين تاركين لمن يهمهم أمر البحث في هذا الموضوع الرجوع إلى مضمون هذه القوانين للاسترشاد بها:
أولا: ظهير 26 رجب 1337 (27 أبريل 1919) المتعلق بالوصاية الإدارية للجماعات السلالية والمنظم لتسيير وكيفية تفويت الأراضي الجماعية؛
ثانيا: ظهير 26 دجنبر 1920 المتعلق بمراقبة واستعمال أو إعادة استعمال الأموال المتأتية من نزع ملكية الأراضي الجماعية أو تفويت الانتفاع الدائم بهذه الأراضي؛
ثالثا: ظهير 18 فبرا ير 1924 المنظم لمسطرة تحديد الأراضي الجماعية؛
رابعا: ظهير 13 دجنبر 1941 المتعلق بالكراء الطويل الأمد للأراضي الجماعية وتفويت حقوق الانتفاع الدائم لهذه الأراضي؛
خامسا: القرار الوزيري الصادر في 13 دجنبر 1941 المحدد لشكليات وشروط المزايدة قصد الكراء الطويل الأمد للأراضي الجماعية؛
سادسا: ظهير 14 غشت 1945 المتعلق بتدبير الأراضي الجماعية التي كانت موضوع قسمة انتفاع دائمة؛
سابعا: ظهير 19 مارس 1951 المتمم لظهير 27 أبريل 1919 المنظم لشروط تدبير شؤون الأملاك المشتركة بين الجماعات وتفويتها؛
ثامنا: ظهير 9 ماي 1959 الذي ألغى جميع تفويتات الانتفاع الدائم التي تمت وفقا لظهير 13 دجنبر 1941 وكذا جميع عقود الكراء الطويل الأمد، لتحول إلى أحد الحلين التاليين:
- فسخ عقود الكرا ء الطويل الأمد وإعادة العقار إلى الجماعة؛
- وتعويض الكراء الطويل الأمد لعقد كرا ء قصير الأمد.
تاسعا: ظهير 30 يونيو 1960 الذي ألغى وفسخ بقوة القانون كل التفويتات التي تمت بشأن الأراضي الجماعية عملا بالظهير المؤرخ في 19 مارس 1951 إلا أن هذا الظهير لم يطبق بصفة عملية على جميع التفويتات؛
عاشرا: ظهير 6 فبراير 1963 الذي أدخل بعض التعديلات على ظهير 27 أبريل 1919 ومن بين التعديلات التي وردت في هذا الظهير المذكور ما يلي:
- تأكيد ولاية الدولة على الجماعات السلالية؛
- الوصاية على الجماعات منوطة إلى وزير الداخلية؛
- عدم قابلية الأراضي الجماعية للحجز أو التقادم أو التفويت؛
- رفع الدعاوى العقارية أو طلب التحفيظ أو رفع التعرض بشأن الأراضي الجماعية متوقف على ترخيص من سلطة الوصاية.
ويضاف إلى هذه الظهائر عدد هائل من الدوريات والمناشير الصادرة عن سلطة الوصاية تهدف في مجملها المحافظة على الممتلكات الجماعية.
ومن خلال هذا الجرد السريع للظهائر والقرارات الوزارية المنظمة لأراضي الجموع، يلاحظ مدى التردد والحيرة المتبعة بشأن هذه الأراضي وانعدام سياسة قارة وواضحة بشأن هذه الأراضي الشيء الذي يجعلها مثار نزاعات بين أفراد الجماعة ويقلل بالتالي من أهميتها الاقتصادية، الشيء الذي يؤدي إلى جمود وتقليص مردوديتها الفلاحية.
الفقرة الخامسة:
المنازعات بشأن الأراضي الجماعية
تعرف أراضي الجموع نزاعات متنوعة والملاحظ أن وثيرتها تتزايد عبر السنين مما يؤكد تشبت ذوي الحقوق بأراضيهم والوقوف في وجه الترامي الذي قد تتعرض له أراضي الجموع.
والنزاعات التي تثار بشأن تطبيق مقتضيات ظهير 27 أبريل 1919 خلقت نوعا من تنازع الاختصاص بين المجالس النيابية ومجلس الوصاية كدرجة استئنافية وبين المحاكم، إذ أنه غالبا ما يبقى المتضرر في مفترق الطرق لا يعرف الجهة المختصة للبت في طلبه هل المجلس النيابي أم مجلس الوصاية أم المحاكم العادية أم المحاكم الإدارية المحدثة سنة 1992.
وأمام هذا الغموض الذي يسود مقتضيات الفصل الرابع من ظهير 27 أبريل 1919 تم إصدار منشور مشترك بين وزير الداخلية ووزير العدل بتاريخ 12 مارس 1962 يبين جهة الاختصاص للنظر في نزاعات الأملاك الجماعية.
وبالرغم من ذلك فلا زالت بعض النزاعات موضوع تداخل بين المجالس النيابية ومجلس الوصاية للبت في مسائل هي من اختصاص المجالس النيابية أو العكس، بل وتقوم السلطة المحلية في بعض الأحيان بالبت في بعض النزاعات رغم كونها لا حق لها في ذلك حيث ينحصر دورها في إجراء البحث وتقديم تقرير إلى الجماعة النيابية أو إلى مجلس الوصاية.
وقد سبق للمجلس الأعلى أن أصدر بعض القرارات في هذا السياق حيث جاء في إحداها ما يلي ([27]):
“حيث أنه ليس من اختصاص وزير الداخلية ولا السلطة المحلية البت في تلك النزعات بين من يدعي انتسابهم للجماعة المالكة للأرض ما دام المشرع قد أناط هذا الاختصاص بغيرها فإن المقرر المطعون فيه قد صدر عمن لا يملك حق إصداره وبالتالي قد لحقه عيب عدم الاختصاص “.
الفقرة السادسة:
استغلال الأراضي الجماعية
لقد وقع التساؤل عن إمكانية استمرار أو زوال الأراضي الجماعية.
ويمكن القول بأن مسألة زوالها يفترض إيجاد تنظيم بديل وذلك بقسمتها قسمة استغلال دائم، ولقد وقع التفكير منذ القديم في قسمة الاستغلال الدائم للأراضي الجماعية وصدر قرار بهذا الشأن يتضمن كثيرا من الجوانب الإيجابية، إلا أن هذا القرار لم يكتب له التطبيق. وأعتقد بأنه قد آن الأوان لتطبيقه بكيفية تدريجية وفقا لوضعية كل جماعة وطبيعة أراضيها وسيكون من المفيد توضيح جوانب هذا الاستغلال الدائم.
أولا: التقسيم بقصد الاستغلال الدائم
لقد صدر قرار وزيري في 5 رمضان 1364 الموافق ل 14 غشت 1945 يقضي بالتقسيم قصد الاستغلال الدائم للأراضي الجماعية.
وتطبيق هذا النوع من التقسيم سيلبي رغبة كثير من الجماعات للأسباب التالية:
- إن رغبة تملك الأرض قوية جدا في نفوس الفلاحين والتقسيم بقصد الاستغلال الدائم سيلبي هذه الرغبة، وسيقضي على الجمود الذي يسيطر على أفراد الجماعات الذين لا يريدون إصلاح أرض ليس لهم فيها سوى الانتفاع المؤقت؛
- إن هذا التقسيم سيخفف من النزاعات القائمة على الرغم من أنه سيتطلب مجهودا كبيرا من طرف سلطة الوصاية؛
- إن هذا التقسيم سيشجع الفلاحين على استثمار أراضيهم بطرق عصرية جد منتجة، وسيمكنهم من مباشرة أشغال استصلاح الأراضي وتجهيزها؛
- بما أن أفراد الجماعة ينحدرون من أصل واحد ويوجد بينهم تقارب فسيكون من السهل جمعهم في وداديات أو تعاونيات فلاحية، والاستفادة من تمويلات بنكية بشروط تفضيلية وخلق الشروط الملائمة لإنجاح هذه التعاونيات. وكما سبقت الإشارة فإن هذا التقسيم بقصد الاستغلال الدائم سيتطلب توفر مجموعة من المعطيات لتحقيق هذا الهدف من بينها:
- القيام بإحصاء لضبط أفراد الجماعات؛
- تهيئ دراسة لقيمة الأراضي الفلاحية؛
- تحديد الإمكانيات الفنية والحاجيات؛
- إعداد دفتر لشروط هذا الاستغلال؛
- إعداد برنامج للتقسيم حسب المناطق.
إن تطبيق فكرة الاستغلال الدائم وفقا لشروط مضبوطة سيكون ولا شك حافزا لسكان الجماعات السلالية لاستثمار الأراضي الجماعية بكيفية أكثر مردودية من قبل، والقيام بكل أنواع الاستثمارات الممكنة.
أما البقا ء في الوضعية الراهنة وترك الأمر على ما هو عليه، فسيزيد من تعقيد مشكل أراضي الجموع سواء على الصعيد الاجتماعي أو الاقتصادي، فعدد السكان يزداد في بعض الجماعات بكيفية تفوق المساحات الصالحة للزراعة بها.
كما أن الهجرة القروية أدت إلى نقل باب الاستغلال بين أرباب العائلات المنتمية لنفس السلالة إلى أشخاص أجانب عن القبيلة. وقد أدى هذا إلى خلق تفويتات مخالفة للنصوص القانونية المنظمة لأراضي الجموع يتم عن طريق رسوم عدلية بين ذوي الحقوق مما يترتب عنه تكديس الحصص بين فرد واحد من أبناء الجماعة، ليصل استغلاله للأرض الجماعية أحيانا إلى نسبة 80% من عقار جماعي واحد.
ثانيا: عوائق استغلال أراض الجموع
هناك جملة من العوائق التي تعرقل حسن استغلال الأراضي الجماعية ومردوديتها مما يتعين معه تدليل هذه العوائق وإيجاد الحلول الملائمة لها ومن بين هذه العوائق:
- عدم الاعتراف للمرأة بحقها في الاستغلال؛
- ضآلة مساحة البقع الموزعة على بعض أفراد الجماعة؛
- جمود استغلال بعض الأراضي الجماعية التي يدور حولها نزاع مع الجماعات المجاورة أو بين أفراد نفس الجماعة؛
- خضوع استغلال الأراضي الجماعية لأعراف وتقاليد تقلل من مردوديتها إضافة إلى ضآلة الإمكانيات المادية لأفراد الجماعة.
وتتعرض الأراضي الجماعية لعدد من المشاكل والنزاعات خاصة حول التوزيع وإعادة التوزيع والترامي وتحديد شروط الاستغلال وطرقه.
كما توجد بعض المدن التي اتسع مدارها الحضري في أراضي ترجع ملكيتها للجماعات السلالية وأدى ذلك إلى عرقلة تعمير بعض المدن والتأثير على تصميمها التوجيهي وتصاميمها التهييئية، بل منها ما أصبح محاطا بأحياء عشوائية مثقلة بمشاكل اجتماعية وصعوبات تعميريه.
وعملت سلطات الوصاية على وضع مخطط استراتيجي للنهوض بالجماعات السلالية حيث تم وضع مشاريع تنموية وبرامج لغرس الأشجار المثمرة.
وفي هذا الصدد تعمل سلطات الوصاية بتنسيق مع السلطات الإقليمية والمحلية ونواب الجماعات المالكة على عرض بعض الأراضي الجماعية للكراء لفائدة الأشخاص الذاتيين أو المعنويين وفق شروط ومعايير محددة، تهدف إلى تشجيع الاستثمار في الأراضي الجماعية وخلق فرص للشغل لأفراد القبيلة أو غيرهم مستندين في ذلك على مقتضيات ظهير 6 فبراير 1963 المغير والمكمل لظهير 27 أبريل 1919 والذي جاء في الفصل السادس منه على إمكانية كراء أراضي جماعية وإبرام عقود الاشتراك الفلاحي بين الجماعات المالكة والغير.
وللخروج من هذه الوضعية فإنه يتعين على الوزارة الوصية أن تفتح ملف الأراضي السلالية بكيفية جدية وعقلانية وتقوم بدراسة جميع الإشكاليات المطروحة سواء من الجانب التشريعي أو من الجانب الاجتماعي وتبعا لذلك تهيئ مشاريع قوانين ملائمة وفقا للأوضاع الحالية.
[26] قرار عدد 136 صادر بتاريخ 4 ماي 1979 في الملف الإداري عدد 451913.
[27] قرار المجلس الأعلى عدد 558 صادر بتاريخ 20 ماي 1966.



اترك رد