مدى الحماية القانونية لحق التمدرس بالمغرب

فاتحة الطلحاوي

إقليم الدريوش

مقدمة:

إذا كانت التربية([1]) هي أعظم وأعقد مشكلة يمكن أن تطرح على الإنسان – كما يقول كانت Kant- فإن تربية الطفل أخذت أبعادا جديدة، ولم تعد وفقا على الأسرة وحدها، بل أصبحت موكولة للمجتمع ومؤسساته وعلى رأسها المدرسة كمؤسسة لها نظام خاص ووظيفة خاصة محددان من قبل القانون.

والمدرسة أعطت للأطفال أهمية كبير، وأي إبعاد عنها هو إقصاء لهم من المجال الطبيعي لتنشئتهم الموافق لمرحلة النمو التي يتواجدون فيها.

فهي تقوم بدور تعليمي تربوي رقابي، تسعى من خلاله – إلى جانب الأسرة – إلى تكوين الفرد وتوفر وسطا أكثر اتزانا من الوسط الخارجي، بحيث تقوم بإصلاح كل اعوجاج أو عادات سيئة في الطفل لكي تستقيم اتجاهته، كما أن لها وظيفة اجتماعية إلى جانب وظيفتها التعليمية، وتساهم في مساعدة الصغير على استغلال قدراته وإنماء شخصيته([2]).

لكن هل التعليم حق مضمون لجميع الأطفال في سن التمدرس بالمغرب؟

إذا كانت الإجابة بنعم، فما مدى الحماية القانونية لهذا الحق المضمون؟

  • الفقرة الأولى حق التعليم من خلال القانون المنظم للتعليم الأساسي

نص الفصل1 من الظهير الشريف الخاص بإلزامية التعليم الأساسي([3]) على ما يلي:

“التعليم الأساسي حق وواجب لجميع الأطفال المغاربة ذكورا وإناثا البالغين 6 سنوات.

تلتزم الدولة بتوفيره لهم مجانا في أقرب مؤسسة تعليمية عمومية لمكان إقامتهم ويلزم الآباء والأولياء بتنفيذه إلى غاية بلوغهم تمام الخامسة عشرة من عمرهم”.

ويؤكد الفصل الثالث من نفس القانون محتوى النص السابق، حيث جاء فيه:

“يجب على كل شخص مسؤول عن طفل أن يطلب تسجيله بمؤسسة للتعليم في السنة التي يبلغ فيها هذا الأخير السادسة،ويجب عليه بالإضافة إلى ذلك أن يسهر على تردد الطفل بصفة منتظمة على المؤسسة التي سجل فيها… وفي حالة عدم قيام الأشخاص المسؤولين عن الطفل بتسجيله وفقا لأحكام هذا القانون تقوم الإدارة بذلك تلقائيا”.

وضمانا لحق الطفل في التعليم الأساسي نص الفصل الثالث مكرر ” …كما يجب على كل شخص مسؤول عن طفل أن يصرح به لدى أقرب مدرسة عمومية من مكان إقامته، داخل أجل أقصاه ستة أشهر من تاريخ بلوغ الصغير سن الرابعة، مع ضرورة تجديد هذا التصريح كل سنة إلى غاية تسجيل الطفل بإحدى المؤسسات التعليمية، وفي حالة انتقال اسرة هذا الاخير المعنى إلى منطقة أخرى، يجب على الشخص المسؤول عن الطفل حسب مفهوم هذا القانون أن يصرح به لدى أقرب مدرسة عمومية من مكان إقامته مقابل وصل، وذلك داخل اخل أقصاه ستة أشهر من تاريخ بلوغ الطفل سن الرابعة”.

والأشخاص المسؤولون عن الولد حسب مفهوم هذا القانون حددهم الفصل الخامس كما يلي:

  1. الأب عند عدم وجوده أو فقدانه للأهلية الأم.

الوصي أو الكافل أو المقدم شرعا.

مدير أو متصرفو أو مسيرو كل مؤسسة ترمي مهمتها إلى حضانة الأطفال الأيتام أو المهملين و رعايتهم باستمرار”.

تبعا لهذا النص ، يمكن القول ، ان الوالدين اومن يقوم مقامهما ملزمان كذلك بمراقبته في سيرة الدراسي.

لكن هل الأهل يلتزمون حقا بمقتضيات هذا القانون، وبرعاية حق الولد في التعليم؟

كثيرا ما يهمل الأشخاص المذكورين في هذا الفصل – خاصة الأبوين – هذا الحق بحجة أو بأخرى، كعدم القدرة على دفع التكاليف اللازمة أو الحاجة المالية لعملهم، أو قد يكون السبب عدم الحرص على تعليمهم كاتجاه اكتسبته الأسر في الآونة الأخيرة ويبرون ذلك بأن سياسات الانفتاح والإصلاح الاقتصادي أدت إلى انخفاض قيمة التعليم في المجتمع المغربي خاصة و المجتمعات العربية عامة، فلم يعد أحد العوامل المهمة المرجحة للحصول على دخل كبير، زيادة على التحرر الحكومات من سياسة تعيين الخريجين، مما يجعل الأسرة محدودة الدخل تفاضل بين أولوياتها محبذة الأكثر إلحاحا منها وهي فرص العمل والحصول على دخل([4]).

وفي هذه الحالة أي عدم وفاء الأبوين أو الحاضنين عامة بالتزامهم نص الفصل السادس من نفس القانون على ما يلي: “كل تقصير من لدن الأشخاص المسؤولين عن الوفاء بالالتزامات الناجمة عن مقتضيات الظهير الشريف أو النصوص المتخذة لتطبيقه يؤدي إلى إنذار من طرف السلطات المحلية. يعاقب الأشخاص المسؤولون الذين لم يتقيدوا بأحكام هذا القانون دون عذر مقبول داخل الأجل المحدد في الإنذار بغرامة تتراوح ما بين 120 و 800 درهم، وفي حالة العود تطبق لزوما العقوبة القصوى المنصوص عليها أعلاه”.

سلك المشرع في هذا النص مسلكا صحيحا بفرضه عقوبة على الممتنعين عن تعليم أولادهم أو مكفولهم، غير أن هذه العقوبة لا ترقى إلى المستوى الردع، فكان على المشرع أن لا يكتفي بعقوبة مالية فقط، بل كان عليه التنصيص على مصادرة حق الأسرة في حضانة الطفل إذا لم تلتزم بإلحاق هذا الأخير بالمدرسة([5]) ، ولن يعاب على برامج الدولة خرقها للقانون والحريات العامة، مادام دستورها يكرس الحق في التعليم ويضمنه في فصله الثالث عشر. فالمتغير الذي قد تحمله مثل هذه البرامج هو أنها عوض أن تضمن هذا الحق بوسائل سلبية ستتخذ مواقف إيجابية فعالة لحمايته([6]).

  • الفقرة الثانية. حق التعليم من خلال مدونة الشغل

موازاة مع القانون المتعلق بإلزامية التعليم الأساسي، نصت مدونة الشغل المغربية في المادة 143 على التالي” لا يمكن تشغيل الأحداث ولا قبولهم في المقاولات، أو لدى المشغلين، قبل بلوغهم سن خمس عشرة سنة كاملة”، وهو سن إنهاء التعليم الأساسي في المدارس.

وفي هذا الصدد، فرضت هذه المدونة عقوبات قانونية ضد أرباب العمل الذين يقومون بتوظيف أطفال دون سن 15 عاما وتتراوح الغرامات ما بين 25.000 درهم إلى 30.000 درهم، وتتضمن سبل فرض القانون ضد عمالة الأطفال عقوبات جنائية وغرامات مدنية وسحب أو وقف أحد أو جميع الحقوق المدنية أو الوطنية…

وهذه المقتضيات تساير الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل التي تشبثت بالسن الموازي لإجبارية التمدرس، كما جاء في المادة 38 منها التي تعترف” بحق الطفل في حمايته من الاستغلال الاقتصادي من أداء أي عمل يرجح أن يكون خطيرا، أو يمثل إعاقة لتعليم لطفل..”.

لكن مدونة الشغل الحالية لم تسد كل ثغرات قانون الشغل السابق، إذ لا تتضمن مقتضيات قانونية تمنع عمل الفتيات القاصرات في المنازل كخادمات وهو ما يحول دون تمدرسهن واكتساب حقهن في التعليم.

وبالرغم من عدم وجود إحصائيات دقيقة 3حول أعداد الأطفال المنخرطين في خدمة المنازل، إلا أن هناك من الشواهد ما رجح اشتماله على شرائح واسعة من الأطفال وخاصة من الفتيات في البلدان النامية تتراوح أعمار معظمهن بين 12 و 17 سنة، بل وهناك العديد من الحالات التي أفادت وجود أطفال يعملون في سن الخامسة والسادسة من عمرهم. ويشكل الاستخدام المنزلي بصفة خاصة، إشكالية تعددت أبوابها وتفرعاتها ومشاكلها ومظاهرها، وينعدم  إزاءها الحل الوحيد. سواء في تقنيتها استعجاليا وحصرها أو القضاء عليها في الأمد البعيد.

إذا كان التشريع المتعلق بحوادث الشغل والأمراض المهنية قد عمل على سرد الأصناف المهنية التي تشمل مقتضياته، فإنه يلاحظ إغفال، إدراج خادمات البيوت ضمن قائمة المستفيدين من مقتضياته.

وبالرغم أن هذا الصنف من الإجراء يقوم بعمل يتقاضى عنه أجرا، إلا أنهم  لا يستفيدون من  مقتضيات هذا القانون لكونهم ليسوا مشمولين برعاية قانون الشغل و قد أكد الاجتهاد القضائي([7]) هذه الحالة، واعتمد المجلس الأعلى في توجهه بكون خادمات البيوت لسن بعاملات طبقا لما تنص عليه المادة الأولى من النظام النموذجي حتى يمكن إدماجهن ضمن مقتضيات المادة 754 من ق.ل.ع.

إن مفهوم عقد الإيجار المنصوص عليه في المادة 723 من القانون المذكور يقضي بأن يكون مؤجر الخدمة اختصاصيا أو تقنيا أو يتقن عملا معينا الشيء الذي لا يتوفر عليه الخادمات في  أشغال المنزل، كما أن مقتضيات المادة 1248 ق.ل.ع تنطبق على الأجير لدى المؤسسة التجارية مما تكون معه الوسيلة غير مرتكزة على أساس.

في حين يرى بعض الفقهاء غير ما ذهب إليه المجلس الأعلى، حيث اعتبروا أن القضاء حرص على تطبيق النصوص دون مراعاة لما توجد عليه خادمات البيوت من تكاثر عددهن بتوالي السنين، وصغر سنهن، وعدم تحديد ساعات العمل، وضعف الأجور علما أن عقد الشغل قائم وموجود، وأن التبريرات المقدمة من طرف المجلس الأعلى والتي حصرها في ضرورة أن تكون اختصاصية أو تقنية، وأن الأشغال التي تقوم بها الخادمات لا تتطلب تقنية معينة ولا مؤهلات معينة باستثناء الأشغال التي تقوم بها لمساعدة ربة البيت.

فلماذا لا يتم مراعاة هذا الواقع؟ ولماذا لا يتم التفكير في تعديل المادة 723 ق.ل.ع؟

خاصة وأن خادمات البيوت لا يخضعن لمدونة قانون الشغل الذي ينص على عدم تشغيل الأطفال، ولا قبولهن عند المؤاجرين الخاضعين لتنظيم الشغل قبل بلوغهن سن الثانية عشر.

كما أن التصديق على الاتفاقية الدولية رقم138 التي تنص على عدم السماح بتشغيل الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 15 سنة لا يعرف بدوره تطبيقا دقيقا، بالرغم أن مدونة الشغل قد تم تضمين مجمل هذه المبادئ ضمن مقتضياتها. وفي هذا الصدد، تم التنصيص بأنه سيتم لاحقا إصدار نظاما خاصا يتعلق بخدم البيوت، يحدد شروط عملهم وتشغيلهم لكون التشريع المغربي الجاري به العمل لا يتضمن أية مقتضيات تخص هذا المجال وإنما يتم الرجوع إلى قانون الالتزامات و العقود لتنظيم العلاقات الشغلية في هذا الميدان.

وبصفة عامة، ينتج عن ظاهرة تشغيل الأطفال الأذى الواضح الذي يلحق بعملة التحصيل الدراسي والمعرفي، إذ تدفع الظروف العملية الطفل إلى إهمال دروسه، والتخلف عن الحضور، والعجز عن مواجهة المتطلبات المدرسية، مما يزيد من قابلية التسرب من المدرسة، إن لم يكن قد تسرب منها بالفعل في وقت سابق فرارا من الأساليب التدريبية والتلقينية والضبطية التي تحكم معظم المؤسسات التربوية، والتي تبدو في الواقع في اغلب الأحيان غير قادرة للاستجابة للاحتياجات الحقيقية للاطفال وإقناعهم بجدواها وقيمتها العلمية والعملية([8]).

وأمام هذه الوضعية فقد تصاعدت أصوات المنظمات الدولية، وجمعيات المجتمع المدني، ومنظمات أخرى تناشد وتطالب دعم الاتجاه التأهيلي لهذه الشريحة من المجتمع، بهدف إعادة تأهيلهم، لكي يصبح الطفل متعلما ومؤهلا حرفيا([9]).

إن ظاهرة تشغيل الأطفال تقضي على الطفولة، وتساهم في زيادة الكلفة الاجتماعية للأجيال المستقبلية، بل تؤثر على التنمية المستدامة، وتزيد في تفاقم بطالة الكبار، ومن ثم فإن القضاء عليها يعتبر واجب وطني خصوصا وان الأطفال العاملين ليس لهم وعي حقوقي، وليس لهم إطلاع على قانون الشغل.

وحل ظاهرة تشغيل الأطفال ليس بالأمر الهين، نتيجة عدة إكراهات ومعيقات ومن ثم يمكن القول، بأن الحل يوجد في أكثر من مسألة، يتعلق الأول في تطبيق نظام التعليم الإلزامي، وبالخصوص في المرحلة الابتدائية والحد من التسرب، وتشديد المراقبة في مجال عمالة الأطفال، والتطبيق الصارم للقوانين التي تنص على عدم تشغيل الأطفال ما دون سن الخامسة عشر، وتمديد رقابة تفتيش الشغل إلى القطاع غير المنظم وتفعيل دور مؤسسات الرعاية الاجتماعية وجمعيات المجتمع المدني في تقديم المساعدة المادية والتربوية للأطفال في سن التمدرس.

  • الفقرة الثالثة: حق التعليم من خلال مدونة الأسرة

من الحقوق الجوهرية للأطفال والتي أكد عليها المشرع المغربي في مدونة الأسرة التعليم والتكوين؛ حيث يلزم الآباء بالتتبع وتهيئ الظروف الملائمة في حدود المستطاع لأبنائهم لمتابعة تعليمهم، فقد نصت المادة 54 على التالي “للأطفال على أبويهم الحقوق التالية: … التعليم والتكوين الذي يؤهلهم للحياة العملية وللعضوية النافعة في المجتمع وعلى الآباء أن يهيئوا لأولادهم قدر المستطاع الظروف الملائمة لمتابعة دراستهم حسب استعدادهم الفكري والبدني، عندما يفترق الزوجان تتوزع هذه الواجبات بينهما بحسب ما هو مبين في أحكام الحضانة.

عند وفاة احد الزوجين او كليهما تنتقل هذه الواجبات الي الحاضن والنائب الشرعي بحسب مسؤولية كل واحد منهما…….

حسب مقتضيات المادة 54 أعلاه، أصبحت الدولة مسؤولة عن اتخاذ التدابير اللازمة لحماية الأطفال وضمان حقوقهم ورعايتهم طبقا للقانون، ويسهر القضاء على احترام الآباء لحقوق الطفل المنصوص عليها في المادة المذكورة والتي من بينها التعليم والتكوين الذي يؤهل الطفل للحياة العملية لاسيما بالنسبة للطفل المعاق.

وتسهر النيابة العامة على مراقبة تنفيذ الأحكام الصادرة في هذا الإطار وكذلك في إطار مقتضيات المادة 121 من مدونة الأسرة التي تسمح للقضاء الأسري أثناء النزاع المعروض عليه من اتخاذ التدابير الاستعجالية اللازمة لحماية الطفل بما فيها ضمان حق مدرسه، إذ يكفي أن يضع أحد الأبوين مقالا مؤشرا عليه بصندوق المحكمة لأجل الطلاق لكي يطلب الأب أو الأم أو النيابة العامة باتخاذ التدبير المناسب لوضعية الطفل([10]).

وتقوم النيابة العامة بتنفيذ الإجراء الذي تقرره المحكمة على أصل مسودة الحكم مستعينة بالوسائل المهمة التي تتوفر عليها لاسيما الضابطة القضائية من أجل تنفيذ الإجراء الوقتي([11]).

وفي نفس الإطار، نص المشرع في الفقرة الثانية من المادة 169 من المدونة على ما يلي: “وعلى الحاضن غير الأم مراقبة المحضون في المتابعة اليومية لواجباته الدراسية…”.

وبالنسبة لانقطاع تمدرس الطفل في حالة إلحاح أحد أبويه على السفر به خارج الوطن، جاءت المادة 179 من المدونة لتنص على أن الإذن للحاضن بالسفر…خارج المغرب هو رهين بتحقق شرطيين هما الصفة العرضية للسفر وعودة المحضون إلى المغرب. وهذا الإذن يجب أن يراعي مصلحة المحضون توقيا للآثار السلبية على مسيرة الطفل الدراسية.

تبعا لهذه النصوص، يمكن القول، إن الأبوين أو الكافل ملزم بتسجيل الطفل بمؤسسة للتعليم متى بلغ السن المحددة قانونا، وملزم كذلك بمراقبته في سيره الدراسي، وهذا توجه لا بأس به للمشرع في مدونة الأسرة.

لكن المادة 20 من المدونة نصت على التالي: “لقاضي الأسرة المكلف بالزواج، أن يأذن بزواج الفتى والفتاة دون سن الأهلية المنصوص عليه في المادة 19، بمقرر معلل…”.

وبعبارة أوضح، أنه إذا كان الأصل المعتمد في هذا القانون أن أهلية الزواج تكتمل بالثامنة عشرة سنة، فإن هناك استثناء، إذ منح المشرع لقاضي الأسرة إمكانية الإذن للفتى أو الفتاة بالزواج، ولو لم يبلغ أحدهما هذا السن، وهذا الإذن يجب أن يصدر بقرار معلل بأسباب مبررة ومقنعة([12]).

والنص لم يحدد السن الأدنى لإمكانية الإذن بالزواج، مما يفتح المجال للأطفال الذين لم يبلغوا بعد سن نهاية التعليم الإجباري للانقطاع عن الدراسة وخوض تجربة الزواج، وهذا أمر يستوجب من المشرع إعادة النظر فيه؛ حماية لحق جميع الأطفال في التعليم.

  • الفقرة الرابعة: حق التعليم من خلال القانون الجنائي

لقد نص القانون الجنائي على مجموعة من المقتضيات الجنائية الحمائية للطفل عموما ولحق تمدرسه بالتبعية. صحيح أنه لا يوجد أي فصل قانوني في القانون الجنائي يجرم عدم تعليم الطفل أو الإنهاء المسبق لتعليمه إلا أن مجموعة من النصوص القانونية يمكن اعتبارها ضامنة نسبيا لهذا الحق في حالة تفعيلها التفعيل المناسب وتتعلق بالنصوص التي تجرم إهمال الأسرة وعدم تقديم الحاضن الطفل إلى الشخص الذي له الحق في المطالبة به.

فإهمال الأسرة يؤدي إلى التأثير سلبا على الطفل خاصة المتمدرس، لذلك حدد القانون الجنائي في الفرع الخامس من الباب الثامن مجموعة من الحالات تدخل في باب إهمال الأسرة منها:

يعاقب بالحبس من شهر إلى سنة وبالغرامة من 200 إلى 2000 درهم:

الأب أو الأم إذا ما ترك أحدهما بيت الأسرة دون موجب قاهر لمدة تزيد عن شهرين وتملص من كل أو بعض واجباته المعنوية والمادية الناشئة عن الولاية الأبوية والتي من بينها الإشراف على تعليم الطفل.

الزوج الذي يترك عمدا لأكثر من شهرين ودون موجب قاهر زوجته وهو يعلم أنها حامل (ق 479 ق .ج)، فمعلوم أن الأسرة تعتبر ميثاق شراكة بين الزوجين.

من أجل تربية الأبناء والسهر على رعايتهم وتعليمهم ويشتمل هذا الميثاق على مجموعة من الواجبات المعنوية والمادية الكفيلة بضمان استقرار تعليم الطفل.

وبتوفير بيئة مستقرة معنويا وماديا.

ويعاقب بنفس عقوبة الفصل 479 المذكور أعلاه الزوج أو المطلق الذي صدر عليه حكم نهائي أو قابل للتنفيذ بدفع نفقة زوجته.. أو أحد فروعه وأمسك عمدا عن دفعها في موعدها المحدد وفي حالة العود يكون الحكم بعقوبة الحبس حتميا (ف480 ق.ج)([13]).

وفي إطار حماية الطفل عامة والمتمدرس خاصة نجد أن الفصل 482 من ق.ج ينص على أنه ” إذا تسبب احد الأبوين في إلحاق ضرر بالغ بأطفاله أو بواحد أو أكثر منهم وذلك نتيجة سوء المعاملة أو إعطاء القدوة السيئة في السكر أو سوء السلوك أو عدم العناية أو التقصير في الإشراف الضروري من ناحية الصحة أو الأمن أو الأخلاق يعاقب بالحبس من شهر واحد إلى سنة وغرامة من 120 إلى 500 درهم”

ولا ريب أن هناك علاقة ولو غير مباشرة بين الصحة وأمن وأخلاق الطفل وتمدرسه.

وبالنسبة لحالة عدم تقديم الحاضن الطفل إلى الشخص الذي له الحق في المطالبة به، يعاقب الجاني بالحبس من شهر إلى سنة (ف476 ق.ج) وتشكل أهم أسباب انقطاع الطفل عن الدراسة.

إلا أنه من شأن هذه العقوبة أن تضمن نظريا استقرار العملية التربوية في حالة انفصام العلاقة الزوجية.

إذا كان المشرع في القانون الجنائي قد تحدث عن حماية حق التعليم بصفة غير مباشرة، فإنه يؤخذ عليه عدم تخصيصه فصل قانوني يجرم عدم تعليم الطفل أو الإنهاء المسبق لتعليمه ضمانا لحقه في التمدرس بصفة مباشرة.

خاتمة:

من خلال القوانين التي تطرقنا إليها في هذه الدراسة، وهي القانون المنظم للتعليم الأساسي، مدونة الشغل، مدونة الأسرة والقانون الجنائي.

تبين أن حق التمدرس مضمون لجميع الأطفال المغاربة، كما نصت هذه القوانين على حماية هذا الحق، لكن هذه الحماية ليست مطلقة، بل نسبية فقط وذلك راجع لوجود ثغرات قانونية، أقترح تعديلها كالتالي:

  • التشديد في العقوبة المالية المفروضة على الممتنعين عن تعليم أولادهم وذلك بتجاوز العقوبة المالية والتنصيص على مصادرة حقهم في حضانة الطفل.
  • التطبيق الصارم للقوانين التي تنص على عدم تشغيل الأطفال ما دون سن الخامسة عشر.
  • تشديد المراقبة في مجال عمالة الأطفال، وتمديد رقابة تفتيش الشغل إلى القطاع غير المنظم.
  • تمديد مدونة الشغل لتشمل خادمات البيوت للاستفادة من مقتضياتها وبالتالي لحماية حقها في التعليم الأساسي.
  • وجوب تضمين مدونة الأسرة مقتضى عدم السماح بالزواج قبل سن نهاية التعليم الإجباري.
  • ضرورة تخصيص القانون الجنائي فصلا يجرم عدم تعليم الطفل أو الإنهاء المسبق لتعليمه حماية لحقه في التمدرس.

[1]()محمد فرطميسي وعبد المقصود راشدي, الأسرة والطفل والتحولات المجتمعية منشورات الشعلة, الطبعة الأولى 2002, ص 11-12

[2]()بسيمة الحقاوي, علاقة تسول الوالدين بتنشئة أبنائهم الاجتماعي, رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا, كلية الآداب والعلوم الإنسانية, جامعة محمد الخامس – الرباط – 1995-1996, ص 97-98.

[3]()ظهير شريف رقم1.63.071 صادر بتاريخ13 نونبر 1963, نشر بالجريدة الرسمية عدد 2665, بتاريخ22 نوفمبر 1963, وتم تغييره وتتميمه بموجب القانون رقم 04.00 الصادر الأمر بتنفيذه بالظهير الشريف رقم1.00.200 الصادر في 19 ماي 2000 , ونشر بالجريدة الرسمية عدد 4798 بتاريخ 25 ماي 2000, ص: 1183.

[4]()المجلس العربي للطفولة والتنمية, أطفال الشوارع, الطبعة الأولى سنة 2000, القاهرة, ص:35-36.

[5]() رجاء ناجي, الأطفال المهمشون – قضاياهم وحقوقهم – منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة – الإيسيسكو1999, ص. 39-40.

[6]() حسب منظمة هيومان رايتس, يقدر عدد الأطفال العاملين بالمغرب بطريقة غير شرعية دون سن الخامسة, كخدم في المنازل مابين 60.000 و 80.000, وينحدر حوالي 90% منهم من المناطق القروية وتشكل الأمية نسبة 84%منهم.

ويجدر التذكير أن ظاهرة تشغيل الخادمات القاصرات عرفت رواجا كبيرا في السنوات الأخيرة, نتيجة ظهور أعمال الخدمة بالتبني , والتي تقوم من خلالها العائلات في المدن بتبني فتيات قرويات صغيرات السن, بهدف استخدامهن كخادمات في المنازل وقد انتشرت هذه الظاهرة بشكل واسع” محمد أديب السلاوي, أطفال الفقر, الطبعة الأولى 2000,ص. 32.

[7]()حكم ابتدائية الرباط تحت رقم 648 بتاريخ 31 دجنبر 1986, مجلة المحاكم المغربية, عدد: 102, ص” 12.

– قرار المجلس الأعلى عدد 34 صادر سنة 1986, قضاء المجلس الأعلى , عدد62, ص. 104

[8]() المادة 179 من القانون رقم 99-65 المتعلق بمدونة الشغل

[9]() علال المنوار، تشغيل الأطفال بين الحماية القانونية وإكراهات الواقع، مطبعة الصومعة-الرباط، سنة 2009، ص: 83.

[10]() منشور صادر عن وزير العدل عدد 21912 بتاريخ 2 فبراير 2005 المتعلق بالتدابير المؤقتة لصيانة المرأة والطفل والذي أهاب بالسادة القضاة والنواب تفعيل التدابير المؤقتة لحماية الأسرة والتي تتعلق بتدبير دراسة الأبناء اعتمادا على مقتضيات المادة 121 من مدونة الأسرة.

[11]() زهور الحر، دور القضاء في تفعيل مقتضيات قانون الأسرة، المجلة المغربية لقانون واقتصاد التنمية، العدد50، 2004، عدد خاص باليوم الدراسي حول الأسرة المغربية بين الفقه المالكي والقانون الوضعي، جامعة الحسن الثاني، الدار البيضاء، ص:31.

[12]() عبد الكريم شهبون، الشافي مدونة الأسرة، الجزء الأول، الطبعة الأولى سنة 2006، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء،ص:73.

[13]() فاتح كمال، حماية حق تمدرس الطفل أثناء النزاع الأسري من خلال التشريع المغربي، مجلة الملف عدد: 11، ص:203.

https://powderencouraged.com/zht6b3bs66?key=8523542c4aaf6f083ce56f74bd271319
https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من فضاء المعرفة القانونية -espace connaissance juridique

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة