– دراسة مقارنة –
طه لحميداني
باحث في العلوم السياسية
بجامعة محمد الخامس السويسي.
ترى المدرسة الألمانية، التي تعرضت لهذا الحق، أن دائرة الحياة الخاصة تشمل في آن معاً “الدائرة الفردية” التي تحمي خصوصية كل إنسان في العالم (الكرامة والاسم والشرف)؛ و”دائرة المودة” التي تعطي خصوصية المعطيات المتعلقة بالحياة السرية؛ ثم “دائرة الخصوصية” التي تتناول كل ما يتعلق بالحياة الفردية، لكل إنسان والتي لا يمكن ملاحظتها إلا من قبل الذين يعرفونها شخصياً (المظاهر الجسدية، الحياة غير العامة، وإبراز الطباع) ([1]).
ويظل الحق في الحياة الخاصة، حقاً أساسياً تحميه المادة 17 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية بنصها على أنه: “1- لا يجوز تعريض أي شخص، على نحو تعسفي أو غير قانوني، لتدخل في خصوصياته، وشؤون أسرته أو بيئته أو مراسلاته، ولا لأي حملات غير قانونية تمس شرفه أو سمعته 3- من حق كل شخص أي يحميه القانون من مثل هذا التدخل والمساس”، كما تحميه المادة الثامنة من الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان التي تنص في فقرتها الأولى على أن كل إنسان حق احترام حياته الخاصة والعائلية ومسكنه ومراسلاته”.
وتأسيسا عليه، فإن الحق في الحياة الخاصة يشمل حرية المسكن، والحق في السرية، والحق في حياة عائلية طبيعية.
أولاً: حرية المسكن:
أولى الإسلام للمنزل حماية خاصة وأعطاه طابعاً مقدساً بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) (سورة النور، الآيتان 27 و28).
في بريطانيا أقرت حرمة المنزل قبل القرن الثامن عشر، وتأكدت في فرنسا في نهاية هذا القرن وتحديداً بعد صدور مرسوم بذلك في 19 – 22- تموز 1791، وفي لبنان تؤكد المادة 14 من الدستور اللبناني الصادر في 23 أيار 1926 على أن: “للمنزل حرمة ولا يسوغ لأحد الدخول إليه إلا في الأحوال والطرق المبنية في القانون” ([2]).
من ناحية عملية ومحسوسة، تغطي حرية المسكن ثلاثة حقوق مميزة يتمم بعضها البعض الآخر، وهي: الحق باختيار المنزل، الحق باستعمال المنزل وحرمة المنزل.
- الحق بانتقاء المنزل:
المبدأ هو أن كل إنسان الحق في اختيار مسكنه وفي تغيير مكانه إلى حيث يريد في أي وقت يريد، كما له الحق في عدم اختيار مسكن ثابت على الإطلاق كحالة “التشرد” (La vagabondage volontaire) التي كانت تعتبر جنحة في القانون الجنائي الفرنسي لم تعد، وبالتالي أصبحت حقاً للإنسان.
هذا المبدأ في اختيار المنزل – عموماً – قد يخضع لاستثناءات تتعلق ببعض فئات الناس يفرض القانون تحديد محل إقامتهم حفاظاً على النظام العام والمصلحة العامة، كالأولاد القاصرين الخاضعين لولاية رب الأسرة، والزوجة الملزمة بمساكنة زوجها في المنزل الشرعي الذي يختاره، وخدم المنازل بغرض وجودهم في أماكن عملهم عندما تتطلب شروط العقد ذلك، والمحجوز عليهم لعلتي العته والجنون، والموظفين الذين تستلزم واجباتهم الوظيفية إقامتهم في أماكن قريبة من مراكز عملهم، والمحكوم عليهم بعقوبات جنائية أو جناحية، ولللاجئين السياسيين الذين تقيد شروط إقامتهم في أماكن معينة، وكذلك الأشخاص الذين يقومون بأعمال تشكل خطراً على أمن الدولة عند إعلان حالة الطوارئ والظروف الاستثنائية (إلخ) ([3]).
- الحق باستعمال المنزل:
لكل إنسان الحق في استعمال منزله والتمتع داخله بحياته الخاصة كيفما يشاء، وبالشكل الذي يناسبه، دون تدخل من جانب السلطات العامة أو من قبل الآخرين، شرط احترام حقوق الجيران ومتطلبات النظام العام.
ويفترض حق الإنسان باستعمال منزله مراعاة شروط حيازة المنزل وإشغاله له، فإذا كان مالكاً له، يقع عليه التقييد بحدود أنظمة الملكية والبناء كأن لا يزيد على منزله أقساماً إلا ضمن ما تسمح به القوانين، وإذا كان مستأجراً، عليه مراعاة قانون الإيجار والالتزام بأحكامه، ولا يستطيع القيام بتغيير وجهة استعمال المأجور دون موافقة قانونية وصريحة من قبل المالك.
وإذا كان رجال الشرطة لا يتمتعون – بشكل عام – بسلطة منع التصرفات والأعمال التي يقوم بها الإنسان داخل منزله طالما أنها تبقى داخل حرمه، فإن هذه السلطة تتحقق إذا ما كان لهذه الأعمال انعكاسات على النظام العام في الخارج، ومن هذه الأعمال ما يعتبر من نوع الجرائم التي يعاقب عليها القانون.
- حرمة المنزل:
للمنزل حماية في مواجهة أي انتهاك له، تعرف باسم حرمة المسكن. ولقد كانت إنجلترا السباقة في معرفة مبدأ حرمة المنزل منذ زمن طويل في حين أن فرنسا لم تحترم هذا المبدأ في ظل “النظام القديم” ولقد حدد اللورد “Chathan” هذا المبدأ قائلاً أن “الإنسان الفقير جداً يتحدى في بيته الريفي كل قوات العرش، وكوخه المصنوع من القش يمكن أن يكون سريع العطب جداً، وسطحه يمكن أن يهتز، والريح يمكن أن تلعب بين أبوابه المفككة، والعاصفة يمكن أن تدخل إليه، إلا أن ملك إنجلترا لا يمكنه أن يدخله” ([4]).
وتكرس المواثيق الدولية والإقليمية (المادة 17 من العهد الدولي للحقوق المدنية السياسية والمادة 8 من الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان) كما تكرسها الدساتير (المادة 13 من الدستور الألماني، المادة 4 من الدستور الإيطالي، المادة 24 من الدستور المغربي ([5]).
ثانياً: الحق في السرية:
يميز الأستاذ “جاك روبير” بين وجهين لحق الإنسان في السرية بمعناها الضيق، “أي سرية خصوصيات الإنسان التي يتركها الفرد لنفسه وعائلته”، وهما: “الحق في سرية الوجود Le droit du secret de l’étre”، “والحق في سرية الملك Le droit du secret de l’avoir”([6]).
يتمثل الحق الأول العائد لكل فرد بعدم التقاط أو إفشاء صورته أو صوته وكل المعلومات المتعلقة بحياته الخاصة. وهذا الحق هو محمي عموماً في المغرب، إذ يعاقب القانون الجنائي بشدة انتهاك الحياة الخاصة، وإفشائها. ومدنيا يمكن للشخص الذي يكون ضحية انتهاك “لحق سرية الوجود” أن يطالب بتعويضات عن الضرر الحاصل.
أما “الحق في سرية الملكية”، فهو لا ينطوي على حماية كبيرة في المغرب، وحتى في فرنسا ([7]).
وبالمعنى الواسع، يشمل الحق في السرية: الحق في سرية المراسلات والحق في الحماية من تجاوز الملفات الأسمية الممكنة.
- الحق في سرية المراسلات:
الحق في سرية أو حرمة المراسلات هو حق الشخص بتبادل الأفكار والأحاسيس والمشاعر سرياً مع الآخرين من خلال وسائل الاتصال. وعمليا ينطبق هذا الحق على المراسلات البريدية والمكالمات الهاتفية.
- المراسلات البريدية:
بما أن محتوى الرسالة البريدية يشكل جزءاً من الذمة المالية لمرسلها وللمرسلة إليه، فإن أي تعد عليها بفتحها والاطلاع عليها يشكل تعدياً على حرية انتقال الأفكار؛ وبالتالي على الحرية الفكرية وحق الملكية. ولهذا السبب، يتم الاعتراف حالياً بمبدأ قانونية حرمة المراسلات دولياً ووطنياً.
تؤكد المادة 12 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان – التي تقابلها المادة 17 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 والمادة 8 من الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان – أنه “لا يجوز تعريض أحد لتدخل تعسفي في حياته الخاصة أو في شؤون أسرته أو مسكنه أو مراسلاته، ولا لحملات تمس شرفه وسمعته. ولكن شخص حق في أن يحميه القانون من مثل ذلك التدخل أو تلك الحملات”.
- التنصت على المكالمات الهاتفية:
تتصل المكالمات الهاتفية بشكل وثيق بالحياة الشخصية للفرد، خاصة بعد استعمالها اليومي لدى غالبية الناس وشمولها مختلف ميادين الحياة، وبالتالي فهي تحظى بحصانة مماثلة للمراسلات البريدية.
في فرنسا تختلف الأحكام القانونية التي تنظم التنصت على المكالمات الهاتفية تبعاً للممارسة من قبل الأفراد أو الإدارة أو بناء على قرار قضائي ([8]).
- الحق في الحماية من تجاوز الملفات الإسمية الممكنة:
بموجب التعريف الرسمي لها في فرنسا، المعلوماتية ([9]) هي: “علم المعالجة العقلانية – لا سيما بواسطة الآلات الأوتوماتيكية -، للمعلومات التي تعتبر مرتكزاً للمعارف الإنسانية ولوسائل الاتصال في المجال التقني والاقتصادي والاجتماعي”.
ترتدي المعلوماتية أهمية كبيرة في ميدان العلوم والإدارة. ولقد غيرت بشكل عميق في شروط ممارسة السلطة السياسية، وخصوصًا في آلية اتخاذ القرار. الأمر الذي أثار في فرنسا إنشاء “اللجنة الوطنية للمعلوماتية والحريات Commission Nationale de L’informatique et des Libertés CNCIS” ([10])، التي تتولى السهر على تطبيق قانون 6 يناير 1978 المتعلق بالمعلوماتية والملفات والحريات، بغية حماية الحياة الخاصة والحريات الفردية والعامة من مخاطر المعلوماتية ([11]).
يكمن الهدف من هذه الحماية المقررة في قانون 1978 في مواجهو مخاطر المعلوماتية على الحريات في أمور منها: التعارض بين الذاكرة الأسطوانية للملفات وبين حق الأفراد في النسيان والصمت؛ وكذا الاحتفاظ بأخطاء غير معروفة على الأشخاص المعنيين، والانتقال السهل للملفات كلها (عبر النسخ الآلي) إلى أشخاص مغايرين عن الأشخاص الذين أعطاهم المعنيون المعلومات طوعاً؛ وتجميع المعلومات التي – وإن كانت كل معلومة واحدة وبذاتها تعتبر “تفاهة” – يمكن أن تقدم صورة مفصلة عن وضع كل شخص. وبالإجمال، يشكل تعميم استعمال المعلوماتية وتعدد الإمكانيات في تسجيل وتخزين المعطيات والمعلومات عاملاً خطيراً على الحريات بسبب السهولة الكبيرة في تكوين ملف دقيق حول نشاط الأشخاص ([12]).
ثالثاً: الحق في حياة عائلية طبيعية:
تستعيد المادة 23 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية نص المادة 16 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وتنص على أن: “1- العائلة هي الوحدة الاجتماعية الطبيعية والأساسية في المجتمع، ولها حق التمتع بحماية المجتمع والدولة 2- يكون للرجل والمرأة، ابتداء من بلوغ سن الزواج حق معترف به من التزوج وتأسيس أسرة 3- لا ينعقد أي زواج إلا برضى الطرفين المزمع زواجهما رضاء كاملاً لا إكراه فيه 4- تتخذ الدول الأطراف في هذا العهد التدابير المناسبة لكفالة تساوي حقوق الزوجين وواجباتهما لدى التزوج وخلال قيام الزواج ولدى انحلاله. وفي حالة الانحلال يتوجب اتخاذ تدابير لكفالة الحماية الضرورية للأولاد في حالة وجودهم”.
في المغرب، ورد هذا الحق تلميحاً في الفصل 32 من الدستور، ([13]) واعتبره مجلس الدولة الفرنسي مبدءاً قانونياً عاماً ورفعة المجلس الدستوري في قراره الصادر في 3 شتنبر 1986 (Entrée et Séjour Des Etrangers) إلى مرتبة “الحق ذو القيمة الدستورية”.
في الواقع، ليس الحق في حياة عائلية طبيعية مبسطاً، فهو يشمل عموماً ثلاث مكونات: الحق في تكوين أسرة، الحق في العيش في إطار أسرة، والحق في احترام مودة الحياة العائلية.
ينطوي الحق الأول على الحق في الزواج لكل الذكور والإناث البالغين ثمانية عشرة سنة، لكن بإمكان الإناث القاصرات الزواج استناداً لبعض الاستثناءات والشروط الواردة في مدونة الأسرة ([14]).
في فرنسا يشترط على القاصرين الحصول على موافقة آبائهن وأمهاتهن (المادة 144 من القانون المدني). وتشير المادة 47 من هذا القانون إلى أنه “لا يمكن عقد زواج ثان إلا عند حل الزواج الأول” مستبعدة بذلك على الفرنسيين تعدد الزوجات، في حين لا تمنع الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان تعدد الزوجات صراحة. وبخصوص تكوين الأسرة عن طرق أخرى غير الزواج، كالمعاشرة أو “الاتحاد الحر Concubinage Ou Union Libre”، أكدت المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان في قرارها الشهير (Marck x) لعام 1979 أن المادة 8 من الاتفاقية المذكورة تلزم الدول العمل بطريقة تسمح لكل فرد، متزوجاً كان أو غير متزوج، بالعيش في إطار حياة عائلية طبيعية.
[1] (voir): Robert (Jack), “Libertés Publiques” Ed. Montchrestien, Paris, 2éme edition, 1977, pp 265 – 266.
- Rivero (J), “Les Libertés Publiquss, Trad 2, Le Régime des Principales Libertés”, PUF Thémis, Paris, 3éme edition, 1989, pp 73 – 75.
[2] وإن كانت المواثيق الدولية والنصوص الوطنية لم تضع تعريفاً محدداً للمنزل. لكن يمكن القول أن المنزل هو مسكن الإنسان وعائلته, وتتخطى “محكمة التمييز” الفرنسية الوصف المادي للمنزل لتعطيه منحى إنسانياً، فهو “ليس فقط المكان الرئيسي لإقامة الإنسان، ولكنه أيضاً المكان الذي يحق له أن يقول فيه أنه مع نفسه أو لدى نفسه، سواء سكنه أم وبأي صفة قانونية وجد فيه والاستعمال الذي أعطاه إياه”. وتبعاً لهذا التعريف، يستقل مفهوم المنزل عن الملكية، فالمنزل ينطوي على فكرة السكن، ولكنه لا يتطلب السكن الدائم والمستمر شريطة النية بالسكن، ويؤخذ مفهوم السكن بالمعنى الواسع شاملاً ليس فقط الغرفة التي نام فيها ولا الغرف التي يعيش فيها، وإنما كل توابع المنزل من ملعب وحديقة ومرآب متصلة بالسكن وتقع الأفراد، ولكن أيضاً – تبعاً لاجتهاد مجلس الدولة الفرنسي – على الدور الثانوية لسكنهم وعلى مراكب النزهة العائدة إليهم وعلى مركبات النقل المسكونة.
[3] أحمد سليم سعيفان، “الحريات العامة وحقوق الإنسان (دراسة تاريخية وفلسفية وسياسية وقانونية مقارنة)، الجزء الثاني: النظام القانوني للحريات العامة في القانون المقارن”، منشورات الحلبي الحقوقية، الطبعة الأولى 2010، ص 53.
[4] Colliard (C- A)، “Libertés Publique”، Précis Dalloz، Paris، 5éme édition، 1980، p 312.
[5] أحاط المشرع المغربي، أسوة بغيره من التشريعات المقارنة، مسكن الإنسان بمجموعة من الضمانات حفاظاً على حرمته، بل إنه رفع القواعد المتعلقة بحرمة المسكن إلى مصاف القواعد الدستورية كما ورد في المادة العاشرة من الدستور: “المنزل لا تنتهك حرمته، ولا تفتيش ولا تحقيق إلا طبق الشروط والإجراءات المنصوص عليها في القانون”.
لذلك فالمسكن كقاعدة عامة له حرمته التي لا يجب أن تنتهك، إلا أنه في حالة ارتكاب جريمة فإن إجراءات البحث والتحري قد تستدعي القيام بعملية البحث والتفتيش والمعاينة والحجز، لكن لا ينبغي اقتحام المساكن إلا وفق الشروط والإجراءات المنصوص عليها في القانون.
وهكذا نص قانون المسطرة الجنائية على قواعد خاصة فيما يتعلق بتفتيش المساكن يتسع نطاقها أو يضيق بحسب ما إذا كانت الجريمة متلبساً بها أم لا.
ففي حالة التلبس بالجريمة يتخذ التفتيش طابعاً قسرياً يستبعد شرط رضا الأشخاص على خلاف الحالة العادية.
ولكن ورغم ذلك وحتى في حالة التلبس قيد إجراء التفتيش في المواد 59 و60 و62 بالشروط التالية:
- لا يقوم بالتفتيش إلا ضابط الشرطة القضائية أو قاضي التحقيق أو الوكيل العام للملك أو وكيل الملك.
- ينبغي أن يتم التفتيش بحضور صاحب المنزل أو من يمثله، وإذا كان غائباً أو فارا فإن التفتيش يتم بحضور شاهدين من الأشخاص الخاضعين لسلطة ضابط الشرطة القضائية.
- ينبغي أن يتم التفتيش بين الساعة السادسة صباحاً والتاسعة ليلاً.
- ينبغي تفتيش النساء في الأماكن التي يوجدن بها من طرف امرأة ينتدبها ضابط الشرطة القضائية.
- يجب على ضابط الشرطة القضائية أن يتخذ كل الإجراءات قصد المحافظة على السر المهني، وفي حالة تفتيش أماكن معدة للاستعمال المهني كعيادات الأطباء مثلاً يتعين على ضابط الشرطة القضائية إشعار النيابة العامة.
وبالنسبة لتفتيش مكاتب المحامين فلا يقوم بذلك إلا قاض من النيابة العامة بمحضر نقيب هيئة المحامين أو من ينوب عنه أو بعد إشعاره بأي وسيلة من الوسائل.
أما إذا كانت الجريمة غير متلبس بها فإن المشرع قد أضاف إلى الشروط السابقة شرطاً آخر وهو حصول ضابط الشرطة القضائية على موافقة صريحة من الشخص الذي يجري التفتيش في منزله، وتكون هذه الموافقة بتصريح مكتوب بخط يد المعني بالأمر، وإذا كان لا يعرف الكتابة يشار إلى ذلك في المحضر كما يشار إلى قبوله، ويستثنى من ذلك الجريمة الإرهابية التي يحق معها لضابط الشرطة القضائية القيام بالتفتيش رغم امتناع الشخص الذي يجري التفتيش في منزله، أو تعذر الحصول على موافقته وذلك بعد الحصول على إذن كتابي من النيابة العامة، ويتم التفتيش بحضور المعنى بالأمر أو بحضور شخصين من غير الأشخاص الخاضعين لسلطة ضابط الشرطة القضائية الإدارية إذا امتنع صاحب المنزل وتعذر حضوره.
وقد نص المشرع في المادة 631 من قانون المسطرة الجنائية على بطلان إجراءات التفتيش التي تتم خرقاً للشروط السابقة.
وختاماً فإن المسكن له حرمته التي لا ينبغي أن تنتهك ولذلك فهو محصن من كل تفتيش أو أي إجراء آخر يمس بهذه الحرمة إلا في الحالات المنصوص عليها في القانون وطبق الشروط والإجراءات التي كرسها مشرع المسطرة الجنائية.
وعليه فإن كل تفتيش تم خرقاً للإجراءات والشروط المنصوص عليها أعلاه يعتبر باطلاً ويعرض القائم به للمتابعة بجريمة انتهاك حرمة مسكن المنصوص عليها في الفصل 230 من القانون الجنائي المغربي. (راجع):
- الحبيب بيهي، “شرح قانون المسطرة الجنائية الجديد”، الجزء الأول، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة أعمال ومؤلفات جامعية، العدد 56، 2004، ص 89 وما بعدها.
- محمد أحداف، “شرح قانون المسطرة الجنائية الجديد”، مطبعة سجلماسة، مكناس، الطبعة الثانية 2010، ص 65 وما بعدها.
- فرح القاسمي، “حالة التلبس وحماية الحريات الفردية للمشتبه به”، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، جامعة القاضي عياض، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بمراكش، 2009 – 2010، ص ص 112 – 116.
في فرنسا، تأكدت حرمة المنزل أولاً بموجب مرسوم 19 – 22 تموز 1791، ثم كرست في دساتير 1791 (الباب الأول) و1793 (المادة 359) و1799 (المادة 76) وفي الصك الإضافي لدساتير الإمبراطورية في 22 نيسان 1815 (المادة 63) وفي ميثاقي عام 1814 (المادة 9) وعام 1830 (المادة 8) وفي دستور 1848 (المادة 3). وإذا كانت الدساتير اللاحقة تجاهلت النص على حرمة المنزل، فإن هذه الحرمة اكتسبت قيمة دستورية بقرار المجلس الدستوري الصادر في 29 كانون الأول 1983، في هذا القرار كرس المجلس الدستوري حرمة المنزل كمبدأ دستوري وذلك تطبيقاً للمادة 66 من الدستور الفرنسي “التي تعهد – كما جاء في الحيثية 28 من القرار – إلى السلطة القضائية حماية الحرية الفردية في جميع أوجهها وبصورة خاصة وجه حرمة المنزل”. (انظر): (perquisitions 1983 décembre 29، DC 164) في:
- Favoureau (L)، Philip (L)، “Les grandes Décisions du Conseil Constitutionel، Ed Daloz، Paris، 8éme édition، p 532 – 533.
- ويشير قانون أصول المحاكمات الجزائية الفرنسي إلى نوعين من التفتيش للمنزل: نوع أول يكون بقرار من قاضي التحقيق في إطار تحقيق قضائي (المادة 92 وما يليها) ويمكن أن يجري التفتيش في منزل الشخص المتهم أو في منزل شخص آخر، ونوع آخر أقل شيوعاً ويقرره ملازم في الضابطة العدلية في حالة الجرم المشهود (المادة 56) أو الجنحة المشهودة التي تنطوي على عقوبة السجن (المادة 67)، يمكن أن يجري التفتيش في منزل كل شخص مشتبه بارتكابه جرمية أو جنحة أو في منزل كل شخص آخر يبدو أنه شارك في الجرم أو يحتفظ بمستندات تتعلق بهذا الجرم. وفي كلا النوعين، يعتبر اكتشافها مفيداً لإظهار الحقيقة، ويجب أن يجري التفتيش بحضور صاحب المنزل، وفي حال تعذر ذلك، بحضور شخص يختاره صاحب المنزل، وإن لم يتحقق ذلك يكون التفتيش بحضور شاهدين من غير التباعين للسلطة الإدارية يختارهم الضابط العدلي المكلف بالعملية، ويقع على صاحب المنزل أو ممثله أو الشاهدين أو يوقعوا على محضر التفتيش المتعلق بالعملية الجارية: أحكام تشكل ضمانة لحرمة المنزل، لأنها تمتع الشرطة من إجراء تفتيشات سرية، ناهيك عن منع التفتيشات الليلية في الفترة بين الساعة التاسعة مساء والسادسة صباحاً (المادة 59)، إلا أنه توجد استثناءات تتعلق بالتفتيشات الهادفة إلى الكشف عن “القوادة” أو عن حيازة وصناعة المخدرات، ويستفيد أعضاء بعض المهن منن ضمانات إضافية بهدف حماية أسرارهم المهنية، فالتفتيشات التي تجري في أماكن وجود المحامين والأطباء وكتاب العدل لا تقرر إلا من قبل قاض وليس من قبل ضابط عديل، وبحضور ممثل عن نقابة المهنة المعنية (المادة 1 – 56). (راجع):
- Favoureau (L)، Philip (L)، Op Cit، p 534 et s.
[6] (voir):- Robert (Jack)، “Libertés Publique” Ed. Montchrestion، Paris، 2éme édition، 1977، p 267 et s.
- Leberton (G)، “Libertés Publiques et Droit de L’homme”، Ed A. Colin، Paris، 4éme ed، 1999، pp 289 – 281.
[7] الاجتهاد الفرنسي في بدايته يقر بأن الموارد المالية والذمة المالية للفرد ولعائلته تشكل جزءاً من المجال المحفوظ للحياة الخاصة. وبالتالي عاقب القانون على كشفها من قبل الصحافة، لكن في عام 1978 أقر الاجتهاد (قرار محكمة استئناف باريس في 15 كانون الثاني 1987) نسبية هذا الحق وسمح من الآن فصاعدا للصحافة بإمكانية الكشف عن الموارد المالية وعن الذمة المالية للفرد شريطة أن يكتب المقال صحفي محترف، وأن تكون المعلومات مستقاة بطريقة شرعية، وينشر المقال دون إحداث ضوضاء أو بلبلة. والمجلس الدستوري الفرنسي رفض وبوضوح في قراره الصادر عام 1983 حول “التدقيقات الضريبية”، الاعتراف بالقيمة الدستورية “لحق السرية في الملكية”، وبالنتيجة أقر صحة القوانين التي تستبعده.
[8] فيما يتعلق بالتنصت الذي يمارسه الأفراد، فهو غير قانوني، والمادة 226 – 15 من القانون الجنائي الفرنسي الجديد تعاقب الفاعل بالحبس لمدة سنة وبالغرامة المالية.
أما التنصت الإداري، أي الذي تقرره الإدارة، ويحدد قانون 10 يوليوز 1991 أربعة شروط مجتمعة تسمح للسلطة بالتنصت الإداري. وهي: صدور قرار خطي ومسبب بالموافقة على التنصت الإداري، من قبل الوزير الأول “أو من قبل شخص من الشخصين المفوضين من قبله”، وذلك بناء على اقتراح خطي ومسبب لوزير الدفاع ولوزير الداخلية وللوزير الذي يتولى شؤون الجمارك، أن يكون الموضوع الوحيد للتنصت الحصول على معلومات تتعلق بالأمن الوطني وحماية العناصر الأساسية لمقدرات العلمية والاقتصادية لفرنسا، أو تدارك الإرهاب والإجرام المنظمين، يوضع تحت رقابة الوزير الأول بيان يدون فيه كل تسجيل للتنصت، ثم بتلف في مهلة عشرة أيام من تاريخ وضعه، مع إمكانية الاحتفاظ فقط بالمعلومات المتعلقة بالمواضيع الواردة في الشرط الثاني، خضوع مسألة التنصت كلها لرقابة هيئة إدارية مستقلة هي “اللجنة الوطنية للرقابة على التنصتات الأمنية “Commission Nationale Des Interceptions CNCIS”.
أما التنصت بناء على قرار قضائي، فجاء قانون 10 يوليوز 1991 ليحدد – بالإضافة إلى تنظيم التنصت الإداري – النظام القانوني للتنصت الذي تطلبه السلطة القضائية (من المادة 100 إلى المادة 7 – 100 من قانون أصول المحاكمات الجزائية): أحكام تحدد عملية التنصت القضائي في ظل أصول شروط محددة بوضوح، من الآن فصاعداً ليس بإمكان قاضي التحقيق إجازه التنصت ونسخ وتسجيل المكالمات الجارية عبر وسائل الاتصال إلا في المواضيع المتعلقة بالجرائم والجنح التي تكون عقوبتها سنتين سجن فأكثر، ويجب أن يكون القرار الذي يجيز التنصت خطياً ومسبباً وأن يحدد مدة التنصت لفترة أربعة أشهر كحد أقصى قابلة لتجديد، وجميع أعمال التنصت والنسخ والتسجيل يجب أن تشكل موضوعاً لمحضر يضعه قاضي التحقيق والضابط العدلي. كما يجب ختم التسجيلات بالشمع الأحمر، ثم إتلافها بعد انتهاء مهلة تقادم النشاط العام. (راجع):
- Leberton (G)، “Libertés Publiques et Droit de L’homme”، Op Cit، pp 296 – 293.
[9] أحمد سعيفان، “قاموس المصطلحات السياسية والدستورية والدولية عربي – إنجليزي – فرنسي”، مرجع سابق، ص ص 340 – 341.
[10] Leberton (G)، “Libertés Publiques et Droit de L’homme”، Op Cit، pp 297 – 300.
[11] اللجنة المذكورة هي هيئة إدارية مستقلة تتكون سبعة عشر عضواً ليسوا أعضاء في الحكومة، من بينهم اثنا عشر عضواً من البرلمانيين وكبار القضاة تنتخبهم المجالس التي ينتمون إليها خمسة أعضاء آخرين يتم اختيارهم بداعي اختصاصاهم. مدة ولاية الأعضاء خمس سنوات ولا يمكن لأية سلطة أن تنهي ولا يتهم. و”للجنة الوطنية” ست مهام هي” مهمة الإعلام عن طريق وضع تقرير سنوي عن نشاطها ترفعه إلى رئيس الجمهورية والبرلمان، وكذلك عن طريق لائحة الملفات الإسمية التي تعدها وتضعها في متناول الجمهور، مهمة هيئة استشارية عن طريق تقديم نصائح وآراء للأشخاص الذين يعدون أو يديرون الملفات الأسمية واقتراح إصلاحات تشريعية وتنظيمية، مهمة سلطة تنظيمية محددة عن طريق إعداد “قواعد” يجب احترامها عند وضع الملفات، وأنظمة – نموذجية تكفل أمن المنظومة، مهمة سلطة الترخيص أو رفض الترخيص بوضع الملفات الخطيرة جداً عن طريق إعطاء رأي ملائم، وأيضاً مهمة الرقابة لتأمين احترام حق كل فرد بالولوج إلى المعلومات الخاصة به، مهمة فرض الجزاء بتوجيه إنذارات إلى الذين ينتهكون مبدأ القانونية، وبإمكانها في حالة الظروف الاستثنائية أن تأمر بإتلاف الملفات غير القانونية. (أنظر):
- أحمد سليم سعيفان، “الحريات العامة وحقوق الإنسان (دراسة تاريخية وفلسفية وسياسية وقانونية مقارنة)، الجزء الثاني: النظام القانوني للحريات العامة في القانون المقارن”، مرجع سابق، ص ص 65 – 66.
[12] ولمواجهة هذه المخاطر، يؤكد قانون 1978 على أن “المعلوماتية يجب أن تكون في خدمة كل مواطن”، وأن “لا تعتدي على ذاتية الإنسان أو حقوق الإنسان أو الحياة الخاصة أو الحريات الفردية العامة”. كما يعترف القانون الفرنسي لكل شخص بثلاثة حقوق أساسية هي: حق الولوج إلى المعلومات الإسمية المتعلقة به، الحق بالحصول على تصحيح الأخطاء في حال وجودها، والحق بإلغائها في حالة التعدي على الحياة الخاصة. وتذهب “الاتفاقية الأوربية لحماية الأشخاص في مواجهة المعالجة الأوتوماتيكية للمعطيات الشخصية” المعقودة في إطار مجلس أوروبا في 29 يناير 1981 في نفس الاتجاه، وأنشأت “لجنة استشارية” مهمتها تقديم آراء واقتراحات بهدف تأمين حسن تطبيق الاتفاقية. (راجع):
- أحمد سليم سعيفان، “الحريات العامة وحقوق الإنسان (دراسة تاريخية وفلسفية وسياسية وقانونية مقارنة)، الجزء الثاني: النظام القانوني للحريات العامة في القانون المقارن”، مرجع سابق، ص ص 67 – 68.
[13] الفصل 32: “الأسرة القائمة على علاقة الزواج الشرعي هي الخلية الأساسية للمجتمع.
تعمل الدولة على ضمان الحماية الحقوقية والاجتماعية والاقتصادية للأسرة، بمقتضى القانون، بما يضمن وحدتها واستقرارها والمحافظة عليها.
تسعى الدولة لتوفير الحماية القانونية، والاعتبار الاجتماعي والمعنوي لجميع الأطفال، بكيفية متساوية، بصرف النظر عن وضعيتهم العائلية.
التعليم الأساسي حق للطفل وواجب على الأسرة والدولة.
يحدث مجلس استشاري للأسرة والطفولة”.
[14] سمحت مقتضيات مدونة الأسرة للأشخاص الذين لم يبلغوا سن الرشد (18 سنة)، إبرام عقد الزواج، حيث يمكن للمعنى بالأمر أن يقدم طلباً مكتوباً بهذا الخصوص إلى قاضي الأسرة المكلف بالزواج يحمل توقيعه وتوقيع نائبه الشرعي.
قبل منح الإذن بالزواج يجب على القاضي دراسة الملف والاستماع إلى أبوي القاصر أو نائبه الشرعي، والاطلاع على بحث اجتماعي أو الاستعانة بخبرة طبية.
عندما يمنح قاضي الأسرة الإذن بالزواج يكون مقرره غير قابل للطعن. أما في حالة رفض الطلب فيمكن للمعنى بالأمر الطعن في مقر الرفض.


