الجرائم المنظمة

” جريمة غسل الأموال نموذجاً”

 

 

ذ/ الحسين بكار

باحث جامعي

محام متمرن بهيئة المحامين بالجديدة

 

 

لقد شهد المجتمع الدولي في الأونة الأخيرة تطوراً واضحاً في مجال المعلومات والاتصالات، وقد لازم هذا التطور تطور في أنواع وأشكال الجريمة امتزجت فيه السمات المميزة لكل من الجريمة المحلية والدولية في بوثيقة جديدة من الأنماط الإجرامية، وهو ما أدى إلى ظهور نوع جديد من الجرائم تتمثل في الجرائم المنظمة، ونظراً للطرق التي تتركب بها هذه الجريمة، انتشار خيوطها في مختلف مناطق العالم، فإنه لم يستقر الفقه على تعريب موحد لها، إلا أنه ومن أهم هذه التعريفات نجد التعريف الذي تبناه المؤتمر الوزاري العالمي حول الجريمة المنظمة والذي اعتبر هذه الأخيرة ذلك الاصطلاح الذي توصف به الظاهرة الإجرامية حين يكون من خلفها جماعات معينة تستخدم العنف أساساً لنشاطها الإجرامي وتهدف إلى الربح[(1)].

وقد تتخذ الجريمة المنظمة الإقليم الوطني صعيداً لها أو تختار أن تقوم بأنشطة إجرامية على المستوى الدولي أو أن تكون لها صلات بمنظمات مماثلة في دول أخرى.

وتقوم جماعات الجريمة المنظمة بمجموعة من النشاطات الإجرامية ومن أبرز هذه النشاطات، اللجوء إلى غسل الأموال من أجل الزيادة في أرباحها وحمايتها.

ويعد غسل الأموال ظاهرة غير مشروعية وجريمة معاقب عليها قانوناً في جل التشريعات و الاتفاقيات الدولية، ونشير في هذا الصدد إلى أنه وقع اختلاف في تسمية هذه الجريمة، غسل الأموال؟ أم تبيض الأموال؟ إلا أن أغلب الفقه يتفق أن كلا المصطلحان صحيحان.

وبالرجوع إلى مقتضيات القانون رقم 43-05 نجد أن المشرع المغربي لم يقم بتعريف جريمة غسل الأموال، على خلاف بعض التشريعات المقارنة، كالتشريع الكويتي الذي عرفها في المادة الأولى بأنها ” عملية أو مجموعة من العمليات المالية أو غير المالية تهدف إلى إخفاء أو تمويه المصدر غير المشروع للأموال أو عائدات أي جريمة وإظهارها في صورة أموال أو عائدات متحصلة من مصدر مشروع”.

وقد عرفها المشرع الفرنسي بدوره بأنها” فعل تقديم مساعدة في عملية توظيف أو إخفاء أو تحويل العائد المباشر أو غير المباشر لجناية أو جنحة”.

وعلى المستوى الفقهي فقد عرفها جانب الفقه بأنها استعمال الأموال في أسلوب معين من أجل إخفاء مصدرها[(1)].

وفي تتبعنا للمصدر التاريخي لجريمة غسل الأموال، فقد ظهرت لأول مرة في الولايات المتحدة الأمريكية خلال الفترة ما بين 1820و1930، عندما قامت عصابات المافيا بإنشاء محلات غسيل الملابس الأوتوماتيكية لإستثمار الأموال التي تحصلت عليها بطريقة غير مشروعة من تجار المخدرات لإخفاء أصل هذه الأموال وقد تفشت هذه الظاهرة فيما بعد كل أنحاء العالم، وذلك في ارتباط وثيق مع انتشار جرائم الإتجار في المخدرات والأسلحة والتهريب والرشاوي والفساد السياسي وغيرها.

وتمر جريمة غسل الأموال من ثلاث مراحل أساسية حيث تتمثل المرحلة الأولى في إيداع الأموال الناتجة عن أعمال غير مشروعة في شركات مالية أو مصاريف أو مؤسسات ادخال محلية أو خارجية، وفي المرحلة الثانية يتم إجراء سلسلة من العمليات المتعاقبة لإخفاء الأصل غير المشروع للأموال، ومن صور هذه المرحلة نقل الأموال بسرعة فائقة من دولة إلى أخرى ثم توزيع الأموال بين عدة استثمارات، أما المرحلة الثالثة فيكون الهدف منها هو إضفاء طابع الشرعية على الأموال والتي هي ثروة ذات أصل إجرامي.

وتبرز أهمية البحث في موضوع جريمة غسل الأموال في تعقد عمليات الغسل وسرعة تطورها وما تطرحه من إشكالات في مواجهة التشريعات الوطنية لها ومدى فعالية النصوص المتوفرة حالياً في الحد منها، وذلك بسبب ابتكار وسائل متجددة تتبناها جماعات الجريمة المنظمة في ارتكاب هذه العمليات، مما دفع جل التشريعات إلى بدل المزيد من الجهد في محاولة للتصدي لهذه الظاهرة وذلك بوضع نصوص خاصة بتنظيم جريمة غسل الأموال ضمن قوانينها الجنائية.

وفي هذا الصدد نجد المشرع المغربي بدوره قام بإصدار القانون رقم 43-05 المتعلق بمكافحة غسل الأموال وحدد ضمن مواده أركان هذه الجريمة والمسؤولية الجنائية لمرتكبيها، والعقوبات المقررة لها. وذلك للحد من استفحال هذه الجريمة، ومواجهة مخاطرها وآثارها السلبية على المستوى الوطني. وهو ما سنقوم بالتطرق إليه في موضوعنا هذا وذلك وفق للتصميم التالي،

المبحث الأول: أركان جريمة غسل الأموال والمسؤولية الجنائية المرتبة عليها.

المطلب الأول: أركان جريمة غسل الأول.

المطلب الثاني: المسؤولية الجنائية المترتبة على جريمة غسل الأموال.

المبحث الثاني: العقوبات المقررة لجريمة غسل الأموال.

المطلب الأول: العقوبات الأصلية.

المطلب الثاني: العقوبات الإضافية.

المطلب الثالث:الإعفاء من العقوبة وتخفيفها.

المبحث الأول: أركان جريمة غسل الأموال والمسؤولية الجنائية المرتبة عليها.

المطلب الأول: أركان جريمة غسل الأموال.

الفقرة الأولى: الركن القانوني لجريمة غسل الأموال.

يعد هذا الركن مسألة بديهية في القانون الجنائي بحيث لا يتصور ملاحقة الشخص وعاقبته، إذا لم يكن مرتكبا للجريمة، والجريمة هي كل عمل أو امتناع مخالف للقانون الجنائي ومعاقب عليه مقتضاه، وهو ما يعبر عنه بمبدأ الشرعية، وغسل الأموال يشكل جريمة في أغلب المنظومات القانونية المعاصرة بالنظر إلى مضاره وأخطاره البالغة.

وباستقراء القانون رقم 43-05 المتعلق بمكافحة غسل الأموال الصادر في 17 أبريل 07 المعدل والمتمم بموجب القانون رقم 13-10 الصادر بتاريخ 24 ينارير 2011، يتبن أن المشرع المغربي رغم أنه لم يعرف جريمة غسل الأموال إلا أنه حدد لنا في الفصل 1- 574 الأفعال المكونة لهذه الجريمة، وكذلك الجرائم الأصلية التي تعتبر مصدر الجريمة غسل الأموال وذلك في الفصل 2- 574، أما فيما يتعلق بالعقوبات فخصص لها المواد من 3- 574 إلى 7-574، وفيما يتعلق بقراءتها وتحليلها ارتأينا أن يتم تناولها عند الحديث عن الركن المادي حتى لا نقع في التكرار.

الفقرة الثانية: الركن المادي لجريمة غسل الأموال.

جريمة غسل الأموال ليست من جرائم العادية فهي تتميز بمجموعة من الخصائص لعل أهمها أنها تستلزم ضرورة  سبق ارتكاز جريمة، لذلك سوف نتناول في هذه الفقرة، الركن المفترض في الجريمة غسل الأموال” الجريمة المصدر”، تم ” السلوك الإجرامي في جريمة غسل الأموال” وأخيراً ” النتيجة في الجريمة غسل الأموال”.

أولاً: الركن المفترض في جريمة غسل الأموال” الجريمة المصدر”

تفترض جريمة غسل الأموال سبق ارتكاب جريمة محددة ينتج عن هذه الجريمة أموال أو متحصلات إجرامية، وهذه الأموال والمتحصلات هي التي يجري عليها الغسل وقد اختلفت التشريعات المقارنة في تحديد نوعية الجريمة مصدر الأموال المراد غسلها، وهكذا نجد اتفاقية فينا 1998 في مادتها الثالثة قد حددت هذه الجرائم في جرائم المخدرات، وكذلك الأمر في اتفاقية تونس لعام 1995، والقانون النموذجي الصادر عن الأمم لعام 1995 وبرنامج العمل العالمي والإعلام السياسي والقرار الثالث اللذان اعتمدتهما الجمعية العامة للأمم المتحدة لعام 1998.

بينما نجد اتفاقية ” باليرمو” حددت الجريمة المصدر بأنها الجرائم الخطيرة التي ترتكبها جماعات إجرامية منظمة عبر وطنية[(1)] ( المادة 7).

وأخيراً فإن اتفاقية سترا سبورع عمدت إلى توسيع نطاق الجريمة المصدرة حيث عرفت الجريمة المصدر بأنها أية جريمة جنائية[(1)].

وقد نتج عن هذا الاختلاف اختلاف التشريعات الوطنية في تحديد الجريمة مصدرة الأموال المراد غسلها حيث تلتزم كل دولة عند إصدار تشريعها الوطني فيما نصت عليه الاتفاقات الدولية التي انضمت إليها.

وبالرجوع إلى القانون 10-13 المتمم والمغير للقانون 05-43 المتعلق بمكافحة غسل الأموال نجد أن المشرع المغربي قد احتفظ بالأسلوب الحصري في تحديد الجريمة المصدر وإن كان قد وسع فيه بإضافة مجموعة من جرائم الأخرى وهي التي تم تنصيص عليها في الفصل 2- 574 من مجموعة القانون الجنائي المعدل وهي:

  • الاتجار غير امشروع في المخدرات والمؤثرات العقلية.
  • تهريب المهاجرين.
  • الاتجار غير المشروع في الأسلحة والذخيرة.
  • الرشوة والغدر واستغلال النفوذ واختلاس الاموال العامة والخاصة.
  • الجرائم الإرهابية.
  • تزوير أو تزييف النقود وسندات القروض العمومية ووسائل الأداء الأخرى.
  • الانتماء إلى عصابة منظمة أنشئت أو وجدت للقيام بإعداد أو ارتكاب فعل إرهابي أو أفعال إرهابية.
  • الاستغلال الجنسي.
  • إخفاء أشياء متحصلة من جناية أو جنحة.
  • خيانة الأمانة- النصب.
  • الجرائم التي تمس بالملكية الصناعية.
  • الجرائم التي تمس بحقوق المؤلف والحقوق المجاورة.
  • الجرائم المتركبة ضد البيئة.
  • القتل العمدي أو العنف أو الأذاء العمدي.
  • الاختطاف واحتجاز وأخذ الرهائن.
  • السرقة وانتزاع الأموال- تهريب البضائع.
  • الغش في البضائع وفي المواد الغذائية.
  • التزييف والتزوير وانتحال الوظائف أو الألقاب أو الأسماء أو استعمالها بدون حق.
  • تحويل الطائرات أو السفن أو أية وسيلة أخرى من وسائل النقل أو إتلافها أو إتلاف منشآت الملاحة الجوية أو البحرية أو البرية أو تعييب أو تخريب أو إتلاف وسائل الاتصال.
  • الحصول أثناء مزاولة مهنة أو القيام بمهمة على معلومات متميزة واستخدامها لانجاز أز المساعدة عمداً على إنجاز عملية أو أكثر في السوق.
  • المس بنظم المعالجة الآلية للمعطيات.

وما يلاحظ من خلال التعديل الذي ورد على الفصل 2- 574 هو أن المشرع المغربي أضاف مجموعة من الجرائم المهمة وإن كان قد احتفظ بالأسلوب الحصري ومن أهم هذه الجرائم الجرائم المتعلقة بالمس بنظم المعالجة الآلية للمعطيات بحيث أن جريمة غسل الأموال أصبحت الآن ترتكب بأحدث الوسائل التقنية وساعد على ذلك التوسع في استخدام الحاسب الآلي والاعتماد على شبكة الاتصالات العالمية (انترنيت) ذلك أنه قد تم رصد طرق جديدة وعديدة لغسل الأموال عبر شبكة الانترنيت، كالتسلل إلى أرقام الحسابات السرية والتحويلات المصرفية مما جعل ارتكابها أمر ممكن في ظل سرية معاملات البنوك التي يصعب عليها التفرقة بين الأموال ذات المصدر المشروع وغيرها ذات المصدر غير المشروع.

لكن نرى أن الإبقاء على الأسلوب الحصري في تحديد الجريمة المصدر سيؤدي لا محالة إلى البحث على طرق أخرى خارج إطار الجرائم المنصوص عليها في الفصل2- 574 وبالتالي الإفلات من العقاب.

لذلك يجب على المشرع المغربي ان يخرج عن هذا التحديد وألا يحصر هذه الجرائم حتى يواكب جميع الجرائم المستحدثة ويقف في مواجهة مرتكبي هذا النوع من الجرائم والحيلولة دون إفلاتهم من العقاب.

ثانياً: السلوك الإجرامي في جريمة غسل الأموال.

السلوك في الجريمة غسل الأموال في التشريع المغربي نص عليه الفصل 1- 574 من مجموعة القانون الجنائي والتي تتمثل صوره فيما يلي:

  • اكتساب أو حيازة أو استعمال او تحويل أو نقل ممتلكات أو عائدات بهدف إخفاء أو تمويه مصدرها لفائدة الفاعل أو لفائدة الغير عندما تكون متصلحة من إحدى الجرائم المنصوص عليها في الفصل 2- 574 وبعده.

فإذا كان النص قد احجم عن تحديد المعنى المقصود من فعل الاكتساب أو الحيازة أو الاستعمال أو تحويل أو نقل ممتلكات أو عائدات فإن الفقه المقارن تصدى لذلك بالتعريف والتحديد هذه الأفعال المشكلة للنشاط المجرم.

فالاكتساب هو تملك الأموال بسبب من الأسباب الناقلة للملكية أو المكسبة لها والتي نص عليها القانون المدني وتدخل في حكمه عقود البيع والهبة والحوالة وغيرها.

أما الحيازة والاستعمال فالرغم من أن المشرع قام باستعمال صيغة الفصل ” أو” فإننا نرى تناولهما جانباً إلى جنب باعتبار أن الاستعمال المادي للشيء والانتفاع من خدمته لا تكون ممكنة إلا من بعد أن تتحقق من قبل ذلك للمنتفع سلطة مباشرة عليه.

وأخيراً استبدال أو تمويل الممتلكات والمقصود منها هو كل العمليات المصرفية أو غير المصرفية والتي يكون الهدف منها تحويل الأموال المتحصلة من جريمة إلى شكل آخر وهكذا يكون هذا التحويل عبارة عن نقل المال من عملة إلى أخرى أو استبدال النقود السائلة بسبائك من المعدان النفيسة.

والمشرع المغربي لم يجرم هذه الأفعال لذاتها وإنما بالنظر للأهداف المراد تحقيقها من ورائها والمتمثلة في إخفاء أو تمويه الطبيعة غير المشروعة لمتحصلات جريمة من الجرائم المنصوص عليها في الفصل 3-574.

  • إخفاء أو تمويه الطبيعة الحقيقية للمتلكات أو مصدرها أو مكانها أو كيفية التصرف فيها أو حركتها أو ملكيتها أو الحقوق المتعلقة بها، مع العلم بأنها عائدات متحصلة من إحدى الجرائم المنصوص عليها في الفصل 2-574.

وحسنا فعل المشرع المغربي عند تعديله لمقتضيات الفصل 2-574 بإضافة هذه الفقرة فهو تدارك النقص الحاصل، سيما ونحن نعلم أن جريمة غسل الأموال ترتكب من قبل أشخاص وعصابات إجرامية تتميز بالاحترافية والذكاء الخارق.

وطبعاً فهذا التعديل يمكن أن يحد من الطرق الملتوية التي يمكن اللجوء إليها لتفادي الاصطدام بنصوص القانون الجنائي.

  • مساعدة شخص متورط في ارتكاب إحداى الجرائم المنصوص عليها في الفصل 2-574 الإفلات من الآثار التي يرتبها القانون على أفعاله.

وإيراد هذه الصورة التي ليس الهدف المباشر منها وعلى عكس الصورة السابقة هو إخفاء أو تمويه مصدر الأموال المتحصلة من جرائم وإنما تمكين مرتكبيها من الإفلات من العقاب، يعتبر اجتهادا من المشرع المغربي وذلك لتحل جريمة غسل الأموال كأساس لمتابعة الجاني محل مقتضيات الأحكام المنظمة للمشاركة وفقاً لحكام الفصل 129 من مجموعة القانون الجنائي.

  • تسهيل التبرير الكاذب بأية وسيلة من وسائل لمصدر ممتلكات أو عائدات مرتكبي إحدى الجرائم المشار إليها في الفصل 2-574 التي حصل بواسطتها على ربح مباشر أو غير مباشر.

فإخفاء المصدر الحقيقي وإعطاء التبرير الكاذب لهذا المصدر بأية وسيلة كانت تعتبر الهدف الأساسي لمرتكبي الجرم، لكن كيف تتم الوسيلة؟ من العبث إمكانية تصورها بسهولة لكونها تتسع لآفاق شاسعة وتنم عن سابق تصور وتصميم وتتجلى في معظم الأحيان بأشكال قانونية صورية تغطي عدم مشروعيتها.

  • تقديم المساعدة أو المشورة في عملية حراسة أو توظيف أو إخفاء أو استبدال أو تحويل أو نقل العائدات المتحصل عليها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة من ارتكاب إحدى الجرائم المنصوص عليها في الفصل2-547.

هذه الصورة وعلى عكس الصور الأخرى لا يمكن تصور ارتكابها إلا من قبل الأشخاص الذين يتوفرون بحكم عملهم أو تكوينهم الأكاديمي على خبرة أو اطلاع واسعين بقواعد اللعبة في سوق المنافع ذات التقويم المالي ذلك أن تصرفات من قبيل حراسة أو توظيف القيم المالية تعد من التعقد التقني إلى الحد الذي لا يمكن معه أن تصدر من غير من سبق أن ذكرنا من الأشخاص.

والمشرع وعيا منه بما قد يترتب من استغلال الصفة المهنية في تنفيذ مثل هذه الجرائم تلك الصفة ظرف تشديد في العقاب[(1)].

ثالثاً: النتيجة في جريمة غسل الأموال

تتفق التشريعات على أن النتيجة الإجرامية في جريمة غسل الأموال أيا كانت صورة السلوك الإجرامي فيها، وسواء وقعت بطريقة تقليدية أو الكترونية تهدف إلى إضافة الصفة المشروعة على المال- غير المشروع- ذلك ان كافة صور النشاط الإجرامي تتفق على أن الغرض منها هو إخفاء المال أو تمويه أو تغيير حقيقته أو طبيعته على النحو الذي يتم الحصول عليه من الجريمة الأصلية، ولهذا يرى جانب من الفقه الجنائي أن جريمة غسل الأموال تتمثل في تقوية طبيعة المصدر غير المشروع للمال أو صاحب الحق فيه أو تغيير حقيقته أو الحيلولة دون اكتشاف ذلك[(2)].

رغم أن هناك جانب من الفقه يرى أن جريمة غسل الأموال جريمة شكلية فلا يشترط أن يترتب على ارتكابها نتيجة إجرامية محددة فهي تعد من الجرائم الخطيرة وأن النتيجة الإجرامية تندمج مع السلوك الإجرامي فمجرد ارتكاب السلوك الإجرامي وتوافرا لركن المعنوي في الجريمة تتوافر المسؤولية الجنائية.

وبالرجوع إلى الفقرة الآخيرة من الفصل 3-547 من مجموعة القانون الجنائي المغربي نجدها تعاقب على المحاولة في الجريمة غسل الأموال بحيث تنص ” تطبق نفس العقوبات على محاولة غسل الأموال” لذلك يمكن القول أن جريمة غسل الأموال جريمة مادية ذات نتيجة مادام من الثابت أن المحاولة لا يمكن تصورها إلا بالنسبة للجرائم المادية ذات نتيجة دون الجرائم الشكلية التي إما أن تقع أو لا تقع مطلقاً.

الفقرة الثالثة: الركن المعنوي لجريمة غسل الأموال

إن استكمال جريمة غسل الأموال لا يقتصر على الركن القانوني والمادي وحسب بل لابد من توافر ركن آخر حتى ترتب الجريمة آثارها القانونية، ويتعلق الأمر بالركن المعنوي ومفاده هو علاقة تربط بين ماديات الجريمة وشخصية الجاني المتمثلة في سيطرته على الفعل وآثاره وجوهر هذه العلاقة هو الإرادة، وقد اصطلح على هذه العلاقة القصد الجنائي وتطلبت التشريعات العربية توافر القصد الجنائي سواء تم التصريح بذلك مباشرة كما فعل كل من التشريع البحريني والإماراتي أو لم يتم التصريح به، وذلك على أساس أن الأصل في الجرائم أن تكون عمدية والاستثناء أن تكون غير عمدية فإتباع الأصل لا يحتاج إلى تصريح ولكن الخروج عليه هو الذي يحتاج إليه فمثلاً المشرع المصري تطلب توافر القصد الجنائي العام والخاص في جريمة غسل الأموال وذلك من خلال الفقرة الثانية من المادة الأولى من القانون رقم 80 لسنة 2002 المتغلق بمكافحة غسل الأموال بقوله: ” كل سلوك ينطوي على اكتساب أموال……. إذا كانت متحصلة من جريمة من الجرائم المنصوص عليها في المادة الثانية من هذا القانون مع العلم متى كان القصد من هذا السلوك إخفاء المال أو تقوية طبيعته أو مصدره أو مكانه أو صاحب الحق فيه أو تغيير حقيقته أو الحيلولة دون اكتشاف ذلك أو عرقلة التوصل إلى شخص ما ارتكب الجريمة المتحصل منها المال”[(1)].

والمشرع الغربي كذلك هو الآخر يتطلب القصد الجنائي العام والخاص حيث نجد الفصل 1-574 من قانون رقم 43-05 كما تم تتميمه بمقتضى القانون رقم 13-10 الصادر بتاريخ 24 يناير 2011 يشترط ضرورة ارتكاب صورة السلوك الاجرامي المشكل لجريمة غسل الأموال عمداً وذلك بنصه:” تكون الأفعال الآتية جريمة غسل الأموال عندما ترتكب عمداً:

  • اكتساب أو حيازة أو استعمال أو استبدال أو تحويل أو نقل الممتلكات”.

من خلال هذا الفصل يتبين لنا أن جريمة غسل الأموال عمدية تحدد بصيغة” عندما يرتكب عمداً” أي يلزم لوقوعها توفر القصد الجنائي العام لدى الجاني بعنصرية العلم والإدارة، أي ضرورة أن يعلم الجاني أنه يمارس نشاطاً غبر مشروع .وذلك بأموال متحصلة من إحدى الجرائم المنصوص عليها في فصل 2-547 من القانون الجنائي ومع ذلك تنصرف إرادة الجاني إلى ارتكاب السلوك الاجرامي وقبول النتائج المترتبة عليه بل أكثر من ذلك لابد أن يقصد الجاني مثلاً في هذا المثال الذي قدمناه اكتساب أو حيازة أو استعمال أو استبدال أو تحويل الممتلكات إخفاء أو تمويه مصدر الممتلكات لفائدة الفاعل أو لفائدة الغير فإذا لم تتحه إرادة الجاني إلى تحقيق هذا الغرض فلا مجال لتقرير مسؤوليته على الرغم من ارتكاب السلوك المادي المكون للجريمة وذلك لتخلف القصد الجنائي لديه.

المطلب الثاني: المسئو و لية الجنائية المترتبة عن الجريمة غسل الأموال.

الفقرة الأولى: المسئوولية الجنائية للأشخاص الطبيعية[(2)].

بالرجوع إلى مقتضيات الفصل6-574 من مجموعة القانون الجنائي المغربي  نجده حدد الأشخاص المسؤولين جنائياً عن جريمة غسل الأموال وهم مسيري ومستخدمي الأشخاص المعنوية المتورطين في عمليات غسل الأموال عند ثبوت مسؤوليتهم الشخصية،

فانطلاقاً من مقتضيات الفصل أعلاه يتبين أنه لقيام المسؤولية الجنائية للشخص الطبيعي في هذه الجريمة فلا بد أن يكون من فئة مسيري أو مستخدمي هذه الأشخاص المعنوية وإلا فلا مجال للحديث عن قيام  مسؤولية جنائية لهذ الشخص، وبتعبير أدق فلابد أن يندرج الشخص ضمن التحديدات التي حددها المشرع وأن تكون له علاقة بالجريمة المرتكبة وعلمه بها.

الفقرة الثانية: المسؤولية الجنائية للأشخاص الاعتبارية.

الشخص المعنوي أو الاعتباري تكتل من الأشخاص أو الأموال يحظي باعتراف القانون له بالشخصية والكيان المستقل والأشخاص الاعتبارية هاته إما أن تكون عامة أو خاصة، ولن ندخل للخوض في النقاش والجدال الفقهيين اللذين دار حول مساءلة الشخص المعنوي من عدمه على اعتبار أن جل القوانين الوضعية أقرت هذه المسؤولية خصوصاً أمام انتشار ظاهرة الأشخاص المعنوية وعظم وخطورة الدور الذي اضحت تقوم به على مختلف الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

ويبدو أن خطورة الجرم في جريمة غسل الأموال وضعت الشخص المعنوي موضع اهتمام وإقرار مسؤوليته عن هذه الجريمة، وقد تم التنصيص على ذلك في المؤتمر العاشر لمنع الجريمة والمجرمين المنعقد في فينيا سنة 2000، وكذلك القانون النموذجي لغسل الأموال في المادة 24 الصادر عن الأمم المتحدة في 1995، أما بالنسبة للتشريعات العربية فقد نصت المادة 12 من القانون الكويتي على مساءلة شركات الأشخاص جزائياً عن جريمة غسل الأموال وتعاقب الشركات بالغرامة التي لا تتجاوز مليون دينار.

أما مشرعنا المغربي فرغم أنه لم يكن مدققاً في الألفاظ عند حديثه عن مسؤولية الشخص المعنوي كما هو الشأن بالنسبة لبعض التشريعات المقارنة من كالتشريع الفرنسي إلا أنه على العموم يقر بهذا النوع من المسؤولية، وهذا يفهم من منطوق المادة 127 من مجموعة القانون الجنائي بخصوص المسؤولية بصفة عامة، أما المسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوي عن جريمة غسل الأموال فقد نص على ذلك الفصل 3-574[(1)] والفصل 5-574 والتي تقرر مجموعة من العقوبات الإضافية في حالة ثبوت مسؤولية الشخص المعنوي عن جريمة غسل الأموال كالمصادرة وحل الشخص المعنوي ونشر المقرر الصادر بالإدانة.

المبحث الثاني: العق وبات المقررة لجريمة غسل الأموال.

المطلب الأول: العقوبات الأصلية.

اعتبر المشرع المغربي جريمة غسل الأموال جنحة تأديبية، إلا أنه تشدد في عقابها في حالات معينة، ليتغير وصفها بذلك من جنحة إلى جناية، وهذا ما سنبينه على الشكل التالي:

فيما يخص عقاب الجريمة في صورتها العادية، فقد نص المشرع المغربي في الفصل 3-574 من مجموعة القانون الجنائي:” يعاقب على غسل الأموال”

  • فيما يخص الأشخاص الطبيعيين بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات، وبغرامة من 20.000 إلى 100.000 درهم.
  • فيما الأشخاص المعنوية بغرامة من 500.000 إلى 3.000.000 درهم دون الإخلال بالعقوبات التي يمكن إصدارها على مسيرها أو المستخدمين العاملين بها المتورطين في الجرائم.

والواضح من مقتضيات هذا الفصل أن المشرع المغربي عاقب على الأفعال التي تعد جريمة غسل الأموال، فيما يخص الأشخاص الطبيعيين بعقوبة سالبة للحرية وغرامة مالية كعقوبة واحدة بمعنى أنه لم يترك للقضاء صرفية الاختيار بينهما أما فيما يخص الأشخاص المعنوي المتورطين في عمليات غسل الأموال، فقد رصد لهم عقوبة مالية متمثلة في الغرامة فقط من  500.000 إلى 3.000.000 درهم والتي تحول دون عقاب المسيرين والمستخدمين العاملين به والمتورطين في ارتكاب الجرائم، ووعيا من الشرع بخطورة جريمة غسل الأموال فقد رصد لمحاولة ارتكابها نفس العقوبات المطبقة على الجريمة الثامنة، وهذا ما يستشف من الفقرة الأخيرة من الفصل 3-574 بقوله” تطبيق نفس العقوبات على المحاولة غسل الأموال”.

وعلى ضوء ما سبق يتبين أن المشرع المغربي قد ساوى بين جميع عائدات الجريمة الأصلية التي تكون محلاً لجريمة غسل الأموال، وذلك ما يتبين من العقوبة المقررة لها بمعنى أنها سواء كانت الأفعال المحددة في الفصل 1-574 متحصلة من جريمة إرهابية أو الاتجار في المخدرات أو غيرها من الجرائم المنصوص عليها في الفصل 4-574 فالعقوبة واحدة وهي التي سبق بيانها أعلاه، بخلاف المشرع الفرنسي الذي راعى عند تحديده لعقوبة جريمة غسل الأموال عقوبة الجريمة الأصلية التي تكون عائداتها محلاً لعملية الغسل.

أما فيما يخص عقاب جريمة غسل الأموال في صورتها المشددة فقد حددها المشرع المغربي في الفصل 4-574، وذلك في الحالات الآتية:

  • عندما ترتكب الجرائم باستعمال التسهيلات التي توفرها مزاولة نشاط مهني.
  • عندما يتعاطى الشخص بصفة اعتيادية لعمليات غسل الأموال.
  • عندما ترتكب الجرائم في إطار عصابات إجرامية منظمة.
  • في حالة العود.

فإذا توفرت إحدى هذه الظروف المشددة فإن عقوبات الحبس والغرامة في صورتها العادية ترفع إلى النصف.

ا لمطلب الثاني: العقوبات الإضافية.

إن المشرع المغربي قد رصد لجريمة غسل الأموال إلى جانب العقوبات الأصلية عقوبات أخرى إضافية حددها في الفصل 5-574 المعدل ( بمقتضى قانون رقم 13-10 الصادر بتاريخ 24 يناير 2011) بقوله: يجب دائما الحكم في حالة الإدانة من أجل جريمة غسل الأموال بالمصادرة الكلية للأشياء والأدوات والممتلكات التي استعملت أو كانت ستستعمل في ارتكاب الجريمة والعائدات المتحصلة منها أو القيمة المعادلة لتلك الأشياء والأدوات والممتلكات والعائدات مع حفظ حق الغير حسن النية.

يمكن أيضاً الحكم على مرتكبي جريمة غسل الأموال بواحدة أو أكثر من العقوبات الإضافية التالية:

  • حل الشخص المعنوي أي منعه من مواصلة نشاطه الاجتماعي، الأمر الذي يترتب عليه تصفية أملاكه.
  • نشر المقررات الصادرة بالإدانة المكتسبة لقوة الشيء المقضي به على نفقة المحكوم عليه.
  • المنع المؤقت أو النهائي من مزاولة واحدة أو أكثر من المهن أو الأنشطة أو الفنون التي ارتكبت الجريمة أثناء مزاولتها، وذلك بصفة مباشرة أو غير مباشرة.

وما يلاحظ على هذه العقوبة الأخيرة أن المشرع لم يكن واضحاً بشأنها، فهل كان قصده الحكم بها كتدبير وقائي شخصي حسب الفصل 61 من مجموعة القانون الجنائي؟ أم الحكم بها كعقوبة إضافية بالرغم من أن الفصل 36 من مجموعة القانون الجنائي لم يدخلها ضمن العقوبات الإضافية؟

إلا أنه ومن خلال صياغة الفصل 5-574 يمكن القول أن المشرع اعتبرها في هذه الجريمة عقوبة إضافية وليس تدبيراً وقائياً.

وانطلاقاً مما سبق يتبين أن جريمة غسل الأموال خاصة عند ما تتركب في إطار عصابة إجرامية منظمة، تبقى العقوبة لوحدها ولو كانت مشددة غير ناجحة وفعالة في التصدي لها، خاصة أمام تمسك هذه التنظيمات، بل لابد من إيجاد حلول أكثر نجاعة تمكن من الحد من هذه الظاهرة التي لها تأثير كبير على الاقتصاد العالمي برمته.

المطلب الثا لث: الإعفاء من العقوبة وتخفيضها.

فبالنسبة للإعفاء من العقوبة فإنه بالرجوع إلى الفصل 7-574 يتبين أن المشرع المغربي نص على عذر واحد معفي من العقاب بقوله: “يستفيد من الأعذار المعفية وفق الشروط المنصوص عليها في الفصول من 143 إلى 145 من مجموعة القانون الجنائي، الفاعل أو المساهم أو المشارك الذي يبلغ للسلطات المختصة قبل عملها عن الأفعال المكونة لمحاولة ارتكاب جريمة غسل الأموال.

والواضح من هذا النص أنه لكي يستفيد الجاني في جريمة غسل الأموال من العذر المعفي من العقاب ينبغي أن يبلغ السلطات المختصة قبل الشروع في الجريمة وبما أن العذر المعفي من العقوبة لا ينصرف إلى الجريمة، فإن المتمتع بها يبقى معرضاً لإمكانية تطبيق بعض التدابير الوقائية حسب المادة 145 من مجموعة القانون الجنائي.

أما فيما يخص العذر المخفض لعقوبة جريمة غسل الأموال فقد أشار إليه المشرع في الفقرة الثانية من الفصل السابق بقوله: ” تخفض العقوبة إلى النصف إذا تم التبليغ بعد ارتكاب الجريمة.”

ولتكن خاتمة بحثنا في جريمة غسل الأموال بعد أن أوضحنا مفهومها ومروراً بتحليل أركانها وبيان المسؤولية الجنائية المترتبة عنها وتحديد العقوبات المقررة لها، مجرد لفت انتباه المشرع المغربي إلى طبيعة اقتصادنا الهش، الذي يجعل منه مرتعا خصباً لاستثمار الأموال غير المشروعة، ومحجاً آمنا لأفراد العصابات المنظمة، خاصة عند عدم وجود اتفاقية تنظيم جريمة غسل الأموال بين المغرب وبلد الجاني أو البلد الذي ارتكبت فيه الجريمة، لتطرح عدة مشاكل من بينها تنازع الاختصاص عند كشف مرتكبها، الأمر الذي يفرض على مشرعنا وضع ترسانه قانونية قوية لضبط هذه الجرائم وتعزيز آليات المراقبة لكشف مرتكبيها خاصة أمام محدودية النتائج التي تحققها الجهات المكلفة بالكشف عن عمليات غسل الأموال، والتي تؤكد قلة وندرة الأحكام القضائية بخصوص هذه الجريمة.


[(1)] بسيوني ( محمد شريف) الجريمة المنظمة غير الوطنية، ص11.

[(1)](1) الأشعر (منى)، تبيض الأموال الناتجة عن الاتجار غير المشروع بالمخدرات، ص :250.

[(1)](1) الرومي ( محمد أمين) غسل الأموال في التشريع المصري والعربي دار الفكر الجامعي سنة 2006 ص 105.

[(1)](2) نفس المرجع والصفحة.

[(1)] تنص الفقرة الأولى من الفصل 4-574 على مايلي ” ترفع عقوبات الحبس والغرامة إلى الضعف عندما ترتكب الجرائم باستعمال التسهيلات التي توفرها مزاولة نشاط مهني”.

[(2)] حجازي بيومي ( عبد الفتاح) مكافحة جرائم الكمبيوتر وانترنت في القانون العربي النموذجي دار الكتب القانوني مصر، سنة 2007 ص117.

[(1)] الرومي ( محمد أمين) غسل الأموال في التشريع المصري والعربي ص185.

[(2)] الفصل 6-574 من القانون الجنائي ” تطبيق العقوبات المنصوص عليها في هذا القانون حسب الحالة على مسيري ومستخدمي الأشخاص المعنوي المتورطين في عمليات غسل الأموال عندما تثبت مسؤوليتهم الشخصية.”

[(1)] ينص الفصل 3-547 من القانون الجنائي على: ” يعاقب… فيما يخص الأشخاص المعنوي بغرامة من 500,00 إلى 3.00,00 دون الإخلاف بالعقوبات التي يمكن إصدارها على مسيريها أو المستخدمين العاملين بها المتورطين في الجرائم تطبق نفس العقوبات على مداولة غسل الأموال.

https://powderencouraged.com/zht6b3bs66?key=8523542c4aaf6f083ce56f74bd271319
https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من فضاء المعرفة القانونية -espace connaissance juridique

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة