الجديد لنظام حمايتها
ذ. محمد باهي
مستشار بالمحكمة الإدارية بمراكش
يكتسي مفهوم المنشأة العمومية أهمية خاصة في الاجتهاد القضائي وفقه القانون الإداري، حيث تخضع لنظام متميز للمسؤولية عن الأضرار التي تتسبب فيها والذي هو نظام مسؤولية بدون خطأ. كما تستفيد المنشآت العمومية من قواعد حماية خاصة تتميز بها عن غيرها من العقارات المملوكة للأفراد ناتجة أساسا عن النصوص القانونية وعن القاعدة التي أقرها الاجتهاد القضائي والمسماة عدم المساس بالمنشأة العمومية.
فتماشيا مع ما هو معمول به في الاجتهاد القضائي المقارن، فلقد جرى الاجتهاد القضائي المغربي على تعويض الأفراد من الأضرار الناشئة عن المنشآت العمومية في إطار المسؤولية بدون خطأ، أو ما درج على تسميته بالمسؤولية على أساس المخاطر في ظل المادة 79من قانون الالتزامات والعقود التي تنظم المسؤولية الإدارية. وطبقا لمبدأ عدم المساس بالمنشأة العمومية، فإن القاضي الإداري المغربي لا يستجيب لطلب إعادة الحالة إلى ما كانت عليه، كما أنه لا يأمر – مبدئيا – بهدم أو إزالة أو إيقاف تسيير المنشأة العمومية المقامة بطريقة غير مشروعة على اعتبار أن هدم المنشأة العمومية أو إزالتها أو إيقاف تسييرها يمكن أن يضر بشكل كبير بالمنفعة العامة ويتسبب في هدر المال العام. ففي ظل هذا الواقع كان بإمكان الإدارة الاعتداء على الملكية الخاصة دون سلوك مسطرة نزع الملكية أو ما يطلق عليه نزع الملكية غير المباشر، حيث يكتفي القاضي في حالة النزاع بالحكم لفائدة المالك المتضرر بتعويض عن الحرمان النهائي من استغلال عقاره ونقل الملكية إلى الإدارة. لكن هذا المبدأ الذي تم تكريسه فقها وقضاء لأكثر من قرن ونصف من الزمن، بدأ يعرف بعض المرونة وإن كانت درجتها لا تصل إلى حد إعادة النظر في هذه النظرية أو التخلي عنها، فإنها على الأقل تمثل نوعا من التكييف الجديد للمبدأ من طرف الاجتهاد القضائي المقارن. ويتم هذا التكييف القضائي في حالات الاعتداء المادي على الملكية الخاصة والتي لا تحترم فيها الإدارة مسطرة نزع الملكية، حيث يرى أنصار هذا التوجه أنه بإمكان المحكمة أن تقضي برفع حالة الاعتداء المادي وإعادة الحقوق المادية للضحية. وهذا هو ما أكدته محكمة النقض الفرنسية ومجلس الدولة الفرنسي مع فارق بسيط بين موقفيهما، لكنهما يقران بأنه يتعين على القاضي أن يبحث أولا، عن إمكانية إيجاد تسوية مناسبة. كما أن الاجتهاد القضائي الإداري المغربي ولئن كان لا يستند في بعض أحكامه وقراراته بشكل واضح ومباشر ودقيق على النظرية كما بلورها وطورها فقه القانون الإداري والاجتهاد القضائي الفرنسي، فإن هذه الأحكام والقرارات تحمل في بعض حيثياتها إرهاصات لنظرية عدم المساس بالمنشأة العمومية ولو كانت مقامة بطريقة غير مشروعة وتعتبر من الناحية المبدئية تطبيقا لها كما كانت في النشأة وكما أصبحت في التطور مع بعض الاختلاف.
وتجدر الإشارة أن مصطلح المنشأة العمومية لازال محتشم المنطوق في العديد من القرارات والأحكام الصادرة عن المحاكم الإدارية فيما يتعلق بالتعويض عن الأضرار التي تتسبب فيها هذه المنشآت، ويختلط لدى بعض المهتمين بمصطلحات أخرى مثل الأشغال العمومية ([1]) أو المرفق العام ([2]) لكن وكما يبينه الفقه الإداري، فإن مفهوم المنشأة العمومية يختلف قانونيا عن مفهوم الأشغال العمومية وعن مفهوم المرفق العام بالرغم من وجود عناصر مشتركة بينهم، ويشكل درجة قانونية مستقلة.
ولكي تحظى المنشأة بصفة المنشأة العمومية، ينبغي توفر مجموعة من العناصر أهمها الطابع العقاري للمنشأة، والإعداد والتهيئة الخاصة التي تخضع لها المنشأة من طرف الإنسان، وتخصيص المنشأة لتحقيق المنفعة العامة. وتختلف الوضعية القانونية للمنشآت العمومية وتتنوع حسبما إذا كانت تابعة للشخص العام أو تابعة لشخص من أشخاص القانون الخاص. لأجل ذلك، سنحاول من خلال هذه الدراسة تحديد مفهوم المنشأة العمومية وتقريبه من المهتمين من خلال بيان عناصرها (المبحث الأول )، ثم إبراز وضعيتها القانونية والتطرق إلى الحماية التي تستفيد منها (المبحث الثاني )، مركزين على التكييف القضائي الجديد لمبدأ عدم المساس بالمنشأة العمومية.
المبحث الأول
مفهوم المنشأة العمومية
تعتبر المنشأة العمومية، في إطار التعريف التقليدي، عقارا يتم إعداده وتخصيصه لتحقيق المنفعة العامة. ولقد اختلط مفهوم المنشأة العمومية لمدة طويلة مع مفهوم الأشغال العمومية. فمصطلح الأشغال العمومية كان يفهم منه النشاط الذي يتضمن عملية البناء والصيانة وفي نفس الوقت نتائج هذه العملية
بمعنى العقار المترتب عن إنجاز الأشغال العمومية. لكن وكما يبينه الفقه الإداري، فإن مفهوم المنشأة العمومية يختلف قانونيا عن مفهوم الأشغال العمومية بالرغم من وجود عناصر مشتركة بينهما، كما أنه لا يوجد أي تطابق ضروري بين مفهوم المنشأة العمومية ومفهوم المرفق العام.
ولكي تحظى المنشأة بوصف المنشأة العمومية في القانون الإداري وفي نظر الاجتهاد القضائي، ينبغي لأن تتوفر على مجموعة من العناصر، كما يجب تمييزها عن مفهوم الأشغال العمومية وعن مفهوم المرفق العام.
المطلب الأول: عناصر المنشأة العمومية
إن إسباغ صفة المنشأة العمومية على المنشأة يقتضي توفرها على مجموعة من العناصر أهمها ما يلي ([3]):
– الطابع العقاري للمنشأة ،
– الإعداد والتهيئة الخاصة التي تخضع لها المنشأة من طرف الإنسان ،
– تخصيص المنشأة لتحقيق المنفعة العامة.
أ – الطابع العقاري للمنشأة
ولكي تحظى المنشأة بوصف المنشأة العمومية في القانون الإداري ([4]) وفي نظر الاجتهاد القضائي، ينبغي لأن تنصب هذه المنشأة على عقار بطبيعته أو عقار بالتخصيص كما حدده القانون الخاص ([5]). وقد تبنى المشرع المغربي في ظل الحماية الفرنسية نفس النظرية بمناسبة سنه للقانون العقاري، كما يتجلى ذلك من خلال مقتضيات الظهير الشريف المؤرخ في 2 يونيو 1915 المطبق على العقارات المحفظة كما تم تعديله وتتميمه، الذي نص في الفصل الخامس منه على أن ” الأموال عقارات بطبيعتها أو بالتخصيص ” وأكد في الفصل التاسع على أن ” الملكية العقارية هي حق التمتع والتصرف في عقار بطبيعته أو بالتخصيص ” ([6]).
- المنشآت المتعلقة بعقارات بطبيعتها: يعتبر العقار بطبيعته في حكم الفصل السادس من الظهير المؤرخ في 2 يونيو 1915 المطبق على العقارات المحفظة كما تم تعديله وتتميمه : “الأراضي والبنايات وكذا الشأن في الآلات والمنشآت المثبتة والمرساة ببناء أو أعمدة والمدمجة في بناية أو في الأرض “. وتعتبر كذلك في حكم نفس الفصل عقارات بطبيعتها ” المحصولات الفلاحية الثابتة بجذورها وتمار الأشجار التي لم تجن والغابات التي لم تقطع أشجارها” ([7]).
- المنشآت المتعلقة بعقارات بالتخصيص : تسند صفة المنشآت العمومية إلى الأدوات المرتبطة فرعيا بالعقار بطبيعته عندما توجد علاقة بالتخصيص ما بين العقار بطبيعته والأدوات المرتبطة به. فتطبيقا للفصل السابع من الظهير المؤرخ في 2 يونيو 1915 المطبق على العقارات المحفظة كما تم تعديله وتتميمه : ” تعتبر عقارات بالتخصيص الأشياء التي جعلها المالك بأرضه لمصلحة هذه الأرض واستغلالها. وكذا الشأن في جميع الأشياء المنقولة الملحقة بالملك بصفة دائمة “.
وعلى ضوء الاجتهاد القضائي تعتبر المنشأة العمومية عقارا، ولا يهم في ذلك الطابع المؤقت أو النهائي للبناء. لكن يجب الإشارة إلى أن هناك نقطة هامة وهي أنه في غياب اندماج المنشأة بالأرض لا يمكن وصف العقار بالمنشأة العمومية. كما أنه لا يؤخذ بعين الاعتبار أهمية المنشأة.
وقد أدت أيضا نظرية المجمع التقني ([8])، وهي مجموعة الإنشاءات المتكونة من المباني والتجهيزات التي توجد فيما بينها رابطة وظيفية، إلى توسيع مفهوم المنشأة العمومية لتطبيقه على التجهيزات القارة والمتحركة بالمنشآت وبالأنهار وبالموانئ وبالمطارات..
ب – إعداد وتهيئة المنشاة
لكي تحظى المنشأة بصفة المنشأة العمومية، فإن الأمر يستدعي خضوعها لبعض أعمال التهيئة. وفي هذا الإطار، فإن العقارات التي يمكن أن تحتفظ بصبغة المنشأة العمومية هي العقارات فقط التي تكون موضوع إعداد وتهيئة لتمييزها عن الملك الطبيعي، وليس ضروريا في ذلك أن تكون هذه التهيئة ذات أهمية كبرى ([9]).
فالملك العام الطبيعي هو ذلك الملك الذي يكون مخصصا بطبيعته للمنفعة العامة دون تدخل من الإنسان مثل شواطىء البحر ومجاري الأنهار. فالطبيعة هي التي هيأت ذلك النوع من الأملاك لكي يكون محققا للنفع العام دون أن يكون للإنسان يد في ذلك. وهو بذلك لا يكتسي صبغة المنشأة العامة.
أما المنشأة العمومية فهي ذلك النوع من العقارات التي لا تعتبر منشآت عمومية إلا إذا هيأها الإنسان وخصصها بيده لتحقيق المنفعة العامة كما هو الشأن في الجسور والقناطر، والسكك الحديدية ومستودعات جمع النفايات المهيأة لهذه الغاية، والمرابد العمومية، وساحات وقوف السيارات، والسدود التلية، إلى غير ذلك من المنشآت التي تتدخل السلطات العمومية لتهيئتها لتصبح بالتالي منشآت عمومية.
جـ– تخصيص المنشأة لتحقيق المنفعة العامة
يعتبر تخصيص المنشأة العمومية العنصر الأهم في تعريف المنشأة العمومية. هذا وينبغي التمييز ما بين العقارات التابعة للأشخاص العامة والعقارات التابعة لأشخاص القانون الخاص. هذا ويكون تخصيص العقارات المملوكة للإدارة، موضوع الإعداد الخاص والتهيئة الخاصة، للمنفعة العامة بطريق الواقع الفعلي، وقد يكون هذا التخصيص بطريق رسمي أي بعمل قانوني، وقد يكون التخصيص بشكل ضمني. وإذا كانت القاعدة في القانون المغربي تقضي بأن يكون التخصيص شكليا بصدور قرار صريح من جانب السلطات المختصة بذلك، فإنه ترك للقاضي وفقا لكل حالة أن يحدد ما يعتبر من الأملاك العقارية المهيأة للمنفعة العامة. أما تخصيص العقارات التابعة لأشخاص القانون الخاص لتحقيق المنفعة العامة، فيتم في الحالات التي يساهم فيها الخواص بواسطة العقارات التابعة لهم في ممارسة بعض مهام الأشخاص العامة، وذلك بعد الحصول على موافقة شكلية أو ضمنية من الإدارة. ويتحقق ذلك في فرضيتين : تتعلق الفرضية الأولى بنظرية الامتياز وتتعلق الفرضية الثانية بحالة التبعية التي يمثلها العقار لمنشأة عمومية تابعة للإدارة. ([10])
المطلب الثاني: الاختلاف المتبادل ما بين مفهوم المنشأة العمومية وبين مفهومي الأشغال العمومية والمرفق العام
أ – المنشأة العمومية والأشغال العمومية يقصد القانون الإداري بفكرة الأشغال العمومية كل إعداد مادي لعقار يستهدف تحقيق منفعة عامة، يتم لحساب شخص من أشخاص القانون العام ([11]) ، أو يتم لحساب شخص خاص من طرف شخص عام في إطار مهمة مرفق عام ([12]). ولقد اختلط مفهوم المنشأة العمومية لمدة طويلة مع مفهوم الأشغال العمومية. فمصطلح الأشغال العمومية كان يفهم منه النشاط الذي يتضمن عملية البناء والصيانة وفي نفس الوقت نتائج هذه العملية بمعنى العقار المترتب عن إنجاز الأشغال العمومية.
ولقد تعرض المشرع المغربي لمفهوم الأشغال العمومية بمناسبة تطرقه لتعريف صفقات الأشغال المنجزة لحساب الدولة على أنها ” أشغال مرتبطة بالبناء أو إعادة البناء أو هدم أو ترميم أو تجديد بناية أو منشأة أو بنية مثل تحضير الورش، أو أشغال التتريب أو التشييد أو البناء أو وضع تجهيزات أو معدات أو أشغال الزخرفة أو التشطيب وكذا الخدمات الثانوية المرتبطة بالأشغال مثل إنجاز الأثقاب أو وضع المعالم الطبوغرافية أو أخذ الصور والأفلام أو الدراسات الزلزالية والخدمات المماثلة المقدمة في إطار الصفقة إذا كانت قيمة هذه الخدمات لا تتجاوز قيمة الأشغال نفسها” ([13]). وهو تعريف يتطابق كثيرا مع التعريف الذي يعطيه الفقه والاجتهاد القضائي للأشغال العمومية.
لكن وكما يبينه الفقه الإداري، فإن مفهوم المنشأة العمومية يختلف قانونيا عن مفهوم الأشغال العمومية بالرغم من وجود عناصر مشتركة بينهما. فإذا كان يبدو أن المنشأة العمومية هي نتيجة للأشغال العمومية فإن هذه الفرضية غير صحيحة في كافة الأحوال. وتتجلى استقلالية المنشأة العمومية عن الأشغال العمومية على ثلاثة مستويات: ([14])
1. إن الأشغال العمومية لا تعطي بالضرورة النشأة للمنشأة العمومية. ويتمثل ذلك من جهة في بعض الأشغال التي لا تؤدي إلى منشأة عمومية أو منشأة خاصة، وهي حالة الأشغال السابقة للبناء أو إعادة البناء مثل أشغال الهدم والتثريب وأشغال صيانة البنايات الموجودة. ومن جهة ثانية، فإن الأشغال العمومية يمكن أن ينتج عنها منشآت خاصة وهي حالة الأشغال التي تقوم بها بعض المؤسسات العمومية في بناء شقق لفائدة الجمهور في إطار السكن الاجتماعي والتي تعد منشآت خاصة ([15]).
2. يمكن للمنشأة العمومية أن تترتب عن أشغال خاصة ويتمثل ذلك من جهة في البنايات المنجزة من طرف الخواص والتي يتم اقتناؤها من طرف السلطات العمومية لتخصصها للمنفعة العامة، وبالنسبة للارتفاقات المنجزة من طرف المجزئين فوق الأراضي الخاصة ليتم إلحاقها بالأملاك العامة للجماعة بعد التسلم النهائي للتجزئة. ومن جهة ثانية، فإن بعض الأشغال الخاصة يمكنها أن تؤدي إلى إحداث المنشآت العمومية.
3. إن الأشغال المنجزة بالمنشأة العمومية ليست إلزاما أشغال عمومية، وتهم هذه الفرضية خاصة أشغال الإصلاح أو الصيانة التي يمكن أن يقوم بها الخواص بالطرق العامة من أجل غاية ذات طابع خاص، مثل الأشغال المنجزة بالطرق العامة لأجل وضع أو إصلاح الربط الخاص بشبكة توزيع الماء الصالح للشرب، وشبكة التطهير التي تعتبر أشغالا خاصة رغم إنجازها بالطرق العامة، وترتبط بإعادة الحالة إلى ما كانت عليه.
ب – المنشأة العمومية والمرفق العام
في إطار التعريف التقليدي للمنشأة العمومية كعقار يتم إعداده وتخصيصه لتحقيق المنفعة العامة، فإنه لا يوجد أي تطابق ضروري بين مفهوم المنشأة العمومية ومفهوم المرفق العام.
ويمكن رصد الاختلاف بين المرفق العام والمنشأة العمومية على مستوى المفهوم، وعلى مستوى النظام القانوني والمبادئ الأساسية اللذان يحكمان تنظيمهما وسيرهما، وعلى مستوى نظام المسؤولية المطبق بالنسبة لتعويض الأضرار التي يتسببان فيها.
فعلى مستوى المفهوم تجدر الإشارة إلى أن نشاط الإدارة قد يتخذ عدة حالات من بينها صورة تدخل الإدارة نفسها لإشباع حاجة من الحاجات العامة، وذلك إذا قدرت أن الأفراد لا يستطيعون بوسائلهم الخاصة إشباعها، ويأخذ نشاط الإدارة في هذه الحالة في الغالب صورة المرفق العام.
ويستعمل اصطلاح المرفق العام للدلالة على معنيين : أحدهما عضوي والآخر مادي. فالمعنى العضوي يطلق على الهيئة العامة التي تمارس النشاط ذا النفع العام، ومن أمثلة ذلك الجامعات والمستشفيات والوزارات بمختلف أنواعها بصفة عامة كهيئات وليس كمنشآت أو عقارات. أما المعنى المادي فيطلق على النشاط أو العمل الذي يمارسه المرفق تحقيقا للمصلحة العامة، ومن أمثلة المرافق المادية حماية الصحة وصيانة الأمن وتحقيق العدالة، الخ. بل وكافة الخدمات التي تقدمها الحكومة للجمهور. ومن الفقهاء من اعتمد على معنى واحدا ومنهم من اعتمد المعنيين معا، وذلك باعتبار المرفق العام منظمة تعمل بانتظام واطراد تحت إشراف الأشخاص العامة والهيئات المنضوية فيها بقصد أداء خدمة عامة للجمهور مع خضوعها لنظام قانوني معين.
ويتوفر المرفق العام على مجموعة من وسائل العمل أو الامتيازات للقيام بمهمته والتي نذكر من بينها استعماله أحيانا المنشآت العمومية لسيره. وعلى هذا الأساس تدخل غالبا المنشآت العمومية – سواء منها تلك المخصصة مباشرة لمرفق عام أو تلك المخصصة للاستعمال المباشر للعموم – ضمن وسائل عمل المرافق العامة ولا يمكن اعتبارها بأي حال من الأحوال مرافق عامة.
كما أن فكرة ربط مفهوم المنشأة العمومية بمفهوم المرفق العام تبدو ضيقة في كثير من الأحيان، نظرا لاتساع فكرة المصلحة أو المنفعة العامة والتي تتجاوز في كثير من الأحيان نظرية المرفق العام ([16]). فربط مفهوم المنشأة العمومية بمفهوم المرفق العام، يمكن أن يترتب عنه استبعاد كثير من المنشآت من عداد المنشآت العمومية وخاصة في الحالات التي لا ترى فيها السلطات العامة المختصة ضرورة إنشاء مرافق عامة.
ولا يوجد كذلك أي تطابق بين المفهومين على مستوى النظام القانوني والمبادئ الأساسية التي تحكم تنظيم وسير كل من المرفق العام والمنشأة العمومية. فالمرافق العامة تخضع لعدد من المبادئ اللازمة لتحقيق مهمتها على أفضل حال، من أهمها مبدأ دوام سير المرفق العام بانتظام واطراد، ومبدأ مساواة المنتفعين في الاستفادة من الخدمات التي يؤديها المرفق، ومبدأ قابلية المرفق العام للتغيير والتبديل والتكييف طبقا لتغير الظروف الاجتماعية والاقتصادية، ومبدأ الشفافية، الخ. بينما لا تنطبق هذه القواعد على المنشآت العمومية، بل تحكمها مبادئ من نوع آخر والتي تتجلى في الحماية المدنية، وفي الحماية الجنائية، وفي الإرتفاقات القانونية، وفي قاعدة عدم المساس بوجود المنشأة العمومية، وعدم قابلية الحجز على المنشأة العمومية كأموال للأشخاص العامة.
ويمكن كذلك رصد الاختلاف بين المرفق العام والمنشأة العمومية على مستوى نظام المسؤولية المطبق بالنسبة لتعويض الأضرار التي يتسببان فيها. فإذا كان الضحية المستفيد من المرفق العام يخضع عموما لنظام المسؤولية المبنية على خطأ واجب الإثبات للاستفادة من التعويض (في إطار عيب تنظيم وتسيير المرفق العام )، فإن المضرور المستفيد من المنشأة العمومية يخضع لنظام المسؤولية المبني على خطأ مفترض يعفى فيه الضحية من إثبات خطأ صاحب المشروع للاستفادة من التعويض (في إطار عيب الصيانة العادية للمنشأة العمومية )، ويخضع غير المستفيد من المنشأة العمومية من نظام المسؤولية بدون خطأ. هذا فضلا عن الاختلافات الأخرى والتي يمكن الوقوف عليها في إطار المسؤولية عن الأضرار التي تتسبب فيها المنشآت العمومية.
ويمكن أن ندرج كذلك في هذا الإطار رصد الاختلاف على مستوى الوضعية التي يمكن أن يتواجد فيها الضحية، حيث لا نجد في بعض الأحيان أي تطابق بين صفة الضحية اتجاه المرفق العام وصفة الضحية إزاء المنشأة العمومية. ومن أمثلة ذلك أن يكون الشخص مستفيدا من المنشأة العمومية ولا يكون مستفيدا من المرفق العام، أو أن يكون مستفيدا من المرفق العام لكنه يعتبر غير مستفيد من المنشأة العمومية الموضوعة رهن إشارة المرفق العام. كما هو الشأن بالنسبة للضحية الذي يستعمل المنشأة العمومية المتمثلة في استعمال ممر محروس لقطع السكة الحديدية من ضفة إلى أخرى، ولا يكون مستفيدا من مرفق النقل عبر السكك الحديدية الذي يمثله المكتب الوطني للسكك الحديدية. أو أن يكون الضحية مستفيدا من المرفق العام المتمثل في جمع النفايات المنزلية لكنه يعتبر غير مستفيد من المنشأة العمومية الموضوعة رهن إشارة المرفق العام والمتمثلة في مطرح النفايات المهيأ لهذه الغاية، أو كان يكون الضحية متفرجا بالرصيف التابع لمرفق النقل عبر السكك الحديدية فيتعرض لحادثة فيعد مستفيدا من المنشأة العمومية لكنه لا يعد مستفيدا من المرفق العام للنقل عبر السكك الحديدية. وذلك ما أكده مجلس الدولة الفرنسي في القرار رقم 66729 بتاريخ 24 نونبر 1967 بمناسبة النظر في قضية تعويض الضحية عن الأضرار التي لحقت بها، بمناسبة حضورها كمتفرجة لتظاهرة إحياء الذكرى المئوية لإنشاء إحدى خطوط السكة الحديدية، من جراء انهيار إحدى المنشآت المخصصة لحماية الأشخاص المتواجدين بالرصيف. ومما جاء في هذا القرار:” وحيث يتبين من مناقشة القضية أن المنشآت المخصصة لحماية الأشخاص المتواجدين بالرصيف من الحر والأمطار تعتبر إحدى توابع الرصيف ولا يمكن فصلها عن المجموعة التي يشكلها الرصيف، وأنه عندما أصيبت الآنسة (…) فإنها كانت تتواجد بالرصيف بصفتها مستفيدة من هذه المنشأة العمومية بدون أن تكون مستفيدة من مرفق النقل عبر السكة الحديدية “.
المبحث الثانى
الوضعية القانونية للمنشآت العمومية ونظام حمايتها
المطلب الأول : الوضعية القانونية للمنشآت العمومية
تتنوع المنشآت العمومية حسبما إذا كانت تابعة للشخص العام أو تابعة لشخص من أشخاص القانون الخاص.
أ – المنشآت العمومية التابعة للشخص العام
تنتمي المنشآت العمومية التابعة لأشخاص القانون العام إلى الملك العام أو إلى الملك الخاص للدولة والجماعات المحلية وسائر الأشخاص الاعتبارية العامة.
فالمنشآت العمومية التي تدخل في عداد الملك العمومي العقاري والتي خضعت لتهيئة خاصة تشكل في نفس الوقت ملحقات بالملك العام للدولة أو للجماعات المحلية. وتخصص هذه المنشآت إما لمرفق عام : حيث تعتبر منشآت عمومية البنايات المهيأة خصيصا لاستعمالها من طرف المرافق العمومية مثل الموانئ والمطارات وملحقاتها ومنشآت توزيع الماء والكهرباء والسكك الحديدية والتجهيزات المخصصة لها..، أو تخصيص المنشأة للنفع العام : ويدخل في إطار هذه المنشآت العمومية مجموع الطرق البرية التابعة لأشخاص القانون العام والمخصصة للسير والتجهيزات الجماعية وتوابعها…
ويعترف أيضا بطبيعة المنشآت العمومية للأملاك العقارية التابعة للملك الخاص للدولة والجماعات المحلية والمخصصة بدورها إما لخدمة المرفق العام أو للاستعمال العام من طرف الجمهور. وتشمل هذه المنشآت جميع المنشآت العمومية التي تملكها الدولة أو الجماعات المحلية أو باقي الأشخاص المعنوية العامة ولم تكن قد خصصت بأملاكها العمومية.
لما كان معيار المنشأة العمومية في المغرب هو كما قدمنا التخصيص للمنفعة العامة، فكل ما كان مخصصا من مباني الحكومة لهذه المنفعة رسميا أو ضمنيا يكون منشأة عمومية. ومن ثم يدخل ضمن المنشآت العمومية ما كان معدا لاستعمال الجمهور متى كان مخصصا لمنفعة عامة ومن ذلك : بنايات المتاحف والمكتبات العامة، والأسواق العامة، والحدائق العامة والغابات والمنتزهات المهيأة والمخصصة للمنفعة العامة، والساحات العامة، ويدخل أيضا ضمن المنشآت العمومية ما كان لازما لسير المرافق العامة متى كان مخصصا لمنفعة عامة ومن ذلك بنايات المدارس والمراكز والمعاهد والجامعات والمستشفيات والمحاكم والسجون، والمقرات والبنايات الإدارية، والمنشآت العسكرية…
ومن أمثلة المنشآت العمومية المملوكة للدولة والتي خصصت صريحا بأملاكها العمومية ([17]) ، المراسي والموانئ وملحقاتها، المنارات والفنارات والعلامات التي توضع للإنذار بالخطر وكافة الأعمال المعدة للإضاءة والإنذار بالمخاطر في الشوارع وملحقاتها، ومجاري المياه والينابيع المهيأة والآبار، الحواجز والسدود والقنوات وأشغال وقاية الأراضي من طغيان الماء أو لحاجات المدن أو لاستخدام قوة الماء. الطرق والسبل والسكك الحديدية، الكهرباء والجسور والأسلاك التلغرافية والتلفونية والأبنية الحديدية المعدة للتلغراف اللاسلكي، الاستحكامات والتحصينات المتعلقة بالمواقع الحربية والمراكز العسكرية وتوابعها…
ويدخل أيضا في إطار المنشآت العمومية التابعة للملك العام، التجهيزات العمومية المحلية ([18]) كالطرق والأزقة، وتجهيزات التزود بالماء الصالح للشرب وتوزيعه، وتجهيزات توزيع الطاقة الكهربائية، وتجهيزات التطهير السائل، والمطارح العمومية للفضلات المنزلية والنفايات المشابهة لها، وتجهيزات الإنارة العمومية، والتجهيزات ذات الطبيعة الصناعية والتجارية كأسواق البيع بالجملة والأسواق الجماعية والمجازر وأماكن بيع الحبوب والسمك، والمحطات الطرقية، ومحطات الاستراحة والمخيمات ومراكز الاصطياف، والمعارض، والتجهيزات والمنشآت المائية المخصصة للتحكم في مياه الأمطار والوقاية من الفيضانات، وتهيئة الشواطئ والممرات الساحلية والبحيرات وضفاف الأنهار الموجودة داخل الجماعة، والتجهيزات الاجتماعية والثقافية والرياضية مثل المراكز الاجتماعية للإيواء ودور الشباب والمراكز النسوية ودور العمل الخيري ومأوى العجزة وقاعات الأفراح والمنتزهات ومراكز الترفيه، والمركبات الثقافية والمكتبات الجماعية والمتاحف والمسارح والمعاهد الفنية والموسيقية، وحضانة ورياض الأطفال، والمركبات الرياضية والميادين والملاعب الرياضية والقاعات المغطاة والمعاهد الرياضية وملاعب سباق الدراجات والخيل، والتشجير، والمنشآت والتجهيزات المائية الصغيرة والمتوسطة، والمآثر التاريخية، وجميع البنيات التحتية والتجهيزات ذات الفائدة الجماعية، والبنايات الإدارية، الخ.
ب – المنشآت العمومية التابعة لأشخاص القانون الخاص
إذا كانت المنشآت العمومية تعتبر أو ينبغي أن تصبح ملكا لشخص من أشخاص القانون العام، فإن أشخاص القانون الخاص يمكنها كذلك أن (تملك) منشآت عمومية. ويطبق هذا الحل على بعض البنايات الخاصة التي تستجيب للنفع العام، ويتوفر هذا الشرط في الحالات التالية:
- حالة تطبيق نظرية التبعية
في بعض الحالات، فإن صفة المنشأة العمومية تعطى إلى العقار التابع للشخص الخاص الذي يلتصق بالمنشأة العمومية التابعة للشخص العام. وتهم هذه الوضعية بالخصوص بعض المنشآت المنجزة من طرف الخواص تحت أو فوق الطرق العامة ([19]).
ويمكن في هذه الحالة الحديث عن القنوات وقرقرات الماء المحدثة فوق الرصيف من أجل تصريف مياه الأمطار أو المياه الغير مستعملة الآتية من البنايات. فإن هذه المنشآت المعدة من طرف الملاكين المجاورين والتي تبقى تابعة لهم، تعتبر منشآت عمومية فيما يتعلق بالأضرار المترتبة عنها. ونفس الأمر بالنسبة للحواجز المشبكة المدمجة بالرصيف والمخصصة لضمان تهوية وإضاءة الطوابق الباطنية للأملاك المجاورة للطرق العامة.
كما يمكن في هذه الحالة الإشارة أيضا إلى الربط الخاص الذي يربط التجهيزات الداخلية للمشتركين بالشبكة الرئيسية لتوزيع الماء والكهرباء، ويكون الأمر كذلك حتى في حالة امتلاك المشتركين لهذه الروابط، وحتى في جزء هذه الروابط المتواجد داخل الملكية الخاصة. فالاجتهاد القضائي يعتبر أن أشغال تنفيذ الربط الخاص تمثل طابع التبعية بالنسبة لشبكة تزويد الماء والكهرباء التي تعتبر الموضوع الرئيسي.
- حالة المنشآت التابعة للأشخاص الخاصة والمخصصة للنفع العام
ويدخل ضمن هذه الحالة من جهة المنشآت المخصصة لمرفق عام يدار عن طريق الامتياز. فطابع المنشأة العمومية يمنح كذلك للأملاك التابعة للملتزم والمخصصة من طرفه لتنفيذ المرفق العمومي. ومن جهة ثانية المنشآت المخصصة للاستعمال المباشر للجمهور ([20]). فالطرق الخاصة المفتوحة للسير العام يمكن ترتيبها ضمن المنشآت العمومية عندما يقوم الشخص العام بصيانتها وتوفير الإنارة العمومية لها، وكذلك الشأن بالنسبة للمساحات التي تعمل الأشخاص العامة على تهيئتها من أجل استعمالها لوقوف السيارات مثلا، كما جرى على التأصيل له مجلس الدولة الفرنسي من خلال اجتهاد قضائي متواتر.
هذا وتجدر الإشارة إلى أن إدارة الدولة أو الجماعات المحلية أو المؤسسات العمومية تقوم من حين لآخر بكراء بنايات من أجل استعمالها لأغراض إدارية بشكل دائم، فهل ينطبق عليها مفهوم المنشآت العمومية؟ بالرجوع إلى العناصر المكونة للمنشأة العمومية، فإنها لا تنص على ملكية المنشأة للشخص العام، وبالتالي فإنه لا يوجد ما يمنع هذه البنايات التي تؤجرها الدولة أو الجماعات المحلية أو المؤسسات العمومية وتعدها وتخصصها للمنفعة العامة، من أن تدخل في عداد المنشآت العمومية.
المطلب الثاني: نظام حماية المنشآت العمومية
تنفرد المنشآت العمومية المملوكة للدولة أو للجماعات المحلية أو لغيرها من الأشخاص الاعتبارية العامة بقواعد حماية خاصة تتميز بها عن غيرها من العقارات المملوكة للأفراد. هذا وينتج نظام حماية المنشآت العمومية أساسا عن النصوص القانونية وعن القاعدة التي أقرها الاجتهاد القضائي المسماة عدم المساس بالمنشأة العمومية.
أ – الحماية القانونية للمنشآت العامة
قبل الحديث عن الحماية القانونية للمنشآت العمومية، فلابد من الإشارة إلى أنه بمجرد ما تدخل المنشأة العمومية في الملك العمومي للدولة أو للجماعات المحلية، فإنها تخضع للحماية المدنية التي يستفيد منها الملك العمومي، ومفادها أنه لا يجوز التصرف فيها من جانب الشخص العام المالك، وهي من ناحية ثانية لا يجوز الحجز عليها من قبل دائني الشخص العام ([21])، وهي من ناحية ثالثة وأخيرة لا يجوز اكتسابها بمضي المدة المكسبة للملكية أي بالتقادم. لكن هذه الحماية تتقلص إذا تعلق الأمر بالملك الخاص للدولة والجماعات المحلية، وتبقى نسبية إذ يمكن تفويتها أو معاوضتها بترخيص من الوزير الأول كما أن بعض الاجتهاد القضائي قد أجاز إمكانية الحجز على أموال الأشخاص العامة ([22]) وفي الحدود التي لا تمنع من سير المرفق ذاته والاستمرار في أداء خدماته للجمهور.
هذا وتخضع المنشآت العمومية إلى حماية جنائية، وتستفيد من نظام ارتفاقات خاص بها، كما أحاطها قانون التعمير بامتيازات تتجلى في توقيف البناء مؤقتا فوق الأراضي المخصصة لإنجاز المنشآت العمومية طبقا لتصميم التهيئة، وتظهر كذلك في إلزام صاحب التجزئة بإقامة بعض المنشآت العمومية مقابل الإذن له في إحداث التجزئة.
- الحماية الجنائية للمنشآت العمومية
ففضلا عن المخالفات المتعلقة بالمحافظة على الطرق، تتحقق الحماية الجنائية للمنشآت العمومية من خلال مجموعتين من الإجراءات : تتعلق المجموعة الأولى بإجراءات عامة يمكن تطبيقها على جميع المنشآت العمومية، وتتعلق المجموعة الثانية بالإجراءات الخاصة ببعض المنشآت.
فالإجراءات الجنائية المطبقة على مجموع المنشآت العمومية تتمثل من جهة في الفصل 308 من القانون الجنائي ([23]) الذي تنص مقتضياته على معاقبة المقاومة لتنفيذ الأشغال العمومية، ومن جهة ثانية في الفصول من 586 إلى 591 من نفس القانون التي تنص مقتضياتها على معاقبة تخريب وتعييب وإتلاف المنشآت العمومية.
فطبقا لمقتضيات الفصل 308 من القانون الجنائي “كل من قاوم تنفيذ أشغال أمرت بها السلطة العامة أو صرحت بها يعاقب بالحبس من شهرين إلى سنة وبغرامة لا تقل عن مائة وعشرين درهما ولا تتجاوز ربع مبلغ التعويضات.
أما الأشخاص الذين يعترضون على تنفيذ هذه الأشغال بواسطة التجمهر أو التهديد أو العنف فإنهم يعاقبون بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين وبالغرامة المشار إليها في الفقرة السابقة “.
وطبقا لمقتضيات الفصل 586 من القانون الجنائي دامن خرب عمدا، بواسطة مفرقعات أو أية مادة متفجرة، مسالك عامة أو خاصة أو حواجز أو سدودا أو طرقا أو قناطر أو منشآت مينائية أو منشآت صناعية، يعاقب بالسجن من عشرين إلى ثلاثين سنة، ويعاقب على المحاولة كالجريمة التامة “.
وطبقا لمقتضيات الفصل 690 من نفس القانون ” من خرب أو هدم عمدا بأية وسيلة كانت، كلا أو بعضا من مبان أو قناطر، أو حواجز أو سدود أو طرق أو منشآت الموانئ أو منشآت صناعية بعلم أنها مملوكة لغيره. .. يعاقب بالسجن من خمس سنوات إلى عشر”.
” وإذا نتج عن الجريمة المشار إليها في الفقرة السابقة قتل إنسان أو جروحا وعاهة مستديمة للغير، فإن الجاني يعاقب بالإعدام في حالة القتل وبالسجن من عشر إلى عشرين سنة في الحالات الأخرى “.
وطبقا لمقتضيات الفصل 691 من نفس القانون ” من وضع في ممر أو طريق عام شيئا يعوق مرورا لناقلات أو استعمل أية وسيلة كانت لعرقلة سيرها وكان غرضه من ذلك التسبب في حادث أو تعطيل المرور أو مضايقته، فإنه يعاقب بالسجن من خمس سنوات إلى عشر”.
” وإذا نتج عن الجريمة المشار إليها في الفقرة السابقة قتل إنسان أو جروحا وعاهة مستديمة للغير، فإن الجاني يعاقب بالإعدام في حالة القتل وبالسجن من عشر إلى عشرين سنة في الحالات الأخرى “.
أما الإجراءات الجنائية الخاصة فتتضمنها النصوص الخاصة المنظمة لبعض الأملاك مثل الظهير الشريف المؤرخ في 19 يناير 1953 حول شرطة السير والجولان والمحافظة على الطرق العامة ومثل الظهير الشريف عدد 154-95-1 بتاريخ 16 غشت الصادر بتنفيذه القانون رقم 95-10 المتعلق بالماء، ومثل الظهير الشريف المؤرخ في 28 أبريل 1961 المتعلق بشرطة الموانئ، ومثل الظهير الشريف رقم 1-80-341 بتاريخ 25 دجنبر 1980 الصادر بتنفيذ القانون 22-8حول الحفاظ على المواقع والمآثر التاريخية والنصوص المنظمة لشرطة السكك الحديدية وشرطة الماء وإنتاج وتوزيع الكهرباء…
- ارتفاقات المنشآت العمومية
وحول الارتفاقات الإدارية للمنشآت العمومية نذكر على سبيل المثال لا الحصر الفصل الثالث من الظهير الشريف المؤرخ في 1 يوليوز 1914 بشأن الأملاك العمومية الذي ينص على أنه : ” يجب على من له ملك خاص أن يتحمل الواجبات المتعلقة بالمرور وبالجولات في ملكه ويجعل جميع أنواع الآلات اللازمة لإحداث الأسلاك التلغرافية والتلفونية والأبنية الحديدية المعدة للتلغراف اللاسلكي ولمواصلات القوة الكهربائية الداخلة في عداد الأملاك العمومية ولصيانة جميع ما ذكر وللاستغلال به ” الظهير الشريف المؤرخ في 1977/9/19 المتمم لظهير 5 غشت 1963 المتعلق بالمكتب الوطني للكهرباء، والظهير الشريف عدد 1-95-154 بتاريخ 16 غشت الصادر بتنفيذه الفانون رقم 95-10 المتعلق بالماء، والظهير الشريف المؤرخ في 1961/7/12 حول المطارات، والظهير الشريف المؤرخ في 1934/8/7 حول المنشآت العسكرية، والنصوص المنظمة للتعمير وللسكك الحديدية والبريد والمواصلات السلكية واللاسلكية والغابات. ..
- توقيف البناء مؤقتا فوق الأراضي المخصصة لانجاز المنشآت العمومية طبقا لتصميم التهيئة
لقد أحاط المشرع المنشآت العمومية بضمانات خاصة، حتى في مرحلة ما قبل إنشائها، وذلك بمنع البناء مؤقتا فوق الأراضي المخصصة لإنجازها طبقا لتصميم التهيئة المصادق عليه من طرف السلطات المختصة.
فلقد نصت المادة 19 من قانون التعمير ([24]) على أن تصميم التهيئة يهدف إلى تحديد حدود الطرق (المسالك والساحات ومواقف السيارات ) الواجب الحفاظ عليها أو تغييرها أو إحداثها، وحدود المساحات الخضراء العامة (الأماكن المشجرة والحدائق والبساتين ) وميادين الألعاب والمساحات المباحة المختلفة كالمساحات المخصصة للتظاهرات الثقافية والفلكلورية الواجب الحفاظ عليها أو تغييرها أو إحداثها، وحدود المساحات المخصصة للنشاطات الرياضية الواجب إحداثها وفق أحكام المادة 61 من القانون رقم 6.87 المتعلق بالتربية البدنية والرياضة، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.88.172 بتاريخ 13 من شوال 1409 19) مايو1989) وحدود المساحات المخصصة للنشاطات الرياضية الواجب الحفاظ عليها أو تغييرها. كما يهدف إلى تحديد المواقع المخصصة للتجهيزات العامة كتجهيزات السكك الحديدية وتوابعها والتجهيزات الصحية والثقافية والتعليمية والمباني الإدارية والمساجد والمقابر..
ويعتبر في حكم المادة 28من نفس القانون النص القاضي بالموافقة على تصميم التهيئة بمثابة إعلان بأن المنفعة العامة تستوجب القيام بالعمليات اللازمة لإنجاز التجهيزات المنصوص عليها أعلاه. وتنتهي الآثار المترتبة على إعلان المنفعة العامة عند انقضاء أجل 10 سنوات يبتدئ من تاريخ نشر النص القاضي بالموافقة على تصميم التهيئة في الجريدة الرسمية، ولا يجوز القيام بالإعلان عن المنفعة العامة للغرض نفسه، فيما يتعلق بالمناطق المخصصة للتجهيزات الأنفة الذكر، قبل انصرام أجل10 سنوات.
واستثناء من الأحكام المقررة أعلاه، فإن الأراضي المخصصة للمنشآت العمومية المشار إليها أعلاه يجوز بإذن من الجماعة الواقعة فيها أن تستعمل بصورة مؤقتة لغرض غير الغرض المنصوص عليه في تصميم التهيئة، ولا تسلم الجماعة الإذن إلا إذا كان الاستعمال المؤقت المزمع القيام به لا يعوق إنجاز التجهيزات المقررة في التصميم، وعلى المالك في جميع الحالات أن يقوم حين مباشرة إنجاز هذه التجهيزات بإعادة الأرض إلى الحالة التي كانت عليها فيما قبل.
وتطبق الأحكام المنصوص عليها في القانون رقم7.81 المتعلق بنزع الملكية للمنفعة العامة والاحتلال المؤقت الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.81.254 بتاريخ 11 من رجب 1402 (2 ماي (1982 على تصميم التهيئة المعتبر بمثابة قرار تعين فيه العقارات المراد نزع ملكيتها، وذلك فيما يتعلق بالإجراءات التي يخضع لها والآثار المترتبة عليه. وتحدد التعويضات المستحقة لأصحاب الأراضي اللازمة لإنجاز التجهيزات المنصوص عليها أعلاه :
فيما يخص الطرق : باعتبار العناصر المحددة في المادتين 37 و 38 من قانون التعمير واللتان تنصان على مساهمة الملاك المجاورين في إنجاز هذه المنشآت العمومية وفق الشروط التي حددها القانون ،
وفيما يتعلق بغير الطرق من التجهيزات : وفق الأحكام المنصوص عليها في القانون رقم 7.81 الآنف الذكر المتعلق بنزع الملكية للمنفعة العامة والاحتلال المؤقت.
وقد يثور النزاع بين الإدارة والمالكين حول التعويض عن العقارات المرهونة المخصصة لإنجاز المنشآت العمومية طبقا لتصميم التهيئة المصادق عليه من طرف السلطات المختصة، غير أن الاجتهاد القضائي الإداري المغربي للغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى ومحاكم الاستئناف الإدارية يرفض طلبات التعويض مادامت العقارات المعنية لم يتم احتلالها من طرف الإدارة ولم تحدت فوقها أي تغييرات، وذلك بالرغم من محاولات بعض المحاكم الإدارية من حين لآخر اختراق هذا التوجه بالاستجابة لطلبات التعويض. وكمثال على موقف الاجتهاد القضائي حول الموضوع نورد القرارات التالية:
القرار رقم 1060 الصادر عن محكمة الاستئناف الإدارية بمراكش بتاريخ 2009/7/22 في الملف رقم 2008-6-419 في (قضية الماضي امحند والجماعة الحضرية لاكادير) والذي جاء في حيثياته رفض طلب التعويض ” لكن حيث إن التعويض عن الحرمان من الاستغلال لا يستحق لمجرد صدور مرسوم تصميم التهيئة بإنشاء طريق عمومي على العقار المذكور، حيث يبقى لمالكه حق التصرف فيه واستغلاله طيلة العشر سنوات الموالية لتاريخ المصادقة على تصميم التهيئة المذكور دونما يمس بمشروع التهيئة هذا مع العلم أن المستأنف لم يثبت وجه حرمانه من استغلال عقاره الذي هو عبارة عن أرض عارية لا تتعدى مساحتها 105 مم، ولما لم يثبت أي احتلال للعقار من خلال نتائج الخبرتين المنجزتين في الملف والتي تفيد أن القطعة الأرضية لا تزال على حالتها الأصلية ولم تحدث فوقها أي تغييرات علما بأن تنصيص تصميم التهيئة المصادق عليه على إنشاء طريق عمومي على العقار لا يخول مالكه التعويض عن الرقبة إلا ابتداء من تاريخ وضع اليد عليه فقد قضت المحكمة عن صواب برفض طلب التعويض عن الرقبة لانعدام السبب الموجب له وبذلك لم يكن من مبرر لمناقشة المحكمة للطلب الإضافي المتعلق بالتعويض عن الحرمان من الاستغلال لعدم ثبوت واقعة الاحتلال أصلا، مما يعتبر معه سبب الاستئناف غير مبني على أساس ويبقى الحكم المستأنف واجب التأييد “.
القرار رقم 1366 الصادر عن محكمة الاستئناف الإدارية بمراكش بتاريخ 2009/11/25 في الملف عدد 2009-6-182 (بين المجلس البلدي انزكان وبين السيد آيت أوبلخير بلخير) ” وحيث أنه باستقراء المقتضيات القانونية المذكورة (المادة 28 من ق. ت.) يتبين أن تصميم التهيئة وإن كان يقيد مالك العقار المشمول به ويمنعه من التصرف فيه طيلة مدة 10 سنوات من تاريخ المصادقة عليه، فإنه مع ذلك يبقى مجرد مشروع لنزع الملكية لا أثر له على ملكية رقبة العقار المعني به ولا يحرم منها صاحب الشأن بصفة دائمة حيث يحق له استرجاعها في حالة عدم إنجاز المشروع المقرر داخل المدة المشار إليها أعلاه.
وحيث أنه بالرجوع الى وثائق الملف وخاصة الخبرة المنجزة ابتدائيا من طرف… يتبين أن القطعة الأرضية وإن كانت مشمولة بتصميم التهيئة المصادق عليه بتاريخ 15 مارس 2002، فإن هذا الأخير لم ينفذ بعد على أرض الواقع وهو ما يعني أن الإدارة لم تضع يدها على العقار المذكور ولم تحزه ماديا ومن تم فإنه لا يمكن مطالبتها بالتعويض عن الرقبة وعن الحرمان من الاستغلال “.
- إلزام صاحب التجزئة بإقامة بعض المنشآت العمومية مقابل الإذن له في إحداث التجزئة
طبقا للمادة 18 من القانون المتعلق بالتجزئات العقارية ([25])، فإنه لا يجوز الإذن في إحداث تجزئات عقارية إلا إذا كانت مشاريعها تنص على إنجاز عدد من المنشآت العمومية المتمثلة في إقامة الطرق الداخلية ومواقف السيارات، وبناء قنوات توزيع الماء والكهرباء وصرف المياه والمواد المستعملة، وتهيئة المساحات غير المبنية كالساحات والمناطق الخضراء والملاعب، ووصل كل بقعة من بقع التجزئة بمختلف الشبكات الداخلية للتجزئة، ووصل الطرق ومختلف الشبكات الداخلية للتجزئة بما يقابلها من الشبكات الرئيسية، وإقامة الطرق ووسائل الإيصال الكفيلة بتسيير النفوذ إلى شاطىء البحر إذا كانت الأرض المراد تجزئتها مجاورة للملك العام البحري، وإقامة الخطوط اللازمة لوصل بقع التجزئة بالشبكة العامة للاتصالات السلكية واللاسلكية العمومية بالنسبة للتجزئات العقارية المعدة لإقامة الفيلات أو العمارات كيفما كان نوعها أو الاستعمال المخصصة له والتي تحتوي على ما يقل عن أربعة مستويات أو على ثلاثة مستويات بها ستة مساكن، أو العمارات المعدة لاستعمال صناعي أو تجاري، إلى غير ذلك من التجهيزات والمنشآت ذات المصلحة العامة.
كما يجوز للجهة المختصة بتسليم الإذن في القيام بإحداث التجزئة، طبقا للمادة 30 من القانون المتعلق بالتجزئات العقارية، أن تفرض على صاحب التجزئة إنشاء ارتفاقات تستجيب لما تقتضيه متطلبات الأمن العام والصحة والمرور والمتطلبات الجمالية، والاحتفاظ بالأشجار الموجودة في الأرض المراد تجزئتها، وتكوين مساحات احتياطية إضافية تخصص للتجهيزات الجماعية والمنشآت ذات المصلحة العامة التي يستلزمها إحداث التجزئة.
ويقوم رئيس مجلس الجماعة الحضرية أو القروية بمناسبة التسلم النهائي لأشغال التجهيز بالتجزئة، بعد موافقة اللجنة المختصة، بتسليم شهادة تثبت أن الطرق ومختلف الشبكات توجد في حالة سليمة. ويتوقف على تسليم هذه الشهادة إلحاق طرق التجزئة أو المجموعة السكنية وشبكات الماء والمجاري والكهرباء والمساحات الغير مبنية المغروسة مجانا بالأملاك العامة للجماعة الحضرية أو القروية، ويكون هذا الإلحاق محل محضر يجب قيده باسمها في الصك العقاري الأصلي للعقار موضوع التجزئة.
غير أن صاحب التجزئة يستحق تعويضا في حدود نسبة معينة على الارتفاقات المنشأة المفروضة ما عدا تلك التي تنشأ لما تقتضيه متطلبات الأمن العام والصحة والمرور والمتطلبات الجمالية وضرورة الاحتفاظ بالأشجار الموجودة في الأرض المراد تجزئتها.
غير أن صاحب التجزئة لا يستحق التعويض عن الارتفاقات المفروضة المشار إليها أعلاه والمتعلقة بتكوين مساحات احتياطية إضافية وبالطرق إلا إذا كانت المساحة المخصصة لذلك تزيد عن النسب المحددة أسفله، وعن المساحة الإضافية فقط التي تزيد عن هذه النسب:
– 25% من المساحة الكلية إذا كان متوسط مساحة البقع الناتجة عن التجزئة يساوي أو يتعدى الف(1.000) متر مربع،
-30% من المساحة الكلية إذا كان متوسط مساحة البقع الناتجة عن التجزئة يساوي أو يتعدى الف (1.000) متر مربع ويساوي أو يفوق ستمائة (600) متر مربع،
– 35% إذا كان متوسط مساحة البقع الناتجة عن التجزئة يقل عن ستمائة (600) متر مربع ويساوي أو يفوق ثلاثمائة وخمسين (350) مترا مربعا،
– 40% من المساحة الكلية إذا كان متوسط مساحة البقع الناتجة عن التجزئة يقل عن ثلاثمائة وخمسين (350) مترا مربعا ويساوي أو يتعدى مائتي (200) متر مربع،
– 45% من المساحة الكلية إذا كان متوسط مساحة البقع الناتجة عن التجزئة يقل عن مائتي (200) متر مربع ويساوي أو يفوق مائة (100) متر مربع،
– 50 % من المساحة الكلية إذا كان متوسط مساحة البقع الناتجة عن التجزئة يقل عن 100 متر مربع.
ويحدد التعويض باتفاق الأطراف، فإن تعذر ذلك حددته المحكمة على أساس قيمة الأرض في تاريخ التسلم المؤقت لأشغال التجزئة.
ب– مبدأ عدم المساس بالمنشأة العمومية ولو كانت مقامة بطريقة غير مشروعة
- المبدأ
فطبقا لقاعدة “المنشأة العمومية المقامة بطريقة غير مشروعة غير قابلة للهدم ” التي أقرها الاجتهاد القضائي الفرنسي منذ أكثر من قرن ونصف، فإنه لا يمكن للقاضي طلب إعادة الحالة إلى ما كانت عليه، كما يمنع عليه الأمر بهدم أو إزالة أو إيقاف تسيير المنشأة العمومية التي يتم إنشاؤها بطريقة غير مشروعة فوق أرض تابعة للخواص بدون موافقة المالك، وبدون احترام مسطرة نزع الملكية : أي في حالة الغصب أو الاعتداء المادي. ففي ظل هذا الواقع كان بإمكان الإدارة الاعتداء على الملكية الخاصة دون سلوك مسطرة نزع الملكية أو ما يطلق عليه نزع الملكية غير المباشر، حيث يكتفي القاضي في حالة النزاع بالحكم لفائدة المالك المتضرر بتعويض عن الحرمان النهائي من استغلال عقاره ونقل الملكية إلى الإدارة.
وتجد قاعدة عدم المساس بالمنشأة العمومية، التي تعطي الامتياز للمصلحة العامة على حساب المصلحة الخاصة، تبريرها في تخصيص المنشأة العمومية للمنفعة العامة، على اعتبار أن هدم المنشأة العمومية أو إزالتها يمكن أن يضر بشكل كبير بالمنفعة العامة ويتسبب في هدر المال العام. وإذا كانت هذه القاعدة تسري على القضاء فإنها لا تطبق على الإدارة التي يمكنها بمحض إرادتها ومن حقها أن تهدم أو تحول منشأتها العمومية أو أن تلزم المتعهدين بهدم أو تحويل هذه المنشآت.
- التكييف الجديد للمبدأ
يلاحظ مع قرب نهاية القرن العشرين ومطلع القرن الواحد وعشرين، أن مبدأ عدم المساس بالمنشأة العمومية الذي تم تكريسه فقها وقضاء لأكثر من قرن ونصف من الزمن، بدأ يعرف بعض المرونة وإن كانت درجتها لاتصل إلى حد إعادة النظر في هذه النظرية أو التخلي عنها، فإنها على الأقل تمثل نوعا من التكييف للمبدأ. ويتم هذا التكييف في حالات الاعتداء المادي على الملكية الخاصة والتي لا تحترم فيها الإدارة مسطرة نزع الملكية، حيث يرى أنصار هذا التوجه أنه بإمكان المحكمة أن تقضي برفع حالة الاعتداء المادي وإعادة الحقوق المادية للضحية. وهذا ما أكدته محكمة النقض الفرنسية ومجلس الدولة الفرنسي لكن مع ضرورة البحث قبل ذلك عن التسوية. غير أن مجلس الدولة الفرنسي يعتمد في هذه الحالات على نظرية الموازنة، والتي تقضي بالمقارنة ما بين الإيجابيات والسلبيات لتبرير الحكم بهدم المنشأة العمومية. ويدخل في حساب الموازنة، من جهة المساوئ التي يمثلها وجود المنشأة العمومية بالنسبة للمصلحة العامة وبالنسبة للمصلحة الخاصة، ومن جهة أخرى الآثار المترتبة عن هدم المنشأة العمومية بالنسبة للمصلحة العامة، ولا يحكم بهدم المنشأة العمومية إلا في الحالة التي لا تؤثر فيها عملية الهدم تأثيرا كبيرا بالنسبة للمصلحة العامة. ونستعرض فيما يلي مواقف كل من مجلس الدولة الفرنسي ومحكمة النقض الفرنسية والاجتهاد القضائي المغربي حول مبدأ عدم المساس بالمنشأة العمومية.
1.2. موقف مجلس الدولة الفرنسي
ففي ظل التطلعات الاجتماعية للحاجة إلى المزيد من الحماية القانونية للحقوق الفردية عرف مبدأ عدم المساس بالمنشاة العمومية بعض التكييف من لدن الاجتهاد القضائي الفرنسي ابتداء من سنة 1991 عبر موقف مجلس الدولة الفرنسي.
وفي هذا الإطار يشكل القرار الصادر عن مجلس الدولة الفرنسي بتاريخ 19 أبريل 1991 في قضية ” الزوج دينار ومرتان ([26])Epoux Denard et Martin تحولا حاسما في الاجتهاد القضائي الإداري إزاء مبدأ عدم المساس بالمنشأة العمومية. حيث أصبح يقبل هذا الاجتهاد القضائي بأن يقوم القاضي الإداري بمراقبة القرار الصادر عن الإدارة برفض الأمر بإزالة المنشأة العمومية في إطار دعوى الإلغاء. وبذلك لم تعد قاعدة ” المنشأة العمومية المقامة بطريقة غير مشروعة غير قابلة للهدم ” تشكل عائقا لكي يقوم القاضي بدراسة طلب الهدم.
وتتلخص وقائع نازلة ” قضية الزوج دينار ومرتان ” في رفض العمدة طلب الملاكين المجاورين للطريق بإزالة منشأة عمومية متمثلة في قناة صغيرة مخصصة لتسهيل تصريف مياه الأمطار عبر هذه الطريق. لكن القاضي اعتبر أنه لا يوجد خطأ فادح في التقدير في قرار رفض العمدة إزالة القناة، وبالتالي لم يتم هدم المنشأة العمومية. وبذلك شكل هذا القرار خطوة في اتجاه إعادة تكييف مبدأ عدم المساس بالمنشأة العمومية، حيث اعتبر الفقه أنه بمفهوم المخالفة لو اكتشف القاضي من خلال مراقبة قرار الرفض وجود خطا فادح في التقدير لقضى بهدم المنشأة العمومية.
وبتاريخ 6 ماي 2002 قضت محكمة التنازع الفرنسية في ” قضية السيد والسيدة بنيت ضد كهرباء فرنسا” M. et Mme Bientc/EDF ([27])بانعقاد اختصاص القاضي العادي للبت في طلب هدم المنشأة العمومية إذا تم إنشاؤها عن طريق الاعتداء المادي “الغصب”، وبانعقاد اختصاص القاضي الإداري خارج حالات الاعتداء المادي مع حثه على أن يقوم القاضي بالبحث عن الإجراءات المناسبة للتسوية قبل البت في طلب هدم المنشأة العمومية. ومما جاء في حيثيات هذا القرار: ” وحيث أن الطلبات الموجهة ضد رفض حذف أو تحويل المنشأة العمومية وعند الاقتضاء من أجل الأمر بهذا الحذف أو هذا التحويل، يدخل بطبيعته في اختصاص القاضي الإداري، وبالتالي، فإن المحاكم العادية لا يمكنها دون التدخل في الشؤون الإدارية وبالتالي التعدي على اختصاص القاضي الإداري، اتخاذ أي إجراء من شانه المساس بشكل أو بآخر بحماية أو بتسيير منشأة عمومية، ولا يمكن أن يتم ذلك إلا في حالة الفرضية التي يكون فيها إنجاز المنشأة قد ترتب عن عمل غير قابل لانتسابه إلى سلطة من السلطات التي تتوفر عليها السلطات الإدارية، ولم يتم القيام بأي إجراء مناسب للتسوية “.
وفي مطلع سنة 2003 حدد القرار الصادر عن مجلس الدولة الفرنسي بغرفه مجتمعة بتاريخ 29 يناير 2003 في قضية ” النقابة الإقليمية للكهرباء والغاز بالألب-ماريتم وجماعة كلانس ” ([28])Syndicat départemental de l’éléctricité et du gaz des Alpes-Maritimes الشروط والمعايير التي ينبغي تطبيقها وإعمالها عندما يتوصل القاضي الإداري بطلب تنفيذ قرار قضائي يقضي بأن منشأة عمومية قد أقيمت بطريقة غير مشروعة. فبناء على هذا القرار، فإنه يتعين على القاضي أن يبحث أولا، استنادا إلى التعليل الوارد بالقرار، عن إمكانية إيجاد تسوية مناسبة، وعند تعذر ذلك، يجب عليه أن يقوم بالموازنة ما بين المنافع والمصالح الموجودة فيأخذ بعين الاعتبار من جهة، المساوئ المترتبة عن وجود المنشأة العمومية بالنسبة للمصالح العمومية والخاصة الموجودة، ومن جهة ثانية، ما بين الآثار المترتبة عن الهدم بالنسبة للمصلحة العامة. فإذا قدر القاضي بأن هدم المنشأة العمومية سيترتب عنه مساس كبير بالمصلحة العامة يتعين عليه أن يمتنع عن الاستجابة لطلب الهدم. وقد استقر هذا الاجتهاد القضائي الفرنسي من خلال قرارات متواترة وحتى خارج حالات الغصب.
فلقد أتيح لمجلس الدولة تطبيق الشروط والمعايير المحددة بموجب قراره المتخذ سنة 2003 المذكور أعلاه، من خلال القرار الصادر بتاريخ 13 فبراير 2009 في ” قضية مجموعة الجماعات بكانتون دو سانت مالو للاند” Communauté de communes du Canton de Saint-Malo de la lande ([29]) قضى برفض هدم المنشأة العمومية المتمثلة في بناء رصيف للولوج إلى البحر لتمكين “منتجي الصدفيات والمحار” من استغلال أحواضهم المائية، والذي لقي معارضة من طرف جمعية لحماية البيئة بالمنطقة على اعتبار أن الرصيف المذكور أقيم بشكل غير مشروع في منطقة محمية. وقد علل المجلس رفضه هدم المنشأة العمومية، بأهمية الرصيف بالنسبة للاقتصاد الوطني وبالنسبة لسلامة المستغلين والمصطافين، وبأن محاسنه تفوق المساوئ الايكولوجية والجمالية التي يشكلها بالنسبة للمنطقة المحمية، واعتبارا لمجموع هذه العناصر قضى مجلس الدولة بأن هدم الرصيف يشكل مساسا كبيرا بالمصلحة العامة.
- موقف محكمة النقض الفرنسية
إن تطبيق مبدأ عدم المساس بالمنشأة العمومية كان يعطي الامتياز للمصلحة العامة على حساب المصلحة الخاصة. وفي ظل هذا الواقع قد كان بإمكان الإدارة تفادي إجراءات نزع الملكية والاعتداء على الملكية الخاصة دون سلوك مسطرة نزع الملكية لأجل المنفعة العامة أو ما اصطلح على تسميته “نزع الملكية غير المباشر” الذي يترتب عنه نقل للملكية بطريقة ” قسرية “. لكن هذه الممارسات قد أعيد النظر فيها من خلال القرار الصادر عن محكمة النقض الفرنسية بتاريخ 6 يناير 1994 في قضية ” بودون دو موني ضد كهرباء فرنسا ” ([30]) Boudon de Mony c/EDF والذي ذكرت محكمة النقض الفرنسية من خلاله بضرورة احترام مسطرة نزع الملكية، وبشكل ضمني بعدم مشروعية “نزع الملكية غير المباشر”. فقضت المحكمة بأن “نقل ملكية غير مطلوب من طرف الملاكين، لا يمكن أن يتم إلا بناء على مسطرة مشروعة لنزع الملكية “. وفي هذا الصدد يستخلص الأستاذ روني شابي ( Rene Chapus) ([31])من قرار محكمة النقض الفرنسية أن هذه الأخيرة ليست ضد احترام حوزة المنشأة العمومية، ولكنه يرى أن هذا القرار قد أثر على إطلاقية مبدأ عدم المساس بالمنشأة العمومية من خلال وضعه حدا للممارسة المتمثلة في ” نزع الملكية غير المباشر” أو نقل الملكية الجبري. وعلى هذا الأساس أصبح لازما لحيازة العقار المعتدى عليه أن تقوم السلطات العمومية إما بالتفاهم مع المالك لكي يبيعها العقار المستولى عليه مع بحث إمكانية الكراء السنوي عندما يفضل المالك الحفاظ على ملكيته. وإما تحريك مسطرة نزع الملكية من أجل التسوية.
وقد أصلت محكمة النقض الفرنسية لهذا التوجه في عدة قرارات بعد ذلك نذكر منها القرار الصادر بتاريخ 2003/4/30 في قضية ” الشركاء… ضد جماعة فردا ([32])Consorts…c/Commune de verdun-sur-Ariège. ومما جاء في هذا القرار : ” وحيث ولئن كانت المحاكم العادية لا يمكنها اتخاذ إجراءات من شأنها المساس بشكل أو بآخر بحماية وتسيير منشأة عمومية، فإن الأمر يختلف في حالة الفرضية التي يكون فيها إنجاز المنشأة العمومية ناتج عن عمل لا يمكن رده إلى سلطة تتوفر عليها السلطات الإدارية، ولم يتم القيام بأي إجراء مناسب للتسوية… “.
3.2. موقف الاجتهاد القضائي المغربي
يعتبر الاجتهاد القضائي لمجلس الدولة الفرنسي مصدر استلهام للقاضي المغربي، وإن كانت الاجتهادات القضائية المغربية لا تتطابق كليا مع اجتهاد مجلس الدولة الفرنسي فيما يخص ” مبدأ عدم المساس بالمنشأة العمومية ولو كانت مقامة بطريقة غير مشروعة ” من حيث الصياغة وفي بعض الأحيان حتى من حيث مدلولات النظرية أو المبدأ في النشأة والتطور. وفي هذا الصدد يرى الأستاذ روسي في معرض حديثه عن المسؤولية عن الأضرار التي تتسبب فيها المنشآت العمومية، أن هذه الوضعية لا تتعلق بانعكاسات وبآثار لموقف القاضي المغربي من الاجتهاد القضائي الفرنسي، بقدر ما يرجع السبب في ذلك إلى أن القضايا المعروضة بالمحاكم المغربية لم تعرض على القضاة المغاربة بنفس الصيغ التي تعرض فيها مثيلاتها على القضاء الفرنسي ([33]) . ولاشك أن طبيعة تكوين الممارسين بالقضاء الإداري تساهم أيضا بدورها في هذه الوضعية، فبينما يتلقى القضاة الممارسون بالقضاء الإداري الفرنسي تكوينهم الأساسي والمهني في القانون الإداري وينحدرون بنسب مهمة من الممارسين بالإدارة العمومية للدولة وبالإدارة الترابية، يكون غالبية الممارسين في القضاء الإداري المغربي قد تلقوا تكوينهم الأساسي والمهني في القانون الخاص وينحدرون من الممارسين بالقضاء العادي. والى جانب هذه الأسباب لا ينبغي، وكما قلت في مناسبات عديدة، إغفال الدور الفعال الذي يجب أن يضطلع به المحامون في عرض قضايا موكليهم على القضاء الإداري، وفي المساعدة القضائية على بلورة الاجتهادات القضائية.
إن قراءتنا للأحكام والقرارات المختلفة تذهب إلى رصد وجود بعض الاختلاف من حيث المبدأ في تكييف قاعدة عدم المساس بالمنشأة العمومية المقامة بطريقة غير مشروعة، وأن القاضي الإداري المغربي لا يستند بشكل واضح ومباشر ودقيق على النظرية كما بلورها فقه القانون الإداري والاجتهاد القضائي المقارن الحديث، وخاصة الاجتهاد القضائي لمجلس الدولة الفرنسي. فبالرغم من أن بعض الأحكام والقرارات القضائية الصادرة بشأن المنشآت العمومية التي يتم إنشاؤها بطريقة غير مشروعة فوق أرض تابعة للخواص بدون موافقة المالك، وبدون احترام مسطرة نزع الملكية : أي في حالة الغصب أو الاعتداء المادي ، تحمل في بعض حيثياتها إرهاصات لنظرية عدم المساس بالمنشأة العمومية ولو كانت مقامة بطريقة غير مشروعة وتعتبر من الناحية المبدئية تطبيقا لها، فإنه يبدو أن هذه النظرية لازالت مصطلحاتها محتشمة المنطوق في بعض الأحكام والقرارات التي تشكل القاعدة بالنسبة لعدم الحكم بهدم أو إزالة أو إيقاف تسيير المنشأة العمومية، كما أن هذه النظرية تعرف بعض الاستثناءات في تطبيقات الاجتهاد القضائي المغربي بشكل زاد من صعوبة إدراكها وتعقيد أدوات توضيحها لدى الباحثين. وسنقف على ذلك من خلال استعراض بعض القرارات والأحكام بمناسبة تناولنا للقاعدة في الاجتهاد القضائي المغربي وللاستثناءات التي ترد عليها.
1.3.2القاعدة
فالقاضي المغربي لا يستجيب في بعض الحالات لطلبات إعادة الحالة إلى ما كانت عليه، كما يمتنع عن الأمر بهدم أو إزالة أو إيقاف تسيير المنشأة العمومية التي يتم إنشاؤها بطريقة غير مشروعة فوق أرض تابعة للخواص بدون موافقة المالكين، وبدون احترام مسطرة نزع الملكية. وفي هذا الصدد نورد كمثال القرار رقم 1309 بتاريخ 11/11/2009 في الملف عدد 2009-6-68 في (قضية الدولة المغربية وبين موستيك فاطمة) والذي جاء فيه ولو بصورة عرضية موقف المحكمة من مسألة إزالة أو هدم المنشأة العمومية ” وحيث إن الدولة حسب ما أشير إليه أعلاه قد سلكت كل من المسطرة الإدارية والقضائية وفقا لمقتضيات الظهير الشريف المؤرخ في 1953/4/3 المتعلق بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة. .. المعمول به آنذاك الشيء الذي يجعل تواجدها بمحل النزاع مشروعا وأن تراخيها في إيداع الحكم الذي استصدرته في هذا الصدد لدى المحافظة العقارية ليس من شأنه أن يسقط حقها في التصرف في العقار المذكور ولا أن يضفي على تصرفها هذا صبغة الاعتداء المادي خلافا لما ذهب إليه الحكم المستأنف هذا فضلا عن أن إحداث مدرج للطيران فوق القطعة الأرضية محل النزاع الذي يعتبر بحكم طبيعته مرفقا عاما أصبح يستغل في إقلاع ونزول الطائرات لا يمكن إزالته ولا هدمه حتى وإن كان الأمر يعتبر فعلا اعتداءا”.
وإذا كان الاجتهاد القضائي المغربي يقضي بالتعويض عن العقارات التي تقام فوقها المنشآت العمومية عن طريق الغصب كما يتضح من القرار رقم 221 بتاريخ 2010/3/18 في الملف رقم 2008-6-137 بين ورثة أحمد بن محمد والوكالة بآسفي ” وحيث يتضح من وثائق الملف نازلة الحال – ومما لا نزاع فيه – أن الجهة المحتلة للعقار موضوع النزاع هي الوكالة المستقلة لتوزيع الماء والكهرباء بآسفي المستأنفة والتي وضعت يدها على العقار المتنازع بشأنه منذ سنة 1973 دون وقوع اتفاق بالمراضاة مع مالكه ودون سلوك مسطرة نزع الملكية ودون أن تدلي بأي سند يضفي المشروعية على تواجدها به، الأمر الذي يعد غصبا واعتداءا ماديا يستوجب التعويض، ومن ثم فإن ما أثارته المستأنفة بهذا الشأن إنما يرمي إلى تطويل مسطرة النزاع ويتعين بالتالي عدم اعتباره. وحيث أنه وتبعا لكل ما سبق يكون الحكم المطعون فيه مصادف للصواب فيما قضى به ويتعين بالتالي التصريح بتأييده “، فإنه يحرص على عدم إضفاء المشروعية على العمل غير القانوني للإدارة بنقل ملكية تلك العقارات موضوع الغصب. وحتى لا تبقى المسالة معلقة، فإن الاجتهاد القضائي المغربي يسمح بإمكانية التسوية في إطار تحريك مسطرة نزع الملكية لأجل المنفعة العامة بعد الحكم بالتعويض على إثر عملية الغصب، علما بأنها ليست الطريقة الوحيدة، حيث يبقى بإمكان الإدارة أن تبحث عن التسوية بعيدا عن القضاء في إطار مسطرة التراضي والمراضاة مع صاحب الملك بإبرام عقد. ونلمس ذلك لدى الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى في (قضية وزارة التجهيز والنقل ضد السيد الحاج إبراهيم سبيلي) بمناسبة قيام الإدارة بغصب القطعة الأرضية التابعة لأحد الأشخاص بالجديدة وأقامت عليها قناة لجلب الماء، فالتمس هذا الأخير الحكم على الإدارة أساسا بإفراغها من العقار المذكور واحتياطيا إجراء خبرة لتقدير التعويض عن الحرمان من الاستغلال والتعويض عن الرقبة، فقضت المحكمة الإدارية بالدار البيضاء بالحكم على الدولة المغربية بأداء تعويض لفائدة المالك. وهو الحكم الذي استأنفته الدولة المغربية لأسباب متعددة من بينها عدم الحكم بنقل ملكية الرقبة إلى الإدارة مقابل الحكم بالتعويض.
ومما جاء في القرار عدد 698 المؤرخ في 2005/12/28 في الملف عدد 4/2889 4/2567 الصادر عن الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى حول موضوع القضية المشار إليها أعلاه : ” لكن حيث إن نقل ملكية عقار إلى الإدارة في إطار نزع الملكية الجبري لا يتم إلا في إطار المسطرة القانونية المنصوص عليها في القانون رقم 7-81 المتعلق بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة والاحتلال المؤقت استنادا إلى أحكام الدستور التي تقضي بأن حق الملكية مضمون وأن القانون وحده هو الذي يحد من مداه، وأن الإدارة حينما تقوم بالاستيلاء على ملك الغير خارج الإطار القانوني المشروع، فإن عملها يشكل اعتداء ماديا لا يمكن للقضاء أن يكرسه ويضفي المشروعية عليه وذلك من خلال نقل ملكية العقار المستولى عليه إلى الإدارة المسؤولة عن هذا العمل المادي على إثر الحكم بالتعويض عن الرقبة لفائدة المالك الذي هو في الأصل تعويض عن فقدانه لعقاره بعد أن خرج من حيازته القانونية وانتقل إلى الإدارة التي أصبحت تملك فقط حيازته المادية والفعلية “.
كما أن الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى قد كرست إمكانية تسوية الوضعية على إثر بناء منشأة عمومية في إطار اعتداء مادي، ويتجلى ذلك من خلال حيثيات قرارها عدد 503 الصادر بتاريخ 2005/10/12 في الملف الإداري عدد 2004/3/4/1422 في (قضية الدولة الملك الخاص ضد محمد الامين أنوس ) “حيث إن احترام الإدارة نازعة الملكية لكل الإجراءات القانونية المتعلقة بمسطرة نزع الملكية يجعل طلبها الرامي إلى نقل ملكية العقار موضوع مقرر التخلي سليما ومرتكزا على أساس، ولا يحول دون الاستجابة له سبق الحكم للمنزوعة ملكيته بالتعويض عن قيمة العقار في إطار دعوى الاعتداء المادي لاختلاف الدعويين من حيث الموضوع والسبب، والمحكمة لما قضت برفض دعوى المستأنفة بنقل الملكية بعلة كون الإدارة احتلت العقار وشيدت عليه مرفقا عموميا قبل سلوك مسطرة نزع الملكية، لم تجعل لقضائها من أساس وخرقت المقتضيات القانونية المنصوص عليها في الفصل 18 وما بعده من القانون رقم 81-7 المتعلق بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة والاحتلال المؤقت وعرضت حكمها للإلغاء”.
هذا وقد يترتب عن الحكم بتسوية وضعية العقار المغتصب والمقامة عليه المنشأة العمومية بطريقة غير قانونية إشكالية تتعلق بالتعويض الذي ينبغي احتسابه هل هو التعويض المحكوم به في إطار الاعتداء المادي أم ينبغي تحديد تعويض جديد في إطار نزع الملكية ؟ لكن الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى قد حسمت الموضوع وقضت باحتساب التعويض حسب قيمة العقار يوم صدور قرار نزع الملكية. وذلك ما نلمسه في حيثيات القرار عدد 560 الصادر عن الغرفة المذكورة بتاريخ 2005/10/26 في الملف الإداري عدد 2004/3/4/2623 “حيث إن التعويض عن نقل الملكية تحدده المحكمة وفقا للفصل 20 من قانون نزع الملكية لأجل المنفعة العامة والاحتلال المؤقت التي تقضي بألا يشمل التعويض المذكور إلا الضرر الحالي والمحقق الناشئ مباشرة عن نزع الملكية وعلى أن يحدد حسب قيمة العقار يوم صدور قرار نزع الملكية، والمحكمة الإدارية حينما حددت التعويض عن نقل ملكية العقار موضوع الدعوى بالاستناد إلى ما تم تحديده بموجب حكم صادر في إطار دعوى التعويض عن الاعتداء المادي التي تسري عليها القواعد العامة المتعلقة بمسؤولية الدولة دون أن تتقيد بالمقتضيات القانونية المشار إليها أعلاه، تكون قد خرقت القواعد الآمرة الواجبة التطبيق في النازلة وعرضت حكمها للإلغاء”.
- الاستثناءات
يعرف مبدأ عدم المساس بالمنشأة العمومية بعض الاستثناءات لدى الاجتهاد القضائي المغربي تتجلى خاصة في المنشآت العمومية المتعلقة بتوزيع الكهرباء والتي يتم إنشاؤها فوق الملكية الخاصة نتيجة اعتداء مادي على الملكية الخاصة ودون احترام مسطرة نزع الملكية. ففي هذه الحالة نجد القاضي يحكم من حين لآخر برفع حالة الاعتداء المادي أو الحكم بتغيير أماكن هذه المنشآت. وقد لا يثير هذا التوجه صعوبات كبيرة بالنسبة للشخص العام متى صدر الحكم أو القرار قبل إحداث المنشأة العمومية، إذا تبين للقاضي وجود خيارات أخرى لتمرير الخيوط الكهربائية أو لبناء المحولات الكهربائية بنفس التكلفة أو بأقل ضرر، وذلك في إطار تحقيق التوازن ما بين المصلحة العامة وبين المصلحة الخاصة، أو بمناسبة طلب تحويل مسار أو مكان هذه المنشآت على نفقة المدعي. لكن قد تثور عدم سلامة التوجه، إزاء الأحكام والقرارات التي تقضي بإزالة أو تغيير أماكن هذه المنشآت بعد إقامتها على حساب هدر المال العام، وبالرغم من الآثار الكبيرة التي تشكلها العمليتين بالنسبة لإرهاق المالية العامة للأشخاص العامة.
وفي هذا الإطار نورد القرار عدد 1171 المؤرخ في 2008/10/27 الصادر عن محكمة الاستئناف بالرباط في قضية المكتب الوطني للكهرباء ضد عبد الحق بوكرون ومن معه ([34]) والذي قضت فيه المحكمة بتأييد الأمر المستأنف مشيرة إلى أن الامتياز القانوني الممنوح للمكتب الوطني للكهرباء لا يعتبر مطلقا وإنما هو مرتبط بعدم الإضرار بحقوق المالكين إذا كانت هناك خيارات أخرى أمام المكتب المذكور يمكنه اللجوء إليها بأقل ضرر من أجل تمرير الأسلاك الكهربائية وغرس الأعمدة. ومما جاء في حيثيات هذا القرار:
“حيث يعيب المستأنف الأمر المستأنف بخرق الفصل 25 من ق. م. م. ذلك أن المكتب الوطني للكهرباء مؤسسة عمومية تسعى لتحقيق المصلحة العامة وله حق امتياز احتلال أراضي الغير لإقامة منشآته ونقل الطاقة الكهربائية وتوزيعها.
لكن حيث ولئن كانت مقتضيات الفصل 2 من ظهير 1977/9/19 المتمم لظهير 5 غشت 1963، يمنح المكتب الوطني للكهرباء ارتفاقا قانونيا من أجل تمرير وتركيز أعمدة الكهرباء في أرض الغير خدمة للصالح العام، فإن هذا الامتياز القانوني لا يعتبر مطلقا وإنما هو مرتبط بعدم الإضرار بحقوق المالكين إذا كانت هناك خيارات أخرى أمام المكتب المذكور يمكنه اللجوء إليها بأقل ضرر من أجل تمرير الأسلاك الكهربائية وغرس الأعمدة، مما يجعل السبب غير مرتكز على أساس”.
” وبما أنه يتجلى من هذه الخبرة إمكانية تحويل مجرى هذه الأشغال دون الإضرار بعقار المستأنف عليه وأن المستأنف لم يدل بعكس ما ورد فيها يكون ما أثير بهذا الخصوص غير منتج “.
وفي نفس الاتجاه، قضت المحكمة الإدارية بمراكش بتحويل الأعمدة الكهربائية التابعة للمكتب الوطني للكهرباء خارج عقار المدعي تحت غرامة تهديديه قدرها 500 درهم عن كل يوم تأخير عن التنفيذ. ومما جاء في هذا الحكم ([35]) : لا وحيث أنه من المعلوم فقها وقضاء أن الضرر يزال، مما يتعين معه الحكم على المكتب الوطني للكهرباء بتحويل الأعمدة الكهربائية الأربعة إلى خارج عقار المدعي حسب الطريقة التي اقترحها الخبير … في تقرير الخبرة المنجز في القضية “.
وفيما يخص استعمال مسطرة الموازنة ما بين المنافع والمساوئ المترتبة عن وجود المنشأة العمومية بالنسبة للمصالح العمومية والخاصة الموجودة، وما بين الآثار المترتبة عن هدمها بالنسبة للمصلحة العامة، فإنه لم تتح الفرصة بعد للاجتهاد القضائي المغربي للعمل بها للاستجابة لطلب هدم المنشأة العمومية أو رفضه، وإن كنا نلمس ما يشبه هذا المسلك عنده بمناسبة مراقبته لمشروعية قرار الإعلان عن المنفعة العامة لإحداث المنشأة العمومية، أي قبل إحداث المنشأة العمومية. ويتجلى ذلك من خلال القرار عدد 500 المؤرخ في 7 مايو 1997 الصادر عن المجلس الأعلى في الملف الإداري رقم 95/63 بمناسبة الطعن في مرسوم نزع ملكية الطاعنين من أجل المنفعة العامة ([36]) الذي يعتبر استلهاما من الاجتهاد القضائي لمجلس الدولة الفرنسي الصادر في 28ماي 1971 في قضية مشروع المدينة الجديدة الشرقية “Ville nouvelle de l’ est ” والتي عمق فيها المجلس مراقبة قرار إعلان المنفعة العامة بتطبيق نظرية الحصيلة ([37]) وذلك بعد مرور أكثر من ربع قرن على نشأة الفرضية:
” وحيث أن الاتجاه الحديث في القضاء الإداري لا يكتفي بالنظر إلى تحقيق المنفعة العامة نظرة مجردة وإنما تجاوز ذلك عن طريق الموازنة بين الفوائد التي يحققها المشروع المزمع إنشاؤه والمصالح الخاصة التي سيمس بها وبالتالي تقييم قرار نزع الملكية على ضوء مزاياه وسلبياته والمقارنة بين المصالح المتعارضة للإدارة والخواص المنزوعة ملكيتهم، كل ذلك في نطاق المشروعية المخولة لقاضي الإلغاء. وحيث إن أرضية هذه المقارنة متوفرة في النازلة باعتراف الإدارة نفسها التي أكدت أن الطاعنين أعدوا بدورهم مشروعا سموه تجزئة البيضاء. وحيث إن الأمر يتطلب قبل البت في الموضوع إجراء خبرة تمهيدية “.
ونجد نفس الاتجاه من خلال القرار عدد 855 المؤرخ في 2003/123/4 الصادر عن المجلس الأعلى في الملف الإداري عدد 2000/184 بمناسبة الطعن في مرسوم نزع الملكية من أجل المنفعة العامة لإحداث سوق أسبوعي ([38]):
” وحيث إن الطاعن لم يدل بما يثبت وجود أي بناء على الأرض المذكورة ولا قدم أية عناصر مضبوطة للمشروع السكني الذي ينوي إنجازه على تلك الأرض وإنما اكتفى بمجرد العموميات التي لا تصلح أساسا والمقارنة بين منافع المشروع الذي يتمسك به والمنفعة العامة التي أسس عليها المرسوم المطعون فيه”.
[1]على سبيل المثال لا الحصر نذكر ما جاء في الحكم المؤرخ في 2005/12/7 الصادر عن المحكمة الإدارية بالدار البيضاء حول الملف عدد 2004-427 ت والذى يشتكي فيه المدعي من الاضرار اللاحقة بأرضه التي غمرتها المياه والتي تسببت فيها المنشأة العمومية المتمثلة في القناة التي أقامتها وزارة التجهيز تحت الطريق العمومية لصرف مياه الامطار : ” وحيث أنه إذا أدى إنجاز أشغال عمومية إلى إلحاق أضرار بممتلكات الافراد، فإن الدولة تكون مسؤولة عن التعويض في ظل نظرية المسؤولية على أساس المخاطر ويكفي هنا إثبات علاقة السببية بين نشاط الإدارة والضرر الحاصل “.
[2]كما نورد ما جاء في الحكم المؤرخ في 2005/12/15 الصادر عن المحكمة الإدارية بمكناس حول الملف عدد 142/2004 ت والذى يشتكي فيه المدعي من الاضرار اللاحقة بواجهة محله التجارى بسبب المنشأة العمومية المتمثلة في تثبيت عمود كهربائي من طرف الوكالة المستقلة لتوزيع الكهرباء : ” حيث إن الوكالة وإن كانت تسير مرفقا عاما، فإن تسييرها هذا لا يجب أن يلحق ضررا بالغير .. “.
[3]Jean Dufau, Le droit des travaux publics, t. 1, Editions du Moniteur, Paris, 1988, p. 77 et suiv.
[4]Jean-Marie Aubu et Pièrre Bon, Droit administratif des biens, 2e Edition, Editions Dalloz, 1993, p. 296, Jean Dufau, Le droit des travaux publics, t. 1. Editions du Moniteur, Paris, 1988, p. 34 et suiv.
[5]للتوسع في الموضوع : أنظر عبد الرزاق أحمد السنهورى، الوسيط في شرح القانون المدنى، الجزء الثامن (حق الملكية)
ص.19 وما يليها.
[6]الفصل 5 من الظهير الشريف المؤرخ في 2 يونيو 1915 بتحديد المطبق على العقارات المحفظة كما تم تعديله وتتميمه.
[7]الفصل 6 من الظهير الشريف المؤرخ في 2 يونيو 1915 بتحديد المطبق على العقارات المحفظة كما تم تعديله وتتميمه.
[8]Jean Dufau, Le droit des travaux publics, t. 1, Editions du Moniteur, Paris, 1988, p. 81 et suiv.
[9]Jean-Marie Aubu et Pièrre Bon, Droit administratif des biens, 2e Edition, Editions Dalloz, 1993, p. 297, Jean Dufau, Le droit des travaux publics, t. 1. Editions du Moniteur, Paris, 1988, p. 85 et s.
[10]انظر الظهير الشريف المؤرخ في فاتح يوليوز 1914 كما تم تعديله وتتميمه المتعلق بتحديد وتنظيم الملك العام (ف.1). الظهير الشريف المؤرخ في 19أكتوبر 1921 المتعلق بالأملاك الخاصة بالبلديات كما تم تعديله وتغييره (ف. 2، 4، 5، 6). القرار الوزيرى المؤرخ في 31 دجنبر 1921 المتعلق بكيفية تدبير الاملاك الخاصة بالبلديات (ف ). الظهير الشريف المؤرخ في 28 يونيو 1954 المتعلق بالاملاك التي تملكها الفئات المزودة بجماعات إدارية (ف. 3.2، 9.4). الظهير الشريف رقم 308-62-1 المؤرخ في 7 شتنبر 1963 المتعلق بالإذن في التخلي للجماعات القروية بدون عوض عن قطع أرضية مخزنيه لازمة لبناء دور جماعية. المرسوم رقم 2-58-1341 المؤرخ في 4 فبراير 1959 المحدد بموجبه كيفية تسيير أملاك الجماعات القروية (ف. 2.1).
[11]CE.10-6-1921, Commune de Monsegur, Rec. 573, GAJA. 15° Edition, 2005, p235.
ففي عام 1908 أى بعد صدور قوانين الفصل ما بين الكنيسة والدولة حيث لم يعد مرفق الديانة مرفقا عاما وقع حادث في كنيسة مونسجور إذ تعلق 3 أطفال بحافة حوض الماء المقدس فانقلب الحوض وقطعت قطعة من الرخام ساق أحد الاطفال. وبمناسبة عرض القضية على مجلس الدولة الفرنسي، قضى بأن الاشغال التي تنفذ في الكنيسة لحساب شخص عام من أجل غرض ذي نفع عام تحتفظ بصفة الاشغال العمومية.
[12]TC.28/3/1955, Effimieff, Rec. 573, GAJA 15o edition 2005, p.476.
اعتبرت محكمة التنازع بمناسبة النظر في قضية افمييف أن الاشغال العقارية عندما تنفذ لحساب شخص خاص تعتبر أشغالا عمومية إذا كانت منفذة من طرف شخص عام وفي إطار مهمة مرفق عام. وبذلك أضافت عنصرا جديدا في تعريف الاشغال العمومية.
[13]المرسوم رقم 2-06-388 الصادر في 5 فبراير 2007 بتحديد شروط وأشكال إبرام صفقات الدولة وكذا بعض القواعد المتعلقة بتدبيرها ومراقبتها.
[14]Jean Dufau, Le droit des travaux publics, t. 1, Editions du Moniteur, Paris 1988, p. 87 et s.
[15]انظر الحكم عدد 110 الصادر عن المحكمة الإدارية بمراكش بتاريخ 1999/11/3 في قضية سقوط ابن المدعي من شرفة إحدى الشقق التابعة للمؤسسة الجهوية للتجهيز والبناء لجهة تانسيفت والذى قضت من خلاله بعدم الاختصاص النوعي للمحكمة بعلة “أن علاقة المدعي بالمؤسسة المدعى عليها تستند إلى عقد التفويت الرابط بينهما في إطار عمل المؤسسة التجارى والاقتصادى الخاضع للقانون الخاص وليس في إطار عملها ونشاطها العام بوصفها مؤسسة أو منشأة عمومية. ..”. وبالرجوع إلى حيثيات الحكم، فإننا نجده يجعل ما بين مصطلحات المنشأة العمومية والمرفق العام أو المؤسسة العمومية مترادفات بدل القول بأن الحادث غير ناتج عن منشأة عمومية و(نما هو ناتج عن منشأة خاصة تابعة للشخص العام، حكم منشور بالمجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية عدد 16، 2004، ص 350.
[16]CE.10-6-1921, Commune de Monsegur, Rec. 573, GAJA. 15° Edition, 2005, p235.
نورد هذا القرار للتمثيل للحالة التي لا يرتبط فيها مفهوم المنشأة العمومية بمفهوم المرفق العام : ففي عام 1908 أى بعد صدور قوانين الفصل ما بين الكنيسة والدولة حيث لم يعد مرفق الديانة مرفقا عاما وقع حادث في كنيسة مونسجور إذ تعلق3 أطفال بحافة حوض الماء المقدس فانقلب الحوض وقطعت قطعة من الرخام ساق أ حد الاطفال. وبمناسبة عرض القضية على مجلس الدولة الفرنسي قضى بأن الاشغال التي تنفذ في الكنيسة لحساب شخص عام من أجل غرض ذى نفع عام تحتفظ بصفة الاشغال العمومية.
[17]انظر الفصل 1 من الظهير الشريف المؤرخ في 1 يوليوز 1914 بشأن الاملاك العمومية، (ج. ر. 89 بتاريخ (1914/7/10).
[18]الظهير الشريف المؤرخ في 19 أكتوبر 1921 المتعلق بالأملاك الخاصة بالبلديات كما تم تعديله وتغييره (ف.2، 4، 5، 6)
[19]Jean Dufau, Le droit des travaux publics, t. 1, Editions du Moniteur, Paris 1988, p. 95 et suiv.
[20]Jean Dufau, Le droit des travaux publics, t. 1, Editions du Moniteur, Paris 1988, p. 99 et suiv.
[21]C. CASS, 1° civ,21-12-1987, B. R. G. M. GAJA 11e edition, p. 720.
[22]CE.271898 du 18/11/2005, Société fermière de CAMPOLORO et autre. Site numérique du conseil d’état.
وتجدر الإشارة إلى أنه على إثر الجدل الذى أثاره مجلس الدولة بقراره السالف الذكر (CAMPOLORO)، فإن المشرع الفرنسي قد تصدى لتداعياته بتأكيده تشريعيا على مبدأ عدم الحجز على الاموال التابعة للأشخاص العامة من خلال الفصل 1-2311 من المدونة العامة للملكية المتعلقة بالأشخاص العامة. انظر:
Mangue,Bachelier, Genèse et présentation du code général de la propriété des personnes publiques, AJDA, 2006, p.1073 et suiv.
– انظر كذلك على سبيل المثال بالنسبة للاجتهاد القضائي المغربي و(ن كان يتعلق بالحجز على المنقولات وليس العقارات، الحكم عدد 833 بتاريخ 2002/12/10 الصادر عن المحكمة الإدارية بفاس في شأن الحجز على سيارات الجماعة الحضرية بفاس. ويدخل الحكم المشار إليه أعلاه ضمن سلسلة أحكام جاءت للرد على موقف الإدارة من تنفيذ الاحكام القضائية، وهو موقف لم يكن كله غير مبرر. فالقواعد الجبرية المدنية المحال عليها بموجب المادة 7 من القانون رقم 41-90لا تجد لها تطبيقا في مواجهة أشخاص القانون العام، ومن تم يبقى تنفيذ الاحكام القضائية الإدارية مرتبط بحسن نية الإدارة وامتثالها طواعية للتنفيذ. واستنادا على السياق التاريخي والواقعي لصدور هذه الاحكام، الاكثر جرأة، يبدو أنها جاءت في إطار التهديد بالنسبة للإدارات المحكوم عليها، والمناورة والضغط على الجهات المعنية للإسراع بضرورة إيجاد كية قانونية ناجعة تمكن القضاء من إجبار الإدارة على تنفيذ الاحكام والقرارات الصادرة في مواجهتها ترسيخا لمبدأ سيادة القانون واستكمالا لدولة الحق، أكثر ما جاءت في إطار مناقشة إمكانية الحجز على الاموال العامة، والتي يعرف الجميع أن متابعة مسطرتها لن تتيسر بسبب الانظمة الخاصة التي تحكمها. وبخصوص موضوع الحجز نعتقد شخصيا أنه لابد أولا، من التمييز بين المرافق التي تدار بطريقة مباشرة وتلك التي تدار بطريقة غير مباشرة، والتمييز كذلك ضمن هذه الفئة الاخيرة ما بين المؤسسات العمومية وشركات الاقتصاد المختلط والامتياز والتدبير المفوض. ثم ثانيا حصر لاستثناءات (وإن كان لابد منها) التي يمكن قبولها للقول بإمكانية الحجز على أموال الاشخاص العامة في تلك المتعلقة بالأموال الخاصة التابعة للمرفق العام وليس الاموال العامة للمرفق العام التي تحكمها قواعد خاصة، وكل ذلك في الحدود التي لا تمنع من سير المرفق ذاته والاستمرار في أداء خدماته للجمهور.
[23]الظهير الشريف رقم 1-59-413 بتاريخ 26 نونبر 1962 بالمصادقة على مجموعة القانون الجنائي كما تم تغييره وتتميمه.
[24]ظهير شريف رقم 1-92-31 صادر في 17 يونيو 1992 بتنفيذ القانون رقم 012-90 المتعلق بالتعمير، ج. ر. عدد 4159 بتاريخ 15 يوليو 1992، ص. 887.
[25]القانون رقم 90-25 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 7-92-1 المؤرخ في 17 يونيو 1992.
[26]CE Sect 9 avril 1991,EP. Dénard et Martin. AJ 1991, p. 563
[27]AJDA, 2002, p. 1229.
[28]AJDA, 2003, p. 761
[29]Bulletin de jurisprudence de droit de l’urbanisme, 2009, p. 35 et suiv.
[30]AJ, 1994, p. 339.
[31]René Chapus, Droit administratif général, t. 2, 8e édition, p. 502
[32]Cour de Cassation, Bulletin2003, III n° 92, p. 84.
[33]Michel Rousset, Droit administratif marocain, 6e édition 2003, La Porte, p. 793.
[34] المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 86، 2009، ص 243.
[35]الحكم عدد 187 بتاريخ 2008/6/12 في الملف عدد 2006/12/216 ش الصادر عن المحكمة الإدارية بمراكش، غير منشور.
[36]الاجتهاد القضائي المغربي، قرارات الغرفة الإدارية القرص الرقمي2004-1957.
[37]28 mai 1971, Ministre de l’équipement et du logement c/ Fédération de défense des personnes concernées par le projet actuellement dénommé, Ville nouvelle Est, Rec. Lebon p. 409.
[38] الاجتهاد القضائى المغربى، قرارات الغرفة الإدارية، القرص الرقمى 2004-1957



اترك رد