دور الوسائل البديلة في حل المنازعات البنكية
كريم مصباحي
باحث بسلك الدكتوراه بكلية الحقوق بطنجة
مقدمـة:
يعتبر القضاء ضمانة من ضمانات تحقيق العدل والتوازن داخل المجتمع، وذلك باعتبار أن الإنسان قد يميل إلى هضم حقوق الآخرين أو الاعتداء عليهم خصوصا في المجتمعات الحديثة، حيث تعقدت الأمور بشكل كبير وضعف الجانب الديني والأخلاقي وتراجع الإيمان والمبادئ العليا، وامتازت المعاملات بانعدام التكافؤ والتوازن بين أطرافها، مما أدى إلى نشوء نزاعات كثيرة خاصة في المعاملات البنكية، التي تعرف معظم عقودها انعداما لتوازن بين أطرافها، فغالبا ما تكون المؤسسة البنكية هي الطرف القوي الذي يملي شروطه والتي دائما تكون مجحفة في حق المستهلك الذي يكون الحلقة الضعيفة في هذه العقود، مما يؤدي إلى نشوء منازعات بين المؤسسة البنكية والمستهلك، تضطرهم إلى اللجوء إلى القضاء، بيد أن دور القضاء لوحده لا يكفي لحل جميع هذه المنازعات المعروضة عليه وذلك نظرا للمشاكل والصعوبات التي يواجهها والمتمثلة في كثرة القضايا وتنوع مواضعها وضعف الموارد المالية والبشرية، مما أفضى إلى اللجوء إلى الوسائل البديلة لحل المنازعات سعيا وراء تحقيق الاتفاقية لحل النزعات البنكية.
ويمكن تعريف الوسائل البديلة لحل المنازعات بتلك الآليات التي يلجأ إليها الأطراف بدلا من القضاء العادي عند نشوب خلاف أو نزاع بينهم، كما يمكن تعريفها بأنها كل وسيلة يتم بواسطتها اللجوء إلى طرف ثالث محايد بدل اعتماد الدعوى القضائية.
وللموضوع أهمية تتجلى في كون أن الطرف الاول والمتمثل في المؤسسة البنكية قد يفرض على طرف ثاني والمتمثل في المستهلك قوته الاقتصادية ويستغل احتياجه للقرض أو الائتمان فيفرض عليه شروطا ويثقل كاهله بالتزامات تضر بمصلحته مما يؤدي الى نشوء النزاعات الناتجة عن العقود البنكية.
فالمنطق القانوني يقتضي أن يكون هناك نوع من التوازن في الحقوق والواجبات، وكان من ناتج هذا الوضع البحث عن أفضل السبل لفض النزاعات البنكية بشكل ودي ومتكافئ وهو ما سنحاول إسقاطه على جملة من الوسائل البديلة لفض النزاعات بين المؤسسة البنكية والمستهلك.
من هذا المنطلق يطرح التساؤلات التالية:
ماهي الوسائل البديلة التي يمكن اعتمادها لحل المنازعات الناشئة بين المؤسسة البنكية والمستهلك ؟ وما هي صور وأنواع النزاعات بين المؤسسة البنكية والمستهلك ؟ وما هي خصوصية الطرق البديلة في تسوية النزاعات أو مدى ملائمتها ؟.
إن الجواب على هذه الإشكالات سيكون من خلال تقسيم هذا الموضوع إلى مبحثين اثنين كما يلي:
المبحث الأول: طرق الودية لتسوية المنازعات البنك
المبحث الثاني: خصوصيات الوسائل البديلة في حل المنازعات البنكية ومدى ملائمتها
المبحث الأول: الطرق الودية لتسوية المنازعات البنك
إن الوسائل البديلة لحل النزاع هي تلك الآليات التي يلجأ إليها الأطراف عوض القضاء العادي عند نشوء نزاع بينهم، بغية التواصل إلى حل له، وتسمى بالبديلة نظراً لأن الأصل هو لجوء الأشخاص إلى المحاكم لحل نزاعاتهم، وقد أصبح اللجوء للوسائل البديلة لحل المنازعات ضرورة ملحة في عصرنا الحالي لتلبية متطلبات الأعمال الحديثة والتي لم تعد المحاكم قادرة على التصدي لها بشكل منفرد، وسنقوم في هذا المبحث بدراسة أهم الخيارات المطروحة أمام أطراف النزاع والتي يمكنهم اللجوء إليها لحل نزاعاتهم دون الوصول إلى القضاء. وعليه سنتطرق إلى الوساطة كآلية لتسوية النزاعات البنكية (المطلب الأول) ثم إلى التحكيم كآلية لتسوية المنازعات البنكية (المطلب الثاني)
المطلب الأول: الوساطة كآلية لتسوية النزاعات البنكية.
تعتبر آلية الوساطة من بين أهم الوسائل البديلة لحل النزاعات بصفة خاصة، وتعرف الوساطة بأنها “تلك المساعي التي يقوم بها شخص وسيط محايد بين طرفي النزاع، وتتمثل في تقديم المساعدة لهما معا حتى يتمكن كل منهما من تدعيم مركزه القانوني والواقعي في النزاع، ويكون على بينة من المكاسب والأضرار الكامنة وراء استمرار النزاع”[1]، فالوساطة بهذا المعنى هي عملية طوعية بطبيعتها ولا يجوز للوسيط اتخاذ قرارات في أساس النزاع بين البنك والمستهلك، فدوره ينحصر في محاولة تقريب وجهات النظر بين الطرفين، وفي اقتراح حلول بديلة بين المؤسسة البنكية والمستهلك دون فرض أي من هذه الحلول على أطراف النزاع، فمهمة الوسيط تتلخص في تسهيل التفاوض بين الطرفين والتحكيم بينهما، وهذا ما يميز الوساطة كآلية لتسوية المنازعات بين المؤسسة البنكية والمستهلك على اعتبار أن الاتفاقية الناشئة عنها تكون قابلة للتطبيق من قبل الأطراف بشكل تلقائي، لأنهم هم الذين توصلوا إليها بمحض إرادتهم ولم تفرض عليهم من الخارج، وقد نظم المشرع المغربي من خلال القانون رقم 08.05 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية الصادر بتاريخ 30 نونبر 2007 المعدل القانون المسطرة المدنية [2].
وتتم الوساطة البنكية عبر جهاز خاص يسمى لجنة الوساطة البنكية، هذه الأخيرة تتكون من تسعة أعضاء، خمسة منهم مستقلين عن المهنة البنكية ولهم مؤهلات في المجال البنكي، وثلاثة منتمين إلى المهنة البنكية بالإضافة إلى ممثل لبنك المغرب[3]، ويتم اختبار الأعضاء الثمانية المشار إليهم –باستثناء ممثل بنك المغرب- من طرف المجموعة المعنية للبنوك المغربية بعد استشارة بنك المغرب، كما يقوم (أعضاء اللجنة) بانتخاب رئيس اللجنة من بينهم لمدة سنتين قابلة للتجديد مرة واحدة[4].
وتقوم نفس اللجنة دائما وفي حدود اختصاصاتها باختيار وسيط لمهام الوساطة بين البنك والمستهلك في الخلافات التي قد تنشأ بينهم خلال المعاملات البنكية، حيث يجب على هذا الوسيط اقتراح حلول حبية للنزاعات التي يعرضها عليه زبناء البنوك، ويكون ملزم – أي الوسيط – بتحرير تقريرا سنويا يتضمن جميع الأنشطة والتدخلات التي قام بها، وكذا الإحصائيات بخصوص مختلف النزاعات المعروضة عليه والمتوصل بشأنها إلى حلول حبية[5].
ولعل أهم ملاحظة يمكن إبداؤها بخصوص تشكيلة لجنة الوساطة البنكية هو غياب وجود أي تمثيلية لجمعيات حماية المستهلك نظرا لما تقدمه من خدمات له، حيث تساهم في تنويره وتوعيته بالحقوق التي يتمتع بها المستهلك[6].
وما تجدر الإشارة إليه في هذا الصدد هو أن اللجوء إلى الوسيط البنكي يوقف كل مسطرة قضائية أو تحكيمه جارية، كما يتعين تبليغ المحكمة باللجوء إلى هذه المسطرة فروا، والتي يتعين عليها بدورها التصريح بعدم قبول الدعوى إلى حين الانتهاء من مسطرة الوساطة [7].
وما يجب التنبيه إليه هو أن فقرات الصلح المقترحة من طرف الوسيط تكون ملزمة للمؤسسة البنكية في الحال، إذا كان ملف الشكاية بهم مبالغ لا تتعدى قيمتها 100 ألف درهما. في حين أن المستهلك غير ملزم بقبول مقترحات الوسيط لحل الخلاف كيفما كان المبلغ المتنازع عليه، ويمكنه أن يلجأ إلى المساطر الأخرى لحل مثل هذه النزاعات، وموازاة مع تنفيذ البنك لالتزاماته يلتزم المستهلك بأن يتنازل في الاتفاق التصالحي في حال قبوله، وعد اللجوء إلى القضاء بسب القضية نفسها[8].
المطلب الثاني: التحكيم كآلية لتسوية المنازعات البنكية
تماشيا مع المتغيرات والمستجدات التي عرفها مجال التعاقد في الآونة الأخيرة أوجد المشرع المغربي إجراءات مسطرية تهدف إلى ضمان التوازن العقدي بين المؤسسة البنكية والمستهلك، وإقرار التبادل العادل للحقوق والالتزامات التي ترتبها التعرضات القانونية من أجل تجاوز الثغرات التي تشوب إبرام العقود البنكية، فالمشرع المغربي أوجد آلية الوساطة والتحكيم كوسيلتين وديتين لتسوية هذه النزاعات، وقد عرف المشرع التحكيم ” بأنه حل نزاع من لدن هيئة تحكيمية تتلقى من الأطراف مهمة الفصل في النزاع بناءا على اتفاق التحكيم”[9].
فالتحكيم هو نظام قانوني مواز للقضاء الرسمي في فض المنازعات البنكية، ويتصف التحكيم بأنه أسلوب متميز في تسوية المنازعات، بحيث يتم اختيار المحكمين فور إبرام العقد وقبل نشوء نزاع بشأنه، وذلك بإدراج شرط في العقد الأصلي بتسوية منازعاته عن طريق التحكيم أو بالتنصيص عليه في وثيقة مستقلة ملحقة بهذا العقد[10].
فاتفاق التحكيم يعتبر نقطة البداية في اللجوء إلى قواعد التحكيم والمحرك الأساسي المستند إليه عند نشوب النزاع بين المؤسسة البنكية والمستهلك.
وتجدر الإشارة إلى أن المشرع المغربي من خلال مقتضيات قانون حماية المستهلك لم ينص على إمكانية اعتماد التحكيم لحل نزاعات الاستهلاك، لكنه كذلك لم ينص على ما يمنع اللجوء إليها صراحة.
فنظام التحكيم يتيح أطراف النزاع -المستهلك والبنك- اختيار المحكمين ذوي الخبرة في المجال الذي يتصل النزاع به فالمحكم خلاف القاضي لا يلزم أن يكون رجل قانون، ويشير بعض الفقه[11]، إلى أن القضاة مهما تكن خبرتهم بالمسائل المالية والبنكية لا يمكن مقارنتهم بالمتخصصين بالميدان البنكي الذين أمضوا حياتهم في حقل التخصص أو في فرع معين من فروعه.
بالإضافة إلى ذلك فإن القانون الذي تطبعه هيئات التحكيم وهم الذين يحددون قبل أن ينشأ النزاع أو بعده القانون الواجب التطبيق، وبإمكانهم أن يختاروا قانونا أجنبيا عن جنسية الطرفين أو أحدهما[12]، بينما لا تملك المحاكم في الأصل سوى تطبيق القوانين التي تسري في البلد الذي تنتمي إليه، ولأن المعاملات البنكية تجري وفق نماذج عادة ما تقوم البنوك الكبيرة حول العالم بإصدارها وتلزم زبنائها بالتعامل على أساسها، فإنه من الملائم أن يخضع التحكيم للقانون الذي أصدرت بموجبه قواعد تلك النماذج ولا يتيح ذلك إلا اللجوء إلى التحكيم.
إذن يتضح أن التحكيم هو نظام بديل لتسوية النزاعات بين المؤسسة البنكية والمستهلك، الهدف منه عدم عرض النزاع على القضاة الذين تعنيهم الدولة للنظر فيه، وإنما يتم عرضه بشكل إرادي من قبل الأطراف على محكم أو عدة محكمين يباشرون نفس الأدوار التي يقوم بها القاضي ولكن بصورة خاصة، ويتمتع المحكم باختصاص الفصل في النزاع وإعطاء كل ذي حق حقه، دون أن تكون له سلطة الإجبار على الأطراف لتنفيذ قراراته، الذي يحمل صفة الحكم لأنه يصدر بناء على مقتضيات النصوص القانونية الجاري بها العمل، وبالتالي يصير قابلا للتنفيذ بعد استصدار أمر من المحكمة المختصة[13].
المبحث الثاني: خصوصيات الوسائل البديلة في حل المنازعات البنكية ومدى ملائمتها
إن أهمية الطرق البديلة لتسوية النزاعات بين المؤسسة البنكية، والمستهلك تنبع أساسا من الميزات التي تحظى بها بالمقارنة مع القضاء الرسمي، كونها تتسم بالسرية والمرونة والمجانية وتسعى إلى المحافظة على استمرارية العلاقات، وعليه سنقف عند أسباب عدم ملاءمة التحكيم كآلية لحل النزاعات البنكية (المطلب الأول). وعند الأهمية التي تحتلها الوساطة البنكية في حل النزاعات البنكية في (المطلب الثاني)
المطلب الأول: عدم ملاءمة التحكيم كآلية لتسوية النزاعات البنكية.
إن المشرع المغربي من خلال قانون حماية المستهلك لم ينص على إمكانية اللجوء إلى التحكيم في المنازعات بين المستهلك والبنك، لكنه بالمقابل لم يمنعها صراحة، غير أن هذا لا يمنعنا من إيجاد وسائل قانونية تحد من ولوج لمؤسسة التحكيم خصوصا في ظل انتشار شروط تعسفية، تجعل التحكيم الوسيلة الوحيدة لتسوية النزاع البنكي عند قيامه رغم ما يشوب هذه المؤسسة من سلبيات خاصة بالنسبة للنزاعات غير المتكافئة.
وعليه فإن عقد التحكيم كما عرفه المشرع المغربي فهو “الاتفاق الذي يلتزم فيه أطراف نزاع نشأ بينهم، يعرض هذا النزاع على هيئة تحكيمية[14] فهو بذلك يتيح الاختصاص للهيئة التحكيمية متى توفرت أركانه الموضوعية والشكلية، للبت في النزاع المعروض عليهما بغض النظر عن صفة الأطراف.
إن العمل بإجراءات التحكيم له فوائده المتميزة في حالة تحقيق غايته والتي تتمثل في التوفيق ما بين مصالحة المستهلك والمؤسسة البنكية، إلا أن التوصل إلى نتائج إيجابية من وراء التحكيم في النزاعات الناشئة بين البنك والمستهلك، رهين بتحديد شروطه مسبقا، وتوضيح أهدافه وغاياته، وتبسيط إجراءاته فالخطر يضل قائما على المستهلك نفسه عندما يبرم عقد التحكيم، فقد يخشى أن يقوم البنك باستغلال التحكيم لصالحه بشكل أو بآخر للتملص من التزاماته، إذ يقول نعم لعقد التحكيم، ولكن وفق قواعد أمره تراعي المصلحة المرعية في العملية الاستهلاكية، والتي تدور وجودا وعدما مع حماية المستهلك الطرف الضعيف[15]
أما شرط التحكيم كما هو مفهوم يقصد به الاتفاق الذي يلتزم فيه أطراف العقد بأن يعرضوا على المحكم النزاعات التي قد تنشأ عن العقد المذكور، فشرط التحكيم يدرج في العقد إلى جانب الشروط العقدية الأخرى إلا أنه ليس كباقي الشروط، لأنه يتعلق بالجهة التي يتم الاحتكام إليها لتسوية النزاع الذي يمكن أن ينشأ بين الأطراف، فهذه الخاصية التي يتميز بها شرط التحكيم عن باقي الشروط العقدية، جعلته محط اهتمام العديد من الفقهاء[16]، غير أن ما يؤاخذ على المشرع المغربي هو غياب نص قانوني يصرح بإبطال شرط التحكيم في النزاعات الناشئة بين المستهلك والبنك بالرغم من الخطورة التي يشكلها هذا الأخير-شرط التحكيم- على مصلحة المستهلك.
وما دام أن أغلب النزاعات في ميدان الاستهلاك تجمع بين طرف مهني والآخر مستهلك فهذا يجعل التحكيم باطلا، وإذا كان المشرع المغربي من وجهة نظر البعض لا يتوفر على وسيلة يحمي بها المستهلك ضد خطورة هذا الشرط ما دام أنه لم يسكت عن العقود المختلطة من المسائل التي يجوز التحكيم فيها، لكن الغاية من إحداث مؤسسة التحكيم هو تسوية النزاعات وخاصة التجارية[17]، منها التي تتسم بطابع التكافؤ النسبي بين أطراف العقد مما يسمح بالتفاوض حول بنوده من موقع واحد، وليس فرض أحد الأطراف بنوده على الآخر، كما هو الشأن في المعاملات البنكية، التي تتصف بالادعان وعدم التكافؤ إذ أن حاجة المستهلك إلى الخدمة أو المنتوج تدفعه إلى الرضوخ لمطالب المهني بإسناد الاختصاص إلى الهيئة التحكيمية، وعليه فإننا نذهب مع الاتجاه الذي يعتبر شرط التحكيم شرطا تعسفيا كونه يشكل إخلالا واضحا بين حقوق والتزامات المستهلك من خلال منعه من اللجوء إلى القضاء[18].
المطلب الثاني: أهمية الوساطة في تسوية المنازعات البنكية
لقد حاول المشرع المغربي من خلال قانون 05-08 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية أن يضمن هذا الأخير المبادئ الأساسية التي تحكم الوساطة أخذا بعين الاعتبار المضامين الدولية المستلهمة من التجارب المقارنة خاصة التجربة الانكلوسكسونية اللاتينية مع مراعاة خصوصية المجتمع المغربي ونظامه القانوني. والجدير بالذكر أن البنوك من وجهتها عللت تضمين الوساطة البنكية لمقتضيات تجد أساسها في المبادئ العامة التي جاء بها القانون 05-08 ولا تتعارض معها إلا أن الوساطة لها من الخصوصيات[19] ما يميزها عن الوساطة بصفة عامة.
وأمام غياب إطار قانوني خاص بالوساطة كآلية لتسوية النزاعات بين المؤسسة البنكية والمستهلك في قانون 31.08 الخاص بتدابير حماية المستهلك.
سنحاول في هذا المحور أن نبرز هذه الآلية لنعالج أهم مظهر لها والتي أحدثت خصيصا لمعالجة نزاعات المستهلكين والمهنيين، إنها الوساطة البنكية، فقد اختار المشرع المغربي إحداث مؤسسة الوساطة البنكية، من أجل معالجة بعض المشاكل التي تثار بين المستهلك ومؤسسة بنكية وهي آلية تعتبر ملاذا لزبناء المؤسسات البنكية الذين يشكون من عدم احترام هذه المؤسسات لالتزاماتها والتي تحتاج في بعض الأحيان لسلوك مساطر قضائية.
وعليه يلاحظ أن الوساطة آلية لتحسن من وضعية المستهلك عوض اللجوء إلى القضاء الذي يعرف بطول مسطرته وتكلفته الباهضة[20]، أضف إلى ذلك أن هذه الأخيرة تتميز بالاختيارية، حيث بالرجوع إلى الفصل 55 من قانون 05-08 والفصل 327 من قانون المسطرة المدينة نجده ينص على مبدأ صريح يتجلى في توافق الأطراف على تعيين وسيط، ليكرس مبدأ الاتفاق في الاختيار بعيدا عن انفراد أحد الأطراف باختيار الجهة التي تقوم بدور الوساطة، وعليه نجد أن الوساطة توفر فرصا أكبر في الاختيار على العكس من القضاء الرسمي، حيث لا سلطة للأطراف في تعيين القاضي[21].
وبالرجوع إلى الفصل 65 من قانون 05- 08 نجده يعط للأطراف الحق في تحديد مدة مهمة الوسيط دون أن تتجاوز 3 أشهر مع إمكانية التمديد باتفاقهم، وتحديد هذه المدة وتمديدها يكرس حق المستهلك في اختيار المدة التي يراها ملائمة بالنسبة له في حل النزاع خصوصا إذا كان غير مقيم في البلد سائحا مثلا.
وتكتسي –الوساطة- لفض النزاعات بين المستهلك والمؤسسة البنكية أهمية بالغة، بحيث تعد عملية مفيدة لطرفي النزاع لتميزها بمجموعة من الخصائص والمميزات التي تميزها عن غيرها من الوسائل البديلة لحل النزاعات.
فالوساطة تضمن لمن اختارها سرعة البت في النزاعات وتفادي معضلة البطء التي تلازم الدعوى القضائية، كما تمكن من تأمين المصارف المختلفة واختزال الجهد، وتضمن مشاركة الأطراف في صنع الحل الودي للنزاع،[22] وبالتالي تجنبهم صدمات الأحكام والقرارات القضائية.
بصفة عامة تساهم في استقرار العلاقات بين الأطراف على اعتبار أن غالبية النزاعات بين المستهلكين والمؤسسات البنكية نزاعات بسيطة يمكن حلها دون اللجوء إلى القضاء.
الخاتمة :
في ختام هذه الدراسة يتضح أن من الأهداف الأساسية التي يقوم عليها قانون حماية المستهلك هو تصحيح العلاقة اللامتوازية بين المهني والمستهلك من خلال تعزيز الحماية المخولة للمستهلك باعتباره الحلقة الأضعف في النزاع البنكي، ومما لا شك فيه أن تحقيق هذه الأهداف يقتضي بالضرورة وجود نصوص قانونية واضحة وكافية، تعيد للعلاقة التعاقدية مكانتها، وتسمح للمستهلك الطرف الضعيف برفع دعوى قضائية، أو تسوية النزاع بطرق ودية قد تلائم في خصوصياتها مع النزاعات بين المؤسسة البنكية والمستهلك، وقد تتنافى طبيعتها مع الطابع الجنائي الذي يوفر قانون حماية المستهلك للطرف الضعيف في هذه العلاقة.
لكن تبقى الوساطة كآلية إحدى أهم الوسائل البديلة لتسوية النزاعات بين المؤسسات البنكية وزبنائها-المستهلك- فهي بمثابة الطريق الأمثل لإيجاد حل توافقي بين المستهلك والمؤسسة البنكية بما يخدم مصالح كل طرف خصوصا المستهلك.
إن كل ما قلناه يفرض النهوض بهذه التجربة، على اعتبار أن الوساطة البنكية أصبحت ضرورة ملحة في مجال المعاملات البنكية، وبالتالي إغناء هذه التجربة المتميزة.
وانطلاقا منه سنحاول إبداء بعض الاقتراحات رغبة في النهوض بهذه التجربة وتطوير أدائها.
- النص على إلزامية الوساطة البنكية.
- التزام المؤسسات البنكية بتعيين وسيط أو أكثر.
- ضرورة تمثيل الزبون على مستوى اللجنة المكلفة بالوساطة البنكية.
- التعريف بتجربة الوساطة البنكية وحتى الإعلام بها.
[1] – محمد سلام: مداخلته في الندوة العلمية المنظمة من طرق كلية الحقوق بقاس وبشراكة مع وزارة العدل وهيئة المحامين
بفاس يومي 3 و4 أبريل 2003 عدد 2، من منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية، دار القلم الرباط.
[2] – القانون رقم 05-08 القاضي بنسخ وتعويض الباب الثامن من القسم الخامس من قانون المسطرة المدنية،…..الظهير الشريف رقم 1.07.160، الصادر في 19 من ذي القعدة 1428، (30 نونبر 2007)، الجريدة الرسمية عدد 5548، ص 389 بتاريخ 6 دجنبر 2007.
[3] – القصل الخامس من ميثاق الوساطة البنكية.
[4] – الفصل الخامس من ميثاق الوساطة البنكية.
[5] – الفصل 15 من ميثاق الوساطة البنكية.
[6] – كرين سميـر محمد علي جعبـري: ” الفوائد البنكيـة ما بين التنظيم القانوني وحماية المستهلك.” رسالة لنيل الماستر في
القانون الخاص، وحدة قانون الأعمال والمقاولات، كلية العلوم القانونية والاقتصادية السويسي / الرباط يناير 2011. ص96،97.
[7] – الفصل 15 من ميثاق الوساطة البنكية.
[8] – المادة 29 م وب.
[9] – المادة 306 م وب.
[10] – نور الدين الرحالي:” التطبيقات العملية الحديثة في قضايا الاستهلاك”، مكتبة الرشاد، سطات الطبعة الأولى، 2014، ص196.
[11] – الأطراف يختارون المحكمين ممن لهم خبرة في مجال النشاط الذي يتعلق به النزاع، أما القاضي في محاكم الدولة وإن كان فقيها في القانون إلا أنه يكون قليل الخبرة بموضوع النزاع، الأمر الذي يحتم عليه أن يستعين بخبير يرشده ويستعين به في إيضاح ما خفي عليه.
[12] – قرار محكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء عدد 505/2003 والصادر بتاريخ 04/08/2003 (غير منشور).
[13] – المهدي العزوزي: “تسوية نزاعات الاستهلاك”. مطبعة المعارف العديدة (CTP). الرباط، الطبعة الأولى 2013، ص 78.
[14] – المادة 314 من قانون المسطرة المدنية.
[15] – المهدي العزوزي: ” تسوية النزاعات الاستهلاك”، مطبعة المعارف الجديدة (CTP) الرباط، الطبعة الأولى، 2013. ص 80.
[16] – أحمد الكويسي: نطاق التحكيم من حيث الأشخاص، ندوة الطرق البديلة لتسوية المنازعات، بفاس، منشورات جمعية نشر
المعلومات القانونية والقضائية، الطبعة الأولى: العدد 2. 2004، ص 151.
[17] – عز الدين بنشي: بعض تجليات التسوية الودية في المادة التجارية، ندوة الطرق البديلة لتسوية المنازعات بفاس، يوم 2003/05/5، منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية. ع 2، 2004.
[18] – المهدي العزوزي. م. س. ص 82.
[19] – زينبة بونجة: ميثاق الوساطة البنكية على ضوء قانون 05-08، رسالة الماستر. كلية العلوم القانونية الرباط، السويسي. الجامعية 2008-2009، ص 41.
[20] – رقية بورقين: مدى إمكانية تطبيق نظام الوساطة بالمغرب، مجلة المرافعة، عدد مزدوج 14، 15، دجنبر 2004، ص 16.
[21]– Mohamed quzeroual, comment choisir un médiateur ? les cratères. Clés a prendre en compte dans le choix d’un médiateur revue marocaine de médiation et d’arbitrage N° 42 eme édition, 2009 p 118.
[22] – لحسن بيهمي: “الوساطة الاتفاقية في ضوء مشروع قانون 08-05 مقال منشور بمجلة –الواحة- القانونية العدد 3 السنة 5/ 259 ص.


