إشكالات التبليغ بين الواقع والمأمول

في قانون المسطرة المدنية

إبراهيم وهبور

طالب باحث بماستر القانون المدني والتجاري بكلية الحقوق عين الشق بالدار البيضاء

الملخص:

يعتبر قانون المسطرة المدنية كفرع من فروع القانون المغربي قانونا إجرائيا يتمثل في مجموعة من المساطر والشكليات التي يجب اتباعها لاقتضاء الحقوق، تبتدئ باللجوء إلى القضاء وتنتهي بإصدار الحكم وتنفيذه، والذي يضم مجموعة من المؤسسات ذات أهمية قصوى تساهم في تتبع الخصومة وتكريس حق الدفاع المكفول دستوريا، نجد على رأسها مؤسسة التبليغ كألية مسطريه تكرس حماية المتقاضين وتضمن السير العادي للدعوى بتفعيل واحترام كل مقتضياتها القانونية.

ويعتبر التبليغ إجراء جوهريا في المساطر القضائية، إذ به يتم إعلام الغير بوجود منازعة قائمة ضده، فيكون ذلك سببا في تهيئ وسائل دفاعه. كما أنه من خلاله تبتدئ الآجال المحددة للطعن في الأحكام، لذلك سنتحدث في هذا المقال العلمي عن المرتكزات القانونية لهذه المؤسسة، ومدى تكريسها للأمن القضائي وضمان حقوق المتقاضين.

Summary

The civil rule law as a branch of Moroccan law is considered a procedural law represented in a set of procedures and formalities that must be followed in order to require rights, beginning with resorting to the judiciary and ending with the issuance and implementation of the judgment, which includes a group of institutions of utmost importance that contribute to tracking litigation and establishing the constitutionally guaranteed right of defense, At its head, we find the Institution as an established mechanism devoted to the protection of litigants and ensures the normal course of the case by activating and respecting all its legal requirements.

Reporting is considered an essential procedure in the judicial procedures, as it informs others of the existence of an ongoing dispute against him, and this is a reason for preparing his defense means. Also, through it, the deadlines set for challenging judgments begin. Therefore, we will talk in this scientific article about the legal foundations of this institution, and the extent of its devotion to judicial security and ensuring the rights of litigants.

إذا كانت القواعد القانونية الموضوعية تتجلى في تحديد حقوق والتزامات الأطراف، فإن هذه القوانين تظل في حالة سكون دون تحقيق الغاية المرجوة منها، ما لم تتصل بالقواعد القانونية الإجرائية التي تجعلها في حالة حركة لتصل الحقوق لأصحابها وتفعيل الالتزامات.

ويعتبر قانون المسطرة المدنية ([473])كفرع من فروع القانون المغربي قانونا إجرائيا يتمثل في مجموعة من المساطر والشكليات التي يجب اتباعها لاقتضاء الحقوق، تبتدئ باللجوء إلى القضاء وتنتهي بإصدار الحكم وتنفيذه، والذي يضم مجموعة من المؤسسات ذات أهمية قصوى تساهم في تتبع الخصومة وتكريس حق الدفاع المكفول دستوريا ([474])، نجد على رأسها مؤسسة التبليغ كألية مسطريه تكرس حماية المتقاضين وتضمن السير العادي للدعوى بتفعيل واحترام كل مقتضياتها القانونية.

ويعد التبليغ من أهم إجراءات الدعوى التي تنظمها قوانين المسطرة المدنية ويمثل أهم الأسس الأساسية لحقوق الدفاع، حيث لم يحظ بأي تعريف في التشريع المغربي، فحسنا فعل المشرع كون مسألة التعاريف من اختصاص الفقه والقضاء من جهة، وحتى لا يحصر مفهوم التبليغ في نطاق معين لا ينسجم مع ما أبانت عليه التطورات التكنولوجيا ووسائل الاتصال الحديثة من جهة أخرى.

والتبليغ لغة: من بلغ يبلغ تبليغا، أي الإخبار أو الإعلام بإجراء معين وفق القانون ([475])، وفي اصطلاح الفقه القانوني: إعلان عن إجراء قضائي أو قانوني معين ومرتبط بأجل وصادر عن جهة قضائية، الهدف منه إبلاغ شخص بما يتخذ من إجراءات قانونية تتوخى الحصول على حق أو فقدانه أو حمايته ([476])، أو بمعنى آخر إشعار الشخص بما يتخذ في مواجهته أو لصالحه من إجراءات بواسطة الاستدعاء من طرف الجهات المخول لها قانونا القيام بعملية التبليغ حتى تتسنى له الفرصة في إبداء رأيه والإدلاء بالحجج والمستندات التي تدعمه. إذ يتجلى دور هذه المؤسسة في تحقيق سرعة العدالة أو بطئها، فلا يمكن صدور الحكم القضائي في أجل معقول دون فعالية إجراءات التبليغ؛ بل إن هذا الأخير تعتبر نقطة انطلاق آجال الطعون في الأحكام والقرارات؛ لذلك تبقى هذه المؤسسة هي الروح النابض لقياس سرعة العدالة في بلد ما ([477]).

وقد دلت على مشروعية التبليغ وأصوله كثير من النصوص العامة التي جاء بها القران الكريم، وجسدها أشرف المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم في تأدية الأمانة وتبليغ الرسالة، حيث تهدف هذه النصوص إلى تحقيق العدل والمساواة بين الناس في مختلف الشرائع السماوية بقوله تعالى في محكم التنزيل: (مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) ([478]).

ومما لا شك فيه أن إشكالية البطء في تصفية المنازعات القضائية وكثرة الملفات في محاكمنا المغربية ترجع أسبابه إلى إشكالات مرتبطة بالأساس بمؤسسة التبليغ من حيث تنزيل مقتضياتها على أرض الواقع العملي، هذه الإشكالات تعرقل سير المسطرة القضائية سواء بطول الآجل أو بطلان التبليغ عند عدم احترام إجراءاته، ناهيك عن تأثيرها على مناخ الأعمال والاستثمار، وبالرغم من أن المشرع المغربي كرس جهدا في وضع تعديلات على مستوى الضوابط المؤطرة لهذه المؤسسة بمقتضى القانون رقم 11. 33 الصادر في أغسطس 2011 من أجل تجاوز العوائق والصعوبات الواقعية والقانونية التي تعيقها، بالإضافة إلى إحداث هيئة مختصة في التبليغ والتنفيذ لتسريع الإجراءات، فإن هذا الموضوع ما زال يطرح نفسه بإلحاح في الساحة القضائية من خلال جملة من الإشكالات التي يثيرها، منها ما هو مرتبط بالتعديل في بعض الفصول، ومنها ما هو مرتبط بالجهة المكلفة بالتبليغ والجهة المبلغ إليها، بالإضافة إلى الإشكالات المتربطة بهذه المؤسسة من حيث الزمان والمكان، لذا سنحاول دراسة الإشكالات التي يطرحها التبليغ بين الواقع والمأمول في ظل مشاريع القوانين وفقا للتصميم التالي:

المبحث الأول: واقع مسطرة التبليغ وأثره على حقوق المتقاضين.

المطلب الأول: نجاعة طرق التبليغ في تكريس حق الدفاع.

المطلب الثاني: مظاهر الخلل في مسطرة التبليغ وأثرها على سير العدالة.

المبحث الثاني: المأمول من إجراءات التبليغ في تعزيز حكامة التقاضي.

المطلب الأول: أفاق التبليغ على ضوء مسودة مشروع قانون المسطرة المدنية.

المطلب الثاني: التبليغ الإلكتروني كخيار بديل.

المبحث الأول: واقع مسطرة التبليغ وأثره على حقوق المتقاضين.

مما لا شك فيه أن خرق مسطرة التبليغ سيؤدي إلى شل سيرورة باقي المؤسسات الأخرى المرتبطة بها، ذلك أن عدم احترام الشكليات المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية يؤدي إلى بطلان إجراء التبليغ وجميع الإجراءات الأخرى المترتبة عنه، على اعتبار أن أغلب الأحكام والقرارات والأوامر الصادرة يبدأ احتساب أجل الطعن فيها من تاريخ التبليغ، وفي ذلك حماية لحقوق المتقاضيين والحرص على تجسيد لمبدأ التواجهية وتكريس حق الدفاع الذي يعطي الفرصة للمدعى عليه في مواجهة مدعيه تجاه الحق محل النزاع، وبالتالي فإن نجاعة التبليغ في تحقيق الغاية المرجوة منها رهين بالطرق المعتمدة ومدى حنكة الجهة المكلفة به بالسهر على إتمام هذه العملية وفقا للضوابط القانونية وملء مرجوعه التبليغ وفقا للشكل المتطلب (المطلب الأول)، إلا أنه بالرغم من احترام هذه الإجراءات فإن مسطرة التبليغ في بعض الأحيان تعترضها صعوبات مادية أو قانونية تؤدي إلى طول أجل التبليغ، بل والاستغناء عنها في بعض الحالات لجوء إلى طرق بديلة يطرح في شأنها أكثر من استفهام حول حماية حقوق الأطراف (المطلب الثاني).

المطلب الأول: نجاعة طرق التبليغ في تكريس حق الدفاع.

نظرا للدور الأساسي الذي يلعبه التبليغ في تحقيق سرعة العدالة وتكريس الحكامة القضائية، فقد حدد المشرع المغربي الطرق العامة للتبليغ وفقا للفصول 37 و38 و39 من ق.م.م، وحث على وجوبية تبليغ شخاص المعنية حتى تتسنى لهم فرصة تهيئ دفاعهم وإعداد حججهم لمواجهة الخصم إذا تعلق الأمر باستدعاء لافتتاح الخصومة، أو التظلم أمام محكمة أعلى درجة بالطعن إذا تعلق الأمر بالأحكام، وباستقراء مقتضيات المادة 37 من ق.م.م يتضح أن هذه الطرق تنقسم إلى طرق قضائية وغير قضائية، وهي على سبيل الاختيار باستعمال المشرع لعبارة أو، وذلك دون وجوب لاتباع تراتبية معينة، وقد أبان الواقع العملي أن هذه الطرق تعتريها عدة إكراهات تؤدي في بعض الأحيان إلى خرق مسطرة وشكلية التبليغ مما يؤثر سلبا على حقوق المتقاضين.

الفقرة الأولى: إكراهات الطرق القضائية.

تتمثل هذه الطرق في التبليغ بواسطة أعوان كتابة الضبط، وتتصنف بالقضائية كونها تابعة لمنظومة العدالة وداخل أسوار المحكمة المعروض عليها النزاع (أولا)، وكذا التبليغ بواسطة المفوضين القضائيين كجهاز حديث مساعد للقضاء (ثانيا).

أولا: التبليغ بواسطة أعوان كتابة الضبط.

مما لا شك فيه أن أعوان كتابة الضبط تابعة لمصلحة الضبط في الشق الإداري للجناح الرئاسي للمحكمة المعروض عليها النزاع، ينتمون إلى قسم التبليغات وهذا ما يؤهلهم أكثر لمباشرة هذه المهمة المحفوفة بالمشاكل والصعوبات ([479])، إذ تعتبر مهمة التبليغ اختصاص أصيل لها في المادة المدنية وفقا للفصل 37، إلا أنه منذ إحداث هيئة المفوضين القضائيين أصبحت مهمة هذا الجهاز تتراجع تدريجيا نظرا لما تثيره من مشاكل عدة على رأسها البطء نتيجة قلة الموارد البشرية حيث نجد في بعض المحاكم عون واحد رغم شساعة النفود الترابي التابع للمحكمة، وصعوبة التنقل لعدم وفرة الوسائل اللوجستيكية (الدرجات النارية)، بالإضافة إلى عدم تأهيليها لملء شواهد التسليم بالطريقة المتطلبة قانونا، مما يعرض مجموعة من التبليغات للطعون ببطلانها أو طلب إعادتها تلقائيا من طرف المحكمة، وهذا ما أكدته محكمة النقض في قرار صادر عنها نص على أنه: “بناء على الفصل 39 من ق.م.م الذي ينص على وجوب بيان من سلم له الاستدعاء ليكون التبليغ قانونيا. وبناء على أن عدم التنصيص على ذلك من طرف عون التبليغ يجعل التبليغ عديم الأثر وأن الحكم القاضي باعتباره يكون معرضا للنقض” ([480])، فكل هذه الإكراهات تؤثر على سيرورة النزاع ليبلغ منتهاه لاكتساب الحقوق، بل تؤدي إلى ضياع حقوق أخرى مترتبة عنها (تفويت الفرص).

ثانيا: التبليغ بواسطة جهاز المفوضين القضائيين.

رغبة من المشرع في تطوير مهنة الأعوان القضائيين المنظمة بموجب القانون 80. 41 والارتقاء بهذه المؤسسة وتجاوز السلبيات التي أفرزها التطبيق العملي لمقتضيات القانون المحدث لهيئة الأعوان القضائيين فقد عمل بتاريخ 14 فبراير 2006 على إصدار الظهير الشريف رقم 23. 06. 1 بتنفيذ القانون رقم 03. 81 بتنظيم مهنة المفوضين القضائيين والذي غيرت بموجبه تسمية الأعوان القضائيين بالمفوضين القضائيين ونصت على أن المفوض القضائي مساعد للقضاء يمارس مهنة حرة وفقا حكام القانون والنصوص التطبيقية المنظمة ([481])، كما اشترط لولوج مهنة المفوضين القضائيين النجاح في اجتياز مباراة تفتح في وجه الحاصلين على شهادة الإجازة في الحقوق أو ما يعادلها أو على شهادة الإجازة في الشريعة الإسلامية والخضوع لفترة تكوين نظري وتطبيقي وميداني والنجاح في اختبار نهاية التكوين.

وقد أوكل المشرع وفقا للمادة 15 من القانون المنظم لهذه الهيئة اختصاصات ذات الصلة بتسريع العدالة، تتجلى في القيام بعمليات التبليغ والإجراءات ذات الصلة به من تنفيذ الأوامر والأحكام والقرارات وكذا كل العقود والسندات التي لها قوة تنفيذية باستثناء إجراءات التنفيذ المتعلقة بإفراغ المحلات والبيوعات العقارية وبيع السفن والطائرات والأصول التجارية، وتسليم استدعاءات التقاضي ضمن الشروط المقررة في قانون المسطرة المدنية وغيرها من القوانين الخاصة، والقيام بتبليغ الإنذارات بطلب من المعني بالأمر مباشرة ما لم ينص القانون على طرق أخرى للتبليغ، وجل حرص المفوضين القضائيين بالقيام بالمهام المنوطة بهم وفقا للضوابط القانونية، فقد أخضعهم المشرع إلى رقابة ثلاثية تتمثل في رئيس المحكمة التي يمارس المفوض القضائي بدائرتها ووكيل الملك لديها وأعوان الإدارة الجبائية، بالإضافة إلى رقابة غير مباشرة تمارسها الهيئة الوطنية للمفوضين القضائيين ([482]).

كما عزز المشرع من مكانة هذا الجهاز، وذلك بجعله الطريقة الوحيدة للتبليغ في المجال التجاري حسب المادة 15 من القانون أحداث المحاكم التجارية 95. 53 ([483])، كما أن مسودة مشروع المسطرة المدنية يحتل فيه هذا الجهاز المرتبة الأولى في المادة 37، إلا انه بالرغم من ذلك فطريقة التبليغ بواسطة المفوضين القضائيين لا تخلوا من الإشكاليات والمعوقات أبان عنها الواقع العملي وتحول دون قيام هذا الجهاز بالمهام المنوطة به على الوجه المطلوب، وتتمثل هذه الإشكالات في عدم البحث والتحري عن المطلوب التبليغ اليهم والاستعانة بمساعدين غير مؤهلين للقيام بالإجراءات المطلوبة والتهاون والتماطل ناهيك عن شساعة نفود المحاكم واحتوائها لعدد كبير من القرى البعيدة، بالإضافة إلى غياب تأطير أكاديمي بتنظيم دورات تكونية للتأهيل المهني ([484]).

ونرى من وجهة نظرنا أن مهنة المفوضين القضائيين بالرغم من الاهتمام التي حظيت به في مؤسسة التبليغ بالتشريع المغربي فهي مهنة مهددة بالموت في أفاق ما تفرضه الثورة المعلوماتية الناتجة عن التطور التكنولوجي ووسائل الاتصال الحديثة، التي اتضحت بوادرها في تعديل قانون الالتزامات والعقود بموجب القانون 05. 53 ([485])، وكذا تبني التبليغ الإلكتروني في مسودة مشروع قانون المسطرة المدنية وكذلك في مسودة مشروع استعمال الوسائط الإلكترونية جل التقاضي الإلكتروني.

الفقرة الثانية: إكراهات الطرق الغير القضائية.

إن الطرق الغير القضائية هي تلك التي لا تكون تابعة للجهاز القضائي ولا تمارس عليها الرقابة من جهته ويتعلق الأمر بالتبليغ بالبريد المضمون كألية يتكلف بها بريد المغرب (أولا) والتبليغ بواسطة السلطة الإدارية (ثانيا).

أولا: التبليغ بواسطة البريد المضمون مع الإشعار بالتوصل.

لقد نص الفصل 39 من ق.م.م في فقرته الثانية والثالثة على انه إذا تعذر على عون كتابة الضبط والسلطة الإدارية تسليم الاستدعاء لعدم العثور على الطرف المعني أو أي شخص في موطنه أو محل إقامته أشار إلى ذلك بشهادة التسليم التي ترجع إلى كتابة ضبط المحكمة المصدرة للاستدعاء. وحينئذ توجه كتابة الضبط الاستدعاء بالبريد المضمون مع الإشعار بالتوصل. وهي وسيلة ثانوية يتم اللجوء إليها في الحالة التي يتعذر فيها التبليغ بالطرق السالفة، ويحل الإشعار بالتوصل المرفق بالرسالة البريدية محل شهادة التسليم المرجوعة إلى المحكمة من اجل التأكد من سلامة التبليغ، ويسري احتساب الآجال من تاريخ التوصل، إلا أن هذه الوسيلة تثير ما تثيره من إشكالات تتجلى في حالة عدم سحب أو عدم قبول الاستدعاء من طرف المعني بالأمر، ويرجع الإشعار بعبارات غير مطلوب. مما يثير تساؤل حول الأثار المترتبة عن هذه الحالة؟ هل يمكن اعتبارها محل رفض لتسري عليها الأثار التبليغ الصحيح بعد انصرم عشرة أيام من تاريخ الرفض؟ أم أن التبليغ يعتبر باطلا !!!

وما يزيد من صعوبة هذه النقطة هو موقف القضاء المغربي، حيث عرف تدبدبا كبيرا، فمن موقف متشدد مع المرسل إليه الذي يترك الإشعار بالسحب في الصندوق البريدي، إلى موقف يميز بين حالتي “غير مطلوب” و” غير مقبول” مرتبا على كل منهما أثارا مختلفة، إلى موقف يتمثل في ترك محكمة النقض السلطة التقديرية لقضاة الموضوع من أجل استخلاص رفض التوصل بالرسالة البريدية من ظروف وموقف المرسل إليه ([486]). وجدير بالذكر أن الحالة التي يتم فيها اعتبار عدم السحب بمثابة بطلان التبليغ يتم اللجوء إلى مسطرة القيم وفقا للمادة 39من ق.م.م.

ثانيا: التبليغ بالطرق الإدارية.

إن للتبليغ الإداري صورتان سواء أن يتم داخل النفوذ الترابي للمملكة ويسمى بالتبليغ الداخلي، أو أن يتم على المستوى الدولي ويسمى بالتبليغ الديبلوماسي.

  • التبليغ الإداري الداخلي: لقد أشار المشرع في الفصل 37 من ق.م.م على الطريقة الإدارية دون تحديد الأشخاص المعنية بالتبليغ، إلا أن المتعارف عليه عمليا أن التبليغ يتم إما بواسطة رجال الدرك الملكي والشرطة أو أعوان سلطة الداخلية من شيوخ ومقدمين، ونظرا لكون اختصاصهم لا يمت بصلة للتبليغ مما يؤدي في غالب الأحوال إلى طول الآجل، بل سبب من أسباب بطء الإجراءات ناهيك عن ضياع حقوق المتقاضين، نتيجة الإهمال والأمية وانعدام التكوين في هذا المجال وعدم الإلمام بالضوابط المؤطرة للتبليغ خاصة في صفوف الشيوخ والمقدمين في المجال القروي الذي تكون تبليغاتهم محل الطعون والشكوك، وإن كانت هذه الإشكالات في واقع الأمر بديهية، كون المسألة تتعلق بانعدام الاختصاص بالإضافة إلى غياب نص قانوني يخول للجهة القضائية فرض السلطة والرقابة على هذه الجهة وترتيب المسؤولية.
  • التبليغ الديبلوماسي: قد يصادف أن الشخص المعني بالتبليغ يقيم خارج النفود الترابي للمملكة، فان التبليغ له يكون بواسطة السلم الإداري بالطريقة الديبلوماسية أو بواسطة البريد المضمون إلا في الحالة التي تنص الاتفاقيات الدولية على خلاف ذلك ([487])، وتختص وزارة الخارجية والسفارات والقنصليات بالقيام بهذا النوع من التبليغ بطلب من النيابة العامة إلى وزير العدل، فهذه الوسيلة يطغى عليها طابع البطء لكثرة الأجهزة المتدخلة في السلم الإداري، مما يودي إلى طول الأجل وفق ما هو مبين في الفصل 40 ق.م.م ([488]).

نخلص القول إن الطرق المشار إليها وفق المادة 37 أصبحت طرق تقليدية وإن كان بعضها يفي بالمطلوب، فليس بالنجاعة المتطلبة في تسريع إجراءات التقاضي وتوفير مناخ للأعمال لجلب الاستثمارات الخارجية، بل أيضا لا تساير عصرنة الإدارة القضائية التي تسعى إليها الدولة المغربية المتمثلة في إرساء المحاكم الرقمية وتوفير الأنظمة المعلوماتية الأمنة وحوسبة الإجراءات القانونية كالتبليغ بالبريد الإلكتروني. إذ أصبح هذا الأخير أداة فعالة في التواصل وإبرام العقود عن بعد خاصة في مجال التجارة، موفرا السرعة كأحد المبادئ الأساسية لها.

المطلب الثاني: مظاهر الخلل في مسطرة التبليغ وانعكاسه على سير العدالة.

أن هاجس التشريع الإجرائي بالمغرب كان وما يزال يسعى إلى التوفيق بين تكريس حقوق المتقاضين وبين سرعة التقاضي، بما ينعكس إيجابا على المنظومة القضائية عموما ويبعث روح الثقة في أنفس المتقاضين، إلا أن بعض المقتضيات القانونية قد دأب فيها المشرع إلى تغليب كفة سير مسطرة التقاضي على حقوق المتقاضين (الفقرة الأولى)، كما أن الواقع العملي أبان عن وجود اختلال في التنزيل السليم لمسطرة الأساسية تكرس حق الدفاع (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: ترجيح سرعة العدالة على حقوق المتقاضين.

أيا كانت الطريقة المتبعة في التبليغ، فلا يعتبر هذا الأخير صحيحا ومنتجا لأثره إلا إذا تم تبليغه للأشخاص المعنية به، فقد نص الفصل 38 من ق.م.م في الفقرة الأولى والثانية أن: “يسلم الاستدعاء والوثائق إلى الشخص نفسه أو في موطنه أو في محل عمله أو في أي مكان آخر يوجد فيه، ويجوز أن يتم التسليم في الموطن المختار، يعتبر محل الإقامة موطنا بالنسبة لمن لا موطن له بالمغرب” ([489])، والملاحظ من خلال هذا الفصل انه إذا كان المطلوب تبليغه شخصا طبيعيا، يقوم المكلف بالتبليغ بتسليمه الاستدعاء أو الوثائق عموما بشكل شخصي شريطة التعرف عليه سواء في موطنه أو في أي مكان أخر يوجد به؛ كالشارع أو في المقهى أو في مقر العمل أو غيرهما، فالمشرع في التبليغ الشخصي وإن رعا فيه العلم اليقيني بحصوص حصول واقعة التبليغ فإنه لم يكترث لحقوق المتقاضي بتحديد الزمن الذي يجب أن يتم فيه، وبهذا يكون المشرع قد ترك المجال مفتوحا لعون التبليغ من باب تسريع الإجراءات على حساب حق المتقاضي حتى يتمكن من القيام بهذه المهمة بالشكل المناسب لكل حالة على حدا ولو خارج أوقات العمل، فلا يتبقى أمام المبلغ إليه إلا الطعن ببطلان إجراء التبليغ في حالة وجود ضرر الذي يخضع للسطلة التقديرية لمحكمة الموضوع.

وإذا كان التبليغ الشخصي لا يثير أي إشكال، فإن المشرع أيضا نص على إمكانية التبليغ في الموطن بناءا على الفصل 38 من ق.م.م، فهو ذاك المكان الذي يتخذه الشخص محلا لسكناه العادي ومركز أعماله ومصالحه، وإذا كان له موطن بمحل ومركز أعماله بمحل آخر اعتبر مستوطنا بالنسبة لحقوقه العائلية وأمواله الشخصية بمحل سكناه العادي وبالنسبة لحقوقه الراجعة لنشاطه المهني بالمحل الذي يوجد به مركز أعماله ومصالحه دون أن يتعرض للبطلان أي إجراء سلم لهذا العنوان أو ذلك ([490]). إلا أن هذا الفصل فيما يخص الموطن يطرح عدة إشكالات تتجلى في متي يتم التبليغ في الموطن؟ ومن لهم الصفة بالتوصل نيابة عن الشخص المطلوب تبليغه؟

ويستفاد من تحليل الفصل 38 من ق.م.م أن التبليغ الذي يتم في موطن المراد تبليغه يعتبر صحيحا ومنتجا لأثره بغض النظر عن تواجده فيه، كون المشرع لم يشترط صراحة على المكلف بالتبليغ التأكد من تواجد الشخص بموطنه قبل تبليغه، وهذا ما سار عليه القضاء المغربي بمقتضى قرار صادر عن محكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء، “حينما اعتبرت أنه ما دام التبليغ تم للمستأنف شخصيا في محل سكناه، لذلك لا يجوز له التمسك بعدم التوصل لأن عون التبليغ غير مطالب بالتحقق من هويته…” ([491])، مما يكون معه التشريع والقضاء قد تبنوا العلم الافتراضي في حصول واقعة التبليغ متى تم ذلك في موطن المعني بغض النظر عن صفة وصلة وعلاقة المتسلم بالشخص المعني بالأمر، فالمشرع في تبنيه للعلم الافتراضي وتنزيله منزلة العلم اليقيني متى كان التبليغ في الموطن يكون قد رجح سرعة العدالة المتمثلة في سير مسطرة التقاضي على حقوق المتقاضي مما قد يؤدي إلى إفراغ حق الدفاع المكفول دستوريا من محتواه.

كما أن المشرع في الفصل 38 من ق.م.م لم يحدد من لهم الصفة بالتوصل بالاستدعاء نيابة عن الشخص المطلوب تبليغه بموطنه، عكس المقتضيات القانونية الملغاة التي كانت تحددهم في الأقارب والخدم وأي شخص يسكن معه. وهو موقف غريب وغير مفهوم وقد خالف في هذا المجال كل التشريعات العربية واللاتينية ([492])، وهو بذلك خلق فراغا تشريعيا لا ينسجم والبتة مع مقتضيات الفقرتين الرابعة والخامسة من الفصل 39 من ق.م.م، إذ تنصان على أنه “إذا رفض الطرف أو الشخص الذي له الصفة، تسلم الاستدعاء أشير إلى ذلك في الشهادة. ويعتبر الاستدعاء مسلما تسليما صحيحا في اليوم العاشر الموالي للرفض الصادر من الطرف أو الشخص الذي له الصفة في تسلم الاستدعاء”، فمن هم إذن الأشخاص الذين لهم الصفة في تسلم الاستدعاءات والوثائق عموما نيابة عن الشخص المطلوب تبليغه بموطنه؟!!

كما يلاحظ من مضمون الفصل 38 من ق.م.م أن التبليغ في الموطن يعد صحيحا أيا كان المتسلم ولو كان فاقدا الأهلية، وهذا ما سار عليه القضاء المغربي في مجموعة من القرارات ([493])، وبالرجوع إلى الفصل 521 من ق.م.م نجده ينص على أن الموطن القانوني لفاقد الأهلية هو موطن حاجره، مما يدل على أن فاقد الأهلية غير مؤهل لا لتسليم الاستدعاء ولا التقاضي عموما، وما يثير انتباهنا في هذا الشأن هو تناقض المشرع المغربي فيما يخص التبليغ لعديمي الأهلية في كل من الفصل 521 و38 من ق.م.م، حيث يعتبر التبليغ لعديم الأهلية نفسه باطلا وفقا لمضمون الفصل 521، أما في فيما يخص التبليغ لعديم الأهلية في موطن المعني بالتبليغ وفقا للفصل 38 فهو يعد صحيحا، وعليه فإن اشتراط الرشد في تسلم الاستدعاء بات أمراً ضروريا لحماية حقوق المتقاضين.

كما أن التبليغ في الموطن في بعض الحالات يكون مجحفا في حق المبلغ إليه، كما هو الحال فيما يخص تبليغ المسجون المحكوم عليه بعقوبة طويلة الأمد في موطنه، علما أن محكمة النقض اعتبرت في أحد القرارات الصادرة عنها أن السجن لا يصلح أن يكون موطنا للتبليغ ([494])، لذا نتساءل عن محل حق الدفاع المكفول دستوريا في هذه النازلة؟!!

الفقرة الثانية: التطبيق الغير السليم لتكريس حق الدفاع.

تكتسي مسطرة القيم أهمية بالغة نظرا للدور الذي تلعبه على مستوى تكريس حقوق الأفراد، ويترتب عن التطبيق الغير سليم لهذه المسطرة، حرمان هؤلاء من استعمال حقوق الأساسية وعلى رأسها حق الدفاع، التي تعد من أبرز تجليات حقوق الإنسان، فهي مسطرة لا يتم اللجوء إليها إلا في حالة محددة كون أن المدعى عليه هو من له الولاية في الدفاع عن نفسه دون غيره، وحتى وإن كان غيرا فإنه يكون بإرادته بتنصيبه وكيلا عنه، وعلى هذا الأساس نص الفصل 39 في فقرته السابعة على أن المحكمة تعين في الأحوال التي يكون فيها موطن أو محل إقامة الطرف غير معروف عونا من كتابة الضبط بصفته قيما يبلغ إليه الاستدعاء، فمتى كان عنوان المدعى عليه غير معروف فمن باب أولى أن ينص المشرع على القيام بإجراءات استباقية تتجلى في ضرورة التحري عنه من طرف المدعي أولا، كونه هو الشخص الذي تكون له حظوظ التعرف عليه وافرة، إلا أن المحكمة في حالة عدم العثور عليه في موطنه السابق -الذي يكون غادره إلى جهة غير معلومة- تعمد إلى توجه بواسطة كتابة الضبط الاستدعاء بالبريد المضمون مع الإشعار بالتوصل، فهو حسب نظرنا مجرد تحصيل حاصل طالما أن المراد تبليغه غير متواجد في الموطن المحدد من طرف المدعي فلا محال أن إشعار التوصل بالبريد المضمون سيعود بعبارة غير مطلوب.

فمتى تأكد تحقق شروط الفقرة السابعة من المادة 39 من ق.م.م فإن قاضي محكمة الموضوع يعين قيما من بين كتاب الضبط في إطار سلطته الولائية، يتمثل دوره الأساسي في القيام بالبحث عن الطرف المتغيب بمساعدة النيابة العامة والسلطات الإدارية ويقدم كل المستندات والمعلومات المفيدة للدفاع عنه صيانة للحقوق، ودون أن يكون الحكم الصادر نتيجة القيام بهذه الإجراءات حضوريا، فالحكم الصادر في حقه يكون غيابي بوكيل مما يكون معه المشرع قد كرس ضمانة الطعن بالتعرض في حالة حضوره ما لم يكون الحكم قابل للاستئناف.

غير أنه يلاحظ من الحالات الملموسة المطبقة في هذا الشأن أن المعمول به الأن ينحو إلى اختزال المسافات حتى اضحى من مسطرة القيم مجرد إجراء شكلي محض ينحصر في تعيين القيم دون أي انتظار لمآل هذه المسطرة خروجا عن المتوخى من أحداثها، وذلك بدون بدل أي جهد لا في البحث عن المتغيب ولا في الدفاع عن حقوقه، فهذه المسطرة حسب التطبيق العملي لا هي تسرع الإجراءات كون أن آجال الاستئناف أو النقض في تبليغ الأحكام أو القرارات المبلغة إلى القيم لا تسري إلا بعد تعليقها في لوحة معدة لهذا الغرض بالمحكمة التي أصدرت الحكم أو القرار مدة ثلاثين يوما وإشهارها من المستفيد من الحكم ([495])، ولا هي تصون حقوق المتقاضين بالدفاع عنهم من خلال القيام بالإجراءات والتدابير القانونية اللازمة من طرف القيم، ولعل مرد ذلك راجع إلى انعدام الرقابة على مراعاة احترام هذه المسطرة وانعدم تحريك المسؤولية تجاه كتاب الضبط بصفتهم موظفين خاضعين لقانون الوظيفة العمومية، بالإضافة إلى كثرة الملفات والقضايا وقلة الموارد البشرية كلها دوافع تؤدي إلى قبر حقوق المتقاضي مجهول العنوان.

المبحث الثاني: المأمول من إجراءات التبليغ في تعزيز حكامة التقاضي.

لقد أضحت سرعة العدالة ونجاعتها معيارا لاحترام حقوق الإنسان بين الدول، بل وأكثر من ذلك أصبحت استقطاب الرساميل بفعل التدفقات الاستثمارية الأجنبية رهين بتوفر الأمن القانوني بشقيه الموضوعي أو الإجرائي بما يتلاءم ومناخ المال والأعمال، وعلى هذا الأساس دأبت كل التشريعات بما فيها التشريع المغربي على تحديث منظومتها التشريعية بما يضمن حقوق المتقاضين ويساير التطورات الاقتصادية الحاصلة، حيث قام عاهل البلاد الملك محمد السادس في يوم الثلاثاء 8 ماي من سنة 2012، بتنصيب الهيئة العليا للحوار الوطني حول الإصلاح العميق والشامل لمنظومة العدالة، وذلك في سبيل النهوض بوضعية منظومة العدالة بالمغرب، حيث تمخض عن هذه الأعمال ميلاد مسودة مشروع قانون المسطرة المدنية جل تجاوز الإشكالات والمعيقات التي تهم المادة الإجرائية وعلى رأسها تلك المتعلقة بمؤسسة التبليغ التي تعيق السير العادي لمسطرة التقاضي(المطلب الأول)، والتي تحمل في طيتها التبليغ الإلكتروني كخيار بديل لتكريس سرعة العدالة وحكمتها (المطلب الثاني).

المطلب الأول: أفاق التبليغ في ضوء مسودة مشروع قانون المسطرة المدنية.

لقد حاول المشرع جاهدا في مسودة مشروع قانون المسطرة المدنية تجاوز العوائق والإشكالات القائمة في القانون الإجرائي النافد بما يتلاءم والتطورات الاقتصادية والاجتماعية الحاصلة، وذلك بسعيه إلى إعادة الهيكلة في الجهات المكلفة بالتبليغ (الفقرة الأولى) بما يضمن حرية وكرامة وحقوق المتقاضين عموما (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: السير نحو تسريع إجراءات التبليغ بإعادة هيكلة الجهات المكلفة به.

لقد عمل المشرع في المادة 37 من مسودة مشروع قانون المسطرة المدنية على تغير تراتبية الجهة المكلفة بالتبليغ، حيث جعل جهاز المفوضين القضائيين صاحب الاختصاص الأصيل في المادة المدنية على غرار المادة التجارية، وذلك لتسريع إجراءات التبليغ والقيام بها وفقا للشكل المطلوب قانونا بما يكرس مبدأ التواجهية الذي يعتبر الركيزة الأساسية لحق الدفاع هذا من جهة، ومن جهة أخرى لتجاوز الإشكالات والمعيقات التي لازال يتخبط فيها التبليغ بواسطة جهاز كتابة الضبط إثر قلة الموارد البشرية وكثرة الاختصاصات المنوطة بهم، إلا أن هذا الجهاز لم يقصيه المشرع بشكل مطلق من القيام بهذه المهمة، حيث جعل التبليغ بواسطته أمر جوازي عند الاقتضاء من طرف المحكمة، كما نص أيضا المشرع على جوازية الاستعانة عند الاقتضاء بالطرق الإدارية المعتادة بالرغم من إشكالاتها العملية.

والملاحظ أن المشرع في الفقرة الثانية من المادة 37 من م.م.ق.م.م لم ينص إلى جانب التبليغ بالطرق الإدارية على التبليغ عن طريق البريد المضمون مع الإشعار بالتوصل إلا أنه عاد في نهاية الفقرة الثانية لينص على إمكانية التبليغ باي وسيلة أخرى، مما يكون معه المشرع قد ترك الباب مفتوحا ليشمل جميع الوسائل الممكنة بما فيها البريد المضمون ووسائل الاتصال الحديثة، وإن كان يعاب عليه حسب نظرنا نهجه لهذا التعبير الفضفاض، مما سيؤدي لا محال إلى فتح باب التأويلات التي ستؤثر في تنزيل مضامين هذه المادة وعلى سير الإجراءات عموما.

هذا وقد أعطى المشرع للطرف الذي يود تسريع الإجراءات لفض النزاع في أقرب وقت ممكن أن يسهر على القيام بمهمة التبليغ، ولاسيما أن أطراف النزاع تكون لها دراية بعنوان المراد التبليغ إليه مما سيؤدي إلى تجاوز الإشكالات المرتبطة بعدم تسمية الأزقة وترقيمها، حيث نص الفصل 39-1 من م.م.ق.م.م أنه يمكن للمدعي أو محاميه أو وكيله بمجرد تعيين تاريخ الجلسة أن يتسلم الطيات المتعلقة بالاستدعاء وجميع إجراءات الملف الأخرى قصد السهر على تبليغها إلى المدعى عليه أو من له المصلحة من أطراف الدعوى بواسطة مفوض قضائي.

فمعلوم أنه لا يمكن لاحد الأطراف أن يتولى مهمة التبليغ للطرف الأخر تحت طائلة البطلان نظرا لتنازع المصالح، فالمشرع توخى من هذه المسألة حماية حقوق الأطراف، إلا أنه في المقابل أوجد هذه المكنة لمن كانت له المصلحة في تسريع الإجراءات للقيام بهذه المهمة عبر جهاز المفوضين القضائيين، لكن في هذه الحالة يثار سؤال حول من يتحمل نفقات هذا التبليغ؟ وإذا كان طالب التبليغ وهو الاحتمال الغالب، فعلى أي أساس يتم أداء المصاريف القضائية إذا ما صرح المدعي برعبته في تولي هذه المهمة؟

وإذا كانت مسطرة القيم تطرح إشكالات عدة وتؤثر على سير مسطرة التقاضي وحقوق المتقاضين، فإن المشرع تبنى موقفا مخالفا في ظل مسودة مشروع قانون المسطرة المدنية بتخليه عن هذه المسطرة إثر ما تمخض عنها من نتائج سلبية، مما يدفعنا إلى التساؤل حول البديل المقترح لهذه المسطرة بما يضمن حقوق المتغيب؟

حيث بالرجوع إلى المادة 39 من م.م.ق.م.م نجد المشرع أوجب على الجهة المكلفة بالتبليغ إذا تبين لها أن المدعى عليه مجهول العنوان الوارد بالاستدعاء أو أنه انتقل منه إلى وجهة غير معلومة، أن تقدم طلب معلومات حول عنوان المدعى عليه إلى السلطة المحلية، والتي يتعين عليها بدورها موافات الجهة المكلفة بجواب داخل أجل 48 ساعة من تاريخ وضع الطلب، وفي حالة الحصول على عنوان جديد إثر بحث السلطة المحلية، فإن المحكمة تعيد استدعائه وفقا للعنوان الجديد، وفي حالة فشل عملية البحث من طرف السلطة فإن الجهة المكلفة بالتبليغ تعمل تحرير محضر بالإجراءات المتخذة، وتضمينه للمعلومات المتعلقة بالملف وتأريخ جواب السلطة والنتيجة المتوصل إليها، وثبت المحكمة في موضوع النزاع بحكم غيابي بعد انصرام أجل شهرين من تاريخ تحرير المحضر، وعلى هذا الأساس فإن المشرع وإن تخلى عن مسطرة القيم لتسريع إجراءات التقاضي فإنه قد وقع في نفس الوقت في فخ التماطل حيث لا يتم البث في النزاع إلا بعد انصرام شهرين، أما فعالية تكريس حق الدفاع للمتغيب في المسطرة المستحدثة في نظرنا تكون شبه منعدمة.

الفقرة الثانية: تكريس ضمانات إجرائية للمبلغ إليه.

لقد عمل المشرع في مسودة مشروع قانون المسطرة المدنية على تكريس مجموعة من الضمانات بما يضمن حقوق المتقاضين ولاسيما كرامتهم وحريتهم، حيث عمل على وضع حد للإشكال القائم في القانون النافذ من حيث زمن التبليغ، وذلك بتقييد حرية المكلف بالتبليغ، إذ لا يجوز له تبليغ الطي القضائي قبل الساعة السابعة صباحاً وبعد الساعة العاشرة ليلاً إلا في حالة الضرورة وبعد استصدار إذن مكتوب ومعلل من طرف رئيس المحكمة التي تنظر في القضية أو من قاضي التنفيذ حسب الأحوال، وعليه فنهج المشرع لهذا التوجه يكون قد وضع حدا للإشكال القائم من حيث الزمان ([496]).

كما أن المشرع قد عمل على تجاوز التناقض القائم بين المادة 37 و39 من ق.م.م بإغفاله لتحديد من لهم الصفة في التبليغ نيابة عن المعني بالأمر، حيث نص في الفقرة الرابعة من المادة 38 من م.م.ق.م.م على أنه يجوز للمكلف بالتبليغ عند عدم العثور على الشخص المطلوب تبليغه في الموطن الحقيقي أو المختار أن يسلم الاستدعاء إلى من يثبت أو يصرح بأنه وكيله أو يعمل في خدمته أو أنه من الساكنين من الأزواج والأقارب أو الأصهار، وإن كان المشرع في المسودة قد سمح بالقيام بالتبليغ في الموطن لتسريع إجراءات التقاضي، إلا أنه في المقابل قد الزم على الجهة المكلفة بالتبليغ من ضرورة التأكد من صفة المتسلم وعلاقته بالشخص المعني ومدى بلوغه سن التمييز، مما يتضح أن المشرع يسير نحو وضع الحد للتضارب القائم بين محاكم الموضوع في مدى توفر المبلغ إليه على سن التمييز، كما أن المشرع قد استفاد من الإشكالات المطروحة في الواقع العملي وعمل على تجاوزها ولاسيما تلك المتعلقة بتعارض المصالح بين المعني بالتبليغ والمبلغ نيابة عنه؛ فهي حالات كثيرة الوقوع خاصة في دعاوى الطلاق بين الزوج وزوجته التي تسكن معه.

والملاحظ أنه إن كان متيسرا على الجهة المكلفة بالتبليغ التحقق من توفر سن التمييز للمبلغ إليه بالنيابة من خلال الهيئة الفيزيولوجيا، فإنه من الصعب بما كان التحقق من مدى تعارض مصالح المعني والمبلغ إليه، وبالتالي فلا يتبقى أمام المعني بالأمر في هذه الحالة إلا الطعن ببطلان التبليغ شريطة إثباته لتعارض المصالح بينه وبين المبلغ إليه.

وعلى أساس تعارض المصالح فإن المشرع كرس ضمانة للمتقاضيين تتمثل في عدم أحقية موظفي كتابة الضبط في مباشرة أي عمل يدخل في إطار وظائفهم في الدعاوى الخاصة بهم أو بأزواجهم أو أصهارهم حتى الدرجة الرابعة، وذلك لضمان حياد فعالية جهاز كتابة الضبط في القيام بالمهام المنوطة بهم تجنبا لكل محاباة التي تؤدي إلى الإخلال بمسطرة التقاضي، بل وأكثر من ذلك فإن المشرع أدخل الغاية بغض النظر عن وجود علاقة القرابة والمصاهرة.

وتجدر الإشارة إلى أن المشرع قد حافظ في مسودة المشروع على أجل الذي يجب مراعاته بين تبليغ الاستدعاء واليوم المحدد للحضور سواء كان المراد تبليغه داخل نفود المحكمة أو خارجها، وفي حالة حضور الطرف المعني وتمسكه بالدفع المتعلق بعدم باحترام هذا الأجل المنصوص عليه، فإن المحكمة تؤخر القضية حضوريا إلى جلسة أخرى، أما في حالة عدم حضوره يتم إعادة استدعائه من جديد، وعليه فإن القاضي المكلف أو المقرر يقع عليه عبئ التحقق من شهادة التسليم والتاريخ المضمن فيها للتأكد من مدى أحقيته بالبث في النازلة المعروضة أو إعادة استدعاء الطرف في حالة خرق المقتضيات القانونية المتعلقة بأجل التبليغ، كما أن المشرع سار نحو توحيد الأجل الواجب احترامه بين الاستدعاء ويوم الحضور على خلاف ما هو عليه الحال في القانون النافد، ويتمثل مدة الأجل في ثلاثة أشهر بالنسبة للأطراف التي لا تتوفر على موطن أو محل إقامة في تراب المملكة.

المطلب الثاني: التبليغ الإلكتروني كخيار بديل.

لقد أدى تطور وسائل الاتصال الحديثة بفعل التطورات التكنولوجية التي يشهدها العالم بأسره، إلى ظهور آليات جديدة تساهم في التواصل والاتصال بشكل فعال، حيث أصبحت مرتكز أساسي في التصرفات القانونية في مجال المال والأعمال نظرا لما توفره من جهد ومال، ناهيك عن عملة ثمينة تتمثل في ربح الوقت بفعل عامل السرعة، فلا يخفي أن الإشكال الجوهرية الذي يعيق سير المنظومة الإجرائية بالمغرب راجع لافتقادها لعامل السرعة، مما يؤدي إلى بطء في سير مسطرة التقاضي وفي فض النزاع في أجل معقول، مما أصبح يتوجب على التشريع المغربي مسايرة هذه الطفرة النوعية نتيجة دوافع وظروف متعددة على رأسها توفير مناخ الاستثمار (الفقرة الأولى)، وذلك بتنزيل مقتضيات التبليغ الإلكتروني كوسيلة ناجعة في تسريع إجراءات التقاضي (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: دواعي اللجوء إلى التبليغ الإلكتروني.

إن الداعي الأساسي في اللجوء إلى لتبليغ الإلكتروني يتمثل أساسا في تكريس الحق في الدفاع بما يضمن حقوق المتقاضين والمحاكمة العادلة المنصوص عليها في الدستور، والسهر على وقوع عملية التبليغ وفقا للشكل المتطلب قانونا، بالإضافة إلى زرع نوع من الدينامية والروح في القلب النابض لمؤسسة العدالة، وذلك بتجاوز البط في البث في الملفات الذي يؤثر سلبا على التنمية المستدامة ولاسيما قطاع الاستثمار بجلب مشاريع استثمارية الأجنبية، مما أصبحت معظم الشركات الاستثمارية الكبرى تسير نحو نهج الطرق البديل لحل المنازعات تفاديا لهاته العراقيل والإشكالات التي يتخبط فيها القضاء الرسمي، والتي تقلل وإن لم نقل تفقد منظومة العدالة لنجاعتها ومصداقيتها.

ومما لاشك فيه أن عدم اكتمال مسطرة التبليغ يؤدي غالبا إلى ضياع الحقوق لأصحابها، وخاصة أن الفرد كثير التنقل وعدم استقراره في مكان واحد بحثا عن لقمة العيش، مما يؤدي إلى جهل عنوانه الجديد نظرا لعدم تصريحه للمصالح المختصة به، وفي ظل تراكم هذه الإشكالات فإن الخيار بات إلكترونيا، نظرا لما يضمنه من سرعة والحصول على التبليغ الشخصي للمعني أينما حل وارتحل، حيث يهدف المشرع إلى إتباع هذه المسطرة لضمان تبليغ سليم للاستدعاء والأحكام للشخص المراد التبليغ إليه تبليغا شخصيا أي العلم اليقيني، على اعتبار أن كل شخص يملك حسابا إلكترونيا يديره بشكل محدد، ويحميه بكيفية مؤمنة بواسطة رمز سري يخول له اللجوء إليه، مما يعني أنه هو الوحيد الذي سوف يطلع على رسائله، وهذه الوسيلة ستضع حدا لإشكال تمسك المعني بالتبليغ بكون المبلغ إليه في موطنه عديم التميز أو تعارض مصالحه وإياه، ناهيك عن وضع حد لكل الإشكالات المتعلقة بالزمان والمكان مراعاة لحرية الأطراف وكرامتهم.

وإن كان التبليغ العادي لا يثير أي إشكال بالنسبة للأشخاص المعنوية من حيث العنوان حيث يكون معلوما، وحتى في حالة الانتقال منه يتم تحينه في السجل التجاري تحت طائلة اعتباره العنوان الصحيح المنتج لكافة أثره أثناء التبليغ فيه، فإن تبني التبليغ الإلكتروني سيؤدي إلى وضع حد لإشكال رفض التوقيع على التوصل من طرف مكتب ضبط الشخص المعنوي.

بالإضافة تبني العلم اليقيني بالتبليغ الإلكتروني، فإنه أيضا سيساهم إلى حد كبير في ترشيد النفقات وإنقاص الأعباء سواء على المكلفون بالتبليغ وحتى على أطراف الدعوى في تحمل المصاريف، ولاسيما أن مسودة مشروع المسطرة المدنية تنحو في منحى مساهمة المدعي في عناء تبليغ للمدعى عليه، حيث ستوفر هذه التقنية توفير جهد التنقل والتخفيف: من عناء بحث السلطة المحلية عن المعني بالتبليغ في حالة هجره للعنوان، وتكاليف المفوضين القضائيين ومصاريف البريد المضمون مع الإشعار بالتوصل واستنزاف طاقات كتابة الضبط.

ولعلى ما يعزز نهج هذه الوسيلة في البليغ هو أن معظم المواطنين المغاربة بمختلف أعمارهم وطاقتهم أصبحوا يستعملون الإنترنت بشكل يومي وسهولة الولوج إلى خدماتها، مما يدل على أن أي رسالة ستصله سوف يطلع عليها في أجل معقول، بالإضافة إلى أن خدمة الإنترنت أصبحت تغطي جميع أقاليم المملكة بتقنية الأقمار الاصطناعية والاعتماد على تقنية 4G، مما أصبحت معه جميع الأجهزة الذكية تتصل بها بشكل سلس وفعال.

وعلى إثر هاته الدوافع التي سبق الإشارة إليها وخاصة المتعلقة بتشجيع الاستثمار الأجنبي، بالإضافة إلى الظروف الراهنة التي يعيشها كل بلاد المعمور إثر تفشي وباء كورونا المستجد الذي أدى إلى شل حركية جل القطاعات الحيوية والمرافق العامة، وخاصة مرفق العدالة إثر الإجراءات الاحترازية المتخذة من طرف السلطة بفرض الحجر الصحي والتباعد الاجتماعي مخافة تفشي العدوى، كلها أسباب دفعت بالمشرع المغربي إلى التعجيل بتنزيل مقتضيات قانونية تتلاءم والوضع الراهن، فالمشرع لم يقتصر في التفكير على تنزيل مقتضيات التبليغ الإلكتروني فحسب، بل أصبح الأمر يتعلق بتنزيل التقاضي الإلكتروني كمسألة كلية تحمل في طيتها التبليغ الإلكتروني، وذلك بمقتضي مسودة مشروع استعمال الوسائط الإلكترونية.

الفقرة الثانية: التنزيل المرتقب للتبليغ الإلكتروني في ضوء مسودة استعمال الوسائط الإلكترونية.

لقد عجلت وزارة العدل في ظل جائحة كورونا بتنزيل التقاضي الإلكتروني بما فيه التبليغ الإلكتروني وذلك بإعداد مسودة قانون استعمال الوسائط الإلكترونية في الإجراءات القضائية، الرامية إلى تعديل وتتميم ونسخ بعض أحكام قانون المسطرة المدنية والجنائية، وذلك إثر تعليق الجلسات وتراكم وتأخر البت في الملفات بشكل كبير، مما سيضر لا محال بالنجاعة والسرعة القضائية في إصدار الأحكام.

ويرتكز هذا المشروع في مجمله على رقمنة المحاكم المغربية، وذلك بتبني منصة إلكترونية رسمية للتقاضي عن بعد، تعمل على تأمين عملية التبادل اللامادي للإجراءات بين المحامين ومحاكم المملكة، بما يضمن موثوقية المعطيات المضمنة، وسلامة الوثائق وأمن وسرية التبادلات الإلكترونية وغيرها ([497])، حيث يرمي المشرع إلى إعطاء الحجية للمحررات الإلكترونية من مقالات ومذكرات ومرفقات وكافة الإجراءات المتبادلة عبر الوسائط الإلكترونية نفس الحجية التي تتمتع بها الدعامة الورقية، دون إمكانية تمسك طرف الدعوى بكون هذه الوثائق مجرد صور، مع الحرص على عدم المساس بأحقيته في التمسك بعدم صحتها ([498]).

والملاحظ أن المشرع في ظل هذه المسودة قد ركز اهتمامه على التبليغ الإلكتروني حيث خصص له الباب الأول مكرر من القسم الثالث، واتجهت إرادته إلى إجباريته على المهنين والإدارات العمومية، حيث نص الفصل 3. 41من مسودة المشروع على أن: “تضمن المنصة الإلكترونية الحسابات الإلكترونية المهنية للمحامين والمفوضين القضائيين والخبراء، والعناوين الإلكترونية الرسمية للإدارات العمومية ولأطراف الراغبين في ذلك، ليتم اعتمادها في التبليغ الإلكتروني”، ويتم إحداث حساب إلكتروني مهني لكل من المحامين والمفوضين القضائيين والخبراء يلجؤون إليه بصفة مؤمنة، كما جعل التبليغ بالنسبة لباقي الأشخاص الأخرى سواء كانت طبيعية أو معنوية اختياريا، حيث يمكن لكل طرف يرغب في استخدام التبليغ الإلكتروني أن يقدم تصريحا بالمنصة الإلكترونية يتضمن عنوان بريده الإلكتروني الرسمي، ويقع على عاتق الأطراف في هذه الحالة إشعار المنصة بكل تغيير يطرأ على العنوان المصرح به تحت طائلة اعتبار أي تبليغ للعنوان الإلكتروني القديم صحيحا ومنتجا لكافة أثره، كما يمكن للأطراف التراجع عن تبني هذه الوسيلة بنفس الكيفية أي تقديم تصريح للمنصة الإلكترونية ([499]).

ويعتبر كل إجراء بلغ إلى الحساب الإلكتروني المهني أو العنوان الإلكتروني الرسمي صحيحا منتجا لكافة أثاره ([500])، حيث ينزل الإشعار بالتوصل المستخرج من المنصة بمثابة المرجوعه في التبليغ العادي لإثبات واقعة التبليغ أمام القضاء تجاه دفوعات الأطراف، حيث تتمتع الوثيقة المحررة على دعامة إلكترونية والمحفوظة في المنصة الإلكترونية بنفس الحجية في الإثبات التي تتمتع بها الوثيقة الورقية على أن تتضمن وجوبا تاريخ وساعة التبليغ والعنوان الإلكتروني المبلغ إليه، ويتم استخراج نسخة ورقية منها تتضمن مرجع حفضها في المنصة، ولا يحول استخدام هذه الوسائط الإلكترونية دون حق الأطراف في الحصول على مقابل لها ورقيا سواء تلك المتعلقة بالتبليغات أو تنفيذ الأوامر أو الأحكام أو القرارات.

وتجدر الإشارة أن المحكمة تبقى لها الصلاحية في القيام بإجراءات التبليغ بواسطة الوسائط الإلكترونية تلقائيا دوم حاجة إلى طلب وخاصة إذا تعلق الأمر بالأشخاص السابق ذكره التي تتوفر على بريد إلكتروني مضمن في الوسائط الإلكترونية؛ ويتعلق الأمر بالمحامين والمفوضين القضائيين والخبراء والإدارات العامة، كما يمكن أن تأمر بالتبليغ بناء على طلب الأطراف.

وفي الأخير نود أن نشير أنه إذا كان هذا المشروع يؤسس اللبنة في السير نحو تنزيل المحاكم الإلكترونية وحوسبة الإجراءات القضائية بما فيها التبليغ الإلكتروني، فإنه يحتاج إلى المزيد من التريث وفقا لمقاربة تشاركية لكل الفاعلين، إذ لا يمكن توقع الإشكالات القانونية والمادية التي قد يطرحها تنزيل هذا المشروع بناء على إشكالات التقاضي التقليدي، لاسيما انه يتبنى آليات تقنية محضة تحتاج إلى موارد بشرية مؤهلة إلكترونيا من قضاة وكتاب الضبط والمحامين…، فالواقع المر أبان أن المحاكم المغربية لأزيد من سبع سنوات لم تستطيع مواكب التطورات التكنولوجية الحاصلة، والدليل في ذلك توقفها نسبيا عن العمل في ظل جائحة كورونا. فكيف يعقل تنزيل هذا الورش تشريعيا وتجهيزيا في فترة وجيزة؟

خاتمة.

إن موضوع التبليغ يساهم بشكل كبير في بلوغ مبدأ “حسن النية” الذي يعتبر أحد ركائز القانون حسب مقتضى الفصل 5 من ق.م.م، الذي يجب أن ينطبق على الإجراءات المسطرية التي تساهم في تكريس مبدأ الدفاع وضمانات المحاكمة العادلة، ونخلص القول من خلال ما سبق أن مؤسسة التبليغ ببلادنا ما زالت تعاني من عدة صعوبات، منها ما هو متعلق بالجهات المكلفة بالتبليغ والجهة المبلغ إليها بالإضافة إلى القصور التشريعي في بعض الجوانب والتي من شأنها عرقلة السير العادي للعمل القضائي ومدى تأثيرها سلبا على المجالات الحيوية ذات الارتباط بالميدان الاقتصادي ولا سيما تشجيع الاستثمار الأجنبي، وإن كان المشرع المغربي قد خطى خطوة نحو الأمام في إصلاح منظومة العدالة وخاصة مؤسسة التبليغ بتهيئ مسودات مشاريع قوانين، إلا أنها ظلت تعرف نوعا من العقم في تنزيلها على أرض الواقع، حيث وصلت مسودة المسطرة المدنية إلى صيغتها الأربعة والثلاثون دون أن تعرف النور، وطالما لا يتم إصدار الأحكام والقرارات في أجل معقولة فإن حقوق المتقاضين والعدالة عموما تظل محل تساؤل، الشيء الذي دفع بنا إلى التفكير في إيجاد حلول مجدية لهذه المشاكل والصعوبات سواء على المستوى التشريعي من خلال تبسيط المساطر وسد الثغرات القانونية. وكذا تأهيل تحسين ظروف اشتغال الجهات المكلفة بالتبليغ.

ونتمنى أن تكون محط اهتمام في المستقبل القريب وذلك من خلال:

–     تكليف قاض من قضاة المحكمة بالأشراف على مهمة التبليغ والمراقبة الدائمة والمستمرة لسيره.

–     تعيين موظفين بوزارة العدل مؤهلين قانونيا للتنسيق مع أعوان كتابة الضبط المكلفين بالتبليغ، وتجنيد هذا الطاقم بكل الوسائل العلمية واللوجستيكية التي تساعدهم على تأدية مهامهم في أحسن الظروف.

–     إلزام الجهات المكلفة بالتبليغ بمسك سجلات موحدة ومؤشر على جميع صفحاتها من لدن الوزارة الوصية معدة لهذه الخدمة يوقع عليها المبلغ إليه.

–     منح أجل معقول للمكلف بتبليغ الاستدعاءات مراعيا في ذلك عدد الاستدعاءات وبعد المسافة وتضاريس المنطقة وظروف التنقل.

–     تحرير الاستدعاءات وملأ شهادات التسليم بخط واضح ومقروء.

–     إعادة النظر في تأهيل مؤسسة المفوضين القضائيين نظرا للدور القضائي الذي يضطلعون به من خلال إعادة تكوينهم بصفة مستمرة ودورية ومراقبة مكاتبهم وخلق لجنة تابعة للوزارة الوصية للسهر على ذلك.

–     إعادة النظر في التبليغ بالطريقة الإدارية (الشيوخ والمقدمين) من خلال انتقاء عناصر ذات مستوى دراس ي يؤهلها للقيام بمهمتها وحبذا لو كانت لها المام بالمجال القانوني لتفادي البطء وتسريع إجراءات التبليغ، وتحسين ظروف عمل وتنقل هذه الأخيرة لاسيما في الأماكن التي تعرف تضاريس وعرة.

([473])ظهير شريف بمثابة قانون رقم 447. 74. 1 بتاريخ 11 رمضان 1394 (28 شتنبر 1974) بالمصادقة على نص قانون المسطرة المدنية، الجريدة الرسمية عدد 3230 مكرر، بتاريخ 13 رمضان 1394 (30 شتنبر 1974)، ص 2741.

([474])الفصل 118 من الدستور الجديد للمملكة المغربية 2011، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 91. 11. 1 صادر في 27 من شعبان1432 (29 يوليو 2011)، الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر.

([475])معجم المعاني الجامع.

([476])بوبكر بهلول: المسطرة المدنية والتبليغات والتقنيات القضائية، الجزء 1، مسطرة التبليغ مجلة كتاب الضبط، عدد 8 ماي 2001، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء، ص: 104.

([477])عبد الرحمان الشرقاوي: قانون المسطرة المدنية، دراسة فقهية وعملية مقارنة مع مسودة مشروع قانون المسطرة المدنية، مطبعة المعارف الجديدة -الرباط، الطبعة الثالثة 2018، ص: 95.

([478])سورة الإسراء، الآية 15.

([479])عبد الكريم الطالب: الشرح العملي لقانون المسطرة المدنية، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الثامنة، مراكش ص:165.

([480])قرار صادر عن المجلس الأعلى بتاريخ 23/03/83 تحت عدد 572 في الملف المدني عدد 90192 منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى عدد 35 و36 ص 11 وما يليها. أشار له محمد بفقير، مبادئ التبليغ على ضوء قضاء محكمة النقض، منشورات دراسات قضائية سلسلة الكتب القانونية والقضائية، الطبعة الثانية 2019، ص 51.

([481])ظهير شريف رقم 23. 06. 1 صادر في 15 من محرم 1427 (14 فبراير 2006) بتنفيذ القانون رقم 03. 81 بتنظيم مهنة المفوضين القضائيين، الجريدة الرسمية عدد 5400 بتاريخ فاتح صفر 1427 (2 مارس 2006)، ص 559.

([482])راجع مقتضيات الباب الثامن من القانون 03. 81.

([483])القانونرقم 95. 53 يقضي بإحداث المحاكم التجارية، (الظهير رقم1-97-65 المؤرخ 4 شوال 1417 (12 فبراير 1997)… ظهير شريف رقم65. 97. 1 صادر في 4 شوال (12 فبراير 1997)، الجريدة الرسمية عدد 4482 بتاريخ 8 محرم 1418 (15 ماي 1995)، ص 1141.

([484])مداخلة وزير العدل والحريات، أشغال الجلسة الافتتاحية للمائدة المستديرة المنظمة من طرف اللجنة الأوربية للنجاعة القضائية، حول موضوع “التبليغ القضائي في المجالين المدني والجنائي”، موقع المعهد العالي للقضاء http://www.ism.ma، تاريخ الزيارة الاثنين 26 أكتوبر 2020 على الساعة 12 ليلا.

([485])قانون رقم 05. 53 المتعلق بالتبادل الإلكتروني المعطيات القانونية. الداخل حيز التنفيذ بمقتضى الظهير الشريف رقم 129. 07. 1 صادر في 29 دي القعدة 148 الموافق 30 نونبر 2007 منشور بالجريدة الرسمية عدد 5584 ب تاريخ 25 دو القعدة الموافق ل 6 دجنبر 2007، ص 3879.

([486])عبد الرحمان الشرقاوي، مرجع سابق، ص: 103.

([487])الفقرة الثانية من الفصل 37 من قانون المسطرة المدنية

([488])ينص الفصل 40 أن “إذا لم يكن للطرف الذي وقع استدعاؤه لا موطن ولا محل إقامة في دوائر نفوذ محاكم المملكة فإن أجل الحضور يحدد فيما يلي:

– إذا كان يسكن بالجزائر أو تونس أو إحدى الدول الأوروبية: شهران.

– إذا كان يسكن بدولة إفريقية أخرى أو آسيا أو أمريكا: ثلاثة أشهر.

– إذا كان يسكن بالاقيانوس: أربعة أشهر.

([489])تم تعديل الفصل 38 أعلاه بموجب القانون رقم 11. 33، الصادر بالجريدة الرسمية عدد 5975 بتاريخ 6 شوال 1432 (5 سبتمبر 2011)، ص 4389؛ إلا أن هذا التعديل شمل الفقرة الأولى فقط دون باقي الفقرات كما بين ذلك استدراك الخطأ المادي الصادر بالجريدة الرسمية عدد 6099 بتاريخ 27 ذو الحجة 1433 (12 نوفمبر 2012)، ص 5844.

([490])الفصل 519 من قانون المسطرة المدنية.

([491])قرار صادر عن محكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء، بتاريخ 18/01/2007، في الملف عدد 04382/03، منشور بمجلة المحاكم المغربية عدد 153 ص 139 وما يليها. أشار له محمد بفقير، مرجع سابق، ص: 17.

([492])محمدبفقير: مرجع سابق، ص. 21.

([493])قرار صادر عن محكمة النقض عدد 246 في سنة 1977، أشار له محمد بفقير، مرجع سابق، ص: 38.

([494])قرار صادر عن المجلس اعلى بتاريخ 04/01/11 تحت عدد 79 في الملف عدد 2625/09 منشور بمجلة الملف عدد 19: ص. 253، وما يليها، أشار له محمد بفقير، مرجع سابق، ص: 18.

([495])الفصل 441 من قانون المسطرة المدنية.

([496])المادة 37 مكرر 1 من مسودة مشروع قانون المسطرة المدنية (ق.م.م).

([497])الفصل 1. 41 من مسودة مشروع القانون.

([498])الفصل 2. 41 من مسودة مشروع القانون.

([499])الفصل 5. 14 من مسودة مشروع قانون.

([500])الفصل 7. 41 من مسودة مشروع قانون.

https://powderencouraged.com/zht6b3bs66?key=8523542c4aaf6f083ce56f74bd271319
https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من فضاء المعرفة القانونية -espace connaissance juridique

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة