التحكيم  الدولي ودوره في تسوية النزاعات الدولية

International arbitration and its role in settling international disputes

?الباحث : أحمد بن محمد محمود المختار ـ

Researcher: Ahmed ben Muhammad Mahmoud Al-Mukhtar

طالب  بجامعة نواكشوط العصرية.  كلية العلوم القانونية والاقتصادية. المستوى: سنة خامسة دكتوراه.

Student at the modern University of Nouakchott. Faculty of Legal and Economic Sciences. Level: Fifth year Ph.D.

ملخص البحث:

يتناول المقال كيف أسهمت آلية التحكيم الدولي إسهاماً فعّالاً في مجال تسوية النزاعات الدولية بشكل عام ونزاعات الحدود الدولية على وجه الخصوص منذ بدايات القرن التاسع عشر. وقد تعمدنا استخدام مصطلح إسهامات التحكيم بدلاً عن دور التحكيم نظراً لما يحمله مـن دلالة أقوى. حيث أن دور التحكيم لا يقتصر على تسوية عدد معين من النزاعات الدولية، فهذا هو الدور المباشر للتحكيم ، إضافة إلى ذلك توجد للتحكيم إسهامات أخرى تؤثر بصورة غـير مباشرة في تسوية النزاعات الدولية عامة، والنزاعات الحدودية بوجه خاص.

   وأغلب  القضايا التي تم تسويتها عن طريقه منذ نشأته وحتى الوقت الحاضر على النحو الآتي:

تعتبر معاهدة “جنيف” بين الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا أوّل المعاهدات التي نصـت على إحالة ما ينشأ بينهما من نزاعات إلى التحكيم، وقد تم تسوية عدة نزاعات عن طــريق التحكيم استناداً إلى هذه المعاهدة ،ومن ضمنها التحكيم في النزاع المتعلق بخليج ” فونـدي” وقد وقعت المعاهدة في عام 1814.

وفي عام 1899 تم التوقيع على اتفاقية لاهاي الأولى، ثم تم تعديلها في عام 1907 والتي عبرت عن قبول المجتمع الدولي في إنشاء هيكلاً تنظيمياً  للتحكيم، حيث يرجع أحدث تنظيم قــانوني للتحكيم الدولي إلى هذه الاتفاقية التي لازالت تمثل المرجعية الرئيسة للتحكيم حتى عصرنا الحالي.

ومن أشهر القضايا التي تم تسويتها في تلك الفترة عن طريق التحكيم قضية ” الفارين ” مـــن كزابلانكا عام 1908، وكذلك التحكيم بين إنجلترا و ألمانيا عام 1911، والتحكيم بــين الهندوراس ونيكراغوا الذي فصل فيه ملك إسبانيا عام 1906، والتحكيم بين هولندا والبرتغال حول جزر “تيمور الشرقية عام 1914.

  تم بعد ذلك إنشاء محكمة العدل الدائمة بعد تشكيل عصبة الأمم، و لقد كان لهذه المحكمة دورها في تسوية العديد من النزاعات الدولية، ومن  جملة القضايا التي ساهم التحكيم الدولي في تسويتها في فترة مابين الحربين العالميتين نذكر منها، التحكيم بين فنزويلا وكولومبيا عام 1929 حول الحدود بينهما.

  بعد الحرب العالمية الثانية تم إنشاء محكمة العدل الدولية كأحد الأجهزة التابعة للأمم المتحدة، والتي أسهمت بدور متواضع في تسوية النزاعات الدولية، حيث أن هذه المحكمة تعتبر الهيئــة القضائية الرئيسة للأمم المتحدة. وقد وضع لها نظام خاص مستمداً من النظام الأساسي الــذي وضعته عصبة الأمم للمحكمة الدائمة للعدل الدولي. ونظام المحكمة الحالية قد ألحق بميثاق الأمـم المتحدة واعتبر جزءاً لا يتجزأ منه، فواضعو الميثاق أرادوا إلغاء المحكمة الدائمة للعدل الدولية الـتي أنشأت في عهد العصبة.

  غير أن التحكيم الدولي قد استمر في تأدية دوره رغم وجود عدد من العوامل التي أبعدت الدول عن اللجوء لتسوية النزاعات التي نشأت بينها وقد تم تسوية عدد كبير من النزاعات خلال النصف الثاني من القرن العشرين، فقد قامت محكمة أمريكية بريطانية بموجب معاهدة لندن عام 1953 بتسوية أكثر من مائة نزاع.

يمكن إيجاز منجزات التحكيم الدولي على النحو الآتي:

  1. تقليص عدد النزاعات الدولية والحد من انتشارها، وتفاقم آثارها على المجتمع الدولي عن طريق تسوية عدد كبير منها بصورة عادلة ومرضية للأطراف.
  2. كانت  المرجعية في تسوية النزاعات المتماثلة، كما ساهم في ترسيخ وتطوير المبادئ الأساسية التي تحكم النزاعات الحدودية خصوصا.
  3. تولدت لـدى الدول وغيرها من أشخاص القانون الدولي ثقة كبيرة في التحكيم، حيث تضمنت أحكامه ونصت على اللجوء إليه اتفاقيات كثيرة ثنائية وجماعية هنا.

النزاعات الدولية التي تعرض على التحكيم الدولي: هي “الحدود بين الدول” والذي أساسه النزاع حول “إسناد الأقاليم”.

طبيعة النزاعات الدولية القابلة للتحكيم الدولي: لقد تبنى الفقه والقضاء الدوليان مفهوماً محدداً للنزاع الدولي هو: “خلاف حول مسألة قانونية (كتفسير معاهدة دولية) أو تضارب الآراء القانونية لشخصين أو أكثر من أشخاص القانوني الدولي”..

من النزاعات الدولية:

  النزاعات القانونية: هي تلك التي:” يكون فيها الطرفان على خلاف حول تطبيق الأوضاع القائمة أو تفسير أحكامها، ويمكن حلّها بالإسناد إلى القواعد القانونية المعروفة أو صالحة إذن تنظر فيها المحكمة”. 

النزاعات السياسية: هي كل ” نزاع يؤثر في استقلالية الدولة أو مصالحها الحيوية وشرفها”.

النزاعات المختلطة:  هي  ” كل نزاع دولي يستمد الصفة السياسية بالنظر على أن له أهمية معينة لدولة ذات الشأن، فالدولة منظمة سياسية، وكل المسائل التي تمسها وخاصة في علاقتها مع الدول الأخرى هي بالتالي سياسية”.

وبتعبير أكثر دقة فهذا النزاع ينصب على عنصرين هما:

العنصر الأول: أن محل انتزاع مساحة إقليم كبيرة تشكل وحدة مستقلة جغرافيا، وخير مثال على ذلك نذكر الجزر.

العنصر الثاني: يتمثل في مطالب أطراف النزاع على ممارسة السيادة على الرقعة الجغرافية محل النزاع.

Summary of the article

The article deals with how the international arbitration mechanisms have effectively contributed in the field of settling the international disputes in general, and the international border disputes in particular, since the beginning of the nineteenth century. We have deliberately, used the term “arbitration contributions” instead of, the “role of arbitration” because of its stronger connotation. However, the role of arbitration is not limited to settling a certain number of international disputes; it seems to be the direct role of arbitration. In addition, arbitration has many other contributions that indirectly affect the settlement of international disputes in general, and border disputes in particular.

Most of the cases that have been settled throughout the arbitration since its inception until the present time are:

The Geneva Treaty between the United States of America and Britain is the first of the treaties that provided for referring disputes arising between them to arbitration. Several disputes have been settled through arbitration based on this treaty, including arbitration in the dispute related to the Gulf of Fundy. The treaty was signed In 1814.

In 1899, the first Hague Convention was signed, it was amended in 1907, which expressed the acceptance of the international community in establishing an organizational structure for arbitration.

Among the most famous cases that were settled in that period through arbitration were the case of “fleers” from Casablanca in 1908, as well as, the arbitration between England and Germany in 1911, the arbitration between Honduras and Nicaragua, which was decided by the King of Spain in 1906, and the arbitration between the Netherlands and Portugal over the Timor Islands in 1914.

  After that, the Permanent Court of Justice was established after the formation of the League of Nations, and this court had a role in settling many international disputes, and among the cases that international arbitration contributed to settling in the period between the two world wars, the arbitration between Venezuela and Colombia in 1929 over the borders between them.

  After World War II, the International Court of Justice was established as one of the organs of the United Nations, which contributed a modest role in settling international disputes, as this court is the main judicial body of the United Nations. The current court system was attached to the United Nations Charter and considered an integral part of it. The framers of the charter wanted to abolish the Permanent Court of International Justice, which was established during the League’s era.

  However, international arbitration has continued to play its role despite the presence of a number of factors that kept countries from resorting to settling disputes that arose between them. A large number of disputes were settled during the second half of the twentieth century. An American-British court under the Treaty of London in 1953 settled more out of a hundred disputes.

The achievements of international arbitration can be summarized as follows:

  1. Reducing the number of international conflicts and limiting their spread, and exacerbating their effects on the international community by settling a large number of them in a fair and satisfactory manner for the parties.
  2. It was the reference in settling similar disputes. It also contributed to the consolidation and development of the basic principles governing border disputes in particular.
  3. States and other persons of international law have a great deal of confidence in arbitration, as its provisions include and stipulate for resorting to it many bilateral and collective agreements here.

International disputes that are submitted to international arbitration: It is the “border between states”, the basis of which is the dispute over the “attribution of territories“.

The nature of international disputes subject to international arbitration: International jurisprudence and jurisprudence have adopted a specific concept of international conflict: “a dispute over a legal issue (such as the interpretation of an international treaty) or a conflict of legal opinions for two or more international legal persons.”

Among the international disputes:

Legal disputes: are those in which: “the two parties have a disagreement about the application of the existing conditions or the interpretation of their provisions, and they can be resolved by referring to known or valid legal rules that are then considered by the court.”

Political disputes: Any dispute that affects the independence of the state or its vital interests and honor.

Mixed conflicts: They are “every international conflict that derives a political character, given that it has a certain importance for the concerned state. The state is a political organization, and all issues that affect it, especially in its relationship with other countries, are therefore political.”

In more precise terms, this dispute rests on two elements:

The first element: The locus of expropriating a large area of ​​territory constitutes a geographically independent unit, and the best example of this is the islands.

The second element: It is represented in the demands of the parties to the conflict to exercise sovereignty over the geographical area in question.

مقدمة

يعد موضوع تسوية النزاعات الدولية عن طريق الوسائل السلمية من أهم المواضيع التي احتلت مكانة مهمة في اهتمامات المجتمع الدولي، خاصة بعد المآسي التي تكبدتها البشرية نتيجة اللجوء إلى استخدام القوة لتسوية نزاعاتها. حيث كانت الحرب مسموحة إلى غاية الربع الأول من القرن الماضي، وفقا للقانون الدولي فقد كانت تعد إحدى وسائل حل النزاعات الدولية وكأسلوب للتنفيذ في القانون الدولي التقليدي ، خاصة وأن الدول كانت تتمسك بالمفهوم المطلق للسيادة الذي ينفي وجود أي سلطة تعلو سلطات الدول، لذا احتفظت كل دولة بالحق المطلق في شن الحرب ضد غيرها من الدّول لتحقيق أهدافها([1]).

ومع نهاية النصف الأول من القرن الماضي توجت مجهودات المجتمع الدولي بوضع ميثاق الأمم المتحدة، الذي أقرّ بفكرة الأمن الجماعي كوسيلة لحفظ الأمن والســلم الدوليينوالمبنية أساساً على تحريم الحرب وحظر اللجوء لاستعمالها كوسيلة لتسوية النزاعات([2])، وبالمقابل أقرّ أن تتم التسوية بالوسائل السلمية، وهذا ما تعكسه المادة الثانية (الفقرتان الرابعة والثالثة) والمادة 33 من هذا الميثاق([3]).

لذا فقد أضحت عملية حل النزاعات الدولية بطريقة سلمية أحد مبادئ القانون الدولي، فهي ومن المبادئ التي أقرتها الأمم المتمدنة وفقاً للمادة 38 (الفقرة الأولى ــ ب) من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية([4]). ويقصد بهذا المبدأ: «أن تقوم كل دولة بتسوية نزاعاتها الدولية بالوسائل السلمية وحدها، على أساس تساويها في السيادة وفقاً لمبدأ حرية الاختيار بين الوسائل وفقاً لمبادئ العدالة والقانون الدولي»([5]).

ويكتسب هذا المبدأ طابعاً قانونياً ملزماً([6])لأنه يقوم على أساس صون السلم والأمن الدوليين، ويعد أحد المبادئ التي رسمها ميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن ذلك فهو يعد أحد القواعد العرفية التي تؤدي إلى إرساء علاقات سلمية بين أطراف النزاع.

    وتنقسم وسائل حل النزاعات الدولية([7])بالنظر إلى دور أطراف النزاع أو الغير الذي يلجأون إليه، أو ذلك الذي يتدخل من تلقاء نفسه، وكذلك من حيث إلزاميتها إلى([8]):

  • الوسائل التي تقتصر على أطراف النزاع، وهما: التفاوض والاقتصاص، أو المعاملة بالمثل.
  • الوسائل التي يتدخل فيها الغير دون أن يكون له حق الفصل في النزاع، وتتمثل في المساعي الحميدة، الوساطة، التحقيق والمصالحة أو التوفيق.
  • الوسائل التي يتدخل فيها الغير، ويكون له الحق في الفصل في النزاع (أي يملك سلطة حسم النزاع)، وتتمثل أساساً في: القضاء والتحكيم الدولي.

وهذه الوسيلة الأخيرة – أي التحكيم الدولي ، أصبحت في الوقت الحاضر تفصل في النزاعات ذات المسائل الشائكة والمركبة، وعلى رأسها تلك المتعلقة بالأقاليم والحدود الدولية، و لتوضيح أهمية التحكيم الدولي ودوره في حل النزاعات الدولية تطبيقاً لمبدأ الحل السلمي  ارتأينا تقسيم هذا الموضوع  إلى المبحثين الآتيين:

المبحث الأول:التحكيم الدولي وحل النزاعات الدولية.

المبحث الثاني: اتفاق أطراف النزاع لللجوء إلى التحكيم الدولي.

المبحث الأول: مفهوم التحكيم الدولي ونشأته

تعد ظاهرة وجود نزاعات بين أشخاص أي نظام قانوني، سواء على المستوى الداخلي أم الدولي أمر مسلم به، فهي ظاهرة عادية متولدة عن التعامل بين أشخاصه أو بالأحرى فهي نتيجة لوجود علاقات بين أشخاص النظام القانوني، إذ تعد هذه العلاقات السبب الرئيس لتبرير وجود نزاعات دولية، وأحد الملامح الأساسية للمجتمع الدولي([9]).

و في هذا الإطار يعد التحكيم أداة فعالة للفصل في النزاعات التي تثار بين الأفراد، والدول فيما بينها في شتى المجالات([10])، وبالأخص في تسوية النزاعات الدولية، سواء كانت نزاعات بين الدول الأم بينها وبين أشخاص القانون الدولي الآخرين، أو بين هذه الأخيرة وفرد عادي([11]).

وفي هذا الصدد سوف نتطرق بالبيان والتحليل إلى:

أولاً: مفهوم التحكيم الدولي.

ثانياً: النزاعات الدولية التي تعرض على التحكيم الدولي.

المطلب الأول: تعريف التحكيم الدولي

لتبيان مفهوم التحكيم الدولي علينا:

أولاً: إلقاء الضوء على نشأته وتطوره.

ثانياً: إعطاء تعريفه.

ثم ثالثاً: التطرق إلى شروط اللجوء إليه.

ورابعاً: إلقاء نظرة على إسهاماته في حل النزعات الدولية.

 الفرع الأول: نشأة التحكيم الدولي وتطوره:

يعد التحكيم الدولي بمثابة النظام القديم الذي عرفته الإنسانية منذ الأزل، فالثابت أن المجتمعات السياسية في العصر القديم، عرفته كإجراء واستعملته في الحد من الخلافات التي تقوم بينها، الأمر الذي يمكننا القول أن المحاكم المؤقتة أسبق إلى الوجود من المحاكم الدائمة، غير أنه لم يمنع من قيام الحروب فيما بينها لحل تلك النزاعات([12]).

فالحضارة البابلية عرفت التحكيم، ويظهر ذلك من خلال المعاهدة المبرمة بين دولة “لاجاش LAGASH ” ودولة « UMMA » العراقيتين حوالي 3100 ق.م والتي نصت على اللجوء إلى التحكيم كوسيلة لحل النزاعات التي قد تثور فيما بينها([13]). كما أن المدن اليونانية عرفت التحكيم في نطاق ما كان يطلق عليه “بالاتحادات الأنفكيونية Anphyctoniesالقائمة على أساس ديني، بهدف حماية المعابد، وفي ظلها تعقد دورات استشارية واعتماد التحكيم كوسيلة لحل نزاعاتها وأشهرها منتديات دالف([14]). ولقد تم إحصاء أكثر من مائة نص تشير إلى التحكيم في اتفاقيات سلام أبرمت بين إسبرطة وأثينيا لمدة ثلاثين عاماً،وهذا في عام 445 ق م([15]). وعند الرومان نستشهد باتفاقيات الصداقة بين مدينتي SARDES وEPHIS  في آسيا الصغرى،التي نصت على حل الخلافات عن طريق التحكيم([16]).

وبدوره فالمجتمع العربي القبلي عرف التحكيم، فلقد كان يتولى شيخ القبيلة مهمة الفصل في النزاعات التي تدور بين أفراد القبيلة، أما تلك الخلافات التي تقوم بين قبيلتين، يتولى حلها شيخ قبيلة آخر، ولقد احتكم شيوخ العرب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل البعثة لمكة المكرمة، عندما تنازعوا حول من يضع الحجر الأسود في مكانه عند إعادة بناء الكعبة الشريفة، حيث اتفقت القبائل على تحكيم أول شخص يدخل عليهم، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصدر حكمه، والتزم الجميع بهذا الحكم، وانتهى النزاع([17]).

وإن هذه القبائل العربية حتى بعد البعثة كانت تلجأ إلى رسول الله ليحكم بينهم، وفي هذا يقول الله عز وجّل : ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما﴾([18]).

وإلى جانب هذه الآية الكريمة، هناك عدة آيات أخرى ورد فيها ذكر اللجوء إلى التحكيم، ففي هذا المعنى يقول الله عزّ وجلّ ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله، فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين﴾([19]).

كما عرفت المماليك الأوربية المسيحية خلال القرون الوسطى نظام التحكيم، وذلك باللجوء إلى البابا والإمبراطور باعتبارهما سلطتين، وأشهر قضية في ذلك نذكر التحكيم الذي قام به الإمبراطور “البابا اسكندر السادس” بتاريخ 26 سبتمبر 1493، الذي أصدر مرسومه البابوي، بشأن الصراع بين  إسبانيا والبرتغال حول المناطق المكتشفة في ذلك الفترة (لكن نحن نقول حول مناطق النفوذ في العالم)([20]).

    ومع مطلع القرن السادس عشر، وظهور الدول الحديثة المستقلة، تراجعت قليلا الدول الأوربية في اللجوء إلى هذه الوسيلة نتيجة لتمسكها المفرط بسيادتها، حيث كانت تعتبره إجراءاً يمس بسيادتها، وهنا يرى الأستاذ V. Vattel  «أن الدول الأوربية لم تلجأ إلى التحكيم خلال هذه الفترة إلاّ بالنسبة للخلافات الثانوية (الصغيرة) أي تلك التي تمس بهيبة الأمم، أما الخلافات الكبرى فيتم تسويتها بين الدول بواسطة الوسائل السياسية أي عن طريق التفاوض الدبلوماسي»([21]).

إلاّ أن التحكيم كوسيلة لتسوية النزاعات الدولية لم يظهر بصورته الحديثة إلاّ في المنتصف الثاني من القرن التاسع عشر، وفي هذا المضمار سجل التاريخ كما يرى أغلب فقهاء القانون الدولي: أن التحكيم الدولي مرّ بثلاث مراحل حتى صار على صورته الحالية([22]) وهي على النحو الآتي:

المرحلة الأولى: التحكيم عن طريق الفرد

لقد كان التحكيم بواسطة رئيس الدولة (الفرد)، حيث كان يطلق عليه أحيانا “بالملكي” أو “التحكيم بقاضٍ واحد” (الملك، الإمبراطور، البابا، رئيس القبيلة)، ففي أوربا كان يتم إحالة النزاع في العصور الوسطى إلى البابا أو الإمبراطور (مثلاً: شارلمان)، إلاّ أنه نتيجة إضمحلال نفوذ الكنيسة وظهور الإصلاح الديني والدول القومية انتقلت مهمة التحكيم إلى رؤساء الدولة كمحكمين للفصل في النزاعات القائمة.

وهؤلاء الرؤساء يتم تعيينهم على أساس وظيفي، وليس شخصياً، بدليل أنه عندما توفي الملك “الفونسو الثاني عشر” في الوقت الذي كان ينظر في النزاع بين كولمبيا وكوستاريكا من جهة وكولومبيا وفينزويلا من جهة أخرى، فقد خلفته الملكة “كرستين” في العرش وبادرت تسوية النزاع بدلاً منه([23]).

     وفي أثناء هذه المرحلة، جرى العرف على أن يكون المحكم من بين أطراف النزاع، مثل ذلك الذي وقع بشأن النزاع اليمني السعودي([24]). ولقد استمرت هذه المرحلة حتى القرن الثامن عشر لكن بصورة نادرة.

لكن هذا النوع من التحكيم تسوده عدة سلبيات تتمثل أساساً: في انعدام الخبرة القانونية لرئيس المحكمة، أو عدم التزامه جانب الحياد المطلوب منه، وذلك لأسباب سياسية أو غيرها، إلاّ أن ملامح التطور لهذا الأسلوب تظهر من خلال لجوء الدّول إلى اختيار محكم لتسوية النزاعات من قبل رجال القانون الدولي المختص في هذا المجال والمشهود لهم بالنزاهة، مثل اختيار القاضي Max Huber كمحكم في قضية “جزيرة بالماس” بين الولايات المتحدة الأمريكية وهولندا لعام 1927، الذي أصدر قراره لصالح هولندا([25]).

المرحلة الثانية: التحكيم عن طريق اللجان

بدأت هذه المرحلة مع بداية القرن التاسع عشر، فقد كان التحكيم يتم عن طريق لجان مختلطة متكونة من دول مختلفة، ولقد كانت تتشكل في البداية من عضوين، ثم ازداد إلى ثلاثة أعضاء، ثم إلى خمسة أعضاء، اثنين منهم على الأقل من جنسيات الدول الأطراف في النزاع والبقية من جنسيات مختلفة.

 وتعتبر معاهدة “جاي Jay” أولى المعاهدات في العصر الحديث التي عالجت هذا الموضوع، حيث نصت على إحالة الادعاءات الحدودية بين بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية إلى لجان تحكيمية مشتركة لها سلطة اتخاذ القرارات الملزمة في هذا الشأن([26]).

وأول تطبيق له تجسد في قضية “ألباما Albama“، حيث اجتمعت اللجنة التحكيمية في مدينة جنيف، وأصدرت قررها بتاريخ 1872/09/14 الذي ألزم بريطانيا بدفع مبلغ قدره 14  مليون جنيه إسترليني، تعويضاً عن الأضرار التي لحقت السلطة الفيدرالية الأمريكية، بسبب انتهاك بريطانيا لقواعد الحياد، رغم احتجاج هذه الأخيرة بأن قوانينها الداخلية لم تكن تأمرها الالتزام بهذا السلوك([27]).

ولقد أظهر هذا الأسلوب تطوراً ملحوظاً من خلال تخصص القائمين عليه، وإتباع القواعد والإجراءات القانونية، هذا بالإضافة لأن رئيسها تكون جنسيته أجنبية عن جنسية الأطراف المتنازعة، لكنه لا يخلوا من بعض المساوئ منها:

أن أغلب أعضاء اللجنة المختلطة من جنسية الدّول الأطراف المتنازعة، الأمر الذي يجعلها غير حيادية بالقدر الكافي، و في هذا يرى الأستاذ “شارل روسو Ch. Roussou «أن القرار التحكيمي الصادر عنها يحمل صبغة دبلوماسية، حيث أنه غالباً ما تسعى هيئة التحكيم إلى إرضاء الطرف الخاسر في القضية المطروحة».

ولكن هذه العقبات سوف تعرف نوعاً من الزوال مع اللجوء إلى نوع آخر من التحكيم، يتمثل في إنشاء “محاكم التحكيم” وهذا كمرحلة ثالثة لتطور التحكيم الدولي.

المرحلة الثالثة: التحكيم عن طريق محاكم التحكيم

في هذه المرحلة تم اللجوء فيها إلى محاكم التحكيم، فهذه الأخيرة تستطيع أن تنظر في جميع النزاعات الدولية بغض النظر عن طبيعتها، طالما أن اتفاق التحكيم منحها هذه السلطة.

وهذا الأسلوب في نظر البعض هو طريقة وسطى بين التحكيم القضائي والتقليدي، وفي نظر البعض الآخر يعتبر كوسيلة قضائية، وتتألف محكمة التحكيم من قضاة محايدين مشهود لهم بالعلم والنزاهة والخبرة الطويلة في مجال القانون الدولي، وهؤلاء القضاة يقومون بإصدار قرارات مسببة استناداً إلى القواعد القانونية الثابتة في هذا المجال، وذلك عن طريق إجراءات منظمة ومحدودة مسبقاً من قبل الأطراف، وبهذا فإن التحكيم عن طريق المحاكم التحكيمية يمثل ضماناً كافياً من حيث الإلمام بقواعد القانون الدولي و إصدار قرارات دقيقة محايدة([28]).

   ولقد شكلت قضية “ألباما” سنة 1872، اللبنة الأولى للتحكيم الدولي بهذه الطريقة، سواء من حيث تشكيل هيئة التحكيم أم الإجراءات المتبعة أمامها أم تحديد موضوع التحكيم أم التمسك بقرار التحكيم أم وسائل مراجعة هذا القرار أم من حيث عنصر الإلزام الذي ينطوي عليه. ووقائع القضية تعود إلى الحرب الأهلية الأمريكية (1865-1860) بين الشمال والجنوب، حينما قامت السفينة البريطانية “ألباما” بمساعدة الولايات الجنوبية، حيث استطاعت هذه الأخيرة خلال معاركها البحرية أن تغرق العديد من سفن ولايات الشمال. وبعد انتهاء الحرب طالبت الولايات المتحدة الأمريكية من بريطانيا التعويض عن الأضرار التي تسببت فيها السفينة “ألباما” على أساس خرق قواعد الحياد، وبمقتضى معاهدة واشنطن سنة 1872 اتفق الطرفان على عرض النزاع على محكمة تحكيم متكونة من خمسة أعضاء، تعين إنجلترا محكماً واحداً، والولايات المتحدة الأمريكية تعين محكماً آخر، ويعين  المحكمون الثلاثة الآخرون بمعرفة ملك إيطاليا ورئيس الإتحاد السويسري وإمبراطور البرازيل([29]).

ولقد استمرت الدّول باللجوء إلى التحكيم لتسوية النزاعات التي تنشأ بينها عن طريق محاكم التحكيم، ثم مع بداية القرن العشرين، تم إنشاء محكمة تحكيم دائمة بموجب نص المادة 20 من اتفاقية لاهاي الأولى لعام 1899، والمادة 22 من اتفاقية لاهاي الثانية لعام 1907، وقد ألحق بها مكتب دائم للتحكيم الدولي، مقره بلاهاي ويعتبر الجهاز الوحيد الدائم لها([30]).

ويجدر الذكر أن هذه المحكمة ليس لها من صفة المحكمة غير التسمية فقط، فهي في حقيقة الأمر ليست محكمة كما أنها ليست دائمة([31])، بل هي عبارة عن قائمة تتضمن عددا معينا من أسماء القضاة اللذين تقوم الدول الأعضاء فيها باختيار أربعة أعضاء منهم (من بين 07 عضوا ) على الأقل، وتودع هذه القائمة لدى المكتب الدولي في مدينة لاهاي الذي يقوم بإدارة ومراقبة أعماله مجلس دائم مكون من هيئة ممثلين دبلوماسيين للدول الموقعة، ومنهم وزير خارجية هولندا، ويدخل في اختصاصها النزاعات التي تنشأ بين الدول الموقعة على إنشائها، وتلك التي تنشأ بين دولتين غير موقعتين أو بين دولة موقعة وأخرى غير موقعة، وذلك عند اتفاق الأطراف على اللجوء إليها لتسوية النزاع الناشئ بينهما([32]). ولقد استطاعت هذه المحكمة أن تفصل في حوالي عشرين قضية([33]).

الفرع الثاني: تعريف التحكيم الدولي

يقصد بالتحكيم لغة: أنه: مصدر لفعل “حكم”، يقال حكّمت فلاناً في مالي تحكيماً، إذا فوضت إليه الحكم، وحكّموه بينهم، أي جعلوه حكما عليهم ،والحَكم بمعنى واحد وهو ما يفوض إليه الحُكم في الشيء، وقيل هو من يُختار للفصل بين المتنازعين، والحُكم هو العلم والفقه، وكذلك القضاء العادل، ويستفاد من ذلك أن التحكيم في اللغة العربية هو طلب أو تفويض المتنازعين ممن له العلم والفقه أن يحكم بينهم في أمر من الأمور بالحكمة والعدل([34]).

واصطلاحاً: فالتحكيم هو اتفاق على عرض نزاع على شخص معين ليفصل فيه دون المحكمة المختصة، كما عرّفه الآخرون عل أنه «اتفاق على عرض نزاع على أشخاص معينين يسمون “بمحكمين arbitraires” ليفصلوا فيه دون المحكمة المختصة أصلاً بتحقيقه والفصل في موضوعه»، كما عرفه جانب آخر من الفقه بأنه “الطريق الإجرائي الخصوصي للفصل في نزاع معين بواسطة الغير»([35]).

والتعريف السائد للتحكيم: هو ما تضمنته المادة 37 من اتفاقية لاهاي لسنة 1907 التي نصت على أن « موضع التحكيم هو تسوية النزاعات بين الدّول بواسطة قضاة من اختيارها، وعلى أساس احترام القانون، وأن الرجوع إلى التحكيم يتضمن تعهداً بالخضوع للحكم بحسن نية»([36]).

يتضح لنا، إذن، من هذا التعريف أن للتحكيم الدولي ثلاثة عناصر مميزة وهي:

أولاً: أنه تسوية لنزاع بواسطة قضاة من اختيار الأطراف.

ثانياً: أنه تسوية لنزاع على أساس القانون.

ثالثاً: أن الحكم الذي يصدر ملزم للأطراف.

واستناداً إلى ذلك فالتحكيم الدولي:

أولاً: لا يعد وسيلة تسوية دبلوماسية، مثل المساعي الحميدة أو الوساطة أو التحقيق أو التوفيق، ذلك أن مثل هذه التسوية تقتصر على مجرد التقريب بين الدّول المتنازعة، أو إصدار تسوية أو إبداء رأي أو إثبات واقعة، دون أن يكون لها قيمة إلزامية في مواجهة الأطراف([37]).

ثانيا: يمكن أن ينظر إلى التحكيم كوسيلة تسوية قضائية، وذلك على أساس الاعتبارات الآتية([38]):

أ. من حيث المبدأ: يقوم التحكيم والقضاء الدولي على أساس القانون.

ب. أن القاضي يصدر أحكاماً نهائية وملزمة.

ج. قد يقال أن التحكيم يستمد صفته الذاتية من كونه إرادي، ولكن الواقع الدولي أثبت أن كل قضاء دولي هو إرادي كذلك، ومؤسس على رضا سابق وحر للدول التي يباشر في مواجهتها. ورغم أن للأطراف الحرية في اختيار المحكمين مباشرة وتحديد القانون الواجب التطبيق، فذلك لا يعد خلافاً جوهرياً، ذلك أن قبول قضاء محكمة العدل الدولية يتمثل في اتفاق القبول أو إعلان قبول الشرط الاختياري (المادة 36/03 من نظامها الأساسي) وأن تحديد مصادر القواعد التي سوف تقوم المحكمة بتطبيقها عند النظر في النزاع.

د. أن التحكيم يتحقق عموما بواسطة محكمة التحكيم خاصة من أجل الغرض َAdhoc، بينما القضاء، دائم ومنظم([39]).

  وفي هذا الصدد يرى الأستاذ “هر شلد” أن« التحكيم في معنى اتفاقية لاهاي 1987، يقصد به التحكيم بمعناه الضيق Stucto sensu، يتحقق إما بواسطة محكمة عرفية وإما بواسطة محكمة العدل الدولية». ويرى AOBZA إلى محكمة العدل الدولية على أنها تحكيم دائمة في المعنى الحقيقي للكلمة”([40]).

   وإذا ما عدنا إلى الوراء فالرومان كانوا يرون قديماً أن التحكيم غير القضاء أو القضاء شيء والتحكيم شيء آخرClouid est judicium aluid arbitra trium .

ثالثاً: مزايا التحكيم الدولي تكمن فيما يلي:

1.الحياد والاستقلالية:

ذلك أن الحكم التحكيمي يصدره طرف ثالث حيادي وعادل، ففي أغلب الحالات لا علاقة له بأطراف النزاع، فهو يملك سلطة القرار، وما يؤمن حيادهم هو استقلالهم عن الأطراف([41]).

  1. 2. حياد القواعد المطبقة:

يطبق المحكمين قواعد القانون الدولي والمبادئ العامة، وكذلك القواعد الخاصة التي يتفق عليها الأطراف، وفي كلتا الحالتين، فإن الحكم يصدر استناداً إلى القواعد الحيادية التي يفترض فيها الموضوعية والإنصاف، وليس استناداً إلى أمور أخرى أو نزوات شخصية، وفي هذا الإطار فالأحكام يجب أن تكون مسببة، حتى تصبح قابلة لرقابة المختصين([42]).

  1. 3.المساواةبين أطراف  التحكيم:
  2. 4. أحكام التحكيم باتة ونهائية:

فهي غير قابلة للاستئناف،ولذا فهي تفضي إلى التخلص نهائياً من النزاع من الناحية القضائية Resjudicata([43]).

  1. 5. حجية الأحكام التحكيمية:

فهذه الأحكام تتسم بحجية الشيء المقضي فيه، وهذا يعني قيام قرينة قانونية قاطعة، بأن الإجراءات التي أدت إلى إصدار هذا الحكم وانتهت بصدوره وفق إجراءات قانونية صحيحة، ولا يجوز مخالفة ما جاء فيه، وبالتالي فهي ملزمة([44]).

  1. 6. التخفيض من حدة التوتر السياسي:

ذلك أن التحكيم يمنع من تصاعد الوضع السياسي وتفاقمه، ويبعد النزاع عن صفته السياسية التي من الممكن أن يصطبغ بها وبالنتيجة يبتعد به عن صفة العدالة والإنصاف([45]).

  1. 7.المسؤولية:

في كثير من الحالات فالاعتبارات السياسية أو غيرها تكون سببا في عدم تقديم حكومة أحد طرفي النزاع تنازلات لطرف الآخر أثناء المفاوضات أو وفقاً للاقتراحات المقدمة من طرف ثالث من خلال مساعيه الحميدة، رغم اقتناعها بذلك، وهذا تجنباً لاتهامها بالضعف أو الإضرار بالمصلحة الوطنية، لذا فالتحكيم ساعد في مثل هذه الظروف على التخلص من هذه المشكلات، دون أن تتحمل الحكومة المعنية مسؤولية مباشرة التنازلات التي تقررها المحكمة، باعتبارها جهازا “حيادياً نزيهاً” يطبقً قواعد موضوعية حيادية([46]).

الفرع الثالث: شروط صحة اللجوء إلى التحكيم

نظراً لكون التحكيم وسيلة اختيارية لحل النزاعات الدولية بطريقة سلمية وكذا ضرورة إبرام اتفاق للجوء إلى هذه الوسيلة، وبالنظر للنتائج التي ترتبها هذه الوسيلة في حق أطراف النزاع، فالقانون الدولي العام وضع شروطا لصحة اللجوء إلى التحكيم وهي كما يلي:

أولا: الأهلية كشرط للجوء إلى التحكيم

قانوناً تعرف الأهلية، على أنها “صلاحية الشخص في اكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات، وكذا التعبير عن إرادته تعبيرا يرتب عليه القانون آثاره”([47]). وفي القانون الدولي العام، الأشخاص القانونية المتمثلة في الدول والمنظمات الدولية هي وحدها التي لها الحق في اللجوء إلى التحكيم نظرا لتمتعها بالشخصية القانونية، أي التمتع بالحقوق والواجبات التي يقرها القانون الدولي([48])، وهذا ما أوضحه الأستاذ Hotwstu في دروسه أمام معهد القانون الدولي عام 1931 حول “التنظيم الحالي للتحكيم الدولي”، بقوله أن “الوحدات التي لها اختصاصاً دولياً عاماً أو جزئياً هي فقط التي يمكنها أن تكون طرفاً أمام محكمة دولية، وهذه الوحدات هي أشخاص القانون الدولي”، ولقد حصر الأمر في الدول ذات السيادة والمنظمات الدولية([49]).

                وإن هذين الشخصين الدوليين اللذان لهما الأهلية القانونية في اللجوء إلى التحكيم أكدت عليهما اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لسنتي 1969 و1986، وذلك على اعتبار أنّ التحكيم الدولي يستند على اتفاق (معاهدة) الأطراف:فالمادة 06 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات سنة 1969 نصت على أنّ:

“كل دولة لها أهلية إبرام المعاهدات” ونصت المادة السادسة من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات التي أبرمتها المنظمات الدولية عام 1986 على أنّ “أهلية المنظمات الدولية لإبرام المعاهدات “القواعد المنظمة” بأنها بصفة خاصة “المواثيق المنشئة للمنظمات والقرارات التي تصدرها طبقاً لهذه المواثيق وكذلك السلوك الذي تسير عليه المنظمات”([50]) وعليه:

أ. بالنسبة للدول:

تعتبر الدول شخصاً قانونياً في المجتمع الدولي، وبالنتيجة لها أهلية التمتع بالحقوق وتحمل الالتزامات، وتملك سلطة التعبير عن إرادة ذاتية في إطار العلاقات الدولية([51]). والدول ذات السيادة التامة هي وحدها القادرة على الإتيان بجميع التصرفات القانونية النافذة، ومنها اللجوء إلى التحكيم الدولي، ذلك أن أهلية هذه الدول هي أهلية كاملة كقاعدة عامة، يعني أنها تكتسب الحقوق، وتمتثل للالتزامات وفقاً لقواعد وأحكام القانون الدولي العام([52]).وإن هذه الأهلية ملازمة للدول بقطع النظر عن العوامل الأخرى، كأن تكون ذات مساحة صغيرة أو كبيرة، أو قليلة السكان، أو متكونة من إقليم أو عدة أقاليم كالدولة الأرخبيلية…الخ، فجميع هذه الدول لها الحق في إبرام تصرفات قانونية دولية تحملها التزامات، لذا فيجب أن تكون هذه الدول قائمة بجميع عناصرها:الشعب، الإقليم، ووجود سلطة تكفل القيام بوظائف الدولة على المستوى الداخلي والخارجي([53]).

أما الدول ناقصة السيادة([54]) (الدول الأعضاء في الاتحادات الدولية ــ الدول الاتحادية، الدول الخاضعة للحماية، الدول الخاضعة لنظام الانتداب أو الوصاية، الدولة التابعة)، فهي تتمتع بأهلية ناقصة، وإن الرأي الراجح يذهب إلى التسليم بأنه لا يسمح لها بإبرام المعاهدات الدولية إلاّ في حدود تلك الأهلية الناقصة دون أن تتجاوزها، لذا يتعين دائما الرجوع إلى الوثيقة الرسمية التي تحدد العلاقات القائمة بين الدولتين لمعرفة ما إذا كانت الدولة الناقصة يسمح لها إبرام معاهدة معينة (من بينها معاهدة اللجوء إلى التحكيم) أم لا([55]).

وفي هذا الصدد تعرف الدول ذات السيادة التامة على أنها: لا تخضع في شؤونها الداخلية والخارجية لسيادة أو رقابة دولة أخرى، فهي مستقلة داخلياً وخارجياً، وهذا هو الوضع الطبيعي الذي يجب أن تكون عليه كل دولة مستقلة([56])، وقد نص ميثاق الأمم المتحدة في المادة الثانية منه على أنه “ليس في هذا الميثاق ما يسوغ للأمم المتحدة أن تتدخل في الشؤون التي تكون من صميم السلطات الداخلية للدولة”، بينما الدول ذات السيادة الناقصة (أو المقيدة) فهي لا تمارس بحرية كاملة سيادتها وسلطانها بسبب خضوعها لدولة أجنبية أخرى أو هيئة دولية([57]).

ب. المنظمات الدولية:

طبقاً للقانون الدولي العام، فإن المنظمات الدولية، التي لها الشخصية القانونية الدولية والتي لها أهلية إبرام المعاهدات الدولية (معاهدات اللجوء للتحكيم مثلاً)، هي المنظمات الدولية الحكومية حصراً([58]). وفي هذا الصدد يجدر التذكير بأن المنظمات الدولية الحكومية، التي ليس لها الشخصية القانونية الدولية، ليس بوسعها التقاضي عن طريق اللجوء إلى محكمة العدل الدولية، فالمادة 34 الفقرة الأولى من نظامها الأساسي حصرت الأمر في الدول، وأن كل ما تملك المنظمات الدولية هو طلب رأي استشاري طبقاً للمادة 96 من ميثاق الأمم المتحدة.

وبناءً على ذلك فهذه المنظمات الدولية لها فقط حق تقديم الدعاوى أمام محاكم التحكيم الدولية، وهو ما أكدت عليه محكمة العدل الدولية في قضية تعويض الأضرار التي أصابت الأمم المتحدة، حيث طرح السؤال حول معرفة ما إذا كانت المنظمة الدولية: “تملك أهلية اللجوء وتقديم الدعوى أمام المحاكم في النظام الدولي؟”([59]):

إن المنظمة الدولية شخص من أشخاص القانون الدولي، أي أنّ لها القدرة على أن تكتسب الحقوق وتلتزم بالواجبات الدولية. كما إن لها أن تتمسك بحقوقها بطريق المطالبة الدولية Le réclamation internationale. وتقصد المحكمة من صفة تقديم مطالبة دولية: على أنها “أهلية الرجوع إلى الطرق العادية المعروفة في القانون الدولي للإعداد وتقديم وتسوية الدعاوى”، ومن بين هذه الطرق ذكرت: الاحتجاج وطلب التحقيق والمفاوضات وطلب عرض القضية على محكمة التحكيم([60]).

وعليه فالمنظمات الدولية لها أن تلجأ إلى التحكيم سواءً مع الدول أو حتى مع بعضها البعض، غير أنّ ذلك مقيد بمجال الوظائف المخولة لها، ذلك أنّ الشخصية القانونية التي تمتع بها هذه المنظمات هي شخصية وظيفية محدودة طبقاً لمتطلبات وظيفتها([61]).

وفي هذا المضمار جرى العمل بين المنظمات الدولية على تضمين “شرط اللجوء إلى التحكيم” في الكثير من المعاهدات والاتفاقات التي تعقدها مثل([62]):

-شرط التحكيم الوارد في المادة 29 من الاتفاق المبرم بين منظمة الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية.

-اتفاقية المقر المبرمة بين منظمة الطيران المدني الدولي وكندا في 14 أفريل 1951 (المادة 07 منه)، وتلك المبرمة بين منظمة اليونسكو وفرنسا في 02 جويلية 1954 (المادة 07 منه).

كما نذكر الاتفاقية الخاصة بالامتيازات والحصانات التي تتمتع بها المنظمة الدولية التي أبرمت بتاريخ 21 سبتمبر 1951 بين الأمم المتحدة وكوريا (المادة 05 منه)، وفي مثل هذا الموضوع أبرمت كذلك الأمم المتحدة مع الحكومة المصرية اتفاقية حول نظام قوات الطوارئ الدولية في مصر، وهذا بتاريخ 08 فيفري 1958.

كما أنّ شرط التحكيم أدرجته المنظمات الدولية في الاتفاقيات الخاصة بالمساعدة الفنية والمالية، ونذكر على سبيل المثال:

-الاتفاق المبرم بين الجمهورية العربية السورية والأمم المتحدة بتاريخ 27 أوت 1963 (المادة 05 منه).

-الاتفاق المبرم بين البنك الدولي للإنشاء والتعمير واستراليا وكندا والدنمرك ولاوس وهولندا ونيوزيلندا وتايلاند والولايات المتحدة الأمريكية بتاريخ 04 ماي 1966 (المادة 10 منه).

-الاتفاق الذي أُبرم بين الصندوق الخاص للأمم المتحدة وحكومة سنغافورة في 23 سبتمبر 1966 (المادة 09 منه)([63]).

وإلى جانب الدول والمنظمات الدولية التي لها الحق في اللجوء إلى التحكيم الدولي بحكم الأهلية القانونية الدولية التي تملكها، فقد يثار الجدل والتساؤل حول حق الفرد في اللجوء إلى هذا النوع من التقاضي؟

                وفي هذا الصدد فإنه طبقاً للقواعد العامة للقانون الدولي العام، فإن تولي الدولة تقديم وتأييد دعوى الفرد أمام المحاكم الدولية يعد أحد المظاهر الجوهرية للقانون الدولي، ذلك أنه أمام احتمالات أن يصاب الفرد بأضرار في حقوقه ومصالحه من عمل دولة أجنبية، وعدم نجاعة طرق التقاضي الداخلية لهذه الدولة، أو تمسك هذه الأخيرة بحصانتها القضائية في بعض الأحيان، وهذا من أجل حماية حقوقه وإصلاح الأضرار التي أصابته،فإن وجود نظام الحماية الدبلوماسية([64]) بما يقتضيه من قيام الدولة التي يحمل الفرد جنسيتها بتولي دعواه أمام القضاء الدولي، يعد أمراً له قيمة في جبر الضرر الذي يصيب هذا الفرد وحماية حقوقه ومصالحه([65]).

ثانيا: إرادة الدول كأساس للتحكيم الدولي

إن لجوء الدول إلى حل وتسوية ما يثار بينها من نزاعات يخضع للمبدأ العام في القانون الدولي العام الذي يقضي: بأن أي خلاف لا يعرض لتسويته بواسطة القضاء أو التحكيم إلاّ إذا وجد رضا سابق من الدول ذات الشأن في ذلك([66]).

وبعبارة أخرى، فبما أنّ البناء التنظيمي للمجتمع الدولي يختلف عن نظيره الداخلي، حيث نسجل عدم وجود سلطة عليا تعلو سلطات الدول، فإن التحكيم الدولي يخضع لمبدأ سلطان الإدارة الذي يعد بمثابة قاعدة مسلم بها فقهاً وقضاءً([67])، لذا فإن التسوية عن طريق التحكيم لأي خلاف دولي يجب أن يستند إلى عمل إرادي Acte volontaireللأطراف، والذي يعكسه الاتفاق الذي ينص على التعهد باللجوء إلى التحكيم لتسوية الخلاف، فإذا كان الاتفاق أبرم بعد تسوية النزاع، فإنه يتخذ صورة مشارطة التحكيم Compromis d’arbitrage([68]).

وفي هذا الصدد، قال المندوب الألماني في مؤتمر لاهاي لعام 1907 أن “روح التحكيم هو الإرادة الحرة”، وإلى جانبه نذكر الأستاذين “جوليا وماكوفشي” اللذان يريان أن “الرضا شرط أساسي في اللجوء إلى التحكيم سواءً كان ذلك تحكيماً فردياً أم جماعياً، وحتى ولو تمت إحالة النزاع إلى اتفاقية عامة كاتفاقية لاهاي مثلا، تظل الإرادة هي الأساس، لأن طلب الإحالة يعبر تعبيراً عن إرادة الدولة”([69]).

وبناءً على ذلك يجب أن يكون اتفاق التحكيم غير مشوب بأي عيب من عيوب الرضا التي نصت عليها اتفاقيتا فيينا لقانون المعاهدات سنتي 1969 و1961، والمتمثلة في الغلط، والتدليس (الغش) وإفساد ممثل الدولة أو المنظمة الدولية، التي يترتب عليها قابلية اتفاق التحكيم (مشارطة التحكيم للإبطال، أي البطلان النسبي، والإكراه الذي يترتب عليه البطلان المطلق)([70]).

الفرع الرابع: إسهامات التحكيم الدولي في تسوية النزاعات الدولية

إذا أردنا التحديد فيمكننا القول إن القانون الدولي أسهم إسهاماً فعّالاً في مجال تسوية النزاعات الدولية بشكل عام ونزاعات الحدود الدولية على وجه الخصوص منذ بدايات القرن التاسع عشر. وقد تعمدنا استخدام مصطلح إسهامات التحكيم بدلاً عن دور التحكيم نظراً لما يحمله مـن دلالة أقوى. حيث أن دور التحكيم لا يقتصر على تسوية عدد معين من النزاعات الدولية، فهذا هو الدور المباشر للتحكيم ، إضافة إلى ذلك توجد للتحكيم إسهامات أخرى تؤثر بصورة غـير مباشرة في تسوية النزاعات الدولية عامة، والنزاعات الحدودية بوجه خاص.

   وللوقوف على إسهامات التحكيم الدولي في تسوية النزاعات الدولية سوف نتطرق بصورة عامة لنشاط التحكيم الدولي فيما يتعلق بتسوية النزاعات الدولية. من خلال سرد أغلب القضايا التي تم تسويتها عن طريقه منذ نشأته وحتى الوقت الحاضر على النحو الآتي([71]):

تعتبر معاهدة “جنيف” بين الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا أوّل المعاهدات التي نصـت على إحالة ما ينشأ بينهما من نزاعات إلى التحكيم، وقد تم تسوية عدة نزاعات عن طــريق التحكيم استناداً إلى هذه المعاهدة ،ومن ضمنها التحكيم في النزاع المتعلق بخليج ” فونـدي” وقد وقعت المعاهدة في عام 1814. ثم توالت القضايا التي تم تسويتها عن طريق التحكيم، منها التحكيم في القضية المعروفة باسم “الألباما” التي حدثت عام 1871 بين الولايات المتحدة الأميــركية وبريطانيا، وكذلك التحكيم بين إيطاليا وسويسرا بخصوص منطقة “الألب”عام 1874، بين جويانا الفرنسية وجويانا الهندية و الذي أصدر القيصر الروسي حكمه فيها عــام 1819، والتحكيم  بين إنجلترا و البرتغال حول خليج ديجول([72]). و التحكيم في النزاع الحدودي بــين كولومبيا وفنزويلا عام 1891، وفي النزاع بين الأرجنتين والبرازيل حول إقليم “الإرساليات” عام 1893، وتحكيم الحدود بين بريطانيا والبرتغال في جزيرة موزمبيق عام 1897، وتحكيم الحدود بين البرازيل وجوبانا الفرنسية عام 1897.

وفي عام 1899 تم التوقيع على اتفاقية لاهاي الأولى، ثم تم تعديلها في عام 1907 والتي عبرت عن قبول المجتمع الدولي في إنشاء هيكلاً تنظيمياً  للتحكيم، حيث يرجع أحدث تنظيم قــانوني للتحكيم الدولي إلى هذه الاتفاقية التي لازالت تمثل المرجعية الرئيسة للتحكيم حتى عصرنا الحالي حيث عرفت الغرض من التحكيم كما تضمنت أغلب مواد تنظيم بقية جوانب قـراراتها المتعلقة بتسوية النزاعات الدولية سلمياً وبإخضاع العمليات الحربية للمبادئ الإنسانية بداية مرحلة جديدة في تاريخ تطور القانون الدولي([73]). ومن أهم ما ترتب عليها إنشاء محكمة التحكيم الدائمة([74]). التي فصلت في أكثر من خمسة عشر قضية منذ إنشائها حتى الحرب العالمية الأولى. فعلى الرغم من ضعفها وافتقارها إلى الأسس والصلاحيات الثابتة الواضحة، فإنها تمكنت من القيام بواجبها على وجه نال التقدير. ومن القضايا التي تم تسويتها خلال تلك الفترة التوقيع على اتفاقية لاهاي حـتى عام 1920، على سبيل المثال نذكر: التحكيم الحدودي بين كوستاريكا وبنما بخصوص حـدود هما عـام 1900، التحكيم بين بوليفيا والبيرو عام 1902، تحكيم الحدود بين البرازيل وجويانا البريطانية عام 1904 عن طريق ملك إيطاليا.

ومن أشهر القضايا التي تم تسويتها في تلك الفترة عن طريق التحكيم قضية ” الفارين ” مـــن كزابلانكا عام 1908([75])، وكذلك التحكيم بين إنجلترا و ألمانيا عام 1911، والتحكيم بــين الهندوراس ونيكراغوا الذي فصل فيه ملك إسبانيا عام 1906، والتحكيم بين هولندا والبرتغال حول جزر “تيمور الشرقية عام 1914([76]).

  تلت هذه الفترة مرحلة جديدة تميزت بتوجه المجتمع الدولي إلى إنشاء مؤسسة دائمة للعـدل الدولي، حيث تم إنشاء محكمة العدل الدائمة بعد تشكيل عصبة الأمم، و لقد كان لهذه المحكمة دورها في تسوية العديد من النزاعات الدولية، ورغم المميزات التي تتمتع بها ومنها صفة الديمومة، إلا أن إنشاءها لا يعني تهميش دور التحكيم الذي استمر في ممارسة دوره في تسوية النزاعات الدولية إلى جانب القضاء الدولي. إضافة إلى ذلك هناك جملة من القضايا ساهم التحكيم الدولي في تسويتها في فترة مابين الحربين العالميتين نذكر منها، التحكيم بين فنزويلا وكولومبيا عام 1929 حول الحدود بينهما، وتحكيم الحدود بين كندا ونيوزلاندا عام 1927، وكذلك قضية التحكيم حول جزيرة بالماس عام 1928 بين الولايات المتحدة الأمريكية وهولندا التي تعد من أشهر القضايا التي تم التحكيم فيها في تلك الفترة، حيث صدر قـرارٌ باعتبار هذه الجزيرة جزءاً من الممتلكات الهولندية ،وقد تضمن هذا الحكم ما يلي :

(أ)  أن ممارسة السيادة الهولندية كانت علنية.  

(ب) إن الحكومة الهولندية مارست السلطة بوصفها صاحبة السيادة.

(جـ) لم يلجأ الهولنديون إلى الإكراه لدى احتلالهم الجزيرة، سواءً من الناحية المادية أم القانونية (كانتهاك حرمة إحدى المعاهدات)([77]). كذلك التحكيم بين فرنسا والمكسيك في النزاع الذي نشأ بينهما بسبب جزيرة “كلبورتاون” عام 1931([78]).

  بعد الحرب العالمية الثانية تم إنشاء محكمة العدل الدولية كأحد الأجهزة التابعة للأمم المتحدة، والتي أسهمت بدور متواضع في تسوية النزاعات الدولية، حيث أن هذه المحكمة تعتبر الهيئــة القضائية الرئيسة للأمم المتحدة. وقد وضع لها نظام خاص مستمداً من النظام الأساسي الــذي وضعته عصبة الأمم للمحكمة الدائمة للعدل الدولي. ونظام المحكمة الحالية قد ألحق بميثاق الأمـم المتحدة واعتبر جزءاً لا يتجزأ منه، فواضعو الميثاق أرادوا إلغاء المحكمة الدائمة للعدل الدولية الـتي أنشأت في عهد العصبة.

  غير أن التحكيم الدولي قد استمر في تأدية دوره رغم وجود عدد من العوامل التي أبعدت الدول عن اللجوء لتسوية النزاعات التي نشأت بينها([79]) وقد تم تسوية عدد كبير من النزاعات خلال النصف الثاني من القرن العشرين، فقد قامت محكمة أمريكية بريطانية بموجب معاهدة لندن عام 1953 بتسوية أكثر من مائة نزاع([80]).

ومن القضايا التي تم تسويتها خلال هذه الفترة : التحكيم بين فرنسا و ألمانيا حول بحيــرة ” لبانو” عام 1957 و التحكيم بين الأرجنتين وتشيلي حول خليج ” بيجل ” عـــام 1978.والتحكيم بين فرنسا وبريطانيا بشأن الحدود المشتركة في الجرف القاري لبحر المانش ، التحكيم الخاص بشأن تعين الحدود البحرية بين غانيينا و غينيا بيساو عام1985، والتحكيم الشهير بين مصر وإسرائيل حول منطقة طابا، وكــذلك التحكيم بين غينيا بيساو والسنغال حــول تثبت الحدود البحرية بينهما عام 1989، والتحكيم في قضية “راينو وآريو” بين فرنسا ونيوزيلاندا عام 1990، والتحكيم بين فرنسا وكندا حول تثبيت المجلات البحرية بينهما عام 1992([81]).

ومن أحدث القضايا التي برزت على السطح وتجاوزت كافة الأحداث في نهاية القرن العشرين، تم تسويتها على مرحلتين عن طريق التحكيم قضية النزاع اليمني ــ الإرتري والذي تم تسويته على مرحلتيـن.

ومن خلال سرد الكم الهائل من النزاعات الدولية التي تم تسويتها عـن طريق التحكيم الدولي في هذا المطلب والمطالب السابقة يتضح لنا بجلاء الدور البارز والإسهامات الفعالة التي قام بها التحكيم الدولي في تسوية النزاعات الدولية عموماً، والنزاعات الحدودية بوجه خاص والتي يمكن إيجازها على النحو الآتي:

  1. تقليص عدد النزاعات الدولية والحد من انتشارها، وتفاقم آثارها على المجتمع الدولي عن طريق تسوية عدد كبير منها بصورة عادلة ومرضية للأطراف.
  2. شكلت المرجعية عن طريق السوابق التي أصدرت قراراتها فيها من خلال الاهتداء لها في تسوية غيرها من النزاعات المماثلة، كما ساهم في ترسيخ وتطوير المبادئ الأساسية التي تحكم النزاعات الحدودية خصوصا، وبعض قواعد  القانون الدولي من خلال الاستخدام المستمر لهــذه المبادئ والقواعد في تسوية النزاعات المعروضة عليه مما أكسب الثقة لدى المجتمع الدولي .
  3. نتيجة للإسهامات التي حققها التحكيم في مجال تسوية النزاعات الدولية فقد تولدت لـدى الدول وغيرها من أشخاص القانون الدولي ثقة كبيرة في التحكيم، حيث تضمنت أحكامه ونصت على اللجوء إليه اتفاقيات كثيرة ثنائية وجماعية نذكر منها الاتفاقية الجماعية للإتحـاد الأوروبي للمواصلات السلكية واللاسلكية مادة 20، اتفاقية الأقمار الصناعية للاتصالات المادة 08، والمادة 27 من اتفاقية المخابرات الدولية المعقودة في جنيف عام 1959([82]). بالإضافة إلى اتفاقيات أخرى كثيرة لا يتسع المقام لذكرها هنا.

المطلب الثاني: النزاعات الدولية التي تعرض على التحكيم الدولي([83])

تعتبر النزاعات الدولية من أهم الأحداث الدولية التي تؤدي إلى تهديد السلم والأمن الدوليين، نتيجة لما قد يترتب على اللجوء إلى تسويتها عن طريق القوة من مآسٍ، فقد ازداد عددها في القرنين الماضيين نتيجة لتشابك العلاقات الدولية وتضارب مصالح الدول، وزيادة الأطماع لدى البعض منها، إضافة إلى ظهور عامل مهم ومحفز لنشوب مثل هذه النزاعات ألا وهو “الحدود بين الدول” والذي أساسه النزاع حول “إسناد الأقاليم”.

ولتبيان النزاعات الدولية التي تعرض على التحكيم الدولي، علينا  في هذا الصدد التطرق إلى النقطتين التاليتين ضمن الفرعين الآتيين:

الفرع الأول: تعريف النزاع الدولي.

الفرع الثاني: طبيعة النزاعات الدولية القابلة للتحكيم الدولي.

الفرع الأول: تعريف النزاع الدولي

لغة: فكلمة “نزاع” مصدرها فعل “نزع” ومنها كلمة “تنازع”، القوم اختلفوا، ويقال أيضاً تنازع القوم في شيء أي تخاصموا([84]).

أما اصطلاحا: فكلمة نزاع تعني “وجود تعارض بين إدعاء أو مصالح تحدث في الحياة العملية” ويترتب على هذا التعارض بين وجهات النظر محاولة كل طرف ترجيح وجهة نظره، وبذلك ينتقل النزاع من إطاره النظري إلى إطاره العملي، مما يجعل منه مصدراً للتوتر والإثارة في أي وقت([85]).

ويرى الأستاذ “جابر إبراهيم الراوي” أن مفردة النزاع هي: أن أحد الأطراف يتقدم بادعاء خاص يقوم على أساس خرق القانون في الوقت الذي يرفض فيه الطرف الآخر هذا الإدعاء([86]).

أما النزاع الدولي، فلقد تبنى الفقه والقضاء الدوليان مفهوماً محدداً له، فهو يعرف بأنه: “خلاف حول مسألة قانونية (كتفسير معاهدة دولية) أو تضارب الآراء القانونية لشخصين أو أكثر من أشخاص القانوني الدولي”.

بمعنى آخر فالنزاع الدولي يتجسد في عدم اتفاق شخصين أو أكثر حول مسألة قانونية أو واقعية، ولو أنه لا توجد فوارق فاصلة بين ما هو قانوني وواقعي، باعتبار أن كل مسألة قانونية لابد أن تحكمها قاعدة قانونية([87]).

وفي قرارها الصادر بتاريخ 30 أوت 1924 في قضية M AVROMMATS  عرفت المحكمة الدائمة للعدل الدولي النزاع الدولي على أنه ” عدم الاتفاق حول مسألة تتعلق بالقانون أو الواقع، أو أي تعارض أو تصادم في وجهات النظر القانونية أو المصالح المتعلقة بشخص أو أكثر…”([88]).

وفي هذا الصدد وإن كانت هذه الأخيرة استعملت كلمة “عدم الاتفاق” فإن معظم شراح القانون الدولي العام قد استخدموا عدة مصطلحات للتعبير عن عدم الاتفاق حول مسألة من الــواقع أو القانون وهي: خلاف، نزاع، Conflit، خصومة، منازعة (Litige ou divergence)([89]).

ومن جهتها فمحكمة العدل الدولية لم تخرج عن إطار هذا التعريف، فقد عرفت النزاع الدولي بأنه: ” خلاف نقطة قانونية أو واقعية تناقض وتعارض وجهات النظر القانونية أو المصالح بين دولتين”([90]).

ويستنتج من التعاريف السابقة، أنه : لكي يوصف النزاع بأنه دولي، ما يلي:

أولا:

  • يجب أن يكون النزاع قائماً بين شخصين من أشخاص القانون الدولي أو أكثر، أي يتمتع بالشخصية القانونية الدولية، وعلى رأسها الدّول بكامل عناصرها (السكان، الإقليم والسلطة)، وإلى جانبها المنظمات الدولية.
  • تلك النزاعات القائمة حول مسائل قانونية أو مادية، إذا كانت أطرافها أفرادا، حتى وإن كانوا ينتمون في جنسياتهم إلى دول مختلفة، إذ أن مثل هذه النزاعات تخضع لأحكام وقواعد القانون الداخلي.

غير أنها قد تتحول إلى نزاعات دولية مثلاً: حينما تتلقى الأطراف المتنازعة مساعدة من دول أخرى – تتدخل مباشرة أو بطريقة غير مباشرة – في النزاع، أو إذا قامت الدّول باللجوء إلى نظام الحماية الدبلوماسية كحماية حقوقها ورعاياها في الخارج كما هو الحال في القضية الشهيرة Ambatiel 05، حينما تولت الحكومة اليونانية دعوى رعيتها Ambatil 05 بتاريخ 12 سبتمبر 1925 و سعت إلى تسوية الخلاف مع الحكومة البريطانية، وبتاريخ 19 أفريل 1951 قامت بوضع حكم أمام محكمة العدل الدولية([91]).

  • النزاعات الداخلية، التي لا يمكن أن يتدخل فيها مجلس الأمن الدولي، ذلك أن الأمر متعلق بالشؤون الداخلية للدولة المستقلة ومرتبط بسيادتها، وهذا عكس النزاعات الدولية التي يتدخل فيها بموجب سلطته في حق المراقبة والحسم في كل ما يهدد السلم والأمن الدوليين([92]).

ثانياً:

  • وجود ادعاءات متناقضة في مسألة قانونية أو واقعية بين الأشخاص القانونية الدولية، فالاختلاف في الأنظمة السياسية بين الدول مثلاً: لا يعد نزاعاً دولياً.
  • وأن تكون هذه الادعاءات المتناقضة مستمرة، فإذا ادعت إحدى الدّول بخصوص حقوق معينة وعارض الطرف الآخر ثم انتهت الأمور بهذه الكيفية، فلا يمكن تكييف ذلك بالنزاع الدولي، لأن الدولة لم تتابع ادعاءها.

وفي هذا الصدد فالجمعية العامة للأمم المتحدة تقدمت بتاريخ 15 جويلية 1948 بمقترح يتضمن حالات النزاع الدولي([93]):

  • حالة الاتفاق بين الأطراف المعنية على وجود نزاع بينهما.
  • ادعاء دولة ما بأن دولة أو دولاً أخرى خالفت التزاماتها الدولية، وأتت عملاً يهدد السلم والأمن الدوليين، وبالمقابل إنكار الدولة أو الدول المشتكى ضدها هذه الادعاءات.
  • ادعاء دولة ما بأن دولة أخرى قد انتهكت حقوق دولة ثالثة، وإقرار هذه الأخيرة بهذا الادعاء، فتعتبر بذلك الدولة الثالثة طرفا في ذلك النزاع.

ثالثا:

ويترتب عن قيام العنصرين السابقين: أن يخضع هذا النزاع الدولي بخصوص حالة تطبيق قواعد القانون الدولي.

وبناء على ما تقدم، فإذا كان هناك نوع من الاتفاق حول تعريف النزاع الدولي وعناصر قياسه، فإن محاولة تقسيم هذه الظاهرة وتبيان أنواع وضعيتها سوف يترتب عليه أمران:

الأمر الأول أنه يساعد على فهمها،

والثاني يطرح إشكالية طبيعة النزاعات الدولية القابلة للتحكيم الدولي، وهذه الإشكالية سوف نتطرق إليها في الفرع التالي.

الفرع الثاني: طبيعة النزاعات الدولية القابلة للتحكيم الدولي:

في هذا الصدد نطرح السؤال الثاني: ما هي أنواع النزاعات الدولية التي يشهدها المجتمع الدولي؟ ومن ضمن تلك الأنواع ما هي النزاعات التي يمكن أن تخضع للتحكيم الدولي كوسيلة سلمية لحلها؟

وفي هذا السياق فإن عملية قابلية النزاع الدولي لعرضه على التحكيم تسمى “المشكلة التحكمية في الخلافات الدولية” أو “تحكمية الخلافات الدولية”، وبمعنى أعم يعبر عنها بفكرة:

“قابلية النزاعات الدولية للتسوية عن طريق القضاء، ويقصد بها: النزاعات التي تقبل التسوية بتطبيق قواعد القانون الدولي الموجودة([94])، وهي التي يطلق عليها بالنزاعات القانونية التي يمكن تسويتها بالتحكيم أو القضاء الدولي، وعلى أساس ذلك يخرج من نطاق هذه الطائفة النزاعات التي لا تقبل التسوية بتطبيق قواعد القانون الدولي، وهي ما جرى الفقه على تسميتها “بالنزاعات السياسية” التي لا تقبل التسوية عن طريق الوسائل السياسية، (المفاوضات، الوساطة، التحقيق والمساعي الودية والتوفيق)([95]) لكن هناك من الفقهاء من يرى أن النزاعات الدولية ذات ميزة مختلطة بحيث تجمع الجانب السياسي والقانوني.

وسوف نستعرض فيما يلي هذه الأنواع من النزاعات الدولية:

الفقرة الأولى: النزاعات القانونية

هي تلك التي:” يكون فيها الطرفان على خلاف حول تطبيق الأوضاع القائمة أو تفسير أحكامها، ويمكن حلّها بالإسناد إلى القواعد القانونية المعروفة أو صالحة إذن تنظر فيها المحكمة”([96]). لذا فهي تتعلق بوجود أو مدى كيفية احترام حقهما عن طريق تحديد القاعدة القانونية الواجبة التطبيق، ومن ثم فهي تتميز بانطلاقها أساساً من اعتبارات قانونية محضة([97])، خاصة وأنها تنطوي على مسألة قانونية، وتتصل بالقانون الدولي، اتصالا وثيقا، بحيث يمكن اللجوء إليه لتسويتها([98]).

وقد ورد مفهوم النزاعات الدولية القانونية في اتفاقية لاهاي لتسوية للعلاقات الدولية، وهذا في مفهوم المادة 16 (التي تقابلها المادة 38 من اتفاقية لاهاي الثانية لسنة 1907) كالآتي:”في المسائل ذات الطبيعة القانونية، وفي المكان الأول، مسائل تفسير أو تطبيق الاتفاقيات الدولية، تقر السلطات الموقعة بأن التحكيم هو الوسيلة الأكثر فعالية، وفي نفس الوقت الأكثر عدالة لتسوية التي تتم بالطرق الدبلوماسية”([99]) وإن مدلول النزاعات القانونية الوارد في هذا النص فكرته تقترب من شرط التحكيم الخاصة. ولقد جاء عهد عصبة الأمم بقائمة من النزاعات القانونية التي تقبل التسوية عن طريق التحكيم أو القضاء، وهذا في المادة 13 (الفقرة الثانية 21) كالآتي:

  • الخلافات المتعلقة بتفسير معاهدة.
  • أية مسألة من مسائل القانون الدولي.
  • حقيقة أي واقعة التي إذا ثبتت تشكل خرقاً لالتزام دولي.
  • مدى وطبيعة التعويض المترتب على هذه المخالفة.

وقد ورد ذات النص في المادة 36 (الفقرة الثانية من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية)، وفي المادة 36 (الفقرة الثالثة) من ميثاق الأمم المتحدة.

والواقع أن هذا  التحديد للنزاعات القانونية يجعل من “معيار طبيعة النزاع” أساسا للتمييز بين النزاعات القانونية والنزاعات السياسية، بحيث إذا كانت طبيعة النزاع تنصب على مسائل من المسائل الواردة في النصوص السابقة للذكر، فهي تعتبر نزاعات قانونية، وما عدا ذلك فهي تعتبر نزاعات سياسية([100]). ففي هذا المضمار انقسم فقهاء القانون الدولي إلى قسمين:

أولا: الاتجاه الموضوعي([101]):

فأنصاره يرون أن النزاعات القانونية: هي تلك القابلة للتسوية على أساس قواعد القانون الدولي الموجودة وقت قيام النزاع”([102]).

ومن بين هؤلاء نذكر الأستاذ Cold Shmidt  الذي يرى أن: ” النزاعات القانونية هي تلك التي تسمح بطبيعتها بحكم مؤسس على قواعد القانون”([103]). وفي هذا الشأن يرى الأستاذ فاغلاتر Wgtlatre أن تكون هذه القواعد القانونية معروفة، ولها قوة مستمدة من الرضا العام للمجتمع الدولي([104]). أما الأستاذ H.kelsen يرى أن “النزاع يعد قانونياً، إذا كان يمكن تسويته بتطبيق قواعد القانون الموجودة”([105]).

ثانياً: الاتجاه الشخصي([106]):

فوفقاً لهذا الاتجاه، ومن أجل تعريف النزاعات الدولية، يجب استعمال المعيار الشخصي، ومضمون هذا الرأي ينبغي الرجوع إلى الطريقة التي يصوب بها الأطراف إرادتهم في الطلب المقدم منهم كأساس لتسوية النزاع.

وفي هذا يرى الأستاذ F. Costborg أن: “الفاصل في معرفة ما إذا كان الخلاف ذا طبيعة قانونية أولا، في طريقة عرض الأطراف للمسألة محل الخلاف، فالخلاف لا يكون قانونياً، إلاّ في الحدود التي يتنازع فيها الأطراف حول تطبيق قواعد القانون الدولي، أو حول تفسيرها”([107]).

لكن قد تكون صياغة ادعاءات الأطراف أحياناً مبهمة وغير محددة، الأمر الذي يصعب معرفة ما إذا كانوا يتنازعون على حقوق قانونية أم لا، وبالمقابل فإن هذا المعيار يفتح المجال على أوجه غير قانونية أو سياسية للتخلص من إمكانية عرض النزاع على القضاء أو التحكيم الدوليين([108]).

الفقرة الثانية: النزاعات السياسية

فالملاحظ بخصوص النزاعات الدولية السياسية، أننا لا نجد تعريفاً لها سوى على مستوى القانون الدولي الاتفاقي، والتعاريف التي ضمت كانت من الفقه خاصة. وعلى العموم فمعهد القانون  الدولي([109]) قرر أن النزاعات السياسية هي كل ” نزاع يؤثر في استقلالية الدولة أو مصالحها الحيوية وشرفها”([110]).

والفقه الدولي في هذا الصدد انقسم إلى اتجاهين:

أولاً: اتجاه النظرة الموضوعية

في مشروع لائحة إجراء التحكيم التي قدمت أمام مجمع القانون الدولي عام 1873، يرى الأستاذ Gold Shmit أن ” لفظ السياسة يخص الخلافات التي تثير مسائل السلطة، والنزاعات السياسية هي تلك التي لا تقبل بطبيعتها حكماً على أساس قواعد قانونية، ويقاسمه هذا الرأي الأستاذ Buiggs([111]).

كما أن الأستاذ C.h. Devissher لم يخرج من هذا السياق، إذ يرى أن “القابلية لتطبيق القواعد القانونية الدولية الوضعية تشكل الخط الفاصل بين الخلافات السياسية والخلافات القانونية([112]).

ثانياً: اتجاه النظرة الشخصية

لقد سبق وأن ذكرنا أن الاتجاه الشخصي في تعريف أنواع النزاعات الدولية يستند إلى إرادة الأطراف والموقف التي تتخذه في صياغة وبناء دعواهم، بناء على ذلك فالنزاع يكون سياسيا إذا طلب الأطراف تعديل القانون الموجود، لذا فإذا كان طلب كلا الطرفين تطبيق قواعد أو مبادئ مستمدة من القانون الدولي الموجود، فالنزاع يعد سياسياً([113]).

ويرى البعض أن تأسيس أحد الأطراف طلباته على اعتبارات غير قانونية سوف يجعل النزاع سياسياً، وفي المسار يرى الأستاذ “موريلي” أن:” النزاع السياسي ينتج عن عدم الاتفاق حول الطريقة التي يجب أن يسوى لها النزاع بواسطة القانون الدولي، وإلى جانبه الأستاذ “شارل روسو” الذي يعرف النزاعات السياسية على أنها “تلك التي يطالب فيها أحد الأطراف تعديل القانون الموجود”([114]).

وفي ضوء ما تقدم فالنزاعات القانونية: هي التي يختلف فيها الطرفان حول مسألة قانونية، ويتم عرضها على التحكيم الدولي والقضاء الدولي لإصدار فيها قراراً وفقاً لقواعد القانون الدولي([115]).

أما النزاعات السياسية: فهي تنشأ عن رغبة أحد الطرفين في تنفيذ الأوضاع الراهنة دون أن يكون لمطالبه حجة قانونية مقبولة، وكما أنها لا تصلح بأن تعرض على القضاء الدولي أو التحكيم، بل يتم تسويتها بالطرق السياسية للتوفيق بين المصالح المتعارضة([116]). لكن تقسيم النزاعات الدولية إلى سياسية وقانونية، يعد تمييزاً غير سليم لأن:

النزاع الواحد قد يعتبر قانونياً من وجهة النظر الموضوعية، وسياسياً من وجهة النظر الشخصية، وبالتالي يصعب الاختيار والتفضيل بين المعيارين الموضوعي والشخصي، وهو الأمر الذي يؤكد وجود معيار واضح للتفرقة بين الصنفين في النزاع([117]). إن هذا التمييز ليس له أهمية عملية، خاصة وأن الدول لا تلتزم إلاّ برضاها وباتفاقيتها، لذلك فاللجوء إلى التحكيم الدولي أو الوسائل السلمية الأخرى هي مسألة رضائية بحتة تتوقف على إرادة الدول المعنية، فالدول هي التي تحدد طبيعة النزاع وأن تقرر عرضه على التحكيم أو القضاء الدولي([118]).

الفقرة الثالثة: النزاعات المختلطة

هذا النوع من النزاعات الدولية ذات جانبين إحداهما سياسي والآخر قانوني، كأن يكون النزاع في جوهره قانونياً، لكن تترتب عليه آثار سياسية، ويجدر الذكر أن الغالبية من النزاعات الدولية هي من هذا الصنف، إذ يصعب كثيراً التمييز بين الجانب القانوني والجانب السياسي لأي نزاع دولي([119]).

وفي هذا يرى الأستاذ “لوترباخت” “أن كل نزاع دولي يستمد الصفة السياسية بالنظر على أن له أهمية معينة لدولة ذات الشأن، فالدولة منظمة سياسية، وكل المسائل التي تمسها وخاصة في علاقتها مع الدول الأخرى هي بالتالي سياسية”([120]).

ويرى الأستاذ “لويس ديلبيز” “أن خلافا قانونياً قد يثير نتائج سياسية مهمة، بسبب الرأي العام لشعوب ذات الشأن الذي قد يثير اهتمامه الحيوي بالقضية، ويعتبرها على صواب أو على خطأ. إنما تتعلق بمصلحة وطنية عامة”([121]).

وفي المسار نفسه يرى الأستاذ J.H.W. Vec. Zigl  ” أنه قلما يوجد خلاف قانوني لا يقدم للأطراف مصلحة أينما كانت، والواقع أن كل مسألة قانونية يمكن أن يضفي عليها طابعاً سياسياً في أي لحظة”([122]).

وفي هذا الصدد أشار الأستاذ Max Huber في الخطاب الذي ألقاه بتاريخ 16 جانفي 1925 أمام محكمة العدل الدولية الدائمة إلى الصعوبات التي تتعرض المحكمة بسبب العنصر السياسي الذي يشوب النزاعات الدولية([123]).

الفقرة الثالثة: تعريف النزاع الإقليمي

من باب المنطق القانوني، فقبل التطرق إلى تعريف النزاع الإقليمي، علينا أن نعرف في البداية ” الإقليم”.

 فالإقليم يعتبر ركناً أساسياً في قيام الدولة كشخص قانوني دولي، وبدونه لا يلحق القانون الدولي العام وصف الدولة بجماعة من الجماعات أو هيئة من الهيئات([124]).

وإقليم الدولة هو ذلك الجزء البري الذي يعيش عليه السكان، ويمتد إلى أسفل باطن الأرض وحتى الفضاء، وبامتداد أفقي إلى البحر إن وجد، وهناك من يطلق عليه العبارة الآتية “الثكنة المادية لمجموعة معينة من القواعد”، ويعرف بأنه “المكان الذي تقوم عليه الدّولة من برّ وبحرّ وهواء، ولا تنفصل عنه، وتتمتع في داخله بكامل السلطات المقررة في القانون الدولي، كما يعني: ذلك الجزء المحدود من الكرة الأرضية الذي يخضع لسيادة دولة ما، أو هو الحيّز الجغرافي الذي يستقر عليه السكان بشكل مستقر، وتمارس عليه الدولة سلطتها وسيادتها([125]).

وفي هذا الصدد، فإنه لا يعتبر بمساحة الإقليم الجغرافي، وكما أنه لا يهم إن كانت أرض الإقليم برية لا تطل على أي بحر (دولة حبيسة)، أو أرضا قارية تطل على البحر (الجزائر)، أو أرضا قارية مع مجموعة من الجزر  (إيطاليا، اليمن) أو جزيرة كبيرة ومجموعة من الجزر الصغيرة (بريطانيا) أو أرخبيلا (اليابان، إندونيسيا)([126]).

والإقليم يتكون من ثلاثة عناصر:

العنصر اليابس([127]):

وهو العنصر الأصلي في الإقليم، فهو جزء من الأرض تضمه حدود الدولة، ولا توجد دولة يتكون إقليمها من قطاع بحري أو جوي أو منهما معا دون القطاع اليابس.

وهذا العنصر يضم سطح الأرض بكل ما يحتويه من معالم طبيعية كالسهول والوديان والصحاري والتلال، والهضاب والجبال، والدولة تتمتع بخصوصية بحقوق مفردة ومانعة لا يشاركها فيها أي دولة أخرى، وهذا سواء على باطن إقليمها اليابس وما فيه من ثروات طبيعية.

العنصر البحري:

ويشمل: المياه الداخلية والبحر الإقليمي: بامتداد 12 ميلاً بحرياً حسب المادة الثانية من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لسنة 1982.

العنصر الجوي: الذي يغطي الإقليم القاري والإقليم البحري، وفي هذا المضمار نصت المادة الأولى (الفقرة أ/ من اتفاقية الطيران المدني ــ اتفاقية شيكاغو ــ لعام 1944 على “الاعتراف بالسيادة الكاملة والمطلقة على فضائها الجوي”([128]).

ويترتب على خضوع إقليم ما لسيادة دولة ما، أن يتمتع أعضاء المجموعة الدولية استخدام القوة أو التهديد باستخدامها ضد ملاحة الأراضي أو الاستقلال السياسي لدولة ما، على وجه لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة([129]). كما يمنع على الدول اكتساب الأقاليم باستعمال القوة، فلقد جاء في إعلان مبادئ القانون الدولي الخاص “بالعلاقات الودية بين الدول والذي تبنته الجمعية العامة للأمم  المتحدة عام 1970 القرار (2325): “ولا يوجد إخضاع إقليم أية دولة للاحتلال عسكرياً ناجم عن استعمال القوة خلافاً لأحكام الميثاق، ولا يوجد اكتساب إقليم أية دولة من قبل دولة أخرى نتيجة التهديد باستعمال القوة أو استعمالها”([130]).

لكن رغم ذلك فالمجتمع الدولي كان ولازال يعيش ويشهد نزاعات دولية إقليمية، منها الصراع المسلح بين أطرافها، ومنها من تصاعدت وتضاربت بخصوصها إدعاءات سيادية متعارضة.

والنزاع الإقليمي يقصد به: ذلك الخلاف الذي ينشأ بسبب ادعاءات  سيادة متعارضة على مساحة معينة من إقليم، سواء من اليابسة أومن الماء (الإقليم البحري65   إذ أن من المسلم به أن كل طرف يرفض تماما التسليم بأية حقوق للطرف أو الأطراف الأخرى على المنطقة المتنازع عليها([131]).

وبتعبير أكثر دقة فهذا النزاع ينصب على عنصرين([132]) هما:

العنصر الأول: أن محل انتزاع مساحة إقليم كبيرة تشكل وحدة مستقلة جغرافيا، وخير مثال على ذلك نذكر الجزر.

العنصر الثاني: يتمثل في مطالب أطراف النزاع على ممارسة السيادة على الرقعة الجغرافية محل النزاع.

وإن مثل هذه الالتزامات تثار بين الدول المتجاورة أو المتقابلة جغرافيا، كحالة النزاع بين الإمارات العربية المتحدة وإيران حول جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، أو حالة النزاع الذي وقع بين قطر والبحرين حول جزر”خوار” خاصة، والتي فصلت فيها محكمة العدل الدولية بتاريخ 10 مارس 2001 بإسناد هذه الجزر إلى البحرين، وكان ذلك على أساس القرار البريطاني سنة 1936([133]). وقد يثور هذا النزاع في غير هذه الحالات: كحالة النزاع الذي ثار عام 1982 بين الولايات المتحدة وهولندا بخصوص السيادة على “جزيرة البالاماس” الواقعة في المحيط الهادي على مقربة من جزر الفلبين([134]). ففي حالة هذا النزاع الدولي، فالمحكمة التي يعرض عليها، دورها يتمثل أساساً في البحث في مدى صحة الأدلة القانونية التي يحتج بها كل طرف من الأطراف المتنازعة لإثبات أحقيته في السيادة على الإقليم المتنازع عليه، ونفي إدعاءات الطرف أو الأطراف الأخرى.

خاتمة:

يعد التحكيم الدولي بمثابة النظام القديم الذي عرفته الإنسانية منذ الأزل، فالثابت أن المجتمعات السياسية في العصر القديم، عرفته كإجراء واستعملته في الحد من الخلافات التي تقوم بينها، الأمر الذي يمكننا القول أن المحاكم المؤقتة أسبق إلى الوجود من المحاكم الدائمة، غير أنه لم يمنع من قيام الحروب فيما بينها لحل تلك النزاعات.

وأسهمت آلية التحكيم الدولي منذ إنشائها عبر المعاهدات إسهاماً فعّالاً في مجال تسوية النزاعات الدولية بشكل عام ونزاعات الحدود الدولية على وجه الخصوص منذ بدايات القرن التاسع عشر. ومعروف  أن دور التحكيم لا يقتصر على تسوية عدد معين من النزاعات الدولية، حيث توجد للتحكيم إسهامات أخرى تؤثر بصورة غـير مباشرة في تسوية النزاعات الدولية عامة، والنزاعات الحدودية بوجه خاص.

لقد كانت معاهدة “جنيف” بين الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا أولى المعاهدات التي نصـت على إحالة ما ينشأ بينهما من نزاعات إلى التحكيم، وقد تم تسوية عدة نزاعات عن طــريق التحكيم استناداً إلى هذه المعاهدة ،ومن ضمنها التحكيم في النزاع المتعلق بخليج ” فونـدي” وقد وقعت المعاهدة في عام 1814.

وكان التوقيع على اتفاقية لاهاي الأولى في عام 1899، المعدلة في عام 1907 مدخلا  لقبول المجتمع الدولي إنشاء هيكلا تنظيمي  للتحكيم، حيث يرجع أحدث تنظيم قــانوني للتحكيم الدولي إلى هذه الاتفاقية التي لازالت تمثل المرجعية الرئيسة للتحكيم حتى عصرنا الحالي.

ومن أشهر القضايا بعد التوقيع على هذه المعاهدة  التي تم تسويتها عن طريق التحكيم قضية ” الفارين ” مـــن كازابلانكا عام 1908، وكذلك التحكيم بين إنجلترا و ألمانيا عام 1911، والتحكيم بــين الهندوراس ونيكاراغوا الذي فصل فيه ملك إسبانيا عام 1906، والتحكيم بين هولندا والبرتغال حول جزر “تيمور الشرقية عام 1914.

  ثم كان الدور محكمة العدل الدائمة بعد تشكيل عصبة الأمم، وكان لهذه المحكمة دورها في تسوية العديد من النزاعات الدولية.

وبعد الحرب العالمية الثانية تم إنشاء محكمة العدل الدولية كأحد الأجهزة التابعة للأمم المتحدة، والتي أسهمت بدور متواضع في تسوية النزاعات الدولية، غير أن التحكيم الدولي قد استمر في تأدية دوره رغم وجود عدد من العوامل التي أبعدت الدول عن اللجوء لتسوية النزاعات التي نشأت بينها وقد تم تسوية عدد كبير من النزاعات خلال النصف الثاني من القرن العشرين، فقد قامت محكمة أمريكية بريطانية بموجب معاهدة لندن عام 1953 بتسوية أكثر من مائة نزاع.

إن النزاعات الدولية التي تعرض على التحكيم الدولي: هي “الحدود بين الدول” والذي أساسه النزاع حول “إسناد الأقاليم“.

وقد تبنى الفقه والقضاء الدوليان مفهوماً محدداً للنزاع الدولي هو: “خلاف حول مسألة قانونية (كتفسير معاهدة دولية) أو تضارب الآراء القانونية لشخصين أو أكثر من أشخاص القانوني الدولي“..

وقد قسمت النزاعات الدولية إلى :

النزاعات قانونية: وهي تلك التي:” يكون فيها الطرفان على خلاف حول تطبيق الأوضاع القائمة أو تفسير أحكامها، ويمكن حلّها بالإسناد إلى القواعد القانونية المعروفة أو صالحة إذن تنظر فيها المحكمة“. 

نزاعات سياسية: هي كل ” نزاع يؤثر في استقلالية الدولة أو مصالحها الحيوية وشرفها“.

نزاعات مختلطة:  هي ” كل نزاع دولي يستمد الصفة السياسية بالنظر على أن له أهمية معينة لدولة ذات الشأن، فالدولة منظمة سياسية، وكل المسائل التي تمسها وخاصة في علاقتها مع الدول الأخرى هي بالتالي سياسية“.

وبتعبير أكثر دقة فهذا النزاع ينصب على عنصرين هما:

العنصر الأول: أن محل انتزاع مساحة إقليم كبيرة تشكل وحدة مستقلة جغرافيا، وخير مثال على ذلك نذكر الجزر.

العنصر الثاني: يتمثل في مطالب أطراف النزاع على ممارسة السيادة على الرقعة الجغرافية محل النزاع.

وكان أهم نتائج تطبيق نظام التحكيم الدولي  ما يلي:

  1. تقليص عدد النزاعات الدولية والحد من انتشارها، وتفاقم آثارها على المجتمع الدولي عن طريق تسوية عدد كبير منها بصورة عادلة ومرضية للأطراف.
  2. كانت  المرجعية في تسوية النزاعات المتماثلة، كما ساهم في ترسيخ وتطوير المبادئ الأساسية التي تحكم النزاعات الحدودية خصوصا.
  3. تولدت لـدى الدول وغيرها من أشخاص القانون الدولي ثقة كبيرة في التحكيم، حيث تضمنت أحكامه ونصت على اللجوء إليه اتفاقيات كثيرة ثنائية وجماعية هنا.

المراجع والمصادر

  • صالح محمد محمود بدر الدين: التحكيم في منازعات الحدود الدولية – دراسة تطبيقية على قضية طابا بين مصر وإسرائيل، دار الفكر العربي، مصر، 1991.
  • فيصل عبد الرحمن على طه: القانون الدولي ومنازعات الحدود، الطبعة الثانية، دار الأمين للطباعة والنشر والتوزيع، 1998.
  • ميثاق الأمم المتحدة.
  • احمد أبو محمد: الوسيط في القانون الدولي العام، دار النهضة العربية، 1994.
  • عمر سعد الله: حل النزاعات الدولية، الطبعة الأولى، الديوان الوطني للمطبوعات الجامعية بن عكنون الجزائر، 2005.
  • اتفاقيتي لاهاي الأولى والثانية لسنتي 1899 و1907  .
  • الصك العام للحل السلمي للمنازعات الدولية التي تبنته الجمعية العامة للأمم المتحدة مع الاحتفاظ بنصوصه الموضوعية، وذلك بتاريخ 20/09/1950.
  • إعلان المبادئ القانون الدولي المتعلق بالعلاقات الدولية الودّية والتعاون بين الدول وفقا لميثاق الأمم المتحدة، الصادر عن الجمعية العامة [القرار 2625 (د-25) سنة 1970].
  • القرار 13/ 10 الصادر عن الجمعية العام للأمم المتحدة .
  • القرار 43/ 51 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة
  •    اتفاقية قانون البحار سنة 1982
  •  المحامي عبد المجيد الأحدب: التحكيم الدولي مصادره، الجزء الأول، مؤسسة نوفل، 1990.
  • أحمد بلقاسم، التحكيم الدولي، دار هومة للطباعة والنشر، الجزائر، 2005.
  • أحمد بلقاسم: “التحكيم لفض المنازعات الدولية بطرق السلمية”، المجلة الجزائرية للعلوم القانونية الاقتصادية والسياسية، العدد 04، سنة 1999.
  • عبد العزيز سرحان: دور محكمة العدل الدولية في تسوية المنازعات الدولية، القاهرة، 1997
  • إبراهيم جابر الراوي: المنازعات الدولية، دار السلام للطباعة والنشر، بغداد.
  • سهيل حسين الفتلاوي: المنازعات الدولية، دار القادسية للطباعة والنشر، بغداد 1985.
  • سموحي فوق العادة، القانون الدولي العام، دمشق 1960، ص ص 786 – 787.
  • الشافعي محمد بشير: القانون الدولي العام في زمن السلم والحرب، منشأة المعارف، الإسكندرية 1971.
  • عمر أوصديق: محاضرات في القانون الدولي العام، المسؤولية الدولية، المنازعات الدولية، الحماية الدولية لحقوق الإنسان، ديوان المطبوعات الجامعية، بن عكنون الجزائر، 1995.
  • محمود سامي جنينه: القانون الدولي العام، مطبعة الاعتماد، 1933.
  • إبراهيم محمد العناني: اللجوء إلى التحكيم الدولي، الطبعة الأولى، دار الفكر العربي، 1973.
  • الخير قشي: المفاضلة بين الوسائل التحاكمية وغير التحاكمية لتسوية المنازعات الدولية، المؤسسة الجامعية لدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 1999.
  • عمر سعد الله: القانون الدولي للحدود، الجزء الثاني، الأسس والتطبيقات، ديوان المطبوعات الجامعية 2003.
  • إسحاق إبراهيم محمد منصور: نظريتا القانون والحق وتطبيقها في القوانين الجزائرية، ديوان المطبوعات الجامعية، طبعة 1992.
  • بن عامر تونسي، المجتمع الدولي المعاصر، ديوان المطبوعات الجامعية 1998.
  • أحمد إسكندري ومحمد ناصر بوغزالة: القانون الدولي العام، المعاهدات الدولية، الجزء الأول، دار الكاهنة، الجزائر، 1998.
  • مصطفى سيد عبد الرحمان، القانون الدولي العام، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية.
  • عادل عبد الله حسن، التسوية القضائية لنزاعات الحدود، دار النهضة العربية، الطبعة الأولى، القاهرة، 1997.
  • غي أثيل: قانون العاقات الدولية، ترجمة نور الدين البار 1990.
  • صلاح الدين عامر، مقدمة لدراسة القانون الدولي العام، ص 920.
  • عادل عبد الله حسن: التسوية القضائية للنزاعات الحدود، دار النهضة العربية، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، 1997.
  • صالح يحي الشاعري: تسوية النزاعات الدولية سلمياً، مكتبة مدبولي، 2006.
  • مصطفى سيد عبد الرحمن ومفيد شهاب: الجوانب القانونية للنزاعات الحدود الدولية، دار النهضة العربية، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى 1999.
  • نقلا عن أحمد بلقاسم: التحكيم الدولي، دار هومة للنشر، الجزائر، 2005.
  • وصالح محمد محمود بدر الدين: التحكيم في منازعات الحدود الدولية، دراسة تطبيقية على قضية طابا بين مصر وإسرائيل، دار الفكر العربي، القاهرة، 1991.
  • إبراهيم محمد العناني: اللجوء إلى التحكيم الدولي، الطبعة الأولى، دار الفكر العربي، 1973.
  • علي صادق أبو الهيف: القانون الدولي العام، منشأة المعارف والإسكندرية 1995.
  • مصطفى السيد عبد الرحمن: الجوانب القانونية لنزاعات الحدود الدولية، دار النهضة العربية، القاهرة، الطبعة الأولى، 1992.
  • عمر صدوق، محاضرات في القانون الدولي العام المسؤولية الدولية.. النزاعات الدولية الحماية الدولية لحقوق الإنسان، ديوان المطبوعات الجامعية، بن عكنون، الجزائر – 1995.
  • عمر سعد الله: الحدود الدولية، النظرية والتطبيق، الطبعة الأولى، دار هومة للنشر والتوزيع، 2007.
  • نبيل علي الشرجبي، الدبلوماسية اليمنية وإدارة الأزمات، النزاع اليمني الإرتري حول أرخبيل حنيش، رسالة ماجستير غير منشورة، القاهرة، معهد البحوث والدراسات العربية، 2000.
  • عادل عبد الله حسن: التسوية لقضائية لمنازعات الحدود الدولية، دار النهضة العربية، الطبعة الأولى، 1997.
  • علي أحمد باحنان، دور القوى الخارجية في النزاع اليمني – الإرتري حول جزر أرخبيل حنيش 1997-1992، رسالة ماجستير غير منشورة، معهد بيت الحكمة، جامعة آل البيت، عمان، 2000.

([1]) صالح محمد محمود بدر الدين: التحكيم في منازعات الحدود الدولية – دراسة تطبيقية على قضية طابا بين مصر وإسرائيل، دار الفكر العربي، مصر، 1991، ص 223.

([2]) فيصل عبد الرحمن على طه: القانون الدولي ومنازعات الحدود، الطبعة الثانية، دار الأمين للطباعة والنشر والتوزيع، 1998، ص 211.

[3]. المادة (02) من ميثاق الأمم المتحدة نصت على «3- يفض جميع أعضاء الهيئة منازعاتهم الدولية على وجه لا يجعل السلم والأمن والعدل الدوليين عرضة للخطر.

  1. يمتنع أعضاء الهيئة جميعاً في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد الاستقلال السياسي لأية دولة، أو على وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة.»

والمادة (33) منه تنص على «يجب على أطراف أي نزاع، من شأن استمراره أن يعرض حفظ السلم والأمن الدوليين للخطر، أن يلتمسوا حله بادئ ذي بدء بطريق المفاوضات والتحقيق والوساطة والتوفيق والتحكيم والتسوية القضائية وأن يلتجؤون إلى الوكالات والتنظيمات الإقليمية أو غيرها من الوسائل السلمية التي يقع عليها اختياره». 

([4]) فهذا الحل السلمي للمنازعات الدولية أكدّ عليه الأمين العام للأمم المتحدة في تقريره الذي أعّده سنة 1992. راجع في ذلك: احمد أبو محمد: الوسيط في القانون الدولي العام، دار النهضة العربية، 1994، ص564.

([5]) عمر سعد الله: حل النزاعات الدولية، الطبعة الأولى، الديوان الوطني للمطبوعات الجامعية بن عكنون الجزائر، 2005، ص 26.

وللتذكير: فإن مبدأ الحل السلمي للمنازعات الدولية يرتبط “بعلاقة تكامل” مع المبادئ القانونية الآتية: المساواة في السيادة، التعاون الدولي بشأن التسويــة بطريقة سلمية ومبدأ تقرير المصير. المرجع السابق نفسه، ص ص 21-26.

([6]) يجد المبدأ السلمي لحل المنازعات الدولية أساساً في:

–                      اتفاقيتي لاهاي الأولى والثانية لسنتي 1899 و1907 على التوالي.

–                      الصك العام للحل السلمي للمنازعات الدولية التي تبنته الجمعية العامة للأمم المتحدة مع الاحتفاظ بنصوصه الموضوعية، وذلك بتاريخ 20/09/1950.

–                      إعلان المبادئ القانون الدولي المتعلق بالعلاقات الدولية الودّية والتعاون بين الدول وفقا لميثاق الأمم المتحدة، الصادر عن الجمعية العامة [القرار 2625 (د-25) سنة 1970].

–                      إعلان مانيلا لعام 1982 حول التسوية السلمية للمنازعات الدولية (القرار 13/ 10 الصادر عن الجمعية العامة).

–                      إعلان عام 1988 حول منع إحالة المنازعات والمواقف التي قد تهدد السلم والأمن الدولي ودور الأمم المتحدة في هذا المجال (القرار 43/ 51 الصادر عن الجمعية العامة).

–                      تقرير لجنة الخبراء التابعة لمؤتمر الأمن والتعاون في أوربا بخصوص التسوية السلمية للمنازعات الدولية (كالتفاوض، التحقيق، التحكيم..الخ).

–                      راجع في ذلك كلاً من:

عمر سعد الله: حل النزاعات الدولية، المرجع السابق، ص ص 32 – 33.

وأحمد أبو الوفاء محمد،الوسيط في القانون الدولي العام، المرجع السابق، ص 567.

كما أن اتفاقية قانون البحار سنة 1982 نصت على مثل هذا المبدأ، وذلك في المادة 279 المتعلقة بتسوية المنازعات بالوسائل السلمية.

([7]) الملاحظ على الوسائل السلمية لحل المنازعات الدولية أنها:

–                      لا تمنع من الاستمرار في الإعداد للحرب أو وقفها أو تأجيلها، سواء تم اللجوء إليها عند اندلاع الحرب أم بعدها.

–                      قد تكون بناء على طلب واحد أو أكثر لأطراف النزاع، أو بناء على مبادرة من طرف ثالث أو الغير. بعضها ليس حاسما لحل النزاع، وليس لها قوة ملزمة لأنها مجرد اقتراح (كالتوفيق والمصالحة) وبعضها إلزامي (كالقضاء والتحكيم وقرارات المنظمات الدولية). أحمد أبو الوفاء محمد، الوسيط في القانون الدولي العام، المرجع السابق، ص 566.                                          

([8]) المرجع السابق نفسه، ص 567.

([9]) أحمد أبو الوفاء محمد، الوسيط في القانون الدولي العام، المرجع السابق، ص 554.

([10]) من أهم الميادين التي شهدت ولازالت تشهد حالياً الحل عن طريق التحكيم الدولي، نذكر “المنازعات التجارية”، راجع في ذلك المحامي عبد المجيد الأحدب: التحكيم الدولي مصادره، الجزء الأول، مؤسسة نوفل، 1990.

([11]) أحمد أبو الوفاء محمد، الوسيط في القانون الدولي العام، المرجع السابق، ص 556.

([12]) أحمد بلقاسم، التحكيم الدولي، دار هومة للطباعة والنشر، الجزائر، 2005، ص2 35.

([13]) المرجع السابق، ص 35.

([14]) المرجع نفسه، ص ص 35 -36.

([15]) أحمد بلقاسم: “التحكيم لفض المنازعات الدولية بطرق السلمية”، المجلة الجزائرية للعلوم القانونية الاقتصادية والسياسية، العدد 04، سنة 1999 ، ص 160.

([16]) المرجع السابق نفسه، ص 160.

([17]) المرجع السابق، ص 161.

([18]) الآية 65 من سورة النساء.

([19]) الآية 09 من سورة الحجرات.

([20]) أحمد بلقاسم، التحكيم الدولي، المرجع السابق، ص، ص 37.

([21]) المرجع نفسه، ص38.

([22]) من هؤلاء الفقهاء نذكر:

– عبد العزيز سرحان: دور محكمة العدل الدولية في تسوية المنازعات الدولية، القاهرة، 1997 .

– إبراهيم جابر الراوي: المنازعات الدولية، دار السلام للطباعة والنشر، بغداد، ص 53.

([23]) إبراهيم جابر الراوي: المنازعات الدولية، المرجع السابق، ص ص55- 54.

([24]) هذا الخلاف الذي جمع بين الدولتين يخص منطقة تعرف باسم “جبل عرو”، حيث ادعى كل طرف بأنه يخضع لسيادته، وبعد فترة قام إمام اليمن بتحكيم ملك المملكة العربية السعودية في هذا النزاع، وقد أصدر الملك عبد العزيز ابن سعود حكمه لصالح اليمن.

راجع في ذلك: سهيل حسين الفتلاوي: المنازعات الدولية، دار القادسية للطباعة والنشر، بغداد 1985، ص149.

([25]) سهيل حسين الفتلاوي: المنازعات الدولية، المرجع السابق.

([26]) أحمد بلقاسم، المرجع السابق، ص 38- 39.

([27]) على الرغم من الدور الكبير الذي يلعبه هذا الأسلوب في تطوير وترسيخ جذور التحكيم الدولي، إلاّ أنه أخذ عليه عدم توافر الحياد العام، حيث أن غالبية الأعضاء من مواطني الدّول الأطراف، كما أن تعدد هذه اللجان واختلافها أدى إلى تنوع القواعد التي تقوم بتطبيقها.

للمزيد من التفاصيل، راجع سموحي فوق العادة، القانون الدولي العام، دمشق 1960، ص ص 786 – 787.

([28]) الشافعي محمد بشير: القانون الدولي العام في زمن السلم والحرب، منشأة المعارف، الإسكندرية 1971، ص ص 408.

([29]) أحمد بلقاسم، مرجع السابق، ص ص 41. – 42؛ احمد إسكندري، مرجع السابق، ص 161.

([30]) عمر أوصديق: محاضرات في القانون الدولي العام، المسؤولية الدولية، المنازعات الدولية، الحماية الدولية لحقوق الإنسان، ديوان المطبوعات الجامعية، بن عكنون الجزائر، 1995 ، ص 86؛ عمر سعد الله، حل النزاعات الدولية، مرجع السابق، ص ص 135 – 136.

([31]) عبد العزيز سرحان، المرجع السابق، ص 24.

([32]) محمود سامي جنينه: القانون الدولي العام، مطبعة الاعتماد، 1933، ص ص 59 – 60.

([33]) عمر أوصديق،، مرجع السابق ص 96.

([34]) أحمد إسكندري، مرجع السابق، ص 164.

([35]) أحمد إسكندري، مرجع السابق، ص 164.

([36]) إبراهيم محمد العناني: اللجوء إلى التحكيم الدولي، الطبعة الأولى، دار الفكر العربي، 1973،  ص 9.

([37]) إبراهيم محمد العناني، المرجع السابق، ص 10.

([38]) المرجع نفسه، ص 11.

([39]) المرجع نفسه، ص 11.

([40]) المرجع نفسه، ص 11.

([41]) الخير قشي: المفاضلة بين الوسائل التحاكمية وغير التحاكمية لتسوية المنازعات الدولية، المؤسسة الجامعية لدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 1999، ص ص 61- 62.

([42]) الخير قشي: المرجع نفسه، ص ص 64- 65.

([43]) المرجع السابق نفسه، ص66.

([44]) عمر سعد الله: القانون الدولي للحدود، الجزء الثاني، الأسس والتطبيقات، ديوان المطبوعات الجامعية 2003، ص 50.

([45]) الخير قشي، مرجع سابق، ص ص 77 – 78.

([46]) في هذا الصدد نذكر: رغبة فرنسا في حل النزاع الذي يجمعها مع ألمانيا بقرار ملزم والتخلص من الضغط الداخلي، لذا تم اللجوء إلى لجنة التحكيم للفصل في النزاع المتعلق بالملكية والحقوق والمصالح في ألمانيا، وفعلاً تمكنت فرنسا من الحصول على مثل هذا القرار (المتضمن لتنازلات)، فاللجنة فصلت في النزاع برفض الطلب الفرنسي لأسباب تتعلق بأهميته القصوى، وكانت الاتفاقية الفرنسية – الإنجليزية قد نصت على نقل الرفات إلى  فرنسا، إلاّ في الحالة التي يصعب فيها التعرف على الهوية أو في حالة ما إذا كانت لألمانيا أسباب ذات أهمية قصوى يبرر رفضها. الخير قشي، المرجع السابق، ص 81-82.

([47]) راجع: إسحاق إبراهيم محمد منصور: نظريتا القانون والحق وتطبيقها في القوانين الجزائرية، ديوان المطبوعات الجامعية، طبعة 1992، ص ص 227- 228.

([48]) بن عامر تونسي، المجتمع الدولي المعاصر، ديوان المطبوعات الجامعية 1998، ص93.

([49]) إبراهيم محمد العناني، مرجع السابق، ص31.

([50]) راجع في ذلك: أحمد إسكندري ومحمد ناصر بوغزالة: القانون الدولي العام، المعاهدات الدولية، الجزء الأول، دار الكاهنة، الجزائر، 1998، ص ص 197-198.

([51]) إبراهيم محمد العناني، مرجع السابق، ص 33.

([52]) أحمد إسكندري، مرجع سابق، ص167.

([53]) إبراهيم محمد العناني، المرجع نفسه، ص33

([54]) راجع في ذلك كل من:

صالح محمد محمود بدر الدين، المرجع السابق، ص ص 197- 202.

بن عامر تونسي، المرجع السابق، ص ص112- 116.

إبراهيم محمد العناني، المرجع السابق، ص ص 34-43.

([55]) أحمد بلقاسم، المرجع السابق، ص138.

([56]) بن عامر تونسي، المرجع السابق، ص102.

([57]) المرجع نفسه، ص102.

([58]) راجع في ذلك كل من: إبراهيم محمد العناني، المرجع السابق، ص 44؛ وبن عامر تونسي، المرجع السابق، ص170.

([59]) تصريح المحكمة في هذه القضية جاء كالآتي:

« L’organisation est une personne international. Cela signifie que l’organisation …a capacité d’être titulaire de droits et devoirs internationaux et qu’elle a capacité de sa prévaloir de ses droits par voie de réclamation internationale ».

نقلا عن إبراهيم حسن العناني، المرجع السابق، ص45. 

([60]) المرجع السابق نفسه، ص ص 45-46.

([61]) أحمد بلقاسم، المرجع السابق، ص136.

([62]) إبراهيم محمد العناني، مرجع سابق، ص47.

([63]) راجع في ذلك: إبراهيم محمد العناني، المرجع نفسه، ص47.

([64]) لقيام دولة ما بالحماية الدبلوماسية لفائدة أحد مواطنيها يجب توافر: ثلاثة شروط:

  • الجنسية (رابطة الجنسية).
  • استنفاذ الطعون الداخلية.
  • الأيدي النظيفة.

للمزيد من المعلومات راجع في ذلك: بن عامر تونسي، المرجع السابق، ص ص 281- 292.

([65]) إبراهيم محمد العناني، المرجع السابق، ص ص 53- 54.

([66]) اشتراط الرضا في اللجوء إلى التحكيم أكدت عليه محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري بشان قضية “كارليا الشرقية” صرحت بما يلي:

«Il est établie en droit international qu’aucun état ne saurait être obligé de soumettre ses différents avec les autres états soit à la médiation, soit à l’arbitrages, soit enfin à n’importe quelle procédé de solution pacifique, sans son consentement ».

– نقلاً عن: محمد إبراهيم العناني، المرجع السابق، ص94.

([67]) أحمد اسكندري، المرجع السابق، ص 169.

([68]) أحمد إبراهيم محمد العناني، مرجع سابق، ص 94.

([69]) أحمد اسكندري، مرجع سابق، ص169.

([70]) إن عيوب الرضا تعرف كالآتي:

  1. الغلط: هو تصور غير حقيقي لواقعة أو موقف كان له تأثير جوهري في قبول الدولة أو المنظمة الارتضاء بالمعاهدة، وإذا حدث هذا التصور خلافا للحقيقة كانت الإرادة معيبة وبالتالي عدت المعاهدة باطلة.

ونصت المادة 48 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات سنة 1986 على أنّ “أ- يجوز للدولة أو المنظمة الدولية الاستناد إلى الغلط في المعاهدة كسبب لإبطال رضاها الالتزام بالمعاهدة، إ\ن كان الغلط يتعلق بواقعة أو حالة توهمت الدولة أو المنظمة أو الدولة وجودها عند إبرام المعاهدة، وشكلت سبباً جوهرياً في رضا هذه الدولة أو تلك المنظمة الالتزام بالمعاهدة.

  1. الغش أو (التدليس): يفترض وجود عمل إيجابي بدفع أحد الأطراف في المعاهدة على فهم أمر على غير حقيقته، مما يسهل عليه التوقيع على المعاهدة، وهذا العمل يسمى بالسلوك التدليسي، الذي يهدف من ورائه حمل أحد الأطراف على فهم أمر معين على غير حقيقته، ومن ثم يكون قبوله للمعاهدة بناءً على فهم خاطئ، أي نتيجة هذا  السلوك التدليسي المعتمد أساسا على نية مبينة قائمة على التحايل. لذا فقد نصت المادة 49 من اتفاق فيينا لقانون المعاهدات لسنة 1969 على أنه “يجوز للدولة التي يدفعها السلوك التدليسي لدولة متفاوضة أخرى إلى إبرام معاهدة أن تستند إلى الغش كسبب للإبطال ارتضائها بالمعاهدة”.
  2. الإكراه: يمس التصرفات القانونية بصفة عامة، لأنه عبارة عن ضغط على شخص معين يبعث في نفسه رهبة وخوفاً مما يحمله على التعاقد، وعليه يترتب عنه انعدام الإرادة بمعناها الحقيقي، لذا فإن اتفاقيتي فيينا لعام 1969 وعاصم 1986 في المادة 51 منها أبطلت المعاهدات (حتى اتفاقيات التحكيم ) التي تبرم تحت الإكراه (الذي يقع على ممثل الدولة أو المنظمة أو ذلك الذي يقع على الدولة أو المنظمة، وسواء كان مادياً أم معنوياً أو اقتصادي)، أي أنها تعتبر باطلة بطلانا مطلقا منذ لحظة إبرامها، وفي هذا الصدد نصت المادة 52 من هاتين الاتفاقيتين على أنه “تعتبر المعاهدة باطلة بطلانا مطلقا إذا تم إبرامها نتيجة التهديد باستعمال القوة أو استخدامها المخالفة مبادئ القانون الدولي الواردة في ميثاق الأمم المتحدة”
  3. إفساد ممثل الدولة أو المنظمة: نصت عليه المادة 50 من اتفاقيتي فيينا لعام 1969 وعام 1961.

([71]) راجع مصطفى سيد عبد الرحمان، القانون الدولي العام، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، ص ص 136-141.

([72]) أنظر عادل عبد الله حسن، التسوية القضائية لنزاعات الحدود، دار النهضة العربية، الطبعة الأولى، القاهرة، 1997، ص 110.

([73]) أنظر المرجع نفسه، ص47.

([74]) على الرغم من انتشار طريقة التحكيم خلال الفرن التاسع عشر انتشارا واسعا أدى إلى تطورها واتخاذها طابعاً قضائيا، غير أن هذا الأسلوب الجديد بقي ناقصا للأسباب التالية:

أ. كانت محكمة التحكيم مؤقتة غير دائمة تحدثها الدول المتنازعة عند نشوب النزاع، على أن تلغى فور صدور القرار أو تسوية القضية التي أحدثت من أجلها.

ب. كانت قراراتها تحمل طابعاً دبلوماسيا لاضطرارها إلى فرضية الدولة الخاسرة وإيجاد تسوية بين الدول المتنازعة يتنازل فيها كل من الطرفين عن شيء من مطالبه.

جـ. كانت قراراتها خالية من التعليل القانوني وغير صالحة بالتالي لإنشاء اجتهاد دولي.

ولهذه الأسباب لجأ المجتمعون في مؤتمر لاهاي عام 1899 إلى إحداث قضاء تحكيمي مستقر تستخدمه الدول عند اللزوم بملء رضاها دون أن يمس حريتها أو سيادتها. وهكذا أحدثت محكمة التحكيم الدولية بموجب إحدى اتفاقيات لاهاي المعقودة في 29 جويلية 1899 والمعدلة باتفاقية 18 أكتوبر 1907.

لمزيد من المعلومات راجع سموحي فوق العادة، المرجع السابق، ص 792 وما بعدها.

([75]) راجع جابر إبراهيم الراوي، المرجع السابق، ص 66.

([76]) راجع عادل عبد الله حسن، المرجع السابق، ص ص 110-117.

([77]) راجع سموحي فوق العادة، المرجع السابق ، ص350.

([78]) راجع جابر إبراهيم الراوي، المرجع السابق، ص52.

([79]) ظهور دول مستقلة كثيرة وكذا إيديولوجيات جديدة، خلال هذه الفترة.

([80]) سهيل الفتلاوي، المرجع السابق، ص 141.

([81]) راجع : غي أثيل: قانون العاقات الدولية، ترجمة نور الدين البار 1990، ص 154.

([82]) أنظر سهيل الفتلاوي، المرجع السابق، ص 153.

([83]) جاء في المادة 16 من اتفاقية لاهاي الأولى سنة 1899 والتي تقابل المادة 36 من اتفاقية لاهاي للعام 1900 (لأن النزاعات القانونية هي:

  1. 1. نزاعات متعلقة بتفسير المعاهدات الدولية.
  2. 2. النزاعات المتعلقة بأية مسألة من مسائل القانون الدولي.
  3. 3. النزاعات المتعلقة بتحقيق واقعة التي إذا ثبتت كانت خرقاً لالتزام دولي.
  4. 4. نزاعات متعلقة بنوع التعويض المترتب على اختراق التزام دولي.)

وقد جاء وفقاً لهذا المفهوم نص الفقرة الثانية من المادة 36من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية وقبله محكمة العدل الدولية الدائمة.

– أنظر صلاح الدين عامر، مقدمة لدراسة القانون الدولي العام، ص 920.

([84]) أحمد أبو الوفاء محمد، الوسيط في القانون الدولي العام، المرجع السابق، ص 554.

([85]) عادل عبد الله حسن: التسوية القضائية للنزاعات الحدود، دار النهضة العربية، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، 1997، ص ص 60 – 61.

([86]) صالح يحي الشاعري: تسوية النزاعات الدولية سلمياً، مكتبة مدبولي، 2006، ص 21.

([87]) راجع كل من:

– أحمد أبو الوفاء محمد: الوسيط في القانون الدولي، مرجع سابق، ص 555.

– مصطفى سيد عبد الرحمن ومفيد شهاب: الجوانب القانونية للنزاعات الحدود الدولية، دار النهضة العربية، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى 1999، ص 53.

([88]) هذا التعريف لمحكمة العدل الدولي جاء كالآتي:

« Un différent est un désaccord sur un point de droit de fait, une contradiction une opposition de thèse juridiques au d’intérêts, entre personnes… »

نقلا عن أحمد بلقاسم: التحكيم الدولي، دار هومة للنشر، الجزائر، 2005، ص 185.

([89]) راجع كلاً من أحمد بلقاسم، المرجع السابق، ص 185.

وصالح محمد محمود بدر الدين: التحكيم في منازعات الحدود الدولية، دراسة تطبيقية على قضية طابا بين مصر وإسرائيل، دار الفكر العربي، القاهرة، 1991، ص 216.

([90]) عمر سعد الله: حل النزاعات الدولية، مرجع سابق، ص 8.

([91]) إبراهيم محمد العناني: اللجوء إلى التحكيم الدولي، الطبعة الأولى، دار الفكر العربي، 1973، ص ص 165 – 167.

([92]) على الرغم من أن النزاعات الداخلية تكون في نطاق إقليم الدولة ولا تخضع لأحكام وقواعد القانون الدولي العام، إلاّ أن هناك نظرية جديدة وآراء عديدة تشير جميعها إلى اتجاه جديد في القانون الدولي المعاصر يميل إلى التوسيع في مدلول الحرب والنزاع المسلح، بحيث أصبح النزاع الدولي هو “كل قتال على نطاق واسع حتى ولو كان النزاع يدور بين جماعات لا تتمتع بوصف دولة وفقا لقواعد القانون الدولي، لمزيد من التفاصيل راجع. علي صادق أبو الهيف: القانون الدولي العام، منشأة المعارف والإسكندرية 1995، ص 680.

([93]) مصطفى السيد عبد الرحمن: الجوانب القانونية لنزاعات الحدود الدولية، دار النهضة العربية، القاهرة، الطبعة الأولى، 1992، ص53.

([94]) في التقرير الذي قدمه الأستاذ Maxttuber  في شأن قضية الأموال البريطانية في المنطقة الإسبانية، من مراكش حول تحكيمية الخلاف بناءا على طلب من الحكومتين البريطانية والإسبانية في 29 ماي 1923، فقد جدد المقصود من الاصطلاح الإنجليزي arbitrale أي تحكمي بأنه هي “قابلية الخلاف لأنه يكون موضوعا لقرار مؤسس على القانون الدولي” وهو المعنى نفسه الوارد في المادة 37 من اتفاقية لاهاي 1907.

راجع في ذلك: إبراهيم محمد العناتي، مرجع سابق، ص ص 215 – 217.

([95]) صالح محمد محمود بدر الدين، المرجع السابق، ص 20.

([96]) عمر سعد الله: حل النزاعات الدولية، مرجع سابق، ص 20.

([97]) أحمد أبو الوفاء محمد: الوسيط في القانون الدولي العام، المرجع السابق، ص 559.

([98]) عمر سعد الله: حل النزاعات الدولية، مرجع سابق، ص 20.

([99]) صالح محمد محمود بدر الدين: مرجع سابق، ص 217.

([100]) صالح محمد محمود بدر الدين: المرجع السابق، ص 218.

([101]) من أنصار هذا الاتجاه نذكر كل من الأساتذة: Briggs, Hullier, Giraud ، راجع: إبراهيم محمد العناني: مرجع سابق، ص 218.

([102]) صالح محمد محمود بدر الدين: مرجع سابق، ص 218.

([103]) إبراهيم محمد العناني: مرجع سابق، ص 218.

([104]) المرجع نفسه، ص 217.

([105]) المرجع نفسه، ص 218.

([106]) من أنصار هذا الاتجاه نذكر أيضاً كلاً من الأساتذة: بنهيم، S.Bostid، محمد حافظ غانم، ص221.

([107]) إبراهيم محمد العناني: المرجع السابق، ص 221.

([108]) المرجع نفسه، ص 221.

([109]) في هذا الصدد قال القضاء الإنجليزي أن الإدعاء بأن: “بيع إحدى الحكومات لبعض المنقولات يعّد في غير صالح شعبها ويعتبر من قبيل المسائل السياسية التي لا تستطيع المحاكم البريطانية الفصل فيها”، راجع في ذلك: “أحمد أبو الوفاء محمد، الوسيط في القانون الدولي، مرجع سابق، ص 559.

([110]) عمر صدوق، محاضرات في القانون الدولي العام المسؤولية الدولية.. النزاعات الدولية الحماية الدولية لحقوق الإنسان، ديوان المطبوعات الجامعية، بن عكنون، الجزائر – 1995 – ص 51.

([111]) إبراهيم محمد العناني، المرجع السابق، ص ص 222 – 223.

([112]) إبراهيم محمد العناني:المرجع السابق، ص 223.

([113]) المرجع نفسه، ص 224 – 225.

([114]) المرجع نفسه، ص 225.

([115]) جابر إبراهيم إبراري، مرجع سابق، ص 27.

([116]) المرجع نفسه، ص 27.

([117]) صالح محمد محمود بدر الدين، مرجع سابق، ص 222.

([118]) المرجع السابق نفسه، ص 222.

([119]) أحمد أبو الوفاء محمد: الوسيط في القانون الدولي العام، مرجع سابق، ص 559.

([120]) إبراهيم محمد العناني، مرجع سابق، ص 227.

([121]) المرجع نفسه، ص 228.

([122]) المرجع نفسه، ص 228.

([123]) إبراهيم محمد العناني، مرجع سابق، ص 227.

في هذا الصدد نعطي المثال التالي: ففي سنة 1910 قدمت روسيا إلى محكمة التحكيم الدائمة دعوى ضد تركيا، مطالبة بفوائد تأخيرية عن تعويضات الحرب، إلاّ أن تركيا دفعت هذه الدعوى على أساس أن إجبار دولة بدفع فوائد تأخيرية قد كون نتيجته تعريض النظام المالي لدولة ووجودها السياسي للخطر.

المرجع السابق نفسه، ص 227.

وفي هذا المضمار، محكمة العدل الدولية لم تميز بين المنازعات الدولية السياسية والمنازعات الدولية القانونية:

ففي حكمها الصادر في قضية الدبلوماسيين الأمريكيين المحتجزين في طهران سنة 1980، ردت المحكمة على الإدعاء الإيراني، كون أن المحكمة غير مختصة بسبب طبيعة النزاع السياسي، مصرحة بما يلي:

“لا يوجد أي نص في نظامها الأساسي ولا في لائحتها الداخلية يمنعها من الفصل في نزاع ما تحت مقولة أن النزاع له جوانب ومظاهر سياسية أيا كانت أهمية هذه الجوانب المختلطة، ولا يدع أحد قط بأن المحكمة عليها التخلي عن الفصل في المشاكل القانونية التي تعترض الأطراف، لأن نزاعاً قانونياً عرض أمام المحكمة لا يشكل إلاّ مظهراً لنزاع سياسي، إذا قبلت هذا التطور، خلافاً لقضائها الدائم، فسوف ينجم عنه تقلص كبير وغير مبرر لدورها في موضوع للحل السلمي للمنازعات الدولية”

– وهي قضية الأنشطة العسكرية وشبه العسكرية في نيكاراغوا وصدها سنة 1984، فقد دفعت الولايات المتحدة الأمريكية: بأن النزاع لا يصلح عرضه على المحكمة لأنه من طبيعة سياسية، وأن مجلس الأمن هو المختص وليست محكمة العدل الدولية…

([124]) فيصل عبد الرحمن على طه، مرجع سابق، ص 19.

يرى بعض الفقهاء أن أهمية الإقليم باعتباره عنصر أساسي في قيام الدولة وتمتعها بالشخصية القانونية الدولية، لم تظهر إلى خلال القرن التاسع عشر والقرن العشرين، إذ أنه لم تكن للإقليم أي أهمية في تعريف الدولة عند الإغريق والرومان، حيث كان يكتفي بالعنصر البشري دون حاجة إلى الربط بينه وبين إقليم عين، ولم تظهر أهمية الإقليم إلاّ منذ أواخر العصور الوسطى، تحت ضغط العوامل الاقتصادية والاجتماعية …الخ.

وحاليا أضحى الإقليم العنصر الذي يميز الدولة عن المنظمات الدولية، حتى وإن كانت هذه الأخيرة شخصا من أشخاص القانون الدولي العام، غير أنها لا تستند على أساس إقليمي تتمتع في داخله بالسيادة الإقليمية لأنها تنشأ عن اتفاق بين الدول لتحقيق أعراف مشتركة وعادة تعجز كل دولة بمفردها عن النهوض بها.

راجع في ذلك: بن عامر تونسي، مرجع سابق، ص ص 69، 70.

([125]) عمر سعد الله: الحدود الدولية، النظرية والتطبيق، الطبعة الأولى، دار هومة للنشر والتوزيع، 2007، ص ص 126-127

([126]) بن عامر تونسي، مرجع سابق، ص 70.

([127]) بن عامر تونسي، مرجع سابق، ص ص 71-72.

([128]) المرجع نفسه، ص 74.

([129]) أحمد أبو الوفاء محمد: الوسيط في لقانون الدولي، المرجع السابق، ص 643.

([130]) المرجع نفسه، ص 643.

([131]) نبيل علي الشرجبي، الدبلوماسية اليمنية وإدارة الأزمات، النزاع اليمني الإرتري حول أرخبيل حنيش، رسالة ماجستير غير منشورة، القاهرة، معهد البحوث والدراسات العربية، 2000، ص 125.

([132]) عادل عبد الله حسن: التسوية لقضائية لمنازعات الحدود الدولية، دار النهضة العربية، الطبعة الأولى، 1997، ص69.

([133]) راجع الفقرة (06) من قرار محكمة العدل الدولية الصادر في 16/03/2001.

([134]) علي أحمد باحنان، دور القوى الخارجية في النزاع اليمني – الإرتري حول جزر أرخبيل حنيش 1997-1992، رسالة ماجستير غير منشورة، معهد بيت الحكمة، جامعة آل البيت، عمان، 2000، ص22.

https://powderencouraged.com/zht6b3bs66?key=8523542c4aaf6f083ce56f74bd271319
https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من فضاء المعرفة القانونية -espace connaissance juridique

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة