د. الهاشمي فاروق

مفتش إقليمي

تعتبر الخزينة العامة حلقة الاتصال بين الجباية والصرف، ففيها تتجمع الإيرادات العامة ومنها تخرج النفقات العمومية كذلك، فهذه المؤسسة لا تتوفر على شخصية قانونية مستقلة عن الدولة كما أنها لا تتوفر على شخصية مالية متميزة ومستقلة، فقط فهي تتوفر على شخصية محاسبية، فالخزينة العامة ليست سوى الدولة في ممارستها لجزء من وظائفها المالية، ومهمة تحصيل الضرائب والرسوم كما يعرفها الجميع لا تشكل إلا جزءا بسيطا من مهام الخزينة، فإلى جانب هذه المهمة تقوم هذه المديرية بوظائف أخرى لا تقل أهمية عن دورها في مجال التحصيل ونذكر على سبيل المثال صرف النفقات العمومية، الإشراف على السير المالي للجماعات المحلية ودورها كمؤسسة بنكية لها علاقات متعددة مع مجموعة من الفاعلين الاقتصاديين.

يعتبر التحصيل آخر مرحلة من مراحل تأسيس الضريبة، وقد يتم بطريقة إرادية وعن طواعية واختيار فتسمى هذه المرحلة بالتحصيل الحبي كما قد يتم عن طريق الجزر والإكراه فنتكلم عن مرحلة التحصيل الجبري وهي التي تأتي بعد التحصيل الحبي أو الرضائي.

وباعتبار التطور الذي شهدته تقنية التحصيل بالمغرب يمكن تقسيم هذه العملية إلى مرحلتين:

مرحلة ما قبل ظهور قانون رقم (15/97) بمثابة مدونة تحصيل الديون العمومية ثم مرحلة ما بعد دخول المدونة حيز التطبيق ([1])، فالمرحلة الأولى والتي كانت تخضع لظهير 22 نونبر 1924  ([2]) وظهير 21 غشت 1935 ([3]) تميزت بالنسبية من حيث المردودية كما أنها لم تكرس النتائج الايجابية لعملية التحصيل خاصة وأن هذه الأخيرة لا ترتبط فقط بالإرادة الحسنة للمدين ولكن كذلك بالكفاءة المهنية للذين يسهرون على إنجازها، أما المرحلة الثانية والتي شهدت خروج مدونة التحصيل إلى حيز الوجود فقد جاءت لتساير التطور الذي عرفته البلاد من حيث إصلاح المنظومة القانونية العامة المتعلقة بمجال الأعمال بداية بإصدار مدونة التجارة وانتهاء بإحداث محاكم تجارية وإدارية ومالية، غير أن كل هذا سيبقى دون فائدة إذا لم تتم إعادة النظر جدريا في مسطرة واليات تحصيل الديون العمومية ويبقى السؤال المطروح هو إلى أي حد تمكنت مقتضيات قانون (97-15) من تجاوز سلبيات المرحلة الأولى وسد الثغرات التي تعرقل تحصيل الديون العمومية ؟ فظاهريا يبدو أن الأمور تدعو للتفاؤل لكن الحقيقة هي عكس ذلك تماما، فرغم نجاح المدونة إلى حد ما في إيجاد نوع من التوازن بين إدارة التحصيل والملزم بالضريبة فإنها أبقت على مجموعة من الثغرات التي تقف حجر عثرة أمام عملية تحصيل الديون العمومية ليتم اللجوء في الأخير إلى بعض الطرق الاستثنائية للتحصيل من طرف القباض والتي تبقى في غالبها عبارة عن مناورات أو تحايلات على النصوص التنظيمية وذلك لغرض ملء صناديق الدولة دون الانتباه إلى ما قد ينتج عن ذلك من عواقب وإثارة للمسؤولية، وهذا كله إن كان يدل على شيء، فإنما يدل على مدى محدودية هذا النظام وضرورة ربطه بعدة إصلاحات جوهرية علما أن التحصيل الضريبي وإن كان في الجزء الأكبر منه من اختصاص مديرية الخزينة العامة، فهناك عدة مرافق أخرى تتدخل في هذه العملية.

المبحث الأول

التحصيل بالخزينة العامة للمملكة

يعتبر التحصيل الضريبي من أكثر المهام تعقيدا وصعوبة بالنسبة للخزينة العامة، وهو في نفس الوقت أهم وظيفة تقوم بها هذه المؤسسة بالنظر إلى كثرة النصوص المنظمة لهذه العملية وتداخلها وكذا طبيعة النتائج وخطورة المشاكل الناجمة عنها، أما بخصوص الوسائل المتوفرة لإنجاح هذه العملية فهي تبقى غير كافية على الرغم من الجهود المبذولة لعصرنتها وتحديثها، ويمر الاستخلاص الضريبي عبر مجموعة من المراحل كما تتدخل فيه العديد من الأجهزة، فبالإضافة إلى المصالح المركزية والخارجية للخزينة العامة هناك عدة مرافق أخرى تتدخل سواء من قريب أو من بعيد في استخلاص الضريبة.

المطلب الأول: الأجهزة المكلفة بالتحصيل بالخزينة العامة

إذا كانت الأهداف والسياسة العامة للتحصيل الضريبي تحدد على مستوى المصالح المركزية للخزينة العامة، فإن تفعيل وترجمة هذه الأخيرة تتم عبر مستوى المصالح الخارجية لهذه المديرية، فعبء الاستخلاص يقع بكل ثقله على كاهل هذه الوحدات الخارجية.

الفرع الأول: دور المصالح المركزية للخزينة في عملية التحصيل

على مستوى الممارسة اليومية يمكن القول بأن الإدارة المركزية للخزينة العامة لا تتدخل بصفة مباشرة في عملية التحصيل وإنما تقوم فقط بتحديد الإطار العام الذي تتم داخله جباية موارد الدولة وكذا تتبع عمليات الاستخلاص التي تتم على مستوى المصالح الخارجية عبر مجموع التراب الوطني، هذا بالإضافة إلى التنسيق بين هذه الأخيرة وتوجيهها وحل بعض النزاعات التي يتعذر تصفيتها على المستوى الجهوي، وتبقى بذلك أهم وظيفة تختص بها الإدارة المركزية هي تجميع المعطيات ودراستها من أجل إعطاء صورة كاملة وواضحة عن نسبة التحصيل على الصعيد الوطني وتحديد الاستراتيجيات والسبل الكفيلة بتحسين والرفع من المردودية الضريبية، وتتم هذه العملية من خلال مجموعة من المديريات التي يتفرع عنها العديد من الأقسام والتي تتجزأ بدورها إلى عدة مصالح تتدخل كل واحدة منها بشكل أو بآخر في عمليات التحصيل، وباختصار شديد فالإدارة المركزية للخزينة العامة تقوم بتتبع عمليات التحصيل وإعطاء المعلومات والإحصاءات الضرورية عن نسبة التحصيل والباقي استخلاصه وكذا الصعوبات التي تعرقل سير مساطر التحصيل، فكما هو معلوم تقوم مختلف المصالح الخارجية للخزينة عبر مجموع التراب الوطني بإرسال معطيات وإحصائيات عبر بيانات دورية ([4]) يتم تجميع معطياتها على مستوى الخزائن الإقليمية ثم المديريات الجهوية وذلك لتحضير بيان موحد ومشترك يوضح وضعية التحصيل على المستوى الإقليمي والجهوي وترسل بعد ذلك هذه المعطيات إلى المصالح المركزية للخزينة حيث يتم تجميعها لإصدار بيان موحد على الصعيد الوطني حول وضعية التحصيل، فمجموع هذه البيانات إذن يمكن من الوقوف على نسبة التحصيل المحققة والمجهودات التي يقوم بها المكلفون بهذه العملية، كما تمكن الإدارة المركزية للخزينة العامة من تتبع عملية الجباية خاصة وأن الضرائب والرسوم تشكل نسبة مهمة من موارد الدولة، إضافة إلى ذلك فعبر تجميع المعطيات ومركزتها يمكن مراقبة مختلف مكاتب التحصيل وتقييم مردوديتها.

الفرع الثاني: دور المصالح الخارجية للخزينة في عملية التحصيل

تتوفر الخزينة العامة على شبكة هامة من المصالح الخارجية التي تتكفل بالتحصيل الضريبي في جميع مراحله، وتتألف هذه المصالح من الخزائن الجماعية والخزائن الإقليمية بالإضافة إلى القباضات والقباضات الجماعية والأعوان المحاسبين لدى السفارات والقنصليات المغربية بالخارج، وسوف نركز بالخصوص على دور القباضات باعتبارها العنصر المعني مباشرة بعملية التحصيل مع الإشارة إلى دور الخزينة الإقليمية على اعتبار العلاقة التي تربطها بمصالح التحصيل المتواجدة تحت دائرة نفوذها، وتقوم الخزينة الإقليمية بالإضافة إلى دورها في التنسيق بين مختلف مكاتب التحصيل بمهام أخرى أساسية تتمثل بالخصوص في:
– صرف النفقات العمومية ومراقبة صحتها،
– تتبع ومراقبة مختلف العمليات المتعلقة بميزانيات الجماعات المحلية،
– تتبع عمليات الاستخلاص التي تتم على مستوى القباضات التابعة لها ومركزة العمليات المالية والمحاسبية لحساب الخازن العام للمملكة.

بالنسبة للقباضات الجماعية والخزائن الجماعية كما تدل على ذلك تسميتها فهي مكلفة بتتبع تنفيذ ميزانيات الجماعات المحلية وذلك باستخلاص الموارد والرسوم من جهة وصرف النفقات الجماعية من جهة أخرى مع ما يتطلبه ذلك من إجراء لعدة أشكال من المراقبة وإعداد حسابات التسيير المتعلقة بهذه الوحدات الترابية خلال نهاية السنة.

فيما يخص القباضات فإلى جانب دورها الأساسي المتمثل في تحصيل الضرائب والرسوم الواردة بالجداول الضريبة التي يتحملها القباض وكذا الغرامات وأوامر التحصيل الصادرة عن بعض المصالح العمومية تختص بعض القباضات كذلك في صرف المعاشات وإجراء عمليات بنكية ناهيك عن وجود قباضات تتكلف بالإضافة إلى دورها في جباية موارد الجماعات المحلية باستخلاص ضرائب الدولة مما يزيد من مسؤوليات القابض كمحاسب عمومي ويفرض ضرورة أخذ الحيطة والحذر ومسك محاسبة منتظمة ومراقبة دائمة.

نشير كذلك إلى أن الخزينة العامة وفي إطار دعمها لسياسة الإصلاح الإداري واللامركزية الإدارية فقد عملت على بلورة استراتيجية شاملة ركزت من خلالها على ثلاث محاور أساسية ومتكاملة شكلت الإطار العام للإصلاح الذي تركز عليه هذه المديرية وهي:

– التأكيد على ضرورة اقتصار الإدارة المركزية للخزينة على التوجيه وتقديم المساعدة للمصالح الخارجية.
– تحويل المصالح الخارجية للخزينة إلى أقطاب وأبناك للمعلومات حول الوضع المالي والمحاسبي.
– النقل التدريجي لبعض الاختصاصات إلى المصالح الخارجية للخزينة، وفي هذا الإطار تم إحداث مديريات جهوية للخزينة بالإضافة إلى خزينة رئيسية ومكتب رئيسي لأداء الأجور حيث حل هذا الأخير محل مديرية الأجور وصرف المعاشات ([5]).

كانت هذه باختصار فكرة عن المصالح الخارجية للخزينة العامة المكلفة بالتحصيل والتي تحتل من بينها القباضات مكانة الصدارة باعتبارها العنصر الرئيسي والمعني مباشرة بعملية الاستخلاص، أما باقي المصالح كالخزائن الإقليمية والمديريات الجهوية فهي مجرد وحدات إدارية اقتضت طبيعة نشاط الخزينة العامة في مجال التحصيل الضريبي تواجدها وذلك لمركزة المعطيات المالية والإحصائية المحصل عليها على مستوى القباضات لحساب الإدارة المركزية، لكن الملاحظ هو أنه رغم الجهود التي تبدلها الإدارة المركزية للخزينة من أجل التنسيق بين مختلف المصالح الخارجية والنهوض بدورها، فالمردودية الضريبة لازالت إلى حد ما ضعيفة ونسبية وهذا يرجع بالأساس إلى كون استخلاص الضرائب وإن كان من اختصاص القباض بالدرجة الأولى، فإن هذه الوظيفة لا يمكن أن تعطي ثمارها دون مساعدة وتدخل لمجموعة من المرافق الأخرى التي ليس لها ارتباط مباشر بالخزينة العامة وأخص بالذكر هنا المديريات الإقليمية للضرائب والسلطات المحلية.

المطلب الثاني: مسطرة التحصيل بالخزينة العامة

بعد التطرق إلى الأجهزة المكلفة بالتحصيل الضريبي، سوف نحاول الآن تسليط الضوء على الكيفية التي تتم بها عملية التحصيل داخل القباضات وذلك من خلال التطرق إلى مختلف الإجراءات المسطرية والتقنية التي تنظم هذه العملية، وتمتد عملية التحصيل على مرحلتين، مرحلة الاستخلاص الحبي ثم مرحلة الاستخلاص الجبري للضرائب.

الفرع الأول: الاستخلاص الحبي للضريبة

تبدأ عملية الاستخلاص الحبي أو الرضائي للضريبة بتحمل القباض للجداول الضريبية وذلك قبل التكفل بتحصيل المبالغ الواردة بها، وإذا كانت المادة الخامسة من مدونة تحصيل الديون العمومية تنص على ضرورة إرسال الجداول الضريبية إلى القباض على الأقل خمسة عشر يوما قبل حلول تاريخ الشروع في تحصيلها وذلك حتى يتسنى للقباض تفحصها ومراقبة المعطيات الواردة بها، فإن تحمل الجداول الضريبية أصبح يتم تلقائيا عبر استغلال الشبكة الداخلية للمعلوميات وأصبح القباض بمجرد فتح جهاز الحاسوب يمكنهم الإطلاع على نوع الضرائب المتكفل بها وكذا المبالغ التي تم تحملها ويتم في الغالب أداء مبلغ الضريبة إما نقدا أو بواسطة شيك بنكي وبخلاف الشيكات البنكية فالأداء عن طريق الشيكات البريدية يثير عدة ملاحظات وإشكالات على مستوى المحاسبة الخاصة بالقباضة وذلك لأن عملية الأداء التي تتم عن طريقها لا تعتبر منجزة وتامة إلا بعد التوصل بإعلان بالاعتماد من مركز الشيكات البريدية يشير إلى تمام العملية وأنه تم بالفعل تحويل مبلغ الشيك إلى حساب القباضة المفتوح لدى المركز، وهذا ما يدفع بعدد من القباض إلى تجنب التعامل أو قبول الشيكات البريدية وذلك حتى لا يضطروا إلى إعادة تصحيح عملياتهم المحاسبية علما أنهم في الغالب لا يتوصلون بالإعلانات إلا بعد مرور وقت ليس بالقصير على عملية الأداء بواسطة الشيك البريدي .

إلى جانب طرق الأداء هذه، هناك طرق أخرى ذات طبيعة خاصة تتم من خلال استعمال تقنيات المحاسبة العمومية على مستوى القباضة كما أن هناك بعض الملزمين من يفضل أداء ما بذمته من ضرائب وذلك قبل توصله بالإعلان الضريبي بل وقبل صدور الجدول الضريبي، ففي هذه الحالة يتم الاحتفاظ بالمبلغ المؤدى بحساب للحفظ داخل القباضة وذلك في انتظار تحمل القابض للجدول الضريبي الخاص به، أما فيما يتعلق بالمبالغ التي سبق تحملها والتي صدرت بشأنها إعفاءات ضريبية فإنه يتم في هذه الحالة خصم المبلغ أو الضريبة الملغاة من مبلغ التحمل الإجمالي للقباض وكأنما قد تمت تأديتها، وسواء تم الأداء عن طريق استخدام تقنيات المحاسبة على مستوى القباضة أو بإلغاء المبلغ الضريبي فالملزم يحتفظ دائما بحقه في الحصول على وصل الأداء لإبراء ذمته، والجدير بالإشارة هنا هو أن هناك مجموعة من الملزمين أصبحوا يفضلون الأداء عبر استخدام الشبكة العنكبوتية للمعلوميات لكن الملاحظ هو أن هناك نوع من التحفظ في التعامل مع هذه الأخيرة نظرا لبعض العراقيل التقنية المرتبطة بهذه العملية.

نشير في الأخير إلى أنه قبل نهاية فترة التحصيل الحبي للضريبة وبحلول تاريخ استحقاق الضريبة يتم إرسال إعلانات بدون صائر للملزمين وذلك لأجل تذكيرهم بديونهم الضريبية ([6])، وفي حالة عدم الاستجابة داخل أجل شهر من تاريخ الاستحقاق تنطلق مرحلة أخرى من مراحل التحصيل الضريبي وهي مرحلة التحصيل الجبري.

الفرع الثاني: الاستخلاص الجبري للضرائب

تبتدئ مراحل التحصيل الجبري بتبليغ الإنذار ثم الحجز والبيع وتنتهي استثناء بالإكراه البدني، وقد نص المشرع سواء من خلال ظهير 1935 المتعلق بالمتابعات أو مدونة تحصيل الديون العمومية على ضرورة احترام هذا الترتيب وذلك ضمانا لحقوق الملزمين وتفاديا لأي طعن في إجراءات التحصيل قد يعصف بحقوق الخزينة على مستوى القضاء. وتباشر مسطرة التحصيل الزجري في حق الملزمين الذين يتهاونون في تسديد ديونهم خلال المرحلة الحبية أو يمتنعون عن تسديدها دون أن تكون لديهم نية الدفع عبر أقساط أو تكوين ضمانات توقف متابعتهم.

تنطلق المتابعات الجبرية بتوجيه الإنذار القانوني للملزم بالضريبة وذلك بعد مضي ثلاثين يوما عن تاريخ استحقاق الضريبة وعشرين يوما على الأقل عن تاريخ تبليغ الإعلان بدون صائر ([7])، وفي الحالة التي يكون فيها الملزم خاضعا لإجراءات التقويم الضريبي يمكن للقابض تطبيقا للمادة 29 من مدونة تحصيل الديون العمومية أن يقوم بإجراءات تحفظية على ممتلكات الملزم حتى وإن لم تكن الضرائب واجبة الاستحقاق وذلك بناء على إعلان صادر عن مديرية الضرائب وموجه له في هذا الإطار، وفيما يتعلق بالأشخاص الذين يمكن لهم تبليغ الإنذار ومباشرة باقي مراحل التحصيل الجبري فهم أعوان المتابعة قبل أن يطلق عليهم اصطلاح أعوان التنفيذ والتبليغ التابعين للخزينة العامة بمقتضى فصول مدونة تحصيل الديون العمومية، والجدير بالإشارة هنا هو أن التراخيص المنصوص عليها بمقتضى ظهير 1935 قد تم إلغاؤها ([8]) وهو ما يطرح العديد من التساؤلات حول جدوى وقانونية الإجراءات التي تمت مباشرتها بين فترة الإلغاء وصدور التراخيص الجديدة، فقد جرت العادة لدى القباض على العمل بالتراخيص القديمة حتى لا تتوقف المتابعة الردعية للملزمين رغم أن ذلك من شأنه أن يثير مسؤوليتهم في حالة نشوب نزاع على مستوى القضاء يطعن في سلامة إجراءات المتابعة خاصة وأن النصوص غير واضحة في هذا الإطار والصمت عن هذا الإشكال يبقى سيد الموقف، ويمكن للقابض في حالة الضرورة اللجوء إلى أعوان التبليغ والتنفيذ التابعين للقضاء وأعوان السلطة العمومية وكذلك إلى الأعوان القضائيين ويطرح التساؤل بالنسبة لهذه الفئة الأخيرة من الأعوان نظرا لصمت مدونة التحصيل عن الكيفية التي يتم بها تسديد أتعابها، خاصة إذا علمنا أن أغلب أطوار النزاعات التي تنشب على مستوى التحصيل تتطلب تدخل الأعوان القضائيين على مستوى تنفيذ المسطرة القضائية فيجد القابض نفسه في هذه الحالة مكبلا أمام صمت النصوص وضرورة متابعة إجراءات التحصيل، والجديد الذي جاءت به مدونة تحصيل الديون العمومية في هذا المجال هو أن قوائم المتابعة عن طريق الإنذار والتي تحضر على مستوى القباضة لم تعد تخضع لتأشيرة الخازن الإقليمي كما كان عليه الأمر خلال فترة العمل بظهير 1935 وقد ساعد إدخال الحاسوب إلى عالم الإدارة في التعجيل بتحضير هذه القوائم وتفادي الأخطاء التي قد تتضمنها.

بعد تبليغ الإنذار للملزم وفي حالة عدم استجابته وتسديد ما بذمته من ديون يتم اللجوء إلى المرحلة الثانية من مراحل التحصيل الجبري وهي الحجز على منقولات الملزم بهدف بيعها بالمزاد العلني وتغطية مبلغ الضريبة الواجبة في حقه وقد أحالت مدونة تحصيل الديون العمومية على مجموعة من نصوص قانون المسطرة المدنية على اعتبار أن هذه الأخيرة نظمت عملية الحجز كإجراء يمكن الدائنين من الحصول على ديونهم بقوة القانون، وقد منح المشرع للقباض إلى جانب إجراء الحجز التنفيذي على المنقولات إمكانية اللجوء كذلك إلى الحجز التحفظي على منقولات المعني وذلك في الحالات التي يخشى فيها ضياع ضمان الخزينة العامة كالحالة التي يقوم فيها الملزم ببيع منقولاته أو نقلها إلى مكان آخر خارج دائرة نفوذ المحاسب المكلف بالتحصيل، ويمكن تعريف الحجز التحفظي بأنه يهدف إلى وضع اليد على أموال المدين خشية التصرف فيها بالتفويت وبالتالي إلحاق الضرر بالدائنين لذا يتم وضع هذه المنقولات بين يدي القضاء إلى أن يتحول إلى حجز تنفيذي أو رفع اليد عنها، ويباشر الحجز التنفيذي على المنقولات بناء على قائمة اسمية تتضمن أسماء المدينين الذين لم يتمكنوا من الوفاء بديونهم بعد مرور ثلاثين يوما عن تبليغ الإنذار إليهم، وتحضر قائمة المتابعة عن طريق الحجز بنفس الطريقة التي تحضر بها قوائم المتابعات عن طريق الإنذار لكن في هذه الحالة مع ضرورة التأشير عليها من طرف الخازن الإقليمي حيث يعتبر ذلك بمثابة ترخيص من طرف هذا الأخير بمباشرة إجراءات الحجز وبيع المنقولات في حالة عدم تأدية الملزم لمبلغ الدين.

فيما يخص الإكراه البدني، فهذا الإجراء يعتبر إجراء استثنائيا من مراحل التحصيل الجبري

ولا يمكن اللجوء إليه إلا بتوفر شرطين أساسيين : أولهما ألا تفضي الطرق العادية للتحصيل إلى أية نتيجة، وثانيهما أن لا يثبت عسر المدين بمقتضى محضر بعدم وجود ما يحجز أو بمقتضى شهادة العوز أو الاحتياج، ويستثنى من ذلك المدينون المفتعلون للعسر أو الذين يقومون بأفعال وأعمال لغرض عرقلة تحصيل الديون العمومية، فهؤلاء يتابعون بجريمة افتعال العسر المنصوص عليها بمقتضيات المواد 84 إلى 89 من مدونة تحصيل الديون العمومية، وقد اعتبر المجلس الأعلى أن الحبس في مجال الديون من الناحية القانونية ليس بعقوبة جزائية وإنما هي طريقة من طرق التنفيذ الجبري يجبر المدين على القيام بالوفاء بالتزاماته اتجاه الخزينة ([9]) لذا فقد حرص المشرع على ضرورة توفر مجموعة من الشروط لتطبيق مسطرة الإكراه البدني والتي تم من خلالها مراعاة الظروف الإنسانية والاجتماعية للملزمين بالإضافة إلى قيمة الدين، وتجدر الإشارة هنا إلى أن مسطرة الإكراه البدني في ميدان التحصيل بالمغرب تعتبر واضحة ومبسطة بالمقارنة مع نظيرتها بفرنسا حيث يمكن اللجوء حسب الحالات إما إلى القاضي الجنائي أو المدني ([10]).

على العموم إذا كان الاستغناء عن مسطرة الإكراه البدني يتعذر حاليا نتيجة انعدام الوعي الضريبي مما لا يساعد على احترام القوانين، فهل يمكن تقييد اللجوء إليها بضرورة استنفاذ جميع الإجراءات المسطرية الأخرى من إنذار وحجز وبيع ؟ خاصة وأن الإجراءين الأخيرين جد معقدين على مستوى الممارسة بالنظر لضآلة المبالغ المطلوبة أحيانا وبالنظر كذلك لصعوبة التعرف على منقولات وممتلكات بعض المكلفين ذوي النيات السيئة من جهة أخرى، وأعتقد أنه كان من الأجدر الاحتفاظ باللجوء للإكراه البدني مباشرة بعد توجيه الإنذار حسب المادة 27 من ظهير 1935 وذلك على اعتبار أن تبليغ الإنذار يعتبر كافيا لإجبار ذوي النيات الحسنة على تسديد ديونهم، أما اللجوء إلى الحجز والبيع فيعتبر إجراء معقدا يتطلب وقتا ومجهودا كبيرين بالنظر لكثرة الملزمين وقلة الإمكانيات في حين أن الإكراه البدني إجراء وإن كان استثنائيا وغير محبذ فهو يعطي أكله في الغالب خاصة في مواجهة الملزمين ذوي النيات السيئة.

المبحث الثاني

المنازعة القضائية في مجال التحصيل

منح القانون للملزمين إمكانية اللجوء إلى القضاء للطعن في إجراءات المتابعات الممارسة ضدهم، وقد كانت المحاكم الابتدائية بحكم ولايتها العامة هي التي تختص بالبت في جميع القضايا أو النزاعات المطروحة في هذا الباب وذلك إلى أن أحدثت المحاكم الإدارية ([11]) وقد أسندت مدونة تحصيل الديون العمومية الاختصاص للنظر في النزاعات التي قد تنشأ عن تطبيق أحكامها إلى المحكمة الإدارية لمكان استحقاق الديون العمومية وهو إسناد يتماشى وما نصت عليه المادة الثامنة من قانون إحداث المحاكم الإدارية فيما يتعلق باختصاص هذه المحاكم للبت في الدعاوى المتعلقة بتحصيل الديون المستحقة للخزينة العامة، وفي دول أخرى كالولايات المتحدة الأمريكية والمانيا والبرتغال نجد أن هناك محاكم مختصة هي التي تنظر في القضايا المتعلقة بالضريبة، أما في فرنسا فالنزاعات الضريبية تتوزع على نوعين من المحاكم وذلك حسب نوع الضريبة موضوع المنازعة فهناك المحاكم العادية والمحاكم الإدارية ([12]).

رغم كون إحداث المحاكم الإدارية قد شجع على اللجوء إلى القضاء حيث نلاحظ ارتفاعا في عدد القضايا المرتبطة بميدان التحصيل فإن الاختصاص الذي احتفظت به المحاكم الابتدائية والتجارية فيما يتعلق بإجراءات الإكراه البدني وحجز وبيع الأصول التجارية من شأنه أن يساهم بشكل كبير في عرقلة تحصيل الديون العمومية بسبب تداخل الاختصاصات كما أن الإشكال المرتبط بإمكانية اعتبار الضمانة كشرط لإيقاف الأداء عند المنازعة في مسطرة التحصيل لازال قائما على مستوى القضاء المغربي.

المطلب الأول: المنازعة في مسطرة التحصيل ودور الخلايا القانونية الجهوية

تعتبر إجراءات التحصيل الجبري من إنذار وحجز وبيع وإكراه بدني حقلا خصبا تنشط بداخله المنازعات الضريبية وإن كانت حدتها وطبيعتها تختلف من إجراء لآخر؟ فنلاحظ مثلا أن نسبة مهمة من القضايا المتعلقة بإجراءات التحصيل تتطرق إلى بحث صحة إجراءات تبليغ الإنذار وقانونيتها، في حين أن مجموعة أخرى من القضايا تتطرق إلى بحث قانونية ومشروعية اللجوء إلى الإكراه البدني وصحة مسطرته، وعلى العموم فالملزم بالضريبة يتوفر دائما على إمكانية اللجوء إلى القضاء كلما شكك في صحة إجراء من إجراءات التحصيل الجبري التي يباشرها المحاسب المكلف بالتحصيل ضده، وقد حصرت المدونة أساس أو سبب لجوء المدين إلى إثارة المنازعة في مسطرة التحصيل الجبري في منازعته إما في قانونية الإجراء المتخذ من حيث الشكل أو عدم اعتبار أداءات كان قد قام بها، وهنا يمكن طرح تساؤل حول هذين المعيارين هل وردا على سبيل الحصر أم على سبيل المثال فقط، بحيث يمكن الأخذ بمجالات أخرى ؟ أعتقد أن التنصيص على هذين الشرطين ورد فقط على سبيل المثال وذلك رغم طبيعة النص الوارد بالمدونة ([13]) وذلك على اعتبار أنهما الأكثر شيوعا وإلا سوف تضيع حقوق الملزمين في حالة ظهور دوافع وأسباب أخرى وذلك بحرمانهم من التقاضي، ونشير هنا إلى أنه ناذرا ما يتم اللجوء إلى القضاء لكون القابض لم يعتد بأداءات يكون الملزم قد قام بها، ويبقى المجال مفتوحا للطعن في صحة إجراءات التحصيل الجبري الأخرى خاصة فيما يتعلق بتبليغ الإنذار وسلوك مسطرة الإكراه البدني.

الفرع الأول: موقف القضاء المغربي من إجراءات التحصيل الجبري

رغم الجهود التي بذلها المشرع لسد الثغرات التي تضمنها ظهير 1935 المتعلق بالمتابعات فلازال القصور يعتري مجموعة من فصول مدونة تحصيل الديون العمومية خاصة فيما يتعلق بإجراءات التحصيل الجبري، حيث لم تتمكن هذه الأخيرة من الحسم في العديد من الإجراءات والمساطر التي تخلق إشكالا على مستوى القضاء وتشكل ثغرات يستفيد منها مجموعة من المكلفين ذوي النيات السيئة ليتهربوا من تسديد الديون العالقة بذمتهم لفائدة صندوق الخزينة، فالملاحظ مثلا أن تبليغ الإنذار لا يعتد به إلا إذا تم لفائدة الملزم نفسه وما عدا ذلك من طرق التبليغ لا يعتد بها إلا إذا توفرت شهادة التسليم موقعة من طرف الملزم، أما بخصوص الإلصاق كإجراء جديد جاءت به المدونة فلا يعترف به إطلاقا على مستوى محاكم المملكة حيث تقضي المحكمة في الغالب بضرورة إثبات كون القابض قد استنفد جميع الوسائل الأخرى لتبليغ الإنذار قبل اللجوء إلى الإلصاق كإجراء أخير ([14]) وهو ما يصعب إثباته علما أن المدونة تنص على أن الإلصاق يعتبر بمثابة تبليغ للإنذار بمجرد مرور ثمانية أيام عن ذلك، وبطبيعة الحال فبدون تبليغ للإنذار لا يمكن إجراء الحجز ولا حتى اللجوء إلى مسطرة الإكراه البدني وهذا ما يشكل عرقلة واضحة لتحصيل الديون العمومية، فالموقف إذن يتطلب ليونة من جانب القضاء وتأويل النصوص الواردة بمدونة تحصيل الديون العمومية تأويلا صحيحا يتماشى والهدف الذي توخاه المشرع من إصدارها وتبقى المحكمة الإدارية هي المختصة للبت في هذا النوع من القضايا على اعتبار أنها تدخل ضمن القضاء الشامل الذي تملك في إطاره سلطات أوسع وأشمل.

أما الحجز على المنقولات كإجراء من إجراءات التحصيل الجبري، فإن هذا الأخير يعتبر قانونيا وصحيحا متى تم تبيلغ الإنذار للملزم ومر أجل ثلاثين يوما عن هذا التبليغ، ونظرا لحرص القباض على تحقق هذين الشرطين فقليلة هي النزاعات التي تهدف إلى الطعن في إجراءات الحجز، وحتى إمكانية النزاع حول أحقية القابض في حجز منقولات لا تعود ملكيتها للملزم تبقى قليلة على اعتبار أن هذا الإشكال يمكن حله على مستوى الإدارة نفسها عن طريق طلب كتابي موجه من طرف الملزم إلى المحاسب المكلف بالتحصيل يطالبه من خلاله بالتشطيب على المنقولات التي ليست في ملكيته شريطة أن يدلي بما يثبت ذلك، ويطرح الإشكال في حالة الحجز على منقولات بعض المحلات التجارية بغرض بيعها حيث غالبا ما يرفع المسيرون لها دعوى أمام المحاكم يطالبون من خلالها بإيقاف التنفيذ ويطالبون ببيع الأصل التجاري برمته لكون الحجز
على المنقولات لوحدها وبيعها سوف يضر بالقيمة التجارية للمحل، وغالبا ما تستجيب المحاكم لهذا النوع من الدفوع وتقضي ببيع الأصل التجاري مع تعيين خبير لتحديد الثمن الافتتاحي للبيع، وفي هذه الحالة إما أن البيع لا يتم لكون الخبير قد حدد ثمنا خياليا للمبيعات وإما أن يتم فعلا ويوضع منتوجه بكتابة ضبط المحكمة في انتظار توزيعه بين مختلف المتعرضين حسب درجة امتيازهم.

أما بخصوص الإكراه البدني فهذا الأخير يعتبر إجراء استثنائيا كما سبقت الإشارة إلى ذلك وهو ليس هدفا في حد ذاته وإنما وسيلة أخيرة بيد الدولة لتحصيل ديونها، والملاحظ هو أن أغلب التشريعات تتعامل مع الإكراه البدني على هذا النحو فيما يتعلق باستخلاص الديون العمومية، بل والأكثر من ذلك ففي فرنسا مثلا يتم عزل المكرهين بدنيا داخل حجرات خاصة حتى يتم عزلهم عن باقي السجناء المحكوم عليهم في قضايا أخرى ([15]) والمدين الذي صدرت في حقه عقوبة الإكراه البدني يمكنه أن ينازع في صحة مسطرته وذلك في الحالات التالية:

أ -في حالة عدم توصله بالإنذار المتعلق بإمكانية إكراهه بدنيا في حالة عدم تسديده لديونه، والجدير بالإشارة هنا هو أنه رغم سكوت مدونة تحصيل الديون العمومية على إبراز أهمية مسطرة الإنذار وعدم التنصيص عليه داخل موادها فقد جرت العادة بمحاكم المملكة على الأخذ به، وهذا تقصير خطير لم ينتبه إليه المشرع قد تترتب عليه آثار ونتائج مهمة، كما أن التساؤل يطرح في حالة ما إذا تعذر تبليغ الإنذار إلى المعني بالأمر فهل بإمكان المحاسب المكلف بالتحصيل متابعة مسطرة الإكراه البدني أم لا؟ فهذه أمور كان من الأجدر التطرق إليها والحسم فيها ضمن فصول مدونة التحصيل وذلك حتى لا تستغل مثل هذه الثغرات وتضيع حقوق الخزينة العامة.
ب -في حالة عدم صحة الإجراءات التي سلكها القابض قبل الوصول إلى إكراه الملزم بدنيا كعدم توصل هذا الأخير بالإنذار أو عدم القيام بالحجز على منقولاته في حالة وجودها…

أما الإشكال الأساسي فيطرح على مستوى الجهة أو المحكمة التي يرجع إليها الاختصاص للبت في مسطرة الإكراه البدني وعلى العموم فإذا كانت المحاكم الإدارية هي صاحبة الاختصاص فيما يتعلق بنزاعات التحصيل فإن هناك بعض الاستثناءات التي كان لابد من الإشارة إليها عند صياغة نص المادة 141من مدونة التحصيل والناجمة بالأساس عن طبيعة بعض الإجراءات التي يلجأ إليها المحاسب المكلف بالتحصيل لاستخلاص الديون الضريبية وكمثال على ذلك فالقابض يلجأ إلى المحاكم التجارية لطلب بيع الأصل التجاري وهو نفس الأمر الذي يسري على الطعن في مسطرة الإكراه البدني حيث يتم اللجوء إلى رئيس المحكمة الابتدائية.

إذا كانت المحاكم الإدارية هي المختصة مبدئيا للبت في القضايا الناشئة عن تطبيق مقتضيات مدونة تحصيل الديون العمومية فإن هناك استثناءات لابد من مراعاتها والانتباه إليها خاصة وأن هناك فئة من الملزمين يستغلون عدم وضوح النصوص القانونية على مستوى الاختصاص، وذلك لرفع تظلماتهم أمام محاكم غير مختصة رغبة منهم في ربح حيز من الوقت وهذا ما دفع بالخزينة العامة للمملكة إلى خلق مجموعة من الخلايا القانونية على المستوى الجهوي وذلك من أجل تخطي الهفوات القانونية وتتبع المنازعات الإدارية والقضائية التي تكون الخزينة طرفا فيها.

الفرع الثاني : اختصاصات الخلايا القانونية الجهوية وحدود تدخلاتها

كما سبقت الإشارة إلى ذلك يطرح تحصيل الديون العمومية من طرف القباض نزاعات مختلفة تتطلب في كثير من الحالات نهج مساطر قضائية معقدة في التعامل مع مختلف أصناف محاكم المملكة ولضمان دفاع أمثل لحقوق الخزينة العامة أصبح من الضروري:

– الحرص على مباشرة الإجراءات والمساطر داخل الآجال القانونية.
– الاتصال المباشر بالأطراف المعنية من أجل الحصول على الوثائق والمستندات الكفيلة بتعزيز موقف الخزينة أمام القضاء.
– تبليغ وتنفيذ الأحكام الصادرة لفائدة الخزينة العامة.
ولتحقيق هذه الأهداف حرصت الإدارة المركزية للخزينة العامة على خلق خلايا جهوية على مستوى التراب الوطني وتنظيم دورات تكوينية لفائدة مجموعة من أطر الخزينة في ميدان المنازعات الضريبية مع الحرص على وضع إطار تنظيمي يحدد اختصاصات الخلايا الجهوية وعلاقتها بالقباض، وتختص الخلايا القانونية الجهوية في تتبع مختلف النزاعات القضائية المتعلقة بتحصيل الديون العمومية وعلى مستوى جميع مراحل التقاضي كما تتلخص وظائفها فيما يلي:

– التعقيب على مختلف المقالات الافتتاحية.
– تتبع مساطر التحصيل القضائية ومساعدة القباض على مباشرتها.
– استئناف والطعن بالنقض في مختلف الأحكام الصادرة ضد الخزينة العامة.
– حضور الجلسات التي تكتسي صبغة خاصة وتتطلب شرح وتوضيح موقف الخزينة بشكل أكثر دقة.

وقد حرصت مديرية الخزينة العامة على تزويد مختلف جهات المملكة بالعدد الكافي من الخلايا القانونية على مستوى المديريات الجهوية وذلك حسب عدد القضايا المطروحة على مستوى الجهة وطبيعتها وكذا حسب عدد القباضات المتواجدة على مستوى كل جهة ([16]) ولكي تتمكن الخلايا القانونية الجهوية من القيام بمهامها في أحس الظروف كان لابد من تنظيم طريقة التعامل بينها وبين القباض العاملين بدائرة نفوذها، ولهذا فقد تتم إلزام كل قباضة وكل خلية قانونية بمسك سجلات خاصة لتتبع سير القضايا وأخرى خاصة بتسجيل الوثائق والمستندات المرسلة من طرف القباضات للخلايا الجهوية مع الحرص على تنظيم عملية استيلامها وإرسالها نظرا لما يمكن أن تطرح عملية تبادل الوثائق والرسائل من مشاكل.

وليتمكن الخزنة الإقليميون والجماعيون الذين لا تتوفر مصالحهم على خلايا قانونية من متابعة مآل مختلف القضايا المتعلقة بتحصيل الديون العمومية على صعيد جهتهم، تقوم الخلايا الجهوية بتزويدهم شهريا ببيانات إحصائية حول المنازعات القضائية المتعلقة بالقباضات التابعة لهم كما أن هناك خلية قانونية مركزية تقوم بالتنسيق بين مختلف الخلايا القانونية الجهوية.

كان هذا باختصار كل ما يمكن قوله عن اختصاص الخلايا القانونية الجهوية التابعة للخزينة وقد كان من الممكن التفكير في استبدال هذه الأخيرة بمصلحة للمنازعات على مستوى كل قباضة بحيث تتكلف هذه الأخيرة بمجموع النزاعات المطروحة على أنظار القضاء، ويشرف على هذه المصلحة عنصر أو عنصرين يعملان تحت الرقابة المباشرة للقابض والذي يخضع بدوره لرقابة الخازن الإقليمي، والإبقاء على خلية قانونية جهوية على مستوى كل مديرية جهوية تتكلف بمهمة تتبع عمل تلك المصالح والتنسيق بينها، فبهذه الطريقة يمكن ربح الوقت ومنح المسؤولين عن تلك المصالح مرونة أكثر في التعامل مع الملفات والقضايا وذلك بالنظر للعدد القليل من النزاعات التي سوف تكون مطروحة أمامهم وبالنظر كذلك إلى سهولة الحصول على الوثائق والمستندات التي سوف يدعمون بها مواقفهم ومذكراتهم.

المطلب الثاني: الضمانة كشرط لإيقاف أداء الديون الضريبية

قبل الحديث عن وجوب تقديم ضمانات لمن ينازع قضائيا في ميدان التحصيل الجبائي لابد من الإشارة أولا إلى ضرورة التمييز بين المنازعة في الوعاء الضريبي أو في أساس الضريبة وبين المنازعة في إجراءات التحصيل والمتابعة، وذلك لما تتميز به كل منازعة من خصوصيات من حيث القوانين الواجبة التطبيق والمساطر المتبعة قبل رفعها إلى القضاء، هذا فضلا عن اختلاف الإدارة المؤهلة للرد عليها كمدعى عليها في كل نوع، ويعود السبب في الخلط بين المنازعتين إلى عدم تمييز أغلب الملزمين بين وظيفتي الفرض والتحصيل اعتبارا لوحدة الإدارة الجبائية، فالوظيفة الأولى هي من اختصاص مديرية الضرائب والثانية هي من اختصاص مديرية الخزينة العامة للمملكة، فالملزم الذي ينازع في أساس الضريبة وبالتالي في مبلغها عليه يعود على الجهة الإدارية التي حددت الأساس والمبلغ وهذا في نهاية المطاف هو المقصود من أغلب المنازعات الجبائية، أما إذا كان ينازع في إجراءات التحصيل في حد ذاتها فعليه متابعة الطرف المسؤول عنها وهو المحاسب العمومي، غير أن الملاحظ هو أن اجتهاد المحاكم الإدارية اتجه أخيرا إلى قبول المنازعة في الوعاء والتحصيل معا في دعوى واحدة متى تعلقت هذه الأخيرة بسند واحد للدين يتعلق بنفس الملزم، وعلى ضوء هذا التمييز بين الأطراف المدعى عليها وموضوع النزاع تتحدد طبيعة الدعوى الجبائية أمام القضاء فهل هي دعوى قضاء شامل أم هي دعوى إلغاء أم هي دعوى تتأرجح بينهما؟

نعود الآن للحديث عن مسألة الضمانة لإيقاف تنفيذ المتابعات في ميدان تحصيل الضرائب والرسوم، فتطبيقا لمقتضيات المادة 117 من مدونة تحصيل الديون العمومية وقبل ذلك المادة 15 من ظهير 1935 فالأصل هو أداء الدين العام بالرغم من أية مطالبة أو دعوى إلا أنه يمكن استثناء لهذه القاعدة إمكانية إيقاف الأداء شريطة أن يكون المدين – طالب إيقاف التنفيذ – قد تقدم بمطالبته داخل الآجال المنصوص عليها قانونا وأن يكون قد قدم ضمانات من شأنها أن تؤمن تحصيل الديون المتنازع بشأنها، وهذا توجه منطقي، فلو سمحنا لكل من ينازع في صحة الضريبة أن يتوقف عن أدائها لترتبت عن ذلك نتائج خطيرة قد تضر بمصالح الخزينة، فالمشرع المغربي من خلال تخويله هذه الإمكانية كان يهدف إلى خلق وإيجاد توازن صعب بين حقوق الملزم والإدارة المكلفة بالتحصيل وقد سارت أغلب الأنظمة الضريبية سواء في البلدان
النامية أو المتقدمة في هذا الاتجاه.

الفرع الأول: الجدال والتضارب الحاصل حول مسألة وقف الأداء

بالإطلاع على مجموعة الأحكام والقرارات الصادرة عن محاكم المملكة يتضح أن هناك تضاربا واضحا في المواقف فيما يتعلق بالجهة القضائية المختصة للبت في طلبات وقف التنفيذ ووقف الأداء، فهل يعود الاختصاص إلى القضاء الاستعجالي باعتبار أن هذا النوع من المطالب يعتبر إجراء وقتيا وتحفظيا، أم يعود أمر البت فيها إلى محكمة الموضوع على اعتبار أنها طلبات تمس جوهر وعمق الفرض الضريبي ؟ ففي الوقت الذي تستند فيه بعض المحاكم الإدارية التي تقول بإسناد هذا الاختصاص لمحاكم الموضوع إلى المادة 254 من القانون المحدث للمحاكم الإدارية، نجد أن المحاكم الأخرى التي تسند الاختصاص للقاضي الاستعجالي تستند على ما جرى به العمل قبل إحداث هذا النوع من المحاكم ([17]).

وهذا ما يفسر كون مجموعة من الأحكام الاستعجالية أو الموضوعية التي تقضي بوقف التنفيذ تتفادى ذكر الأساس القانوني الذي اعتمدت عليه في أحكامها وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على الفراغ التشريعي الموجود في هذا الصدد والذي مع الأسف لم تعره مدونة التحصيل أدنى اهتمام، الأمر الذي يؤثر سلبا على إمكانية حصر وتحديد الشروط الضرورية للترخيص بوقف التنفيذ، فالأصل في الدين الضريبي هو الأداء كما نصت على ذلك أغلب التشريعات الضريبية، لكن يمكن استثناء الإقرار بإمكانية طلب إيقاف الأداء كحق استثنائي متوقف على تقديم ضمانات حيث يطرح هذا الأمر في بلادنا بعض الملاحظات الأساسية:

– الفصل 15 من ظهير 1935 وكذا المادة 117 من مدونة تحصيل الديون العمومية ينصان على أن وقف الأداء مشروط بتقديم ضمانات وبالتالي فالطعن في حد ذاته لا يوقف الأداء، في حين أن الفصل 9 من ظهير 1924 المتعلق بتحصيل الديون العمومية ينص على أنه في حالة تقديم مطالبة فلا يلزم المكلف إلا بنصف المبلغ الضريبي أما الباقي فيجب دفعه حالما يقع تبليغ الحكم.

– نلاحظ كذلك أن هناك تناقض بين الفصل 15 المذكور والمادة 30 من مرسوم 1967 المتعلق بالمحاسبة العمومية، حيث تنص هذه الأخيرة على أن قوائم الاستخلاص تتمتع بالقوة التنفيذية إلى أن يتم تقديم تعرض لدى المحاكم المختصة من طرف الملزم ([18]).

وبالعودة إلى نصوص مدونة تحصيل الديون العمومية نلاحظ أن هذه الأخيرة عند تحديدها للجهات التي شملها المنع من إيقاف أو تأجيل الوفاء بالديون العمومية لم تشر إلى السلطة القضائية، وهذا معناه أن القاضي بوسعه أن يؤجل أو يوقف استخلاص الدين الضريبي بدون التقيد بما ورد في المدونة من شروط، وقد اتجه القضاء المغربي فعلا إلى وقف التنفيذ في كثير من الحالات خاصة إذا ما توفر شرطين أساسيين يأخذ بهما القضاء الفرنسي وهما:

– توفر المنازعة الجدية في الموضوع .
– استخلاص الدين العمومي من شأنه أن يتسبب للملزم في أضرار يصعب تداركها.

ونفس ما يمكن ملاحظته بالنسبة لإيقاف إجراءات الاستخلاص ينطبق على تأجيل أداء الدين العمومي، فالقضاء المغربي يعتبر قرار المحاسب المكلف بالتحصيل برفض طلب المدين بوقف أداء الدين العمومي قرارا إداريا كبقية القرارات الإدارية ويأتي لأحد الأسباب التالية:
– إما لعدم تقديم ضمانات .
– لتقديم ضمانات غير كافية لتغطية الدين المطالب به.
– أو لتقديم ضمانات غير مقبولة.

ونظرا لطابع الاستعجال الذي تكتسيه هذه المسألة فقد أقرت جل التشريعات سيرا على النهج الفرنسي ضرورة إخضاع قرار المحاسب برفض طلب وقف أداء الدين للأسباب السابقة إلى رقابة القاضي الاستعجالي حيث تراعى بذلك مصلحة الملزم، وهو نفس النهج الذي سارت عليه الممارسة الإدارية والقضائية بالمغرب.

أمام هذا الغموض وتباين الأحكام حول مسألة وقف تنفيذ وأداء الدين العمومي الضريبي يبقى أكبر عيب يوجه إلى المدونة الجديدة من ضمن مجموع العيوب الأخرى هو عدم قدرتها على الفصل في الموضوع وذلك من أجل صيانة حقوق الخزينة العامة.

الفرع الثاني : موقف القضاء المغربي من مسألة وقف الأداء

تطبيقا لمقتضيات المادة 15 من ظهير 1935 والمادة 117 من مدونة التحصيل يعتبر تأجيل أداء الضريبة حق معترف به بقوة القانون للملزم بها وذلك متى توفرت لديه كافة شروطه وخاصة الضمانات المتطلبة، غير أننا لا نجد نصا صريحا يمنح الاختصاص عندنا لقاضي المستعجلات كما هو الشأن بالنسبة للقانون الفرنسي الذي يتيح للملزم إمكانية أن يرفع أمره إلى قاضي المستعجلات بالمحكمة الإدارية داخل أجل 15 يوما من تاريخ توصله بموقف الرفض الصادر عن المحاسب، ليحكم بكفاية الضمانات أو الإعفاء من تقديم غيرها، وعلى العموم فقد جرت العادة بمختلف مكاتب التحصيل بالمغرب على أنه للاستفادة من إمكانية إيقاف الأداء لابد من توافر ثلاث شروط أساسية:

  1. رفع شكاية إلى إدارة الضرائب أو المحكمة المختصة : ويجب أن يتم داخل الآجال القانونية المنصوص عليها، ويعود أمر التأكد من مسألة الدفع داخل الآجال إلى مصالح الوعاء أو القضاء ويتعين على المحاسب المكلف بالتحصيل أن يراقب بدوره ذلك من خلال تنصيصه على ضرورة تقديم شهادة صادرة عن مصالح الوعاء تفيد بوضع المطالبة داخل الآجال القانونية أو طلب نسخة من المذكرة المرفوعة إلى القضاء مصحوبة بطابع وختم كتابة ضبط المحكمة المختصة.
  2. تقديم طلب الاستفادة من وقف الأداء : بالموازاة مع الشكاية أو المذكرة التي يدفع بها الملزم إلى القضاء أو الإدارة الجبائية يتعين عليه رفع طلب يهدف إلى المطالبة بوقف الأداء إلى المحاسب المكلف بالتحصيل مع ضرورة التنصيص داخلها على الأسباب الداعية إلى طلب وقف الأداء، طبيعة ومبالغ الديون المتنازع بشأنها والضمانات المخولة.
  3. تقديم ضمانات : يتعين على المحاسب المكلف بالتحصيل خلال تقييمه للضمانات المخولة أن يراعي ثلاث عناصر أساسية تتمثل في إعطاء الأولوية للضمانات الأكثر تداولا والتي ليس من شأنها أن تخلق مشاكل فيما بعد والتأكد من أن الضمانات المخولة ليست متصلة بأي رهن أو أي حقوق أخرى امتيازية، و أن قيمتها كافية لتسديد مبالغ الديون المتنازع بشأنها.

ولابد من التذكير بأن الخاضع للضريبة يتحمل المصاريف التي اضطر إليها من أجل تقديم الضمانات، كرسوم الرهن مثلا أو غيره ولا يجوز له المطالبة باسترجاعها حتى في حالة استجابة المحكمة إلى مطالبه بإلغاء الضريبة أو التخفيض منها تطبيقا لمقتضيات المادة 16من ظهير 1935، والغريب في الأمر هو أن مدونة تحصيل الديون العمومية اكتفت فقط بالإشارة إلى أن تلك المصاريف تبقى على عاتق الملزم دون الإشارة إلى إمكانية استرجاعها أو عدمه وهو ما قد يثير جدالا فيما بعد على مستوى القضاء إذا طالب المكلف باسترجاعها ويعتبر ذلك قصورا من جانب واضعي مدونة التحصيل كان من الأجدر الانتباه إليه.

نشير كذلك هنا إلى ضرورة التمييز بين طلب وقف الأداء الذي يبقى مشروطا بضرورة وجود نزاع على مستوى القضاء أو الإدارة الجبائية، وطلب آجال للأداء الذي يعود أمر البت فيه للمحاسب المكلف بالتحصيل في إطار إمكانية منح التسهيلات المرخص بها في حدود إثنا عشر شهرا ([19]).

قبل إحداث المحاكم الإدارية تبنت جل محاكم المملكة موقفا موحدا فيما يخص ضرورة تقديم الضمانة لكل من يطالب بوقف الأداء وينازع في الضريبة، وبذلك فقد كانت تؤمن بأن على الملزمين بالضريبة أن يدفعوا المبالغ المستحقة بغض النظر عن كل مطالبة أو مرافعة أمام القضاء وأن تأجيل الأداء لا يمكن أن يتم إلا بتقديم ضمانات، وقد استقر اجتهاد المجلس الأعلى على هذا الاتجاه بحيث اعتبر في قراره الصادر بتاريخ 16/04/1992 في الملف رقم” 89/10308 أن عدم تسجيل الرهن المقدم كضمانة في السجل التجاري وعدم إثبات كفاية الضمانات المقدمة لتسديد الدين الضريبي يجعل من هذه الضمانات غير مستوفية لشروطها القانونية وأن القرار الصادر بإيقاف المتابعة بناء على ذلك هو قرار مخالف لمقتضيات الفصل 15 من ظهير 1935 ” وقضى المجلس بنقض القرار المذكور ([20]) .

أما بعد إحداث المحاكم الإدارية فقد تضاربت المواقف بشأن الأخذ بالضمانة كشرط لإيقاف المتابعة أم لا، فنجد مثلا أن المحكمة الإدارية بأكادير تقضي في حكمها .عدد96/10 بتاريخ 1996/4/23 ملف رقم 1/96 بأن ” الاستخلاص الجبري للدين الضريبي طلب وقتي من اختصاص القاضي الاستعجالي في إطار الفصل 15 من ظهير 1935 والمادة 19 من قانون 90-41 ومن شروط الاستخلاص الجبري للدين الضريبي:

أ – المنازعة في صحة الدين.
ب – تقديم ضمانة تؤمن استيفاء هذه الضريبة عند اللزوم ما لم ينازع طالب التأجيل بصفة جدية في صفته كملزم ([21]).

ثم تعود نفس المحكمة لتقضي في حكمها عدد 29/97 بتاريخ 1997/6/3 ” بالتأجيل المؤقت لإجراءات
الاستخلاص الجبري بشأن الضريبة على الشركات برسم سنة1992″ ([22]) .

يتضح إذن من خلال هذين الحكمين وغيرهما من الأحكام الصادرة عن محاكم المملكة أن هناك اختلاف وتناقض في التعامل مع مقتضيات المادة 15 من ظهير 1935 وكذا المادة 117 من مدونة التحصيل، فرغم أن هذه المادة الأخيرة قد بسطت إلى حد ما الأمور بالنسبة للمكلف إلا أنها أغفلت أمورا هامة كالتنصيص على ضرورة تقديم ضمانات بالنسبة لمن ينازع في مبلغ الضريبة دون الإشارة إلى من ينازع في مشروعية الفرض على غرار المادة 15، وهو ما قد يفتح الباب على مصراعيه لعدد من التأويلات والاجتهادات.

نلاحظ كذلك أن هناك اجتهادا آخر جاءت به محاكم المملكة وهو ضرورة المنازعة جديا في صفة المدعي كملزم لإعفائه من تقديم ضمانات، وهذا ما لم تنص عليه المادة 15 ولا المادة 117 من مدونة التحصيل فهذا النوع من الاجتهاد من شأنه أن يجنب الخزينة العامة موارد هامة على اعتبار أن أغلب الملزمين سوف ينازعون في صفتهم كملزمين لاجتناب تأسيس ضمانات توقف إجراءات التحصيل الجبري ضدهم.

ونخلص في الأخير إلى أنه رغم إحداث محاكم إدارية وأخرى تجارية بالمغرب والتي ساهمت دون شك في التخفيف من الضغط على المحاكم العادية فيما يتعلق بعدد القضايا المطروحة عليها ومنح المنازعة في الميدان الضريبي نوعا من المرونة والجدية في النزاع، ورغم العمل بمقتضيات مدونة تحصيل الديون العمومية فيما يتعلق بمسطرة التحصيل، فإن النتيجة على مستوى المردودية تبقى مع ذلك نسبية وهذا يرجع في نظرنا إلى أسباب عديدة ومتداخلة، فإلى جانب القصور الذي تتضمنه بعض مواد المدونة والذي يتم استغلاله من طرف بعض الملزمين للتملص من التزاماتهم الضريبية ويفتح الباب أمام تعدد الاجتهادات والتفسيرات، هناك أيضا عوامل داخلية هيكلية ترتبط بإدارة الخزينة العامة نفسها ونخص بالذكر ضرورة الرفع من تأهيل وتأطير العناصر البشرية العاملة بهذه المديرية وإعادة تنظيم المصالح الخارجية بشكل يتماشى والأهداف المسطرة على مستوى الإدارة المركزية.


[1] دخلت المدونة حيز التحقيق أكتوبر2000 .

[2] ظهير منظم لتحصيل ديون الدولة.

[3] ظهير منظم للمتابعات في ميدان تحصيل الديون العمومية.

[4] من أهم هذه البيانات يمكن أن نذكر:
– بيان الحسابات (p 102) وهو بيان شهري يوضح وضع الحسابات داخل القباضة.
– بيان الوضعية الجبائية (p 103) وهو وثيقة تحدد حجم التحملات داخل القباضة ونسبة التحصيل والباقي استخلاصه.

[5] قرار وزير المالية والخوصصة رقم 8/2002 و9/2002 بتاريخ 2002/2/01.
الضرائب وإن كان من اختصاص القباض بالدرجة الاولى، فإن هذه الوظيفة لا يمكن أن تعطي ثمارها دون مساعدة وتدخل لمجموعة من المرافق الاخرى التي ليس لها ارتباط مباشر بالخزينة العامة وأخص بالذكر هنا المديريات الإقليمية للضرائب والسلطات المحلية.

[6] المادة 36من مدونة تحصيل الديون العمومية تجعل من إرسال الإعلان بدون صائر شرطا أساسيا تتوقف عليه إجراءات التحصيل.

[7] المادة 41من مدونة تحصيل الديون العمومية.

[8] المادة30 و31 من مدونة تحصيل الديون العمومية.

[9] قرار صادر عن المجلس الاعلى بتاريخ 1965/02/16 .

[10] Yves Sainte-Aure, Paiement et recouvrement de I’impot, ed. Liaisons, 1999, p. 352-353.

[11] قانون رقم 90-41.

[12] Maurice Duverger, Element de fiscalite, Presses Universitaires de France, p. 109.

[13] المادة 119 من مدونة تحصيل الديون العمومية.

[14] حكم صادر عن المحكمة الإدارية بمراكش ضد قابض مدينة الصويرة المدينة ملف عدد 100/2002 تحت رقم 174 بتاريخ 2003/6/4 .

[15] Paiement et recouvrement de I’Impdt, OPC, p. 355.

[16] مذكرة مصلحية رقم 25/خ. ع .م . بتاريخ 2001/8/29 الصادرة عن مديرية الخزينة العامة.

[17] عبد الرحمن ابليلا، تحصيل الضرائب والديون العمومية على ضوء المدونة الجديدة، مطبعة الامنية، 1998، ص . 148.

[18] عبد الرحمن ابليلا، المنازعات الجبائية بالمغرب بين النظرية و التطبيق، مطبعة الامنية، 1998، 148 .

[19] ليس من حق المحاسب المكلف بالتحصيل أن يمنح تسهيلات في الاداء تزيد مدتها على إثنا عشر شهرا لان ذلك يبقى من اختصاص الخازن الإقليمي، كما أن منح التسهيلات يبقى مشروطا بضرورة تحرير طلب معلل من طرف الملزم وتقديم ضمانات كافية.

[20] المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 22، 1998، ص . 77 -76.

[21] نفس المرجع، ص. 77.

[22] المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 26، 1999، ص . 130.

اترك رد

https://powderencouraged.com/zht6b3bs66?key=8523542c4aaf6f083ce56f74bd271319
https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من فضاء المعرفة القانونية -espace connaissance juridique

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة