د. عبد اللطيف الفرحي

باحث في علوم التربية

مركز البحث والتكوين في التقويم وما نجمنت التربية

كلية علوم التربية الرباط

الجهوية، كمشروع مغربي طموح، تسعى في عمقها إلي ترسيخ قيم ومبادئ الحكامة؛ وعندما تطرح الجهوية للنقاش والتصور والأجرأة، فإن عصا رحاها، تتمثل بالأساس في منظومة التربية والتكوين، باعتبارها القلب النابض للمجتمع والقاعدة الأساس للتنمية المنشودة في هذا العصر، الموسوم بعولمة متأسسة في مرجعيتها على المعرفة والاستثمار في الرأسمال البشري.

ضمن هذا التوجه، يطرح الباحث، الأستاذ عبد اللطيف الفرحي، التجربة الإسبانية بخصوص الجهوية ودورها المحوري في مجال التربية والتكوين؛ وهي تجربة انتقاها الباحث، لغايتين أساسيتين، أولاهما، تتمثل في القرب الجغرافي والتاريخي وحتى الحضاري بين إسبانيا والمغرب: أما ثاني هاتين الغايتين، فتتمثل، في أهميتهما كمرجعية تقتدي بالنسبة للمجتمع المغربي، الذي وطد العزم على السير القوي في اتجاه إرساء جهوية موسعة بغرض ضمان حكامة جيدة ورشيدة ببلادنا.

وعلى الرغم من هذه العزيمة والإرادة القويتين، في هذا الاتجاه التحديثي للمجتمع المغربي، فإن الأمر، كما يرى الباحث، لازال متوقفا على العنصر أو المورد البشري المؤهل لقيادة وتدبير هذه الاختيارات الطموحة، حتى تتحول من مجرد نوايا ومقاصد ومشاريع…، إلي معيش حقيقي وواقعي، لأنه في غياب العنصر البشري المؤهل، لا يمكن تحويل الأحلام إلي وقائع على مستوى الممارسات المأمولة.

مدخل:

شكلت الدعوة لتبني خيار الجهوية الموسعة في المغرب، منذ الخطاب الملكي الذي ألقي بمناسبة الذكرى 33 للمسيرة الخضراء([1]) والذي أعلن فيه عن إطلاق مسار جهوية متقدمة ومتدرجة تشمل كل مناطق المملكة؛ وأعلن فيما بعد عن تشكيل لجنة استشارية للجهوية([2])، منعطفا حقيقيا وتساؤلات عميقة، همت بالخصوص حدود الاختصاصات التي يمكن للدولة تفويضها للجهات، وشكل توزيع هذه الاختصاصات وأيضا الإمكانيات المادية والبشرية التي يجب توفيرها لهذه الجهات من أجل إنجاح هذا المشروع الواعد؛ بل وأيضا التساؤل الجدي عن الدوافع الخفية والحقيقية التي دفعت إلي بناء إرادة سياسية للدولة لتبني هذه الجهوية الموسعة في المغرب.

وضع إطلاق هذا المشروع في هذه المرحلة بالذات رهانات حقيقية أمام الجميع؛ أفرادا ومؤسسات، من دولة وجماعات محلية ومجتمع مدني وفاعلين خواص…؛ رهانات كبيرة تتوخى إنجاح مشروع قد يشكل مدخلا حقيقيا للتنمية الشاملة في كل القطاعات، ومن أهمها قطاع التربية والتكوين الذي يعتبر بحق قطاع الأزمات وتوالي الإصلاحات بامتياز؛ دون أن تجد له الدولة الوصفة العلاجية المناسبة أو بالأحرى الاستراتيجية الإصلاحية المناسبة، ليظل أسلوب المخططات والبرامج الإصلاحية ذات البعد الزمني المحدود، هو السائد بالنسبة لمجال من سماته الأساسية أنه يتعالى عن أي إصلاح تجزيئي أو ارتجالي أو استعجالي، باعتباره يدخل ضمن المشاريع المجتمعية التي يجب التعامل معها برؤية استراتيجية بعيدة المدى، لأنها ترهن وتراهن على بناء أجيال، ويجب بالتالي التحلي بالهدوء والتروي أكثر، من أجل إصلاح يمكن من تحقيق النتائج والأهداف المسطرة. فالمدرسة في نهاية المطاف، مقاولة لإنتاج نوعي للأجيال التي يريدها المجتمع في تكامل وتداخل مع الأدوار الموازية لتلك التي تنهض بها الأطراف الأخرى المتدخلة في هذا المجال، من أسرة وإعلام….

إذا كنا نقر منذ البداية، بأن المدخلات الحقيقية لإصلاح قطاع التربية والتعليم، تتباين وتتعدد، بل وتتعمق كلما تأخرت المبادرات الإصلاحية الحقيقية والجادة؛ فإننا نعتقد أن أهم محركات هذا الإصلاح في الفترة الراهنة والمستقبلية وأكثرها فاعلية وحيوية، تلك التي يمكن أن تتمخض عن تطبيق الجهوية الموسعة في المغرب، والتي لا يمكن أن يكون قطاع التربية والتكوين إلا في صلب هذه الفلسفة الجديدة التي ستضع دون شك تحديات كبيرة على عاتق كل المشتغلين بهذا القطاع بصفة مباشرة وكل أفراد المجتمع بصفة غير مباشرة، مادامت المدرسة رهان مجتمعي، تظل في حاجة دائمة لإعادة النظر في فلسفة تدبيرها من جهة، ومن جهة ثانية على القطاع الذي يشرف عليها، المتمثل في وزارة التربية الوطنية، خاصة على مستوى توزيع الاختصاصات بينها وبين المؤسسات الجهوية التي سيناط لها الإشراف على تدبير هذا القطاع جهويا ومحليا؛ سواء تم الإبقاء على تجربة الأكاديميات الجهوية في صيغتها الحالية، والتي ستثير دون شك نقاشا حول جدواها في ظل تطبيق الجهوية الموسعة المرتقبة، خصوصا في شكلها الحالي؛ أو تم وضع صيغة جديدة، يتم فيها إشراك الجماعات المحلية بفعالية حقيقية وباختصاصات واضحة في مجال قدر له أن يظل مرتعا خصبا للاستغلال وللمزايدات السياسية منذ الاستقلال، دون أن يستفيد من نقاش هادئ قد يفتح آفاقا جديدة يتيح إمكانية الإشراك الحقيقي للجماعات المحلية في التدبير الإداري والمالي للمؤسسات التعليمية كإحدى المدخلات الحقيقية لتدعيم الديمقراطية المحلية وتحريك النخب للمساهمة في التنمية المحلية المنشودة.

ولأن الحقيقة لا تدرك إلا بالممارسة، كما يقال؛ فإن تجربة اللاتمركز واللامركزية في قطاع التربية والتكوين في المغرب، سواء منذ إحداث النيابات الإقليمية في منتصف السبعينات أو مع إحداث الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين في صيغتها الجديدة سنة 2002، وفي ظل قلة التقييمات الحقيقية والمحايدة لهذه التجربة؛ فإن القراءة العامة للمعطيات المتوفرة والتشخيص العام لوضعية تدبير القطاع على المستوى الإداري والمالي؛ وبالرغم من النتائج المهمة المحققة على بعض المستويات، يتبين للمتتبع أنها تظل تجر من وراءها عبئا وفشلا ذريعين، خصوصا إذا ما قمنا بمساءلة الحصيلة العامة المحققة وفي الوقت الذي مازال ينظر إليه في المغرب نظرة اجتماعية ضيقة، بدل اعتباره المحرك الأساس للتنمية الشاملة، كما هو الشأن بالنسبة للدول الأخرى التي استطاعت أن تحقق إقلاعا حقيقيا، مستفيدة مما وفره قطاع التعليم فيها من مؤهلات بشرية وكفاءات أضحت الرأسمال الحقيقي للتنمية اليوم.

ومما عمق أزمة هذا القطاع في المغرب، أسلوب التحكم الشديد الذي انتهجته الوزارة والتي استفردت ولمدة طويلة بفرض تصوراتها الأحادية على القطاع لاعتبارات سياسية وإيديولوجية ضيقة، جعلت خيارات انفتاحه على القطاعات والأطراف الأخرى، تعرف تعثرات كبيرة سواء على المستوى المنهجي أو على المستوى الثقافي والاقتصادي… الخ؛ فسؤال إعادة النظر في تدبير القطاع وخاصة على مستوى المقاربة التشاركية والإنفتاحية له على الأطراف الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، خصوصا على مستوى الجماعات المحلية من حيث إعادة ترسيم الأدوار الجديدة التي يمكن أن تلعبها في التدبير الإداري والمالي للقطاع وطنيا ومحليا برؤية جديدة، تجعل من المدرسة مؤسسة في عمق الانشغال العام، والذي لن يتأتى إلا من خلال انخراطها في تدعيم الديمقراطية المحلية ومساهمتها في إعادة إنتاج نخب محلية جديدة تستطيع أن تعيش وتساهم محليا وتفكر وتشتغل بأنماط وعقليات ومناهج علمية وعالمية، أو بمعنى آخر يفرض هذا الإصلاح الذي يدخل ضمن يافطة الجهوية الموسعة، إعادة استنفار الطاقات المحلية واستغلالها للانخراط الإيجابي في التنمية والقطع مع السياسة التي لم ترى في الجماعات المحلية، سوى مؤسسات للإلهاء الاجتماعي والسياسي وتذويب الصراعات المحلية من خلال منح اختصاصات واسعة بإمكانيات مالية وقانونية وبشرية محدودة مقابل وصاية شديدة؛ مما جعلها لا تستقطب إلا كفاءات من الأحجام الدنيا التي ظلت تتحكم في تسييرها وتراهن من خلال أساليب مختلفة على مراكمة الثروة في غياب مراقبة فعالة وحقيقية لمدة طويلة، مما أفرز نخب اقتصادية محلية انتعشت وراكمت ثروات جعلتها تشكل لوبيات محلية، أصبح أي إصلاح حقيقي اليوم يصطدم بها لأنها أضحت تشكل رقما يصعب تجاوزه محليا على الأقل؛ مما جعل من الجماعات المحلية مجرد مؤسسات لا تتيح الإمكانية الحقيقية للتنمية المحلية المنشودة، وهذا ما يجعلنا نقر منذ البداية أن ورش انفتاح المدرسة على الجماعات المحلية أو العكس، مشروط بالضرورة بإعادة النظر الجذري في الوضع الحالي وخاصة على مستوى القوانين التي تؤطر العمل الجماعي، بالإضافة إلى إعادة النظر في قوانين انتخابها من أجل تهييئ الشروط وإنضاجها لاستقطاب الأطر والكفاءات المحلية العليا وإعادة توزيعها وإنهاء تمركزها في العاصمة بما يضمن نجاح التجربة الديمقراطية المحلية بشروط أخرى كمدخل حقيقي لهندسة جديدة يجعل من التدبير التشاركي للحقل التعليمي على المستوى المحلي ممكنا وناجحا. ولمقاربة هذا الموضوع ارتأينا إثارة إشكالات تعتبر كمدخل فعلي لطرح الممكنات المنتظرة من سؤال الجهوية في التربية والتعليم في أفق تطبيق هذا الورش الهيكلي الذي يراهن عليه المغرب ليشكل تحولا نوعيا في أنماط الحكامة الترابية اليوم، وذلك من خلال استعراض التساؤلات التالية: ما مسار تجربة اللاتمركز واللامركزية في قطاع التربية والتكوين في المغرب؟ وهل يمكن إشراك الجماعات المحلية في تدبير قطاع يفترض فيه أن يعزز الديمقراطية المحلية بالمساهمة الفعالة في التدبير المالي والإداري للمدرسة المغربية؟ وكيف يمكن الاستفادة من التجارب المقارنة (التجربة الإسبانية) في ظل الرهانات الجديدة للتطبيق القطاعي لمشروع الجهوية الموسعة وخاصة في مجال التربية التكوين؟ هذه جملة من التساؤلات سنحاول مقاربتها في هذا الموضوع.

 

المبحث الأول

مسار اللاتمركز واللامركزية في قطاع التربية الوطنية بالمغرب

يعتبر تطبيق اللامركزية الإدارية في قطاع التربية الوطنية في المغرب من الرهانات التي ظلت وستظل تراوح مكانها في ظل خطاب الفشل الذي أصبح لصيقا بهذا القطاع على كل المستويات، سواء من خلال التقارير الوطنية أو الدولية أو التقييمات المحلية هنا وهناك؛ بل وحتى في أوساط المشتغلين بهذا القطاع والشركاء الذين يتعاملون معه محليا، جهويا ووطنيا. إلا أن السؤال الذي يفرض نفسه عند ظهور كل تقرير يعري وضعية التعليم ببلادنا، هو المدخلات الرئيسية لهذا الإصلاح وطبيعته؛ بل وفي كثير من الأحيان يفرض سؤال “من أين يبدأ هذا الإصلاح ؟” نفسه علينا، وكأننا في السنوات الأولى للاستقلال؛ لكن إذا كنا نعترف منذ البداية أن طبيعة مثل هكذا، قطاعات لا يمكن أن تعيش إلا داخل الأزمة ولا تدبر إلا من خلال الإحساس العام بوجود أزمة في القطاع، وأن الإصلاح ما هو إلا تطييب خواطر هذه الأزمة نفسها، بل أكثر من هذا هو قطاع أزمة بامتياز، لأن الأزمة هنا تتخذ طابعا صحيا وإيجابيا وهذا ما نجده حتى في الدول الأكثر تقدما في مجال التربية والتعليم، إلا أن طبيعة الأزمة ومستواها في قطاع التربية والتكوين في المغرب، مازال في مستواها المخجل ما دامنا بصدد الحديث عن نسب عدم الملتحقين بأقسام الدرس والمغادرين له دون اكتساب الكفايات الأساسية (القراءة، الكتابة والحساب…)، ونسب الارتداد إلي الأمية…. الخ؛ مما يجعل سؤال من أين يبدأ إصلاح التعليم المغربي مشروعا، بل ومؤسسا تتناسل عنه أسئلة هوية هذا التعليم واتجاهاته وآفاقه وطبيعته بل وغاياته؛ أمازال التعليم المغربي يحمل هاجس الغايات التي راهن عليها منذ الاستقلال، أم طبيعة المرحلة وطنيا وعالميا والاختيارات العامة الجديدة، تقتضي إعادة النظر في جملة مما كان يعتبر من ثوابت القطاع، وعلى رأسها نوعية التعاقدات حول المدرسة المغربية؟ ليمتد السؤال إلي الجدوى الوجودي لهذه المدرسة أصلا إذا لم تحقق النتائج المتوخاة منها! إنها جملة من الأسئلة التي ظلت معلقة مع توالي ما يسمى بالإصلاحات الكثيرة التي شهدها القطاع والتي لم تستطع- بالرغم من بعض النتائج الإيجابية المحققة- أن تجعل من القطاع المحرك الأساسي للإقلاع التنموي.

يبدو أن المراحل التي مر منها القطاع على مستوى تدبيره الإداري، شكل إحدى تلك الخيارات الإصلاحية التي حاولت أن تغير معالم التغيير الإداري العميق لنظام التعليم بالمغرب؛ حيث اتخذ طابعا متدرجا مستفيدا من معطيات شتى؛ لكن هذا لم يمنعه من العوائق الكثيرة التي اعترضت تطوره، مما جعل من المدرسة المغربية المشجب الذي يعلق عليه الفشل والأزمة دائما.

المطلب الأول: مرحلة ما قبل تجربة اللاتمركز التربوي في المغرب:

الفرع الأول: نظام التعليم المغربي في فترة الحماية الفرنسية:

انطلاقا من كون “المدرسة جهاز إيديولوجي فعال في يد الدولة الرأسمالية (….)، لأن تأثيره لا يقتصر على ميدان العلاقات الاجتماعية، بل يتعدى ذلك إلى حياة الفرد الخاصة وإلى توجيه الوعي وقولبة السلوك”([3])؛ فإن الاستعمار الفرنسي حاول منذ بدايته البحث عن إعادة هندسة الخريطة الثقافية والتعليمية والسياسية والاجتماعي

https://powderencouraged.com/zht6b3bs66?key=8523542c4aaf6f083ce56f74bd271319
https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من فضاء المعرفة القانونية -espace connaissance juridique

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة