ذ . أنوار عشيبة

باحث جامعي

– دراسة نقدية في واقع المجلس الدستوري المغربي واستشراف لما يلزم أن تكون عليه المحكمة الدستورية ، على ضوء الدستور الجديد للمملكة وكذا بعض الأنظمة الدستورية المقارنة.

محاور الدراسة:

المحور الأول: دراسة نقدية على ضوء مشروع القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية.

المحور الثاني: مساهمة في إغناء النقاش حول ما يمكن أن يكون عليه القانون التنظيمي الخاص بالدفع بعدم دستورية قانون طبقا للفصل 133 من الدستور.

تأطير الدراسة:

إن الحديث عن دولة الحق والقانون كما هو مطروح في العديد من منتديات النقاش العمومي ومختلف من يطرح هذا المفهوم في تدبير الشأن السياسي والقانوني، يلزم أن تتم مقاربته من مختلف الزوايا التي يطرحها، إذ أن تكلفة العمل على التجسيد الفعلي لهاته الدولة ليس بالأمر السهل سهولة النطق بالمفهوم وفقط ، فمن بديهيات الإشتغال وفق منطق دولة الحق والقانون الإلتزام الصارم بالعديد من الجوانب القانونية والإجتماعية والسياسية التي تبرز في هذا الجانب ، فمرورا بالقيام بتعديلات قانونية كبرى تهم تعديل الجانب الحقوقي ليواكب التطورات الكونية في هذا الجانب والإلتزامات الدولية للمغرب، وكذا القيام بتحول اجتماعي يراعي واقع المجتمع التعددي مع الرفع من اهمية الجانب الإقتصادي باعتباره عاملا مساعدا ومتحكما في العديد من الإختيارات وصولا إلى الجهاز القضائي الذي يعتبر مفتاح القفل في الدولة الطامحة للإرتقاء لمصاف الحق والقانون، فالاستقلالية هي الركن الركين وبعده التنظيم الواضح والمحكم لهياكل هذا الجهاز، ولعل جهاز القضاء الدستوري وباعتبار الدستور يحتل رأس هرم تراتبية التشريع يتبوؤ المكانة المثلى في الحفاظ وفرض احترام ما يسمى ” الكتلة الدستورية للحقوق والحريات ” على حد تعبير المجلس الدستوري الفرنسي في العديد من اجتهاداته وبالتالي فالوصول إلى تحقيق نوع من القضاء الدستوري الذي سيشكل عمود دولة الحق والقانون يمر عبر مختلف القوانين التنظيمية التي تؤطره ، ولحدود الآن يتم تمرير مشروع القانون التنظيمي الخاص بالمحكمة الدستورية ([1]) في شبه صمت عما يتضمنه من مقتضيات ، مع شبه غياب للحديث حول القانون التنظيمي الخاص بالدفع بعدم دستورية قانون يمس الحقوق والحريات بمناسبة يثيرها الأفراد أثناء تطبيق قانون عليهم أمام القضاء طبقا للفصل 133 من دستور 2011 ، لذلك تأتي هاته المحاولة من اجل إغناء النقاش بهذا الخصوص والتي تتفرع إلى محورين يهم الأول مشروع القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية ويهم الثاني مستقبل القانون التنظيمي الخاص بالرقابة البعدية على القوانين الماسة بالحقوق والحريات لما يكتسيه هذين القانونين التنظيميين من أهمية بارزة في سبيل تكريس حق الدفاع وملاءمة النصوص القانونية مع مضامين الدستور في أفق التنزيل السليم لمقتضياته.

المحور الأول:

دراسة نقدية على ضوء مشروع القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية

أولا: حول مذكرة تقديم المشروع:

المشروع المشار إليه سابقا جاء مشفوعا بمذكرة تقديم في صفحتين ، والتي جاء في فقرتها الثانية أن هذا المشروع يهدف إلى مطابقة القانون التنظيمي 29.93المتعلق بالمجلس الدستوري مع أحكام الدستور الجديد وملاءمته مع المستجدات التي جاء بها هذا الاخير، وهو ما يعني أن أصحاب المشروع ليس بمقدورهم إعداد قانون تنظيمي قائم الذات ، متكامل الجوانب يقطع مع ماضي القوانين التنظيمية الخاصة بالمجلس الدستوري، حيث إكتفت الحكومة صاحبة المشروع لإدخال بعض التعديلات، مما يبرز القصور الكبير في إيلاء هاته المحكمة الأهمية التي يلزم أن تكتسيها في الهرم القضائي للمملكة خاصة وأن الإعداد السليم للقانون التنظيمي الخاص بها من شانه تشكيل عمود قضائي بارز في فرض تأويل ديموقراطي لمضامين الدستور وعلى الخصوص الجانب المتعلق بالحقوق والحريات، وهو ما يعني ان أية انتكاسة في هذا الباب تنعكس بصورة مباشرة على هاته المنظومة وستؤدي إلى إقبار جانب مهم من الضمانات الكفيلة بإقرار احترام منظومة الحقوق والحريات .

بالنسبة للنقطة الأساسية التي تعتمد عليها المذكرة والمرتبطة باختصاصات المحكمة الدستورية، احالت المذكرة على قانون تنظيمي لاحق مرتبط بتطبيق الفصل 133 من الدستور (كما هو مضمن أيضا في هذا الفصل إذ يحيل الدستور على قانون تنظيمي بالنسبة للدفع بعدم دستورية قانون قد يمس الحقوق والحريات الأساسية)، والمتعلق بالرقابة البعدية، وإلى حدود الآن لا توجد إشارات من الحكومة أو من البرلمان بخصوص هذا القانون ، ولعل محاولة الحكومة إخراج قانون تنظيمي خاص بالمحكمة الدستورية بمعزل عن القانون التنظيمي الخاص بالرقابة البعدية يشكل طريقا من الإلتفاف حول التنزيل السليم لمقتظيات الدستور خاصة الجوانب المتعلقة بالرقابة الدستورية ، كما انها طريقة للدوس على الفصل 133 ومحاولة لإفراغه من محتواه خاصة وانه يشكل ضمانة كبيرة مرتبطة بالحق في الدفاع (كما يشكل ثورة قانونية على حد تعبير جون جاك إيرفويا ([2]) رئيس لجنة القوانين بالجمعية الوطنية الفرنسية أثناء حديثه عن الرقابة البعدية لمدى دستورية القوانين في فرنسا المعروفة إختصارا ب QPC)([3])، إذ ان تأخير إخراج هذا القانون سيجعله رهينا لمقتظيات القانون التنظيمي الخاص بالمحكمة الدستورية ، فعوض إخراج قانونين متكاملين سنجد انفسنا امام محاولة تقزيم القانون التنظيمي الخاص بالرقابة البعدية وتكبيله بمضامين القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية والذي يكون قد خرج لحيز الوجود.

ثانيا : ملاحظات حول بعض مضامين المشروع :

1/ بالنسبة للتنظيم جاء المشروع مكررا للفصول 130، 131 من الدستور، وما نلاحظه بهذا الخصوص سواء بالنسبة لفصول الدستور او بالنسبة للنصوص المضمنة بالمشروع هو استمرار منطق التعيينات وهذا الامر مصدره الدستور رغم ان الأمر يتعلق بجهاز قضائي يفترض فيه الإستقلالية وعدم ربط العضوية فيه بالتعيين خاصة ما يتعلق برئيس المحكمة وما يمكن استغرابه هو غياب جمعية عمومية للمحكمة تحدد الرئيس ونائبه، إذ أنه وحسب المادة 16 من المشروع المذكور فإن من ينوب عن الرئيس في حالة غيابه هو العضو الاكبر سنا وهي مسألة تدعو للسخرية، إذ اننا لا زلنا في هاته المرحلة نتحدث عن الاكبر سنا وليس الاكثر كفاءة، وهذا ما يعني تكبيل المحكمة حتى في اختيار من ينوب عن الرئيس وذلك بوضع معيار السن الذي يتعارض أيضا مع مضمون الفقرة الأخيرة من المادة 130 من الدستور والتي تجعل الكفاءة والتكوين القانوني العالي هو معيار العضوية في المحكمة وهو ما يعني الإرتكاز على نفس المعيار في اختيار نائب الرئيس.

2/ بالنسبة للفرع الثالث الخاص باستبدال اعضاء المحكمة الدستورية الذين انتهت عضويتهم فيها، والنقطة التي تشير إلى الإعفاء الذي تتبثه المحكمة الدستورية باحالة من وزير العدل فيما يتعلق بالاخلال بالالتزامات العامة والخاصة المنصوص عليها في هذا القانون التنظيمي ، وهو ما يعني إعطاء الحق لوزير العدل في تقدير مدى وقوع هذا الإخلال وتأويله لهاته الإلتزامات العامة والخاصة وهكذا يستمر حضور الجهاز التنفيذي داخل هاته المحكمة رغم أن شعار المرحلة المرفوع من طرف المنادين باستقلالية الجسم القضائي هو ابعاد وزارة العدل عن التأثير في هذا القطاع .

3/ بالنسبة للتعويض الممنوح لأعضاء المحكمة الدستورية:

جاء في مذكرة تقديم المشروع ان التعيين في منصب الأمين العام للمحكمة الدستورية يتم بظهير، باعتباره منصبا تابعا لمؤسسة ذات صبغة قضائية والتي تبقى طبقا لمبدأ المحصل بين السلط من صلاحيات جلالة الملك ، وعندما نعود للمادة 15من المشروع نجد ان أعضاء المجلس يتقاضون تعويضا يساوي التعويض النيابي ويخضع للنظام الضريبي الذي يخضع له هذا الأخير، كما ان رئيس المحكمة الدستورية (لاحظوا هنا الإختلاف بين المذكرة التي تتحدث عن الأمين العام ومواد المشروع التي تتحدث عن رئيس المحكمة الدستورية) يستفيد من نفس التعويض والمزايا العينية التي يستفيد منها رئيس مجلس النواب، وهنا يتبين لنا اللغط الذي سقطت فيه اللجنة التي اعدت المشروع (أو بالأحرى تعديل القانون 29.93) إذ انه لم تتضح لديهم الصورة حول طبيعة هذا الجهاز هل هو جهاز قضائي أم سياسي أم هو ذا صبغة قضائية كما جاء في مذكرة التقديم ؟!.

4 / سير المحكمة الدستورية:

سبق الحديث عن المادة 16 ، لذلك سننتقل للحديث عن المادة 18من المشروع ، والتي تنص على أن جلسات المحكمة الدستورية غير علنية ولا يجوز للمعنيين بالأمر أن يطلبوا الإستماع إليهم خلالها، ما لم ينص قانون تنظيمي على خلاف ذلك فهذا الأمر يشكل ضربا للحق في الدفاع وأيضا نية مبيتة في الإستمرار بالمساس بالفصل 133، وليس علينا هنا إلا تمني تضمين القانون التنظيمي الخاص بالفصل 133 من الدستور علانية الجلسات الخاصة بالرقابة البعدية، إذ ان عنصر العلانية يشكل أحد ركائز الحفاظ على مكتسبات الحقوق والحريات ويشكل العمود الأساس بالنسبة لمدى استقلالية أي جهاز قضائي ([4]) وهذا الأمر معمول به أيضا في فرنسا ومضمن بقانون QPC ([5])، بل والاكثر من ذلك يمكن تحميل الجلسات الخاصة بهذا القانون من على الموقع الإلكتروني الخاص بالمجلس الدستوري وذلك يدل على الإهتمام الكبير بعلانية الجلسات الخاصة بالرقابة البعدية على قانون يفترض أنه يمس الحقوق والحريات بشكل مخالف للدستور.

– كما تشير المادة 41من المشروع الخاصة بمراقبة مطابقة الإلتزامات الدولية للدستور والتي تشير إلى أنه إذا رأت المحكمة أن التزاما دوليا يتضمن بندا مخالفا للدستور، فإنه لا يمكن المصادقة عليه ، نرى أنه يلزم تفسير عبارة “عدم المصادقة ” ينصرف إلى البند وليس الإلتزام ككل وذلك في حالة ما إذا كان الإلتزام (المعاهدة أو الإتفاقية أو باقي المواثيق الدولية …) يمكن من المصادقة عليه مع التحفظ على بعض البنود، أما إذا كان من الإلتزامات التي لا تقبل التحفظ وهي ما يسمى الإلتزام المغلق والذي يقبل كله أو يرفض كله فآنذاك يمكن رفض المصادقة، ولكن نظرا للطابع الحقوقي لبعض الإلتزامات فإنه يلزم أن يكون فهم المحكمة منسجما مع التطور الحقوقي من جهة ومع المضامين الدستورية ذات الحمولة الحقوقية وتأويلها الديموقراطي الواسع حتى لا نكون في كل مرة أمام إلتزام دولي مخالف للدستور.

5/ بالنسبة للمادة 46المتعلقة بالتسيير الإداري للمحكمة الدستورية:

تشير هاته المادة إلى إمكانية إلحاق قضاة أو موظفين أو يوضعون رهن إشارة المحكمة الدستورية، حسب الحالة لمساعدة رئيسها وأعضائها في القيام بمهامهم بقرار مشترك تتخده السلطة الحكومية التابع لها المعنيون ورئيس المحكمة الدستورية، فإذا تعلق الأمر في نظرنا بالموظفين أو بالقضاة الملحقين بالإدارة المركزية لوزارة العدل فهنا لا إشكال اما أن يتعلق الأمر بالقضاة بباقي المحاكم فلا يمكن قبول تدخل وزارة العدل بهذا الشأن وإنما يلزم منح المجلس الأعلى للسلطة القضائية هذا الإختصاص بالتشاور مع رئيس المجلس الدستوري حتى لا نكون مرة اخرى أمام تدخل الوزارة كجهاز تنفيذي وممارسة سلطة الإلحاق على قضاة المملكة خاصة في ظل تاكيد ميثاق إصلاح العدالة على ضرورة الفصل بين النيابة العامة ووزارة العدل كجهاز تنفيذي أي القطع النهائي بين هذا الجهاز والسلطة القضائية.

تلك كانت بعض الملاحظات حول مشروع القانون التنظيمي المقدم من طرف الحكومة ومذكرته التقديمية رغم ان عنوان هاته الدراسة يتحدث عن الرقابة البعدية إلا أنه فضلت البدء بهذا المشروع رغم إنطباقه على الرقابة بشكل عام وفق اختصاصات المحكمة الدستورية لما لهذا المشروع من بالغ التأثير على ما يمكن ان يكون عليه القانون التنظيمي للرقابة البعدية على القوانين التي تمس جانب الحقوق والحريات حسب الفصل 133 من الدستور، وهو ما سيكون المحور الثاني لهاته الدراسة.

المحور الثاني:

مساهمة في إغناء النقاش حول ما يمكن أن يكون عليه القانون التنظيمي الخاص بالدفع بعدم دستورية قانون طبقا للفصل 133 من الدستور

سبق القول في المحور الأول أن ما قامت به الحكومة لإخراجها لمشروع للقانون التنظيمي الخاص بالمحكمة الدستورية 066.13 في غياب تام للحديث عن القانون التنظيمي الخاص بالرقابة البعدية على دستورية قانون طبقا للفصل133 من الدستور هو محاولة لجعل هذا الأخير رهينا للمقتضيات الأول ، كما ان هذا التأخير يعتبر ضربا لأحد حقوق الدفاع المهمة المتمثلة في الدفع بعدم الدستورية خاصة وأن أغلب النصوص الخاصة بمجال الحقوق والحريات وجدت قبل دستور 2011 وهو ما يعني أن الكثير من مضامينها مخالفة للدستور، وهنا نسجل أيضا غياب المؤسسة التشريعية باعتبارها الجهاز الأول المسؤول عن التشريع خاصة في المجالات ذات الإرتباط بالحقوق والحريات ، فكيف يتلكأ هذا الجهاز عن تقديم مقترح قانون تنظيمي بهذا الخصوص، غير أن المتتبع لطبيعة عمل البرلمان المغربي لن يستغرب ذلك لأنه في الغالب ما يترك للحكومة أخذ المبادرة في هذا الباب، بل وينعدم في كثير من الأحيان حتى التنسيق بين الجهازين كما حدث بالنسبة للقانون الخاص بالحق في الولوج إلى المعلومة عندما قدمت الحكومة مشروع قانون والبرلمان مقترح قانون دون تنسيق بينهما.

وهكذا وفي ظل غياب مقترح قانون أو مشروع قانون تنظيمي ، سأحاول طرح بعض التصورات الكبرى المرتبطة بهذا الجانب على ضوء التجارب القانونية المقارنة وكذا باستحضار المذكرة المقدمة من طرف المجلس الوطني لحقوق الإنسان، كمحاولة لإغناء النقاش بخصوص التصور المستقبلي للقانون التنظيمي للرقابة البعدية على دستورية قانون.

أولا: لماذا الرقابة البعدية على دستورية القوانين؟

يعتبر إفراد المشرع الدستوري لمقتضى قانوني خاص بالرقابة البعدية على دستورية قانون قد يكون ماسا بأحد الحقوق أو الحريات بمثابة إشراقة حقوقية وقانونية، لكن هذا الأمر يظل رهينا بالقانون التنظيمي الذي سينظم ذلك، إذ أن
الرقابة البعدية تشكل ضمانة هامة في سبيل تحقيق ملاءمة القوانين مع الدستور والتي تهم بالخصوص الحقوق والحريات، فإذا كانت القوانين التنظيمية والنظامين الداخليين لمجلسي البرلمان وقوانين أخرى تخضع لرقابة قبلية، فإن القوانين العادية وحتى تتم إحالتها على المجلس الدستوري (وهي رقابة قبلية أيضا) كانت تتطلب ربع أعضاء إحدى غرفتي البرلمان وانتقل الأمر إلى خمس الأعضاء بالنسبة لمجلس النواب أو أربعين عضوا بالنسبة لمجلس المستشارين وهو تقدم ملحوظ ، يمكن المعارضة أيضا من ممارسة دورها الرقابي في سياق إحالة بعض القوانين على المحكمة الدستورية، غير انه من الممكن أن تفلت العديد من القوانين من الإحالة وأن تحتوي على مقتضيات غير دستورية (يكفي الرجوع للقرارات الصادرة عن المجلس الدستوري ، خاصة تلك المنشورة على الموقع الإلكتروني للمجلس ليتبين الحجم الضئيل للقرارات المرتبطة لإحالة القوانين العادية على المجلس)، ومن زاوية أخرى سيمكن هذا الأمر من تصفية القوانين غير الدستورية والتي صدرت قبله وهو ما يفرض بالضرورة منح الأفراد إمكانية الدفع بعدم الدستورية كحق أساسي من حقوق الدفاع ، وما يؤكد على اهمية هاته الإمكانية هو تلك المعطيات الإحصائية الصادرة عن المجلس الدستوري الفرنسي ([6]) والتي تبرز الاهمية التي تحدثنا عنها، إذ تشير إلى أنه منذ الفاتح من مارس 2010 (وهو تاريخ دخول القانون التنظيمي للمادة 1-61 من الدستور الفرنسي حيز التنفيذ بعد المراجعة الدستورية التي همت المادة 61من دستور 1958 بتاريخ 23يوليوز 2008)، إلى حدود الفاتح من مارس 2013 أصدر المجلس الدستوري الفرنسي 255 قرارا وهو ما يشكل 39بالمائة من مجموع القرارات التي أصدرها منذ 1959 وهو رقم يؤكد أهمية الرقابة البعدية والتي أحدتث نقاشا واسعا داخل الوسط الحقوقي والقانوني والقضائي بفرنسا منذ بدء العمل بالقانون المعروف اختصارا ب   La = Qpc question prioritaire de constitution .

ثانيا: الجوانب الأساسية التي يلزم إعطاءها الأهمية الكبرى في القانون

التنظيمي الخاص بالرقابة البعدية:

1-الجهة المكلفة بقبول الدفع : قبل أن يصل أمر المقتضى القانوني الذي تم الدفع بعدم دستوريته إلى المحكمة الدستورية ، يلزم تحديد أمرين أساسيين، جهة قبول الدفع، وشروط قبوله . برجوعنا للمذكرة المقدمة من طرف المجلس الوطني لحقوق الإنسان ([7]) نجد أنها إقترحت ما أسمته سيناريوهين إثنين ، يرتبط الأول بقبول مسطرة الدفع مع فحص مسبق على مستوى المحكمة الدستورية بواسطة لجنة مختصة في ذلك، أم السيناريو الثاني فهو يرتبط بفحص الدفع ومدى قبوله على مستوى محكمة النقض قبل إحالته على المحكمة الدستورية ([8])، وهذا السيناريو الأخير مستوحى من المسطرة المعمول بها في فرنسا بواسطة القانون التنظيمي رقم 2009- 1523 الصادر في 10 دجنبر 2009 المتعلق بتطبيق الفصل 1-61 من الدستور الفرنسي والذي دخل حيز التطبيق كما أشرنا سابقا في الفاتح من مارس 2010، حيث تتم إحالة الدفع على محكمة النقض أو مجلس الدولة (بالنسبة للمقررات الإدارية المتعلقة بالمحاكم الإدارية على اعتبار مجلس الدولة اعلى هرم قضائي فيما يخص ذلك، على عكس المغرب والذي تعتبر الغرفة الإدارية بمحكمة النقض هي جهة الإختصاص في انتظار انشاء مجلس للدولة )، حيث يتم البت في الدفع داخل أجل 3 أشهر وذلك من طرف محكمة النقض أو مجلس الدولة ونفس الاجل بالنسبة لبت المجلس الدستوري في حالة إحالة الدفع عليه (المادة 4- 23 من القانون التنظيمي المشار إليه سابقا)، وبالنسبة للمغرب فإنه يمكن الإحالة على محكمة النقض أو على الغرفة الإدارية بنفس المحكمة ، مع تبليغ النيابة العامة إذا لم تكن طرفا في القضية التي إثير الدفع بمناسبتها لإبداء ملاحظاتها، وفي رأيي فإن هذا الطريق الاخير هو الأقرب للقبول حتى يتم تجنيب المجلس الدستوري تراكم القضايا المرتبطة بقبول الدفع كإجراء أولي، شريطة التحديد الدقيق لشروط قبول الدفع حتى لا يترك بشكل تحكمي لمحكمة النقض وهذا ما سنتحدث عنه في النقطة الموالية.

2- شروط قبول الدفع : حسب المادة 2- 23 من القانون التنظيمي الفرنسي الخاص بالرقابة البعدية المشار إليه سابقا، فإنه يلزم لقبول الدفع توفر ثلاث شروط :

– أن يكون القانون قابلا للتطبيق على النزاع أو على الإجراءات القانونية، أو يمثل أساسا للملاحقات .

– لم يعلن (سابقا) عن مطابقته للدستور في الأدلة وفي منطوق حكم صادر عن المجلس الدستوري ، إلا إذا تغيرت الظروف ([9])، ويقصد هنا بتغير الظروف أمرين : أولهما تغير المقتضيات الدستورية عن طريق التعديل (و هذا الأمر إن كان سهلا وممكنا بالنسبة للدستور الفرنسي فإن الأمر يبدو شبه مستحيل بالنسبة للدستور المغربي ، اللهم إلا إذا تعلق الأمر بتعديل شامل على غرار ما حدث بالنسبة للدستور الأخير)، وثانيهما تغير القانون بتعديله أو نسخ مقتضياته …،
وهذا الأمر أكثر ورودا إذ أنه من الممكن أن تقضي المحكمة الدستورية بمطابقة قانون ما للدستور لكن بعد ذلك تقع عليه تعديلات قد تجعله غير ذلك، وهو ما يعني إمكانية إخضاعه من جديد لفحص المطابقة (يمكن الرجوع مثلا لقرار المجلس الدستوري الفرنسي رقم 2013-331 QPC الصادر بتاريخ 5 يوليوز 2013 بمثابة النظر في مقتضيات متعلقة بمدونة البريد والتواصل الإلكتروني والتي سبق وأن اعتبرها دستورية سنة 1996 لكن المجلس عدل عن ذلك بعد التعديلات التي أدخلت على المدونة بالتاريخ المذكور)([10]).

3- أن تكون المسألة ذات أهمية ، ويقصد بها هنا أن تمس الحقوق والحريات سواء في شقها الموضوعي أو الإجرائي.

وفي جميع الأحوال يحق تقديم هذا الدفع أمام جميع الجهات القضائية ، أي حتى أمام جهات التحقيق ، وعلى جميع درجات التقاضي ، مع تمكين المتقاضين أصحاب الدفع من الطعن في قرار رفض الإحالة ، مع الإشارة إلى كون الآجال المرتبطة بهذا القانون التنظيمي يلزم أن تكون قصيرة إلى المدى الذي يحفظ حقوق المتقاضين حتى لا تضيع بعد إيقاف البث خلال الدفع بعدم الدستورية وانتظار قرار المحكمة الدستورية أو محكمة النقض بالنسبة لقبول الدفع أو رفضه، خاصة في حالة صعوبة إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه أو عندما يحدد القانون أجلا معينا للبث في قضية معينة او عندما يكون شخص ما في حالة اعتقال ، وهو ما يعني أيضا القيام بتعديلات تهم قانون المسطرة الجنائية وقانون المسطرة المدنية لتلائم المسطرة الخاصة بالدفع بعدم الدستورية.

تلك كانت بعض الملامح الكبرى التي يلزم الإلتفات إليها أثناء إعداد القانون التنظيمي الخاص بالفصل 133 من الدستور، ولعل الأهمية الكبرى لهذا القانون والدور الذي سيلعبه على مستوى الحق في الدفاع ستبرز أكثر عند الإشتغال على نصوص القانون الجنائي بشقيه الموضوعي والإجرائي والتي تمس بشكل مباشر حقوق وحريات الأفراد، ولعل الدارسين لهذا الفرع القانوني المهم سيجدون ان العديد من النصوص تفتقد للدستورية خاصة في الجوانب المتعلقة بالشرعية والمساواة وشخصية العقوبة وقرينة البراءة والحق في الدفاع وغيرها من المبادئ الأساسية التي لم يكن من طريق لاستبعادها إلا بمطالبة المشرع بتعديلها مع ما يرافق ذلك من إشكاليات ، وبالتالي سيصبح بالإمكان استبعاد هاته النصوص عن طريق الدفع بعدم دستوريتها وفرض تعديلها ([11]).

إن الظرفية الراهنة تتطلب ضرورة الإلتفات إلى هذا القانون التنظيمي والإسراع لإخراجه عوض اللجوء إلى سياسة لي العنق عبر الإلتفاف عليه بإخراج قانون تنظيمي للمحكمة الدستورية بمعزل عن هذا القانون التنظيمي والذي يشكل لبنة أولى في سبيل التأسيس الفعلي لدولة الحق والقانون، إذ أن دولة القانون تتطلب وجود قوانين ذات طابع ديمقراطي واجتماعي وواضحة المعالم نابعة من الإرادة الفعلية للشعب ، ودولة الحق تتطلب قضاءا نزيها وعادلا ومستقلا، وتكلفة تحقيق الامرين ليست بتلك السهولة التي يستهلك بها المفهوم في سياق البروباغندا السياسية.


[1] مشروع القانون التنظيمي رقم 13-066 لمتعلق بالمحكمة الدستورية المقدم من طرف الحكومة المغربية والمتعلق بتطبيق الفصل 131 من دستور 2011 .

[2] موسوعة ويكيبيديا على الرابط الإلكتروني التالي:

http://fr.wikipedia.org/wiki/Question-prioritaire-de-constitutionnalit %C3%A9.

[3] لمزيد من التفاصيل يمكن الرجوع لمقال :

JEAN- LOUIS HALPERIN, “La question prioritaire de constitutionnalite : une revolution dans l’histoire du droit francais ?”, Cahiers du Conseil constitutionnel n°28 (Dossier : L’histoire du controle de constitutionnalite), juillet 2010.

[4] أنظر الفقرة السادسة من تعليق لجنة حقوق الإنسان في ملاحظتها العامة رقم 13بخصوص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

[5] Article 23.10 du loi organique n° 2009-1523 du 10 decembre 2009 relative a l’application de l’article 61-1 Constitution de la republique francaise.

[6] Rapport d’information de M. Jean- Jacques Urvoas depose en application de Particle du reglement, par la commission des lois constitutionnelles, de la legislation et de l’administration generale de la Republique sur la question prioritaire de constitutionnalite.

يمكن الإطلاع على هاته الإحصائيات بتفصيل على الرابط التالي:

http://www.assemblee-nationale.fr/14/rap- info/i0842.asp

[7] المذكرة المقدمة من طرف المجلس الوطني لحقوق الإنسان المتعلقة بالقانون التنظيمي للمحكمة الدستورية، يمكن الرجوع للتقديم الخاص بالمذكرة وكذا تفاصيلها على الرابط التالي:

http://www.ccdh.org.me/spip.php?article9047

[8] المذكرة الثانية المقدمة من المجلس الوطني لحقوق الإنسان المتعلقة بالقانون التنظيمي للدفع بعدم الدستورية تطبيقا للفصل 133 من دستور 2011 ص 10، للمزيد من التفاصيل يمكن الرجوع لموقع المجلس الوطني لحقوق الإنسان أو مباشرة على الرابط الإلكتروني التالي:

http://www.ccdh.org.me/spip.php?article9135

[9] المادة 2- 23 من القانون التنظيمي المشار إليه سابقا الخاص بتطبيق المادة 1-61 من الدستور الفرنسي بعد تعديل الذي شمل هاته المادة سنة 2008 والمنشور بالجريدة الرسمية الفرنسية ملحق ” قوانين ومراسيم” عدد 0287 ، بتاريخ11 دجنبر 2009.

[10] قرار المجلس الدستوري الفرنسي الصادر بتاريخ 5 يوليوز 2013 يمكن الإطلاع على تفاصيل القرار مباشرة على القرار عبر الرابط الإلكتروني التالي:

http://www.conseil-constitutionnel.fr/conseil-constitutionnel/francais/les

decisions/accas-par- date/decisions-depuis-1959/2013/2013-331-qpc/decision-n-2013-331-pdc-du-05-juillet-2013.137601. htm1 ر 05-33 1 – qpc- du

[11] للإطلاع على بعض أهم الخصائص التي يلعبها الدفع بعدم دستورية قانون في مجال الرقابة البعدية، يمكن الرجوع لمقال:

MARC GUILLAUME, “la question prioritaire de contitutionnalite», justice et cassation, revue annuelle des avocats au Conseil d’Etat et a la cour de cassation, 2010. P1.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading