تأملات حول حالة توتر معلن بين شرعيتي ” التمثيل و الاقتراح “

د. حسن طارق

خلال الشهور الأخيرة، ومنذ دخول دستور 2011، حيز التنفيذ فان الملاحظ لا يمكن أن يتجاهل بعض الصعوبات في تدبير علاقة سلسلة وعادية، بين ما أصبح يصطلح عليه بهيئات الحكامة الجيدة من جهة، وبين البرلمان.

في الخلفية الأولى للمشهد قد يبدو التوتر راجعا لحسابات سياسية مباشرة يبن حزب العدالة والتنمية بحجمه العددي والسياسي داخل مجلس النواب وبين مسؤولي بعض هذه المجالس، حيث بالنسبة للحزب الفائز في الاستحقاق الانتخابي الأخير ليس من المقبول تماما أن يغيب عن خريطة التمثيلية السياسية والحقوقية، مثلا داخل المجلس الوطني لحقوق الإنسان، بصيغته الجديدة على المستويين الوطني والجهوي، وهي الحسابات التي قد تغذيها “حساسية ” الحزب الفائز في الانتخابات تجاه بعض “النخب “المقربة من “الدولة ” والقادمة من قنوات تنخيب “أخرى ” والحاملة لبروفيلات قريبة من “اليسار”.

هذا الجزء من التحليل قد يساعد على قراءة بعض الوقائع المتواترة، المتعلقة بما أثير حول اللقاء الدراسي المخصص لمناقشة وضعية حقوق الإنسان من طرف لجنة العدل والتشريع بمجلس النواب يوم الثلاثاء 23 أكتوبر 2012، من إشكالية الدستورية من عدمها فيما يتعلق بحضور الوسيط ورئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان، ثم ما ارتبط بدعوة السيد إدريس اليازمي – بصفته رئيسا لمجلس الجالية المغربية بالخارج- للاستماع إليه أمام لجنة المالية والتنمية الاقتصادية. وهو ما أثار الكثير من الصخب الإعلامي الذي انطلق بتصريحات أعضاء من اللجنة يحتجون على رفض رئيس المجلس المذكور المثول أمامها، ثم انتهي بتوضيح من مجلس الجالية ينفي نهائيا توصله بأية دعوة من أي لجنة نيابية.

واقعة أخرى تدخل في نفس الخانة، تتعلق بتحفظ نواب من العدالة والتنمية على الطلب الذي تقدمت به المعارضة الاتحادية لمكتب مجلس النواب والقاضي بتفعيل مسطرة طلب الرأي الاستشاري للمجلس الوطني لحقوق الإنسان بخصوص مشروع القانون المتعلق بالضمانات الممنوحة للعسكريين.

لكن رغم هذه الوقائع، يبقى من “السهولة ” اعتبار هذا التوتر يعود فقط إلى هذه الخلفية السياسية. إن الأمر يتعلق في نهاية التحليل بإحدى “التوترات المهيكلة” التي أفرزها دستور 2011 والتي يشكل قطبيها: “البرلمان ” من جهة و”هيئات الحكامة الجيدة ” من جهة أخرى.

الدستور المغري الذي جاءت إصلاحاته الجديدة، لكي تحاول إغناء الطابع التمثيلي وسلطة الاقتراع العام وتقوية التأويل البرلماني، هو نفسه الذي أفرد بابا كاملا لما أسماه بهيئات حماية الحقوق والحريات والحكامة الجيدة والتنمية البشرية والمستدامة والديمقراطية التشاركية.

وإذا كان النظام الداخلى لمجلس النواب في صيغته الأولى قبل ملاحظات المجلس الدستوري قد جعل من وضعية هذه المؤسسات شبيهة بالمؤسسات العمومية والمقاولات العمومية التي توجد تحت طائلة الرقابة البرلمانية، بما في ذلك إمكانية مثول رؤسائها أمام اللجان النيابية المعنية بمجال اشتغالها، فإن المجلس الدستوري أقر عدم دستورية ذلك المقتضي من النظام الداخلى انطلاقا من مبدأ “استقلالية ” هذه المؤسسات المدرجة في خانة هيئات الحكامة الجيدة.

كيف حضرت المطالب المتعلقة بهيئات الحكامة في الحوار العمومي الذي سبق دستور 2011، وكيف أصبح هذا الأخير يتوفر على باب كامل خاص بالحكامة الجيدة، مبادئها وهيئاتها؟

ما معنى هذه “الاستقلالية ” خاصة في علاقته بالسلطة التشريعية؟، أين تبدأ سلطة المنتخبين وأين تنتهي، أين موقع “المؤسسات الوطنية ” من مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة؟

وباختصار، كيف يمكن تصور علاقة المؤسسات التمثيلية بالمؤسسات الوطنية وهيئات الحكامة الحيدة ؟

أولا: حضور هيئات الحكامة والمؤسسات الوطنية ، في الحوار العمومي حول دستور 2011

لم يشكل هاجس دسترة المؤسسات الوطنية والمجالس الاستشارية، هاجسا كبيرا، لدى الأحزاب السياسية المغربية، في مرحلة ما قبل مارس 2011، غير أن هذا لا يعنى أن موضوع تدعيم البناء المؤسسي بهيئات جديدة، لم يكن حاضرا لديها بالمرة، فالعودة مثلا إلى المذكرات التي سبق أن رفعت للمؤسسة الملكية من طرف الكتلة الديمقراطية، خلال سنوات التسعينات، توضح انخراط هذا المطالب في اقتراح إحداث مؤسسات ” من قبيل: المجلس الاقتصادي والاجتماعي، المجلس الأعلى للأمن والدفاع، المجلس الأعلى للتربية والتكوين، المجلس الأعلى للإعلام، مؤسسة الوسيط. غير أن دعوة الملك خلال خطاب 9 مارس 2011، إلى دسترة هيآت الحكامة، وحقوق الإنسان، وحماية الحريات. كأحد المرتكزات السبع للتعديل الدستوري الشامل، سيفتح المجال بشكل أكبر أمام اقتراحات دسترة بعض الهيئات الموجودة، أو الدعوة إلى إحداث مؤسسات جديدة، وهو الأمر الذى سيصل إلى إعلان الملك بمناسبة خطاب تقديم وعرض مشروع الدستور الجديد على الاستفتاء يوم 17 يونيو 2011، عن دسترة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، ومؤسسة الوسيط، ومجلس الجالية المغربية بالخارج، و الهيأة العليا للاتصال السمعي -البصري، والمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي وتوسيم اختصاصات المجلس الاقتصادي والاجتماعي، لتشمل القضايا البيئية.

وفي نفس السياق سيتم الإعلان عن إحداث مجلس للشباب والعمل الجمعوي، “عملا على تمكين الشباب من فضاء مؤسسي- للتعبير والنقاش “حتى “يشكل قوة اقتراحية، لتمكينهم من المساهمة، بروح الديمقراطية والمواطنة، في بناء مغرب الوحدة، والكرامة والعدالة الاجتماعية. “بالإضافة إلى دسترة مجلس المنافسة، والهيأة الوطنية للنزاهة ومحاربة الرشوة والوقاية منها.

وفي نفس الخطاب سيعتبر الملك أن دسترة بعض المؤسسات الأساسية، لا يتنافى مع ترك المجال مفتوحا لأحداث هيأت وآليات أخرى، لتعزيز المواطنة والمشاركة الديمقراطية.

وقبل ذلك، وفي الفترة ما بين الخطابين المذكورين، كانت الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني، قد خصصت جزء من مطالبها، لمسألة ما بات يعرف، بهيئات الحكامة، وحقوق الإنسان، وحماية الحريات.

وهكذا، طالب مثلا حزب العدالة والتنمية في المذكرة المرفوعة للجنة الاستشارية لمراجعة الدستور إلى دسترة مجلس المنافسة، باعتباره السلطة العليا للمنافسة وتخويله الصلاحيات اللازمة لضمان المنافسة السليمة في الحقل الاقتصادي والحفاظ على النظام العام الاقتصادي، مما يجعل منه سلطة تقريرية تدخلية، والى دسترة المؤسسة الوطنية لمكافحة الفساد وجعلها ذات اختصاصات تقريرية. كما دعا إلى التنصيص على أن إحداث الهيئات المستقلة وما في حكمها مثل بنك المغرب وهيئات الرقابة في المجال المالي وهيئات الرقابة في ميدان التامين يتم بمقتضى قانون.

أما بالنسبة لحزب التجمع الوطني للأحرار فقد أكد في مذكرته حول الإصلاحات الدستورية، في باب ما يتعلق بوضعية المجالس الاستشارية، على حذف المجلس الأعلى للإنعاش والتخطيط من الدستور، مقابل “دسترة المجالس التالية:

-المجلس الوطني لحقوق الإنسان.

-المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية.

-الهيأة العليا للاتصال السمعي البصري.

-مؤسسة الوسيط.

-المجلس الأعلى للمهاجرين.

-مجلس المنافسة “.

وبالنسبة للحركة الشعبية، فقد دعت مذكرتها إلى دسترة الهيآت المهتمة بتخليق الحياة العامة وحماية الحقوق: هيئة محاربة الرشوة، مجلس المنافسة، هيئة الوسيط، المجلس الوطني لحقوق الإنسان إضافة إلى المجلس الأعلى للحسابات والمجالس الجهوية للحسابات.

في المقابل دافع حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، على التنصيص على دسترة المجلس الوطني لحقوق الإنسان ومؤسسة الوسيط.

أما حزب التقدم والاشتراكية، فقد اقترح أن ينص” الدستور على آليات الحكامة والوساطة والتمثيلية والتقنين، ويمنحها اختصاصات جديدة، وخاصة حق المبادرة بالتدخل في مجال اختصاصها، مع العمل على تنظيمها بما يعزز استقلاليتها وفعاليتها وتكاملها. ويهم هذا الموضوع بالأساس الآليات المختصة بحماية حقوق الإنسان، وتأطير الشباب، والهيآت المعنية بالشفافية والمساواة في قطاع الأعمال وضمان دولة القانون في المجال الاقتصادي، والتخليق ومحاربة الرشوة، إضافة إلى الهيآت التمثيلية لبعض فئات المواطنين والمواجهات، ومؤسسات الضبط والتقنين في بعض القطاعات الاستراتيجية الأساسية.”

وفي سياق مخالف لغالبية الأحزاب، عبر حزب الاستقلال عن تخوفه من دسترة كل هيآت الحكامة التي لا تزال آلياتها في طور التأسيس، باستثناء المجلس الوطني لحقوق الإنسان، مثيرا الانتباه إلى أنه من المطلوب قبل الدسترة، تمنيع هذه الآليات جميعها وتأهيلها قانونيا وبشريا وتنظيمياً، وأساسا تقوية بنيتها القانونية وتوضيح اختصاصاتها وضبط مصادرها ومجال تدخلها بدقة، وتمكينها من وسائل، العمل.

أما فيما يتعلق بحضور المطلب المتعلق بهيئات الحكامة داخل مذكرات المجتمع المدني، فيمكن الوقوف على حالة الوسيط من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان، حيث دعت هذه الجمعية الحقوقية إلى حل المجلس الأعلى للتعليم ونقل اختصاصاته إلى المجلس الاقتصادي والاجتماعي، بالإضافة إلى حذف المجلس الأعلى للإنعاش الوطني والتخطيط “الذي لم يتم تفعيله، ولم تعد هناك حاجة إليه “.

من جهتها دعت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، في مذكرتها المتعلقة بالإصلاحات الدستورية، إلى خلق هيئات جديدة، منها على الخصوص:

– محكمة وطنية لحقوق الإنسان

– الهيئة الوطنية لمراقبة نزاهة الانتخابات وتعمل تحت إشراف السلطة القضائية، وباستقلال عن باقي السلطات والمؤسسات الدستورية.

– الهيئة الوطنية للشفافية ومحاربة الفساد وحماية المال العام.

– المجلس الوطني للمساواة ومناهضة كل أشكال التمييز ضد المرأة.

– المجلس الأعلى للثقافة والفنون.

– المجلس الأعلى للطفولة والشباب.

وفيما يتعلق بوضعية المؤسسات الوطنية العاملة في ميدان الرقابة والحكامة، فقد دعت المنظمة إلى ضرورة النص الدستوري على ربطها بالجهاز التنفيذي لضمان مساءلتها ومراقبتها.

أما مركز دراسات حقوق الإنسان والديمقراطية، فقد انطلق من الرغبة في تفادي سلبيات التعدد، والجدل حول أسباب دسترة مؤسسات دون أخرى، لكي يدعو إلى إخضاع هيئات الحكامة لمجال القانون في إطار توسيع صلاحيات البرلمان، وذلك من خلال إحداث ما يسمى بالهيئات الإدارية المستقلة، حيث يحدد القانون معايير التعيين بها، واستقلاليتها إداريا وماليا، وعلاقتها بباقي السلط، وطرق محاسبتها.

ثانيا: الهيئات المكلفة بالحكامة الجيدة داخل الدستور المغربي:

خصص الدستور المغربي، الباب الثاني عشر منه لما اسماه “الحكامة الجيدة”، حيث قدمت الفصول من 154 إلى 160، تحت عنوان فرعى هو “مبادئ عامة “، فيما قدمت المواد من 161 إلى 171 تحت عنوان فرعى آخر هو “مؤسسات وهيئات حماية الحقوق والحريات والحكامة الجيدة والتنمية البشرية والمستدامة والديمقراطية التشاركية “.

المؤسسات والهيئات العشر، وزعت حسب الوثيقة الدستورية إلى ثلاثة مجموعات:

  • الاولى هي هيئات حماية حقوق الإنسان والنهوض بها: تضم المجلس الوطني لحقوق الإنسان، مؤسسة الوسيط، مجلس الجالية المغربية بالخارج، والهيأة المكلفة بالمناصفة ومحاربة جميع أشكال التمييز.
  • الثانية هي هيئات الحكامة والتقنين: وتضم الهيأة العليا للاتصال السمعى البصري، مجلس المنافسة، الهيأة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها.
  • الثالثة هي هيئات النهوض بالتنمية البشرية والمستدامة والديمقراطية التشاركية، وتضم: المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، المجلس الاستشاري للأسرة والطفولة، والمجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي.

الدستور اعتبر في الفصل 159 أن الهيئات المكلفة بالحكامة الجيدة، مستقلة؛ وتستفيد من دعم الدولة، ورغم ذلك سيتم تأكيد معطى الاستقلالية بالنسبة لثلاثة هيئات بمناسبة الحديث المنفرد عنها في فصول خاصة، يتعلق الأمر بالمجلس الوطني لحقوق الإنسان، وبمؤسسة الوسيط، وبمجلس المنافسة، تستفيد من دعم الدولة.

في نفس الباب سيعتبر الدستور أنه يمكن إحداث هيئات إضافية للضبط والحكامة بقانون، كما أوكل للمشرع أن يحدد بقوانين تأليف وصلاحيات وتنظيم وقواعد سيرها، وألزمها بتقديم تقرير عن أعمالها، مرة واحدة في السنة على الأقل، يكون موضوع مناقشة في البرلمان.

وبعض النظر عن الآثار السياسية الممكنة لهذا التضخم المؤسسي، ولإشكاليات تمفصل هذا الجيل الجديد للمؤسسات مع السلطة التنفيذية، في مجال صياغة وتقييم السياسات العمومية، وكذا عن مخاطر “استعارة” اللغة الدستورية لمقولة “الحكامة الجيدة وهي مقولة لا يخفي مضمونها الإيديولوجي الواضح. فانه يمكن تقديم الملاحظات التالية:

– انطلاقا من التنصيص على أن تنظيم هذه الهيئات وتحديد قواعد سيرها وتأليفها يعود على المشرع، بعد أن صدرت غالبية القوانين المحدثة للمجالس الموجودة عبر ظهائر مستندة إلى الفصل 19 من الدساتير السابقة، وانطلاقا من صلاحياتها الدستورية الجديدة، يمكن القول أننا ننتقل من صيغة “المشورة “التقليدية الموجهة فقط إلى المؤسسة الملكية، إلى صيغة “الاستشارة ” الحديثة الموجهة أساسا إلى كل من البرلمان والحكومة، وهذا ما يعنى أن عمل هذه الهيئات محكوم بـــ”  تأويل “برلمان متقدم لنظامنا السياسي وبطبيعة “سلطة الاستشارة داخلة.

– يمكن تقسيم الهيئات العشر إلى خانات ثلاثة:

  • الخانة الأولى تتعلق بما يعرف بلغة حقوق الإنسان وأدبيات الأمم المتحدة بالمؤسسات الوطنية، ويتعلق الأمر هنا بالمجلس الوطني لحقوق الإنسان، مؤسسة الوسيط، الهيأة المكلفة بالمناصفة ومحاربة جميع أشكال التمييز، الهيأة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها.
  • الخانة الثانية تتعلق بهيئات التقنين والضبط، ويتعلق الأمر أساسا بمجلس المنافسة، والهيأة العليا للاتصال السمعي البصري (الدستور أقحم الهيأة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، ضمن هيئات التقنين..).
  • الخانة الثالثة المتعلقة ببعض المجالس ذات الوظيفة الاستشارية، وهي مجلس الجالية، المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، المجلس الاستشاري للأسرة والطفولة، المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي (المجلس الدستوري في قراره رقم 12/ 829 أقحم هو الآخر الهيأة المكلفة بالمناصفة ضمن الهيئات ذات الطابع الاستشاري).

– لاشك أن جمع كل الفئات الثلاثة تحت توصيف “الاستقلالية “، يثير بعض الأسئلة، ذلك انه إذا كانت استقلالية المؤسسات الوطنية جزءا من هويتها وطبيعتها، وإذا كانت استقلالية هيئات الضبط والتقنين مكونا جوهريا ووظيفيا لهذه المؤسسات التي لا يمكن تصور عملها إلا بمسافة مع السلطة التنفيذية، فان التنصيص على استقلالية هيئات عادية ذات طابع استشاري، تنحصر- مهامه في إبداء الرأي حول سياسات عمومية معينة، لا يبدو مقنعا بشكل كبير.

-لم يتم إدراج المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، ضمن الباب المتعلق بالحكامة الجيدة، وثم الاحتفاظ به في باب خاص به.

ثالثا: مضمون وحدود ” الاستقلالية ” المؤسسات الوطنية ، ومبدأ خضوعها للمسائلة

ترتبط المؤسسات الوطنية بجيل جديد من المؤسسات، التي تشكل فاعلا لا يستمد شرعيته من الخطاطة التقليدية للأنظمة التمثيلية، بقدر ما تعتبر نتيجة مباشرة لإقحام “نفس” تشاركى داخل الأنظمة السياسية الحديثة، ولذلك فالمؤسسات الوطنية تعنى بالضرورة مساحة إضافية للمشاركة المواطنة، عن طريق إدماج المجتمع المدني والخبرات الجامعية والفئات ضعيفة التمثيلية داخل المؤسسات المنتخبة أو حتى “الفئات التي لا صوت لها”، وعبر خلق فضاءات أوسع للتداول والحوار العمومي ولاقتراح الأفكار المتعلقة بالسياسات العمومية، بشكل بعيد عن التقاطبات السياسية؛ أغلبية / معارضة، لذلك فالمؤسسات الوطنية هي تجسيد لأفكار: الإدماج، التداول، الاقتراح والمشاركة، خاصة عندما تعجز الوسائط التمثيلية والانتخابية عن استيعاب كل تلك المبادئ الذي توجد في قلب العملية الديمقراطية.

تعرف إحدى الوثائق الصادرة عن مركز الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بجنيف، المؤسسة الوطنية الفعالة؛ بتلك المؤسسة التي تستطيع التصرف بشكل مستقل عن الحكومة والأحزاب السياسية وباقي الهيئات والكيانات الأخرى، وهذا الاستقلال هو ما يميزها بحد ذاته عن الآليات الحكومية، ومن ناحية أخرى فان استقلال المؤسسة الوطنية لا يمكن أن يعنى أبدا عدم وجود أي رباط بالدولة، وهذا ما يميزها من جهة أخرى عن المجتمع المدني.

ولتدقيق مضمون هذا الاستقلال، تورد وثيقة “إنشاء وتقوية المؤسسات الوطنية ” المذكورة، أربعة عناصر أساسية:

-أولها، الاستقلال القانونى والتنفيذي، ولذلك فقانون إنشاء المؤسسة الوطنية حاسم في تامين استقلالها، لاسيما استقلالها عن الحكومة، ومنحها شخصية قانونية منفصلة ومميزة ذات طبيعة تسمح لها بممارسة سلطتها في صنم القرارات بشكل مستقل، وأداء وظائفها بدون أي تدخل من أى فرع من الحكومة أو من أي هيئة عامة أو خاصة.

أما الاستقلال التنفيذي، فيعنى القدرة الذاتية عل إدارة شؤونها اليومية على نحو مستقل عن أي فرد أو منظمة أو إدارة أو سلطة، ثم القدرة على وضع نظمها الداخلية وصياغة توصياتها وتقاريرها، دون الخضوع لأي تأثير خارجي.

إن أحد مكونات هذا الاستقلال القانوني يتعلق بالسلطة القانونية لإجبار الآخرين على التعاون، وعلى وجه الخصوص الوكالات الحكومية، وهو ما من شانه أن يميز هذه المؤسسات عن المنظمات غير الحكومية.

-ثانيها، الاستقلال المالي، حيث يفضل تحديد مصدر وطبيعة تمويل المؤسسة في قانونها التأسيسي، ويمكن أن تخول مسؤولية صياغة ميزانيتها السنوية الخاصة، قبل أن تحال على البرلمان مباشرة لمناقشتها.

-ثالثها، الاستقلال من خلال إجراءات التعيين والإقالة، إذ لا يمكن تصور استقلال أي مؤسسة إلا بقدر استقلال الأفراد المكونين لها، كما أن منح الاستقلال القانونى أو التقني أو حتى المالي لأي مؤسسة لن يكون كافيا في غياب إجراءات تضمن لأعضائها، القدرة الفردية أو الجماعية لمواصلة عملهم بشكل مستقل. وهنا فإن القانون التأسيسي مطالب بتدقيق شروط وطريقة التعيين، ومعاييره، ومدته وإمكانية تجديده وسلطات الإقالة. ولأن طريقة التعيين حاسمة بكفالة الاستقلال، يوصى بأن يعهد بهذه المهمة إلى هيئة تمثيلية مثل البرلمان.

-رابعها، مرتبط بتشكيل العضوية بناءا على التعددية الاجتماعية والسياسية، كضمانة إضافية للاستقلال. إن مبدأ الاستقلال، عادة ما يقرن بمبدأ آخر ليس سوى المساءلة، فالمؤسسة الوطنية ليست غاية في حد ذاتها، لذلك ففاعليتها المؤسسية مرتبطة بوضع نظام للمساءلة على أساس أهداف محددة قابلة للقياس.

إن المسؤولية القانونية والمالية أمام البرلمانات غالبا، تنبني على تقنية التقارير الإلزامية، وهو ما ينبغي تضمينه في قوانينها التأسيسية التي يجب أن تنص على:

– تواتر هذه التقارير؛

– إمكانية تقديم تقارير خاصة، او فى مواضيع محددة ؛

-المسائل التي ينبغي تقديم تقارير بشأنها؛

-إجراءات فحص التقارير.

إن عمل المؤسسات الوطنية خاضع بالضرورة كذلك للمسؤولية المواطنة أمان جمهورها، وهو ما يدعوها لإجراء تقييمات علنية لأنشطتها وتقديم تقارير عن نتائجها المنجزة بكامل الشفافية.

رابعا: العلاقة بين البرلمانات والمؤسسات الوطنية داخل المرجعيات الدولية والتجارب المقارنة

يقدم العمل الصادر عن الاتحاد البرلماني الدولي، الموسوم بــــ”البرلمان والديمقراطية في القرن الحادي عشر: دليل للممارسة الجيدة “، العلاقة بين البرلمان والمؤسسات الوطنية المستقلة، العاملة في مجالات حقوف الإنسان ومكافحة الفساد وحماية المال العام، ومجالس الحسابات، على أساس أنها امتداد للرقابة البرلمانية على السلطة التنفيذية، ويقر بأن فعالية الرقابة التي تمارسها هذه الهيئات تتكرس كلما كانت خاضعة للمساءلة أمام البرلمان.

وفيما يتعلق بالحالة الأبرز لهذه المؤسسات الوطنية، وهي تلك المرتبطة بحقوق الإنسان، فقد سبق للجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها رقم 48/ 134، الخاص بالمبادئ المتعلقة بمركز المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، أن أقرت بان استقلالية هذه المؤسسات مشروطة بتوفرها على الهياكل الأساسية لسلامة سير أنشطتها وبصفة خاصة الأموال الكافية لذلك، والتي يكون الغرض منها تمكينها من تدبير موظفيها وأماكن عملها لتكون مستقلة عن الحكومة وغير خاضعة لرقابة مالية قد تمس باستقلاليتها، وفي نفس القرار تم ربط الاستقلالية بمنح المؤسسات الوطنية سلطات تسمح لإقامة علاقات تعاون فعال، مع كل من المجتمع المدني، التيارات الفكرية، الجامعات، والبرلمان والإدارات الحكومية، هذا التعاون الذي قد يأخذ صورة إشراك ممثلين عن كل هذه الجهات في عمل المؤسسات الوطنية، باستثناء يتعلق بممثلى الحكومة الذين لا يمكن إشراكهم في مداولاتها، إلا بصفة استشارية.

ومن أجل تدقيق أكبر لطبيعة التعاون الفعال بين المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان والبرلمانات، سيصدر خلال شهر فبراير 2012 بمناسبة المؤتمر الدولي المنظم بصربيا تحت إشراف المفوضية العليا لدى الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ولجنة التنسيق الدولية لمؤسسات النهوض وحماية حقوق الإنسان، إعلان ” مبادئ بلغراد” حول العلاقة بين المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان وبين البرلمانات. خلال هذا الإعلان سيتم التركيز على العناصر التالية:

 دور البرلمان في إحداث مؤسسة وطنية لحقوق الإنسان وضمان أدائها

لوظيفتها، واستقلاليتها ومسؤوليتها أمام البرلمان.

1 القانون المؤسس

– ينبغي على البرلمانات عند تداولها لمشروع قانون إحداث مؤسسة وطنية لحقوق الإنسان إجراء مشاورات واسعة مع كل الفاعلين المعنيين.

– ينبغي على البرلمانات وضم إطار قانون للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان يضمن استقلاليتها ومسؤوليتها المباشرة أمام البرلمان، طبقا لمقتضيات المبادئ الناظمة للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان (مبادئ باريس)، وأخذا في الاعتبار الملاحظات العامة للجنة التنسيق الدولية للمؤسسات الوطنية لتعزيز وحماية حقوق الإنسان وكذا الممارسات الفضلى.

– ينبغي أن يكون للبرلمانات الاختصاص الحصري لإصدار التشريعات المتعلقة بإحداث المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان ولإجراء أية تعديلات على القانون المؤسس للمؤسسة.

– ينبغي أن تقوم البرلمانات، أثناء التداول بشأن التعديلات المحتملة على القانون المؤسس للمؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان وتبنيها، بالتدقيق في التعديلات المقترحة بهدف ضمان استقلالية هذه المؤسسة وفعاليتها، وبإجراء مشاورات مع أعضاء المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان وفاعلين آخرين مثل منظمات المجتمع المدني.

– ينبغي على البرلمانات تتبع تنفيذ مقتضيات القانون المؤسس.

ب الاستقلالية المالية

– ينبغي على البرلمانات ضمان الاستقلالية المالية للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، وذلك بإدراج مقتضيات خاصة بذلك في القانون المؤسس.

– ينبغي أن تقدم المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان إلى البرلمانات خطة إستراتيجية و/ أو برنامجا سنويا للأنشطة. وينبغي على البرلمانات أن تأخذ بالاعتبار الخطة الإستراتيجية و/ أو البرنامج السنوي للأنشطة المقدمة من طرف المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان أثناء مناقشة مقترحات الميزانية لضمان الاستقلالية المالية للمؤسسة.

– ينبغي على البرلمانات دعوة أعضاء المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان لمناقشة الخطة الإستراتيجية و/ أو برنامجها السنوي للأنشطة فيما يتعلق بالميزانية السنوية.

– ينبغي على البرلمانات ضمان توفر المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان على الموارد الكافية لأداء المهام الموكلة إليها بموجب القانون المؤسس.

ج  التعيين والإقالة

– ينبغي على البرلمانات التنصيص صراحة في القانون المؤسس على مسطرة شفافة في اختيار أعضاء المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان وتعيينهم وكذا إقالتهم إذا اقتضى الحال، وإشراك المجتمع المدني عند الاقتضاء.

– ينبغي على البرلمانات ضمان انفتاح وشفافية عملية التعيين.

-ينبغي على البرلمانات ضمان استقلالية المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان من خلال التنصيص على الحصانة بخصوص الأعمال المتخذة في إطار المهام الموكولة بمقتضى القانون المؤسس.

– ينبغي على البرلمانات التنصيص صراحة في القانون المؤسس على ضرورة ملء المقعد الشاغر في عضوية المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان وذلك في غضون فترة زمنية معقولة. وينبغي للعضو المنتهية ولايته أن يستمر في أداء مهامه حتى يتم تعيين خلفه اما فيما

د  التقارير

– ينبغي أن تقدم المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان تقاريرها مباشرة إلى البرلمان.

– ينبغي أن تقدم المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان إلى البرلمان تقريرا سنويا عن أنشطتها، مع ملخص تنفيذي لمحتواه، بالإضافة إلى تقرير حول وضعية حقوق الإنسان في البلاد وكذا حول أية قضية أخرى تتعلق بحقوق الإنسان.

– ينبغي أن تتوصل البرلمانات بتقارير المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان وتبث فيها وتتفاعل معها وأن تحرص على ضمان مناقشة أولويات المؤسسات الوطنية لحقوف الإنسان وأن تتحين الفرص لمناقشة التقارير الأكثر أهمية للمؤسسات الوطنية على وجه الاستعجال.

– ينبغي أن تضم البرلمانات إطار مبادئ لمناقشة أنشطة المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، مع ضمان احترام استقلالية هذه المؤسسات.

– ينبغي أن تعقد البرلمانات مناقشات مفتوحة حول التوصيات الصادرة عن المؤسسات الوطني لحقوق الإنسان.

– ينبغي أن تسعى البرلمانات إلى الحصول على معلومات من السلطات العمومية المختصة بخصوص مدى استجابة هذه للتوصيات الصادرة عن المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان.

ثانيا: أشكال التعاون بين البرلمانات والمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان

– ينبغي أن تتفق المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان والبرلمانات عل أساس للتعاون، بما في ذلك عن طريق إنشاء إطار رسمي لمناقشة قضايا حقوق الإنسان ذات الاهتمام المشترك.

– ينبغي أن تحدد البرلمانات أو تحدث لجنة برلمانية مناسبة تكون مخاطبا أساسيا للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان.

– ينبغي على المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان تطوير علاقة عمل قوية مع اللجنة البرلمانية المتخصصة بما في ذلك من خلال مذكرة تفاهم، إذا اقتضى-الحال.

وينبغي كذلك على المؤسسات الوطنية لحقوف الإنسان واللجان البرلمانية تطوير علاقات رسمية كلما كان ذلك مناسبا لعملها.

– ينبغي أن يجتمع أعضاء اللجنة البرلمانية المتخصصة والمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان بشكل منتظم ويحافظوا على حوار دائم، من أجل تعزيز تبادل المعلومات وتحديد مجالات التعاون الممكنة في مجال حماية حقوق الإنسان وتعزيزها.

– ينبغي أن تضمن البرلمانات مشاركة المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان وأن تطلب أرائها في المجالات المرتبطة بحقوق الإنسان وذلك خلال اجتماعات وأشغال اللجان البرلمانية المختلفة.

– ينبغي أن تقدم المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان المشورة و/ أو توصيات إلى البرلمانات بشأن القضايا المرتبطة بحقوق الإنسان، بما في ذلك التزامات الدولة في مجال حقوق الإنسان على المستوى الدولي.

يمكن للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان تقديم المعلومات والمشورة للبرلمانات للمساعدة في ممارسة مهامها المرتبطة بالرقابة والتدقيق.”

إذا كانت المرجعيات الدولية تؤكد على كون استقلالية ما يعرف بالمؤسسات الوطنية العاملة في ميادين حقوق الإنسان، ترتبط أساسا بعلاقتها مع السلطة التنفيذية، في مقابل تكريس مسؤوليتها أمام السلطة التشريعية، فان التجارب الدستورية المقارنة لا تكاد تخرج عن هذا الإطار، حيث التنصيص مثلا على استقلالية مؤسسة وطنية كالمدافع عن الحقوق، في الحالة الفرنسية، لا ينفي علاقته الوطيدة بالبرلمان، حيث لا تباشر هذه المؤسسة مهامها إلا بعد جلسة برلمانية للاستماع.

خامساً: الهيئات المكلفة بالحكامة الجيدة داخل النظام الداخلي لمجلس النواب ، و موقف المجلس الدستوري

وجد مجلس النواب الذي أفرزته انتخابات 25 نونبر 2011 نفسه أمام الحاجة الماسة إلى وضع قانون داخلي جديد، تطبيقا للفصل 69 من الدستور، وذلك للإجابة على الأقل على تحديين أساسيين: الأول يتعلق بالملاءمة الشكلية و”المعجمية “مع الدستور، وبتلك المتعلقة بالصلاحيات الجديدة التي منحها هذا الأخير للسلطة التشريعية، وخاصة لمجلس النواب. والثاني يتعلق بمستوى أعمق يهم تجويد العمل البرلماني وترشيده، خاصة فيما يتعلق بطبيعة التوازن المؤسساتي الجديد بين المجلسين.

ولعل ضغط الزمن السياسي، والحاجة إلى جاهزية مجلس النواب لتأمين الانطلاقة الطبيعية للمؤسسة، وللتعامل مع متطلبات المرحلة السياسية التي تلت الانتخابات التشريعية السابقة لأوانها، قد سرعا من وثيرة إنجاز النظام الداخلى لمجلس
النواب، في صيغة إصلاح أولى، بما يفي بشروط التجاوب مع هاجس الملائمة في حدوده الدنيا، مع الاتفاق على الإبقاء على ملف إصلاح النظام الداخلي مفتوحا للجواب على الإشكاليات العميقة للعمل البرلماني، وهذا ما تجلى مصادقة مجلس النواب بتاريخ 12 يناير 2012، على النظام الداخل الجديد لمجلس النواب، الذي كان موضوعا لقرار المجلس الدستوري رقم 829/ 12 بتاريخ 4 فبراير 2012، وأمام حجم الملاحظات المقدمة من هذا الأخير، لجأ مجلس النواب إلى معالجة جزئية همت بالأساس الملاحظات التي ترتبط بتأمين السير العادي لهياكل المجلس، وهي المعالجة التي شكلت – من جديد-موضوعا لقرار المجلس الدستوري رقم 838/ 12 بتاريخ 16 فبراير 2012، مما سمح للمجلس في المباشرة العادية لعمله البرلمان، وفي نفس الوقت متابعة ورش الإصلاح الهيكلي للنظام الداخلى، وذلك انطلاقا من اليوم الدراسي الذى عقده بتاريخ 21 مارس 2012، تحت شعار” أي نظام داخل لتحسين الأداء البرلماني والتنزيل الدستوري للدستور”، ومن تشكيل لجنة لإعداد مشروع جديد للنظام الداخلي.

وبمناسبة الإصلاح الأولى للنظام الداخلى، كان مجلس النواب مطالبا بتدقيق العلاقة التي باتت تربط دستوريا، بين مجلس النواب، وبين مؤسسات وهيئات الحكامة، وفي هذا الإطار قدمت للمجلس مجموعة من الاقتراحات من طرف مسؤولي بعض هذه المؤسسات؛ التي عقد رؤسائها (المجلس الوطني لحقوق الإنسان، الوسيط، الهيئة المركزية للوقاية من الرشوة، مجلس المنافسة) اجتماعا مع رئيس مجلس النواب حول هذا الموضوع بتاريخ 30 دجنبر2011، وكانت الهيئة المركزية للوقاية من الرشوة، قد وجهت مراسلة للرئيس المذكور، بتاريخ 28 دجنبر 2011، ضمنتها مقترحاتها المتعلقة بتعزيز الحكامة البرلمانية، فضلا عن مقترحات تهم علاقة المجلس بهيئات الحكامة الجيدة، تتعلق بما يلي:

– ” إدراج باب جديد بمشروع النظام الداخلي، يحدد علاقة مجلس النواب بالهيئات المذكورة.

– تضمين هذا الباب لمقتضيات تسمح لمجلس النواب على الخصوص ب:

  • استشارة هذه الهيئات في المقترحات ذات الصلة بمجالات تدخلها بطلب من المجلس او بمبادرة منها.
  • استشارة هذه الهيئات بطلب من المجلس أو بمبادرة منها في شأن مشاريع المعاهدات والاتفاقيات ذات الصلة، بمجالات تدخلها والمحالة على المجلس قصد الموافقة قبل المصادقة عليها من طرف الملك.
  • طلب إبداء الرأي في مختلف القضايا التي لها علاقة بمجالات تدخل الهيئات المذكورة.
  • استدعاء رؤساء الهيئات المذكورة للمساهمة في أشغال بعض اللجان البرلمانية المخصصة لتدارس القضايا ذات الصلة.
  • تنظيم الجلسات المخصصة للاستماع إلى التقارير السنوية المقدمة أمام مجلس النواب من طرف هذه الهيئات، وفق برنامج يتم الاتفاق بشأنه بين رئيس المجلس ورؤساء الهيئات المعنية.”

وفعلا سيتم إدراج باب جديد، هو الباب الثالث من الجزء الخامس من النظام الداخلى -كما تم التصويت عليه في 12 يناير 2012-، المعنون ب: مقتضيات خاصة، ووسيعنون هذا الباب كالتالي: علاقة مجلس النواب بمؤسسات وهيئات حماية الحقوق والحريات والحكامة الجيدة والتنمية البشرية والمستدامة والديمقراطية التشاركية.

سيتضمن هذا الباب مادتين 182 و 183، الأخيرة تتعلق باستمرار العمل بالمقتضيات القانونية المتعلقة بعلاقة مجلس النواب مع المؤسسات والهيئات المنصوص عليها في الفصول من 161 الى 170 من الدستور، إلى حين صدور القوانين المنصوص عليها في الفصل 171 من الدستور.

أما المادة 182، فتتعلق بوجوب تقديم المؤسسات المذكورة، أمام مجلس النواب مرة واحدة على الأقل في السنة، تقريرا عن أعمالها، وأن هذه التقارير تودع “لدى مكتب المجلس الذى يحيلها على اللجان الدائمة المختصة، التي تتولى مناقشتها بحضور رؤساء المؤسسات والهيئات المعنية، وإعداد تقارير تحال على الجلسة العامة لمناقشتها”

قرار المجلس الدستوري رقم 829/ 12، المتعلق بالبث في مطابقة النظام الداخلي لمجلس النواب، للدستور، جاء بان ما تضمنته المادة 182، من أن المؤسسات والهيئات المذكورة تقدم أمام “مجلس النواب “وجوبا مرة واحدة عل الأقل في السنة تقريرا عن أعمالها، ومن أن اللجان الدائمة المختصة تتولى مناقشة هذه التقارير” بحضور رؤساء المؤسسات والهيئات المعنية “، يتعين اعتباره مخالفا للدستور.

حيثيات تفسير هذه المخالفة، تجلت فيما يتعلق بالفقرة الأولى من المادة 182، بكون الفصل 160، من الدستور، (لئن كان يتوجب على المؤسسات والهيئات المشار إليها تقديم تقرير عن أعمالها مرة واحدة في السنة على الأقل، فانه ينص على أن هذا التقرير يكون “موضوع مناقشة من قبل البرلمان ” ولا ينص على أن هذه المؤسسات تقدم تقريرها “أمام مجلس النواب “كما تقتضى ذلك الفقرة الأولى من هذه المادة، مما يعنى أن مناقشة هذا التقرير، داخل مجلسي البرلمان، تكون بين أعضاء كل منهما فيما بينهم وبمشاركة الحكومة، وليس مباشرة مع المسؤولين عن هذه المؤسسات والهيئات)

الملاحظة الأولى التي تطرح نفسها، هنا هي لماذا “منع “المجلس الدستوري المسؤولين عن هيئات الحكامة من الحضور والإسهام في مناقشة البرلمان لتقارير هذه الهيئات؟ وهل هذا “المنع “بمثابة تحصين ضد أي إمكانية للمساءلة؟ ثم ما معنى هذه الجملة الغامضة: “مناقشة هذا التقرير، داخل مجلسي البرلمان، تكون بين أعضاء كل منهما فيما بينهم ” !! هل يعنى ذلك داخل كل مجلس على حدة؟ أم داخل المجلسين؟ وهل يتم ذلك عبر الجلسات العامة؟ أم عبر اللجان؟

الملاحظة الثانية التي يمكن تقديمها هنا، تتعلق بالتساؤل، حول مدى انطلاق القاضي الدستوري في هذا الجزء من القرار كذلك – كما تم الأمر بالنسبة للفصل 101 من الدستور الذي يتحدث عن تخصيص جلسة سنوية من قبل البرلمان لمناقشة السياسات العمومية -، من قاعدة “وحدة معجم القانون “، ليقرا كلمة “البرلمان “بمعنى “مجلسي البرلمان المجتمعين “، وهو أمر يبدو انه قد طاله نوع من عيب التأويل، انطلاقا من العناصر التالية:

– قيام النظام الدستوري المغربي على قاعدة الثنائية المجلسية، يجعل من إمكانية جمع المجلسين، عبارة عن استثناء أحاطه المشرع الدستوري بكامل ضمانات التنصيص الدستوري الصريح؛ حيث حدد الفصل 68 في فقرته الرابعة الحالات التي تنعقد فيها جلسات مشتركة للبرلمان بمجلسيه، على وجه الخصوص، عند افتتاح الملك للدورة التشريعية والاستماع إلى الخطب الملكية الموجهة للبرلمان، المصادقة على مراجعة الدستور، الاستماع إلى التصريحات التي يقدمها رئيس الحكومة، عرض مشروع قانون المالية، والاستماع إلى خطب رؤساء الدول والحكومات الأجنبية، وفضلا عن هذه الحالات المحددة على وجه الخصوص أضاف الدستور إمكانية عقد اجتماعات مشتركة، بطلب من رئيس الحكومة، للاستماع إلى بيانات تتعلق بقضايا تكتسي طابعا وطنيا هاما.

-بغض النظر عن المقتضى العام للفقرة الرابعة من الفصل 68، لجا المشرع إلى إعادة التأكيد الواضح بدون اي لبس لغوي، لطبيعة اجتماع البرلمان، كاجتماع مشترك بين المجلسين، في الفصول التي يستعرض فيها تلك الحالات، مثل الفصول 88.174

-اعتبار مصطلح “البرلمان “يعنى بالضرورة في المتن الدستوري، اجتماعا مشتركا للمجلسين، لا يستقيم منطقيا مع منطوق عدد كبير من الفصول.

أما فيما يتعلق بالفقرة الثانية، من المادة 182، من النظام الداخلى لمجلس النواب، فقدم المجلس الدستوري الحجة التالية (حيث أن المؤسسات والهيئات المذكورة في الفصول من 161 إلى 170 من الدستور، ومع مراعاة الطابع الاستشاري لتلك المذكورة في الفصول 163و164و168و169و170، تعد مؤسسات وهيئات مستقلة، إما بحكم ما ينص عليه الفصل 159 من الدستور من أنه “تكون الهيئات المكلفة بالحكامة الجيدة مستقلة “وإما بموجب الفصول الدستورية الخاصة بها، مما يجعلها لا تخضع لا للسلطة الرئاسية لوزير معين ولا لوصايته، الأمر الذي يمتنع معه تطبيق ما ينص عليه الفصل 102 من الدستور من “انه يمكن للجان المعنية في كلا المجلسين أن تطلب الاستماع إلى مسؤولي الإدارات والمؤسسات والمقاولات العمومية، بحضور الوزراء المعنيين وتحت مسؤولياتهم “)

الملاحظة المركزية هنا، تتعلق بان المجلس الدستوري الذي قدم تأويلا جيدا، للاستقلالية، في ارتباطها بالسلطة التنفيذية، لكنه في نفس الوقت اعتبر أن مناقشة اللجان الدائمة لتقارير هذه الهيئات، أمرا مخالفا للدستور، وهو ما يعنى أن هذا المجلس قد توسع في تأويل الاستقلالية، من استقلالية تجاه السلطة التنفيذية، إلى ما يكاد يكون استقلالية عن البرلمان.

صحيح، ليس في الدستور ما ينص صراحة على وجوب عرض هذه التقارير على اللجان، لكن تصور ذلك لا يصطدم بما من شانه أن يجعل من ذلك مخالفا لنصوص الدستور. وواضح أن القياس على حالة الفصل 102 مسالة غير مفهومة في حالة هيئات الحكامة، التي لا يعنى عدم تبعتها للحكومة رفض إمكانية مناقشة تقاريرها داخل اللجان النيابية الدائمة.

سادسا: العلاقة بين البرلمان وهيئات الحكامة داخل القوانين المؤسسة لهذه الاخيرة

بعيدا عن الوثيقة الدستورية والنظام الداخلى لمجلس النواب، فان القوانين المؤسسة لبعض هيئات الحكامة الجيدة، حاولت بشكل جزئي تنظيم علاقتها بالبرلمان – خارج مسالة تعيين رئيسا المجلسين داخل بعضها-، و هنا مثلا فان ظهير إحداث المجلس الوطني لحقوق الإنسان (فاتح مارس 2011)، ينص في مادته 16 على أن المجلس بإمكانه تقديم المساعدة والمشورة، للبرلمان بطلب منه، بشان ملاءمة مشاريع ومقترحات القوانين مع المعاهدات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، التي صادقت عليها المملكة او انضمت إليها، أما المادة 18 من نفس الظهير فتنص على أن المجلس يقوم بدراسة مشاريع المعاهدات الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان وبالقانون الدولي الإنسانى، المحالة عليه بصورة منتظمة من طرف الجهات المختصة”و من الواضح أن البرلمان مؤسسة معنية بمثل هذه الإحالة.

أما بالنسبة لمؤسسة الوسيط، فظهير إحداثها (17 ماري 2011)، لا يتصور من خلال المادة 10 منه، إلا شكلا واحدا للعلاقة مع البرلمان، هو إمكانية إحالة أعضائه، على مؤسسة الوسيط، الشكايات التي قد يتوصلون بها، والتي تدخل في اختصاصاته، وهي إمكانية منحها “الظهير” كذلك لرؤساء الإدارات، ولرؤساء هيئات الحكامة، من قبيل المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري، الهيئة المركزية لمكافحة الرشوة، المجلس الوطني لحقوق الإنسان، مجلس المنافسة، وكذلك لكل الهيئات والجمعيات المؤسسة بشكل قانوني.

وفي حالة الهيأة العليا للاتصال السمعي البصري، فانه ينص في ظهير إحداثه (المادة 3)، على إمكانية إبداء الرأي في أى قضية تهم الاتصال السمعي البصري،، تمت إحالتها من طرف أحد رئيسي مجلسي البرلمان، وعندما يتعلق الأمر بمقترحات قوانين تهم هذا القطاع فان إبداء الرأي لرئيسي المجلسين يصبح في هذه الحالة وجوبا.

وفي المقابل فان مجلس الجالية المغربية بالخارج، وفقا لظهير إحداثه كان -قبل دستور 2011- عبارة عن هيئة استشارية لدى الملك، لذلك لم يتصور قانونه التأسيسي أية علاقة مع البرلمان، على عكس الحكومة التي يمكن أن تطلب منه إبداء الرأي في قضية لها علاقة بالهجرة، وفقا للمادة 3 من ظهير 21 دجنبر 2007، المحدث لهذا المجلس.

سابعاً: ملاحظات على سبيل الختم

– إن اقتران الاستقلالية بالمساءلة، في حالة المرجعيات الدولية والأممية للمؤسسات الوطنية، وداخل التجارب المقارنة والممارسات الفضلى، ينسجم مع البناء الدستوري المغربي الذي كرس استقلالية هيئات الحكامة من جهة، وتأسس على فكرة ربط المسؤولية بالمحاسبة، كفكرة مركزية، من جهة أخرى.

– يرتبط تدبير الإشكاليات الجديدة للعلاقة برلمان/ مجالس وهيئات الحكامة، بحاجة ماسة لتكيف الأنظمة والفاعلين مع الأبعاد الجديدة لهذه العلاقة، وهنا فان حالة استجابة مجلس النواب لاقتراح بعض الفرق لطلب رأى استشاري للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، حول مشروع الضمانات الممنوحة للموظفين العسكريين، يشكل تمرينا ناجحا لتدبير هذه العلاقة، حيث كان مجلس النواب مضطرا للاجتهاد وللاستناد إلى مقتضى موجود في ظهير تأسيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وليس للنظام الداخلى لمجلس النواب الذى يخلو لحد الآن من تأطير لمسألة طلب إبداء الرأي من إحدى هيئات الحكامة.

– ظلت هيئات الحكامة القائمة لحد الآن، متمسكة في اقتراحاتها ومذكراتها، بتصور متقدم للعلاقة مع البرلمان، سواء من خلال مقترحاتها حول تعديل النظام الداخلى لمجلس النواب، الذي قدمته لليوم الدراسي المنعقد في تاريخ 21 مارس 2011، والتي دافعت من خلالها مثلا على ضرورة إقرار هذا النظام لصيغة لحضور هيئات الحكامة داخل لجن برلمانية، او كذلك من خلال المذكرة التي صاغ مثلا المجلس الوطني لحقوق الإنسان حول تأسيس “هيئة المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز”، والتي عبر من خلالها عن تصور لاستقلالية هذه الهيأة باعتبارها أساسا استقلالية تجاه السلطة التنفيذية.

– لقد أبان المجتمع المدني، في كثير من حالات الترافع من آجل تأسيس بعض هيئات الحكامة التي ينص عليها الدستور (هيئة المناصفة / المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي..)، عن امتلاكه لتصور واضح لعلاقة كل من هذه الهيئات والمؤسسة التشريعية.

-إن مجلس النواب، وهو يقدم على إصلاح نظامه الداخلى، مطالب بتقنين علاقة مؤسسية بين السلطة التشريعية، وهذه الهيئات مبنية على قاعدة المسؤولية، وعلى اعتبار “الاستقلالية “محدد لعلاقتها بالسلطة التشريعية وليس بالبرلمان.

– أمام البرلمان ورش تشريعي يتعلق بالقوانين المنظمة لهيئات الحكامة الجيدة، ولا شك أن إحدى تحديات هذه المهمة تتعلق بتفعيل طبيعة الاستقلالية، انسجاما مع المرجعية الدستورية، ومع الأدبيات الدولية والأممية في الموضوع.

– إن المعالجة القانونية، لا يجب أن تخفي العمق السياسي للإشكاليات والأسئلة التي تطرحها طبيعة العلاقة بين “هيئات للحكامة ” تريد ملء مساحاتها كاملة و”برلمان “يبحث عن ترسيخ دور تمثيلي محاط بالتشكيك في شرعيته وقصوره المؤسسي، إشكاليات ترتبط عمليا بالطريقة التي سيدبر بها المغرب هذا “التوتر” البنيوي داخل مشهده المؤسسي الجديد، توتر موضوعه هو التدافع الطبيعي بين نوعين من الشرعية: شرعية التمثيل السياسي المبنية على سلطة الاقتراع العام وعلى فكرة المسؤولية، وشرعية المؤسسات الوطنية المبنية عل سلطة “الاستشارة ” وفكرة الديمقراطية التشاركية والحوار العمومي المدمج للمجتمع المدني.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading