مدى تأثير الظروف المحيطة بخطأ رجل الضبط الإداري
وتحديد نوعه في المسؤولية الإدارية
الصادق بولعراوي
جامعة جيجل – الجزائر
ملخص
يعد الخطأ شرط أساسي في المسؤولية الإدارية، فالقاضي يبحث عن مدى توفر الخطأ قبل النظر في أساس آخر للمسؤولية (المسؤولية دون خطأ). فإذا استقر على أن سبب الضرر خطأ ما، بحث عن نوع الخطأ مرفقي أم شخصي وبالتالي تحديد المسؤول عن التعويض ،وهي مسألة وقع فيها خلاف بين الفقهاء بظهور عدة معايير، ولم يستقر القضاء على رأي محدد. والمسألة تزداد تعقيدا إذا تدخلت عوامل أخرى كأوامر الرئيس الإداري أو التنفيذ المادي أو الجريمة الجنائية أثناء تأدية المتطلبات الوظيفية ووقع خطأ، فإن نوع الخطأ المرتكب من الموظف خطأ شخصي أم خطأ مرفقي، أم أن طبيعة الخطأ لا تتغير ولا تتأثر بأي عامل.
Résumé
Cet article traite de la responsabilité administrative. La faute est une condition préalable à la responsabilité administrative. Le juge recherche la disponibilité de la faute avant d’envisager une autre source de la responsabilité (responsabilité sans faute). S’il est convaincu que c’est cette faute qui a causé le dommage, il recherchera le type de faute personnelle ou de service pour déterminer qui était responsable de l’indemnisation, d’un problème où le litige a eu lieu.
مقدمة
يعد الخطأ(1) الركن الأساس في المسؤولية الإدارية، فبعد قرار (بلانكو) الشهير وميلاد المسؤولية الإدارية (الخطئية) وما تبعها من تطور في هذه المسؤولية، وظهور أنواعا لها ليس من شروطها الخطأ (المسؤولية دون خطأ)، استقر الأمر أن ينظر القاضي ويبحث عن الخطأ أولا فإن وجد خطأ ما بني عليه تلك المسؤولية، سواء أكان خطأ شخصيا أو خطأ مرفقيا، وإلا أسس المسؤولية على المخاطر أو المساواة أمام الأعباء العامة.
وإن كانت المسؤولية الإدارية الخطئية الأصل والمسؤولية دون خطأ الاستثناء، فإن التمييز بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي يعد من المعالم الرئيسية التي تتميز بها المسؤولية الإدارية الخطئية عن المسؤولية التي ينظمها القانون الخاص.
لكن المصلحة العامة تقتضي أن تكون قواعد المسؤولية عادلة ومتوازنة، فليس من المصلحة العامة أن تقوم المسؤولية الإدارية على المسؤولية الشخصية (الخطأ الشخصي) فيؤدي إلى شلل الإدارة العامة، كما أن تحمل الدولة عبء أخطاء موظفيها يرفع نسبة الأفعال الضارة ويزيد النفقات المالية التي تتحملها الخزينة العامة(2).
وقد اختلف الفقه، ولم يلتزم القضاء بمعيار واحد في تحديد تعريف كل من الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي، فتعددت المعايير لإيضاح هذا الخطأ أو ذاك وتحديد حالات كل نوع منها .ويمكن تعريفهما:
الخطأ الشخصي هو الخطأ الذي يرتكبه الموظف خارج نطاق الوظيفة الإدارية، أو داخل نطاق الوظيفة بسوء نية أو بجسامة كبيرة.
أما الخطأ المرفقي فهو الإخلال بالواجبات الوظيفية الذي ينسب إلى المرفق حتى ولو قام به ماديا أحد الموظفين، متى كان بحسن نية وغير بالغ الجسامة(3).
ولم يلتزم القضاء في تحديد نوع الخطأ بمعيار محدد وإنما يفحص كل حالة على حدة وطبقا لظروف كل دعوى، مستهديا بنية الموظف الإداري وجسامة الخطأ .
لكن قد تتدخل بعض العوامل أثناء تأدية الوظيفة أو بمناسبتها، فهل تؤثر على تكييف الخطأ وبالتالي تحديد نوعه، فتجعل الخطأ الشخصي خطأ مرفقيا والعكس. أم أن الخطأ لا يتأثر بأي عامل؟
إن العوامل المفترض تأثيرها على الخطأ تتمثل في :الأوامر الصادرة من الرئيس الإداري، الاعتداء المادي، الجريمة الجنائية.
لكن قبل التطرق إلى هذه العوامل التي قد تدخل في تحديد نوع الخطأ ورأي الفقه ونظرة القضاء، لابد من التمييز أولا بين الخطأ المرفقي والخطأ الشخصي .
أولا: تمييز بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي:
تعددت آراء الفقهاء واتجاهات القضاء، في التمييز بين نوعي الخطأ الشخصي والمرفقي. وهي مسألة مهمة للمتضرر لتحديد الطرف المسؤول الذي يرفع عليه دعوى للحصول على تعويض عادل ومنصف للضرر الذي أصابه من عمل الإدارة.
ويوجد نوعان من المعايير التي قالت بتقسيم الخطأ إلى شخصي ومرفقي، معايير فقهية، وتطبيقات( معايير) قضائية.
يستعين القضاء بالمعايير التي جاء بها الفقه لحل ما يعرض عليه من قضايا ويستهدي بها عند إصداره الأحكام، ولم يتبع معيارا واحدا لخصوصية كل قضية واختلاف الظروف المحيطة بها وملابساتها عن القضايا الأخرى .
1: المعايير الفقهية:
جاء الفقه بمعايير للتمييز بين الخطأ المرفقي والخطأ الشخصي، وتختلف في الزاوية التي ينظر منها إلى الخطأ والنقطة التي يركز عليها كل فقيه لتحديده. نتطرق إليها تباعا وهي: معيار الخطأ العمدي، معيار الخطأ المنفصل، معيار الخطأ الجسيم، معيار الغاية، معيار الالتزام الذي أخل به.
أ ـ معيار الخطأ العمدي:
يقوم هذا المعيار على مسلك وأهداف الموظف، ومدى تعمده الإضرار بالأفراد ومدى التصرف بحسن نية.
وقد عرف الفقيه (لافريير) الخطأ الشخصي بأنه التصرف الذي يكشف عن الإنسان بضعفه وأهوائه وعدم تبصره، ويكون ذلك في حالة ثبوت سوء نيته. وهذا عكس الخطأ المرفقي الذي يصدر عن رجل الإدارة غير مصبوغ بصبغة شخصية ويدل على أن الموظف عرضة للخطأ والصواب، ولا يزيد عن المخاطر العادية للوظيفة ويرتكب بحسن نية (4).
وقد وجهت له عدة انتقادات منها:
- لا يشتمل هذا المعيار الخطأ الجسيم وإن صدر من الموظف بحسن نية (يبقى خطأ مرفقيا)، لكن القضاء أدرجه ضمن الخطأ الشخصي.
- ينقصه التحديد والضبط، فهو مرتبط بما يتطلبه القاضي من الموظف المتوسط في ظروف مماثلة لتلك التي ارتكب فيه الخطأ، وهو موضوع تقديري. ويصعب التوصل إلى البواعث والعوامل الداخلية التي تسيطر على الموظف أثناء أدائه لمهامه الوظيفية (5).
ب ـ معيار الخطأ المنفصل عن الوظيفة:
قال بهذا المعيار العميد (هوريو)، وتدور فكرته حول مدى فصل الخطأ عن الوظيفة ماديا ومعنويا (6)، فإذا أمكن فصله عن الوظيفة عد خطأ شخصيا وإذا لم يتم فصل عمل الموظف عن وظيفته فيعد خطؤه مرفقيا مهما كانت درجة جسامته.
يكون الفصل المادي إذا كانت الوظيفة لا تتطلب القيام به أصلا كالتشهير بشخص شطب من قائمة الناخبين لإفلاسه، فالتشهير يعد عملا منفصلا عن متطلبات الوظيفة .
ويكون الفصل معنويا إذا كانت الوظيفة تتطلب العمل ولكن لغرض آخر غير الذي أراد الموظف تحقيقه كقرع الأجراس بأمر من رئيس البلدية إعلانا عن وفاة أحد المدنيين ولا يكون ذلك إلا للإعلان عن الوفاة الدينية فقط.
وقد انتقد على أساس أنه يجعل جميع الأخطاء المتصلة بالوظيفة أخطاء مرفقية حتى وإن كانت ذات درجة من الجسامة.
جـ ـ معيار الخطأ الجسيم:
يرى (جيز) أن الموظف يعد مرتكبا لخطأ شخصي إذا كان الخطأ المنسوب إلى هذا الموظف جسيما، ولا يعد بأي حال من الأحوال من المخاطر العادية للوظيفة، ويجد مصدر هذا الخطأ في تفسير الوقائع، أو فهم النصوص القانونية المبررة للقيام بالتصرف قد يدل معها أن الموظف لم يتجاوز سلطته فقط بل تعداه إلى حد التعسف فيها كالأمر بهدم بناء دون سند قانوني(7). أو أن يرتكب جريمة توقعه تحت طائل العقاب(8).
وهذا المعيار تضمن معيار الخطأ العمدي وتعداه إلى كل خطأ جسيم حتى ولو كان الموظف حسن النية.
وقد انتقد هذا المعيار على أنه:
- اعتبر كل الأخطاء الجسيمة أخطاء شخصية، على الرغم من أن القضاء الإداري اعتبرها (الأخطاء الجسيمة) أخطاء مرفقية متى كانت متصلة بالوظيفة(9).
- الجريمة الجنائية لم تعد مرادفة للخطأ الشخصي في القضاء الإداري الفرنسي منذ 1935، وأصبح من الممكن أن يرتب عليها خطأ مرفقيا (10).
د ـ معيار الغاية:
يرى (دوجي) أن الغاية التي يسعى الموظف إلى تحقيقها من تصرفه تحدد نوع الخطأ بغض النظر إلى جسامة الخطأ أو بساطته، فإذا قام بتصرفه لتحقيق هدف من أهداف الإدارة كحفظ الأمن عد الخطأ عند ارتكابه خطأ مرفقيا يرتب مسؤولية المرفق. أما إذا قصد بتصرفه تحقيق أغراض خاصة شخصية فإن الخطأ في هذه الحالة، مهما كان بسيطا، يعد خطأ شخصيا يرتب المسؤولية الشخصية للموظف (11).
وقد انتقد على أنه يخرج الخطأ الجسيم المرتكب بحسن نية من قائمة الأخطاء الشخصية، وهو ما يؤدي إلى الاستهتار بالجهاز الإداري.
كما أن القضاء الإداري لم يأخذ به لعموميته وعدم تحديده، ويستشف من وقائع الدعوى والظروف المختلفة التي ساهمت في إحداث الضرر نوع الخطأ شخصي أم مرفقي.
هـ ـ معيار الالتزام الذي أخل به:
أسس الفقيه (راسي دوك) تمييزه بين نوعي الخطأ على الالتزام المخل به، فإذا أخل الموظف بأحد الالتزامات العامة المفروضة على جميع المواطنين فإن خطأه يعد خطأ شخصيا، أما إذا كان الالتزام المخل به مرتبطا بالأعباء الوظيفية فإن ذلك يعد خطأ مرفقيا. فالقائد الذي لا يمنع جنوده من التعدي قد أخل بالتزام وظيفي يتمثل في عدم مراقبة مرؤوسيه وهو خطأ مرفقي، أما مشاركته جنوده التعدي فهو إخلال بالتزام عام يقع على جميع المواطنين فهو خطأ شخصيا (12).
وقد انتقد على أنه يجعل الأخطاء الجسيمة، أو الأخطاء التي ترتكب بحسن نية أخطاء مرفقية متى كانت نتيجة لإخلال بالتزام وظيفي، على عكس ما يطبقه القضاء الإداري الذي يجعله منها أخطاء شخصية .
2: موقف القضاء الإداري من التمييز بين نوعي الخطأ.
لم يضع القضاء الإداري الفرنسي معيارا للفصل والتمييز بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي، وأخذ بالمعايير التي قال بها الفقه، وكيفها حسب ملابسات وظروف كل قضية.
وقد فرق مجلس الدولة بين الأخطاء البسيطة المرتكبة بحسن نية واستقر على اعتبارها أخطاء مرفقية، وبين الأخطاء المشوبة بسوء نية أو بدرجة معينة من الجسامة التي يسأل عنها الموظف. ولأن سوء النية يتصل بالبواعث والنوايا الحقيقية، فإن ذلك يستلزم البحث في مختلف الظروف والملابسات المحيطة بالدعوى، ويستند القاضي في إظهار ذلك بالظواهر الخارجية للتصرف ويعدها قرائن إثبات (13).
وقد جعل مجلس الدولة الفرنسي الأخطاء التي ترتكب أثناء الوظيفة أو بسببها، أو تلك التي ترتكب بواسطة وسائل وأدوات وضعت تحت تصرف الموظف المخطئ ،مصدرا لاجتماع مسؤولية الموظف ومسؤولية الإدارة معا (14).
وبالنظر إلى أحكام مجلس الدولة الفرنسي فإن الخطأ يعد خطأ شخصيا في الحالات الآتية:
1 ـ الخطأ المنفصل عن الوظيفة:
ويقصد به الخطأ الذي يرتكبه الموظف خارج نطاق الوظيفة دون تكون له أية صلة بها (الوظيفة)، كأن الموظف يمارس في حياته الخاصة، ويستوي في ذلك أن يكون الخطأ جسيما أو يسيرا، عمديا أو غير عمدي. فهو خطأ شخصي يتحمل مسؤوليته الموظف وحده.
ومن أمثلة ذلك، استغلال أحد رجال الجمارك زيه الرسمي وسلاحه في غير أوقات العمل بإيقاف سيارة حدث شجار مع سائق السيارة فقام رجل الجمارك بقتل صاحب السيارة (15).
وتتبع عون أمن لأسباب شخصية، لشخص خارج أوقات العمل ضانا منه أنه يتهجم على منزل، فقتله، وإن كانت الحقيقة غير ذلك حيث كان المنزل خاص بالقتيل(16).
كما حكم مجلس الدولة الفرنسي بتاريخ 08 أوت 2008 في قضية أحد الموظفين المكلف بإيصال طرد فغير مسار طريقه مارا على البنك لسحب المال من حسابه الشخصي، وإثناء ذلك تسبب في وقوع حادث مرور، دفع المرفق التعويض اللازم ثم عاد على الموظف الذي رفع دعوى أمام القضاء الإداري على اعتبار أن تصرفه يعد خطأ مرفقيا، إلا أن المحكمة الإدارية لم تحكم بما طلب واعتبرت الحادث خطأ شخصيا منبت الصلة عن الوظيفة لأن غير مسار عمله لأغراض شخصية، فطعن أمام مجلس الدولة الذي أيد الحكم السابق (17).
2 ـ الخطأ المرتكب خارج المرفق لكنه على علاقة به:
وهو الخطأ الذي يرتكبه الموظف خارج نطاق المرفق، لكن باستخدام أدوات المرفق التي وضعت تحت تصرف الموظف لأدائها في ظروف حسنة. ويتحمل الموظف نتائجه. ولا يمكن نسبة التقصير إلى المرفق، مع أنه في كثير من الأحيان ،يصعب تكييف مثل هذه الأخطاء، لذا فإن مجلس الدولة الفرنسي ينظر في كل حالة على حدة، وفقا لظروفها وملابساتها. واتجاهاته الحديثة في أحكامه، هو التضييق من الخطأ الشخصي لمصلحة المضرور(18).
ومن أحكام مجلس الدولة في هذا الشأن، اصطدام شاحنة عسكرية بحائط منزل السيدةMimeure ، فاعتبر مجلس الدولة أن الخطأ شخصي لأن السائق غير مسار طريقه اليومي لغرض زيارة عائلته (19). وكذلك في حكمه في قضية، انطلاق رصاصة من سلاح شرطي كان ينظفه بمنزله، فأودت بطريق الخطأ، بحياة صديقه الذي يشاركه الغرفة. اعتبر المجلس ذلك خطأ شخصيا (20).
قيام ساعي بريد بالاعتداء على صاحب منزل، بعد رفض الساعي تسليمه الطرد لأن باسم زوجته. فاعتبرت محكمة التنازع أن ساعي البريد قد اقترف خطأ شخصيا نتيجة سوء سلوكه بتعديه بالضرب على صاحب المنزل، على الرغم من أن الموظف كان في تأدية وظيفته(21).
ومن أحكامه الحديثة حكمه في قضية Papon، حيث اعتبر سلوك المعني في القبض على 86 يهوديا لا يمكن تبريره بأنه كان تحت الضغط من الاحتلال الألماني مما اعتبره خطأ لا يغتفر، يدخل في الخطأ الشخصي(22).
3 ـ الخطأ المرتكب داخل المرفق بكيفية معينة:
ليس من المسلم به أن الخطأ المرتكب داخل المرفق على صلة بالوظيفة، ويعد خطأ مرفقيا يتحمل تعويض الأضرار عنه المرفق. طالما استعملت أدوات المرفق وأثناء فترة العمل الرسمية. فثمة أخطاء ترتكب داخل المرفق يعتبرها مجلس الدولة الفرنسي أخطاء شخصية، وتتمثل تلك الأخطاء: في الخطأ العمدي والخطأ الجسيم.
فالخطأ العمدي هو الذي يرتكبه الموظف، داخل المرفق، بسوء نية وتلبية لنزواته الشخصية. فنية الموظف تنطوي على الإيذاء، وتستهدف تحقيق مصلحة خاصة على حساب المصلحة العامة، أو محاباة لغيره. لكن إذا كان الأخطاء بحسن نية فإنها توصف بالأخطاء المرفقية المرفق هو المسؤول عنها.
ومن أمثلة ذلك: استغلال حارس سجن لمسجونين المتخصصين للقيام بأعمال سرقة داخل إدارة السجن لمصلحته الشخصية (23). واستغلال شرطي لسلاحه الخاص بغرض الانتقام(24). وامتناع موظف بريد إرسال طلب دخول مناقصة، بناء على تحريض من منافس للمعني(25).
اعتبرت كلها أخطاء شخصية على أساس سوء النية أو الانتقام أو إيقاع الضرر.
أما الخطأ الجسيم، فهو الخطأ الذي يرتكبه الموظف متى كان على قدر من الجسامة لا يمكن تبريره ويتجاوز مخاطر الوظيفة، كما اعتبر أنه الخطأ الذي يرتكبه أقل الناس تبصرا، أو يسمح بافتراض سوء نية الفاعل عندما لا يتوفر الدليل (26).
وتبدو جسامة الخطأ في ثلاث صور:
- ارتكاب خطأ مادي جسيم، ومثاله: تكليف مسؤول شرطة اثنين من معاونيه لنقل متهم إلى مكان معين، وكانا غير مسلحين، على الرغم من علمه أن المتهم معرض للخطر، وعند مهاجمتهم فر الشرطيين وقتل المتهم. فاعتبر الخطأ شخصيا جسيما يتحمله مسؤول الشرطة نظرا لإهماله الوظيفي بصورة بشعة (27).
- الخطأ القانوني الجسيم، ومثاله: قيام ضابط دون علم رؤسائه أو إصدار أمر منهم بذلك، بترتيب تدريبا للرماية، فقتل أحد الجنود أثناء ذلك، فقد اعتبر مجلس الدولة أن تصرف الضابط يعد خطأ جسيما، لأنه تجاوز سلطته بصورة فادحة أودت بحياة الجندي(28).
- الخطأ مكون لجريمة جنائية، ومثاله: ارتكاب ضابط لعدة جرائم، حيث أن قيامه بإجراء التحريات ساهم في تضليل العدالة، وذلك بتزويد زملائه بمعلومات خاطئة تبعد عنه الشبهات. فاعتبر مجلس الدولة الفرنسي أن سوء سلوك الضابط يعد خطأ شخصيا جسيما، حتى لو ارتكب داخل المرفق (29).
ثانيا: العوامل المحددة لنوع الخطأ.
إن القضاء الإداري يحدد نوع الخطأ في كل قضية على حسب ظروفها وملابساتها، آخذا في الحسبان جسامة الخطأ ونية الموظف واتصاله أو انفصاله عن الوظيفة أو القيام بأعمال داخل المرفق بكيفية معينة. لكن تدخل بعض العوامل يؤثر في تكييف الخطأ وتحديد نوعه.
تتمثل العوامل التي يفترض تأثيرها على الخطأ فتغير من طبيعته من خطأ الشخصي إلى خطأ مرفقي والعكس، في: الجريمة الجنائية، الاعتداء المادي، أوامر الرئيس الإداري. حيث نتطرق إلى كل عامل في نقطة مستقلة.
1: أثر الجريمة الجنائية على تحديد نوع الخطأ:
قد يكيف الخطأ الذي يرتكبه الموظف عامة ورجل الضبط خاصة، بمناسبة تأديته الأعباء الوظيفية على أنه خطأ إداريا، أو يتعداه إلى جرم جنائي يلاحق عنه جنائيا .لهذا يبرز التساؤل حول تأثير الوصف الجزائي على طبيعة مسؤولية الموظف. ولم يستقر الاجتهاد القضائي على رأي واحد حيث مر بمرحلتين مختلفتين:
المرحلة الأولى: التلازم بين الخطأ الشخصي والجريمة الجنائية بداية استقر الفقه والقضاء الإداري(30) على وجود تلازم حتمي بين الخطأ
الشخصي والجريمة الجزائية. فإذا اقترن الخطأ بجرم جنائي يكون الخطأ شخصيا ،سواء كانت الجريمة من جرائم الموظفين كالاختلاس وإفشاء السر المهني، أو من جرائم القانون العام كالقذف والضرب وغيرها.
ففي حكم محكمة التنازع في قضية Provost (31) اعتبرت أن الفعل إذا كان جريمة يعاقب عليها قانون العقوبات ارتكبت بمناسبة أشغال عامة فإنه لا يجب أن يخل بالمبدأ القاضي بأن المحاكم الجنائية تنظر بالتبعية في دعوى المسؤولية المدنية التي تترتب عليها.
وبرر التلازم بـين الخطأ الشخصي والجريمة الجنائية بـ:
- أهداف المرفق(أداء الخدمات) العام تتعارض مع ارتكاب الجرائم الجزائية ،التي لا يتصور أن يرتكبها، ولا يمكن مساءلته عند اقترافها من أحد الموظفين التابعين له.
- الجسامة البالغة للجرائم تجعل منها أخطاء شخصية بالضرورة.
المرحلة الثانية: الفصل بين الجريمة والخطأ الشخصي
ابتداء من 14/01/1935 تاريخ إصدار محكمة التنازع الفرنسية حكمها في قضية (Thépaz) (32)الشهيرة والتي فصلت بموجبه بين الخطأ الشخصي والجريمة الجزائية مقررة أن الجريمة الجزائية قد تشكل خطأ مرفقيا تسأل عنه الإدارة، حيث جاء فيه: “في ضوء الظروف والأحوال التي ارتكب فيه الفعل المنسوب للجندي (سائق المركبة العسكرية) أثناء تأدية مهام وظيفته لا يعد منفصلا عن مباشرة هذه الوظيفة، وأن واقعة ملاحقة الفاعل جزائيا ومعاقبته بعقوبة جزائية إعمالا لأحكام المادة 320 من قانون العقوبات الفرنسي لا يؤدي إلى اختصاص القضاء النظامي بنظر الدعوى المدنية التي قدمت ضده بصفة تبعية” (33). ثم توالت الأحكام المؤكدة لهذا الانفصال بين الجريمة الجزائية والمسؤولية الشخصية، مثل جرائم الإهمال والجرائم البسيطة ما لم تكن ذات علاقة بالوظيفة (34).
حيث يقول الأستاذ de Laubadère: “بأن الخطأ لا يعد خطأ شخصيا إلا إذا توافر فيه التعريف العام للخطأ الشخصي، وهو الخطأ الذي يقع خارج نطاق الوظيفة أو الخطأ العمدي أو الخطأ بالغ الجسامة”(35). ولا تلازم بين الجرائم والخطأ الشخصي(36)
وتتابعت الأحكام بعد حكم Thépaz مقررة حق القضاء الإداري في نظر دعوى المسؤولية عن الأخطاء الجنائية التي تعد أخطاء مرفقية، والمعيار الذي يهتدي به القضاء هو طبيعة الجريمة ذاتها(37).
وقد كانت آراء الفقه بين مؤيد ومعارض للتفرقة بين الجريمة الجنائية والخطأ الشخصي. فالمؤيدون يرون أن قانون العقوبات يعاقب على بعض الجرائم رغم بساطتها ولا يعاقب على أخرى رغم جسامتها، مما يؤدي إلى عدم التلازم بينهما(38).
إلا إذا توافر شرطان: ارتكاب فعل خارج متطلبات الوظيفة، ونية الموظف التي تكشف عن ضعفه ونزواته .
أما المعارضون فيؤسسون رفضهم الجمع بينها لأن ذلك يؤدي إلى: الإضرار بالإدارة ماليا، وإطالة الإجراءات على المتضرر بإلزامه برفع دعوى المسؤولية المدنية مستقلة عن الدعوى الجنائية متى كان الخطأ مرفقيا، مخالفة مبدأ حجية الحكم الجنائي في مواجهة الحكم المدني(39).
وقد تبنى مجلس الدولة الجزائري في عدد قليل من قراراته، الفصل بين الخطأ الشخصي والجريمة الجنائية لكن دون تفصيل أو وضوح تام، ولم يتناول الموضوع من جميع جوانبه. ومن قراراته :”لما كانت الإصابة ناجمة بصفة غير عمدية عن سلاح شرطي أثناء قيامه بمهامه المتمثلة في مقاومة التجمهر والتجمعات، فإن الدولة ممثلة في شخص وزير الداخلية هي المسؤولة مدنيا على دفع التعويضات المستحقة”(40). فقد جعل خطأ الشرطي خطأ مرفقيا لا خطأ شخصيا.
2: الاعتداء المادي والتمييز بين نوعي الخطأ.
الاعتداء المادي هو ارتكاب الإدارة العامة لخطأ بالغ الجسامة عند قيامها بعمل مادي يتضمن اعتداء على حرية فردية أو ملكية خاصة(41)، إما استنادا إلى قرار إداري مشوب بعدم المشروعية أو مستندا إلى العملية المادية.
وإذا كان لجوء الإدارة إلى التنفيذ دون سند قانوني لا يثير الخلاف لأن الإدارة قد خرجت عن القانون بشكل واضح لا لبس فيه، فإن التنفيذ المستند إلى قرار غير مشروع يثير الخلاف بين الفقه والقضاء في تحديد مدى عدم المشروعية الذي يعيب القرار الإداري ويجعل تنفيذه مكونا لاعتداء مادي .
وحتى يتحقق الاعتداء المادي يجب توافر جملة شروط هي:
- أن يكون القرار الإداري مشوب بعيب بالغ جسامة: يتعذر مع هذه الجسامة التي تصاحب القرار الإداري القول أن تطبيق للقانون أو النظام(42)، حيث لا يدع مجالا للشك في أنه خروج عن القانون .وأن تكون المخالفة واضحة لا تسمح باعتبارها مظهرا لممارسة اختصاص جهة الإدارة التي أصدرته (43)، بل هو قرار منعدم الذي يعد مصدرا مهما للاعتداء المادي، حيث اعتبر مجلس الدولة الفرنسي في قضية(Carlier) مصادرة أجهزة فوتوغرافية واقتياد الشخص عنوة إلى المركز الأمني مخالفة للقانون وبصورة جسيمة يتعذر القول أنه ممارسة لاختصاص تملكه الإدارة ،ويشكل اعتداء ماديا(44).
وعدم المشروعية الذي يرتب الاعتداء يتميز بقدر معين من الجسامة، والقرار الإداري الباطل لعدم المشروعية البسيطة لا يمكن أن يكون مصدرا للاعتداء المادي .
- المساس بإحدى الحريات الأساسية أو الملكية الخاصة: لا تكفي عدم المشروعية بالغة الجسامة للقرار الإداري، بل يجب أن ينطوي تنفيذه على المساس بإحدى الحريات الأساسية أو الملكية الخاصة، وهو الشرط الذي تطلبه مجلس الدولة الفرنسي في قضية Klein (45).كانت المعنية تملك أرضا مجاورة لطريق عام ضيق ،وثار خلاف بينها وبين جارها الذي نقل السور الأمامي مما أدى إلى نقص في عرض الطريق، فادعت أنه اعتدى على أرضها. لهذا أصدر رئيس المجلس البلدي قرارين يقضيان بإعادة الحال إلى ما كانت عليه سابقا، وقام بتنفيذهما ما دام أن الطاعنة لم تذعن لهما، وهو ما لم يرضها، فأقامت دعواها أمام مجلس الدولة الفرنسي ضد رئيس البلدية الذي أقر بعدم مشروعية التنفيذ لكنه لم يعترف بوجود اعتداء مادي، لأن القرار ين لم يمسا بإحدى الحريات الأساسية أو الملكية الخاصة .
- تنفيذ القرار الإداري غير المشروع: يستلزم الاعتداء المادي تنفيذ القرار الإداري غير المشروع المتضمن الاعتداء على حرية فردية أو مساسا بملكية خاصة. وما تنفيذ الجهة الإدارية للقرار المعدوم إلا ذلك الفعل المادي الذي يتكون به الاعتداء، فكان من الضروري والمنطقي إذن ذلك التنفيذ. على الرغم أن هناك من القرارات، استثنائيا، ما يحمل التنفيذه في طياتها وهي نافذة بطبيعتها، وتؤدي إلى وجود الاعتداء المادي مثل القرارات المتعلقة بالاستيلاء على المساكن.
موقف الفقه والقضاء من علاقة الاعتداء المادي بنوعي الخطأ:
ظل القضاء الإداري الفرنسي يربط ويلازم بين الاعتداء المادي والخطأ الشخصي حتميا، وهو ما شايعه الفقه أيضا. فيرى الأستاذ (Vedel) أن مسؤولية الموظف في حالة الاعتداء المادي مسؤولية شخصية مؤكدة، ويختص القضاء العادي بنظر دعوى التعويض ولا مجال للتفريق بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي لأن القانون المدني يجهلها ولا وجود لهما ضمن أحكامه.
لكن غالبية الفقه ترى ضرورة التفرقة بين المفهومين (الاعتداء المادي والخطأ الشخصي)، فتقدر مشروعية الاعتداء المادي من ناحية موضوعية، في حين نية الموظف وسلوكه والأهداف التي ابتغاها بفعله يحدد الخطأ الشخصي.
كما يتطلب البحث في الاعتداء المادي المقارنة بين الصلاحيات التي خولها القانون للموظف والصلاحيات التي استعملها فعلا (46).
لكن بصدور حكم محكمة التنازع في قضية (L’Action française) حيث أصدر مدير أمن باريس أمرا إلى مرؤوسيه بمصادرة أعداد الجريدة في جميع أنحاء المدينة تجنبا لزيادة الاضطرابات بها. وقضت المحكمة أن مدير الأمن جاوز سلطاته القانونية دون تمييز بين المناطق المختلفة لم يكن النظام العام مهدد بها، فعمل المدير غير مشروع بصفة بالغة، ويكون اعتداء ماديا. حيث زال التلازم الحتمي بين الخطأ الشخصي والاعتداء المادي(47). فأصبح بعدها الاعتداء المادي يمكن أن يكون خطأ مرفقيا تسأ ل عنه الدولة.
أما إذا تجاوز الموظف (رجل الضبط) سلطاته بشكل جسيم، وخالف أهداف الوظيفة المكلف بها في الوقت نفسه، في هذه الحالة يجتمع الخطأ الشخصي بالاعتداء المادي.
3: تأثير الأوامر الرئاسية على نوع الخطأ.
المرؤوس ملزم بتنفيذ الأوامر الصادرة عن رؤسائه، لضمان حسن سير المرافق العامة واستمراريتها. وقد يترتب على تنفيذها أخطاء، فهل يتغير نوع الخطأ وبالتالي طبيعة المسؤولية ومن يتحملها الرئيس أو المرؤوس، أم أنه لا أثر للأوامر الرئاسية في ذلك؟ .فقد ميز الفقه والقضاء بين فرضيتين:
الفرضية الأولى: تجاوز المرؤوس حدود الأوامر الرئاسية
في هذه الحالة الأمر واضح حيث تبقى مسؤولية الموظف كاملة لتجاوزه حدود الأوامر الرئاسية الصادرة إليه بشرط توافر مقومات الخطأ الشخصي، كأن ينحرف تنفيذها فتبقى المسؤولية شخصية كأن الأوامر لم تصدر إطلاقا (48). لأنه لا يمكن القول معه أنه اتصل بالقانون عن طريق رئيسه المشرف والموجه والحارس على تطبيق القانون وتفسيره حفاظا على المصلحة العامة.
وهو ما استقر عليه القضاء الإداري وطبقه في العديد من الأمثلة، ومن ذلك مسؤولية حارس أحد المصانع الحكومية المتجاوز حدود الأمر الرئاسي الصادر إليه بإلقاء مواد سامة في فناء المصنع لمنع الكلاب الضالة، فقام باستدراجها إلى ساحة المصنع وتسميمها(49).أو إتلاف المحاصيل الزراعية وهدم منزل أحد المزارعين رغم أن الأمر الرئاسي يقضي بطرده من منطقة معينة فقط (50).
ولا يعتد بإقرار الإدارة اللاحق لتجاوز المرؤوس لحدود القانون والأمر الرئاسي الصادر إليه (51)، حيث لا يؤدي ذلك إلى تغيير طبيعة الخطأ ونسبته إلى المرفق الإداري.
الفرضية الثانية: التزام المرؤوس حدود الأوامر الرئاسية
إذا لم يتجاوز الموظف الأوامر الصادرة إليه من رؤسائه ونفذها بحذافيرها وترتب عن ذلك ارتكاب خطأ، اختلف الفقه في تحديد طبيعة الخطأ المرتكب من المرؤوس الملتزم وبالتالي من يتحمل المسؤولية عن ذلك. برز اتجاهان في هذه القضية:
- الاتجاه الأول: يتزعمه هوريو(Houriou)، يرى بتحول الخطأ الشخصي إلى خطأ مرفقي لأن الموظفون ملتزمون بتنفيذ الأوامر الرئاسية قبل التزامهم بتنفيذ القانون، والموظفون يتصلون بالقانون عن طريق رؤسائهم الموكلة لهم مهمة تفسير أحكامه وإصدار الأوامر بتنفيذها إلى المرؤوس، الذي ينفذها دون النظر إلى مشروعيتها بشرط احترام قانون العقوبات. وهناك أفراد ينفذون الأوامر دون مناقشتها كأفراد الجيش.
- الاتجاه الثاني: يتزعمه ديجي (Dauguit)، الذي يرى أن الأمر الرئاسي الصادر إلى الموظف لا يؤثر في طبيعة الخطأ الذي ارتكبه هذا الأخير، لأن الرئيس لا يملك إصدار الأوامر المحالفة للقانون، وإذا حدث ذلك، فعلى المرؤوس الامتناع عن التنفيذ لأنهما ملزمان باحترام القانون والامتثال لأحكامه، ولا تطبق هذه القاعدة على رجال القوات المسلحة لأنها خاضعة لمبدأ الطاعة التامة، ولا يسأل الجنود عن الأخطاء التي يرتكبونها عند تنفيذ الأوامر الصادرة إليهم من رؤسائهم.
- رأي القضاء الإداري: تبنى مجلس الدولة الفرنسي موقفا وسطا بين الاتجاهين السابقين، حيث رأى أن بعض الأخطاء الشخصية، في غير حالات الخطأ الجسيم والعمدي وعدم المشروعية الظاهرة(52)، تعد أخطاء مرفقية إذا ارتكبت تنفيذا لأوامر رئاسية صادرة إلى المرؤوسين (53). حيث قرر القضاء مسؤولية الموظف (المحافظ)
الشخصية، رغم تصرفه بناء على أمر رئاسي، عند مصادرة أعداد الجريدة لأن قرار مصادرتها تضمن عبارات قدح وذم بحق القائمين عليها وهو جرم، وتقرر مسؤولية نائب المحافظ الشخصية وبعض رجال الأمن لأنهم مزقوا الإعلانات الخاصة ببعض الأفراد في الطرقات العامة بناء على أوامر صادرة عن وزير الداخلية بذلك (54).
ولا تقوم مسؤولية الدولة إذا كانت المخالفة للأوامر الصادرة من الرؤساء يسيرة ،كقرع الأجراس في غير الحالات القانونية (55).
موقف المشرع الجزائري من مسؤولية الموظف عن الأوامر الرئاسية:
نص المشرع الجزائري في المادة 129 من القانون المدني التي تنص على: “لا يكون الموظف والأعوان العموميون مسؤولين شخصيا عن أفعالهم التي أضرت بالغير إذا قاموا بها تنفيذا لأوامر صدرت إليهم من رئيس متى كانت إطاعة هذه الأوامر واجبة عليهم.” وفي هذه الحالة تتحول طبيعة الخطأ والمسؤولية، من خطأ شخصي يسأل عنه الموظف ويعوض الأضرار من ماله الخاص إلى خطأ مرفقي تتحمل الدولة مسؤوليته والتعويض عنه.
ولأن المادة القانونية السابقة يكتنفها الغموض، ولم نحصل على أحكام وقرارات قضائية تبين وتوضح المسألة المطروحة بدقة .فقد تدفع بالمرؤوس إلى التهرب من المسؤولية الملقاة على عاتقه بدعوى أن الأمر الصادر إليه من الرئيس واجب التطبيق ،خاصة وأن الموظفين مختلفين في عدة نواحي وكذلك الظروف التي يؤدون فيها عملهم.
ولكي يكون الخطأ مرفقيا رغم وقوعه من الموظف يجب أن تتوفر فيه الشروط (56) الآتية:
وقوع الفعل الضار من الموظف نتيجة أمر صادر إليه من الرئيس الوظيفي.
- وجوب تنفيذ الأمر من الموظف قانونا، أو اعتقد بذلك.
- أن يكون الأمر الصادر من الرئيس مشروعا، أو يصعب على مثله التحقق من مشروعيته.
فالموظف لا يعد آلة تنفيذ الأوامر الصادرة إليه دون تمحيص أو حتى تفكير في مدى مشروعيتها، كما أنه لا يرفض تنفيذها حيث يصبح رئيسا لا مرؤوسا، أو عائقا أمام تقديم المرفق لخدماته ومهامه.
الخاتمة
الخطأ في المسؤولية الإدارية من المواضيع الصعبة لأنها تتعلق بالإنسان المحكوم بنزواته وأهوائه، الذي قد يمتثل للقانون ويتصرف بحسن نية ويخطأ ويعاقب، وقد يتعمد الخطأ ويغلفه بالقانون ولا يحاسب لأن القاضي لم يثبت في حقه الخطأ. فإذا قرن الخطأ بالضبط الإداري والمحافظة على النظام العام فإن المسألة تزداد حساسية وصعوبة لتحقيق الموازنة بين بسط أو إعادة النظام العام وممارسة الحريات العامة لأفراد المجتمع.
ومن خلال ما سبق نخلص إلى النتائج الآتية:
- تبقى مهمة تحديد الخطأ من اختصاص القاضي، الذي نرى أنه لابد من التعامل مع كل قضية على حدة حسب ملابساتها والظروف المحيطة التي قد تؤثر في تحديد نوع الخطأ مرفقي أم شخصي.
- يمتنع الموظف (رجل الضبط) عن تنفيذ جميع الأوامر التي تظهر فيها عدم المشروعية بوضوح تام لا يخطئها موظف مثله، أو كانت مخالفة للنظام العام والآداب العامة أو تؤدي إلى جريمة. فيما عدا ذلك لا ينصب نفسه قاضيا على أوامر رؤسائه.
- على المشرع سن قوانين واضحة قدر الإمكان، خاصة المتعلقة منها بالمسؤولية ومن يتحملها (المسؤولية الإدارية)، مع تحديد شروط وقوعها. فنص المادة 129 من القانون المدني التي تعد قاعدة عامة يرجع إليها غير واضحة بما يكفي، حيث يستطيع المسؤول أن يتبرأ من مرؤوسه بعدم توجيه الأمر إليه بتاتا، أو توجيهه على نحو آخر وغيرها من المبررات.
- الظروف والعوامل التي تطرأ أو تدخل على الخطأ، مما تناولناه سابقا وغيرها، فتغير من طبيعته يجب أخذها بعين الاعتبار ولا يهملها لا المشرع ولا القاضي، لأن ذلك يؤدي حتما إلى الخطأ في تكييف الخطأ وبالتالي من يتحمل الضرر وتعويضه.
- إن القضاء الإداري الجزائري الفتي مطالب باقتفاء أثر القضاء الإداري المقارن، خاصة الفرنسي والمصري اللذين لهما باع في هذه المسائل من القانون الإداري وغيرها، بالاجتهاد في القضايا المعروضة عليه(المسؤولية الإدارية أو نظرية الخطأ الشخصي أو نظرية الخطأ المرفقي..) وعدم الاكتفاء بتطبيق النصوص القانونية فقط بصفة آلية ودون تفصيل.
كما يصعب إيجاد الأحكام القضائية الإدارية بسبب عدم النشر إلا النزر القليل، لا الكترونيا ولا ورقيا. وهذا ما يصعب معرفة هذا الاجتهاد فما بلك بتقويمه.
المراجع
- الخطأ في اللغة ضد الصواب، ويعني الفعل المقصود وغير المقصود، وفي الاصطلاح هو مخالفة قاعدة أو نظام كان الواجب احترامه.
أنظر: المعجم الفلسفي، مجمع اللغة العربية بمصر، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية ،القاهرة ،1979، ص80.
لم يعرف المشرع الخطأ، وترك ذلك للسلطة التقديرية للقاضي وفقا لكل قضية على حسب أوراقها .لكن الفقه اجتهد وحاول أن يعرف الخطأ، فحسب الأستاذ René Chapus فإن الخطأ هو: “إخلال بالتزام سابق مع توافر الإدراك.”
René Chapus : Responsabilité publique et responsabilité privée, L.G.D.J, 1957, P.302.
- علي خطار شطناوي، مسؤولية الإدارة العامة عن أعمالها الضارة، ط الأولى، دار وائل للنشر، الأردن ،2008، ص ص164ـ165.
- رمزي طه الشاعر، قضاء التعويض: مسؤولية الدولة عن أعمالها غير التعاقدية، ط 3، دار النهضة العربية، مصر ،2008، ص: 345 ـ 346.
- ما ذكره كمفوض للحكومة في قضية Laumonnier- Carriol بتاريخ 05 ماي 1878، مجموعة دالوز سنة 1878، قسم 3، ص13.
- حاتم جبر، نظرية الخطأ المرفقي، رسالة دكتوراه في الحقوق، جامعة القاهرة، كلية الحقوق ،1967، ص 68.
سامي حامد سليمان، نظرية الخطأ الشخصي في مجال المسؤولية الإدارية، رسالة دكتوراه في الحقوق، جامعة القاهرة، كلية الحقوق ،1988، ص 144.
- T .C . 04 Juin 1910, Préfet de l’Aisne, S.1910.3.129.
- T .C . 22 avril 1910, Prefet de cote d or, S.1910.3.129.
- T .C . 19 mars 1904,Maudiere, Rec. P.252.
- T.C. 15 fev.1890, Vincent, Rec. P.182.
- C.E. 27 février 1903, Zimmermann, S.1905.3.17, note Hauriou.
- T .C . 06 dec. 1937, Cornu, Rec. P.1118.
- رمزي طه الشاعر، قضاء التعويض، دار النهضة العربية، مصر، ص: 326- 327.
- C.E. 28 Nov. 1947, Verne, Rec. p. 541.
- سامي حامد سليمان، مرجع سابق، ص 201.
- C.E.26 octobre 1973, Sadoudi, D.1974. p.225, note Auby.
- C.E, 23 juillet 1954, Litser, assas.net.
- T.C, 30 juin 1949, Dame veuve chulliat, assas.net.
- C.E, 8 Aout 2008, RAJF.org
- فوزي أحمد شادي، تطور أساس مسؤولية الدولة: دراسة مقارنة، دار النهضة العربية ، مصر ،2010، ص 131.
- C.E, 18 NOV 1949, MIMEUR,R.G.A.E, P.492
- C.E, 26 OCT 1973, SADOUDI, R.D.P. 1974, Conclusions BERNARD.
- T.C, 21 DEC 1987, ARRET KESSLER, REC. P.456.
- C.E, 12 AVR 2002, ARRET PAPON, R.F.D.A,2002, P.582.
- T.C, 1953, ARRET SAMBA, REC, P.218.
- C.E, 12 MARS 1975, ARRET POTHIER, REC. P.190.
- C.E, 7 JUILLET 1992, GLOAHEE, R.A.J.F, RAJF.ORG.
- أورده: فوزي أحمد شادي، مرجع سابق، ص 131.
- T.C, 9 JUILLET 1953, DAME VEUVE BERNADAR, ASSAS.NET.
- C.E, 17 DEC 1999, ARRET DE MOINE, REC LE BON, P.425.
- C.E, 18 NOV1988, ARRET EPOUX RASZEWSKI, REC, P.416.
- HAURIOU M: Précis de droit administrative,11ed,P.526 T.C : 02/05/1914, Rec, p.531 _ T.C : 27/02/1933, D, p4.T.C : 14/01/1940, Rec, p.48.
T.C. 2 MAI 1914, PROVOST, Rec., P.531.
- T.C. 27 FEV 1933, RHIN ET MOSSELLE. D.1933. 41.33
- . وقائعها تتمثل في أن مقطورة ملحقة بقافلة عسكرية صدمت أحد الأفراد بسبب انحرافها عن المسار العادي لتفادي الاصطدام بالسيارة الأمامية، مما أدى إلى وفاة الشخص المصاب.
- T.C : 14/01/1935, S, 1935, p.17.
- T.C: 30/06/1949, Rec, pp: 605-.606
- DE LAUBADERE (A):Op. Cit, N1428.
- سليمان الطماوي، القضاء الإداري، الكتاب الأول: قضاء الإلغاء، دار الفكر العربي ،القاهرة، مصر ،1986، ص132.
- رمزي طه الشاعر، مرجع سابق، ص 396.
- حاتم جبر ،مرجع سابق، المرجع السابق، ص125.
- رمزي طه الشاعر، مرجع سابق، ص 397.
- مجلس الدولة الجزائري، قرار رقم 19747 المؤرخ في 29/11/2005، قضية وزير الداخلية ضد ورثة (خ .أ)، مجلة مجلس الدولة، عدد 07، 2005، ص 118.
- علي خطار شطناوي، مرجع سابق، ص181.
- T.C: 14/06/1940, Rec, p.248.
- T.C: 13/06/1955, R.D.P.A., 1955, p.358._T.C: 26/11/1973,Rec,p.849.
- C.E: 18/11/1949, Carlier, Rec, p.490.
- C.E: 08/04/1961, Rec, P.216.
- T.C: 08/04/1935, D, 1935, 3, P.25. Note Waline.
- رأى مفوض مجلس الدولة( JOSSE) أن الإجراء المطعون فيه لم يصدر عن فرد عادي، بل موظف عام الذي استعمل صلاحيات الضبط الإداري المخولة له، أو اعتقد خطأ أو صوابا أنه يتمتع بها، فهذا التصرف لا يرتب مسؤوليته الشخصية أمام المحاكم العادية.
T.C : 08/04/1935, D, 1935,3, P.35. Concl, du commissaire du gouvernement.
T.C : 03/07/1934, S, 1935,3, P.97.
- رأفت فودة، دروس في المسؤولية الإدارية، دار النهضة العربية، مصر ،1992،ص 170.
- T.C: 13/12/1879, Rec, P.803.
- T.C: 11/07/1889, Rec, P.542.
- T.C: 04/12/1997, Rec, P.758.
- C.E: 10/11/1944, J.C.P, 1945,2, N= 2825.
- C.E: 28/05/1969, Rec, P.189._T.C: 30/06/1949, Rec, P.606. .
- T.C: 17/11/1910, D, 1910,3,P.288.
- سليمان الطماوي، مرجع السابق، ص 137.علي خطار شطناوي، مرجع سابق ، ص188.


