أحـمد حســـــــين
أستاذ محاضر بجامعة الشاذلي
بن جديد – الطارف/ الجزائر
ملخــص :
جرائم الفساد لها من الخصوصية ما يجعلها لا تتكشف عن نفسها بنفسها بل تتطلّب في غالب الأحيان من يبلّغ عنها سواء كان موظّفا أو شخصا عاديا ممّا يعرّض المبلّغ إلى عديد الأخطار الجسدية و الوظيفية و المعنوية بل و يمتد الخطر إلى عائلته و أقربائه ، و هذا يتطلّب حماية خاصة فكيف جسّدت التشريعات المغاربية هذه الحماية ضمن نصوصها التشريعية الداخلية ؟
الكلمات المفتاحية : المبلغّين ، الفساد ، الحماية القانونية ، دول المغرب العربي
Abstract :
The crimes of corruption have a particularity, which makes them not reveal themselves, but often require those who report them, whether employees or ordinary people, which expose them to many physical ,functional and moral hazards extended to their families and their relatives ;which requires a special protection .This leads us to ask a question; how the legislation of the Maghreb countries embodied this protection in its internal legislative texts?
Keywords : whistle-blowers , corruption , Legal protection , Arab Maghreb countries
مقدمــة :
الفساد ظاهرة ما فتئت تتزايد و تنخر كيان الأمم و الدّول دون استثناء و دول المغرب العربي ( الجزائر ، تونس و المغرب) ليست بمنأى عن هذا الدّاء الفتّاك القاتل و الّذي يهدّد وجود الدّولة من جذوره ، و مكافحته ليس بالأمر الهيّن فيتطلب بذلك تظافر عديد الجهود و الهيآت و السلطات و المجتمع المدني كذا تدخّل الموظفين و العمّال الشرفاء الّذين يرفضون كلّ أشكال الفساد و المساس بالمصالح العليا للدوّلة ،
و إيمانا منهم بعظمة ما يرتكب من أفعال بات من الواجب عليهم تبليغ السّلطات الإدارية أو الأمنية أو القضائية بما يرتكب أمامهم من جرائم أو بما يصل إلى علمهم من تصرّفات هذا ما يعرّضهم لعديد الأخطار على رأسها التهديد و الانتقام منهم أو من أقاربهم ماديا أو معنويا و كذلك مواجهة تهما بإفشاء الأسرار المهنية إداريا و قضائيا و من هنا كان من الضروري كفالة حماية خاصّة لهؤلاء الأشخاص الّذين بدونهم تبقى القوانين الزّجرية حبيسة الأدراج و جسدا بلا روح ، فالمبلّغين عن الفساد هم من يعطي الحركية و الفعالية لقانون محاربة الفساد ، فالكشف عن الفساد و تشجيع الإبلاغ عنه و عن مرتكبيه أهمية خاصّة بالنّظر إلى ما يصاحب هذه الجرائم من سرّية و كتمان و استغلال الموظفين لسلطتهم من أجل إخفاء أفعالهم خاصّة عندما ترتبط جرائم الفساد باستخدام التقنيات الحديثة في المجالات الاقتصادية و المصرفية ،
و من هذا المنطلق أولت التّشريعات المقارنة و الاتفاقيات الدّولية لهذا الموضوع أهمية بالغة بإقرارها لحلول و تدابير تساعد على كشف جرائم الفساد و تشجيع الإبلاغ عنه و أهم هذه التّدابير على الإطلاق ما يسمى:
” حماية المبلّغين عن الفساد ” ، فأيّ حماية كفلتها تشريعات الدول المغاربية الثلاث لهذه الفئة من الأشخاص ؟ هذه الإشكالية التي سنحاول الإجابة عنها من خلال هذه المداخلة البسيطة :
مخطط الدّراسة :
مقدّمة
المبحث الأول : الإطار المفاهيمي للدّراسة
المطلب الأول : مفهوم المبلّغ و نظام حمايته
المطلب الثاني : مظاهر الحماية القانونية للمبلّغ
المبحث الثّاني : الحماية القانونية للمبلّغ بين الاتفاقيات الدّولية و التّشريعات المغاربية
المطلب الأوّل : حماية المبلّغ في الاتفاقيات الدّولية
المطلب الثاني : حماية المبلّغ في التّشريعات المغاربية
خـــــاتمـــــــــــــــة:
المبحث الأوّل : الإطار المفاهيمي للدّراسة
إنّ طبيعة الموضوع تحتّم علينا الوقوف عند بعض المفاهيم و المصطلحات ذات الصّلة الوطيدة بالموضوع و بيان مفهومها و مدلولها اللّغوي و الاصطلاحي و أهميتها القانونية و نبذة تاريخية عن نظام الحماية القانونية و هل هو وليد اليوم :
المطلب الأوّل : مفهوم المبلّغ و نظام حمايته
إنّ مفهوم المبلّغ في سياق بحثنا هذا قد يتداخل مع الكثير من المفاهيم الأخرى ، فبات من اللّازم و على غرار الكثير من التّشريعات التّحديد الدّقيق للمصطلحات و من ثمّ التّعرّض إلى أهمية هذا العمل في إطار التّعاون بين مختلف الأطراف من أجل القضاء على هذه الظّاهرة التّي باتت تنخر جميع الأنظمة و المجتمعات و سبل تحقيق ذلك ..
الفرع الأوّل : مصطلحات الدّراسة
- – المبلّغ : في اللّغة من البلاغ و الإبلاغ من الفعل أبلغَ يُبلغ ، إبْلاغًا ، فهو مُبلِغ ، والمفعول مُبلَغ :-
• أبلغه الخبرَ / أبلغه بالخبر / أبلغ الخبرَ إليه / أبلغَ الخبرَ له أَوْصله ، أَعْلَمه ، أخبره به :- أبلغ النَّتيجةَ للطّالب ، – أبلغه السَّلامَ، و من ذلك قوله تعالى : ( لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي )[1]
• أبلغ الشُّرطةَ عن المجرم : وشى به إليها .أمّا في الاصطلاح فالمبلّغ هو كلّ موظّف عمومي أو أيّ شخص آخر يقوم عن حسن نيّة بإبلاغ السّلطات المختصّة بمعلومات قصد الكشف عن الفساد [2]
2- كاشف الفساد : كلّ شخص طبيعي أو معنوي يقوم عن حسن نيّة بإبلاغ السّلطات المختّصة بمعلومات تمثّل قرائن جديّة أو تبعث على الإعتقاد جديّا بوجود أعمال فساد قصد الكشف عن مرتكبيها و ذلك طبقا للشّروط و الإجراءات المنصوص عليها قانونا
3- الفساد : هو كلّ سلوك أو تصرّف إيجابي أو سلبي من قبل موظّف عام أو أيّ شخص مكلّف بخدمة عامة أو ما في حكمها يهدف إلى تحقيق مصالح شخصيّة مادية أو معنوية أو اجتماعية سواء لنفسه أو لأشخاص آخرين على حساب المصلحة العامة و استغلال و استثمار سلطاته الفعلية أو المفترضة لهذه الغاية و يشمل كذلك أفعال و تصرّفات الطرف الآخر الذّي يعرض و يقدّم مثل هذه المنافع و كلّ من يشترك أو يتوسّط في ذلك
4- الخطر الناتج : الخطر لغة هو كلّ حادثة محتملة الوقوع من شأنها إحداث أضرار و في هذا المقام هي كلّ الأفعال التّي يمكن أن تصدر عن المبلّغ عنهم في ملف فساد من أجل التّهديد أو الإضرار بالمبلّغ نتيجة لتبليغه عن الفساد ، و يمكن أن يتّخذ الخطر شكل الإنتقام أو التّمييز أو المضايقات المستمرّة أو العقوبات المقنّعة و كلّ الإجراءات التّعسّفية أو الإعتداءات الجسديّة و المعنوية و التّهديد بهما ، و لا يشترط أن يكون هذا الخطر محققا بل يكفي أن يكون محتمل الوقوع و بشكل قوّي.
5- الحماية : هي جملة الإجراءات الهادفة إلى حماية المبلّغ عــــن الفساد سواء كانت ذات طبيعة ماديّة أو معنــــوية ضد مختلف أشكال الإنتقام أو التّمييز أو الظلم أو العقاب التّي تسلّــــــط عليه أو على أقربائه بسبب تبليغه عن حالات الفساد
الفرع الثّاني : أهمية التّبليغ عن الفساد
إنّ موضوع حماية المبلّغين عن الفساد يكتسي أهمية قصوى بالنّسبة لجهود مكافحة الجريمة بما فيها جرائم الفساد و كثيرا ما يسهم المبلّغ في كثير من الأحيان عن الكشف المبكّر عن الجريمة أو الوقاية منها فضلا عن كونه رادعا و عقبة كؤود أمام الّذين يتورّطون في أعمال مشبوهة كما يعطي للموظّف أو المواطن عموما وسيلة أكثر فاعلية لمراقبة أداء أصحاب المسؤولية و هذا ما يسهم في تعزيز مشاركة الأفراد بشكل خاص و المجتمع المدني بشكل عام في مكافحة الجريمة بشتّى صورها و تقديم يد العون للسّلطات العامة للقيام بواجبها في هذا المجال
كما يسهم ذلك في تعزيز ثقافة المواطنة التّي من أسسها تعاون المواطن مع السّلطات من أجل تحقيق المصلحة العامّة و على رأسها مكافحة الظواهر غير القانونية و التي من أخطرها الفساد الّذي هو بمثابة المرض العضال المستشري و الّذي يقوّض أركان الدّولة من جذورها و يزعزع أسسها ، إنّ التّبليغ عن الفساد طالما لازم صورة ” الوشاية ” و هي الصّورة السّلبية التّي يريد إلصاقها المفسدون و المعارضون بالرّجال الأوفياء لوطنهم و أمّتهم و هذا ما يدعو إلى بثّ روح الاعتزاز و الّشعور بالفخر من أجل هذا التّعاون و التّآزر بين السّلطة و المخلصين و الأوفياء من المواطنين [3].
إنّ فوائد التبليغ عن جرائم الفساد لا تعدّ و لا تحصى و علاوة على ما ذكر آنفا فإنّه يمكّن من[4] :
– يساعد المصالح الأمنية من شرطة و درك على تحقيق أهدافها في حماية الأرواح و الممتلكات العامة و الخاصة .
– زيادة فعالية المصالح الأمنية في جمع الأدلة و الاستنتاجات الحقيقية لطبيعة الجريمة .
– المساعدة في البحث عن الجاني و القبض عليه سواء كان ذلك قبل أو بعد الجريمة .
– بقاء المجتمع متين البنية متماسك الاجزاء ليعيش المواطن في كنف الطمأنينة و الرفاهية .
– مساهمة المواطن في معاقبة مرتكبي الجرائم و الحد من المخاطر و التجاوزات حفاظا على النّظام العام .
– المساهمة في المحافظة على مسرح الجريمة و أدّلتها من العبث كذا في إنشاء قاعدة معلومات مفيدة تمكّن من تتبع المجرمين ووضع خطط مستقبلية لتطوير قدراتهم في الكشف و الاستشراف .
الفرع الثّالث : تاريخ التبليغ عن الفساد
إنّ التّبليغ عن الفساد في أوروبا قد تمّ اقتباسه من أمريكا ذلك لأنّ أوّل نص حول المبلّغين عن الفساد كان في قانون سنة 1778 الّذي تبنّاه مجلس الشّيوخ الأمريكي و الذي يبحث في ما كشفه بحّارة البحرية الوطنية الأمريكية حول أفعال التعذيب المرتكبة من طرف بعض المسؤولين السلمييّن على بعض الجنود البريطانيين التي أثارت الكثير من السّخط ، و كان الميلاد الحقيقي لقانون المبلّغين كان سنة 1863 خلال الحرب الأهلية من أجل وضع حدّ للمموّنين الفاسدين هذا النّص( false claim act ( (قانون الادعاء الكاذب) الّذي يسمح لكل مواطن أن يرفع دعوى مدنية باسم الدّولة الفدرالية اتجاه أي شخص يرتكب مخالفات ضارة بالمصلحة العامّة ، و في سنة 1978 قام قانون اصلاح الخدمة المدنية (civil service reform act) بتقرير حماية للمبلّغين أساسا ضد مخاطر الإنتقام من طرف أرباب العمل غير أنّ قانون حماية المبلّغين عن الجرائم (whislerblowing protection act )لسنة 1989 مدّد هذه الحماية للقطاع العام و حسب النموذج الأمريكي تحوّل هذا النّظام إلى أوربا بواسطة مجموعة من النّصوص الدّولية و الأوروبية تربط بين الفقه الأوربي و المجلس الأوربي لحقوق الإنسان و مجلس العدل للإتّحاد الأوربي ثمّ تحوّل هذا الزخم إلى القانون الدّولي في إطار مكافحة الفساد فالاتفاقية الشهيرة ( ocde ( حول مكافحة الفساد للمسؤولين العموميين الأجانب في إطار الصّفقات التّجارية الدّولية بتاريخ 17/12/1997 و التي تبعت بعديد التّوصيات : – توصية 23 افريل 1998 حول ترقية السلوكات الأخلاقية في الوظيفة العمومية التي تشجّع الدّول على تشجيع التبليغ على الجرائم :
– توصية جوان 2003 حول حل النزاعات في مصالح الخدمة العمومية و يعزّز المشاركة للمبلّغين عن طريق الحماية و الحدّ من هذه النّزاعات .
– توصية 2009 حول مكافحة الفساد في الصفقات الدّولية و التّي ضمّنت حماية للمبلّغين عن الأفعال التّجريمية أو التّأديبية عندما يبلّغون بحسن نيّة و لأسباب معقولة عن الشّبهات حول أفعال الفساد للمسؤولين العموميين الأجانب في الصفقات التّجارية الدّولية و ذلك للسّلطات المختصّة .
إنّ الخطوط التوجيهية لسنة 2011 حول تعدّد الجنسيات يحمل أحكاما تحمي المبلّغين بحسن نيّة دون الكلام عن الاتفاقيتين الخاصّتين بمحاربة الفساد لسنة 1999 الأولى جزائية و الثانية مدنية و تمّ دخولهما حيّز النفاذ سنتي 2002 و 2003 على التّوالي و التّي تضع أساسا إجبارية الحماية للأشخاص المبلّغين عن أفعال الفساد للسّلطات المختصّة . و هذا ما كان له صدى لاتفاقية مريدا المكسيكية ( mérida ) للأمم المتحدة لسنة 2003 ضد الفساد التي ألزمت الدّول الأعضاء بوضع آليات للوقاية من الفساد الّذي يمكن الوصول إليه و معرفته بواسطة أشخاص يبلغون عنه للسلطات المختّصة وفق آليات معيّنة .
المطلب الثاني: أنواع الحماية القانونية للمبلّغ
يواكب الدور المهم للمبلّغين عن جرائم الفساد مخاطر عديدة فهو يتطلّب وجود مجموعة من الضمانات التّي يتعيّن توفيرها من طرف السّلطات العامّة لحمايتهم من أيّة إجراءات أو أضرار نتيجة قيامهم بالإبلاغ أو تقديمهم لمعلومات مهمّة حول جريمة وقعت أو محتملة الوقوع و لذلك يمكن القول أنّ حماية المبلّغين هي حجر الزّاوية في منظومة مكافحة الفساد في أيّ دولة من دونها يبقى ذلك عسيرا خاصّة و أنّ هذا النّوع من الجرائم غالبا ما يرتكب في الظّل و خلف الأبواب الموصدة[5] و لذلك فإنّ المبلّغين يحتاجون إلى الشعور بالأمان لكي يتقدّموا و يمدّوا يد المساعدة إلى السّلطات لإنفاذ القانون كما أنّهم يحتاجون إلى الإطمئنان بأنّهم سوف يتلقون الدّعم و يحاطون بالحماية درءا لما قد يتعرّضون له من ترهيب و لما قد يقع لهم من أذى أو انتقام هم أو أقربائهم ، و السّلطات أمام خيارين إمّا أن توفّر الحماية للمبلّغ فتشجّعه على كشف الجريمة والفساد و إمّا التقاعس عن ذلك و تتحمّل تبعات ذلك الكبيرة و الخطيرة و التّي تؤدّي إلى التّكتم عن الإجرام الذي نتيجته استفحاله و بذلك الإنهيار الحتمي للمجتمع و الدولة على السّواء و تتلخّص أشكال الحماية المقرّرة للمبلّغ في الأنواع التالية :
الفرع الأوّل : الحماية الإدارية
وهي الحماية التّي تكون في مواجهة تعسّف الإدارة و ذلك بوضع ضمانات في مواجهة ما يمكن أن تتّخذه الإدارة التّي غالبا ما يكون المبلّغ أحد العاملين بها من إجراءات تعسفيّة قبله سواء اتخّذت شكل العقاب الإداري أو المضايقات و التّي قد تتسبّب في الحرمان من التّرقية في الدّرجات الأعلى في وقت لاحق أو الخصومات المالية بشكل أو بآخر أو النّقل الإجباري إلى جهات بعيدة من مكان إقامته و غيرها من أشكال الإنتقام الإداري الّذي قد تقوم به الإدارة من إجراءات مع موظّفيها والتّي تكتسي طابع المشروعية بينما في حقيقتها شكل من أشكال العقاب للموظّف جزاء على قيامه بالإبلاغ .
الفرع الثّاني: الحماية الجنائية
و هي التّي تتّخذ قواعد القانون الجنائي مجالا لها عن طريق تقرير أفعال تعدّ بمثابة جرائم و بيان العقوبات المقرّرة لها و لذلك سعت التّشريعات إلى إدراج نصوص تقرّر العديد من صور الحماية بنصوص عقابية كوسيلة ردعيّة لمن يعتدي على المبلّغين عن الفساد مهما كان شكل هذا الاعتداء و ذلك بسبب إبلاغهم سواء بالاعتداء المادي أو إساءة المعاملة أو التّمييز في المعاملة أو مظهر من مظاهر العنف اللّفظي أو التّهديد أو استخدام للقوّة أو باستعمال السّلاح . و إضافة للحماية الموضوعية المتعلّقة بتحديد الأفعال التّي تعدّ جرائم و تقرير العقوبات المناسبة لها توجد الحماية الإجرائية و التّي تستمدّ عناصرها من قواعد القانون الجنائي الإجرائي و هي القواعد التّي تتّخذ من تنظيم جهات القضاء واختصاصاتها و كشف الجريمة والتثبّت من وقوعها و ضبط مرتكبيها و التّحقيق معهم و محاكمتهم و الفصل في الإدّعاء المدني التّابع لها وهي القواعد التّي تكرّس حماية المبلّغ بإجراءات خاصّة .
الفرع الثّالث : الحماية الجسديّة و الأمنية
قد يتعرّض المبلّغ عن الفساد هو أو أحد أفراد عائلته أو أقربائه إلى أشكال عدّة من الانتقام و على رأس هذه الصور العنف الجسدي الّذي قد يصل إلى حدّ القتل ممّا يجعله و أسرته في غير مأمن من كلّ أشكال الاعتداء و العنف الجسدي ولهذا تقرّر حماية خاصّة له و لأسرته ممّا يتطلّب تدخّل النّيابة العامة و من خلالها القوّة الأمنية المختصّة باتّخاذ الإجراءات الأمنية المناسبة لحماية المبلّغ أو أحد أفراد عائلته و العاملين لديه و هذا يقع على عاتق النّيابة ، و نظرا لأنّ كاشف الفساد يتعرّض إلى الكثير من المتاعب و المشاكل و الأخطار لم تغفل معظم التشّريعات على ضرورة تأمين آلية للتّعويض عن الضّرر و رصد مكافآت جزاء شجاعة هؤلاء الأشخاص و تضحياتهم و تكريمهم علنا ممّا يحفّز الآخرين على القيام بمثل هذه الخطوات الجريئة كما يدخل ضمن تأمين المبلّغين ما قرّره القانون من الإستفادة من الأعذار المخفّفة أو المحلّة إذا ما تورّطوا في إحدى جرائم الفساد .
المبحث الثاني : حماية المبلّغين في الاتفاقيات الدّولية و في التّشريعات المغاربية
نظرا لأنّ موضوع حماية المبلّغين من الأهمية بمكان في مكافحة جرائم الفساد ذلك لأنّهم يسهمون في غالب الأحيان في الكشف المبكّر عن الجريمة أو الوقاية منها ممّا جعلهم عنصرا هامّا و فعّالا في تحقيق العدالة و محاربة الإجرام الخفي فهم بذلك حجر الزّاوية في مكافحة الفساد[6] ، و نظرا لإدراك المجموعة الدّولية بهذه الأهمية فلم تخل أيّ اتفاقية دولية أو إقليمية تتعلّق بمكافحة الفساد الإداري و المالي من التّنصيص على ضرورة إسداء حماية خاصّة لهذه الفئة و من ذلك استمدّت الدول المغاربية تشريعاتها في هذا المجال :
المطلب الأوّل : حماية المبلّغين في الاتفاقيات الدّولية والإقليمية
لقد أولت المجموعة الدّولية بالغ الأهمية لمحاربة جرائم الفساد دون إغفال في بنودها إقرار حماية خاصّة للمبلّغين عن هذه الجرائم لأنّهم بمثابة المحرّك الرئيسي لعجلة أيّ حرب ضدّ هذه الآفة الخطيرة فكانت حماية هذه الفئة أكثر من ضرورة و هو ما أكّدته مختلف الاتفاقيات الدّولية و الإقليمية و التّي أهمها : اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد ( uncac ( [7] واتفاقية الإتحاد الإفريقي لمنع الفساد و مكافحته و الاتفاقية العربية لمكافحة الفساد :
الفرع الأوّل: اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد : United Nations Convention against Corruption
كرّست هذه الاتفاقية مسألة حماية الشّهود و المبلّغين و الخبراء و أقاربهم و سائر الأشخاص وثيقي الصّلة بهم في المادة 32 حيث نصّت الفقرة الأولى منها على : ” تتّخذ كلّ دولة طرف تدابير مناسبة وفقا لنظامها القانوني الدّاخلي و ضمن حدود إمكانياتها لتوفير حماية فعّالة للشهود و الخبراء الّذين يدلون بشهادة تتعلّق بأفعال مجرّمة وفقا لهذه الاتفاقية و كذلك لأقاربهم و سائر الأشخاص الوثيقي الصّلة بهم عند الإقتضاء من أيّ انتقام أو ترهيب محتمل ” و أضافت المادة 32 في فقرتها الثانية على أمثلة عن التّدابير التّي يجوز اعتمادها من أجل حماية الشّهود و الخبراء إضافة إلى أقاربهم و سائر الأشخاص الوثيقي الصّلة بهم : ” يجوز أن تشمل التّدابير المتوخاة في الفقرة 01 من هذه المادة و دون مساس بحقوق المدعّى عليه بما في ذلك حقّه في محاكمة عادلة حسب الأصول :
أ- إرساء إجراءات لتوفير الحماية الجسدية لأولائك الأشخاص كالقيام مثلا بالقدر الّلازم و الممكن عمليا بتغيير أماكن إقامتهم و السّماح عند الإقتضاء بعدم إفشاء المعلومات المتعلّقة بهويتهم و أماكن تواجدهم أو بفرض قيود على إفشائها .
ب- أن يدلوا بأقوالهم على نحو يكفل سلامة أولائك الأشخاص ، كالسّماح مثلا بالإدلاء بالشّهادة باستخدام تكنولوجيا الإتّصالات مثل وصلات الفيديو أو غيرها من الوسائل .
وقد شجّعت الإتّفاقية على إبرام الإتّفاقيات و التّرتيبات من أجل حماية الشّهود و الخبراء فضلا عن أقاربهم و سائر الأشخاص وثيقي الصّلة بهم في الفقرة الثالثة أمّا الفقرة الرابعة فأشارت إلى سريان أحكام هذه المادة أيضا على الضّحايا إذا كانوا شهودا .
الفرع الثّاني : اتفاقية الإتحاد الإفريقي لمنع الفساد ومكافحته
قامت الدّول الإفريقية باعتماد اتفاقية الإتحاد الإفريقي لمنع الفساد و مكافحته ب ” مابوتو ” عاصمة الموزمبيق في 11 يوليو 2003 [8]و تعتبر من أهم إنجازات الدّول الإفريقية لمكافحة الفساد و صادقت عليها الجزائر بمرسوم رئاسي 06- 137 المؤرّخ في 10 افريل 2006 و أحكامها موزّعة على 28 مادة دون تقسيم إلى أبواب أو فصول .
جاء في المادة 05 – الإجراءات التّشريعية و غيرها – إلزام الدّول الأطراف بعديد الإجراءات من بينها اعتماد إجراءات تشريعية لحماية الشّاكي و الشّاهد في القضايا المتعلّقة بالفساد و الجرائم ذات الصّلة بما في ذلك حماية هويتهما و كذلك اعتماد الإجراءات اللّازمة لضمان قيام المواطنين بالإبلاغ عن حالات الفساد دون خوف من عمليات الانتقام التّي قد تترتّب على ذلك .
الفرع الثّالث: الاتفاقية العربية لمكافحة الفساد
أقرّ مجلس وزراء العرب في 24 ابريل 2007 مشروع اتفاقية عربية لمكافحة الفساد أهدافها تعزيز التدابير الرامية للوقاية من الفساد و محاربته و تبنّتها الجامعة العربية في 21 ديسمبر 2010 صادقت عليها الجزائر بمرسوم رئاسي 14- 249 المؤرّخ في 08 سبتمبر 2014 و تتضمّن هذه الاتفاقية ديباجة قصيرة و 35 مادة دون تقسيمها إلى فصول ، جاء في المادة 14 منها فرض أحكام على الدّول الأطراف لتوفير الحماية القانونية اللّازمة للمبلّغين و الشهود و الخبراء و الضحايا الّذين يدلون بشهادة تتعلّق بأفعال تجرّمها هذه الاتفاقية على أن تشمل هذه الحماية أقاربهم و الأشخاص وثيقي الصّلة بهم من أيّ انتقام أو ترهيب محتمل
المطلب الثاني : حماية المبلّغين في دول المغرب العربي
لقد صادقت دول المغرب العربي الثلاثة ( الجزائر ، تونس و المغرب ) على جلّ الاتفاقيات الدّولية و الإقليمية المحاربة للفساد و لذلك كان من الطّبيعي أن تصدر قوانينها الدّاخلية وفق ما توصي به هذه الاتفاقيات في مكافحة ظاهرة الفساد العالمية و التي اتّفقت جميعها في إعطاء حماية خاصّة للمبلّغين عن الفساد و تقديم الضّمانات بمختلف أشكالها لهم لأنّهم المحرك الأوّل و الرئيسي لوضع حدّ لهذه الظاهرة الخطيرة و نتناول فيما يلي تعاطي مختلف التّشريعات المغاربية مع حماية المبلّغين عن ظاهرة الفساد :
الفرع الأوّل : حماية المبلغين في التشريع الجزائري
عند التّمعّن في المنظومة القانونية الجزائرية نجدها قد تطرّقت في بعض نصوصها إلى الحماية المقرّرة للمبلغين و إقرانها بالشّهود على غرار المادة 236 من قانون العقوبات [9] ، و عند صدور القانون 06-01 المتعلّق بالوقاية من الفساد ومكافحته و الذي تضمّن صراحة حماية جزائية للمبلّغ عن الفساد حيث نصّت المادة 45 منه على : ” يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى خمس سنوات و بغرامة من 50000 دج إلى 500000 دج كلّ شخص يلجأ إلى الإنتقام أو التّرهيب أو التّهديد بأيّة طريقة كانت أو بأيّ شكل من الأشكال ضدّ الشّهود أو الخبراء أو الضّحايا أو المبلّغين أو أفراد عائلاتهم و سائر الأشخاص الوثيقي الصّلة بهم ” .
وبانضمام الجزائر إلى مختلف المعاهدات و الإتّفاقيات الدّولية و الإفريقية و العربية [10] لمحاربة الفساد و تكريسا لمبادئها فيما يتعلّق بحماية المبلّغين عن جرائم الفساد صدر الأمر 15- 02 المؤرّخ في 23/07/ 2015 المعدّل و المتمّم لقانون الإجراءات الجزائية و الّذي أضاف ( الفصل السادس إلى الباب الثاني من الكتاب الأول ) من قانون الإجراءات الجزائية و الذّي عنوانه ” حماية الشّهود و الخبراء و الضحايا ” و تضمّن 10 مواد قانونية تؤطّر هذا الموضوع و الملاحظ هو إغفال المشرّع لذكر فئة ” المبلّغين ” إلّا أنّه ضمنيا شملهم ذلك تحت إسم الشّهود بناء على ما ورد في القانون 06 – 01 و قد جاء في المادة 65 مكرر 19 من نفس الأمر ما يلي : ” يمكن إفادة الشّهود و الخبراء من تدبير أو أكثر من تدابير الحماية غير الإجرائية أو الإجرائية المنصوص عليها في هذا الفصل إذا كانت حياتهم أو سلامتهم الجسدية أو حياة أو سلامة أفراد عائلاتهم أو أقاربهم أو مصالحهم الأساسية معرّضة لتهديد خطير بسبب المعلومات التّي يمكنهم تقديمها للقضاء و التّي تكون ضرورية لإظهار الحقيقة في قضايا الجريمة المنظّمة أو الفساد ” .و باستقراء هذه المادة نستنتج أنّ المبلّغين يدخلون ضمن هذه الحماية باعتبارهم ” من يقدّم المعلومات عن قضايا الفساد” ، و قد عدّدت المادة 65 مكرّر 20 التّدابير غير الإجرائية لحماية المبلّغين أو الشّهود أو الخبراء و تشمل ما يلي :
1- إخفاء المعلومات المتعلّقة بهويته .
2- وضع رقم هاتفي خاص تحت تصرّفه .
3- تمكينه من نقطة اتصال لدى مصالح الأمن .
4- ضمان حماية جسدية مقرّبة له مع إمكانية توسيعها لأفراد عائلته و أقاربه .
5- وضع أجهزة تقنية وقائية بمسكنه.
6- تسجيل المكالمات الهاتفية التّي يتلقاها أو يجريها بشرط موافقته الصّريحة .
7- تغيير مكان إقامته .
8- منحه مساعدة إجتماعية أو مالية .
9- وضعه إن تعلّق الأمر بسجين في جناح يتوفّر على حماية خاصّة .
أمّا التّدابير الإجرائية فقد تمّ التنصيص عليها في المادة 65 مكرّر 23 و تتمثّل فيما يلي :
1- عدم الإشارة لهويته أو ذكر هويّة مستعارة في أوراق الإجراءات .
2- عدم الإشارة لعنوانه الصّحيح في أوراق الإجراءات .
3- الإشارة بدلا من عنوانه الحقيقي إلى مقرّ الشرطة القضائية أين تمّ سماعه أو إلى الجهة القضائية التّي سيؤول إليها النّظر في القضيّة .
4- تحفظ الهويّة و العنوان الحقيقيان للشّاهد أو الخبير في ملف خاص يمسكه وكيل الجمهورية .
و يتلقى المعني التّكاليف بالحضور عن طريق النّيابة العامة ، كما أوردت المواد 65 مكرّر 24، 25 ، 26 ، 27 ، 28 مجموعة من الأحكام و التّي تتعلّق بإجراءات تنصبّ جميعها في حماية هذه الفئة من الأشخاص من كلّ أذى مادي أو معنوي قد يصيبهم بمناسبة تبليغم عن جرائم الفساد .
الفرع الثّاني :حماية المبلّغين عن الفساد في التشريع التّونسي
بعد مصادقة المشرّع التّونسي على اتفاقية الأمم المتحّدة لمكافحة الفساد و ذلك في سنة 2008 و الاتفاقية العربية لمكافحة الفساد سنة 2010 التزم هذا الأخير ببنود هذه الاتفاقيات سيما في شقّها المتعلّق باتّخاذ تدابير من أجل توفير حماية للمبلّغين عن الفساد و تكريسا لما ورد في المرسوم الإطاري رقم 120 المؤرّخ في 14 نوفمبر 2011 بمكافحة الفساد لا سيما الفصل 11 من الباب الأوّل منه و الّذي ينصّ : ” تضمن الدّولة في إطار سياستها لمكافحة الفساد التّشجيع على التّبليغ عن حالات الفساد بنشر الوعي الاجتماعي بخطره و التّقليص من العراقيل القانونية و العمليّة التّي تمنع كشفه و إثباته و إقرار تدابير لحماية الضحايا و الشّهود و المبلّغين ” و تجسيدا لهذا فقد أفرد المشرّع التّونسي قانونا خاصّا لهذا الغرض و هو القانون الأساسي عدد 10 المؤرّخ في 07 مارس 2017 و المتعلّق بالإبلاغ عن الفساد و حماية المبلّغين [11] حيث يلاحظ أنّ المشرّع التّونسي قد خصّ هذه الحماية بقانون مستقل عن قانون مكافحة الفساد و عن قانون الإجراءات الجزائية على العكس من المشرّع الجزائري [12] و يهدف هذا القانون على ضوء ما ورد في الفصل الأوّل من الكتاب الأوّل منه إلى ضبط صيغ وإجراءات الإبلاغ عن الفساد و آليات حماية المبلّغين بما يساهم في تكريس مبادئ الشّفافية و النّزاهة و المساءلة و الحوكمة الرّشيدة و منع الفساد و مكافحته في القطاعين العام و الخاص . و قد جاء في الباب الثالث و المعنون ب ” شروط و آليات حماية المبلّغ ” و في الفصل 19 منه على أنّ ” المبلّغ ينتفع بناء على طلب منه أو بمبادرة من الهيئة و بشرط موافقته بالحماية من أيّ شكل من أشكال الإنتقام أو التّمييز أو التّرهيب أو القمع ، كما تتمّ حمايته من أيّ ملاحقة جزائية أو مدنية أو إدارية أو أيّ إجراء آخر يلحق به ضررا ماديّا أو معنويا إذا كان كلّ ذلك بمناسبة الإبلاغ أو تبعا له …” كما تسحب الحماية على الأشخاص وثيقي الصّلة بالمبلّغ و يستثنى من الحماية من يقدّم عمدا تبليغا بقصد الإضرار بالغير دون وجه حق و يتعيّن الحفاظ على سرّية هويّة المبلّغ بشكل كامل من قبل الهيئة و لا تكشف هويّته إلّا بعد موافقته المبيّنة و الكتابية . كما أقرّ القانون أنّ المبلّغ لا تسلّط عليه أيّة عقوبات تأديبيّة أو جزائية على أساس مخالفته للسّر المهني أو لواجب التّحفظ إذا اتّخذت تلك العقوبات بمناسبة الإبلاغ أو تبعا له ، و يتمتّع المبلّغ بالإعانة القضائية لدى المحكمة الإدارية بخصوص الدّعاوى المثارة ضدّه أو التّي تقوم بإثارتها و المرتبطة بإبلاغه عن الفساد ، كما تمنح الدّولة مكافأة مالية للمبلّغين و الّذين أدّى إبلاغهم إلى الحيلولة دون ارتكاب أيّ من جرائم الفساد في القطاع العام أو إلى اكتشافها أو اكتشاف مرتكبيها أو البعض منهم أو استرداد الأموال المتأتّية منها و تلتزم الدّولة بتعويض المبلّغ أو عند الإقتضاء أيّ شخص من الأشخاص المشار إليهم الّذي أصابه ضرر نتيجة الإبلاغ و يقدّر التّعويض بما يوازي ما تعرّض له من أضرار ماديّة أو معنوية .
كما جاء في الفصل 25 : ” إنّ قرار الحماية يشمل تمتيع المبلّغ بكلّ أو بعض الإجراءات التّالية :
– توفير الحماية الشّخصية للمبلّغ بالتّنسيق مع السّلطات العمومية المعنية بتوفيرها .
– نقلة المبلّغ بطلب منه أو بعد موافقته من مكان عمله وفق ما تقتضيه ضرورات الحماية .
– توفير الإرشاد القانوني و النفسي للمبلّغ .
– منح المبلّغ وسائل للإبلاغ الفوري عن أيّ خطر يتهدّده أو يتهدّد أيّ شخص من الأشخاص وثيقي الصّلة به بمناسبة التّبليغ أو تبعا له .
– تعديل إجراءات الحماية بأيّ شكل من الأشكال وفق ما تقتضيه مصلحة المبلّغ .
– اتّخاذ أيّة تدابير أخرى من شأنها منع كلّ ضرر مهني أو جسدي أو معنوي عن المبلّغ .
إضافة إلى إفراد المشرّع الباب الرابع للعقوبات المتعلّقة بجرائم كشف هويّة المبلّغ ، أو من قام بتدابير انتقامية ضدّ شخص المبلّغ أو أقربائه .
الفرع الثّالث : حماية المبلّغ في التّشريع المغربي
على غرار المشرّعين الجزائري و التّونسي و بعد مصادقة المغرب على اتفاقية الأمم المتّحدة لمكافحة الفساد بتاريخ 09/05/2007 و تمّ نشرها بالجريدة الرّسمية بتاريخ 17 / 01/ 2008 حاول المغرب ملائمة تشريعاته الوطنية مع مضامين هذه الاتفاقية و التزاما ببنودها في ما يتعلّق باتّخاذ التّدابير المناسبة وفقا لنظامها الدّاخلي ، فقد أقدم المشرّع المغربي على سنّ القانون رقم 10- 37 الصادر بتاريخ 20/10/2011 المعدّل و المتمّم للقانون 01 – 22 المتعلّق بالمسطرة الجنائية في شأن حماية الضحايا و الشّهود و الخبراء و المبلّغين فيما يخصّ جرائم الرّشوة و الاختلاس و استغلال النّفوذ و غيرها [13] و قد جاء في المادة 82 – 9 منه : ” يحقّ للمبلّغ الّذي يقوم بإبلاغ السّلطات المختّصة لأسباب وجيهة و بحسن نيّة عن إحدى الجرائم المشار إليها في المادة 82-7 أن يطلب من وكيل الملك أو الوكيل العام للملك أو قاضي التّحقيق كلّ فيما يخصّه اتّخاذ واحد أو أكثر من التّدابير المنصوص عليها في المادة 82-7 أعلاه …” و الجرائم المذكورة في المادة 82-7 هي : الرشوة ، استغلال النفوذ ، الاختلاس ، التّبديد ، الغدر ، غسل الأموال أو الجرائم المنصوص عنها في المادة 108 من قانون المسطرة الجنائية ، أمّا عن التّدابير المذكورة لحماية المبلّغين فقد عدّدتها المادة 82-7 من هذا القانون و هي :
1- الاستماع شخصيا للمبلّغ .
2- إخفاء هوية المبلّغ في المحاضر و الوثائق التيّ تتعلّق بالقضية و ذلك بشكل يحول دون التّعرّف على هوّيته الحقيقية.
3- تضمين هويّة مستعارة أو غير صحيحة للمبلّغ في المحاضر و الوثائق التّي ستقدّم أمام المحكمة بشكل يحول دون تعرّف الغير على هويّته الحقيقية .
4- عدم الإشارة إلى العنوان الحقيقي للمبلّغ ضمن المحاضر و الوثائق التّي تنجز و ذلك بشكل يحول دون التّعرّف على عنوانه
5- الإشارة في عنوان إقامة المبلّغ إلى مقرّ الشّرطة القضائية التّي تمّ فيها الاستماع إليه أو المحكمة المختصّة للنّظر في القضيّة إذا ما كان قد استدعي أوّل مرّة أمام قاضي التّحقيق أو المحكمة .
6- وضع رهن إشارة المبلّغ رقم هاتف خاص بالشّرطة القضائية حتّى يتمكّن من إشعارها بالسّرعة اللّازمة إزّاء أيّ فعل قد يهدّد سلامته أو سلامة أسرته و أقاربه .
7- إخضاع الهواتف التّي يستخدمها المبلّغ لرقابة السّلطات المختصّة بعد موافقة المعني بالأمر كتابة ضمانا لحمايته .
8- توفير حماية جسدية للمبلّغ من طرف القوّة العمومية بشكل يحول دون تعرّضه أو أحد أفراد أسرته أو أقاربه للخطر.
و إذا كانت تدابير الحماية غير كافية يمكن بقرار معلّل اتّخاذ أيّ تدبير آخر يعتبر ضمانة فعلية لفائدة مستحق الحماية ، و قد ورد في الباب الرابع منه ( نطاق الحماية ) و في المادة 82-10 بالذات : ” يمكن لوكيل الملك أو الوكيل العام للملك أو قاضي التّحقيق كلّ في ما يخصّه تغيير تدابير الحماية المتّخذّة لفائدة الضّحايا أو الشّهود أو الخبراء أو المبلّغين أو إضافة تدبير آخر أو أكثر إليها أو إلغاؤها تلقائيا أو بناء على طلب ” .
خاتــــمة :
لا تكفي النّصوص القانونية رغم شدّتها في حماية المال العام و الموارد الوطنية من الفساد و الإفساد مادامت لا تطبّق على الجناة و ما دام هؤلاء الجناة يعملون في الخفاء و خلف الأبواب الموصدة و يعملون ضمن شبكات منظّمة لأن عمليات الفساد الكبرى لا يقوم بها شخص واحد بل أشخاص متعدّدون وفق نظام محكم تختلف في ذلك أدوارهم باختلاف مناصبهم و مواقعهم ، و من هنا تأتي أهميّة تقديم حماية حقيقية لكلّ من يبلّغ عن الفساد و تشجيعهم على ذلك بتقديم حوافز و مكافآت ، فلولا هؤلاء لبقي القانون بدون إنفاذ و استمرّ المبطلون في ارتكاب أفعالهم المجرّمة فهؤلاء الشّرفاء يستحقّون أن تسند إليهم رعاية خاصّة من مختلف الجهات الإدارية و الأمنية و القضائية دون إغفال للنّاحية الاجتماعية ، و من خلال تعريجنا على نظام الحماية للمبلّغين في تشريعات الدول المغاربية يمكن أن نخلص إلى النتائج و التوصيات التّالية :
1- النتائج :
– اهتمام كلّ التشريعات المغاربية بمسألة حماية المبلّغين عن جرائم الفساد تطبيقا لتوصيات مختلف الاتفاقيات الدّولية والإقليمية و هي نقطة إيجابية تحتاج إلى تثمين .
– إفراد المشرّع التونسي موضوع حماية المبلّغين بقانون خاص ” القانون الأساسي المتعلّق بالإبلاغ عن الفساد و حماية المبلّغين ” على العكس من المشرّع الجزائري و المغربي اللّذين أدرجاه ضمن القوانين الإجرائية بعد تعديلها .و هو ما يعكس القيمة الكبيرة لهذه الفئة .رغم معارضة البعض لذلك فيما يتعلق بمسألة الأمن القانوني و تشتّت القوانين .
– رغم توفر القوانين إلّا أنّها ليست مفعّلة بالشّكل الّذي يبعث على الثقة لدى الأفراد و يشجعهم على التّبليغ وفق آليات وأطر مضمونة .
– لم تتعرّض هذه القوانين لمدّة الحماية فليس من المعقول أن تدوم إلى ما لا نهاية مع ارتفاع تكاليفها و صعوبة استمرارها.
– لم تتعرّض هذه القوانين إلى مسألة التعاون الدّولي في مسألة الحماية المكفولة للمبلغين وطنيين أو أجانب سيما في الجرائم ذات الأبعاد الدّولية .
– رغم استفحال فضائح الفساد في الدّول المغاربية إلّا أنّ عملية التّبليغ ليست بالشّكل الفعّال ممّا يتطلّب دراسات خاصّة والتعرّف على أسباب إحجام الأشخاص و المجتمع المدني عموما عن التّبليغ عن الفساد .
2- التّوصيات :
– إبرام اتفاقية مغاربية لمحاربة الفساد و من خلالها التعاون المغاربي في توحيد الجهود لحماية المبلّغين .
– الإسراع في إصدار النصوص التنظيمية التي تنظم المسائل الإجرائية المتعلقة بآليات التّبليغ كما ورد في قانون الإجراءات الجزائية الجزائري ( المادة 65 مكرّر 20) ” تحدّد كيفيات تطبيق هذه المادة عن طريق التّنظيم “
– ضرورة إطلاق حملة توعوية و إعلامية في كافة وسائل الإعلام لتعريف المواطنين بآليات الحماية و تشجيعهم و تحفيزهم على التّبليغ يتمّ من خلالها عرض الجهود الدّولية و أمثلة واقعية عن التبليغ عن الفساد و مدى الدّور الإيجابي الذي يؤدّيه المبلّغون في إرساء قواعد الشّفافية و النّزاهة .
– تعزيز روح المواطنة و الانتماء الحقيقي للبلد عن طريق التشجيع عن الإبلاغ عن أوكار الفساد .
– تخفيف العناء على المبلّغين عن جرائم الفساد و تخصيص خطوط مباشرة مع هيآت مكافحة الفساد ووضع أرقام هاتفية خضراء مخصّصة لذلك و هذه الهيآت هي التّي تتولّى التّحقيق في جديّة هذه البلاغات و إنشاء خلية إصغاء مختصّة بذلك.
– تخصيص مكافآت محفّزة و إعفاءات ضريبية و مشاريع استثمارية لكل من يبلّغ و يساعد في الكشف عن أوكار الفساد.
[1]1- سورة الاعراف ، الآية 79
[2]www.almaany.com- المعجم الرائد ، من موقع المعاني :2
3- المبلّغ بهذا المعنى اصطلح على تسميته في التشريع الفرنسي ب : lanceur d’alerte أي المنذر بالخطر و في التشريع الامريكي و الانجلوسكسوني يسمى : whistleblower بمعنى مطلقي الصافرات .
4- مشروع قانون أساسي يتعلّق بالإبلاغ عن الفساد و حماية كاشفيه ، الجمهورية التونسية .
5- عمر حمّاس ، جرائم الفساد المالي و آليات مكافحتها في التشريع الجزائري ، أطروحة دكتوراه ، جامعة ابي بكر بلقايد ، تلمسان ، س ج 2016/2017 ص ص 7، 8.
6 مازن كرشيد ، النظام القانوني لحماية المبلّغين عن الفساد على ضوء القانون عدد 10 المتعلّق بالابلاغ عن الفساد و حماية المبلّغين ، تونس، ص 11
7- كمال محمد العسّاف ، الإطار القانوني لحماية المبلّغين و الشّهود و المخبرين الخبراء في قضايا الفساد , رسالة ماجستير ، جامعة الشرق الأوســط ، عمّان ، الأردن ، كانون الثاني ، 2015 ، ص 01 .
8- مازن كرشيد ، مرجع سابق ، ص 06 .
9- حسينة شرّون و فاطمة قفاف ، النظام القانوني لحماية الشهود و المبلّغين في التّشريع الجزائري ، مجلة الدراسات و البحوث القانونية ، العدد الثالث جامعة محمد خيضر ، بسكرة .ص ص 40، 41
10 – نجاعي البرعي ، الفريضة الغائبة ، حماية الشهود و المبلّغين ، اعمال ندوة بالدقي ، القاهرة ، مصر ، بتاريخ 8/يونيو/2010 ، ص 07
11- حسينة شرون و فاطمة قفاف ، مرجع سابق ، ص 43.
12 – اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد هي أكثر الإتفاقيات شمولا و قوة في مكافحة الفساد على مستوى العالم و هي أول صك دولي ملزم لمكافحة الفساد و قد اعتمدت في الجمعية العامة بتاريخ 31 اكتوبر 2003 و دخلت حيز التنفيذ عام 2005 و انضمت اليها 141 دولة و تحتوي على ديباجة و ثماني فصول وواحد و سبعين مادة .
13- و ذلك في الدورة العادية 12 لمؤتمر الإتحاد الافريقي.
14- تنص هذه المادة على : ” كل من استعمل الوعود أو العطايا أو الهدايا أو الضغط أو التهديد أو التعدي أو المناورة أو التحايل لحمل الغير على الإدلاء بأقوال وبإقرارات كاذبة أو على إعطاء شهادة كاذبة وذلك في أية مادة وفي أية حالة كانت عليها الإجراءات أو بغرض المطالبة أو الدفاع أمام القضاء سواء أنتجت هذه الأفعال آثارها أو لم تنتجه ، يعاقب بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات وبغرامة من 500 إلى 2.000 دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين ما لم يعتبر الفعل اشتراكا في إحدى الجرائم الأشد المنصوص عليها في المواد 232 و233 و235 “
15 – انضمت الجزائر لاتفاقية الامم المتحدة في سنة 2005.و الاتفاقية الافريقية سنة 2006 و العربية سنة 2014
16- الرائد الرّسمي للجمهورية التّونسية ، عدد 88 ، 18 نوفمبر 2011 ، صفحة 2747
17 – الرائد الرسمي للجمهورية التّونسية عدد 20 ، 10 مارس 2017 ، صفحة 765 و ما بعدها .
18- المشرّع الفرنسي أصدر القانون رقم 2016-1691 بتاريخ 9 ديسمبر 2016 بشأن الشفافية ومكافحة الفساد والعولمة و الحياة الاقتصادية يدعى) sapin 2 ) أفرد فيه بابا لحماية المبلغين من المادة 06 الى المادة 16
19- ظهير شريف رقم 164- 11- 1 صادر في 19 ذي القعدة 1432 ( 17 اكتوبر 2011) ( ج ر م عدد 5988 بتاريخ 22 ذي القعدة 1432 / 20 اكتوبر 2011 )


