د.عبد النبي اضريف
أستاذ بجامعة محمد الخامس – كلية الحقوق/سلا
يعتبر القانون التنظيمي للمالية الدستور المالي للدولة، فهو يصف بطريقة دقيقة المراحل الأساسية التي تمر بها الجباية والانفاق، حيث يبين القواعد الأساسية المفروض أن تتبعها السلطات المالية أثناء التنفيذ الفعلي للمال العام، كما يبين طرق وأساليب الرقابة التي تخضع لها الهيئات المتدخلة في تدبير المال العمومي. لذا يعتبر هذا القانون ترجمة وتفسيرا لبنود الدستور المتعلقة بالميزانية العامة.
ويؤطر القانون التنظيمي للمالية الميزانية العامة للدولة، التي تقوم على أساس من القواعد العامة، تشكل في جوهرها قيودا على سلطات الدولة، عليها الالتزام بها والعمل وفقا لمقتضياتها في مختلف مراحل الميزانية (الإعداد، المصادقة، التنفيذ…).والغاية من هذه المبادئ وتبسيطها، تدعيم صلاحيات ممثلي الشعب في مراقبة السلطة التنفيذية، والحيلولة دون عدم تسخير الأموال العمومية نحو الأهداف التي حصلت من أجلها، وتتمثل هذه القواعد في: السنوية، والتخصيص، والشمول، والتوازن، والوحدة. هذه المبادئ المذكورة كانت عند ظهورها قابلة للتطبيق، وكانت منسجمة مع الأهداف المالية للدولة، بل وكانت وسيلة لبلوغها، لكن مع تطور الفكر المالي وتطور طبيعة الأنشطة المالية العمومية، أصبحت هذه غير قابلة للتطبيق كما كانت عليه في السابق، وهذا ما يفسر ورود بعض الإستثناءات والتليينات عليها، بل ظهور بعض المبادئ الجديدة من قبل الصدقية والشفافية.
إلا أن هذه المبادئ واستثناءاتها، التي تؤطر الميزانية العامة، لم تعرف الاستقرار بفعل التعديلات القانونية التي لحقتها من وقت للآخر، والتي تهدف بالأساس إلى إصلاح المنظومة المالية. وهذا ما عرفه المغرب سنة 1998 حين أصدر قانونا يعدل القانون التنظيمي ل 1972، عمر زهاء 17سنة، ليتم إصدار قانون تنظيمي جديد سنة 2015، الهدف منه إعادة النظر في تدبير المال العام، وذلك بإضفاء شيء من المرونة في الصرف والجباية، وإعطاء البرلمان سلطات أكثر في مراقبة النشاط المالي للحكومة.
وانطلاقا مما سبق، يمكن طرح التساؤل التالي: ماهي المتغيرات التي طرأت على مبادئ الميزانية عقب إصدار القانون التنظيمي للمالية الجديد؟ سنحاول من خلال هذه الدراسة استعراض جميع التعديلات التي عرفتها هذه المبادئ، والتي مست بالأساس الاستثناءات الواردة عليها.
مبدأ سنوية الميزانية والبرمجة الثلاث سنوات:
يعني مبدأ السنوية أن توضع الميزانية لفترة لا تقل ولا تزيد عن سنة، وينص التشريع المغربي صراحة عل ذلك، حيث إن القانون التنظيمي للمالية رقم 13.130 الصادر في 2 يونيو [1]2015، ينص في المادة الأولى على أنه:” يحدد قانون المالية، بالنسبة لكل سنة مالية، طبيعة ومبلغ وتخصيص مجموع موارد وتكاليف الدولة وكذا التوازن الميزانياتي والمالي الناتج عنها. وتراعى في ذلك الظرفية الاقتصادية والاجتماعية عند إعداد قانون المالية، وكذا أهداف ونتائج البرامج التي حددها هذا القانون. “، كما نص في الفقرة الثانية من المادة الثالثة من نفس القانون على أن : “تبتدئ السنة المالية في فاتح يناير وتنتهي في 31 دجنبر من نفس السنة”.
وحسب النص المذكور فإن عمليتي صرف المال العام وجبايته، تنقضي بانقضاء السنة المالية. ولا تتبع الدول المختلفة سنة مالية واحدة، بل تختلف بداية ونهاية السنة ما بين دولة وأخرى، طبقا للظروف المحيطة بتلك الدول، فتبدأ السنة المالية في بعض الدول من أول يناير كما في مصر وليبيا وسوريا وروسيا وبلجيكا وفرنسا، وفي بعض الدول في أول يوليوز، مثل الولايات المتحدة الأمريكية، وفي البعض الآخر من أول أبريل، كما هو الحال في المملكة المتحدة والهند، وتبدأ السنة المالية في المملكة العربية السعودية من أول رجب من السنة الهجرية[2].
ولم تمس المستجدات التي جاء بها القانون التنظيمي للمالية الجديد مبدأ السنوية، ولكن مست الاستثناءات الواردة عليه، وهي استثناءات داخل السنة وخارجها .
أ- الاستثناءات داخل إطار السنة:
الحالة الأولى: حالة عدم موافقة السلطة التشريعية قبل بداية السنة المالية:
تنص الفقرة الأولى من المادة 50 من القانون التنظيمي المشار إليه أعلاه على أنه : ” طبقا للفصل 75 من الدستور، إذا لم يتم في 31 ديسمبر التصويت على قانون المالية للسنة أو لم يصدر الأمر بتنفيذه بسبب إحالته إلى المحكمة الدستورية، فإن الحكومة تفتح بمرسوم الاعتمادات اللازمة لسير المرافق العمومية والقيام بالمهام المنوطة بها على أساس ما هو مقترح بالميزانية المعروضة على الموافقة “، يستفاد من هذه المادة أنه على البرلمان التصويت على مشروع قانون المالية يوم 31 دجنبر على أبعد تقدير، وإذا ما وقع وصوت البرلمان بعد هذا التاريخ فترخيصه يكون للمدة المتبقية من السنة، وليس السنة الكاملة كما ينص على ذلك مبدأ سنوية الميزانية، وهذه الحالة عرفتها المالية العمومية من خلال قانون مالية السنة ل1964، الذي تم التصويت عليه في شهر مارس. وفي سنة 1984 لم يكن هناك برلمان، وتم التصويت في أبريل من نفس السنة على الميزانية بقرار ملكي. وكذلك قانون مالية السنة ل 1994 الذي صوت عليه في أبريل من نفس السنة نتيجة تأخر الحكومة في تقديم مشروع القانون المالي لمجلس النواب بقصد المصادقة عليه، وبهدف ضمان سير المرافق العامة بانتظام واضطراد، فقد استصدر الوزير الأول مرسومين، المرسوم رقم 979 93 2 الصادر في 1 يناير 1994 ويقضي بفتح الاعتمادات اللازمة لسير المرافق العامة والقيام بالمهام المنوطة بها، والمرسوم رقم 980 93 2 الصادر بتاريخ 1 يناير 1994 ويتعلق باستيفاء بعض الموارد عن سنة [3]1994. وبالنسبة للسنة المالية 2012 لم تتم المصادقة على مشروع قانون المالية إلا في 16 ماي 2012، بسبب الانتخابات التشريعية والتأخر في تنصيب الحكومة. فأصبح الأمر يتعلق بقانون مالية بمدة لا يتعدى 7 أشهر.
الحالة الثانية: الاعتمادات الإضافية:
تعتبر هذه الاعتمادات من مستثنيات مبدأ السنوية، وهي اعتمادات تطلبها الحكومة ويقرها البرلمان، بعد أن تكون الميزانية السنوية قد أقرت نهائيا، وتفتح هذه الاعتمادات في أثناء السنة المالية لتغطية نفقات ملحوظة، لم يكفها الاعتماد المحدد لها في الميزانية، أو نفقات عارضة لم تكن مذكورة أصلا (اعتمادات استثنائية). ومن المعلوم أن الأرقام التي توضع في الميزانية لكل وجه من وجوه الإنفاق، ما هي إلا أرقام تقريبية، مبنية على التخمين الذي قد يخطئ زيادة أو نقصا، وكثير من الحوادث العارضة تحتاج إلى أموال تنفق في الحال، دون أن تكون لها اعتمادات في الميزانية، كما لو حدث فيضان، أو انتشر وباء، أو نشبت ثورة الخ…فمثل هذه الحالات تفتح من أجلها اعتمادات خلال السنة، تكون مدتها أقل من السنة لتعتبر خروجا عن مبدأ السنوية[4].
وهذا ما نصت عليه المادة 60 من القانون التنظيمي للمالية المشار إليه سابقا، حيث أكدت على أنه يمكن في حالة ضرورة ملحة وغير متوقعة ذات مصلحة وطنية، أن تفتح اعتمادات إضافية بمرسوم في أثناء السنة تطبيقا للفصل 70 من الدستور. ويتم إخبار لجنتي البرلمان مسبقا بذلك.
وانطلاقا من المادة المذكورة يظهر بأن الأمر يتعلق بترخيصات مالية لمدة أقل من سنة، ففي سنة 1973 صدر مرسوم قانون أتى بترخيصات جديدة، وذلك لمواجهة بعض المستجدات التي طرحت على الواقع الاقتصادي الوطني، ومنها على الخصوص ارتفاع أسعار البترول في الأسواق العالمية.
ب- استثناءات خارج إطار السنة:
الحالة الأولى: برمجة الميزانية لثلاثة سنوات.
حسب منطق رواد الفكر الكلاسيكي، فإن الميزانية لا يمكنها أن تتعدى السنة، فحسب رأيهم تبقى هذه المدة هي الفترة الملائمة لوضع البرنامج المالي للدولة، لكن المحدثين النيوكلاسيك خرجوا عن إطار السنة، ووضعوا موازنات تتعداها، نظرا للأدوار الجديدة التي أصبحت تقوم بها الدولة آنذاك، لذلك أصبحت المقاربة السنوية متجاوزة، والتي أكدت محدوديتها وعدم مسايرتها لحجم تدخلات الدولة في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، لذا تفنن واضعو الدساتير المالية في سن قواعد قانونية صريحة تكفل حجم الدور الجديد للدولة، وذلك بالتنصيص على قواعد واضحة تتيح للساهرين على تنفيذ المال العام وضع اعتمادات مالية متوسطة وبعيدة المدى، الهدف منها الحد من صلابة الاجراءات والمساطير أثناء صرف المال العام، وهذا ما صار عليه المشرع المغربي عندما أصدر القانون التنظيمي للمالية الجديد المشار إليه أعلاه، حيث أكد في المادة الخامسة منه على أنه:” يتم إعداد قانون مالية السنة استنادا لبرمجة ميزانياتية لثلاث سنوات. وتحين هذه البرمجة كل سنة لملائمتها مع الظرفية المالية والاقتصادية والاجتماعية للبلاد.”
الحالة الثانية: الترخيصات في البرامج:
إن طبيعة بعض نفقات الاستثمار تتطلب اعتمادات تتعدى السنة نظرا لصعوبة إنجازها، وللتوفيق بين هذه النفقات الباهظة وبين مبدأ السنوية، يظهر مفهوم الترخيص في البرنامج بالنسبة للمشاريع التي لا يمكن تنفيذها في داخل إطار السنة، وبهذا فالترخيص في البرنامج يمثل تقديرا مؤقتا لمشروع استثماري يتطلب إنجازه اكثر من سنة، وهو غير ملزم للدولة تجاه الغير، واعتمادات الأداء لا بد أن تمر عبر قانون المالية وقابلة للتنفيذ الفعلي، وهذا ما نصت عليه الفقرة الأولى من المادة 17 من القانون التنظيمي، حيث أكدت على أنه : “توجه نفقات الاستثمار بالأساس لإنجاز المخططات التنموية الاستراتيجية والبرامج متعددة السنوات، بغية الحفاظ على الثروات الوطنية أو إعادة تكوينها أو تنميتها. “،وتشتمل هذه النفقات حسب نفس القانون في مادته 18 على اعتمادات الأداء واعتمادات الالتزام، التي تشكل الحد الأعلى للنفقات المأذون للآمرين بالصرف الالتزام بها لتنفيذ الاستثمارات المقررة .
ولمعالجة المشروعات طويلة الأجل في فرنسا، يطبق نظام” القانون ببرنامج”، وبمقتضاه يتم استصدار قانون ببرنامج لمشروع طويل الأجل مع تحديد النفقات الكلية للمشروع، ويجيز القانون للحكومة أن ترتبط على المشروع كله أو على جزء كبير منه، يمتد تنفيذه أكثر من سنة، على ألا يدرج في ميزانية كل سنة إلا جزءا من نفقاته، يمثل نصيب تلك السنة من نفقات المشروع الكلية، وبذلك فان السلطة التشريعية عندما وافقت على القانون الذي يتضمن برنامج المشروع وتكاليفه الكلية، تكون قد وافقت مسبقا على مبدأ تحميل ميزانيات السنوات المالية التالية، بما يخصها من تكاليف المشروع[5].
ويمكن القول أن ما يميز هذا الترخيص هو أنه لا يخضع لمبدأ السنوية، حيث يبقى صالحا طيلة مدة إنجاز البرنامج إلى أن يقع إبطاله، وهذا فيه بعض الحدود لسلطة البرلمان الذي يجد نفسه يصادق على هذه الترخيصات، ولو لم يكن هو الذي صادق عليها، إذ إن تغيير السلطة التشريعية لا يؤثر على سريان هذه الترخيصات، حيث يبقى للسلطة التنفيذية كامل الصلاحية في إلغاءها أو الإبقاء عليها.
الحالة الثالثة: ترحيل الاعتمادات :
في بعض الحالات لا تتمكن وزارة من الوزارات من صرف جميع الوحدات الحسابية المأذون لها فيها بموجب قانون مالية السنة، والأصل أن الآمر بالصرف ليس له أي حق في الوحدات المتبقية في آخر السنة الموالية، يجب أن يرجعها إلى الكتلة المالية للدولة في أخر تلك السنة طبقا لمبدأ السنوية، لكن يمكن أن تكون حالات يجوز فيها استعمال الاعتمادات المالية التي لم تستعمل في السنة المالية، إذن فهذه الحالة تعتبر استثنائية لأنه كما ذكرنا سابقا لا يقبل بذلك، وتنقسم هذه الحالة إلى ثلاثة أصناف:
نقل اعتمادات الأداء:
هذا الصنف أشارت إليه المادة 63 من القانون التنظيمي للمالية، والتي أكدت على أنه: “لا يجوز أن ترحل الاعتمادات المفتوحة في الميزانية العامة برسم سنة مالية إلى السنة الموالية.
غير أن اعتمادات الأداء المفتوحة برسم نفقات الاستثمار بالميزانية العامة وأرصدة الالتزام، المؤشر عليها والتي يصدر الأمر بصرفها، ترحل، مالم ينص قانون المالية للسنة على خلاف ذلك، في حدود سقف 30/ من اعتمادات الأداء المفتوحة بميزانية الاستثمار لكل قطاع وزاري أو مؤسسة برسم السنة المالية .
تحدد إجراءات الترحيل بنص تنظيمي.
يمكن تخفيض السقف المشار إليه أعلاه بموجب قانون للمالية .
تضاف الاعتمادات المرحلة إلى اعتمادات الأداء المفتوحة بموجب قانون مالية للسنة.”.
وبهذا يمكن نقل اعتمادات الأداء التي تم الترخيص فيها لسنة، ولم يتم استهلاكها كليا أو جزئيا إلى السنة الموالية، وبهذا تكون هذه الترخيصات استمرت لمدة تفوق سنة، وهذا ما يشكل استثناء لمبدأ السنوية خارج السنة.
رصيد الحسابات الخصوصية للخزينة:
يمكن نقل الحسابات الخصوصية للخزينة من سنة لأخرى، وبالتالي فعمليات الحسابات الخصوصية تشكل استثناءا لمبدأ سنوية الميزانية في إطار خارج السنة. ولكن ما المقصود بالحسابات الخصوصية للخزينة؟
الحسابات الخصوصية للخزينة تتكون من موارد ونفقات ليس لها طابع الدوام، مثل القروض التي تقدمها الدولة إلى الفلاحين، فهذه السلفات لا تعتبر نفقات بمعنى الكلمة لأن الدولة ستستردها فيما بعد، ونفس القول يمكن قوله لبعض الموارد (التسبيقات مثلا)، وحسب المادة 27 من القانون التنظيمي للمالية، تشتمل الحسابات الخصوصية للخزينة على الأصناف التالية:
الحسابات المرصدة لأمور خصوصية التي تبين فيها المداخيل المرصدة لتمويل صنف معين من النفقات والاستعمال المخصص لهذه المداخيل. وتزود هذه الحسابات بحصيلة رسوم أو موارد مخصصة، وعند الاقتضاء، بمبالغ مدفوعة من الميزانية العامة.
حسابات الانخراط في الهيئات الدولية التي تبين فيها المبالغ المدفوعة والمبالغ المرجعة برسم مشاركة المغرب في الهيئات الدولية. ولا يجوز أن تدرج في هذه الحسابات إلا المبالغ المقرر إرجاعها في حالة الانسحاب.
حسابات التمويل التي تبين فيها المبالغ المدفوعة على شكل قروض تتجاوز مدتها سنتين أو تسبيقات قابلة للإرجاع تقل مدتها عن سنتين أو تساويهما، والتي تدفعها الدولة من موارد الخزينة وتمنح من أجل المصلحة العامة.
وتستحق فوائد على هذه القروض والتسبيقات .
حسابات العمليات النقدية التي تبين حركات الأموال ذات الأصل النقدي. ويحدد مكشوف حسابات العمليات النقدية بموجب قانون المالية للسنة. وتمسك هذه الحسابات بكيفية تبرز النتائج النهائية.
حسابات النفقات من المخصصات التي تبين عمليات متعلقة بصنف خاص من النفقات يتم تمويله من مخصصات الميزانية.
وتهدف الحسابات الخصوصية للخزينة حسب المادة 25 من نفس القانون المشار إليه أعلاه :
إما إلى بيان العمليات التي لا يمكن إدراجها بطريقة ملائمة في الميزانية العامة، نظرا لطابعها الخاص أو لعلاقة سببية متبادلة بين المدخول والنفقة.
وإما إلى بيان عمليات مع الاحتفاظ بنوعها الخاص وضمان استمرارها من سنة مالية إلى أخرى.
وإما إلى الاحتفاظ بأثر عمليات تمتد ما يزيد عن سنة دون تمييز بين السنوات المالية.
ترتبط هذه العمليات المحاسبية بتطبيق تشريع أو تنظيم أو التزامات تعاقدية للدولة سابقة لإحداث الحساب.
وحسب المادة 26 من نفس القانون، تحدت الحسابات الخصوصية للخزينة بقانون المالية داخل أحد الأصناف المشار إليها في المادة 27 بعده. ينص قانون المالية المذكور على مداخيل ونفقات هذه الحسابات، كما يحدد المبلغ الأقصى للنفقات التي يمكن أن تدرج فيها .
ويمكن منح ترخيصات بالالتزام مقدما لفائدة الحسابات المرصدة لأمور خصوصية وحسابات النفقات من المخصصات بموجب قانون المالية للسنة في مبلغ أقصى يقدره قانون المالية المذكور.
ويجوز في حالة الاستعجال والضرورة الملحة وغير المتوقعة، أن تحدث خلال السنة المالية حسابات خصوصية للخزينة بموجب مراسيم طبقا للفصل 70 من الدستور. ويتم إخبار اللجنتين المكلفتين بالمالية البرلمان مسبقا بذلك. ويجب عرض هذه المراسيم على البرلمان بقصد المصادقة عليها في أقرب قانون للمالية.
أموال المساهمة والهبات:
أموال المساهمة والهبات أطرتها المادتان 11 و34 من القانون التنظيمي للمالية، وهي أموال تدفعها بعض الأشخاص المعنوية أو الطبيعية لتحقيق غايات معينة كإقامة نصب أو تمثال، أو فتح طريق أو بناء مدرسة…فإن هذه المبالغ تخصص في الميزانية للغاية التي قدمت من أجلها احتراما لإرادة الواهب أو الموصي، وحتى تفي الدولة بالتزاماتها تجاه دافعي هذه الأموال يتعين عليها أن تنقل أرصدة هذه الأموال من سنة لأخرى، حتى يتم الاحتفاظ بتخصيص هذه الأموال للغرض الذي دفعت من أجله، وإذا لم تستهلك كلها فإن ما تبقى يتم تحويله من سنة لأخرى، وهذا ما نصت عليه المادة 34 من القانون التنظيمي، حيث أكدت على أنه إذا تعذر أن تدفع سلفا حصيلة الهبة الممنوحة إلى الميزانية العامة، أو إلى ميزانيات مرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة، أو الحسابات الخصوصية للخزينة لتيسير الالتزام بالنفقة المتعلقة بها، جاز فتح الاعتمادات اللازمة للالتزام بهذه النفقة وأدائها، إضافة إلى الاعتمادات الممنوحة بموجب قانون المالية. ويجب أن تكون عمليات إرصاد أموال المساعدة وإجراءات استعمالها مطابقة لما هو متفق عليه مع الطرف الدافع أو الواهب.
وإذا كان الأصل في هذه الأموال أن تنفق حسب رغبة دافعيها دون إلحاقها بشق الموارد[6]، وهذا ما يدعم صدق الميزانية، فيجب أن تظهر في الميزانية الجهة التي دفعت هذه الموارد، بدون مزجها مع باقي الموارد، إذن فهذه الأموال تعتبر تمويلات وليست مداخيل، لكن المشرع المغربي أدرجها في شق المداخيل طبقا للقانون التنظيمي للمالية، حيث إن المادة 11 منه، اعتبرت أموال المساعدة والهبات والوصايا بمثابة موارد عادية للدولة، والموارد العادية في الفقه المالي تحمل صفة الدوام والاستمرارية كالضرائب والأتاوى والرسوم وحصيلة استغلالات الدولة، بعكس هذه الأموال التي لها طابع استثنائي.
وحينما تحصل الدولة على مساعدات وهبات من بعض الجهات تضخها في شق الموارد، وتكتفي فقط، بالإعلان بأن هذه التمويلات خصصت من أجل الغرض الذي حددها الطرف الدافع. فمثلا، إذا قدمت دولة أو منظمة، مساعدات أو هبات لقطاع الصحة، فالحكومة تعلن بأن تلك التخصيصات قد خصصت لوزارة الصحة بإضافتها إلى باقي الاعتمادات، بدون تحديدها وتوضيحها في الميزانية القطاعية، فالأصل أن يوضع هذا النوع من التمويلات في حسابات خاصة، ولا يختلط مع اعتمادات الميزانية، لكي يظهر بصفة جلية الغرض الذي وضع من أجله، كالهبات المخصصة لمحاربة داء السرطان، ومعالجة القصور الكلوي، أو فقدان المناعة… وهذاما أكدته الفقرة 4 من المادة 34 من نص القانون التنظيمي للمالية، والتي تؤكد على أنه : “يجب أن تكون عمليات إرصاد أموال المساعدة وإجراءات استعمالها مطابقة لما هو متفق عليه من الطرف الدافع أو الواهب…”، لكن طريقة تخصيص هذه التمويلات تتناقض مع هذه الفقرة، وهذا ما أكدته الفقرة الأخيرة من نفس المادة، التي تنص بأن يدرج المتبقى من أموال المساعدة في باب المداخيل بالميزانية العامة، وهذا مخالف تماما لفلسفة المساعدات والهبات، والغرض الذي أنشئت من أجلها، فعمليا الإدراج في شق المداخيل مخالف ومس بمبدأ الصدقية[7].
2– مبدأ صدقية الميزانية:
ينص مبدأ صدقية الميزانية على أن الأرقام الواردة في القانون المالي، والمتعلقة بالتكاليف والموارد، يجب أن تكون على درجة عالية من الصدقية وقريبة أكثر إلى الحقيقة، ولا يمكنها أن تكون كذلك، بدون أن تنبني على معطيات حقيقية، وعلى توقعات تراعي الظرفية الاقتصادية، ومستوى التوازنات المالية للبلاد.
كما أن هذا المبدأ يحث على صدقية الحسابات المقيدة في سجلات الموارد والنفقات، والذي يتعين أن تستجيب لمتطلبات الاستحقاق. وقد نص القانون التنظيمي للمالية الجديد في مادته العاشرة على أنه: “تقدم قوانين المالية بشكل صادق مجموع موارد وتكاليف الدولة، ويتم تقييم صدقية الموارد والتكاليف بناء على المعطيات المتوفرة أثناء إعدادها والتوقعات التي يمكن أن تنتج عنها”[8]. كما أن الفقرة الرابعة من المادة 31 من القانون المشار إليه أعلاه أكدت على أنه :”يجب أن تكون حسابات الدولة شرعية وصادقة وتعكس صورة حقيقية لثروتها ولوضعيتها المالية”[9]. ورغم أن هذا المبدأ لم يذكر إلا في المادتين المذكورتين من مجموع مواد هذا القانون التي تبلغ 71 مادة، إلا أنه في الواقع يؤطر كل مضامينه، لأن الصدق يفترض فيه أن يؤطر المالية العمومية، فلا شرعية ولا استمرار للمال العمومي العمومي بدون صدق، والذي يجد سنده في تبني توقعات للموارد والنفقات تنبني على معايير تتطابق والمؤهلات الاقتصادية، والمقدرة التكليفية لدافعي الضرائب[10]، والذي يعد من مقومات الشفافية وحكامة المال العام. وهذا المبدأ صعد إلى مرتبة قاعدة قانونية بفضل القضاء الدستوري الفرنسي[11]، الذي يرجع له الفضل في التنصيص عليه دستوريا على مستوى القانون التنظيمي الفرنسي، حيث ينص في مادته [12]27 على: ” أن حسابات الدولة يجب أن تكون قانونية وصادقة وأن تعطي صورة حقيقية للملك العام ووضعيته المالية.”
كما أن المادة 32 من نفس القانون المشار إليه أعلاه، أكدت على أن: “تقدم قوانين المالية بصورة صادقة مجموع موارد ونفقات الدولة وعلى المعطيات المتوفرة وتوقعات تراعي الظرفية الاقتصادية.”
والأصل في هذا المبدأ هو أنه كان دائما يؤطر المالية العمومية، لأن لا ميزانية ولا مال عمومي بدون صدق الحسابات والأرقام، وكان ينص عليه قانون الشركات في فرنسا سنة 1973، والذي يجرم عمليات تقديم حسابات مغلوطة ومزورة[13]، كما أن القضاء الدستوري الفرنسي في سنتي 1973 و1983 وجه انتقادات حادة للحكومة، بسبب تقديرات خاطئة تخص الميزانية[14].
ومبدأ الصدقية يجد سنده في المادة 27 من الدستور المغربي ل [15]2011، والتي تنص في فقرتها الأولى على أنه: “للمواطنين والمواطنات حق الحصول على المعلومات الموجودة في حوزة الإدارة العمومية والمؤسسات المنتخبة، والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام ….”، ورغم أن هذا النص لا ينص صراحة على تمكن البرلمان من حق المعلومة، فبما أن السلطة التشريعية بصفتها الممثلة الشرعية للمواطن، فضمنيا ففحوى النص يوحي بحق البرلمان في الحصول عليها.
كما أنه صدر مشروع قانون رقم 13 31 يتعلق بحق الحصول على هذا الحق، إلا أن مضامينه لم ترق إلى ما نصت عليه المادة 27 من الدستور المذكورة أعلاه، فاعتبره معظم المتتبعين بأنه تضييق في حق الحصول على المعلومة[16].
3– قاعدة وحدة الميزانية واستثناءاتها:
يقصد بوحدة الميزانية والتي هي من المبادئ الأساسية للمالية التقليدية ، إدراج جميع النفقات والموارد في وثيقة واحدة، بدلا من تعدد ميزانيات الدولة.
وعندما أصبح دور النفقة العامة يتعدى الدور التقليدي للدولة، أي أن الدولة أصبحت مطالبة بالمشاركة الفعالة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بات من الضروري تأسيس مؤسسات عمومية، تساعد الدولة على القيام بدورها الحيوي، وبالتالي منحها ميزانية خاصة بها، مما أدى إلى تمتع العديد من المؤسسات بحرية مالية واسعة، قد تصل إلى الاستقلال عن الميزانية الرئيسية للدولة، وبالتالي تعددت الميزانيات[17].
ومن زاوية أخرى أدت النفقات المتزايدة للدولة إلى تأسيس مؤسسات اقتصادية، كان يرجى منها مساعدة الدولة على تمويل هذه النفقات، وكلما زاد عدد تلك المؤسسات، كلما تم التراجع عن قاعدة وحدة الميزانية.
المغرب هو الآخر لم يكن استثناءا بالنسبة لباقي الدول التي عملت على توسيع قطاعاتها، فالعدد المتزايد والكبير لهذه المؤسسات العمومية اتضح من خلال صعوبة إحصائها، إلى أن تم خلق مديرية داخل وزارة المالية والاقتصاد لتتبع وإحصاء هذه المرافق، لكن الغريب في الأمر هو أن هذه المؤسسات التي كان يراد منها دعم المالية العمومية تحولت إلى سرطان ينخر المال العمومي، وهذا ما ذكره الراحل الحسن الثاني في خطاب 8 أبريل 1988 الذي أكد فيه على أن المؤسسات العمومية تشكل عائقا للتنمية، فإنه من الضروري التفكير في طريقة مثلى لإعادة هيكلتها وإعادة إدماجها في مسلسل التنمية، وكان هناك إجماع على ضرورة تحويل مؤسسات القطاع العام إلى القطاع الخاص، وذلك بعد سلسلة طويلة من المشاداة الكلامية داخل قبة البرلمان، أتهمت من خلالها أحزاب الوفاق آنذاك والتي كانت تشكل الأغلبية الحكومية بتضييع الملك العمومي[18].
وبهذا تعددت الأساليب الممارسة من طرف الدولة لمعالجة المشاكل المالية، التي تمخضت عن تداخلاتها الضخمة في كل الميادين، والتي أرغمتها عن العدول عن الالتزام بمبدأ وحدة الميزانية، ونذكر في هذا الإطار الحسابات الخصوصية للخزينة والميزانيات المستقلة.
الحسابات الخصوصية للخزينة:
الحسابات الخصوصية للخزينة، هي مختلف المبالغ التي تدخل إلى خزينة الدولة أو تدفع بواسطتها، دون أن تكون لها صفة الإيراد الحقيقي (الضمانات أو الكفالات التي يدفعها الأشخاص ومختلف المبالغ التي تعاد إلى أصحابها) أو الإنفاق الحقيقي (قروض الدولة للجماعات المحلية ومختلف السلفات التي تستردها الخزينة بعد انقضاء آجال معينة).
إن مثل هذه المبالغ لا تعتبر نفقات أو إيرادات عامة فعلية، ولذا فإن إدراجها في الميزانية العامة يؤدي إلى تضخم نفقات وإيرادات الدولة بدون مبرر، إضافة إلى أنه يقود إلى عدم وضوح الميزانية، لصعوبة التمييز بين النفقة الفعلية، والنفقة غير الفعلية، والإيرادات الفعلية، والإيرادات غير الفعلية. ولذلك فإن هذه المبالغ تفصل عن الميزانية العامة، وتسجل في الحسابات الخاصة للميزانية.
تناقش الحسابات الخصوصية للخزينة، وتعتمد من طرف البرلمان، وترد في وثيقة القانون المالي بصفة مستقلة عن الميزانية العامة. وينص هذا القانون على مداخيل هذه الحسابات كما يحدد المبلغ الأقصى للنفقات التي يمكن خصمها من هذه الحسابات.
وقد نص القانون التنظيمي للمالية لسنة2015 في مادته 27 على خمسة أصناف فقط لهذه الحسابات[19].
ويمكن إحداث حسابات خصوصية بمقتضى قانون المالية، وفي حالة الاستعجال والضرورة الملحة بموجب مرسوم، على أن تدرج الحسابات الخصوصية المستحدثة في أقرب قانون للمالية. كما نصت الفقرة الأخيرة من المادة 8 على أنه : ” يمكن رصد بعض المداخيل لبعض النفقات في إطار ميزانيات مرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة أو الحسابات الخصوصية للخزينة أو في إطار إجراءات محاسبية خاصة، كما هو منصوص عليها في المادتين 34 و35 من نفس القانون المشار إليه أعلاه.
مرافق الدولة المسيرة بصفة مستقلة:
كما ذكرنا سابقا إن مهام الدولة الحديثة قد تجاوزت نطاق مهمتها الأساسية (الأمن، الدفاع، العدل…) فأنشأت مصانع التبغ والكحول، واحتكرت بعض وسائل النقل، وأخذت تقوم بمشاريع تجارية وصناعية، كانت من اختصاص الأفراد في الماضي(مصالح المياه والكهرباء).
لذا واعتبارا للصفة التجارية أو للدور الذي تلعبه لفائدة الصالح العام، ويمكن للمشرع حسب المادة 21 من القانون التنظيمي للمالية أن يؤسس مرافق عامة مسيرة بصفة مستقلة وغير متمتعة الشخصية الاعتبارية، ويمنحها الاستقلال المالي، والتي تغطى بموارد ذاتية بعض نفقاتها عير المقتطعة من الاعتمادات المقيدة في الميزانية العامة . ويجب أن يهدف نشاط المصالح المذكورة أساسا إلى إنتاج سلع وخدمات مقابل دفع أجر، وتحدث هذه المرافق بمقتضى قانون المالية الذي تقدر فيه مداخيلها ويحدد به المبلغ الأقصى للنفقات التي يمكن اقتطاعها من ميزانيتها.
والاعتبارات التي تدعو المشرع لإعطاء هذه الوحدات العامة هذا الامتياز فهي عديدة، ومنها أن أهمية النشاط الذي تقوم به هذه الوحدات والذي يغلب عليه عادة طابع السرعة أو المرونة والتجارة، وهذا ما يفرض عليه عدم تلاؤمه مع القواعد العامة العادية الذي تسير بها ميزانية الدولة.
وانطلاقا من المادة 23، يتضح بأن لهذه الميزانيات المستقلة مميزات خاصة:
تقرر عمليات ميزانيات المستقلة ويؤذن فيها طبق انفس الشروط المتعلقة بعمليات الميزانية العامة.
تشتمل ميزانية كل مرافق من مرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة على جزء يتعلق المداخيل ونفقات الاستغلال وإن اقتضى الحال على جزء يتعلق بنفقات الاستثمار والموارد المرصدة لهذه النفقات.
غالبا ما تعتمد الميزانيات المستقلة على التمويل الذاتي، وتحتفظ بالفائض من الإيرادات وتتحمل العجز الذي يحل بها وتسدده، إما بالقروض أو بطلب المساعدة من الدولة، أو استخدام احتياطاتها، وإذا ما تولد فارق من إيراداتها لا يعود للميزانية العامة بل تحتفظ به لنفسها، ولا يوجد ما يمنع من تقديم المنح والإعانات المالية لها من قبل الدولة أو من الخواص.
يمكن أن ترصد لمرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة اعتمادات التزام تطابق برامج استثماراتها متعددة السنوات .
ومن أمثلة الميزانيات المستقلة بالنسبة للمملكة المغربية، نجد ميزانيات الجماعات الترابية والوكالات الجماعية المستقلة للماء والكهرباء والنقل الحضري. وقد أخذ الأردن بهذا النوع من الميزانيات، كميزانية البنك المركزي الأردني، وميزانية الخطوط الجوية الملكية، وميزانية ميناء العقبة[20]، وفي لبنان نجد مؤسسة كهرباء لبنان، ومصلحة مياه بيروت، والمصلحة الوطنية لنهر الليطاني، والجامعة اللبنانية…[21]
وما طبع مغرب الستينات والسبعينات، هو كثرة الميزانيات، وبرر الكثير من الباحثين تأسيس مثل هذه الوحدات يسهل مسألة التهرب من الرقابة المالية، مما أسفر عن مشاكل مالية كبيرة أرهقت مالية الدولة، ورغم الإجراءات التي تبنتها السلطات المالية، وأهمها تبني مخطط التهدئة لما بين 78 1980، إلا أن الأزمة بقيت قائمة، وكان من أهم الحلول التي تم اللجوء إليها، هو تبني سياسة الخوصصة المنصوص عليها في وصفات سياسة التقويم الهيكلي، المفروضة من لدن مؤسسات الاقراض الدولية[22].
4– مبدأ تخصيص النفقات واستثناءاته:
يعني مبدأ تخصيص النفقات أن السلطة التشريعية حينما تصادق على الميزانية – والتي هي جزء من قانون مالية السنة – أنها تخصص مسبقا للسلطة التنفيذية الاعتمادات الواجب صرفها، لذا لا يمكن لهذه الأخيرة أن تعمل على توجيهها إلى نفقات غير منصوص عليها في قانون المالية، أي أن اعتماد السلطة التشريعية للنفقات لا يجوز أن يكون إجماليا، بل يجب أن يخصص مبلغا معينا لكل وجه من أوجه الإنفاق العام، وهذا ما يقوي سلطة البرلمان في مراقبة الإنفاق العمومي بصفة مفصلة، ويجعل السلطة التنفيذية مقيدة في الإنفاق في الأوجه المختلفة بحدود المبالغ التي اعتمدتها المجالس السابقة للإنفاق عليها دون تجاوزها[23]، إلا في الحالات التي ينص فيها القانون على خلاف ذلك.
ومبدأ تخصيص النفقات على هذا المنحى، يضع القيود على سلطات الحكومة في تصريف المال العام، بحيث كلما صغرت وحدات الاعتماد كلما كانت الرقابة البرلمانية أشد وحرية الوزراء في الإنفاق أضعف[24]، ومن تم فإن الإفراط في اتباع هذه القاعدة قد يؤدي إلى المغالاة في تخصيص الاعتمادات مما يؤدي إلى القضاء على المرونة اللازم توافرها لحسن سير الوحدات الحكومية، وإلى إثقال كاهل السلطة التشريعية بتفاصيل غير ضرورية[25].
وينص التنظيم المالي المغربي على مبدأ التخصيص، حيث نصت المادة 12 غلى أن تكاليف الدولة تشتمل على نفقات الميزانية العامة، ونفقات ميزانيات مرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة، ونفقات الحسابات الخصوصية للخزينة. وحسب المادة 13 من نفس القانون، تشتمل نفقات الميزانية العامة على ثلاثة أبواب، الباب الأول خاص بنفقات التسيير والباب الثاني خاص بنفقات الاستثمار، والباب الثالث خاص بنفقات الدين العمومي، كما أكدت المادة 38 على أن تقدم نفقات الميزانية العامة داخل الأبواب في فصول مقسمة إلى برنامج وجهات ومشاريع أو عمليات، ويقرر فيما يرجع لنفقات التسيير عن كل قطاع وزاري أو مؤسسة فصل للموظفين والأعوان، وفصل للمعدات والنفقات المختلفة، ويخصص لنفقات الاستثمار، فصل عن كل قطاع وزاري أو مؤسسة، وتقدم نفقات مرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة داخل فصول في برنامج وعند الاقتضاء جهات ومشاريع أو عمليات، كما تقدم في نفقات كل حساب خصوصي في برنامج، وعند الاقتضاء في جهات ومشاريع أو عمليات.
وتقدم النفقات المتعلقة بالدين العمومي طبقا للمادة 44 في فصلين:
الأول يشتمل على النفقات من فوائد وعمولات المتعلقة بالدين العمومي.
الثاني يشتمل على النفقات المتعلقة باستهلاكات الدين العمومي المتوسط والطويل الأجل.
ونظرا لتشعب مهام الدولة، أصبح من الضروري تليين مبدأ تخصيص النفقات، لأن المغالاة فيه تضع العديد من العراقيل أمام السير العادي للعمل الحكومي، خصوصا المجالات التي تقتضي نوعا من القيادية والمرونة. وهذا ما يترجم ورود بعض التليينات على هذا المبدأ.
وتتمثل هذه التليينات في الحسابات الخصوصية للخزينة، والفصول غير المخصصة، وتغيير المبالغ المرصودة.
الحسابات الخصوصية للخزينة:
نصت الفقرة الأخيرة من المادة 36 من القانون التنظيمي للمالية على أنه تحصر :” تحصر في الجزء الثاني (من الميزانية العامة)… نفقات الحسابات الخصوصية للخزينة عن كل حساب .” وهذا يظهر بأن الاعتمادات المتعلقة بالحسابات الخصوصية للخزينة لا تظهر في قانون المالية إلا حسب أصناف هذه الحسابات، وهي بالتالي لا تقدم في فصول، ولا حتى حسب كل حساب خصوصي (تصدر في كتلة واحدة، وإن كان هناك أكثر من حساب خصوصي)، وحسب المادة 26 من نفس القانون، تحدت الحسابات الخصوصية للخزينة بقانون المالية داخل أحد الأصناف المشار إليها في المادة 27 بعده. ينص قانون المالية المذكور على مداخيل ونفقات هذه الحسابات، كما يحدد المبلغ الأقصى للنفقات التي يمكن أن تدرج فيها .
الفصول غير المخصصة:
يتعلق الأمر هنا بفصلين وهما فصل النفقات الطارئة والمخصصات الاحتياطية وفصل التحملات المشتركة.
فصل النفقات الطارئة والمخصصات الاحتياطية:
حسب المادة 42 من القانون التنظيمي المشار إليه أعلاه فإنه: “يفتح بالباب الأول من الميزانية العامة:
فصل غير مرصد لأي مرفق من المرافق تدرج فيه النفقات الطارئة والمخصصات الاحتياطية فيما يتعلق بالباب الأول من الميزانية العامة.
يمكن أن تباشر اقتطاعات من الفصل المذكور في أثناء السنة للقيام عن طريق اعتماد تكميلي، لسد الحاجات المستعجلة أو غير المقررة حين إعداد الميزانية.
فصل تدرج فيه نفقات التسديدات والتخفيضات والإرجاعات الضريبية .
من خلال النص يتضح أن النفقات الطارئة والمخصصات الاحتياطية تكون ضمن نفقات التسيير، ولا تكون مخصصة لفائدة أية مصلحة معية، يحتفظ بها المشرع لتغطية النقص الحاصل في الاعتمادات المخصصة لتسيير المصالح، وإما إلى توسيع نطاق وأنشطة مصلحة موجودة .
فصل التحملات المشتركة:
عمليا فالتحملات المشتركة ترتبط عضويا بوزارة المالية، لكنها تهم مختلف الوزارات، وهي اعتمادات مفتوحة تقوم الحكومة بتفصيلها حسبما تمليه الحاجة. وقد نصت المادة 43 من القانون التنظيمي للمالية على أنه:” يفتح من الباب الأول والباب الثاني من الميزانية العامة، فصل تدرج فيه التكاليف المشتركة لتغطية النفقات المتعلقة بها، والتي لا يمكن أن تتضمن إلا التكاليف التي لا يمكن إدراجها ضمن ميزانيات القطاعية الوزارية أو المؤسسات.”
تغيير المبالغ المرصودة:
إذا أرادت الحكومة أن تنقل بعض الاعتمادات من فصل إلى فصل داخل نفس الوزارة، أو تنقل اعتمادات وزارة إلى وزارة أخرى، يجب عليها أن ترجع إلى السلطة التشريعية، ليعتبر هذا الإجراء أقوى استثناء يرد على مبدأ تخصيص النفقات، نظرا لما يتطلبه من مسطرة معقدة تتعلق بالعلاقة بين السلطتين وباتخاذ الوقت الكافي، وتلافيا لهذه التعقيدات وحتى تكون هناك مرونة في تسيير المرفق العام وتحقيق المصلحة العامة، اتخذ المشرع منحى آخر بالنسبة لمسطرة تغيير الاعتمادات داخل الفصول، حيث لا تحتاج السلطة التنفيذية لترخيص البرلمان، وهذا ما نصت عليه المادة 45 من القانون التنظيمي، حيث أكدت على أنه : ” لا يجوز تحويل الاعتمادات ما بين الفصول.
يمكن القيام بتحويلات للاعتمادات داخل نفس البرنامج وما بين البرامج داخل نفس الفصل، وفق الشروط والكيفيات المحددة بنص تنظيمي.”
5– مبدأ شمول الميزانية:
عندما تصادق السلطة التشريعية على الميزانية العامة، فإنها تحدد للسلطة التنفيذية الموارد الواجب تحصيلها، والاعتمادات الواجب صرفها، لذلك حسب مبدأ شمول الميزانية، لا يمكن للحكومة أن تعمل على تخصيص مورد معين لنفقة معينة، لأن البرلمان حدد مسبقا لجميع النفقات المتوقعة الاعتمادات المطلوبة، وعلى هذا المنحى يعني مبدأ الشمول أو العمومية، أن يظهر في الميزانية العامة كافة نفقات وإيرادات الدولة بصورة مفصلة، دون إجراء مقاصة بينهما، أو تخصيص مورد لنفقة معينة.
ومبدأ الشمول من المبادئ التي يجب مراعاتها في تنظيم الميزانية، لكي تأتي إجازة الجباية والإنفاق منطبقة على الواقع.
فنفقات الميزانية ووارداتها مرتبطة بعضها ببعض ارتباطا وثيقا، فهناك نفقات عديدة تبذل في سبيل الجباية، كرواتب الموظفين وتعويضاتهم، وثمن المطبوعات، وأجور النقل وعائدات التحصيل الخ…كما أن هناك نفقات تقابلها أحيانا واردات، كالتي تجنيها مصانع الدولة من جراء بيع منتجاتها أو فضلات موادها الأولية، أو كالتي تجنيها الدوائر من جراء بيع الأشياء القديمة التي لم تعد بحاجة إليها.
فمبدأ الشمول يوجب أن تقيد في حقل الواردات من الميزانية، كل الأموال التي تجبى وتقبض لحساب الخزينة مهما كان مصدرها، ونوعها، ومقدارها، وأن تقيد في حقل النفقات كل الأموال التي تصرف من حساب الخزينة، مهما كانت الغاية من إنفاقها، وهذا ما نصت عليه الفقرة الثانية من المادة 8 من القانون التنظيمي ل2015، حيث أكدت على أنه : ” تدرج جميع المداخيل وجميع النفقات في الميزانية العامة.”.
وندرج المثال التالي، تفسيرا لما سبق، فإذا كانت رسوم السيارات تدر على الخزينة مليون درهم في السنة، وكانت جبايتها تكلف بين موظفين ولوازم ونفقات عامة، مائة ألف درهم، فيجب أن تقيد هذه الرسوم في حقل الواردات بمبلغ مليون درهم، وأن يرصد لمصلحة السيارات في حقل النفقات اعتماد قدره مائة ألف درهم. كذلك إذا كانت معاهد التكوين المهني مثلا تكلف ثمانمائة ألف درهم في السنة، وكانت تبيع من إنتاج مصانعها خلال السنة ما ثمنه خمسون ألف درهم، وتقبض من تلامذتها رسوما قدرها خمسون ألف درهم، فيجب أن يرصد لهذه المدرسة في حقل النفقات اعتماد قدره 000.800 درهم. وأن يقيد مدخولها في حقل الواردات بمائة ألف[26].
ومن تم، فإن قاعدة الشمول تقوم على أساس فكرتين، هما: عدم تخصيص الموارد وعدم المقاصة.
قاعدة عدم تخصيص الموارد واستثناءاتها:
بموجب هذه القاعدة يتعين أن تتجه جميع الإيرادات، مهما كان مصدرها أو نوعها، نحو تمويل جميع النفقات، فالدولة تضع إيراداتها في وعاء واحد وتغترف منه لإشباع حاجاتها المختلفة، فلا يجوز إذن أن ينصرف إيراد معين لتمويل نفقة معينة، كأن توجه مداخيل الضريبة على السيارات لترميم الطرق، فهذه المداخيل يجب أن تضخ في الميزانية وتخصص لتمويل جميع النفقات، وهذا ما نصت عليه الفقرة الثانية من المادة الثامنة من القانون التنظيمي للمالية حينما أشارت إلى أنه : ” تدرج جميع المداخيل وجميع النفقات في الميزانية العامة .”.
لهذه القاعدة المذكورة تبريرات عديدة، منها أن التخصيص يقود إلى تبذير الأموال العامة عندما تكون إيرادات وزارة معينة أكبر من نفقاتها، لذا إذا ترك لهذه الوزارة الحرية في صرف نفقاتها ستقع في التبذير، وبالتالي تكون هناك وزارات فقيرة وأخرى غنية، وبعبارة أخرى وزارات منتجة وأخرى غير منتجة، مع العلم أن كلاهما يعملان من أجل المصلحة العامة (وزارة التربية الوطنية ووزارة المالية).
كما يصبح التخصيص خطرا يهدد التضامن الوطني، خصوصا إذا ميزنا بين الجهات ذات المداخيل الضخمة وبين الجهات غير النافعة، حيث لا يمكن أن نميز بين جهة الدار البيضاء وجهة تانسيفت (أي المغرب النافع والمغرب غير النافع)، فمحور الجديدة القنيطرة مثلا يحتوي تقريبا على 75% من الاستثمارات الوطنية، لذلك إذا ميزنا بين العائدات الضريبية لهاتين المنطقتين، سنجد أن هناك فرقا شاسعا في المداخيل، لذلك عند تخصيص كل منطقة لعائداتها لتمويل نفقاتها، ستسوء حالات هذه المناطق أكثر مما هي عليه.
إلا أنه وكما ذكرنا سابقا، فإثر تطور دور الدولة، أصبح من العسير التقيد بهذه القاعدة، مما أسفر عنه ورود استثناءات عليها.
الحسابات الخصوصية للخزينة:
لا تطبق قاعدة عدم التخصيص بالمغرب إلا على الميزانية العامة للدولة، وبالتالي لا تطبق على الحسابات الخصوصية للخزينة، فمداخيل هذه الحسابات مخصصة لنفقاتها، وهو ما يشكل استثناء لهذه القاعدة.
أموال المساهمة والهبات:
حيث أنها تخصص لنفقات محددة مسبقا، لأن الدولة حينما تقبل بتلقي هذه الأموال تكون ملزمة بتخصيصها واستعمالها للغرض الذي دفعت لأجله من قبل أصحابها.
إعادة إقرار الاعتماد:
إعادة إقرار الاعتماد نصت عليه المادة 35 من القانون التنظيمي للمالية، حيث أشارت إلى أنه : ” يمكن أن تدفع اعتمادات من جديد بشأن المداخيل المتأتية من استرجاع الدولة لمبالغ مؤداة بوجه غير قانوني أو بصفة مؤقتة من اعتمادات مالية وفق الشروط وحسب الكيفيات المحددة بنص تنظيمي .” وانطلاقا من النص يستفاد بأنه يمكن أن تدفع أموال عمومية بصفة غير قانونية أو بصفة مؤقتة، وفي حالة استرجاع هذه الأموال، يمكن أن يترتب عن ذلك إعادة إقرار الاعتماد، أي أن تخصص هذه الأموال المسترجعة للغرض الذي رصدت من أجله في بداية الأمر، إلا أن إعادة الإقرار لا يمكن أن تتم إلا إذا كان المبلغ المعاد دفعه يعادل أو يفوق ألف درهم، كما أن إعادة إقراره لا يمكن أن تتم إلا أثناء فترة التسيير(أثناء السنة المالية وليس خارجها) التي تحملت النفقة المطابقة، فمثلا قد يستقيل شخص من منصبه، لكن رغم ذلك يستمر في تلقي راتبه، نظرا لعدم وجود تنسيق بين الجهة التي قبلت الاستقالة، والجهة التي تدفع الأموال وهي غير قانونية، فيطلب منه إعادتها، ومن هنا يكون إعادة إقرار الاعتماد، أي أن تسترجع الدولة الأموال وتخصصها للغرض الأصلي، وهو تأديتها للموظف الجديد بدل أن تذوب في الكتلة النقدية المسماة المداخيل[27].
قاعدة عدم المقاصة:
نصت المادة 8 من القانون التنظيمي للمالية على أنه : ” يباشر قبض مبلغ الحصائل بكامله دون مقاصة بين المداخيل والنفقات. ويرصد جميع المداخيل لتنفيذ مجموع النفقات .” وحسب هذه المادة، تقضي قاعدة عدم المقاصة بأن تقدم جميع مداخيل الشخص العمومي من جهة، وجميع نفقاته من جهة أخرى، كل بمبلغها لا مقاصة بين النفقات والمداخيل، فمثلا لا ينبغي لوزارة أن تبيع بعض الآلات أو السيارات وتنفق المبلغ المحصل عليه في سد بعض احتياجاتها، ولا تدفع إلى الخزينة إلا المبلغ المتبقي من تلك العملية، أي إجراء مقاصة بين ثمن المبيعات وثمن النفقات، بل يجب عليها أن تدفع هذه المبالغ إلى خزينة الدولة، وتعمد إلى سد حاجياتها من الاعتمادات المخصصة لها بمقتضى قانون المالية. وينص التشريع المالي المغربي صراحة على قاعدة عدم المقاصة، سواء تعلق الأمر بالدولة أو الجماعات الترابية وهيئاتها، ولا تعرف هذه القاعدة أي استثناء منصوص عليه في القوانين الجاري بها العمل[28].
6– مبدأ توازن الميزانية:
قصد الاقتصاديون القدماء بمبدأ التوازن أن تكون النفقات العامة للدولة في حدود نفقاتها، فلم يعترف المذهب الكلاسيكي بعجز الميزانية، بل اشترط التوازن الحسابي أو المالي، ولذلك لا يمكن للدولة أن تلجأ إلى الإيرادات غير العادية (القروض والإصدار النقدي) لتغطية نفقاتها العامة، وبالتالي لا يجوز أن تزيد نفقاتها على إيراداتها، وأن تستخدم ما لديها من موارد ضريبية فقط، ولا ينصح باللجوء إلى الموارد غير العادية، مما يتوجب على الدولة حسب المفهوم التقليدي أن تقوم بتقدير دقيق لنفقاتها ومواردها، واحترام مبدأ التوازن حسابيا قدر الإمكان.[29]
وفي أوائل القرن العشرين تطور دور الدولة، وبدأت تخرج عن حيادها، وأصبحت مسؤولة عن التوازن الاقتصادي والاجتماعي. وقد تم هذا التطور تحت تأثير الأزمات الاقتصادية التي تكررت في الثلث الأول من القرن العشرين وما جرته من بؤس واضطرابات اجتماعية، وتحت تأثير الأفكار الاشتراكية التي بدأت في الانتشار، وخاصة بعد قيام الثورة الشيوعية في روسيا عام 1917. وكان منطقيا أن ينعكس هذا التطور الذي حدث في دور الدولة في النفقات العامة، فقد تطورت هذه النفقات في اتجاهين،
أولهما أن تنوع النفقات العامة تبعا لتنوع وظائف الدولة، فبالإضافة إلى مسؤولية الدولة عن وظائفها التقليدية، أصبحت مسؤولة أيضا عن التوازن الاقتصادي والتوازن الاجتماعي. وقد استتبعت هذه المسؤولية تنوع النفقات العامة، وتعدد أغراضها، فاتسع نطاق النفقات الاقتصادية، وهي تلك التي تهدف إلى تحقيق أغراض اقتصادية، مثل محاربة البطالة، ودعم بعض فروع الإنتاج، وإعادة التعمير، وتحقيق التنمية الاقتصادية. كما اتسع نطاق النفقات الاجتماعية، وذلك بغرض إعادة توزيع الدخل القومي بين الطبقات المختلفة، وبذلك أصبحت النفقات العامة، بالإضافة إلى ما لها من أغراض مالية، أداة من أدوات السياسة الاقتصادية والسياسية الاجتماعية. وثانيهما، ازدياد حجم النفقات العامة، وارتفاع نسبتها إلى الدخل القومي[30].
وهكذا فرضت على الدول تقديم ميزانيات غير متوازنة، أي ميزانيات في حالة عجز، وأصبح العجز مقبولا، وحتى الذين كانوا ينادون بالليبرالية اصبحوا ينادون بتدخل الدولة، وأصبح هناك من يرى أن عجز الدولة وسيلة من وسائل تحريك عجلة الاقتصاد عن طريق مضاعفة الاستثمار، فالدولة حينما تمول النفقات عن طريق العجز، فإن هذه المقاولات تقوم باستثمار أموال طائلة وتشغيل عمال جدد فيتم تحريك عجلة الاقتصاد، من بين هؤلاء كيتر الذي نادى بالعجز المنظم أو المقصود، لكنه لا يكون مقبولا إلا في حالة تحقيق الاستخدام الكامل لوسائل الإنتاج البشرية وغير البشرية، وحينما يتم الوصول إلى هذا الاستخدام الكامل فيجب الرجوع إلى الميزانية المتوازنة، وإلا سيؤدي ذلك إلى ارتفاع الكتلة النقدية دون ارتفاع الإنتاج، وبالتالي التضخم، والنقطة الحساسة التي حولت الميزانية التقليدية إلى ميزانية حديثة هي الحرب العالمية الثانية، نظرا لعجز الخواص عن إعمار ما دمرته الحرب، مما أجبر الدولة على التدخل في الحياة الاقتصادية، فأصبحت تعطى أهمية قصوى للتوازن الاقتصادي الشامل، الذي يمكن أن يعبر عنه بالمعادلة التالية[31]:
الناتج القومي الإجمالي + الواردات = الاستهلاكات العمومية والخصوصية + الادخار + الصادرات.
نظرية التوازن في التشريع المغربي:
ينص الفصل 77 من الدستور من المغربي ل 2011 على أنه :” يسهر البرلمان والحكومة على الحفاظ على توازن مالية الدولة. وللحكومة أن ترفض، بعد بيان الأسباب، المقترحات والتعديلات التي يتقدم بها أعضاء البرلمان، إذا كان قبولها يؤدي بالنسبة لقانون المالية إلى تخفيض الموارد العمومية، أو إلى إحداث تكليف عمومي، أو الزيادة في تكليف موجود.”، يظهر من خلال النص أن مسؤولية تحقيق التوازن أوكلها المشرع بصفة مشتركة – للبرلمان والحكومة، لكن مضامين النص تؤكد عمليا أن السلطة التنفيذية هي التي تستأثر بمهمة تحقيق هذا التوازن، نظرا لعجز البرلمان على تخفيض الموارد العمومية والزيادة في التكاليف العمومية. ويبرر مناصرو هذا الاتجاه، على أن الحكومة هي الجهة الوحيدة التي يمكنها ضبط خبايا التوازن، لأنها أكثر التصاقا بالحاجات العامة، وذات معرفة واسعة بنقط ضعف وقوة المالية العمومية.
وعلى مستوى التنظيم المالي، فمبدأ التوازن أشارت إليه المادة الأولى من القانون التنظيمي للمالية، حيث أكدت على أنه:” يحدد قانون المالية، بالنسبة لكل سنة مالية، طبيعة ومبلغ وتخصيص مجموع موارد وتكاليف الدولة وكذا التوازن الميزانياتي والمالي الناتج عنها. وتراعى في ذلك الظرفية الاقتصادية والاجتماعية عند إعداد قانون المالية وكذا أهداف ونتائج البرامج التي حددها هذا القانون.” ومن خلال النص يظهر بأن المشرع أصبح يعتمد التوازن الميزانياتي والمالي، عوض التوازن الاقتصادي والمالي التي كان ينص عليهما القانون السابق رقم 98 7، لذلك فالأهمية أصبحت تعطى أكثر للتوازن المالي، وحسب رأينا فالظرفية التي وضع فيها هذا القانون تترجم هذا التوجه، حيث إن المالية العمومية تعيش على إيقاع الأزمة المالية العالمية، والزيادة المضطردة للمديونية الخارجية، وصعوبة الحصول على مصادر التمويل، وتأثر الاقتصاد المغربي بالانتكاسات التي تعرفها الاقتصاديات العالمية، خصوصا أوروبا، لذ فالمشرع قنن السند القانوني الذي يعطي له الحق في نهج سياسة التقشف المالي، وذلك بالاعتماد على المادة الأولى والمادة 20، هذه الأخيرة التي تعطي صلاحيات كبيرة للحكومة في تجاوز العجز الميزانياتي والحفاظ على توازن الميزانية، وذلك حينما نصت على أنه:” لأجل الحفاظ على توازن مالية الدولة المنصوص عليه في الفصل 77 من الدستور، لا يمكن أن تتجاوز حصيلة الاقتراضات مجموع نفقات الاستثمار وسداد أصول الدين برسم السنة المالية. ويمكن للحكومة القيام العمليات الضرورية لتغطية حاجات الخزينة.”، ليتضح أن السلطات المالية لها طرق شتى لتغطية العجز، ولو على حساب التوازنات الاقتصادية والاجتماعية، فعبارة ” القيام بالعمليات الضرورية ” جاءت واسعة وغير محددة، فهي شيك على بياض في يد الحكومة، يخول لها القيام بجميع التدابير بكل حرية، وبعيدا عن مراقبة البرلمان. علما بأن المشرع أعطى للسلطات المالية وسائل متعددة لتحقيق التوازن المالي، وذلك حسب المادة 36 من القانون التنظيمي كالإذن في استخلاص المداخيل العامة واصدار الاقتراضات، والأحكام المتعلقة بالموارد العمومية التي يمكن أن ينص قانون المالية على إحداثها أو تغييرها أو حذفها، والأحكام المتعلقة بتكاليف الدولة ومرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة والحسابات الخصوصية للخزينة… ليظهر بأن للحكومة جميع الامكانيات لإحكام قبضتها على المالية العمومية وتوازناتها، التي تسير وفق سياسة الحكومة ومخططاتها، وحسب الظرفية المطبقة فيها.
وتجدر الإشارة إلى أن النص الجديد جاء مشابها للقانون المالية التنظيمي المؤسس بظهير 18 شتنبر 1972 الذي كان يؤكد على التوازن المالي: “تحدد قوانين المالية نوع ومبلغ وتخصيص موارد وتكاليف الدولة باعتبار توازن مالي تحدده هذه القوانين”، لكن فالتوازن المالي، وكما ذكرنا سابقا لا يتلاءم والواقع الاقتصادي والاجتماعي الذي ما زال يشكو من العديد من المشاكل (بطالة حاملي الشواهد، وبنية تحتية هشة، وغلاء المعيشة) وتعتبر فياضانات كلميم لسنة 2014، وقبلها فيضانات سطات وبرشيد والمحمدية، لخير دليل على أن إشكالية المغرب النافع وغير النافع ما زالت حاضرة، وتشكل إحدى نقط الضعف في تسيير الشأن العام، لذا فالتغيير يجب أن ينتقل من مستوى النصوص إلى مستوى الواقع، فتحقيق التوافق بين متناقضين أي التوازن المالي والتوازن الاقتصادي، هو الكفيل بحل جميع المشاكل التي تشكو منها المالية العمومية، وبالتالي يمكن حل المشكلات الكبرى التي يعرفها الواقع المغرب (تصحيح البنية التحتية، ومحاربة السكن غير اللائق، والقضاء على البطالة، وتحقيق التعليم المثمر…)، رغم أن هذه المسألة تبقى في غاية من الصعوبة، لأن التوازن المالي هدفه الأساسي تسديد خدمة الدين العمومي، خصوصا المديونية الخارجية وتوفير نفقات التسيير…أما التوازن الاقتصادي فيهدف إلى تصحيح البنية التحتية وبناء الموانئ والمطارات وتشييد المصانع وتشجيع التصدير، وكل هذه المسائل تتطلب أموالا باهظة، والقيادي أو المتخذ القرار المناسب في الزمكان المناسب هو الذي يمكنه أن يحقق التوازن بينهما، فتفعيل القاعدة القانونية، ووجود رغبة سياسية، وتمتين طرق الرقابة على المال العام، هي الوسائل الكفيلة بتحقيق هذا المبتغى.
خاتمة:
منذ أن وضع منظرو المالية الكلاسيكية مبادئ الميزانية، وهي تعرف التغييرات والتعديلات، مرورا بتلك التي طرأت عليها بفعل النظرية الكترية إلى الان. فكما هو معروف فالتطورات الاقتصادية والاجتماعية التي عرفتها البشرية، أثرت كثيرا وبقوة على الفكر المالي وعلى أساليب تدبير الشأن العام، مما أصبح يتطلب معه تبني مناهج واليات مرنة أكثر قدرة على ضبط المال العام، وحفظه من التبذير والاختلاسات، وجعله في خدمة الصالح العام وأكثر فعالية، لأن هذا هو الهدف الذي وضعت من أجله مبادئ الميزانية، لكن يظهر أنه رغم وجود هذه المبادئ والتطورات التي لحقت بها، فمازال المال العام يشكو من التبذير والإتلاف بسبب جشع الساهرين على خزائن الأرض، خصوصا في الدول النامية، فرغم التعديلات المتتالية التي تعرفها المنظومة المالية، إلا أن الفضائح المالية مازالت في تزايد، بفعل سهولة التحايل على القواعد التي تنظم جباية وتحصيل المال العام وتنفيذه، فللأسف أن القاعدة القانونية يضعها بنو ادم، وهو الذي يتحايل عليها ويعدلها من جديد، كأن الأمر يتعلق فقط بالتشريع، ونهاية صلاحيته، وتعديله من جديد، دون إيجاد حل فك شفرة أساليب التدبير المالي الجيد، لنطرح السؤال التالي: هل يكفي استيراد القوانين وتعديل الترسانة القانونية لحل أزمة تدبير المال العمومي؟ فالأمر لا يتعلق بمنظومة القانون التي أضنتها التعديلات، بل يتعلق بمن أوكل لهم السهر على تطبيق القانون وتنفيذ المال العام، أي هل أن هناك رغبة سياسية في تغيير الوضع وممارسة الوطنية الحقة؟ فمثلا فمبدأ الصدقية الذي تم التنصيص عليه في القانون التنظيمي الجديد، والذي هو من وحي الماليات والاقتصاديات المتقدمة ذات المستويات العالية في تدبير وتصريف الشأن العام، هل يمكن تطبيقه بمعناه الصحيح؟ هل اللاتوازن الذي تعرفه العلاقة ما بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، يخول للبرلمان السهر على تحقيق هذه الصدقية؟ خصوصا في ظل الامتياز الدستوري الذي تتمتع به الحكومة في التحكم في تصريف المال العام . يتضح أنه يمكننا أن نصلح النصوص ونحينها، ولكن تبقى مسألة ترجمتها على مستوى الواقع هي الأشكاليات التي تعوق سبل الإصلاح.
[1] ظهير شريف رقم62 151 صادر في 14 من شعبان 1436 (2يونيو2015)، بتنفيذ القانون التنظيمي رقم 130.13 لقانون المالية، الجريدة الرسمية عدد 6370. فاتح رمضان 1436 (18 يونيو 2015 ).
[2] محمد قطب إبراهيم: “الموازنة العامة للدولة”، م س، ص: 31.
[3] د. منصور عسو: “المالية العامة”، الطبعة الأولى، 1995، ص: 56.
[4] د. حسن عواضه: “المالية العامة”، م س، ص: 106107.
[5] محمد قطب ابراهيم: “الموازنة العامة للدولة”، م س، ص:34.
[6] عبدالنبي اضريف :” المالية العامة: “أسس وقواعد تدبير الميزانية العامة ومراقبتها “، الطبعة الثالثة ،2012، مطبعة ايماليف، ص.7374.
[7] ذ. محمد كريم :” دراسة في القانون : التعديلات الخمسة لمشروع القانون التنظيمي الجديد ” http://www.maghress.com/assabah/52853
[8] القانون التنظيمي للمالية رقم 13.130.
[9] نفس المرجع المشار إليه أعلاه.
[10] ahmedessoussi : « finances publiques ».Editions Latrach,2013,p.8283.
[11] L’article 27 de la loi organique du 1er Août 2001 relative aux lois de finances.
[12] Idem.
[13] « L’organisme des pouvoirs public » http:// http://www.melchiorfrlanuceritébudgetaires.7569.0.html. p1.
[14] Idem
[15] ظهير شريف رقم 91111 صادر في 27 من شعبان 1432 (29 يوليوز 2011) بتنفيذ نص الدستور في الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر بتاريخ 30 يوليوز 2011، ص 3600.
[16] ذ. عبد النبي اضريف :”حق الوصول إلى المعلومة من رهانات المجتمع المدني بعد دستور 2011″، يوم دراسي نظمه فريق البحث الحياة الدستورية والسياسية بالمغرب بتعاون مع مجلة حوارات برحاب كلية الحقوق –سلا يوم 08 ماي 2013. وانظر كذلك، ذ. عبد النبي اضريف : ” قراءة في مشروع قانون الحق في الحصول على المعلومة “، يوم دراسي نظمه فريق البحث تقييم السياسات العمومية حول موضوع : ” مشروع قانون الحق في الحصول على المعلومة: بين مضامين الفصل 27 من الدستور ورهان الديمقراطية التشاركية ” كلية الحقوق–سلا، الأربعاء12يونيو 2013.
[17] في أوائل السبعينات عرفت الإكواتور أكثر من 700 كانت تمتص 65% من مجموع النفقات العامة للبلاد.
[18] للمزيد من المعلومات حول الجدل السياسي الذي أثارته سياسة الخوصصة بالمغرب أنظر أطروحتنا: د. عبد النبي اضريف: “الخوصصة بالمغرب: إصلاحات حصيلة ورهانات” أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام – شعبة العلوم السياسية وحدة التكوين والبحث: المالية العامة. جامعة الحسن الثاني، كلية الحقوق الدار البيضاء، السنة الجامعية، 1999 2000.
[19] للمزيد من التفاصيل حول الحسابات الخصوصية للخزينة انظر الاستثناءات الواردة على مبدأ السنوية.
[20] د. أعاد حمود القيسي: “المالية العامة والتشريع الضريبي”، م س.
[21] د. حسن عواضه: “المالية العامة: م س.
[22] للمزيد من المعلومات حول سياسة الخوصصة بالمغرب انظر أطروحتنا للدكتوراه: د.عبد النبي اضريف: “الخوصصة بالمغرب إصلاحات حصيلة ورهانات”، م س.
[23] د. عادل أحمد حشيش: “أصول المالية العامة” م س، ص:324325.
[24] د. عدنان عمرو: “المالية العامة، دراسة مقارنة” مطبوع كلية الحقوق الرباط 19931994، ص: 40. عن: د. منصور عسو: “المالية العامة”، الطبعة الأولى 1995، ص: 70.
[25] د. حميدي الصباخي: “دراسات في الاقتصاد العام. نظرية المالية العامة والسياسة المالية” دار النشر المغربية 1982 ص 23 وما بعدها عن د. منصور عسو: “المالية العامة” م س، ص: 70.
[26] د. حسن عواضه : “المالية العامة” م س، ص: 5758.
[27] د.مصطفى أبو علي: محاضرات في المالية العامة ملقاة في كلية الحقوق الدار البيضاء. السنة الجامعية 1993 1994، غير منشورة.
[28] د. مصطفى أبو علي: م س.
[29] د. محمد قطب إبراهيم: “الموازنة العامة للدولة”، م س، ص: 6667.
[30] د. رفعت المحجوب: “المالية العامة”، م س، ص: 44 45.
[31] د. مصطفى أبو علي: م س.