د. رجب عمر العاتي [(*)]

الملخص:

يناقش موضوع البحث العدالة الانتقالية في الواقع الليبي خلال فترة 17 فبراير 2011 م منعطفا إلى توضيح إشكالات سـوء التـدبير الـسياسي والفرص الضائعة للم الشمل والتضامن الاجتماعي، كما يكشف البحث حقيقـة الفساد الإداري والسياسي في هذه الفترة مع معرفة مراحل جبـر الـضرر، وهل هناك بناء للثقة السياسية بين الشعب والحكومات الانتقالية المتعاقبة في هذه المرحلة، أم أن الفساد والإفلات من العقاب والإقـصاء والتـشفي لا زال موجودا في ظل هشاشة الانتخابات التشريعية التي قلصت عدد المـشاركين، وعزل سياسي غير منضبط مفاهيميا، مع عدم وجود ضوابط تحمي الإنفـاق من ميزانية الدولة وغياب بناء جهاز للجيش والشرطة، على الـرغم مـن أن ليبيا لها موارد مادية متعددة وإمكانيات ثقافية ودينية متجانسة، وعدد سـكان بسيط يمكنها من تجاوز هذه الخلافات بيسر وسهولة هذه الإشكالات انعكـست على مفهوم العدالة الانتقالية وأخرت عملية التحول الديمقراطي.

مقدمــة:

تكتسي العدالة الانتقالية Transitional Justice)) فيما بعد الثورات العربية أهمية بالغة إذ من خلالها يتم جبر الضرر للأفراد اللذين لحقت بهـم انتهاكـات فـي دمائهم وأعراضهم وأموالهم وعند تجريم هذه السلوكيات العدوانية دستوريا وقانونيـا، يتم تفعيل سيادة القانون بترسيخ المحاكمات العادلة التي تدعم الثقـة بـين المـواطنين والدولة، وبها يرد الاعتبار لكرامة المتضررين عن طريق التعويض المادي للأفـراد والجماعات، فضلا على الاعتذار الرسمي وإعلان يوم رسمي للذكرى، مع تفعيل قيم رد الاعتبار الذي يؤسس لقيم العدالة؛ ويمهد للتحول الـديمقراطي ويحـد مـن روح الانتقام والثأر والكيدية وتصفية الحسابات، فالمنصفون والوطنيون يفضلون بناء دولـة القانون بإتباع الأصول القانونية في المحاكمات العادلة للمتهمين؛ وذلك عـن طريق توفير ضمانات دستورية وقانونية ملزمة، بهذه الإلزامية تسود ثقافة حقوق الإنـسان؛ ويعزز الوعي القانوني، وتدين عامة الناس الـسلوك الإجرامـي، وحتى لا يفعل المتضررون أفعال مرتكبي الجرائم السابقة من أعمال انتقامية وعدائية.

بناء على ذلك، يجب تفعيل مبدئي المساءلة والمحاسبة حتـى تعـم المـصارحة والمكاشفة ويتم ملامسة الشفافية وآلية الحكم الرشيد، التي توفر السلم وتؤمن عملية احترام الحقوق والحريات في ظل إعادة الكرامة للضحايا بتعويضهم وإعادة بناء الثقة وخـصوصا فيما يتعلق بالقضايا السياسية والقانونية. مع ملاحقة جرائم الفساد المالي والإداري في ظـل مراحل بداية نشأة الثورة لأنها تسهم في تعطيـل التنميـة وتعرقـل شـعارات التغييـر الإصلاحية التي تطمح في البديل الأصلح والأنسب في عملية التحول الديمقراطي.

وفقا للمعطيات السابقة، فإن العمـل الإصـلاحي الدسـتوري والمؤسـسي والسلوكي للفرد يتطلب إرادة سياسية وتعاون مؤسسي ومجتمعي يجبر آلام الـضحايا والمتضررين بما يتفق مع مصالحهم ومصالح الوطن لا مـصلحة الحكومـة. هـذه الأعمال تجعل المجتمع ينتقل من حالة العنف والنزاع والخلاف إلى حالـة الأمـن والاستقرار، وتحكيم سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان، حتى تنكـشف الحقيقـة، وتتوحد الذاكرة الوطنية.

أهمية الموضوع:

يتم تناوله من عدة نواحي وهي: أولا من الناحية الإنسانية، وتعتبر العدالـة الانتقالية في هذا السياق استحقاقا مرحليا يتضمن في داخله المصالحة الوطنيـة بـين الليبيين في الداخل والخارج لزيادة فاعلية الثقة السياسية بين أبنـاء الـوطن الواحـد والمشاركة السياسية والتي بها ومن خلالها يتم صياغة العقد السياسي “الدستور” الـذي يمهد لتحقيق السلم الاجتماعي والطمأنينة والأمن أما من ناحية الثقافة السياسية ففيها نتبين الوعي الثقافي للمجتمع بمعرفة مدى الفاعلية في المشاركة الـسياسية؛ وقبـول الرأي الآخر المخالف، ومدى الوعي باحترام وصون المـال العـام. أمـا أن ثقافـة المجتمع لا زالت ترضخ في تقديم ثقافة الانفعال على الفعل، والارتجال على التخطيط العقلاني المدروس، والولاء على الكفاءة، والتساهل والتسيب في ممارسة السلطة على تحديد المسؤولية، وتبادل العواطف الجياشة بين الشعب وزعيمه علـى تطـوير روح المحاسبية والمساءلة العقلانية. (غليون، 2007، ص 13) هـذه الـسلوكيات الـسلبية ستنعكس على نشوء ثقافة المشاركة السياسية والمسؤولية والشفافية والحكـم الرشـيد والحوار البناء والتنمية والعدالة الانتقالية.

الإشكالية البحثية:

كيف يتم تفعيل مفهوم الثقة السياسية بين أبناء المجتمع والسلطات العامة فـي مرحلة العدالة الانتقالية حتى لا تتجدد انتهاكات حقوق الإنسان؟

الفرضية البحثية:

من الممكن تصور منطلقات للعدالة الانتقالية في جانبها الداخلي والخـارجي في هذا السياق، ففي الجانب الداخلي تستمد العدالة الانتقالية منطلقها من مجموعة من المفاهيم كالمصالحة والحوار والمكاشفة والإنصاف وإحقاق الحق وبنـاء المؤسـسات والتداول السلمي للسلطة وجبر الضرر … (ابن الهمام، 2003، ص208)، في حـين خارجيا يتناول المشترك الإنساني كمنطلق ويبدو أن كل مـا يعـزز مبـادئ الثقافـة الديمقراطية وقيم حقوق الإنسان والعدالة والتجارب المختلفـة والمتنوعـة والمتعـددة للدول، وما تلتزم به من معايير دولية للعدالة يعتبر مشترك إنساني؛ فضلا على طرق بناء أنظمة قانونية وقضائية وأمنية وإدارية جديدة لمنع تكرار ما حصل وكل ما يساند ويدعم ذلك المشترك ويساهم في التوعية الحقوقية والقانونية والأخلاقية التي تهيـئ حكم القانون (شعبان، 2013، 127، 128).

بناء على ذلك فإن فرضية البحث كانت على النحو الآتي: (كلما تـم تـشجيع مفهوم المشاركة السياسية والحوار السياسي داخليا وخارجا في الوسـط الاجتمـاعي الليبي كلما اقتربنا من تحقيق مفهوم الثقة السياسية بين أبناء الوطن الواحد وتم ضـبط مفهومي الارتباط الوظيفي السياسي والارتباط الإيديولوجي الذي يحدد معـالم العـزل السياسي ويزيد من انتشار الثقافة الديمقراطية واحترام حقوق الإنـسان الـذي يمهـد لتحقيق مفهوم العدالة الانتقالية وييسر التحول الديمقراطي) من خلال هـذه الفرضـية نستنبط التعريفات الإجرائية التي ساعدت الباحـث فـي تحديـد وضـبط مفاهيمـه واصطلاحاته في متن البحث.

انطلاقا من أن قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان ومفهوم التعايش السلمي هـي قيم عليا يقاس بموجبها تقدم أي مجتمع وهذا يفترض علاقة جديدة في الواقـع الليبـي بين الحاكم والمحكوم عن طريق اختيار الحاكم دوريا “تداول السلطة “مع تأكيد وضبط مفهوم فصل السلطات حتى لا تطغى سلطة على أخرى وهذا يتم بدعم مبدأ اسـتقلال القضاء الذي يحافظ على قيم العدالة؛ ويؤكد مبدأ سـيادة القـانون ومبـدأ المـساواة والمواطنة الذي يكشف الحقيقة ويبني دولة القانون ويحد من التسلط وسـوء اسـتخدام السلطة والنفوذ. عليه فإن التعريفات الإجرائية كانت على النحو الآتي:

  1. مفهوم المشاركة السياسية: هو أحد دعائم التحول الديمقراطي في مرحلة العدالـة الانتقالية وهو يعني “إشراك ومساهمة كل فرد بلغ سن 18 من أفراد المجتمع في الحياة السياسية طوعا لاختيار شاغلي المناصب العامة على مستوى حكومي أو محلى، أو تقرير وإدارة السياسات العامة” (كمال المنوفي، 1984، ص 70) هذا ا لمعنى يحتاج إلى تشجيع إعلامي ودستوري وقانوني وسياسي حتى لا يمتنع أبنـاء الـوطن مـن التصويت في انتخاب أعضاء السلطة التشريعية أو في عملية اختيار رئيس الدولة وما في حكمه ومقامه من سلطة تنفيذية. إلا أن هذا البحـث يبـين أن عمليـة المـشاركة السياسية لا تتحدد بالأرقام الكمية في التصويت فقط بل أن الجانب الكيفي يبـين أثـار العزوف عن التصويت؛ ومؤشرات التشجيع وعدم التشجيع مـن الجهـات الرسـمية ومدى استيعاب ثقافة المجتمع واستعدادها للمشاركة السياسية، التي تنعكس على فاعلية مفهوم العدالة الانتقالية. وهناك مؤشرات عدة تشجع المشاركة السياسية التـي تـدعم وتساند العدالة من بينها:
  1. الحوار السياسي المجتمعي: يرتبط بالمسؤولية الوطنية وهو مـن دعـائم تـشجيع المشاركة السياسية التي تنطلق من وسط الناس والنخب الثقافية ودعاة الإصـلاح …، البعيدة عن التشفي وتصفية الحسابات وتبني ثقافة أحادية التفكير والإقـصاء والـولاء الأعمى للجهوية والقبلية والحزبية التي تؤدي للصراع. وفي هذا البحث يعتبر الحوار السياسي أمر حاسم في ميدان تحديد علاقة المجتمع الليبي فيما بينه وبينه وبين الحـاكم لأن به يتم الحفاظ على المكون الاجتمـاعي والوحـدة الوطنية والمـوارد المادية والبشرية، ويساعد على التعرف على الآراء المطروحة وأسباب طرحها وبيان الحجة بين الأطراف المتحاورة، إضافة إلى أنه يحد من هدر الإمكانيات والـزمن، ويـصنع المواطنة الواعية، ويشجع التنمية ويرسخ مفهوم الديمقراطية، وينمي الانتماء للـوطن، ويوازن بين الحقوق والواجبات ويمهد لتأسيس جهاز أمني يحمي أمن البلاد والعبـاد ويرفع نسبة المشاركة السياسية ويدعم مفهوم العدالة الانتقالية.
  2. الثقة السياسية: تتقيد في سياق هذا البحث بالمناخ السياسي الـذي يبـين عمليـة التحول من مرحلة شمولية استبدادية إلى مرحلة انتقالية تحاول ترسـيخ قـيم العدالـة والمساواة وإحقاق الحق وتساعد على بناء المؤسسات الديمقراطية، وتفعيل الحوار بين السلطة الحاكمة والشعب والسلطة والمعارضة القائمة على الشرعية الدستورية؛ عليـه يتحتم على المواطن فهم ومعرفة الشخصيات ذات الدور السياسي في المجتمع على المستوى المحلى والوطني فضلا عن الوعي بمشروع وبرنامج الشخصية التـي تـم انتخابها من أجل تطبيق هذه البرنامج، ويبين هذا البحث مـستوي الأداء المؤسـسي المتدني لعمل السلطة التشريعية والتنفيذية المتمثل في عجزها في صنع سياسات عامة تعالج المشاكل الداخلية التي تلبي حاجيات ومطالب وقضايا المواطن، بالتالي انعكـس هذا العجز على زيادة تآكل الثقة السياسية في ظل الغياب الأمني وروح الفريق الواحد في الخطط والتصريحات وازدياد تفشي الفساد المالي والإفلات من المساءلة والعقاب الذي هدد ترسيخ مفهوم العدالة الانتقالية.

المنهج البحثي:

استخدم الباحث المنهج الوصفي التحليلي لأنه يتناول دراسة الأحداث الراهنة في الواقع الليبي والظواهر والممارسات السلوكية الموجودة والمتاحة للبحـث وصـفا وتحليلا وهي تساعد الباحث علي الاقتراب منها وفهم ومعرفـة مقاصـدها ومعانيهـا ووسائلها وغاياتها.

المدخل البحثي:

يتناول هذا البحث المدخل الثقافي الذي المتعلق بثقافة المجتمع الليبي المرتبط بمرجعيته الدين ة، وبقيمه العرفية والفكرية، ومعالم الأحداث التي فرضـت توجهـات وسلوكيات الأفراد في البيئة المعاشة ما قبل 17 فبراير وما بعدها.

أهداف البحث:

يهدف البحث منذ استهلاله إلى توضيح منظومة بناء مفهوم العدالة ومراحـل مقومات إعادة النهوض في الواقع الليبي وذلك عن طريق تفعيل مفهوم الثقة السياسية بين المواطنين فيما بينهم وبينهم وبين السلطات العامة حتى لا تتكرر المظالم الـسابقة من جديد، كما يهدف البحث إلى توضيح الإشكالات التي تعيق تطبيق العدالة الانتقالية كالتوسع في تطبيق مفهوم العزل السياسي على كل من عمل مع النظام الـسابق دون تمييز بمن ارتبط به سياسيا في الوظيفة ومن ارتبط به إيديولوجيا. إضافة إلى تبيان مؤشرات العزوف عن الانتخابات التشريعية وأثرها على مفهوم الـشرعية والعدالـة الانتقالية والتحول الديمقراطي؛ في ظل غياب بنـاء مؤسـسات الجـيش والـشرطة؛ ودستور يضبط العمل الحزبي ورقابة قانونية تراقب مصروفات ميزانية الدولة فضلا عن غياب روح الفريق الواحد في التصريحات السياسية. ولعل هذه الإشكالات تعيـق بناء العدالة الانتقالية، ولكن مع هذه الإشكالات إلا أن هذا البحث يهدف إلى توضـيح معالم الدعم والإسناد التي تعتبر فرص للم الشمل وتوحيد الوطن وبناء دولة القـانون القائمة على الحكم الرشيد والحوار الوطني البناء.

المحور الأول

تأصيل مفهوم العدالة ومقومات بنائه وآلية عمله

  1. تأصيل مفهوم العدل:

للعدل معاني عدة ففي نطاق مساواة الشيء بالـشيء أي فـي نطـاق حكـم الاستواء إذا عدلت فلان بفلان يقال سويت بينهما، والعدل هو الاستقامة لأنه مـستقام في النفوس وهو نقيض الجور والاعوجاج والميل والانحراف …، وعدل الـشيء أي أصلحه، وهو الاستقامة على الحق وكل ما لم يكن مستقيما أو منتظمـا كـان جـورا وظلما ( ابن منظور، 1968، ص457)، وهو وظيفة دينية تابعة للقضاء كما يتـصور ابن خلدون ومن مواد تصريفه (ابـن خلـدون، 2004، ص 282، 283) ويـسمى الإصلاح بين الطرفين بالعدل، وهو الإنصاف بإعطاء المرء ما له وأخذ مـا عليـه، والقسط وهو العدل في القسمة والحكم. (مجمع اللغة العربية، بدون تـاريخ، ص 64، 65، 588) والعدل التزكية وميزان ويقال عدل الرجل: زكـاه والعدلة والعدلـة: المزكُّون، ورجل عدله وقوم عدله: هم الذين يزكُّون الشهود وهم عدول. والعدل فـي دلالة مقام الاعوجاج يقال: عدل وانعدَلَ، أي انعرج وعدل عن الـشيء: حـاد عـن الطريق: جار وعدل الطريق: مال ويقال: انظروا إلى سوء معادله، ومذموم مداخلـه: أي إلى سوء مذاهبه ومسالكه. (ابن منظور، 1997، ص106، 449) وهو جملـة الفضائل كما يتصور الغزالي في البدن والأخلاق وفي الحقوق والمعاملات (الغزالي، 1964، ص 81، 82) وهو الالتزام بالدين الإسلامي كتاب وسنة [وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا] (سورة الأنعام، 115) والمعاني السابقة يمكن أن ندرك مـن خلالهـا أن هناك عدة مفاهيم تدخل في سياق العدل كإعادة البناء الاجتماعي والمصالحة الوطنية، وإصلاح مؤسسات المجتمع… وكل ما يتعلق بالاستقامة ويبتعد عن الفساد والإفـساد ويقرب للإنصاف والتوازن والاعتدال والقسط المرادف للفظ العدل في القرآن الكريم الذي هو القيمة العليا.

ولكن ما هو المطلوب للعدالة؟ يبدو أن الإنصاف هو المطلب الرئيس للعدالة حيث يعتبر أعلى مراتبها ويعني أن تنتصف من نفسك لغيرك بأن لا تظلم ولا تحتقر ولا تجير ولا تظلم ولا تعتدي ولا تبغض لأن العدل هو أقرب للتقوى ومقامه التفضل “الإحسان” ومرجعية الإنسان المسلم الكتاب والسنة فـي ذلـك فالله يـأمر بالعـدل والإحسان، ثم يأتي مفهوم التسوية وهو استواء السريرة والعلانية “القـول والفعـل”، ومعناها الاستقامة في المقال والفعال والحال؛ أي أن يستقيم الإنسان كما أمر الله فـي الدين والدنيا (السرخسي، دون تاريخ، ج 3/ ص 113) كما أن اعتدال القامة وانتصابها “تسوية واعتدال ومنها الوسطية أي الوسط في الشيء أعدله وخياره (الفيروز أبـادي، مصدر سابق، ج 2، ص 391)، ثم تأتي النزاهة والفدية “جبر الضرر” وهـي “مماثلـة الشيء بالشيء” (الخازن، بدون تاريخ، ج 1/ ص 48″) والمنطلق في ذلك هو التزكيـة التي هي رجحان العقل عن الهوى فيها (الجرجاني، 1938 ص147). فـضلا علـى إعطاء كل ذي حق حقه في الحكم بين الناس دون النظر إلى لـون وجـنس وقرابـة ومصلحة وهذا مؤدى قول أبي بكر رضي الله عنه في خطبته بعد البيعـة: “القـوي عندي ضعيف حتى آخذ الحق منـه إن شـاء الله” (الطبـري، بـدون تـاريخ، ج3، ص203). ويجب الإشارة في هذا المقام البحثي أن العدالة التي يتم الحديث فيها تتعلق بمجموعة التدابير القضائية وغير القضائية التي تقوم بها الدولة وتقوم بها لجان تحقيق مستقلة متفق عليهم يسعى أعضاؤها للانتقال من الانتهاكات الإنسانية المتعلقة بحقوق الإنسان في السلم والحرب والفساد المالي “الهدم” إلى “البناء” كاستقامة تجبر الـضرر وتعيد بناء المؤسسات السيادية (Neil kriz (ed), 1995, pp 12-14)

ويتم هذا عن طريق لجان الحقيقة “هيئات غيـر قـضائية” تـسعى لمعرفـة الانتهاكات الإنسانية المادية والمعنوية ومن هذه الانتهاكـات (تـصنيفها): الإقـصاء والاختفاء القسري والاعتقال التعسفي، والتعذيب الممنهج المتعلق بتصفية الحـسابات حتى الموت والمتسبب في أضرار نفسية وجسدية، والمحاكمات غير العادلة، والقتل، والإبعاد والتهجير والنزوح والترحيل والإعدام خارج نطاق القانون، ونزع الممتلكات التعذيب وسوء المعاملة، والحرمان من الحق في الحياة والحقوق السياسية “المواطنة”.

ومن عوائقها: مخاطر الانزلاق في حرب أهلية، كالإقصاء والتشفي، وانتشار مفهوم الغلبة بدل مفهوم الحوار، وغياب الإرادة السياسية للإصلاح، وضـعف وعـي المنظمات والجمهور بأهمية العدالة الانتقالية، وبمبادئ الثقافة الديمقراطيـة، وغيـاب الإطار الدستوري ونظام قضائي ضعيف، وتعطيل عمل الإجراءات الجنائية مع نقص في الأدلة، والخلل في عدم وجود جو ثقافي يحترم العمليـة القانونية، ونقـص فـي الموارد البشرية والمادية …

ومن واجباتها أن تقوم بتحويل الانتهاكات الإنسانية المادية والمعنويـة إلـى محاسبة تنطلق من مبدأ عدم الإفلات من العقاب الذي يعطي إحساس بالأمن للـضحايا من أجل أن لا تتكرر في المستقبل وهذا العمل يطفئ رغبـة المجنـي عليـه بالثـأر والانتقام، كما أنها تعطي قدرا من الإنصاف وتفعيل الثقة بالمؤسسات القضائية، وهـذا يعني أن العدالة من خصائصها إثبات الحقيقة بشأن الماضي برد الاعتبار “جبر ضرر” والمواساة، والإصلاح المؤسسي والقانوني والمصالحة بين الفئات المتقاتلة أو المتخالفة في الرأي والتوجه، ومحاولة إعطاء كل ذي حق حقه، وهي بذلك تحقق هدفا مزدوجا وهو المحاسبة على جرائم الماضي ومنع الجرائم الجديـدة Jermin O.Mccalpin, (2006, p 29).

  ومن مميزاتها أن هذه العدالة يغلـب عليهـا الطـابع الـسياسي والقـانوني (إجراءات وتدابير قضائية وغير قضائية) فهي تسعى لإحـداث توازنـات اجتماعيـة تحاول استيعاب مختلف التوترات والإكراهات وما تأثرت به الذاكرة التاريخية مـن أحداث قديما وحديثا لأن مجالها يتسع ليشمل كل الفعل الاجتماعي والثقافي والسياسي. فهي تقوم بجبر الضرر بالتعويض حتى لا يتم الانتقام والتشفي بل هي تكشف الوقـائع بتحديد مصير المجهولين والمسجونين سريا والمخطوفين وتحديد مـصير المهجـرين والمرحلين والنازحين … عن طريق التحري الميداني والبحث الوثـائقي. أمـا عـن جوهرها فهي تسعى لإحساس الناس بالأمن والاطمئنان بحيـث لا تتكـرر المظـالم السابقة فجبر الضرر هو الاعتراف بالأذى. وإيجاد العدالة والمصالحة وسيادة القانون هو عنوان الديمقراطية.

  1. الثقة السياسية في الواقع الليبي بين إعادة هيكلية البناء وآلية العمل:

على الرغم من عدم وجود نموذج قانوني أو سياسي يمكن الأخذ به وتطبيقه في الوضع الليبي، إلا أن هناك مؤشرات تبين أولوية العمل المتعلق بكف الأذى ودحر الغبن والظلم، ووقف التشفي والتصفية الجسدية… ومن هذه المؤشرات التـي ينطلـق فيها هذا السياق:

  1. مرحلة انتهاء النظام السابق وإعادة هيكلية البناء:

في هذه المرحلة يتم الكشف عن الانتهاكات التي حدثت للمواطن بسبب سـوء استعمال السلطة، ويتم هذا بأن تقوم السلطات العامة في الدولة والمؤسـسات غيـر الرسمية كالأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني والرأي العام السائد داخـل المجتمـع بالمطالبة بإنشاء قانون للعدالة الانتقالية في إطاره القانوني؛ والذي يبحث فيـه حقيقـة الانتهاكات ومعالمها وكيفية جبر الضرر. وهذا لا يكتمل إلا بمبادرة لإنـشاء لجـان للتحقيق “تقصي الحقائق” تسعي لكشف حقيقة الانتهاكات الإنـسانية وحقيقـة الفـساد السياسي والإداري الذي حدث قبل 17 فبراير وما بعدها، هذا العمل غاية في الأهمية لأنه يوثق ما حدث في تاريخ المجتمع الليبي ويمنع تكـرار الانتهاكـات بالـضوابط القانونية التي تجبر الضرر ماديا بالتعويض وتكرم أهل الضحايا وتخلد ذكراهم بـأن تنصب لهم نصب تذكارية أو تسمي بعض الشوارع بأسمائهم مع وضع برامج لإعادة التأهيل والدمج للمتضررين؛ فضلا على أنه يجب أن تصون وتحفظ آدميـة وكرامـة الإنسان معنويا هذا في نطاق الانتهاك الإنساني. أما بخصوص الانتهـاك المؤسـسي فعلي الحكومات المتعاقبة إعادة بناء مؤسسات الدولة وذلك عن طريق وضع آليـات جديدة في هيكلها التنظيمي والقيادي والأيديولوجي ولاسيما السيادية منهـا كـالجيش والشرطة ووزارة الداخلية والخارجية والقضاء والأجهزة الأمنية والجمركيـة؛ التـي تلطخت أيدي من كان في أعلى سلمها القيادي بدماء الأبرياء وسرقة أموال الدولة.

وأخيراً تأتي لجان تحقيق المصالحة التي تمهد للحوار الوطني وتجمع شـمل الأمة وتصنع سيادة القانون بحيث لا تتكرر الانتهاكات من جديد أو يفلت أحـد مـن العقاب؛ و يساند هذه اللجنة جهاز محاسبي شفاف قائم على المساءلة العادلة وهو يقـوم بأمرين الأول تقييم العمل بالثواب أو العقاب والأمر الأخر هو محاسبة القائمين عليـه (فوزي، 2007، ص 11) هذه المقومات هي التي تعيد بناء الدولـة الليبيـة وتحمـي الوفاق الوطن وتدعم وتساند الثقة السياسية، لأنه عندما تنكشف المظالم ويجبر الضرر يعم السلام والوئام وتطمئن النفوس؛ وهذا ما أشار إليه تقرير الأمين العام السابق للأمـم المتحدة، كوفي أنان الصادر في عام 2004 م الذي يوضح ويبين: “إن تجربة المنظمـة خلال العقد السابق، قد أظهرت بشكل واضح أن توطيد أركان السلام في فترة مـا بعـد الصراع مباشرة …، لا يمكن أن تتحقق إلا إذا كان السكان علي ثقة من إمكـان كـشف المظالم عن طريق الهياكل الشرعية لتسوية النزاعات بالوسائل السلمية، وإقامـة العـدل بشكل منصف” (وثيقة الأمم المتحدة، 2004، رقم U.N. Doc. S/616/2004 23)

  1. مرحلة آلية تفعيل مفهوم الثقة السياسية في مسار العدالة الانتقالية:

مواساة المتضررين بجبر ضررهم ورد الاعتبار إليهم غاية في الأهمية في مرحلة العدالة الانتقالية فهي التي تولد الثقة بين المجتمع والسلطات العامـة الرسـمية والغير رسمية حتى يتم التحول من الفكر الشمولي الاقصائي الدكتاتوري إلى الفكـر الحواري المقنع الشفاف؛ وهذا التحول لا يتم إلا بدعائم قائمة على قواعد ينهض بهـا البناء ومن هذه الأشياء القاعدية المهمة هو استقلال القضاء وتنمية المساءلة والشفافية والاعتراف بالتعددية، وتفعيل مفهوم احترام حقوق الإنسان لمنع إعادة ارتكاب الجرائم وإصلاح أجهزة الأمن المتمثل في مؤسسات الجيش والشرطة والقـضاء والجمـارك وأجهزة المخابرات … الذي يستلزم إعادة تركيب هيكلها التنظيمي الهرمي؛ مع الحذر من العزل والإقصاء لهذه المناصب السيادية الحساسة دون وضع برنامج استباقي قائم على إعادة التأهيل والإدماج في الوسط الاجتماعي، مع العمل علـى إزالـة التمييز العرقي والفكري “مؤيد ومعارض” أي أن هذه المرحلة تهتم وتركز على الابتعاد عن العدالة العقابية وهي العدالة القائمة على أساس الجزاء بخصوص المساءلة بشكل عام؛ مع تعزيز العدالة التصالحية التي تركز على بناء علاقات بين الأفراد والمجتمع” (Neil J.Kritz, Rule of low program, P 4) من أجل اسـتعادة الكرامـة للـضحايا؛ وبناء الثقة بين الجماعات المتحاربة، وتعزيز التغيرات علـى مـستوى المؤسـسات لإكسابها مزيدا من الشرعية. بذلك فالأولى تستمد أسسها مـن التـصورات القانونيـة الداخلية والدولية في حين الأخرى عرفية تتعلق بثقافة المجتمع.

بناء على ذلك؛ فالمصارحة والمكاشفة لطي صفحة الماضي ومصارحة الذات بوضع حد للنزاعات الداخلية مهم وضروري، حتى يتم بناء أسس متينة لدولة الحق والقانون ويساعد على نمو الثقة بين أفراد المجتمع. مع الإشارة إلى أن فاعلية العدالة الانتقالية تتركز على ثلاثة عوامل وهي: التأثيرات الخارجية والدولية وتوازن القـوى بين المدنيين والعسكريين، وبين الحكومة والمعارضة، وطبيعـة ونوعيـة انتهاكـات حقوق الإنسان. وتعد وثيقة الأمم المتحدة المعدلة حول “مجموعـة المبـادئ لحمايـة وترويج حقوق الإنسان من خلال مكافحة عدم الإفلات من العقاب” من أولي الوثـائق الدولية التي تصدت لمفهوم الحق في معرفة الحقيقة، ودعت إلى إنشاء كيانات لتقصي الحقائق المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وتوثيقها. (وثيقة الأمم المتحـدة، (E/CN4./102/2005/Add1)).

وفي هذا المقام يجب تفعيل مسار العدالة الانتقالية في الواقع الليبي حتى يـتم الإقناع والاقتناع بمسار التحول الديمقراطي عن طريق تفعيل الثقـة بـين المجتمـع ومؤسسات الدولة بالاهتمام بدور لجنة الحكماء التي تجمع الحقائق الآنية والتاريخيـة التي مر عليها سنوات؛ ثم يأتي دور التعويض المدروس لا العشوائي لجبـر الـضرر وهو إما أن يكون عيني مادي أو تحفيزي رمزي أو إعادة تأهيل ودمج حتى لا يصبح المال العام غنيمة؛ ثم يتم تفعيل دور الدفع بالدعاوي الجنائية المتعلقة بالقتل والـسجن والحبس والدعاوي الإدارية المتعلقة بالحرمان الوظيفي أو بحجب المرتبـات ؛ كـذلك يتم النظر في الاستيلاء على الأملاك الخاصة “قانون ر قم 4- 1978 م “ثم ينظر فـي عملية إصلاح وزارة الداخلية والجيش والشرطة؛ كما لا يتم نسيان العامـل الرمـزي التذكاري للأموات في هذه المرحلة. مع الانتباه والحذر من التشدد والانـزلاق فـي تهميش التراث الأمني” الذاكرة الأمنية” للنظام الـسابق فالـدول لا تهمـش تاريخهـا وقواعدها الفكرية وتجاربها الحضارية، بل تبني عليها وتستلهم منها العبر، وتتفـادى أخطاءها إن وجدت، وتعيد قراءة واقعها من جديد. مع العلم أن وحدة الوطن والـدين مهمة، وحتى لا تذهب ريح قوة هذا الوطن، فإن التوافق والالتقاء والمـصالحة فـي الداخل غاية في الأهمية ومواجهة التحدي الخارجي الذي يتربص بوحدة الأمة ويسعى لغزوها وتهميشها وتبعيتها لا تتم إلا بتلاحم الداخل. مع الحذر مـن تعـدد المراحـل الانتقالية دون علاج فتعددها دون دراسة وآلية عمل يؤدي لضياع الزمن وإهدار المال العام مما يعرض الدولة للانهيار. 

المحور الثاني

إشكالات العدالة الانتقالية في الواقع الليبي

يبدو أن تطبيق مفاهيم العدالة الانتقالية في مجتمع معين تقتـرن بمؤشـرات الخصوصية الثقافية والقيم السائدة في المجتمع؛ ومدى تعلق المواطن إحساسا وشعورا كوجدان بمفهوم الوحدة الوطنية والتضحية والإيثار كصفح وعفو؛ ومـدى احترامـه للقانون وتعلقه به من أجل خدمة الصالح العام للنهوض بالوطن. عليه فإن ما يـصلح للتطبيق في دولة بعينها قد لا يصلح للتطبيق في دولة أخري لاختلاف تلك المؤشرات؛ ولاستيضاح هذا الأمر وتبيانه نشير إلى مضامينه ومعالمه في هذا السياق:

  1. إشكالية عدم ضبط مفهوم العزل السياسي:

يتم الإشارة في هذا السياق إلى إشكالية التوسع في مفهوم العـزل الـسياسي الذي طبق في عدة دول بمسميات مختلفة -ولكن آلية تطبيقه في المجال العام الليبي تم التوسع فيه دون ضبط حيث من ساند هذه الثورة وكان ينتمي لقيادات النظام الـسابق، أصبح كبش فداء لهذا العزل” مصطفي عبد الجليل، ومحمود جبريل، ومحمد المقريف، وعبد الرحمن شلقم …” هذا العزل في الإطار العام للدولة حدث في البنـاء الـسياسي وذلك بإعادة توزيع السلطة والنفوذ في المراكز القيادية العليا للدولة “البناء الفوقي”.

أما في البناء التحتي ولاسيما في الجانب الثقافي والاجتماعي فلا زالت ثقافـة الإصلاح محدودة وحتى وإن كانت الحكومة جادة في العمل فقدرتها ضعيفة وإرادتها مهددة، والثقة السياسية بين الحكومة والمواطنين تسوى بالماديات “الأموال”؛ لا بأوامر الدستور والقانون والعدالة الاجتماعية؛ التي هي غائبة في الواقـع. كمـا أن بعـض الجماعات المسلحة لم تسلم سلاحها “للدولة” التي يتم السعي لبنائها؛ بذلك لـم تحـسم الأولويات حتى يتم صنع الاستراتيجيات؛ عليه فإن بناء الثقة بين أبناء المجتمع أمـر ضروري للأمن من أجل الابتعاد عن صناعة الكراهية، وعن ترسيخ مفهـوم الغلبـة والاستقواء على شرعية الدولة.

وتجدر الإشارة إلى أن قانون العزل السياسي يحجب مفهوم المواطنـة فـي الحق السياسي في جانبيه [الانتخاب “العزل التـصويتي”؛ وتقلـد المناصـب “العـزل المؤسسي” …] كما أن قانون العزل وضع 36 شريحة وظيفية مـصنفة-في سـلة واحدة؛ وأصدر حكم أخلاقي شامل عليهم بالتساوي لم يميز بين طول المدة وقـصرها بمن عمل مع النظام السابق؛ ومن أساء استعمال السلطة واستغلها، ومن قـام بـدوره الوطني بنقاوة ووعي ومسؤولية.

ولكن بما أن قانون العزل السياسي يتضمن عقوبة تدبيريه احترازيـة فـي بعض الحالات -وهذا لا اختلاف معه من حيث المبدأ، ولكن النقاش هو فـي الآليـة وضبط العبارات المفاهيمية في سياقها “الضبط الإجرائي لمنظومة مفاهيم العزل وآلية العمل” بحيث لا تكون مفاهيمه مطاطة مثل عبارة “اللذين شاركوا في انقـلاب 69، أو من أفسد الحياة السياسية …”، فيجب في هذا السياق التمييز كضرورة إنسانية وقانونية بين مفهوم الارتباط السياسي في الوظيفة وبين الارتباط الإيـديولوجي، إذ أن هنـاك وظائف عمل فيها رجال بوطنية وإخلاص وهناك وظـائف تـسلق لهـا متطفلـون ومتسلقون -فضبط المفاهيم في قانون العزل السياسي واجب وطني، لأن منشأ قـانون العدالة الانتقالية قائم على تنظيم الحياة السياسية وضبطها لا إفسادها وتـشويهها. وأن الثورات تقوم وتدعو لبناء القانون وجبر الضرر لضعيف والمظلوم ومواساته، في ظل جمع شمل الأمة واعتصام الكل بحبل الله، فالحكومات الرشيدة تهتم وتسعى لاحتـواء واحتضان الجميع لا الإقصاء والتهميش والتفريق؛ فضلا على أنها تبحث عن الخبرات للمساهمة في عملية بناء الحاضر وتطويره؛ بدل من أن تضيع الجهود فـي تـصفية الحسابات. عليه يجب أن لا يتعارض قانون العزل السياسي مـع مفهـوم المـصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية، ومفهوم حقوق الإنسان وروح ومنطق العدل.

كما يجب أن لا تسيس العدالة الانتقالية في ليبيا بأن تخضع لدوافع الانتقـام والتشفي وتصفية الحسابات لبعض المدن أو القبائل كالتسرع في إصدار (القرار رقم 7 والقرار رقم 42) من هنا يجب أن يتم الانتباه إلى كيفية التوفيق بين متابعة مرتكبـي الجرائم كمطلب للعدالة الانتقالية، وبين مطلب التحول الديمقراطي؛ حتى لا يتم انتهاك حقوق الإنسان من جديد وهذان المطلبان يتطلبان تحقيق التوازن بينهما لإرساء الـسلم الاجتماعي والابتعاد عن الانتقام الجماعي وأخذ البريء بجريرة المـذنب فالمحاسـبة فردية لا جماعية؛ مع الالتزام بمحاسبة الجاني في إطار القانون حتى لا تتولـد مـن جديد حالة استبداد يطمس بها حاجيات ومطالب التغيير ويتم التنكـر لإرادة الـشعب وتغييبه عن المشهد السياسي.

  1. إشكالية هشاشة الانتخابات التشريعية:

تقديم الانتماء الحزبي على الولاء الوطني هو زيادة في الإربـاك الفكـري، ومعضلة في الفهم القيمي للعمل السياسي، وعدم فهم وتحديد ومعرفة لأولوية التحديـد والتفريق في المعني بين مفهوم الإصلاح والمصلحة؛ فالمفهوم الأول يتعامل بـه فـي الداخل والأخر في الخارج؛ إذا لا مصلحة خاصة مع أولويـات الـوطن بـل هنـاك إصلاح. هذا الانعدام في فهم العمل السياسي، حول أغلب مـستقلي البرلمـان البـالغ عددهم 120 عضو إلى الانتماء للأحزاب المتواجدة داخله؛ والتي يبلغ عدد أعـضائها 80 عضو. فضلا على أن نسبة المشاركة في أول انتخابات تشريعية” انتخاب المؤتمر الوطني العام” التي أجريت يوم 4/7/2012م بعد أن كانت محددة فـي 17/7/2012 م وصلت إلى 60 % من المصوتون البالغ عددهم [2.728.240 مليون] صـوت مـنهم للانتخــاب [600000،1 مليون] (المفوضــية العليــا للانتخابــات في ليبيــا، arabic.people.com) وفاز على أثرها تحالف القوى الوطنية ((NFA ب39 مقعدا بينما لم يفز حزب العدالة والبناء للإخوان المسلمين سوى ب17 مقعـد؛ وغـاب عن التصويت [1،128240 مليون]، يضاف إلى أن هناك مئات الآلاف من الليبيين فـي بعض الدول المجاورة لا سيما في مصر وتونس لم يصوتوا، يبـدو أن انعـدام الثقة السياسية من بعض المسئولين في المجلس الانتقالي – أدت إلى اللامبالاة في تـشجيع العمل الانتخابي لا سيما في من هو موجود خارج ليبيا من أبنائها، متناسين أن العمـل الانتخابي هو الذي يدعم الشرعية ويعزز التحول الديمقراطي، ويؤمن وحـدة الـوطن ويفعل الولاء والانتماء وبه يتم التغاضي عن ضعف الشرعية وإن إهمالـه يقـوض أسس المواطنة، وينزع الثقة من مؤسسات الدولة التي تم تصميمها لتنظـيم وإصـلاح وبناء المجتمع، مما جعل قدرتها ودورها معرض للخطر بسبب هـذا التنـاقض فـي الطرح بين المأمول الذي يريده ومطالب أبناء الوطن؛ وبين الواقع الموهن المتـردي بسبب عدم تلبية حاجات المواطن الأمنية، هذه الأفعال أدت إلى تأكل شرعية ممن هم موجودون في “المؤتمر الوطني” ومن يمثلون “الحكومة” في ظل نسبة تصويت كانت 60% (الظاهري، www.nhrc-qa.org/ar/event2008).

ولعل عزوف 40 % عن التصويت وإهمال من هـم خـارج الـوطن مـن التصويت يحتاج إلى تحليل أمني لمعرفة ارتداداته وانعكاساته علـى الواقـع. كـذلك تصويت الناس في ظل محدودية المعرفة بالعمل الانتخابي “صناديق الانتخـاب” لـه عوائق لم يكشف عنها؛ هل صوت الناس لأشخاص أم صوتوا لبرنامج انتخابي؟ وهل من تم اختيارهم لهم كفاءة قانونية وسياسية عالية وتجربة في الحياة الاجتماعية العامة والمهنية أم هم من خرج عن النظام السابق؟ في هذا السياق كان مـن واجـب وزارة الثقافة والإعلام؛ والجهات القانونية وذات الاختصاص من إلزامية تعريف “المواطن” في مكان سكناه بمرشح دائرته وبرنامجه الانتخابي ليعـرف درجـة ولائه للـوطن وانتمائه المعرفي الذي يوضح برنامجه الانتخابي. مع العلم أن أغلب المـواطنين لـم يرشحوا لبرامج انتخابية بل رشحوا لأشخاص؛ وخصوصا من يمثلون دعاية انتخابيـة كبيرة وهما: تحالف القوى الوطنية، وحزب العدالة والبنـاء، اللـذين كـان وراءهم اصطفاف قبلي وجهوي ومليشيات مسلحة تنذر باستحالة بناء الدولة الوطنيـة. هـذه المشاهد والأحداث غابت فيها وعنها الرؤية الواضحة، وغلبت فيها المصلحة الخاصة على العامة، واختلط فيه البرنامج الفكري بالشخصنة والانتماء، والبرنـامج الحزبي بالاستقلالية الفردية، في ظل هشاشة الإعلان الدستوري ولاسيما في مادتـه الثلاثـين التي صنفت الحكومة بحكومة طوارئ؛ مما قلل من دورها وقوتها في تصور عامـة الناس، وبعض الكتائب المسلحة والمليشيات، وإن كانت الحكومة في الواقـع العملـي الممارس هي حكومة تصريف أموال. في ظل دولة لا زالت تحت الفصل السابع. هذه الإحداث انعكست عن زيادة العزوف في الانتخابات التشريعية الثانيـة التـي أفـادت المفوضية الوطنية العليا للانتخابات أنه عند الساعة 14:01، بتاريخ 03/07/2014م قد وصل عدد الناخبين المسجلين إلى [1.509.291 مليون] منهم [905.483 رجـال] و[603.808 نساء] (المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، إحصائية التسجيل الانتخابي لاختيار مجلس النواب في ليبيا 2014). وربما في هذا السياق يتبين أن الامتناع عـن التصويت لونا من الاحتجاج الصامت، وانخفاض المشاركة السياسية يقود إلى سياسات أنانية لا تمثل الواقع المعاش لأغلب المواطنين.

بناء على ذلك يجب أن ينتبه الليبيون ويتفقوا على القيم والأولويات، ويفهمـوا الاختلافات والمقومات التي تدعم العيش المشترك؛ حتى يتم تحديـد الاسـتراتيجيات، بذلك تنفتح الطريق أمامهم للتفاهم على نوع الحكومة المرغوب فيها، وآلية للمفاضـلة بين المرشحين واختيار شاغلي المناصب السياسية بدرجة كبيرة من الحرية وباختيـار واعي، من هنا تصبح العدالة ملموسة في أرض الواقع وبهـا ومـن خلالهـا يرتفـع مستوى المشاركة السياسية، ويزداد التقارب في حل المشاكل الاجتماعية وفي فهم علل السياسات العامة في المجال العام بين المواطن ومؤسسات المجتمع المدني والدولة.

  1. أضرار عدم ضبط الدعم المالي للأحزاب والمليشيات على ميزانية الدولة:

في ظل عدم وجود دستور يضبط آلية عمل الأحزاب، حتى تـتم المراجعـة الدقيقة من قبل الدوائر الرسمية المختصة -للكشوفات المالية للأحزاب بمقارنتها مع ما يتم رصده على أرض الواقع من نشاطات ومصروفات لها، للحيلولة دون تحولها إلى أدوات لخدمة أجندات خارجية أو محلية تتعارض مع المصلحة الوطنية الليبية وتهـدد التلاحم الوطني وربما تشحن الخلافات؛ وتزيد المظالم؛ وتغيب من خلالهـا العدالـة الانتقالية بسبب تشجيع طرف على أخر. وفق هذا الطرح فإن ملامح الحقيقة تتبين في ضعف الإرادة السياسية ورخاوتها ووهنها ومن الأمثلة على هذا الوهن الـذي خلـف الضعف السياسي هو اتهام عبد الرحمن شلقم مندوب ليبيا بهيئة الأمم المتحدة الـسابق قطر بتزويد إسلاميين ليبيين بالمال والسلاح، وطالبها بالكف عن التدخل في الـشؤون الداخلية ليبيا. (شلقم، http://awraqarabia.net/main) وفي الـسياق نفـسه دعـت جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا في بيان لها؛ إلى ضرورة عقـد ميثـاق مـصالحة ومنع التدخل القطري الإماراتي “الغربي” في الشأن الليبي. (طرابلس تبحـث تطـوير العلاقات مع واشنطن، ahram.org.eg/News 21512/31/848/) في حـين سـفير ليبيا في قطر عبد المنصف البوري ينفي ما قيل عن تدخل قطر في الـشؤون الليبيـة (البوري، presssolidarity.net /news/ONENEWS/970)؛ هذا التضارب فـي التصريحات وغياب روح الفريق الواحد في صنع الاستراتيجيات يجعل وحدة الـوطن رهينة في يد أطراف خارجية. مما يدعو لضرورة التشديد على التزام الشفافية حـول مصادر تمويل الأحزاب، والمراجعة الدقيقة لحساباتها حتى تتحـد الرؤيـة الـسياسية والاستراتيجية التي تهيمن على منطق الصراع السياسي المفتوح بين الأحزاب في ظل غياب الاتفاق بينهم في أمهات القضايا وحول طرق معالجتها، هذا التـضارب يهـدد المصلحة الوطنية والأمن القومي وتحقيق مفهوم العدالة

يضاف إلى ذلك، سيطرة المليشيات المسلحة على المشهد السياسي، حيـث أن أغلب الأحزاب المهيمنة في الواقع الليبي وراءها مليشيات مسلحة، كما أن تبذير المال العام في احتواء تلك المليشيات كان الوسيلة الوحيدة للحوار حيث قام المجلس الانتقال بتوزيع مبالغ مالية (4 آلاف دينار ليبي) لكل فرد من الثوار وللأسف الـشديد أسـيئ تطبيق هذا البرنامج حيث تحصل على تلك المبالغ العديد من الأفراد اللذين لم يكن لهم أي دور أو إسهام في الثورة ولا يعدوا من الثوار إضافة إلى إصدار المـؤتمر قـرار التعويضات العشوائي للسياسيين بدون دراسة لكل حالة على حدة، حيث صار المـال العام غنيمة (الحمروش، 2014)،Libya Al-Mostakbal» فبعد تعويضات سـجناء أبو سليم طالبت المنظمة الليبية للمجاهدين وقدامى المحاربين في طـرابلس بتعـويض المتضررين العسكريين في حروب “تشاد والصومال وأوغندا وأريتريا ولبنان” والـذي وصل عددهم إلى 20 ألف؛ في ظل دعوات المستشار مصطفى عبد الجليل بـأن مـن يستطيع جلب الأموال الليبية في الخارج له 10 % من قيمتها. هذا يتزامن مـع واقـع أمني هش تقوم فيه جماعات مسلحة بالسيطرة على أبار ومنابع البترول في أكثر مـن موقع؛ هذا الإجراء تسبب في خسارة فادحة للاقتصاد الليبي حيث أعلن وزير الـنفط الليبي عبد الباري العروسي في تصريح له في شهر 8/2013 م بأن “صـادرات بـلاده من النفط الخام انخفضت بنسبة 70% بعدما أغلق حراس أمن مسلحون أربعة مـوانئ للتصدير والدولة الليبية تكافح للحفاظ على مستوى الإنتاج عند حـوالي 1.6 مليـون برميل يوميا بعد موجة احتجاجات وإضرابات أضرت قطاع الطاقـة. كمـا أكـد أن الإنتاج يتراجع من 1.4 مليون برميل يوميا إلى 330 ألـف برميـل يوميـا (هبـوط صادرات ليبيا النفطية (aljazeera.net/news (70%، /business/2013/8/1

فضلا على أن هناك فئات -تحصلت على الكثير من الأموال بطـرق غيـر مشروعة بعد سقوط النظام قاموا بعملية غسيل للأموال كـشراء الأراضـي وإقامـة العقارات وبناء الأسواق التجارية واستيراد السيارات، ومنهم من قام بتهريب الأمـوال للخارج. في ظل تفاوت واضح في المرتبات والأجور في القطاع الحكـومي بـدون دراسة مما يربك ميزانية الدولة خاصة وأن دخل الدولة يعتمد بالكامل الآن على دخل النفط دون جمارك أو ضرائب… في ظل غياب الرقابة على المال العام وإن وجـدت فعملية التنفيذ صعبة بل مستحيلة.

من خلال ذلك يتضح أن أداء الحكومات المتعاقبة -يعتبر من أهم إجـراءات بناء وتعزيز الثقة السياسية لاسيما فيما يتعلق بالمستوى الاقتصادي، حيث توجد علاقة طردية بين ثقة المواطنين وأداء الحكومة خاصة في المجال الاقتصادي، إلى جانب العمل على تحسين الأداء الخدمي للحكومة والـذي يتعلق بتقـديم الخـدمات العامة للمواطنين. حيث يعتبر تقديم الخدمات العامة وسيلة هامة وعمودا فقريا لبنـاء الثقة السياسية. ولكن ما حدث هو إهدار للمال العام دون ضوابط في عملية الصرف.

  1. إشكالية تعطيل بناء مؤسسات الجيش والشرطة:

يبدو أن عدم إسراع المجلس الانتقالي في جمع الـسلاح، وعـزوف غالبيـة رجال الشرطة والجيش عن دورهم الوظيفي، عبئت هذه الإمكان الوظيفية من شرائح وظيفية حديثة التخصص والخبرة وضعيفة المعرفة بالشأن الأمنـي، هـذا الـضعف انعكس على ثقة الشارع؛ والشواهد على ذلك الوهن والضعف السلطوي عديدة منهـا: ارتفاع معدلات القتل، وتفاقم جرائم الاختطاف واستمرار التفجيرات المفخخـة التـي طالت عددا من المرافق الأمنيـة -والمنـشآت الحكوميـة والشخـصيات الـسياسية والعسكرية -فضلا على تشعب عمليات السطو والنهب المسلح لبعض المـصارف أو مؤسسات الدولة على اعتبار أنها “غنائم” كذلك استهداف المقار الدبلوماسية والقنصلية “الفرنسية الإماراتية والجزائرية المصرية الأردنية …” وإضرام النار فـي الـسفارة الأمريكية ببنغازي في ذكرى هجمات 11 سبتمبر، والتي أودت بحياة أربعة أمـريكيين من بينهم السفير. كذلك الهجوم الأخير على القنصل الإيطالي بداية شـهر 1/ 2013 م. (مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية، 2013، .akhbar-alkhaleej.com)؛ فـضلا على أن شبكة “CNN” الأمريكية نشرت مؤخرا تقريرا أفاد بأن البيت الأبيض لديـه خطة للتدخل في ليبيا للقبض على … أو ملاحقة مرتكبي اغتيال الـسفير الأمريكـي ومن كانوا معه (محمود جبريل، ahram.org.eg/News/827/65/211343l) ومـن بعدها تم خطف “نزيه الرقيعي” أبو أنس الليبي.

يضاف إلى ذلك عدم الاستقرار الوظيفي لمناصب قيادات الجيش والـشرطة “المنقوش وشوايل والبرغثي …” وهو ما يعتبر عقبـة رئيـسية فـي مـسار العمـل الديمقراطي، وشرعية ترسيخ العدالة. كذلك اغتيال بعض القيادات الأمنية كاغتيال قائد الأمن الوطني في بنغازي فرج الدرسي في شهر 11/ 2012 م وقيام مجموعة مـسلحة مجهولة في شهر 1/2013 م باختطاف المقدم عبد السلام المهدوي، رئيس قسم البحـث الجنائي في مديرية الأمن الوطني في بنغازي. واغتيـال الناشـط الحقـوقي الليبي عبد السلام المسماري. (مقال الأحداث الدامية في بنغازي،menara.ma/ar/2013/07/29/712543)؛ كما أن نائب رئيس الوزراء عوضـي البرعصي استقال بدون علم رئيس الوزراء علي زيدان مباشرة. هذه كلهـا مجتمعـه تؤثر على الضمانات الحقوقية لمن يحاكمون داخليا من أفراد النظام السابق.

المحور الثالث

الفرص الضائعة ومقومات دعائم العدالة الانتقالية

ليبيا دولة متجانسة دينيا، دينها الإسلام على المذهب المالكي السني، لا توجد بها جماعات شيعية، ولكن توجد بها أقلية يتبعون المذهب الإباضي في جبل نفوسـة، ومعظم المسيحيين الموجودين في ليبيا هم من جاليات أجنبية من اللاجئين الأفارقة أو من الأقباط أو الأوربيين العاملين في ليبيا. فضلا على أن غالبية الشعب يتحدث اللغـة العربية وقبائله من الناحية العرقية متقاربة فيما بينها؛ والموارد الاقتـصادية متنوعـة والاحتياطي النقدي ضخم يحتاج لاستقرار سياسي ونخبة من الاقتصاديين هذا التجانس والإمكانيات يدعم وحدتها الوطنية ويسهل فـي عمليـة البنـاء الدسـتوري ويبـسط الانتخابات المحلية وييسرها ويوحد إمكانياتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بشكل يحقق الأمن القومي الليبي. كما أنه يدعم وييسر عملية السلم الاجتماعي بـين أبنـاء الوطن، مع الإشارة والانتباه إلى أن هناك مقومات داعمة لآلية عمل العدالة الانتقاليـة وهي:

أولا: تحديد المصالح العليا للدولة الليبية:

مسار العدالة الانتقالية ينطلق من أن العدالة ليست شيئا مطلقا، بـل تقتـضي الموازنة بين جبر الضرر والإنصاف من جهة، وتحقيق الوئـام والـسلم الاجتمـاعي وسيادة القانون من جهة أخرى، وبناء على هذا فمن أولويات صانع القرار وواضـع السياسات في الدولة الليبية هو تحديد المصالح العليا للأمة ومن ثـم إشـاعة مفهـوم الوحدة الوطنية على حساب النزعات الجهوية الجغرافية أو الإثنيـة العرقيـة القبليـة القاتلة، إذ تكمن مصلحة الأمة الليبية في وحدتها وانتمائها لعقيدتها وترابها وتاريخها. فمصلحة أي دولة تكمن في العيش في سلام وأمن وتعاون ورغبة في البناء والتعمير، ونبذ روح العصبية والتعصب بكافة أشكاله. كذلك إشاعة الحرية والعدالة للجميع مـن غير حجر أو تعدي ما دام الكل ملتزم بالقانون. فالعدل هو أسـاس الحكـم وحـصنه المنيع والعدالة هي درعه الواقي. عليه ينبغي أن تركـز أجهـزة الإعـلام الرسـمية والحزبية على إعلاء روح الوحدة الوطنية ونبذ كل ما يفرق وحدة الشعب الليبي.

لذا يجب البدء بوضع دستور للبلاد؛ يحدد دور السلطات العامـة وعلاقاتهـا بالحقوق والواجبات، ينص على مصالحة وطنية حقيقية لجميع الفئات سـواء أكـانوا أغلبية أو أقلية، يسمح بتعددية حزبية ومشاركة في اتخاذ القـرارات وتفعيـل مبـادئ المواطنة والعمل علي تحويل ولاء الأفراد ليكون للدولة. مع ضـرورة إدراك جميـع الأطراف -بأنه لا يمكن لطرف أن يجني كل المكاسب وحده، وأن المعركة لا يجـب أن تكون صفرية بل لابد أن يدرك جميع الأطراف أن هناك حلولا وسطا، فلا يجـب المغالاة والتشدد حتى يمنع تحقيق المصالحة الوطنية، بل يجب تقديم المصلحة القومية العليا على المصالح الجهوية والحزبية والقبلية والفردية. حتى يتم بناء مؤسسات الدولة على الدستور؛ ومعايير التعيين في تلك المؤسـسات علـى الكفـاءة لا التـصنيفات السياسية، والحزبية، والدينية. فضلا على ضرورة بناء منظمـات للمجتمـع المـدني لتفعيل المشاركة في عملية البناء.

ثانيا: ضبط إجرائي لمفهوم العزل السياسي كضامن لتحقيق العدالة:

ضبط مفهوم العزل السياسي يوسع حقوق المواطنة ويدفع لزيادة التـصويت في الانتخابات ويرشد المواطن لاحترام القانون والحاكم للعمـل بنزاهـة وشـفافية، فالوطن يسع الجميع والقانون هو الميزان لإحقاق الحق يضاف إلى ذلك يجب أن يـتم تقييد سلطة الدولة داخليا بالحقوق الفردية للمواطنة والحريات العامـة والتـي تمثلهـا مقاصد الشريعة الخمسة وهي “حفظ الدين والنفس والعقـل والمـال والنـسل” وهـذه المقاصد الخمسة تنضبط بها الحياة وتستقيم (الكيلاني، 1997، ص 124) مع العلـم أن ضبط مفهوم العزل السياسي يمهد للانتقال من العدالة العقابية إلى العدالة التصالحية.

ثالثا: تجسيد مفهوم الحكم الراشد المبني على دولة الحق والقانون:

ليبيا عاشت فترة طويلة في حكم الفرد المطلق فهي الآن بحاجة إلى التحـول الديمقراطي الذي يعتبر مطلب شعبي وضرورة حيوية لنهضة الأمة؛ لأن هذا التحول يحمي حقوق المواطن ويصون حريته وكرامته ويقوم بإشراكه في السلطة والثـروة، وينشئ دولة الحكم الرشيد والمؤسسات؛ ودولة القانون التي هي داعـم ومـساند استراتيجي لبناء منظومة أمنية راشدة. كما تجدر الإشارة، إلى أن ما يحتاجه الوضـع الأمني الليبي حينما تعقد انتخابات تشريعية ورئاسية ومحلية، هي أن تمنح المـشاركة لمن في داخل الوطن وخارجه فلا يقصى أحد أو يستبعد؛ فالوطن للجميع، حتى تزداد الثقة بين المواطنين فيما بينهم داخل مناطقهم والمناطق المجاورة لهم؛ وبيـنهم وبـين الحكومة التي تمثل الشرعية والإرادة السياسية، لأن ردود أفعال المـواطنين تتعلـق بمقدار الثقة التي وضعوها في من انتخبوهم ومستوى جدارتهم بالتالي فالشفافية والثقة مطلوبة لتعريف بمن رشح للانتخاب في كل دائـرة انتخابيـة، وتوضـيح برنامجـه الانتخابي ولمن ينتمي من الأحزاب أو أنه مستقل. هذه الشفافية تولد الثقـة الـسياسية وتزيد من فهم ومعرفة الشأن العام؛ حتى يعي المواطن، أن الذي يفعل من حوله هـو إصلاح وبناء، وليس مراوغة وإلهاء وإيهام وتضليل. لذلك فالإصـلاح أولـى مـن المصلحة في بناء الدولة من أجل إنعاش الثقة الأمنية التي بها ومن خلالها يتم التحول الديمقراطي، وتتحقق المصالح ويجبر الضرر ويسود السلام والأمن عامة البلاد؛ عن طريق الدعوة لضرورة تفعيل العدالة والمصالحة الوطنية وهذا ما أجمع عليه بعـض الكتاب الليبيين في بيان لهم أصدروه يدعم ويساند التحول الديمقراطي ويدعو للانفتاح على التجارب الإنسانية ويحذر من إعادة إنتاج نظام استبدادي جديد (الكوني، 2012، ص 7) مع الإشارة إلى أن الخطاب السياسي الليبي يجب أن يتميز بالتأكيد على معاني التعاون وتطبيق مبادئ العدالة سواء في الداخل أو الخارج. كما يجب أن يعتمد علـى الشفافية والمصارحة في جميع القضايا، خاصة مع مواطني الدولة فيجـب أن يكـون هناك حرية في تداول المعلومات، ومصارحة حول المشاكل التي تواجه النظام الحاكم، واستعدادا لدي النظام الحاكم لأن يستمع للنصح، ولا مانع إذا حـدث خطـأ أن يـتم الاعتراف بالخطأ؛ لتصحيح المسار؛ فأي نظام لا يكون فعال إذا لم يأخذ في اعتبـاره عملية التغذية العكسية أو ما نطلق عليهاFeedback ، والعمل علـي تنقيـة قنـوات الاتصال بين النظام والمعارضة والمواطنين، بشكل يسمح بالتواصل والتفاعل.

رابعا: دعم عملية بناء مؤسسات الجيش والشرطة:

إعادة هيكلة بناء قوات الجيش والشرطة على أساس احترام قيم المواطنين أيا كانت اتجاهاتهم وانتماءاتهم والدفاع عن سيادة الوطن، حيث أن تعامل تلـك القـوات لعقود طويلة على أنها أدوات النظام السياسي لقهر المواطنين قد جعل هناك نوع من الكراهية لهم من الشعب، فيجب التأكيد على أن الشرطة هي جهـاز أمنـي لحمايـة المواطن وليس لتفزيعه وإرهابه. فضلا عن الاهتمام بمراعـاة إعـادة بنـاء العقيـدة العسكرية من عقيدة ثورية قائمة على تصدير الثورات في عصر القذافي إلى عقيـدة أساسها بناء علاقات خارجية قائمة على حسن الجوار، ومبادئ التعـاون، واسـتغلال عضوية ليبيا في الكثير من المنظمات العالمية والإقليمية لتفعيل دورها إقليميا وعالميا، حيث أن قوة الدولة الليبية هي إضافة لقوة الأمة العربية والأفريقيـة، ويجـب عـدم الاعتماد علي دولة عظمي واحدة في التسلح أو الحصول علي الواردات، بـل يجـب تنويع العلاقات الخارجية مع جميع الدول، واستغلال العضوية المتعددة في المنظمات العالمية والإقليمية؛ لإقامة علاقات اقتصادية وثقافية، وتعاون في مختلف المجـالات؛ تهدف لتيسير إنشاء مؤسسات الدولة (مثل وزارتي الدفاع والداخلية) وإلى بناء جـيش وشرطة قويين وقادرين على كبح جماح الميليشيات. والتشديد أيضا على أهمية بنـاء قدرات الوزارات، وتعزيز التنسيق بينها.

خامسا: ضرورة الحوار الوطني في الوسط الاجتماعي الليبي:

هذا الحوار يضم ويحتضن في داخله جميع شرائح المجتمع من النخب الثقافية والتجارية ومن أهل الرأي، ودعاة الإصلاح، ورجال الدين والعلماء؛ يتناول فيه كـل المسائل السيادية والتأسيسية كالأمن والجيش والشرطة والدسـتور وقـانون العـزل والعدالة والمصالحة. هذا الحوار يراد منه صياغة ثقافة حوارية تشيع روح الوحـدة الوطنية تقرب الاختلافات -تجعل من الاحتقان المناطقي أمرا من الماضي. ويعرف الحوار في هذا السياق بأنه “عمل وقائي احترازي يتضمن مجموعة من الإجـراءات -السياسية والعسكرية بالأساس -لجعل السلم خيارا واقعيا، من أجـل عـدم العـودة لوسائل العنف والصراع مرة أخرى وهذا يتطلب تجاوز الآلية العـسكرية والإقـصاء السياسي للعنف بكافة أشكاله المادية والمعنوية “النفسية “(مالوكيـاس، 2006، ص 12) كما أن الحوار يزيد من نسبة المشاركة السياسية ويمهد للتنمية الثقة السياسية وتـأتي في مقدمتها التنمية طويلة الأجل، الساعية لبناء المؤسـسات الحكومية ومؤسـسات المجتمع المدني وتشكيل حكومة وطنية تجمع الشمل وتوحد الوطن وتغـرس وتـدعم سيادة القانون الذي يحقق العدل والنظام من جهـة؛ والحريـة الفرديـة والاسـتقرار الاجتماعي والنمو الاقتصادي من ناحية أخرى. (فاسكويز، 2005، ص 4) كما أن هذه التنمية تجدد التعاون والاعتماد المتبادل المجتمعي، وتطور المصالح المـشتركة بـين مناطق المجتمع فيما بينها وبينها وبين السلطات العامة.

بناء على ذلك، فالحوار خيار ضروري للمجتمع والدولة معا، وأن حصر مهمة الحوار في بعد واحد أو إخضاعه لشروط من أي نوع -أو إشراك طيف سياسي وفكري دون آخر؛ يعني تقويض المضمون الحضاري للحوار، وحرمان فئة من مهمة إعـادة مرحلة بناء الذات في هذه المرحلة الانتقالية. لذلك يـتم التفريق بـين المفاوضـات والحوار عند كثير من الباحثين في هذا المقام، فالمفاوضات تسعى للوصول إلى اتفاق بغض النظر عن الخسارة والربح لأي طرف، في حـين الحـوار يـسعى للتوافق والتراضي بين جميع الأطراف.

عليه فإن تطبيق مفهوم العدالة الانتقالية يحتاج من جميع الليبيين أن يتفقـوا سياسيا لكي ينطلقوا قانونيا في عملية التحول الديمقراطي القـائم علـى إنـشاء قواعد قانونية دستورية تؤسس لنظام سياسـي لا مركزي إداري، يعـزز التنمية الإقليميـة؛ ويسخر إمكانيات الدولة للبناء الإنساني والعمراني. ويتطلب قيام ذلك فهمـا للجـذور السياسية للمشكلات الأمنية وضرورة تنظيم قطاع الأمن المفكك الذي يسعى لحمايـة حقوق المواطن والوطن. (بسيكري، 2013، ص 7).

خاتمة البحث:

يبدو أن الحاجة إلى استراتيجية سياسـية شاملة تمنـع الـصراع والـشقاق والخلاف في الواقع الليبي غاية في الأهمية، ولا سيما عندما يـتم تـسوية الخلافـات السياسية بين الليبيين، بحيث يتم تعزيز الشراكة الوطنية التي تقـوم علـى العـدل والمساواة وكفالة الحريات والتداول السلمي للـسلطة وسـيادة حكـم القـانون؛ هـذه المؤشرات لعلها تدفع باتجاه إجراء مصالحة سياسية تدعم زيـادة فاعليـة المـشاركة السياسية، وتفضي إلى حوار وطني واسع يشمل جميع الفصائل والمنـاطق الليبيـة، ويضع أهدافا واضحة ومحددة لتوحيد الوطن. مع العلم أن فوات المـصالحة ضـرر يستوجب تفاديه.

نتائج البحث:

من خلال هذا الطرح هناك نتائج علمية توصل إليها الباحث من خلال هـذا البحث وهي:

  1. عدم كفاءة الجهاز الحكومي؛ وضعفه الأمني، وغياب روح الفريق فـي صـنع الاستراتيجيات انعكس على التصريحات الرسمية، وزاد من تبـذير مـوارد الدولـة، وجعل وحدة الوطن رهينة في يد أطراف خارجية، وفي ظل إساءة استعمال الـسلطة غابت الشفافية والمساءلة والمحاسبة ففلت الكثيرون من العقاب وعزف كثير من الناس عن المشاركة السياسية لعدم ارتباط الأقوال بالأفعال فأصاب الثقة السياسية الشك.
  2. غياب حوار وطني سياسي يلم الشمل الوطني ويجبر الـضرر غلب مفهوم التفاوض على مفهوم الحوار ومفهوم المصلحة على الإصلاح ومفهوم العدالة العقابية على العدالة التصالحية وتم تقديم الانتماء الحزبي على الولاء الوطني واختلط البرنامج الفكري بالشخصنة والانتماء، والبرنامج الحزبي بالاستقلالية الفردية في ظل هـشاشة الإعلان الدستوري ولاسيما في مادته الثلاثين التي صنفت الحكومة بحكومة طوارئ. مع الإشارة إلى أن العدالة الانتقالية هي وسيلة لتمهيد للمصالحة الوطنية؛ وهدف للبناء وسيادة القانون والتحول الديمقراطي.
  3. غياب دستور يضبط نوعية الحكم وشكل الدولة وهويتها وعمل الأحـزاب يهـدد السلم الاجتماعي والأمن القومي للدولة.
  4. التأخر في بناء جهاز أمني “الجيش والشرطة ومؤسسات…” يجعل الدولة هـشة ويدفع لزيادة وتوسع الجريمة والإرهاب.

التوصيات:

  1. زيادة تشجيع المشاركة الشعبية، وتحقيق التوازنات بين السلطات، وحماية مـوارد الدولة، من أجل إجراء انتخابات عادلة وأكثر شفافية، مع إيجـاد برنـامج إصـلاح سياسي واقتصادي وثقافي ودستوري للخروج من ثقافة النظام الـشمولي، مـن قبـل الأحزاب والمستقلين وأهل الاختصاص، حتى تنمو المؤسسة الديمقراطية وتترسخ قيم العدالة والإنصاف كضرورة من ضرورات العدالة الانتقالية، وحتى لا تسيس العدالة الانتقالية في ليبيا بأن تخضع لدوافع الانتقام والتشفي وتصفية الحسابات.
  2. نشر فكرة سيادة القانون في وسائل الإعلام ومؤسسات المجتمـع المـدني، وفـي الندوات والمؤتمرات وخطب المساجد، باعتبار أن القانون هو الحكم بين الليبيين فـلا جهوية أو حزبية تؤثر في استقرارهم الاجتماعي. 
  3. معالجة قضايا النازحين عن مناطقهم والمهجرين خارج الوطن، وذلـك بوضـع خطة عملية لعودتهم إلى أرض الوطن.
  4. الإسهام في إصلاح المؤسسات الأمنية والعسكرية والإعلامية من أجـل حمايـة حقوق الإنسان والحريات العامة وأمن المواطن والإقليم والهيئة الحاكمة.
  5. بناء المستقبل يقتضي الحوار الذي يزيد من نسبة المـشاركة الـسياسية، ويـدعم التنمية ويفعل الثقة بين جميع القوى السياسية ويحد من الإقصاء، وبـه يـتم تجـاوز تراث الاستبداد الذي غالبا ما أدى إلى التأزم والانغلاق.

قائمة المراجع

أولا: كتب سماوية:

  1. القرآن الكريم.

ثانيا: وثائق:

  1. تقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول “سيادة القانون والعدالة الانتقاليـة بالنـسبة للمجتمعات في مراحل الصراعات وما بعـد الـصراعات”، وثيقة الأمـم المتحـدة رقم U.N. Doc. S/616/2004 23 أغسطس 2004، فقرة (2).
  2. وثيقــة الأمــم المتحــدة، مفهــوم الحــق فــي معرفــة الحقيقــة، (E/CN4./102/2005/Add1).

ثالثا: الكتب:

  1. ابن خلدون، عبد الرحمن، 1425 ه/2004 م، مقدمة ابن خلدون، تحقيـق حامـد أحمد طاهر، القاهرة: دار الفجر للتراث، ط 1
  2. ابن فارس، أبي الحسن أحمد، 1979م، معجم مقـاييس اللغـة ج 4، بيـروت: دار الفكر.
  3. ابن الهمام، حمد بن عبد الواحد السيواسي السكندري كمال الدين، 2003 م، شـرح فتح القدير ويليه تكملة شرح فتح القدير ج 4، تحقيق عبد الـرزاق غالـب المهـدي، القاهرة: دار الكتب العلمية.
  4. ابن منظور، محمد بن مكرم، 1968، لسان العرب، المجلد الثامن، بيـروت، دار صادر.
  5. ابن منظور، محمد بن مكرم، 1997 م، لسان العرب، بيروت: دار إحياء التـراث العربي، ط 2، ج 10.
  6. الجرجاني، السيد الشريف، 1938 م، التعريفات، القاهرة: شركة مكتبة مـصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر.
  7. الخازن، علاء الدين علي محمد بن إبراهيم البغدادي، لباب التأويل فـي معـاني التنزيل، ج 1.
  8. السرخسي، أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي سهيل الحنفي، أصول السرخسي، ج 3.
  9. الطَّبري، محمد بن جرير، تاريخ الأمم والملوك، ج 3.
  10. الغزالي، (أبو حامد)، 1964م، ميزان العمل، تحقيق وتقـديم: سـليمان دنيـا، القاهرة: دار المعارف، ط 1.
  11. الفيروز آبادي، مجد الدين محمد بن يعقوب، القاموس المحيط، فصل العين باب اللام، ج 14.
  12. الكيلاني، عبد الله زيد ،1997 م، القيود الواردة على سلطة الدولة فـي الإسـلام وضماناها، عمان دار البشير.
  13. المنوفي، كمال، 1984، مقدمة في مناهج وطرق البحث فـي علـم الـسياسية، الكويت: وكالة المطبوعات.
  14. فوزي، سامح، 2007، السلام الاجتماعي في المجتمع المصري، القاهرة: مركز ماعت للدراسات الحقوقية والدستورية
  15. مجمع اللغة العربية، المعجم الوسيط، الجزء الثـاني، تركية: اسـتانبول، دارا لدعوة.

رابعا: دوريات:

  1. شعبان، عبد الحسين، 2013 م، مجلة المستقبل العربي، العدالة الانتقالية: مقاربات عربية للتجربة الدولية العدد 413.
  2. غليون، برهان، مجلة بريق، مجلة إلكترونية العدد الأول أكتوبر 2007 م، آفـاق الديمقراطية في البلاد العربية، في المساءلة الديمقراطية العربية، المؤسـسة العربيـة للديمقراطية.
  3. فاسكويز، إيان، ديسمبر 2005، الدور المحوري للحرية الاقتصادية فـي النظـام الديمقراطي، قضايا الديمقراطية
  4. مالوكياس، أسيس، 2006م، أنجولا في أعقاب الحرب الأهلية: هل من اتجاه نحو السلام الإيجابي، مختارات منظمة العلوم الاجتماعية لشرق وجنوب أفريقيا –أوسـريا، القاهرة: مركز البحوث العربية والأفريقية، ع 2، يناير 2006.

خامسا: مواقع إلكترونية:

  1. الأحداث الدامية في بنغازي تلقي بظلال قاتمة على المشهدين الأمني والـسياسي في ليبيا، موقع: http://www.menara.ma/ar/2013/07/29/712543
  2. الحمروش، فاطمة، ما بعد الربيع العربي، الجزء 3.

الرابط: http://www.Libya Al-Mostakbal     التوقيت: 11:31    2014/1/21

  1. الظاهري، محمد حسن، 2008 م، “ندوة حقوق الإنسان في اليمن دراسة الخطـاب الرئاسي بين المنطوق به والمسكوت عنه”، اللجنة الوطنيـة لحقـوق الإنـسان، 11، 12/5/2008 م. http://www.nhrc-qa.org/ar/event
  2. الكوني، إبراهيم، 2012، في بيان جمع توقيع العديد من المثقفين الليبيين، كتـاب يحذرون من إعادة إنتاج نظـام اسـتبدادي جديـد، جريـدة الأخبـار، العـدد 48، 11/1/2012، ص 7.
  3. البوري، المنصف سفير ليبيا “المنصف البوري” لا صحة لتدخل قطر في الـشأن الليبي: http://www.presssolidarity.net/news/ONENEWS/970
  4. بسيكري، السنوسي، مايو 2013، ليبيا التحديات الأمنية وانعكاساتها على العمليـة السياسية، مركز الجزيرة للدراسات، ص 7.
  5. جبريل، محمود، جريدة الأهرام-السياسي. محمود –جبريل -رئـيس -تحـالف –القوي –الوطنية -الليبية، http://www.ahram.org.eg/News/827/65/211343
  6. شلقم يتهم قطر بالاستمرار في تزويد الإسلاميين:  

http://awraqarabia.net/main

  1. طرابلس تبحث تطوير العلاقات مع واشنطن إخوان ليبيا يطالبون بعدم تدخل قطـر والإمارات في الشأن الداخلي. http://www.ahram.org.eg/News/848/31/2151
  2. كريتز، تيل ج.، التقدم والتواضع، 2006، البحث المتواصل عـن العدالـة فـي حالات ما بعد انتهاء الحرب، المركز الدولي للعدالة الانتقاليـة، ص 4. فـي مقـال دراسة حول الآليات الدولية والمحلية لمحاربة الإفلات من العقاب، الحوار المتمـدن-العدد: 1538 -2006/5/2 -39:11، المحور: حقوق الإنسان.
  3. ليبيا، المفوضية العليا للانتخابات في ليبيا: نـسبة المـشاركة فـي الانتخابـات البرلمانية بلغت 60 في المائة. الموقع:

http://arabic.people.com.cn/31662/7868482.html

  1. ليبيا، المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، إحصائية التسجيل الانتخابي لاختيـار مجلس النواب في ليبيا 2014.
  2. هبوط صادرات ليبيا النفطية 70 % -الجزيرة:

http://www.aljazeera.net/news/ebusiness/2013/8/1

  1. مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية، ليبيا بعد عامين على قيام الثـورة. بـين مطرقة الفوضى الأمنية وسندان التدخل الأجنبي، تاريخ النـشر 13 فبرايـر 2013 م. وانظر:

http://www.akhbar-alkhaleej.com/12745/article/7653.html

رابعا: مراجع إنجليزية:

  1. Neil kriz (ed), Transitional justice: How Emerging Democracies Reckon With Former Regimes, Vol .1, (Washington: United Institute of Peace Press, 1995).
  2. Jermin O.Mccalpin, Justiceunder constraints: The nature of transnational justice in deeply divided societies, unpublished dissertation (Rhode Island: Brown university, 2006).
  3. Neil J.Kritz (Director, Rule of low program, United states institute of peace) Progress and Humility: the ongoing search for past-conflict justice.

[(*)] محاضر بقسم العلوم السياسية/ كلية الاقتصاد والتجارة، الجامعة الأسمرية.

https://powderencouraged.com/zht6b3bs66?key=8523542c4aaf6f083ce56f74bd271319
https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من فضاء المعرفة القانونية -espace connaissance juridique

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة