محاكم الاستئناف الإدارية
ذ . محمد العلوى
أستاذ زائر بكلية الحقوق بسلا
ومنتدب قضائي إقليمي بوزارة العدل
نظرا للتغيرات السريعة والمتتالية التي عرفتها العلاقات الدولية والتي أفرزت تطورات اقتصادية وسياسية شهدها العالم في العقد الماضي من هذا القرن وخاصة حدث انهيار جدار برلين واندحار المنظومة الاشتراكية ، فقد حاول النظام الرأسمالي الجديد، أو ما يسمى بالنظام العالمي الجديد أن يتظاهر بإطلاق موجة جديدة من الحقوق والحريات ، مروجا بذلك لمبدا حتميته التاريخية في السياسة الدولية وتماشيا ومنطق هذه التحولات ، واستجابة للحاجيات الوطنية المتمثلة في محدودية مرافق الدولة ومؤسساتها وخاصة القضائية منها في استيعاب وإشباع الحاجات العامة المتزايدة ، فقد استبق المشرع المغربي بدهاء وذكاء حاديين تيارات النظام العالمي الجديد حيث أعلن المغفور له الحسن الثاني في خطابه التاريخي الذي القاه في 1990/20/5 عن تأسيس كل من المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان والمحاكم الإدارية ، وتتميما لهذه المسيرة الحسنية المباركة التي شملت مختلف الميادين الحضارية وخاصة القضائية منها، فقد قرر الملك محمد السادس نصره الله إنشاء مؤسسات قضائية جديدة من أجل مواكبة حركية الطفرات التي تحفل بها مرافق الدولة وذلك مواصلة لمخطط الإصلاح الذي يهدف من خلاله جلالته إلى بناء دولة المؤسسات وترسيخ مبدا فصل السلطات وإعطاء القضاء وتبوئه المكانة اللائقة به من أجل تدعيم مقومات العدل بصفة عامة والقضاء الإداري بصفة خاصة وذلك تكريسا لمبدا الشرعية وسيادة القانون في كل تصرفات الدولة وأعمالها القانونية وخاصة العلاقة الثنائية التي تربط الإدارة بالمواطنين ، وبمناسبة افتتاح المجلس الأعلى للقضاء بتاريخ 15دجنبر 1999 أعلن جلالته عن قرار إحداث محاكم الدرجة الثانية للتقاضي على المستوى الإداري في أفق اكتمال بناء مؤسسات القضاء الإداري بإحداث مجلس الدولة وذلك طبقا للخطاب الملكي السامي والذي جاء فيه : “كما قررنا إحداث محاكم استئناف إدارية في أفق إنشاء مجلس للدولة يتوج الهرم القضائي والإداري لبلادنا حتى تتسنى مواجهة كل أشكال الشطط وحتى يتاح ضمان سيادة الشرعية ودعم الإنصاف بين المتقاضين “، فإحداث هاته المحاكم يشكل درجة ثانية للتقاضي تستأنف أمامها الأحكام الصادرة عن المحاكم الإدارية الشيء الذي يخفف العبء عن الغرفة الإدارية ويمكنها من ممارسة وظيفتها كمحكمة قانون كما يتيح للمتقاضين إمكانية الطعن بالنقض في الأحكام والقرارات النهائية الصادرة في الدعاوى الإدارية وذلك تحقيقا للإنصاف والعدل وضمانا للشرعية وسيادة القانون . ولهذا فقد أكد جلالته في خطابه السامي على قرار تأسيس مجلس الدولة يعلو صرح القضاء الإداري الشيء الذي يشير بشكل صريح إلى مبدا ازدواجية القضاء ببلادنا، لذا فإن هذا القرار التاريخي يعتبر بحق محطة تاريخية متميزة نحو الإقرار النهائي لمبدا ازدواجية القضاء.
ومادام قانون إحداث محاكم الاستئناف الإدارية يشكل مرحلة انتقالية نحو إقرار مبدا الازدواجية القضائية ببلادنا.
وتبعا لطبيعة الموضوع ووحدته العضوية ، فإن المنطق المنهجي يفرض علينا مقاربته من خلال مقارنة بعض مقتضيات قانون إحداث المحاكم الإدارية مع المستجدات التي حفل بها نظيره المحدث للمحاكم الاستئناف الإدارية.
فما هي أهم المستجدات التي تضمنها القانون المذكور؟
وإلى أي حد استطاع أن يزيل مظاهر اللبس والغموض الذي اكتنفت المقتضيات التي تضمنها نظيره المحدث للمحاكم الإدارية؟
تلك هي أهم التساؤلات التي سنحاول ملامستها في هذه الدراسة.
وذلك لرصد مظاهر النقص والغموض الذي اعترى القانون الأول ، وإلى أي حد توفق القانون الثاني المحدث لمحاكم الاستئناف الإدارية من حسم تلك الإشكاليات .
وذلك ما سنتطرق إليه عبر التركيز على أهم المستجدات التي تضمنها قانون إحداث محاكم الاستئناف الإدارية على الشكل التالي:
أولا : مؤسسة المفوض الملكي
إن المشرع المغربي لم يدرج مؤسسة المفوض الملكي في التأليف الهيكلي للمحكمة الإدارية والاستئنافية وإنما أوردها ونص على وجودها في هيئة الحكم وهذا ما تضمنته الفقرة الأخيرة من المادة الثانية من قانوني 41-90 و 03-80، المشرع فالمغربي استهل الفقرة الأولى من المادتين المذكورتين بفعل مضارع صريح لا يدع مجالا للتأويل والتفسير ” تتكون المحكمة الإدارية من:
- رئيس وعدة قضاة ،
- كتابة الضبط.
ويجوز تقسيم المحكمة الإدارية إلى عدة أقسام حسب أنواع القضايا المعروضة عليها”. وقد نص المشرع في ختام هذه الفقرة على جواز تقسيمها حسب أنواع القضايا إلى قضاء شامل وقضاء للإلغاء ثم القضاء الاستعجالي ، تاركا مسألة التقسيم عامة ومجملة ليتولى تفسيرها الاجتهاد القضائي تبعا لطبيعة القضايا المعروضة على المحكمة ووفقا للمستجدات وما تفتضيه المصلحة المرسلة ، فالمشرع كان حكيما لأنه صدر الفقرة الأولى بفعل لا تتكون ” وهو فعل متعد يستوجب ويقتضي جوابا صريحا على سبيل الحصر والتحديد، ثم أنهى الفقرة بفعل ” يجوز” الذي يدل على الإباحة والتخيير دون تكليف محدد، ثم انتقل بعد ذلك إلى الفقرة الثانية ، حيث استهلها بفعل مضارع “يعين ” في قانوني 90-41 ” رئيس المحكمة الإدارية من بين قضاة المحكمة .. مفوضا ملكيا للدفاع عن القانون والحق ” وكذا في قانون 03-80 (يعين الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف الإدارية من بين المستشارين مفوضا ملكيا أو أكثر للدفاع عن القانون والحق باقتراح من الجمعية العمومية لمدة سنتين قابلة للتجديد)، فمن خلال إشارة نص هاتين الفقرتين، نستشف أن المشرع لم يدرجه المفوض الملكي في التأليف الهيكلي للمحكمة الإدارية والاستئناف الإدارية ولكن وجوده وتعيينه مستمد من سلطة واختصاص رئيس المحكمة الإدارية والرئيس الأول لمحكمة الاستئناف الإدارية اللذان يعيناه من بين قضاة المحكمة للدفاع عن القانون والحق باقتراح من الجمعية العمومية ، الشيء الذي يدل دلالة قطعية على نسبية ومحدودية وضعف فعاليته في القضاء الإداري بصفة عامة وفي المنازعات الإدارية بصفة خاصة ، وذلك رغم إلزامية وإجبارية حضوره في جلسة الحكم طبقا للفقرة الثانية من المادة الخامسة من القانون 90-41 والتي نصت على أنه ” يجب أن يحضر المفوض الملكي للدفاع عن القانون والحق ” .
ومن خلال هذا النص ، نستشف أن حضور المفوض الملكي بجلسة الحكم أصبح أمرا إلزاميا ومن النظام العام وأن الإخلال بهذا المبدأ يجعل تأليف هيئة جلسة الحكم باطلة.
فإذا كان حضور المفوض الملكي إلزاميا، فهل تمتد تلك الإلزامية إلى مستنتجاته الكتابية أمام هيئة الحكم . نشير إلى أن مستنتجات المفوض الملكي أمام المحكمة الإدارية كانت مطبوعة بطابع الإلزام سواء تعلق الأمر بمستنتجاته الكتابية أو الشفوية وفقا للفقرة الثالثة من قانون 90-41 والتي جاء فيها ويعرض المفوض الملكي للدفاع عن القانون والحق … آراءه المكتوبة والشفهية على هيئة الحكم ” ، لكن قانون إحداث محاكم الاستئناف الإدارية حصر صفة الإلزام وقصرها على المستنتجات الكتابية فقط دون الشفوية حيث أصبحت هذه الأخيرة أمرا اختياريا يمكن أن يدلى بها أو أن يستعيض عنها بالمستنتجات الكتابية وقد أحدث المشرع هذا التعديل تخفيفا للعبء الملقى على عاتق المفوض الملكي من جراء كثرة القضايا والملفات الإدارية التي أصبحت تتهاطل على محاكم الاستئناف الإدارية ، حيث أصبح من الصعب على المفوض الملكي أن يقوم بتقديم مرافعاته الشفوية في كل قضية على حدة أما بالنسبة لحضوره في هيئة الحكم فبعد أن كان يكتنفه الغموض واللبس ، مما كان يدفع ببعض المفوضين الملكيين إلى الانسحاب من الجلسة أثناء النطق بالحكم اعتقادا منهم أن المشرع نص على ذلك في الفقرة الأخيرة من المادة 5 من قانون 90-41 التي نصت على أنه : “ولا يشارك المفوض الملكي للدفاع عن القانون والحق في إصدار الحكم ” فقد جاءت المادة 3 من قانون 80-03 واضحة وصريحة الدلالة على معناها وهذا ما نص عليه المشرع بقوله : “..لا يشارك المفوض فالملكي للدفاع عن القانون والحق في المداولات ” وهكذا فقد أزالت هذه الفقرة ذلك الاضطراب في الفهم والغموض في المعنى وأصبح المنع مقصورا على حضور المفوض الملكي في المداولات فقط دون جلسة النطق بالحكم.
فإذا ما حاولنا أن نجري مقارنة بين المادة 5 من قانون 41-90 والمادة 3 من ق 80-03، فإننا نجد أن كلا المادتين تتألفان من أربع فقرات وأن المشرع تناول مؤسسة المفوض الملكي في كلا المادتين من خلال الفقرات : الثانية والثالثة والرابعة ، لكن المشرع في قانون 80-03 اعتمد أسلوبا تقريريا خاصا مقارنة مع ما اعتمده من عمومية في نص المادة 5 من قانون 90-41 وذلك ما نستشفه من خلال الصيغة التشريعية التي جاءت بها الفقرة 3 من المادة 3، فإذا كانت الفقرتين معا تستهلان بفعل المضارع الذي يفيد الوجوب والإلزام طبقا للقواعد التشريعية الأصولية فان الفقرة 3 من المادة 3 من القانون 03-80 تميزت بقرينة صريحة كسرت ذلك الإلزام وأزالت آثاره القانونية وذلك بنص عبارة المشرع (.. ويمكن له توضيحها شفويا…) فالضمير يعود على المفوض الملكي الذي يمكن له توضيح موقفه من القضية حول الوقائع والقواعد القانونية شفويا وبهذا فقد نسخ المشرع في قانون محاكم الاستئناف الإدارية بشكل ضمني إلزامية مرافعاته الشفوية حيث أبقى الإلزامية مقصورة ومحصورة فقط في المستنتجات الكتابية أما الشفوية فيمكن له أن يستعيض عنها بالمرافعات الكتابية ، آما بالنسبة للفقرة الأخيرة من المادتين المذكورتين ، فبعد أن كانت الفقرة الأخيرة من المادة 5 من ق. 90-41 يكتنفها الغموض والإبهام حيث تضاربت مواقف الاجتهاد القضائي في تفسيرها وفهمها، الشيء الذي كان يحدو ببعض المفوضين الملكين إلى الانسحاب من جلسة النطق بالحكم اعتمادا على فهم نص هذه الفقرة ، فقد جاءت نظيرتها واضحة وصريحة فأزالت بذلك مظاهر الغموض واللبس في مسالة حضور المفوض الملكي في جلسات النطق بالحكم حيث أصبح مع ذلك حضوره ضروريا وإلزاميا لصحة الأحكام والقرارات .
وبما أن وجود المفوض الملكي لم يستمد من تنصيص المشرع عليه وإنما استمد من سلطة واختصاص كل من رئيس المحكمة الإدارية والرئيس الأول لمحكمة الاستئناف الإدارية ، الشيء الذي يثير أكثر من تساؤل حول موقعه ومكانته في الدعوى الإدارية ، هل يعتبر طرفا فيها؟
وهل يجوز له ممارسة طرق الطعن القانونية المخولة لأطرافها؟
وإذا كان الجواب بالنفي فما هو دوره في المنازعات الإدارية؟
تلك هي أهم التساؤلات التي شكلت فضاء مؤسسة المفوض الملكي والتي سيظل صداها مترددا عبر أفق المشرع المغربي إلى حين الإنصات لها والإجابة عنها، خاصة وأن قانون محاكم الاستئناف الإدارية لم يضف أي جديد يذكر لهذه المؤسسة القضائية.
ثانيا : المساعدة القضائية
لم يتناول المشرع المغربي المساعدة القضائية في قانون 90-41 إلا بشكل عرضي موغل في التعميم، الشيء الذي أفرز أكثر من تساؤل خاصة عند إحالته على المسطرة المعمول بها أمام المحاكم العادية أي على المرسوم الملكي الصادر في 1966 المتعلق بالمساعدة القضائية ، مع العلم بان هذا الأخير يسند الاختصاص بمنح المساعدة القضائية للنيابة العامة لدى المحاكم العادية ، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يمكن للمحكمة الإدارية وهي لا تتوفر على هاته المؤسسة أن تمنح المساعدة القضائية ؟ للإجابة عن هذه التساؤلات وما تطرحه من إشكاليات عملية وقانونية ، فقد حاول الاجتهاد القضائي من خلال آليات اجتهاده عن طريق القياس والترجيح أن يسد ذلك الفراغ التشريعي حيث عمد إلى تقرير حل عملي مجمع عليه من قبل جميع رؤساء المحاكم الإدارية وهذا ما تم العمل به على هذا المستوى .
لكن المشرع في قانون 03-80 حاول أن يتفادى ذلك القصور والإبهام حيث أفرد المساعدة القضائية بمادة مستقلة وهي المادة السابعة ، فكيف تعاطى الاجتهاد القضائي مع قراءة وتفسير هاته المادة وإلى أي حد توفق المشرع والاجتهاد القضائي معا في حسم هذه الإشكالية؟
إن إعمال الفقرة 3 من المادة 3 من قانون 41-90 التي تنص على أنه “… يجوز لرئيس المحكمة الإدارية أن يمنح المساعدة القضائية طبقا للمسطرة المعمول بها في هذا المجال …” فالتمسك بدلالة عبارة هذا النص تثير إشكاليات عملية معقدة نظرا لعدم انسجام مسطرة منح المساعدة القضائية مع هيكلة وتأليف المحاكم الإدارية فالمادة 6 من المرسوم الملكي المذكور ينص على أن طلبات المساعدة القضائية ترفع إلى وكيل الدولة ” وكيل الملك حاليا ” لدى المحكمة الإقليمية ” المحكمة الابتدائية حاليا ” التي يعرض عليها النزاع ، أو التي توجد في دائرتها المحكمة الواجب عرض هذا النزاع عليها، وبعد تسجيل الطلب يعمل وكيل الملك المذكور على إجراء تحقيق في الطلب ويتلقى جميع المعلومات المفيدة التي تفيد عسر الطالب ويسلم الطلب إلى المكتب ([1])بعد القيام بهذه المساعي.
ومن خلال استقرائنا لقانوني المحاكم الإدارية والاستئناف الإدارية نستشف أن المشرع المغربي اسند لرؤساء هاتين المحكمتين وحدهم وبصفة انفرادية مهمة البت في طلبات المساعدة القضائية خلافا لما هو معمول به أمام القضاء العادي واستنادا إلى الفقرة الأخيرة من المادة 3 من قانون المحاكم الإدارية فإن مهمة الاستخبار على المعلومات المتعلقة بعسر طالب المساعدة القضائية ووضعيته المادية ومطالبته بالإدلاء بشهادة الاحتياج الإدارية التي تمنحها السلطات المحلية المختصة وشهادة الإعفاء من جدول الضرائب أو بيان الأجور، وغيرها من الأبحاث التي تقتضيها مسطرة المساعدة القضائية وكل تلك المهام التي تقوم بها النيابة العامة أمام المحاكم العادية تم نقلها إلى اختصاص رؤساء المحاكم الإدارية والرؤساء الأولين لمحاكم الاستئناف الإدارية ، لكن قانون 03-80 لم يشر إلى حالة رفض طلب المساعدة القضائية من قبل الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف الإدارية.
فهل هذا القرار الرئاسي قابل للطعن؟
وإذا كان كذلك ، فأمام أي جهة قضائية يتم الطعن فيه؟
تلك هي أهم التساؤلات التي لم يحسمها قانون إحداث محاكم الاستئناف الإدارية ، لكن يبدو حسب رأي بعض الاجتهاد القضائي أن هذه القرارات لا تقبل الطعن بأي وجه من أوجه الطعن لأن حكمة المشرع اقتضت أن تكون قرارات نهائية ([2]).
ومادام الأمر كذلك ، فإلى أي حد توفق المشرع في قانون 03-80 من التخفيف من حدة هذه الإشكاليات ومن رفع ما تفرزه من لبس وغموض ؟
وبالرجوع إلى المادتين 7 و8 من نفس القانون نجد أن المشرع في المادة 7 لم يضف أي جديد يذكر مقارنة مع ما تم التنصيص عليه في المادة 3 من قانون 90-41 حيث قرر نفس الأحكام القانونية التي سبق تقريرها، لكن الإضافة النوعية التي نسجلها في هذا المضمار هو أنه حدد الجهة التي تستأنف أمامها طلبات منح المساعدة القضائية ، ولذا فإن المشرع في قانون 03-80 لم يتمكن من حسم مختلف الإشكاليات العملية والقانونية التي تفرزها مسطرة منح المساعدة القضائية في الدعوى الإدارية مما يبقي العبء والمسؤولية على عاتق الاجتهاد القضائي قائما وثابتا إلى حين تجاوز هذه المرحلة الانتقالية من مسيرة القضاء الإداري ببلادنا واكتمال بنائه بإحداث مجلس الدولة.
ثالثا : مسألة إلزامية تعيين محام
لقد نص المشرع في المادة الثالثة من قانون 90-41″ على أنه ترفع القضايا إلى المحكمة الإدارية بمقال مكتوب يوقعه محام مسجل في جدول هيئة من هيأت المحامين بالمغرب ” من خلال استقرائنا لهذا النص نستشف أنه مطبوع بأسلوب التعميم ، الشيء الذي أفرز عدة إشكاليات قانونية وعملية ، ولعل أبرزها مسألة إلزامية المحامي في الدعوى الإدارية ولو كانت الدولة طرفا فيها.
إلا أن الاجتهاد القضائي حاول أن يزيل هذا اللبس ويقيد هذا العام ويخصصه حيث أصدرت المحكمة الإدارية بالرباط حكما بتاريخ 1994/10/27 في الملف عدد 132/94 نص على أن ” صفة المحامي تزول إذا قدم دعواه أمام المحكمة الإدارية بصفة شخصية وهذا يقتضي منه تقديم هذه الدعوى بواسطة محام تطبيقا للمادة الثالثة من القانون رقم 90-41 ” ([3]) وقد تم استئناف هذا الحكم أمام الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى فأصدرت قرارا بتاريخ في الملف عدد قضى بعدم قبول الاستئناف لتقديمه بصفة شخصية.
واستنادا إلى ما استقر عليه الاجتهاد القضائي ، فقد تم إعفاء الدولة من تنصيب محامي سواء كانت طالبة أو مطلوبة.
لكن المشرع في ق 80-03 تدارك هذا اللبس والإبهام حيث نص صراحة في المادة 10 على الاستثناء المتعلق بتعين محام بعبارة “…. ما عدا استئناف الدولة والإدارة العمومية حيث تكون نيابة المحامي أمرا اختياريا…” وبهذا التنصيص الصريح تم حسم مسألة تعيين محامي حيث أصبحت في ظل قانون 03-80 أمرا اختياريا بالنسبة للدولة والإدارات العمومية ، فباعتماد المشرع ذلك الأسلوب التقريري الصريح يكون قد نسخ بشكل ضمني ما تم التنصيص عليه في المادة 2 من قانون 90-41 .
رابعا : اختصاص محاكم الاستئناف الإدارية
لقد تناول المشرع اختصاص محاكم الاستئناف الإدارية في الباب الثاني من القانون المحدث لها رقم 80-03 في فصلين اثنين حيث حدد في الفصل الخامس اختصاصاتها من خلال عبارتين ، الأولى عامة استهلها بفعل مضارع ” تختص محاكم الاستئناف الإدارية بالنظر في استئناف أحكام المحاكم الإدارية وأوامر رؤسائها” فمن خلل هذه الفقرة نستخلص قاعدة عامة مفادها أن ، محاكم الاستئناف الإدارية لها ولاية عامة واختصاص شامل يشمل النظر في جميع الأحكام الإدارية وأوامر رؤسائها المستأنفة أمامها بصيغة مطلقة، بدليل فعل المضارع الذي يفيد التوكيد الصريح ، لكن هذا الإطلاق سرعان ما استدركه المشرع بقوله ” ماعدا إذا كانت هناك مقتضيات مخالفة ” وبالتالي ، فإن هذه العبارة الثانية التي تصدرها حرف استثناء تدل دلالة واضحة على أن هناك أنواع من الأحكام الإدارية الصادرة عن المحاكم الإدارية مستثناة من اختصاص محاكم الاستئناف الإدارية ، لأن حرف الاستثناء سلب القاعدة العامة خاصيتها وكسر عموميتها فأدخلها في دائرة خاصة مقيدة فما هي يا ترى حدود هذه الدائرة وبعبارة أخرى ماهي الأحكام الإدارية التي لا تقبل الاستئناف أمام محاكم الاستئناف الإدارية؟
للجواب على هذا التساؤل ، لابد من الرجوع إلى المادتين 12من ق .م .إ. والمادة 32من قانون نزع الملكية رقم 07-81.
الاستثناءات التي تخللت القاعدة العامة المتعلقة باختصاص محاكم الاستئناف الإدارية
استنادا إلى منطق التكامل والترابط الذي يطبع نسق النصوص التشريعية ، حيث تفسر أو تخصص أو تنسخ بعضها بعضا، فإن كل من ق م إ وخاصة المادتين 12و 13 منه وقانون نزع الملكية في مادته 32قد عملا على تفسير وتقييد ما ورد في المادة الخامسة من ق . 03-80
ومن خلال هذين النصين نستشف أنه ليست ، كل أحكام المحاكم الإدارية وأوامر رؤسائها قابلة للاستئناف أمام محاكم الاستئناف الإدارية ، بل هناك استثناءات تخللت القاعدة العامة يمكن إجمالها فيما يلي:
- الأحكام الصادرة في موضوع الاختصاص النوعي
عندما يتم الدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام محكمة إدارية أو عادية ويتم البت في هذا الدفع بحكم مستقل ، فان هذا الحكم لا يقبل الاستئناف إلا أمام المجلس الأعلى وبالتالي فإنه لا يقبله أمام محكمة الاستئناف الإدارية ، لأنه مستثنى من الأحكام الإدارية القابلة للطعن بالاستئناف وذلك طبقا للمادة 12 من قانون رقم 80-03 التي تنص على ” تبقى مقتضيات المادة 13 من قانون 90-41 المحدثة بموجبه المحاكم الإدارية سارية المفعول في شأن استئناف الأحكام الصادرة في موضوع الاختصاص النوعي ، ويحيل المجلس الأعلى الملف بعد البت فيه إلى المحكمة المختصة ” ([4]) .
ونشيد بحكمة المشرع المغربي الذي توخى من خلال المادة السالفة الذكر توحيد الجهة القضائية المختصة في الدفع بعدم الاختصاص النوعي وذلك تفاديا لتناقض الأحكام والقرارات التي قد تصدر عن محاكم الاستئناف الإدارية مع ما قد يصدر عن الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى من قرارات في هذا الشأن وذلك تكريسا لتوحيد الاجتهادات القضائية وتوافقها.
- الأوامر الصادرة عن رئيس عن المحكمة الإدارية في موضوع الإذن بالحيازة
الأوامر الصادرة عن رئيس المحكمة الإدارية المتعلقة بالإذن بالحيازة استنادا للمادة 32من قانون رقم 81.7 المتعلق بنزع الملكية من أجل المنفعة العامة والاحتلال المؤقت ([5]) فإن هذه الأوامر لا تقبل الطعن بالاستئناف ، ولكن تقبل الطعن بالنقض نظرا لعدم وجود أي مقتضى قانوني في القانون المذكور وفي قانون محاكم الاستئناف الإدارية يستثنيها من هذا الطعن لكن المشرع حدا عن جادة الصواب وأخل بالتوازن المطلوب لتحقيق العدل بين المتقاضين ، حيث حرم المنزوع ملكيته من الطعن بالنقض فيما يتعلق بالأوامر الاستعجالية الصادرة عن رئيس المحكمة الإدارية والقاضية بالإذن بالحيازة في حين منح الإدارة هذا الحق، فأجاز لها الطعن بالنقض في هاته الأوامر في حالة صدورها برفض الإذن بالحيازة وهذا يعني أن منع ممارسة الطعن بالنقض يخص الطرف المنزوع ملكيته عندما يستجاب لطلب نازع الملكية ولا يخص المنزوع ملكيته.
خامسا : قواعد الاختصاص النوعي أمام محاكم الاستئناف الإدارية
يعتبر الدفع بعدم الاختصاص النوعي وسيلة قانونية إجرائية يدفع بها أحد أطراف الدعوى ناكرا على المحكمة أهليتها للنظر في الدعوى نوعيا أو محليا، ومضمونه يهدف إلى وجوب تقديم الدعوى إلى المحكمة المختصة نوعيا ومحليا.
فما هي المستجدات التي تضمنها بالنسبة للقواعد المتعلقة بالاختصاص مقارنة مع ما تضمنه قانون المحاكم الإدارية90-41؟
وماهي تلك القواعد؟ ذلك ما سنعمل على ملامسته خلال فقرتين اثنتين : الأولى سنتطرق فيها إلى قواعد الاختصاص النوعي التي جاء بها قانون 90-41 ثم نتناول في الفقرة الثانية المقارنة بين القانونين؟
أولا : موقف قانون 90-41 من قواعد الاختصاص النوعي
لقد تناول المشرع قواعد الاختصاص النوعي في قانون 41-90 في الفصل الثالث : تحت عنوان : أحكام مشتركة حيث خصها بثلاثة فصول فصلين للاختصاص النوعي هما 12و 13 وفصل واحد للاختصاص المحلي وهو 14.
لقد استهل المشرع المادة 12 من قانون 03-80 بتقرير مبدا عام ألا وهو اعتبار الاختصاص النوعي من قبيل النظام العام حيث اعتمد هذا الأسلوب التقريري المحكم لرفع اللبس والغموض والاضطراب والتناقض في الفهم الذي نجم عن الصياغة المعيبة للفصل 16من قانون المسطرة المدنية ، حيث قرر المشرع أحكاما جديدة في الاختصاص النوعي والزم جميع محاكم المملكة الأخذ بها وتطبيقها ناسخا بذلك الفقرات الأربع الأولى التي تضمنها الفصل 16من قانون المسطرة المدنية فما هي هاته الأحكام الجديدة ؟
ويمكن حصرها في أربعة أحكام وهي كالتالي:
- اعتبار الدفع بعدم الاختصاص النوعي من النظام العام .
- وجوب البت في الدفع بعدم الاختصاص النوعي بحكم مستقل وعدم جواز ضمه إلى الجوهر.
- تحديد الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى كجهة قضائية وحيدة مختصة باستئناف الأحكام الصادرة عن مختلف المحاكم في موضوع الاختصاص النوعي.
- تحديد آجال البت في الدفع بعدم الاختصاص النوعي في 30يوما ابتداء من تاريخ تسلم رئيس كتابة الضبط المجلس الأعلى لملف الحكم الإداري المستأنف أمامه.
فإذا ما حاولنا استقراء الأسلوب التشريعي الذي اعتمده المشرع في هذه المواد، فإننا نلاحظ أنه اعتمد خاصية التعميم والتقرير حيث عمم آثار هذه الأحكام والزم المحاكم العادية والإدارية الأخذ بها والامتثال لمقتضياتها، كما أكد هذا التعميم ، في المادة 12 من قانون 41-90 بعبارته “أي كانت الجهة القضائية الصادر عنها” وقد اعتمد المشرع هذا الأسلوب لتوحيد مسطرة البت في الدفع بعدم الاختصاص النوعي والعمل بمقتضياتها أمام مختلف محاكم المملكة ، حيث حدد جهة قضائية وحيدة تستأنف أمامها الأحكام المتعلقة بالدفع بعدم الاختصاص النوعي وهي الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى.
وتأسيسا على ما سبق وتجسيدا لهذه القواعد وتكريسا لها وعملا بمقتضياتها فقد حاول المشرع في قانون 80/03 تأكيد وإقرار ما تضمنه نظيره المحدث للمحاكم الإدارية من مقتضيات قانونية وذلك ما نتناوله في الفقرة الموالية.
ثانيا : موقف قانون محاكم الاستئناف الإدارية من قواعد الاختصاص النوعي:
لقد استهل المشرع هذا القانون في المادة 12 بنص عبارته “تبقى مقتضيات المادة 13 من قانون41-90 … سارية المفعول في شأن استئناف الأحكام الصادرة في شان موضوع الاختصاص النوعي ، ويحيل المجلس الأعلى الملف بعد البت فيه إلى المحكمة المختصة “. ولذا فإن المشرع لم يضف أي جديد بالنسبة لقواعد الاختصاص النوعي ، وإنما عمل على تقريرها وتجسيد مفعولها على مستوى محاكم الاستئناف الإدارية . فإلى أي حد تفوق المشرع في قانون محاكم الاستئناف الإدارية من حسم إشكالية الدفع بعدم الاختصاص النوعي بين مختلف الجهات القضائية بالمملكة؟
والى أي حد التزم القضاء المغري بمقتضيات هذه النصوص التشريعية؟
ذلك ما نحاول ملامسته من خلال استقرائنا لهذه النصوص والعمل القضائي المصاحب لها.
يبدو لنا أن المشرع لم يتمكن من حسم مختلف الإشكاليات القانونية التي أثارها ويثيرها الدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام مختلف الجهات القضائية ببلادنا وخاصة مسطرة البت في الدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام المحاكم التجارية ، حيث نصت المادة 5 من قانون هاته المحاكم في فقرتها الثانية على أنه ” يمكن الاتفاق بين التاجر وغير التاجر على إسناد الاختصاص للمحاكم التجارية فيما قد ينشأ بينهما من نزاع بسبب عمل من أعمال التاجر…” . كما نص نفس القانون في مادته الثامنة على مسطرة البت في الدفع بعدم الاختصاص النوعي على أنه ” يجب على المحكمة التجارية أن تبت بحكم مستقل في الدفع بعدم الاختصاص النوعي المرفوع إليها وذلك داخل أجل ثمانية (8) أيام يمكن استئناف الحكم المتعلق بالاختصاص خلال أجل عشرة (10) أيام من تاريخ التبليغ . يتعين على كتابة الضبط أن توجه الملف إلى محكمة الاستئناف التجارية في اليوم الموالي لتقديم مقال الاستئناف . ” وانطلاقا من هاذين النصين نستشف أن المشرع المغربي لم يحترم المقتضيات المشتركة التي نص عليها في قانوني 90-41 و 80-03، حيث لجأ إلى سن قواعد تخالف وتناقض المقتضيات المتعلقة بالدفع بعدم الاختصاص النوعي ولعل أبرزها تجريد هذا النص من خاصيته باعتباره من النظام العام حيث أجاز في المادة الخامسة من قانون المحاكم التجارية للتاجر أن يتفق مع غير التاجر في إسناد هذا الاختصاص للمحكمة المتفق عليها كيف ما كانت وبشكل مطلق، كما أنه عدل آجال استئناف الدفع بعدم الاختصاص النوعي وقلص من مدتها من 30يوما كما هو منصوص عليها في قانون 03-80 إلى 10 أيام وأخيرا أجاز استئناف هذا الدفع أمام المحاكم التجارية خلافا لما هو مقرر في المادة 13و 12 من قانوني 90 -41 و 80-03 اللذان يحددان الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى كجهة قضائية وحيدة تستأنف أمامها الأحكام الصادرة في مادة الدفع بعدم الاختصاص النوعي عن مختلف محاكم المملكة؟
وتأسيسا على ما سبق، فإن المشرع المغربي قد وقع في اضطراب وتناقض بين في مسالة الدفع بعدم الاختصاص النوعي ، حيث عمد إلى هدم ما تم بناؤه وإرساؤه في قانوني المحاكم الإدارية والاستئناف الإدارية وذلك بتقرير قواعد تخالف تلك المقتضيات المشتركة المتعلقة بالدفع بعدم الاختصاص النوعي التي جاء بها القانونين المذكورين ، وبالتالي ، فانه لم يستطع بعد ولم يتمكن من حسم إشكالية الدفع بعدم الاختصاص النوعي بين مختلف محاكم المملكة وخاصة إعمال المادة 13 من ق .م .ا .و. التي تنص على أن البت في الدفع بعدم الاختصاص النوعي يتم بحكم مستقل عن الموضوع ، واستئناف هذا الحكم أمام جهة قضائية وحيدة وهي الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى ، الشيء الذي يثقل كاهل هاته الغرفة بالأعداد الهائلة من الملفات الوافدة عليها من مختلف محاكم المملكة ويحول بالتالي بينها وبين البت في الطعون المستأنفة أمامها داخل الآجال القانونية المحددة مما يفرز إشكالية عملية تتمثل في تطبيق المادة 13من قانون 90-41، ولذا نجد أن بعض المحاكم الإدارية قد تواصل النظر في جوهر القضايا بمجرد فوات أجل الشهر ابتداء من تسلم الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى للملفات موضوع الطعن وعدم البت في الدفع المتعلق بعدم الاختصاص النوعي ، وهكذا فقد أصدرت المحكمة الإدارية بوجدة حكما في قضية حمداوي بسعيد ([6]) معللة حكمها بما يلي ” باعتبار أن للغرفة الإدارية شهرا كاملا للبت في هذه النوازل ، وباعتبار أنه لا دليل بالملف يفيد صدور الحكم بعدم اختصاص هذه المحكمة ، مما يبقى معه الدفع المتعلق بإيقاف البت غير مؤسس مادام أنه لا وجود لأي سند قانوني يمنع هذه المحكمة من متابعة النظر في القضية ولو تم الطعن بالاستئناف في حكمها بالاختصاص ” ولذا فقد أثبت الواقع العملي للاجتهاد القضائي صعوبة تطبيق وتنزيل هذا النص على مختلف القضايا والوقائع مما يبقي المسؤولية قائمة وثابتة في ذمة المشرع المغربي لتدارك هذا القصور التشريعي في مادة الدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام مختلف محاكم المملكة.
سادسا : آثار استئناف الأحكام الإدارية القاضية بوقف تنفيذ قرار إداري
من القواعد العامة المقررة في قانون المسطرة المدنية ، أن الطعن بالاستئناف وأجله يوقفان التنفيذ إلا إذا كان الحكم مشمولا بالنفاذ المعجل قانونا طبقا للمادة 134 من ق .م .م . لكن قانون إحداث محاكم الاستئناف الإدارية في مادته 13 خالف هاته القاعدة ، حيث نص على أن : ” ليس لاستئناف الأحكام الصادرة بوقف تنفيذ قرار إداري آثار وافق ، غير أنه يجب على محكمة الاستئناف أن تبت في طلب الاستئناف المتعلق بوقف تنفيذ قرار إداري داخل أجل 60 يوما يبتدئ من تاريخ توصل كتابة ضبط محكمة الاستئناف بالملف ، فالمشرع المغربي اعتمد في هذا النص أسلوبا تقريريا واضحا حيث استهله بحرف استثناء ” ليس” للدلالة على معناه دلالة تخالف حكم المستثنى منه والذي هو القاعدة العامة المقررة في قانون المسطرة المدنية التي تقضي بأن الاستئناف وأجله يوقفان التنفيذ ماعدا إذا كان التنفيذ معجلا ويدخل ضمن الشروط المنصوص عليها في الفصل 147 من ق .م .م . وذلك طبقا للمادة 134من ق .م .م . فهذا الأسلوب الاستثنائي يدل على معناه دلالة قطعية ليقرر بذلك خاصية تميز وانفراد الطعن بالاستئناف من أجل إيقاف تنفيذ الأحكام أو القرارات الإدارية الصادرة بوقف تنفيذ قرار إداري من القاعدة العامة المألوفة وذلك تكريسا وتجسيدا لطبيعة القضاء الإداري الذي يهدف من خلال فلسفته العامة إلى ترسيخ مبدا المشروعية وسيادة القانون ووضع حد لتعسف وتسلط الإدارة على حقوق المواطنين وذلك بإعطاء القوة التنفيذية للأحكام الإدارية رغم الطعن فيها بالاستئناف ، ونظرا لما سيترتب من آثار وخيمة على حقوق الأطراف في حالة إيقاف تنفيذ الأحكام أو القرارات الإدارية القاضية بوقف تنفيذ المقررات الإدارية ، ولما سينجم عن ذلك من استحالة إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه ، وضياع حقوق الأطراف والتأثير على مراكزهم القانونية ، واعتبارا لهاته المعطيات ، فإن المشرع قد عمل على إدراج الأحكام والقرارات الإدارية القاضية بوقف تنفيذ المقررات الإدارية غير المشروعة ضمن خانة الأحكام القضائية المشمولة بالنفاذ المعجل قانونا، حيث هدف المشرع من خلال ذلك إلى تحقيق وتكريس القوة التنفيذية للأحكام الإدارية طبقا لما نصت عليه الفقرة الأولى من المادة 147 من ق .م .م . التي نصت على أنه : ” يجب أن يأمر بالتنفيذ المعجل رغم التعرض والاستئناف دون كفالة ” ، وذلك تجريدا للطعن بالاستئناف الذي تمارسه الإدارة من آثاره القانونية المقررة في ق .م .م . بالنسبة للأحكام الإدارية الصادرة ضدها والقاضية بوقف تنفيذ قرارتها غير المشرعة.
وضمانا للتوازن بين الحقوق العامة والخاصة فقد عمل المشرع في هذا الفصل على التقليص من آجال البت في الطعن بالاستئناف ضد الأحكام الإدارية القاضية بوقف تنفيذ القرارات الإدارية ، حيث حدد آجال الاستئناف في 60يوما ابتداء من تاريخ تسلم كتابة ضبط محكمة الاستئناف الإدارية للملف المستأنف موضوع الطعن.
وتأسيسا على ما سبق ، فإننا نشيد بموقف المشرع المغربي الحكيم المتزن الذي كرسه من خلال ما نص عليه في المادة 13 من قانون محاكم الاستئناف الإدارية ، والذي عمل على تجسيد ورعاية خصوصيات وطبيعة القضاء الإداري وذلك بإعطاء الأحكام والقرارات القضائية الصادرة في مواجهة الإدارة قوتها التنفيذية ومناعتها القضائية تحقيقا لمبدا المشروعية وتجسيدا لمبدا دولة الحق والقانون .
سابعا : إشكالية التنفيذ
نظرا للقصور التشريعي على المستوى الكمي والكيفي الذي تعاني منه النصوص المنظمة لتنفيذ الأحكام القضائية الصادرة في مواجهة الإدارة ، من جهة ولعدم توافق معظم قواعد التنفيذ الجبري المنصوص عليه في قانون المسطرة المدنية وطبيعة التنفيذ على أشخاص القانون العام من جهة ثانية ، فإن الاجتهاد القضائي المغربي قد عمل على استخدام منهج الاجتهاد، وتفعيل آلياته ومناهجه من استنباط وقياس وترجيح ، من أجل ملء واستيعاب منطقة الفراغ التشريعي في مجال تنفيذ أحكام القضاء الإداري . لكن هذه المجهودات الإبداعية التي حاول القضاء الإداري المغربي تكريسها تبدو قاصرة لحسم إشكالية التنفيذ ، ولذا فأمام غياب نصوص تشريعية صريحة وواضحة وخلو قانون المحاكم الإدارية منها واقتصاره في مجال التنفيذ على مادة وحيدة وهي المادة 49 التي تنص على أنه ” يتم التنفيذ بواسطة كتابة ضبط المحكمة الإدارية التي أصدرت الحكم.
ويمكن للمجلس الأعلى أن يعهد بتنفيذ قراراته إلى محكمة إدارية “فإن المشرع في قانون محاكم الاستئناف الإدارية لم يتدارك مظاهر النقص والقصور التي تخللت نظيره المحدث للمحاكم الإدارية ، حيث اقتصر في مجال التنفيذ على مادة وحيدة فقط وهي المادة الثامنة عشر التي تنص على أن ” تنفذ القرارات الصادرة عن محاكم الاستئناف الإدارية من طرف المحاكم الإدارية المصدرة للحكم “، فهذه المادة عامة وغامضة ، خاصة وأنها لم تتناول تنفيذ القرارات الصادرة عن محاكم الاستئناف الإدارية في حالة إلغائها للأحكام الإدارية المستأنفة أو إبطالها وتصديها للبت فيها من جديد إذا كانت جاهزة طبقا للمادة 146من قانون المسطرة المدنية.
وتأسيسا على ما سبق ، فإن إشكالية التنفيذ في مواجهة أشخاص القانون العام ستتفاقم سنة بعد أخرى وذلك في انتظار حل تشريعي ناجع وفعال يمكن المحاكم الإدارية ويمنحها السلطات القانونية اللازمة والاختصاصات الواسعة لتنفيذ أحكامها القضائية وذلك بوضع حد نهائي وحاسم لتعنت الإدارة وتسلطها وعدم تنفيذها للأحكام الإدارية الصادرة في مواجهتها وذلك عن طريق إصدار نصوص تشريعية صريحة ودقيقة تلزم هؤلاء الأشخاص بالامتثال التام والانصياع الكامل لأحكام القضاء والعمل على تنفيذها وتحميلهم المسؤولية الشخصية إداريا ومدنيا والمسؤولية الجنائية إن اقتضى الحال على غرار ما تعمل به القوانين المقارنة في هذا المجال وخاصة المشرع المصري والفرنسي ، تجسيدا لمبدأ دولة الحق والقانون .
خاتمة
وتأسيسا على ما سبق، يبدو أن قانون إحداث محاكم الاستئناف الإدارية لم يتوفق في حسم جميع الإشكاليات العالقة التي آثارها نظيره المحدث للمحاكم الإدارية بدءا من إشكالية تنازع الاختصاص النوعي وما تثيره من تنازع بين القضاء العادي والإداري وما يترتب عن ذلك من آثار سلبية تحد من فاعلية القضاء وتماطل حقوق المتقاضين بفعل تعقد وطول إجراءاتها المسطرية زمنيا ، ولذا فإن المشرع مطالب بإعادة النظر في توزيع الاختصاصات وإسنادها للجهات القضائية المختصة ، خاصة وأن المعيار الكلاسيكي في تحديدها والذي يقوم على حصرها على سبيل المثال أو الحصر اصبح متجاوزا نظرا لما يثيره من خلط وضبابية في تحديد الاختصاصات ، وبما أن المشرع المغربي يسير في اتجاه تكريس الازدواج القضائي فعليه أن يتوج هاته المرحلة الانتقالية التي يعيشها القضاء الإداري المغربي بإحداث وإنشاء كل من مجلس الدولة ومحكمة تنازع الاختصاص كمؤسسة قضائية محايدة ومؤهلة لحسم شتى إشكاليات تنازع الاختصاص بين القضاء الإداري والعادي – وانتهاء بإشكالية تنفيذ أحكام القضاء الإداري التي أسالت حبرا غزيرا لن يقوى على تضميد جراحها بعد.
ولذا، فإن اعتماد تطبيق قانون المسطرة المدنية على المنازعات الإدارية بصفة عامة لا يساهم في تدعيم وتقدم القضاء الإداري ببلادنا نظرا للقصور التشريعي الذي يكتنف نصوص المسطرة المدنية من جهة ولعدم توافق معظم هذه النصوص وطبيعة المنازعات الإدارية ، من جهة ثانية ولذا فإنه أصبح من الضروري مراجعة وتعديل قانون المسطرة المدنية بأسلوب علمي يستحضر خصوصيات القضاء الإداري ، وذلك بوضع مسطرة إدارية حسما لشتى الإشكاليات المتناسلة التي يفرزها تطبيق قانون المسطرة المدنية على القضاء الإداري ببلادنا.
[1]وفقا للمادة 3 من المرسوم المذكور يتألف مكتب المساعدة القضائية من وكيل الملك ومندوب لوزارة المالية ومحام .
[2]مصطفى التراب ، ” القواعد الإجرائية أمام محاكم الاستئناف الإدارية “، مجلة المحاكم الإدارية، العدد الثالث ، ص . 22.
[3]هذا الحكم أورده د . مصطفى التراب في كتابه المختصر العلمي في القانون والقضاء ،ط. الأولى السنة 2008، مطبعة الأمنية، الرباط ، ص 79.
[4]مصطفى التراب ، مجلة المحاكم الإدارية ، العدد 2 ، ص 15
[5]مصطفى التراب ، القواعد الإجرائية أمام محاكم الاستئناف الإدارية ، مجلة المحاكم الإدارية، العدد الثالث ، ص 17 .
[6]حكم المحكمة الإدارية بوجدة بتاريخ 1998/2/12 تحت عدد 98/38 منشور م .م .إ. م .ت . ، ص . 195.



اترك رد