التعدد المعنوي للجرائم في قانون العقوبات القطري

The moral plurality of crimes in the Qatari Penal Code

?الباحث :محمد غانم محمد بوصابر الكبيسي

Researcher: Muhammad Ghanem Muhammad Busaber Al-Kubaisi

باحث في برنامج الماجستير في القانون العام بكلية القانون- جامعة قطر

Researcher in the Master’s Program in Public Law at the College of Law – Qatar University

ملخص:

يتحقق التعدد المعنوي للجرائم عندما يرتكب الجاني فعل أجرامي واحد ينتج عنه أكثر من نتيجة إجرامية ومن ثم تنطبق عليه عدة نصوص تجريميه ، وهو بذلك خلاف من يرتكب فعل أجرامي واحد ينتج عنه نتيجة اجرميه واحدة بالمخالفة لأحدى نصوص القوانين الجزائية، ومن ثم يثير التعدد المعنوي للجرائم مشكلة العقوبة التي توقع على الجاني أهي عقوبة واحدة أم عقوبات متعددة تتعدد بتعدد النتائج الإجرامية التي نتجت عن فعل المتهم ، إذ أن الأصل بأن تتعدد العقوبات بتعدد الجرائم المرتكبة، إلا أن هذا يأتي بالمخالف للدور الإصلاحي للعقوبة ، إذ أن في تعدد العقوبات في هذه الحالة فيه أهلاك للجاني وقد تستغرق كل حياته في تنفيذ تلك العقوبات.

فأن كانت الغاية الإصلاحية للعقوبة تتمثل في عدم إنزال جميع العقوبات على الجاني ، فأن التساؤل يثور حول تلك العقوبة التي يجب معاقبة الجاني بها في حال التعدد المعنوي و الاكتفاء بها ، ويمكن القول هنا بأن لا تتحقق تلك الغاية إلا بإنزال العقوبة الأشد لتلك الجرائم ، ففيها  يتحقق الدور الإصلاحي للعقوبة و تحقيق العدالة ، وهو ما أخذ به المشرع القطري وهو أيضاً ما ذهب إليه الفقه الإسلامي مع الاختلاف بينهما في مفهومه و حدوده.

Summary:

The moral plurality of crimes is achieved when the offender commits one criminal act that results in more than one criminal result, and then several criminal provisions apply to him, which is unlike the one who commits one criminal act that results in one criminal result in violation of one of the provisions of the penal laws, and then the moral plurality of crimes raises a problem The penalty imposed on the offender is one penalty or multiple penalties that are multiple according to the multiple criminal consequences that resulted from the accused’s act, as the principle is that the penalties are multiplied by the number of crimes committed, but this comes in contravention of the reforming role of the penalty, as in the multiplicity of penalties in this case there is destruction The offender may spend his whole life in carrying out those penalties.

If the reformist goal of the penalty is not to inflict all the penalties on the offender, then the question arises about that penalty that the offender must be punished with in the case of moral plurality and it is sufficient for it. The reformative role of punishment and the achievement of justice, which is what the Qatari legislator has taken, and it is also the view of Islamic jurisprudence with the difference between them in its concept and its limits.

المقدمة:

الأصل أن الجريمة تقع بمخالفة إحدى نصوص قانون العقوبات وفي هذه الحالة  ينطبق عليها الوصف القانوني الذي يحدده النص ، إلا أنه في بعض الأحيان قد يرتكب الجاني سلوكاً إجرامياً واحداً يترتب عليه أكثر من نتيجة إجرامية و تنطبق عليه عدة نصوص ، ففي هذه الحالة يعتبر النشاط الإجرامي الواحد قد تكونت به عدة جرائم بقدر عدد النصوص المجرمة له وهذا ما يعرف  بالتعدد المعنوي للجرائم وهو موضوع بحثنا وسوف تشمل الدراسة بيان ماهية التعدد المعنوي وحكمة والعناصر القانونية المكونة له وتتمثل في وحدة الفعل وتعدد أوصاف الفعل الواحد ، وكذلك التمييز  بينه وبين التعدد الظاهري بين النصوص الذي يشترك معه في وحدة النشاط الإجرامي وهو أحد عناصر الركن المادي ، كما سوف تتناول الدراسة العقاب على التعدد المعنوي ومصير العقوبات الفرعية للجرائم الأخرى في حال إنزال عقوبة الجريمة الأشد وهذا ماسوف نتاوله تفصيلاً في بحثنا .

أولاً: أهمية الموضوع:

أن أهمية الموضوع تأتي من أهمية العقوبة ودورها الإصلاحي و تحقيقاً للعدالة و الانسجام بينهما إذ أن القوانين لم توضع إلا تحقيقاً للعدالة فمن ثم يجب إلا يكون استخدامه مخالفاً لها فعندما يضع المشرع عقوبة الجريمة الأشد كعلاج لتعدد الجرائم يجب أن يكون ذلك في فلك العدالة و الانصاف لا أن يكون من قبيل المكافأة التي يحصل عليها الجاني عند ارتكابه عده جرائم فيكون أفضل حالاً وفق معاير العدالة من الجاني الذي أرتكب جرماً واحداً، ومن هنا تبرز أهميه الدراسة فالملائمة و الموائمة بين العقوبة و العدالة مطلوب أعمال أثرهما وخاصة للمنتمين للسلك القضائي عند اصدارهم الأحكام الجنائية التي يتحقق بها التعدد المعنوي للجريمة، سيما وأنه لم يتبين للباحث بأن هناك دراسات تناولت هذا موضوع التعدد المعنوي في قانون العقوبات القطري.

ثانياً: مشكلة البحث:

أن البحث يبرز المشكلات التي قد تثور عند القائمين على تطبيق العقوبة في حالة التعدد المعنوي للجرائم ، إذ أنه و في بعض الأحوال قد يرتكب الجاني سلوكاً إجرامياً واحداً يترتب عليه أكثر من جريمة ، بحيث ينطبق عليه عدة نصوص عقابيه ، ففي هذه الحالة هل يعتبر النشاط الإجرامي الواحد قد تكونت منه عدة جرائم بقدر تعدد النصوص التي تمت مخالفتها ؟ أم يعتبر الجاني قد ارتكب جريمة واحده رغم تعدد تلك النصوص ؟ ، وهل يجوز للقاضي النطق بكافة العقوبات على أن يقتصر التنفيذ على أشدها ؟، وما مصير العقوبات التبعية و التكميلية للجرائم الأخف هل يمتد أعمال النص المادة 84 من قانون العقوبات لها أم ينحصر فقد فالعقوبات الأصلية دون التبعية ؟ وفي امتناع العقاب على الجريمة الأشد هل يمتنع العقاب على الجريمة التي تليها في الشدة؟ ،وأخيراً هل جاءت نصوص قانون العقوبات القطري بشأن التعدد المعنوي للجرائم متفقه مع موقف الشريعة الإسلامية بهذا الصدد خاصة عند تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية وفق أحكام المادة الأولى من قانون العقوبات القطري ؟

ثالثاً: منهجية البحث:  

وقد اتبع الباحث في هذا البحث المنهج المقارن، وذلك من خلال بيان هذه القاعدة في العديد من التشريعات ، وكذلك المنهج التحليلي من خلال تحليل النصوص القانونية في القانون القطري.

رابعاً : هيكلية البحث:

وسوف نتطرق لحيثيات الموضوع من خلال تقسيم البحث إلى خمسة مطالب وهي كالتالي:

المطلب الأول: ماهية التعدد المعنوي وحكمه.

المطلب الثاني: العناصر القانونية للتعدد المعنوي.

المطلب الثالث: التعدد المعنوي وتنازع النصوص القانونية.

المطلب الرابع : العقاب على التعدد المعنوي.

المطلب الخامس:اجتماع الجرائم المعنوي في الشريعة الإسلامية

ونختم البحث بخاتمة تتضمن الاستنتاجات والتوصيات أملين الاخذ بها من المعنين بالأمر.

     المطلب الأول

ماهية التعدد المعنوي وحكمه

يضم هذا المبحث مطلبين ، أولهما يتناول ماهية التعدد المعنوي حسبما جاءت به نصوص قانون العقوبات القطري. وثانيها يبحث في حكم التعدد المعنوي ومدى تأثير ذلك على العقاب، متطرقاً لاختلاف آراء الفقهاء في ذلك.

الفرع الأول

ماهية التعدد المعنوي

نصت المادة (( 84)) من قانون العقوبات القطري على هذا النوع من التعدد حيث عرفته كالتالي: ” إذا كون الفعل الواحد جرائم متعددة ، فيجب اعتبار الجريمة التي عقوبتها أشد، والحكم بعقوبتها دون غيرها” و من هذا النص يتضح أن التعدد المعنوي يتحقق كلما أرتكب الشخص فعلاً واحداً نتج عنه أكثر من جريمة أي أنه يتحقق التعدد المعنوي في الفروض التي يخالف فيها الشخص بسلوك واحد نصاً تجريمياً أكثر من مرة أو يخالف أكثر من نص تجريمي، ,وبالتالي تتحقق أكثر من جريمة([1])،بحيث أن هناك فعلاً واحداً يخضع لأكثر من وصف أو تكييف جنائي حتى بعد استبعاد التكييفات المتعارضة والزائدة، حيث أن التكييفات الباقية لا يستبعد بعضها بعضاً وأن العلاقة بينها تتعدى التزاحم الظاهري للنصوص، بحيث أن الفعل المرتكب ينطبق عليه جميع النماذج القانونية للجرائم التي يثيرها وذلك ما دعا الفقه إلي أن يصف ذلك التعدد بأنه معنوي أو صوري أو حكمي أو ذهني ، أي أنه تعدد شكلي أو قانوني فحسب وليس تعدداً حقيقياً قائماً على أفعال مستقلة([2]).

ومن الأمثلة العملية لهذا النوع من التعدد أن يرتكب الجاني اغتصاباً أو هتك عرض في الطريق العام، فتقوم بفعله جريمتـــــا (( الاغتصاب و هتك العرض )) والفعل الفاضح العلني، أو أن يستعمل الجاني محرراً مزوراً للحصول على مال الغير عن طريق الاحتيال، فتقوم جريمتا استعمال محرر مزور والاحتيال ، والأمثلة العملية في هذا المجال كثيرة ولا يمكن حصرها ، ويدخل في التطبيقات التقليدية للتعدد المعنوي كذلك تعدد أوصاف العمل الواحد إذا أفضى هذا الأخير إلى عدة نتائج، سواء كانت من طبائع متباينة أو متماثلة، ومن النوع الأول أن يقود الجاني سيارته بسرعة تجاوز الحد المسموح به فيفضي ذلك إلى إتلاف سيارة أخرى و وفاة قائدها وإصابة أحد المارة,  ، و من النوع الثاني أن يطلق الجاني رصاصة تخترق جسد المجني عليه فتقتله و تنفذ منه لتقتل آخر أو تصيبه ([3]).

الفرع الثاني

حكم التعدد المعنوي

يثور التساؤل عن مدى تأثير التعدد المعنوي محل البحث على نطاق العقاب، فقد اختلف الرأي في طبيعة التعدد المعنوي وهل ينطوي في واقع أمره على جرائم متعددة أو على جريمة واحدة؟.

 ذهب رأي في الفقه إلى أنه لا تعدد في الحقيقة، وإنما التعدد محض تصور نشأ عن تطبيق أحكام القانون، فهو تعدد في الأوصاف لا في الجرائم، وإنما تتعدد الجرائم حين تتعدد الأفعال، فإذا كان الفعل واحداً لم تقم به إلا جريمة واحدة، ولو تعددت أوصافه([4]).

و نرى أن هذا الرأي يربط بين الجريمة والفعل، فما دام القانون قد جعل لكل جريمة فعلاً فلا يمكن أن تتعدد الجرائم إلا إذا تعددت الأفعال. ويستدل أنصار هذا الرأي بأن حكم التعدد المعنوي  كان مقرراً في فرنسا رغم عدم وجود نص يقضي به وكان مقرراً أيضاً في مصر قبل أن ينص المشرع عليه، حيث قضت محكمة النقض المصرية في حكم لها بأن الفقرة الأولى من المادة (32) من قانون العقوبات المصري، والخاصة بالتعدد المعنوي للجرائم و التي تقابل المادة(84) من قانون عقوبات قطري، دلت بصريح عبارتها على أنه في الحالة التي يكون فيها للفعل الواحد عدة أوصاف يجب اعتبار الجريمة التي تمخض عنها الوصف أو التكييف القانوني الأشد للفعل والحكم بعقوبتها دون غيرها من الجرائم التي قد تتمخض عنها الأوصاف الأخف ([5]) .

و ذهب رأي آخر إلى أن التعدد المعنوي ينطوي على تعدد في الجرائم لا على جريمة واحدة، و أن هذا التعدد حقيقة قانونية لا مجرد تصور. ويرفض هذا الرأي أن يكون مناط تعدد الجرائم هو تعدد الأفعال المكونة لها، على أساس أن الفعل الواحد يمكن أن يدخل عنصراً في أكثر من جريمة وأنه قد يؤدي إلى العدوان على أكثر من حق فلا ينبغي أن تحول وحدته دون تعدد الجرائم الناشئة عنه ([6]).

والرأي الثاني هو الصحيح ، لأن تعدد الجرائم لا يقتضي بالضرورة تعدداً للأفعال وإنما تعدد الجرائم إذا تعددت الوقائع واشتملت كل واقعة في ذاتها على العناصر القانونية اللازمة لاعتبارها جريمة ، ولا ينتفي التعدد لاشتراك عدة جرائم في فعل واحد وذلك لأن الفعل يعتبر عنصراً من عناصر الجريمة ، والمشرع لا يسبغ وصف الجريمة على الفعل بمفرده بل عليه و على عناصر أخرى، فإذا اقترن الفعل بجملة عناصر وكانت كل مجموعة تكون جريمة فإنكار هذا التعدد في تلك الحالة يعد تجاهلاً للحقيقة القانونية.

وعليه، ومما تقدم فإن المناط في وحدة أو تعدد الجرائم ينبغي أن يكون هو وحدة الحق المعتدى عليه أو تعدده ، أما الأخذ بالفعل دون الحق المعتدى عليه فيعد إهداراً للحقوق وتجريداً لها من الحماية التي فرضها المشرع لها، ولا يقصد من المادة ((84)) من قانون العقوبات القطري إيقاع العقوبة الأشد أنه لم يقع غيرها، ولكن المشرع يكتفي بالعقاب بهذه العقوبة، وهذا المعنى واضح حيث أنه صرح بأن الفعل الواحد يمكن أن يكون ” جرائم متعددة ” وهذا تصريح من المشرع بتعدد الجرائم أبتداءاً والعقوبات جمعاً، ولا يقدح في ذلك خروج المشرع عن الأصل وفرضه عقوبة واحدة، وهذا الأمر يتصل بسياسة العقاب ولا يقتصر على التعدد المعنوي وهو كذلك ملحوظ في بعض أحوال التعدد المادي.

    المطلب الثاني

العناصر القانونية للتعدد المعنوي

  نصت المادة ” 84 ” من قانون العقوبات القطري على أنه((إذا كون الفعل الواحد جرائم متعددة، فيجب اعتبار الجريمة التي عقوبتها أشد،والحكم بعقوبتها دون غيرها)).و من هذا النص يتضح لنا أن التعدد المعنوي يقوم على عنصرين هما:

1ـ وحدة الفعل .

2ـ تعدد الأوصاف.

وسنتكلم عن كل عنصر في مطلب مستقل.

الفرع الأول

وحدة الفعل

وحدة الفعل هنا تعني السلوك الإجرامي الواحد ، أي أنه النشاط الجسماني الواحد سواء تألف من فعل أو امتناع عن فعل مادي واحد معاقب عليه بأكثر من نص قانوني ، كإطلاق رصاص أو إلقاء قنبلة وكذلك يعتبر السلوك الإجرامي واحداً و إن كان مكون من عدة أفعال تكمل بعضها بعضاً في صوره نشاط جسماني واحد([7]) ، وهذا العنصر يميز بين التعدد المعنوي والتعدد المادي ، ذلك أنه إذا تعددت الأفعال وتعددت تبعاً لذلك الجرائم الناشئة عن كل منها ، فذلك تعدد مادي([8]).

و وحدة الفعل لا يؤثر عليها تعدد الأفعال التحضيرية للجريمة، مادام الفعل المنفذ واحداً، فمن قام بإرسال خطابات ورسائل لمجموعة من الأشخاص لكي يتجمعوا في مكان واحد ومن ثم قام بنسف هذا المكان، فمات البعض وجرح البعض تعتبر جريمته جريمة واحدة مقترنة بحالة تعدد جرائم معنوي ([9]).

الفرع الثاني

تعدد الأوصاف

   إن حالة تعدد الجرائم المعنوي تقوم إذا تعددت أوصاف الفعل الواحد، وأوصاف الفعل الواحد تتعدد إذا انطبقت عليه عدة نصوص مختلفة، سواء أكانت في قانون واحد أو عدة قوانين ([10])، كفعل من يطلق عياراً نارياً على شخص معين بقصد قتله فيجرحه جرحاً يقعده عن عمله مدة تجاوز عشرين يوماً فهذا السلوك الإجرامي يشكل من جهة جنحة الاعتداء المعاقب عليها في قانون العقوبات القطري في المادة (308) وعقوبتها كالتالي , الحبس مدة لا تتجاوز سنتين وبالغرامة التي لا تزيد على عشرة آلاف ريال أو بإحدى العقوبتين ، ومن جهة ثانية تشكل جناية الشروع في القتل المعاقب عليها بذات القانون وقد تصل فيها العقوبة إلى خمس عشرة سنة، أو كفعل من يوجه في محل عام كلاماً مخلاً بالآداب العامة إلى فتاة فهو يرتكب جنحة المضايقة والإزعاج المعاقب عليها بالمادة (293)من قانون العقوبات القطري وكذلك جنحة الفعل الفاضح العلني المؤثمة بالمادة (290) من ذات القانون.

هذه أمثلة للحالات التي تتعدد فيها أوصاف الفعل الواحد فنكون أمام حالة تعدد الجرائم المعنوي، ويوصف بأنه معنوي لأنه في الواقع صوري لا حقيقي مادام الفاعل لم يقترف إلا فعلاً واحداً .

المطلب الثالث

التعدد المعنوي وتنازع النصوص القانونية

 قد يخلط البعض بين التعدد المعنوي وتنازع النصوص، ولعل الجامع بين التعدد المعنوي وتنازع النصوص هو خضوع الفعل المرتكب لأول وهلة لأكثر من نص جنائي ،غير أن تعدد النصوص في حالة التنازع تعدد ظاهري لا حقيقي، إذ لا تحتمل الواقعة إلا نصاً قانونياً واحداً إذا أمكن تحديده استبعد ما عداه، أما في حالة التعدد المعنوي فإن النصوص لا تتنافى بل تنطبق جميعاً ويترتب على ذلك أن الفعل في حالة التنازع لا يحكمه غير نص واحد ولا يثمر إلا جريمة واحدة، أما في حالة التعدد المعنوي فإن الفعل ينطبق عليه أكثر من نص ويتمخض عنه عدة جرائم ([11]).

   ويشترك التعدد المعنوي للجرائم مع التعدد الظاهري بين النصوص في وحدة النشاط الإجرامي ، وهو أحد عناصر الركن المادي فإذا كان النشاط الإجرامي الواحد يحكمه أكثر من نص قانوني وكان كل نص قانوني يضفى على الجريمة تكييفاً قانونياً يضم بداخله تكييفاً آخر أو أكثر كانت العبرة بالتكييف الأكبر ، الأمر الذي يتوافر معه التعدد الظاهري للنصوص أي أنه يولد دائرة كبرى لتكييف قانوني معين يضم بداخلها دائرة صغرى أو أكثر لتكييف قانوني آخر وتكون العبرة هي بالتكييف القانوني الذي يمثل الدائرة الكبرى والذي أستغرق التكييف الأصغر .

أما إذا كان التكييف القانوني الذي يحدده النص القانوني يتداخل في جزء منه مع نص آخر بحيث إذا مثلناه بدائرة معينة تقاطع مع دائرة أخرى ولم يندمج بداخلها كنا بصدد تعدد معنوي بين الجرائم.

وفي حالة التعدد المعنوي بين الجرائم تتعدد النصوص الواجبة التطبيق على الواقعة الواحدة في مجال تحديد الجرائم التي يتكون منها النشاط الإجرامي ومع ذلك فإنه بالنسبة للعقوبة يوجد نص واحد واجب التطبيق هو نص الجريمة ذات العقوبة الأشد .

أن التكييف القانوني يسهم في التميز بين وحدة الجريمة وتعددها ، فإذا توافر في النشاط الإجرامي الواحد أكثر من تكييف قانوني يستغرق أحدها الأخر كنا حيال جريمة واحدة يحكمها تعدد ظاهري بين النصوص ويجب الاعتداد بالوصف الذي يبنيه أحد هذه النصوص وفقاً للمبادئ السابق بيانها .

أما إذا توافر في النشاط الإجرامي الواحد عدة تكييفات قانونية يتقاطع أحدها مع الآخر متعددة تعدداً معنوياً بقدر تعدد هذه التكييفات القانونية ([12]).

ومن الأفعال التي يقع بشأنها التنازع دون التعدد أن يختلس موظف عام مالاً عهد به إليه بسبب وظيفته ، فهذه الواقعة يتنازع عليها نص المادة ( 148) من قانون العقوبات القطري الخاصة بجناية الاختلاس ، ونص المادة ( 362 )من ذات القانون و الخاصة بخيانة الأمانة،وهذا التنازع ينبغي فضه لأنه يمنع قانوناً انطباق النصين معاً والقاعدة هنا أن الخاص يقيد العام ويكون النص خاصاً إذا كان يشتمل على كل العناصر التي يحويها هذا النص ويزيد عليها عنصراً أو أكثر ([13]) وفي حالة المقارنة بين النصين السابقين ، نرى أن النص الأول يزيد عليه بعنصرين : العنصر الأول كون صفة الموظف تلحق بالجاني، والعنصر الثاني تسليم المال إليه بسبب و ظيفته، وعليه يكون نص الاختلاس واجب التطبيق.

   أما التعدد المعنوي فإن النصوص المختلفة فيه لا تتنافى لأن أياً منها لا يستغرق الآخر، فالعلاقة بينهما ليست علاقة عام بخاص، وتشترك النصوص فيما بينها في عنصر (الفعل) وتختلف في بقية العناصر، فمثلاً هتك العرض في مكان عام يخضع لكل من المادتين اللتين تجرمان هتك العرض والفعل الفاضح العلني حيث أنها تعد جريمتين لا واحدة، إلا أن المشرع قرر بالاكتفاء بعقوبة الجريمة الأشد وهي جريمة هتك العرض.

 وقد يتبادر إلى أذهان البعض طالما النتيجة العملية واحدة في تنازع النصوص والتعدد المعنوي وهي الحكم بعقوبة واحدة فإن الخلاف هنا يصبح نظرياً، وهذا غير صحيح، حيث إنها تشير إلى أن العقوبة الواجبة في حالة التعدد المعنوي هي دائماً عقوبة الجريمة الأشد، أما في حالة التنازع فالعقوبة هي التي يقررها النص الخاص سواء كانت أشد أو أخف ([14]).

    كذلك فإنه إذا كانت الدعوى الجنائية يتوقف رفعها على تقديم شكوى أو طلب وكنا بصدد حالة تنازع فإن عدم تقديم الشكوى أو الطلب يوجبه النص الخاص يحول دون رفع الدعوى الجنائية على الجاني تماماً، أما إذا كنا بصدد تعدد معنوي فإن امتناع رفع الدعوى عن الجريمة الأشد لا يحول دون رفعها عن الجريمة الأخف إذا كان رفعها لا يستلزم تقديم شكوى أو طلب. وكذلك الحكم إذا انقضت الدعوى الجنائية بعد رفعها بالتنازل أو العفو، إذ يتعين على المحكمة القضاء بإنقضاء الدعوى الجنائية بالتنازل في حالة التنازع ، أما في حالة التعدد المعنوي فإنها تلتزم بمحاكمة الجاني عن الجريمة الأخف ([15]).وعلى هذا الأساس قضت محكمة التمييز القطرية بالاتي: “لما كان الحكم قد دان الطاعن بجريمة مواقعه أنثى برضاها و جريمة دخول مسكن بغير رضاء صاحبه وأوقع عليه العقوبة المقررة للجريمة الأولى باعتبارها عقوبة الجريمة الأشد عملاً بالمادة(84) من قانون العقوبات للارتباط ، فإنه لا يجدي المتهم ما يثيره بشأن بطلان إحالة النيابة العامة للمتهمة الثانية لعدم وجود شكوى من المجني عليه أو وكيله الخاص و أن مصلحته في هذه الحالة تكون منتفية “([16]).

المطلب الرابع

العقاب على التعدد المعنوي

أن المشرع القطري أسوة بغيره من المشرعين الجنائيين بين العقوبة الواجبة التطبيق في حال تعدد المعنوي للجرائم، وسوف نرى في هذا المبحث مقارنة بين قانون العقوبات القطري وغيره من القوانين الجنائية المقارنة كيف تنبه المشرع القطري إلى بعض النقاط الأساسية في العقاب على التعدد المعنوي و التي أثارت جدلاً فقهياً وقضائياً كبيراً. بحيث نص عليها في نصوص واضحة لحل ذلك النزاع وهو ما سوف أتناوله بالتفصيل في الفروع التالية  .

الفرع الأول

العقوبة الواجبة التطبيق

 نص المشرع القطري في قانون العقوبات على أن العقوبة الواجبة التطبيق في حالة التعدد المعنوي للجرائم هي العقوبة المقررة لأشد الجرائم المرتكبة ، والخطاب في المادة (84) منه موجه إلى القاضي لا إلى السلطة المنوط بها تنفيذ العقوبة، حيث أنه لا يجوز للقاضي أن يحكم بالعقوبة المقررة لكل جريمة ثم يترك تعيين العقوبة الأشد إلى السلطة المختصة بتنفيذها، بل يجب على القاضي أن يعين هذه العقوبة وأن يقتصر في حكمه على النطق بها ([17]).

وسبيله إلى ذلك المقارنة بين العقوبات المقررة لكل الجرائم المرتكبة، و العبرة عند المقارنة هي بتقدير القانون للعقوبة الأصلية ([18]),وفقا لترتيبها في المادة (57) من قانون العقوبات القطري حيث نصت على أن ” العقوبات الأصلية هي :1ـ الإعدام 2 ـ الحبس المؤبد 3 ـ الحبس المؤقت 4 ـ الغرامة “.

فإذا اتحدت عقوبات الجرائم درجة ونوعاً وجب المقارنة على أساس الحد الأقصى دون الاعتداد بالحد الأدنى، فإذا كان الحد الأقصى واحداً كانت العبرة عندئذ بالحد الأدنى ، فإذا تساوى الحدان وجب النظر إلى ما يلحق بالعقوبة الأصلية من عقوبات فرعية و آثار جنائية ([19]).

وهذا ما سار عليه القضاء المصري في أحكامه حيث قررت محكمة النقض المصرية أن تحديد العقوبة المقررة لأشد الجرائم يقضى بها على الجاني طبقاً للمادة 32/1 عقوبات مصري والتي تقابلها المادة 84 عقوبات قطري ، هي بتقدير القانون للعقوبة الأصلية وفقاً لترتيبها في المواد 10 و 12 و12 من قانون العقوبات المصري ([20]).

وعلى أي حال فإنه لما كان المشرع قد جعل العقوبة الأشد هي الواجبة التطبيق فإنه يكون قد ألزم القاضي بتطبيق أشد النصوص، ولما كان القانون الأشد الوجه المقابل للقانون الأصلح للمتهم فعلى القاضي لتحديد القانون والنص الأشد في حالة التعدد أن يقلب الضوابط التي يلجأ لها عندما يريد تحديد القانون الأشد للمتهم لكي يصل إلى العقوبة الأشد ([21] ) بناء على ما جاء في نص المادة (84) من قانون العقوبات القطري.

وعليه إذا تعين للقاضي العقوبة المقررة للجريمة الأشد وجب عليه الحكم بها كاملة، أي بكل ما تشتمل عليه من عقوبات أصليه وتبعية وتكميلية و وجوبيه. وإذا كانت العقوبة الأصلية ذات حدين فللقاضي أن يحكم بها فيما بين حديها، وليس لزاماً عليه أن يحكم بها في حدها الأقصى، وقد يؤدي ذلك إلى الحكم بأقل من الحد الأقصى المقرر لعقوبة بعض الجرائم الأخف ([22]).

     ولكن ، هل يجوز النطق بكافة العقوبات على أن يقتصر التنفيذ على أشدها فقط ؟.

 ينص القانون على وجوب الحكم بعقوبة الجريمة الأشد وحدها دون غيرها، هذه القاعدة في الحقيقة لا تخلو من عيب يظهر أثره في العمل ، فالمتهم ارتكب عدة جرائم يجب تقدير القضاء لكل جريمة منها على حده بنسبة ما أوقعه من ضرر عام وخاص وتوافر أركان الجريمة ونسبتها إليه، فإذا نطق القاضي بعقوبة الجريمة الأشد وحدها، فالمعنى الذي يستخلصه من ذلك أن سائر الجرائم قد تحول عنها نظر المحكمة , ولكن ظاهر النص القانوني يمنع النطق بغير عقوبة واحدة وهي عقوبة الجريمة الأشد ([23]).

وأما القول بجواز النطق بعدة عقوبات فإنه يتعارض مع ظاهر نص القانون، ويرى بعض الشراح الفرنسيين مسايرة للنص: النطق بالعقوبة الأشد وحدها على أن تعد في الوقت نفسه جزءاً لا يتجزأ من باقي العقوبات لتحقيق العدالة([24]).

الفرع الثاني

مصير العقوبات التبعية والتكميلية للجرائم الأخف

القاعدة في التعدد المعنوي أن عقوبة الجريمة الأشد هي التي تطبق وتحل محل العقوبات الأصلية للجرائم الأخف، أما العقوبات الفرعية سواء كانت تبعية أو تكميلية فأختلف الفقه والقضاء بشأنها حيث أن جانباً من الفقه يرى أن المشرع إذ أوجب الحكم على الجاني بعقوبة واحدة هي عقوبة الجريمة الأشد دون غيرها فإنه بذلك استبعد سائر النصوص الأخرى، واستبعاد النص يشمل كل ما قضى به من عقوبات أصليه وتبعية و تكميلية ([25]).

غير أن في الفقه رأياً يذهب إلى أن الجب يقتصر نطاقه على العقوبات الأصلية والتبعية المقررة للجرائم الأخرى دون ما عداها من جزاءات تخصها، ولذلك فإن الحكم بعقوبة الجريمة الأشد لا يحول دون الحكم على الجاني بالعقوبات التكميلية المقررة للجرائم الأخرى ([26]).

أما محكمة النقض المصرية فكانت تجري في أحكامها على الرأي الثاني  ، غير أنها عدلت عن هذا الرأي في حكم حديث لها واعتنقت الرأي الأول([27]). حيث أنها فرقت في حكمها الأخير بين الفقرة الأولى والثانية من المادة ( 32) من قانون العقوبات المصري ولم توجب توقيع العقوبات التكميلية المقررة للجريمة الأخف إلا بالنسبة للفقرة الثانية التي تختص بالتعدد المادي للجرائم الذي لا يقبل التجزئة استناداً إلى أن المشرع ختم الفقرة الأولى من المادة (32) بعبارة ” دون غيرها ” ومن ذلك يفهم بأن تقتصر عقوبة الجريمة الأشد وتجب كل العقوبات الأخرى للجرائم الأخف ولو أراد المشرع غير ذلك لنص عليه في الفقرة الثانية التي ذكرت فيها عبارة ” الحكم بعقوبة الجريمة الأشد ” , إلا أن ما ذهبت إليه محكمة النقض المصرية في رأيها الأخير حول اختلاف الصياغة بين الفقرتين كان سنداً لعدولها عن المبدأ الأول حيث أن تلك العبارة بصياغتها لا تعدو أن تكون استطراداً لم يضف للنص جديداً ، حيث أن القول باعتبار الجريمة الأشد والحكم بعقوبتها يتساوى مع القول بالاقتصار على هذه العقوبة دون غيرها ولو حذفت تلك العبارة ما نقص من معناها شيء([28])

    إن المشرع القطري تدارك النزاع الفقهي والقضائي الذي ثارت ثائرته في تحديد مصير العقوبات الفرعية فقد حسم النزاع في المادة (86) من قانون العقوبات القطري حيث نصت المادة ” لا يخل الحكم بالعقوبة الأشد المقررة للجريمة، في المادتين (84، 85 ) بتوقيع العقوبات الفرعية المقررة للجرائم الأخرى” .

وبذلك نقول بأن المشرع القطري سد باب النزاع والنقاش في مصير العقوبات الفرعية التي تندرج تحتها العقوبات التبعية و التكميلية ،  حيث أن النص جاء واضحاً بأن للقاضي أن يحكم بالعقوبات الفرعية للجرائم الأخف عندما يوقع عقوبة الجريمة الأشد.

   وعليه فلو ذكرنا الفرق بين قانون العقوبات القطري والمصري بهذا الصدد فسوف نجده كالتالي :

إن قانون العقوبات القطري نص في فصل تعدد الجرائم والعقوبات على أن للقاضي أن يحكم بالعقوبات الفرعية للجرائم الأخف عندما يوقع عقوبة الجريمة الأشد . والعقوبات الفرعية تشمل العقوبات التبعية والتكميلية جوازية أو وجوبية ، أما القانون المصري فلم ينص على ذلك، واستقر القضاء المصري على تطبيق العقوبات التكميلية دون التبعية في بادىء الأمر ، ومن ثم عدل عن ذلك بأن أخذ بنظرية الجب بحيث عقوبة الجريمة الأشد تجب العقوبات الأصلية والتبعية والتكميلية.

الفرع الثالث

امتناع العقاب على الجريمة الأشد لا يمنع العقاب على الجريمة التي تليها

إذا امتنع توقيع عقوبة الجريمة الأشد لعلة تخص المتهم فذلك لا يعني الحكم ببراءته، بل يجب توقيع العقوبة المقررة للجريمة التي تليها في الشدة ، ذلك لأن حقيقة الأمر أن العقوبة الأشد لا تجب الأخف بل تجعلها غير فاعلة، لكن هذا مشروط بتوقيع عقوبة الجريمة الأشد، فإذا طرأ من الأسباب ما يحول دون توقيعها وجب أن تحل عقوبة الجريمة التالية محلها والتي تأتي في المرتبة التالية لها في الشدة ([29])،وهذا الفرض يتحقق حين يقوم بالنسبة للجريمة الأشد مانع من موانع العقاب أو سبب إجرائي يحول دون رفع الدعوى عنها أو يؤدي إلى انقضائها، ومثال ذلك في حالة ارتكب الجاني عدة جرائم توافر في حقها التعدد المعنوي وكانت إحداها تتوقف على شكوى وهي الجريمة الأشد فليس للنيابة العامة أن ترفع الدعوى الجنائية عليه عن هذه الجريمة، لكنها تملك أن تقدمه للمحاكمة عن الجريمة الأشد، وعلى المحكمة أن توقع عليه العقوبة المقررة لهذه الجريمة. وهذا الرأي موافق لمذهب القضاء المصري ، حيث عبرت محكمة النقض المصرية عن ذلك بقولها: ” إن القضاء ببراءة المطعون ضده في إحدى التهمتين يقتضي عدم إعمال حكم المادة (32) من قانون العقوبات المصري ويستتبع حتما توقيع عقوبة التهمة الثانية وحدها”([30]).

المطلب الخامس

اجتماع الجرائم المعنوي في الشريعة الإسلامية

    رأينا فيما سبق الأحكام التي جاء بها قانون العقوبات القطري بالنسبة لاجتماع الجرائم المعنوي مقارنة مع مختلف الآراء والنظريات التي تأخذ بها القوانين الأخرى ، وفي هذا المبحث سأعرض موجزاً لأحكام الشريعة الإسلامية في التعدد المعنوي للجرائم ،  مقارنة أحكامها مع نصوص قانون العقوبات القطري في هذا الخصوص ، وعليه سوف أقسم هذا المبحث إلي مطلبين كالأتي:

الفرع الأول: التعدد المعنوي للجرائم في الشريعة الإسلامية.

الفرع الثاني:مقارنة التعدد المعنوي للجرائم  في الشريعة الإسلامية مع قانون العقوبات القطري .

الفرع الأول

التعدد المعنوي للجرائم في الشريعة الإسلامية

    إن أبحاث الفقهاء المسلمين لم تعرف حكماً صريحاً لحالة تعدد الجرائم المعنوي وذلك لأنهم لم يعرفوا هذا التعبير، ولكن توجد بعض الأبحاث حامت حول مفهوم هذه الحالة بحيث نستطيع أن نقول أن فقهاء الشريعة اتفقوا على أن كل فعل يؤلف جريمة فيها حد مقرر شرعاً يستوجب إقامة هذا الحد بصرف النظر عن جميع أوصافه الأخرى، فمن يقترف جريمة الزنا يقام عليه الحد مهما كان لفعله من أوصاف يؤلف كل منها جريمة معاقباً عليها، كالاغتصاب أو كالسفاح مع المحارم، و سبب ذلك أن الشريعة الإسلامية لم تفرض عقوبة معينة من أجل كل فعل، بل اكتفت بالنص على عقوبة بعض الجرائم الهامة تاركة تعيين عقوبات  بقية الجرائم لولي الأمر وهو ما يطلق عليها جرائم التعزير ([31]).

    على أن بعض الفقهاء قالوا بأن ولي الأمر يملك بعد إقامة الحد، أن يستعمل سلطانه في التعزير ،كلما رأى أن المصلحة العامة تستوجب ذلك، كالتغريب في جريمة الزنا عند الإمام أبي حنيفة، و كإضافة التعزير للقصاص في جرائم الجراح عند مالك ،وكإضافة أربعين جلدة على حد شرب الخمر عند الإمام الشافعي، وهذا الحق لولي الأمر كما يراه الفقهاء يجعل التعزير بعد إقامة الحد عقوبة إضافية لا عقوبة أصليه([32])، فإذا كان ولي الأمر يملك هذا الحق في جرائم الحدود ذات الوصف الواحد فإنه يملك من باب أولى إضافة التعزير للحد في الجرائم ذوات الأوصاف المتعددة، وهذا ما أثر عن سيدنا عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ من أنه أقام عقوبتي الحد و التعزير على شخص رفع إليه وقد شرب خمراً في رمضان إذ ضربه ثمانين و عزره عشرين سوطاً ، وكذلك فعل سيدنا علي ابن أبي طالب-كرم الله وجهه- ([33]).أي أنه في الحالة الأخيرة نرى أن الفعل كون أكثر من جريمة حيث أن شرب الخمر جريمة حدية و انتهاك حرمة الشهر الفضيل جريمة تعزيرية ، فمن أفطر في رمضان يعزر على إفطاره دون عذر شرعي، وفي هذه الحالة نرى أن الفعل المرتكب هو فعلٌ واحد نتج عنه أكثر من جريمة مما حدا بالأئمة إلي تشديد العقوبة على أساس وقوع جريمتين ضمهما فعل واحد ، وهذا هو مفهوم التعدد المعنوي.

ومما يتصل بموقف الفقهاء المسلمين من اجتماع الجرائم المعنوي أن عقوبة الوصف الأخف تنزل بالمجرم كلما حال دون عقوبة الوصف الأشد مانع شرعي، فالذي يزني مثلاً في رمضان ويدرأ عنه الحد لشبهة يعزر لإفطاره رمضان ([34]).

الفرع الثاني

مقارنة التعدد المعنوي للجرائم في الشريعة الإسلامية مع قانون العقوبات القطري

    استخلاصاً لما تقدم أستطيع أن أقول أن الشريعة الإسلامية و إن لم تعرف مصطلح التعدد المعنوي للجرائم إلا أن مفهوم التعدد المعنوي موجود من خلال قضاء السلف الصالح كما أشرت سابقاً إذ أن القانون القطري والقوانين المقارنة عندما نصت على التعدد المعنوي للجرائم لم يكن في الشريعة ما يمنع ذلك ، إذ جاءت نصوص القانون في هذا المجال متفقة مع ما عرفته الشريعة الإسلامية من تطبيقات عملية لتعدد الجرائم المعنوي و إن كان هناك اختلاف حسب ما استقرأته من قضاء السلف، حيث تفرض على الجاني عقوبة كل جريمة في حال ارتكب فعل نتج عنه أكثر من جريمة كما جاء في قضاء الخليفتين عمر بن الخطاب وعلى بن أبي طالب رضي الله عنهما ، إلا أن الشريعة تتفق مع القانون في حال امتناع العقاب على الجريمة الأشد إذ تطبق عقوبة الجريمة التي تليها في الشدة.

إذاً نستطيع أن نقول أن التعدد المعنوي للجرائم له أصل ثابت في الشريعة الإسلامية و إن لم تصرح به الكتب الفقهية ولا يوجد ما يخالف الشريعة في حال النص عليها في قوانين الوضعية، و أن ما جاء به القانون القطري في هذا النوع من التعدد له أساس في الشريعة الإسلامية.

الخاتمة

يتضح من بحثنا أن تنظيم التعدد المعنوي للجرائم في قانون العقوبات القطري رقم11 لسنة2004 أستهدف عدالة العقوبة، فالجاني الذي توافر في حقه تعدد الجرائم قبل أن يحكم عليه نهائياً في أحد منها يعد معذوراً لحدِ ما ، بحيث يؤخذ بشيء من الرأفة لأنه لم يعاقب على أحداها، وبذلك لم يتحقق الردع الخاص قبله وذلك خلاف العائد الذي تمت محاكمته سابقاً على ارتكاب الجريمة الجديدة والذي يستحق أن تشدد العقوبة ليتحقق الردع، ومن باب العدالة أيضاً  أن الجاني الذي يرتكب جريمة واحدة يجب أن يعاقب عليها بعقوبة واحدة مهما تعددت أوصافها،ففي حالة التعدد المعنوي رأى المشرع القطري بأن يعاقب الجاني على الجريمة الأشد وهذه نتيجة سليمة وتتفق مع المنطق فالجاني الذي يصدر منه فعل واحد نتج عنه عدة جرائم كان عليه أن يتوقع أسوء نتيجة يمكن أن يحدثها فعله ، فمن ثم يستحق أن يعاقب على أشد تلك الجرائم ، كما أن تعدد الجرائم والعقوبات فرضته ضرورة قانونية، حيث أنها تفرض إعطاء الفعل الواحد كل الأوصاف التي تنطبق عليه من خلال النصوص العقابية التي تؤثمه ، بحيث تتعدد الأوصاف القانونية للفعل الواحد وليس هناك من حل لهذه المشكلة سوى النص على التعدد الصوري أو المعنوي كمخرج قانوني لهذه الإشكالية ،و في هذا البحث عرضنا موقف الشريعة الإسلامية من حيث التعدد المعنوي  وبأنه لا يوجد في الشريعة الإسلامية ما ينكر التعدد المعنوي و إن لم ينص عليه صراحة وبذلك خلصت إلي نتيجة بأن أحكام قانون العقوبات القطري في هذا الجزء جاءت متلائمة مع الشريعة ، وفي ختام بحثنا ، إذا كان الفقه وأحكام القضاء قد أرسيا أحكام تعدد الجرائم بصورة، واستقر بهما تنظيمه، فإن هذا البحث يستهدف الوقوف على الكيفية التي يمكن بها تطبيق أحكام تعدد الجرائم المعنوي في قانون العقوبات القطري، وذلك في الحدود التي يتطلبها البحث وبالقدر الذي يحقق الغاية منه ، وبالاستعانة بجانب من الفقه، وبأحكام القضاء.

أولاً: الاستنتاجات:

 1 – أن معاقبة الجاني بالعقوبة الأشد هي نتيجة حتمية و ضرورة قانونية تستوجب النص عليها في حال التعدد المعنوي للجريمة وتعتبر الحل الأمثل لمثل تلك الحالة كما اسلفنا بالملائمة و  الموائمة بين مصلحة الجاني و تحقيق العدالة .

2 – أن القانون القطري لم يختلف عن القانون المقارن الذي عرضنا إليه على الرغم وجود اختلافات طفيفة و مرجعها إلي الفلسفة العقابية المتباينة بين هذه القوانين ولعل ابرازها يثور في مسألة تطبيق العقوبات التبعية للجرائم الأخف المرتبطة و الذي نص عليها القانون القطري صراحة في مواده بينما تركها القانون المقارن للاجتهادات القضائية.

3- أن القانون المقارن و كذلك القانون القطري يجمعان  على أن التعدد المعنوي قائم على وحدة الفعل وتعدد النتائج، إلا أنهما لم يضعا الضابط القانوني لمفهوم وحدة الفعل و كذلك مفهوم تعدد النتائج الإجرامية، إذ أنه من الصعوبة في بعض الإحيان الوقوف على توافر ذلك التعدد من عدمه بسبب عدم وجود ضابط قانوني لهما.

4- أن القانون القطري جاء في أحكام التعدد المعنوي منسجماً مع الأحكام العامة للشريعة الإسلامية وهو أثر طبيعي باعتبارها مصدر أساسي من مصادر التشريع في دولة قطر، والتي لم ينكرها أحد من فقهاء الشريعة بل لها أثرها و تطبيقاتها من الناحية العملية.

1-      أن القانون القطري تميز عن خلافة من القوانين المقارنة بشأن تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية وفق أحكام المادة رقم واحد من قانون العقوبات الحالي وقد أعمل القضاء القواعد القانونية بشأن التعدد المعنوي في حال نتج عن الفعل الواحد عقوبات حديه و تعزيرية.

2-

ثانياً: التوصيات:

    بعد أن عرضنا في بحثنا إلي أهم النقاط القانونية بشأن التعدد المعنوي للجرائم في قانون العقوبات القطري و القانون المقارن و أحكام الشريعة الإسلامية ، كان لابد علينا أن نخرج بمحصلة تتمثل بطرح مجموعة من التوصيات ، وهي كمايأتي:

1 – نوصي المشرع القطري بوضع ضابط قانوني محدد لمفهوم وحدة الفعل و كذلك لمفهوم  تعدد النتائج الإجرامية لما يثيره ذلك من صعوبات عمليه في بعض الأحيان ولعدم اختلاط مفهوم التعدد المعنوي بالتعدد الظاهري للنصوص.

2-نوصي المشرع القطري بأن ينص على جميع الآثار الجنائية التي تترتب للجرائم الأخف في حال التعدد المعنوي للجرائم ،إذ أنه نص صراحة على تطبيق العقوبات الفرعية للجرائم الأخف ، إلا أنه لم يبين أثرها القانوني بشأن أحكام العود و رد الاعتبار…

3- نوصي المشرع القطري بأن ينص صراحة على عدم أعمال قواعد التعدد المعنوي في جرائم الحدود في ظل تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية بمقتضى أحكام المادة واحد من قانون العقوبات، وذلك لكون الشريعة الإسلامية تعاقب في بعض جرائم الحدود على الفعل بغض النظر عن النتيجة المترتبة عليه ، فمن شرب الشمر يحد لشربه الخمر سواء ثمل أم لم يثمل بينما قانون العقوبات يعاقب في المادة 270 من قانون العقوبات للنتائج المترتبة على شرب المسكر، لذلك و لاختلاف محل الجريمة في كلا الجريمتين يجب معه عدم اعمال قواعد التعدد المعنوي للجرائم في حال اجتمعت عقوبة حديه وتعزيرية ، ولنا في سلفنا الصالح اسوة حسنه في تطبيق العقوبات الحديه و التعزيرية سوياً في حال اجتماعهما متى كانتا نتيجة فعل اجرامي واحد.

المراجع والمصادر

أولاً:المؤلفات و المراجع العامة

1-د. مأمون محمد سلامة –قانون العقوبات/القسم العام- الناشر دار الفكر العربي –الطبعة الثالثة 1983,1982م

2-أ.د. أحمد عوض بلال –مبادئ قانون العقوبات المصري/القسم العام-الناشر دار النهضة العربية

3- د. عوض محمد – قانون العقوبات / القسم العام –  دار الجامعة الجديدة للنشر-طبعة2000م

4- د. محمود نجيب حسني –شرح قانون العقوبات/القسم العام- الناشر دار النهضة العربية-الطبعة السادسة1989م

5-د. عدنان الخطيب –الوجيز في شرح المبادئ العامة في قانون العقوبات – مطبعة جامعة دمشق- طبعة 1958م

6-د. فتحي سرور – الوسيط في قانون العقوبات – دار النهضة العربية .  الطبعة السادسة 1996م

7- المستشار.محمد أحمد حسن . والمستشار. محمد رفيق البسطويسي –قانون العقوبات في ضوء أحكام محكمة النقض- مكتبة رجال القضاء- الطبعة الثانية2003م..

8- المستشار.محمود إبراهيم إسماعيل –شرح الأحكام العامة في قانون العقوبات/القسم العام- الناشر دار الفكر العربي –طبعة1959م

9- عبدالقادر عودة –التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي-مكتبة دار التراث-طبعة2003م.

ثانياً: مجموعات الأحكام

– مجموعة الأحكام الصادرة عن الدوائر الجنائية و المدنية والتجارية والأحوال الشخصية بمحكمة التمييز القطرية – السنة الأولى-2005م

  ثالثاً: التشريعات

1- قانون العقوبات القطري رقم 11 لسنة 2004.

2- قانون الإجراءات الجنائية القطري رقم 23 لسنة 2004.

1-            قانون العقوبات المصري رقم 58 لسنة 1937 وتعديلاته


[1] –  سلامة مأمون محمد –قانون العقوبات/القسم العام- الناشر دار الفكر العربي –الطبعة الثالثة 1983,1982م-ص531

[2] –  بلال أحمد عوض –مبادئ قانون العقوبات المصري/القسم العام-الناشر دار النهضة العربية-ص940

[3] – بلال أحمد عوض  –مبادئ قانون العقوبات المصري/القسم العام-الناشر دار النهضة العربية-ص941

[4] –  محمد عوض – قانون العقوبات / القسم العام –  دار الجامعة الجديدة للنشر-طبعة2000-ص688,687

[5] – أشار إلى هذا الحكم د. عوض محمد – قانون العقوبات / القسم العام –  دار الجامعة الجديدة للنشر-طبعة2000-ص688.

[6] – حسني محمود نجيب –شرح قانون العقوبات/القسم العام- الناشر دار النهضة العربية-الطبعة السادسة1989-ص882,881

[7] –  الخطيب عدنان –الوجيز في شرح المبادئ العامة في قانون العقوبات – مطبعة جامعة دمشق- طبعة 1958-ص31

[8] – حسني محمود نجيب  –شرح قانون العقوبات/القسم العام- الناشر دار النهضة العربية-الطبعة السادسة1989-ص880

[9] – الخطيب عدنان  –الوجيز في شرح المبادئ العامة في قانون العقوبات – مطبعة جامعة دمشق- طبعة 1958-ص31

[10] – الخطيب عدنان المرجع السابق ص 34 وما بعدها.

[11] – محمد عوض – قانون العقوبات / القسم العام –  دار الجامعة الجديدة للنشر-طبعة2000-ص 691,690

[12] – سرور فتحي  – الوسيط في قانون العقوبات – دار النهضة العربية .  الطبعة السادسة 1996 – ص19 وبعدها .

[13] – بلال أحمد عوض  –مبادئ قانون العقوبات المصري/القسم العام-الناشر دار النهضة العربية-ص 937,938

[14] – بلال أحمد عوض  المرجع السابق ص 933.

[15] – محمد عوض  – قانون العقوبات / القسم العام –  دار الجامعة الجديدة للنشر-طبعة2000-ص692.

[16] -(الطعن رقم:89لسنة 2005 تمييز جنائي) مجموعة الأحكام الصادرة عن الدوائر الجنائية و المدنية والتجارية والأحوال الشخصية بمحكمة التمييز القطرية – السنة الأولى-2005ص231.

[17] – حسني محمود نجيب –شرح قانون العقوبات/القسم العام- الناشر دار النهضة العربية-الطبعة السادسة1989-ص 882.

[18] – حسن ، البسطويسي ، محمد ،محمد–قانون العقوبات في ضوء أحكام محكمة النقض- مكتبة رجال القضاء- الطبعة الثانية 2003-ص193.

[19] – إسماعيل محمود إبراهيم –شرح الأحكام العامة في قانون العقوبات/القسم العام- الناشر دار الفكر العربي –طبعة1959-ص734

[20] – حسن ، البسطويسي ، محمد ،محمد –قانون العقوبات في ضوء أحكام محكمة النقض- مكتبة رجال القضاء- الطبعة الثانية 2003-ص193.

[21] – محمد عوض – قانون العقوبات / القسم العام –  دار الجامعة الجديدة للنشر-طبعة2000-ص693.

[22] – حسني محمود نجيب –شرح قانون العقوبات/القسم العام- الناشر دار النهضة العربية-الطبعة السادسة1989-ص883.

[23] -إسماعيل محمود إبراهيم  –شرح الأحكام العامة في قانون العقوبات/القسم العام- الناشر دار الفكر العربي –طبعة1959-ص738.

[24] -إسماعيل محمود إبراهيم المرجع السابق ص 739.

[25] – محمد عوض – قانون العقوبات / القسم العام –  دار الجامعة الجديدة للنشر-طبعة2000-ص693.

[26] – إسماعيل محمود إبراهيم  –شرح الأحكام العامة في قانون العقوبات/القسم العام- الناشر دار الفكر العربي –طبعة1959-ص735

[27] – محمد عوض – قانون العقوبات / القسم العام –  دار الجامعة الجديدة للنشر-طبعة2000-ص694 وما بعدها.

[28] -محمد عوض المرجع السابق ص694 وما بعدها , وأنا أؤيد ماذهب إليه المؤلف في رأيه هذا.

[29] –  محمد عوض – قانون العقوبات / القسم العام –  دار الجامعة الجديدة للنشر-طبعة2000-ص697.

[30] – أشار إلى الحكم , حسن ، البسطويسي ، محمد ،محمد –قانون العقوبات في ضوء أحكام محكمة النقض- مكتبة رجال القضاء- الطبعة الثانية 2003-ص196

[31]–  الخطيب  عدنان–الوجيز في شرح المبادئ العامة في قانون العقوبات – مطبعة جامعة دمشق- طبعة 1958-ص100

[32] – عودة  عبد القادر –التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي-مكتبة دار التراث-طبعة2003-ص593.

[33] – الخطيب عدنان –الوجيز في شرح المبادئ العامة في قانون العقوبات – مطبعة جامعة دمشق- طبعة 1958-ص101.

[34] – الخطيب عدنان المرجع السابق 102.

https://powderencouraged.com/zht6b3bs66?key=8523542c4aaf6f083ce56f74bd271319
https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من فضاء المعرفة القانونية -espace connaissance juridique

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة