د. محمد بودلاحة
أستاذ باحث بكلية الشريعة بفاس
مقدمة:
نظرا للأهمية التي تكتسبها مسألة تحرير العقود في الميدان العقاري والتجاري والاقتصادي وغير ذلك، تدخل المشرع فنظم مهنة التوثيق بكيفية دقيقة حرصا منه على استقرار المعاملات بين الناس وتلافي حدوث نزاعات بينهم بشأنها، فتناول من جهة تنظيم مهنة العدالة ومهنة التوثيق، ومن جهة أخرى ترك الخيار للأفراد بين اللجوء إلى العقود الرسمية المحررة من طرف هؤلاء أو اللجوء إلى العقود العرفية المحررة من طرف المحامين ووكلاء الأعمال والكتاب العموميين.
لكن بعد صدور مدونة الحقوق العينية أصبح توثيق التصرفات العقارية مقتصرا على العدول والموثقين في محررات وعلى المحامين المقبولين للترافع أمام محكمة النقض في محررات ثابتة التاريخ.
وهكذا وجد في هذا الإطار فئتان من محرري العقود، فئة لها إطار قانوني ينظمها وتتجلى في العدول([1]) والموثقين([2]) وأخرى في المحاماة وتهتم بتحرير المحررات الثابتة التاريخ الخاضعة لضوابط معينة.
وعلى أي فما دام موضوع هذا البحث ينصب على تحرير العقود من طرف المحامين فإنني سأركز على المحررات الثابتة التاريخ الصادرة عن المحامين المقبولين للترافع أمام محكمة النقض وذلك من خلال الإجابة عن مجموعة من التساؤلات منها: ما المراد بالمحرر العرفي؟ وما هي حجيته؟ وما هي شروط صحة المحررات الصادرة عن المحامي؟ وهل تكتسي هذه المحررات حجية المحرر العرفي أم إن حجيته ترقى إلى حجية المحرر الرسمي؟.
هذه التساؤلات وغيرها سأحاول الإجابة عنها من خلال الحديث عن المحررات العرفية وحجيتها وتمييزها عن المحررات الرسمية (محور أول) وعن شروط وحجية المحررات المحررة من طرف المحامي (محور ثان).
المحور الأول: المحررات العرفية حجيتها وتمييزها عن المحررات الرسمية
الفقرة الأولى: تعريف المحرر العرفي
قبل التطرق لتعريف المحرر العرفي، لابد من تعريف المحرر الرسمي، فبالرجوع إلى مقتضيات قانون الالتزامات والعقود المغربي نجد الفصل 418 منه قد عرف المحررات الرسمية” … هي التي يتلقاها الموظفون العموميون الذين لهم صلاحية التوثيق في مكان تحرير العقد وذلك في الشكل الذي يحدده القانون. وتكون رسمية:
1- الأوراق المخاطب عليها من القضاة في محاكمهم؛
2- الأحكام الصادرة من المحاكم المغربية والأجنبية، بمعنى أن هذه الأحكام يمكنها حتى قبل صيرورتها واجبة التنفيذ، أن تكون حجة على الوقائع التي تثبتها.
يتضح من هذا النص أنه لإضفاء الصفة الرسمية على المحرر، لا بد من توافر مجموعة من الشروط الأساسية:
1- أن يتم تحريره من موظف عمومي أو شخص مكلف بخدمة عمومية؛
2- أن يكون الموظف الذي حرره مختصا بذلك وله صلاحية التوثيق، أي أن يدخل ذلك في عمله من حيث نوع المحرر، إذ إن كل نوع من المحررات الرسمية تختص بتحريره فئة معينة من الأشخاص والموظفين؛
3- مراعاة الشكل الذي حدده القانون في تحرير المحرر، فالقانون قرر لكل نوع من المحررات الرسمية ضوابط لا بد من مراعاتها، كما فرض مجموعة من البيانات اللازمة إدراجها فيها حتى يكون المحرر رسميا صحيحا([3]).
وبطبيعة الحال فإن المحرر الرسمي وكما نص على ذلك الفصلان 419 – 420 من قانون الالتزامات والعقود له الحجية القاطعة على أطرافه وعلى الغير، في كل ما تضمنه مادام متوفرا على الأركان والشروط القانونية. ويوجد بالنسبة إليه قرينة الرسمية، وتقتضى هذه القرينة أن تكون الرسمية حجة بذاتها دون حاجة إل الإقرار بها، وهي بهذا تثقل عبء الإثبات، فإذا نازع الخصم في صحتها أو أنكرها، فلا يتيسر له ذلك إلا بالطعن بالزور([4]).
أما المحرر العرفي وإن لم يعرفه المشرع المغربي فان بعض الفقه ذهب إلى أنه هو الذي لا يكتبه أشخاص أو موظفون عموميون لهم صلاحية التوثيق قانونا، وهكذا فالمحرر العرفي قد يكتبه الطرفان أنفسهم وقد ينوب عنهم الغير في تلك الكتابة كالكاتب العمومي أو المحامي مثلا([5]).
وتمييزا للمحرر العرفي عن المحرر الرسمي نص الفصل 423 على ما يلي: الورقة التي لا تصلح لتكون رسمية بسبب عدم اختصاص أو عدم أهلية الموظف، أو بسبب عيب في الشكل تصلح لاعتبارها محررا عرفيا إذا كان موقعا عليها من طرف الذين يلزم رضاهم لصحة الورقة.
الفقرة الثانية: حجية المحرر العرفي
لقد نص الفصل 424 من ق.ل.ع.م. على أن الورقة العرفية المعترف بها ممن يقع التمسك بها ضده أو المعتبرة قانونا في حكم المعترف بها منه يكون لها نفس قوة الدليل التي للورقة الرسمية في مواجهة كافة الأشخاص على التعهدات والبيانات التي تتضمنها وذلك في الحدود المقررة في الفصلين 419 و 420 عدا ما يتعلق بالتاريخ، كما سيذكر فيما بعد.
وهكذا فقد أعطى المشرع المغربي في الفصل 424 من ق.ل.ع.م. للمحرر العرفي نفس قوة دليل المحرر الرسمي، لكن شريطة توفره على ما يلي:
- تحريره كتابة بيد الملتزم نفسه أو بيد غيره؛
- توقيعه من طرف عاقديه في أسفله بيد الملتزم نفسه (الفصل 426) مع مراعاة ما جاء في الفصل 427 الذي نص على أن: “المحررات المتضمنة لالتزامات أشخاص أميين لا تكون لها قيمة إلا إذا تلقاها موثقون أو موظفون عموميون مأذون لهم بذلك”.
فالمشرع المغربي يرمي من خلال هذا النص إلى حماية الأميين من أي استغلال أو تدليس قد يقعون ضحيته بمناسبة التصرفات التي يبرمونها.
والمحرر المعرفي يكون حجة بمضمونه على الكافة دول تاريخه الذي لا يسري في مواجهة الغير إلا إذا كال ثابتا بالكيفية التي حددها المشرع في الفصل 425 من ق.ل.ع([6])، وعلى هذا فالمشرع نظم حجيته تاريخ المحرر العرفي من خلال قاعدة ذات شطرين أحدهما: يفيد أن تاريخ المحرر العرفي حجة بين المتعاقدين، ثانيهما: أن هذا التاريخ لا يكون حجة على الغير إلا إذا كان ثابتا([7]).
كما أن اعتراف المتمسك ضده بالمحرر العرفي إجمالا يجعله في مرتبة حجية المحرر الرسمي، بحيث لا يستطيع الغير نفي صدوره ممن اعترف به إلا بسلوك مسطرة الطعن بالزور، كما لا يستطيع من أقر بصدوره عنه الطعن بسلامته المادية أو ادعاء حصول تغيير في الكتابة أو إضافة أو شطب أو إقحام إلا عن طريق الطعن بالتزوير أيضا.
وفي هذا الصدد صدر عن المجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا) قرار([8]) تضمن أن عقد الصلح المدلي به من طرف المطلوب في النقض يعتبر ورقة عرفية، وهى حجة قاطعة في الاتفاقات والشروط الواقعة بين المتعاقدين مادام لم يطعن فيها بالزور كما يقضي بذلك الفصل 424 من ق.ل.ع.
كما صدر قرار آخر([9]) تضمن أن العقود العرفية لها قوة إثباتية بين عاقديها ما لم يتم إنكارها بصفة صريحة ووفق المقتضيات القانونية، ولا يعتبر عدم المصادقة على الإمضاء المثبت عليها موجبا لإبعادها.
المحور الثاني: شروط وحجية المحررات المحررة من طر ف المحامي
إن المحررات التي يحررها المحامي استنادا إلى المادة 30 من ظهير 20-10-2008 المتعلق بمهنة المحاماة([10])، لا تشترط فيها شروط معينة، وتعتبر محررات عرفية يسري عليها ما يسري على الأوراق العرفية التي ورد النص عليها في قانون الالتزامات والعقود من حيث حجيتها وقابليتها للادعاء فيها بالزور (424 ق.ل.ع).
لكن بالنسبة للمحررات الصادرة عنه استنادا إلى المقتضيات القانونية المتعلقة بالحقوق العينية والقوانين الخاصة المذكورة، هل يختلف الوضع عن سابقتها ويشترط فيها شروط معينة؟، وهل تأخذ صفة المحررات الرسمية؟، هذا ما سأتطرق إليه في الفقرتين التاليتين:
الفقرة الأولى: شروط صحة المحررات الصادرة عن المحامي
يشترط في المحرر الصادر عن المحامى الشروط التالية:
أولا: أن يتم تحريره من طر ف محام مقبول للترافع أمام محكمة النقض
فالمحامي إذن يعتبر كاتبا مهنيا مأذونا له بصياغة المحرر الثابت التاريخ.
ومما لا شك فيه أن المحامى يعتبر مهنيا ممتهنا لمهنة قانونية، منظمة بنص قانوني وهو ظهير 20 أكتوبر 2008، وهذا القانون يخول له تحرير العقود بنص المادة 30 منه التي جاء فيها: “تشتمل هذه المهام… 6- تحرير العقود…).
وهذا ما أكدته المادة 4 من مدونة الحقوق العينية وقصرته على فئة معينة من المحامين دون غيرهم بقولها: “يجب أن تحرر – تحت طائلة البطلان- جميع التصرفات المتعلقة بنقل الملكية أو بإنشاء الحقوق العينية الأخرى أو نقلها أو تعديلها أو إسقاطها بموجب محرر رسمي أو محرر ثابت التاريخ، يتم تحريره من طرف محام مقبول للترافع أمام محكمة النقض ما لم ينص قانون خاص على خلاف ذلك”.
وهكذا يكون كل محام مقبول للترافع أمام محكمة النقض مؤهلا بقوة القانون لتحرير التصرفات المتعلقة بنقل الملكية أو بإنشاء الحقوق، أما غيره من المحامين الذين لا يتوفرون على هذا الشرط فلا حق له في هذا الامتياز، مع العلم أن هذا الحصر لا يستند إلى المصلحة العامة، خاصة وأن هناك عددا من المحامين الشباب يتوفرون على مؤهلات علمية كالحصول على شهادة الدكتوراه في القانون واكتساب خبرة نظرية وعملية في بحال التوثيق، الشيء الذي يصعب معه من الناحية المنطقية عدم السماح لهم بتحرير المحررات بعلة كونهم غير مقبولين للترافع أمام محكمة النقض.
فإذا كان بإمكان المحامي المقبول للترافع أمام محكمة النقض أن يحرر العقود في محرر ثابت التاريخ فإن بإمكانه كذلك أن يجرر العقود التي يكون موضوعها بيع العقارات في طور الإنجاز سواء منها العقد الابتدائي أو النهائي، أو موضوعها ما تعلق بنظام الملكية المشتركة للعقارات المبنية أو كان موضوعها عقد الإيجار المفضي إلى تملك العقار وفق ما جاء في القانون رقم 00 – 51. ([11])
وهذا ما ورد النص عليه في الفقرة الأول من الفصل 3-618 من ق.ل.ع. حيث إنه يجب أن يحرر عقد البيع الابتدائي لعقار في طور الانجاز، إما في محرر رسمي أو بموجب عقد ثابت التاريخ يتم تحريره من طرف مهني ينتمي إلى مهنة قانونية منظمة، ويخول لها قانونها تحرير العقود وذلك تحت طائلة البطلان([12]).
ونفس التعبير تقريبا ورد بالمادة 12 من القانون المتعلق بالملكية المشتركة للعقارات المبنية (18-00): “يجب أن تحرر جميع التصرفات المتعلقة بنقل الملكية المشتركة…بموجب محرر رسمي أو محرر ثابت التاريخ…” ([13]).
ونفس التعبير أيضا ورد بالمادة 4 من القانون المتعلق بالإيجار المفضي إلى تملك العقار. وتجدر الإشارة إلى أن المشرع لم يكتف باشتراط كون المحامي مقبولا للترافع أمام محكمة النقض لتوثيق التصرفات العقارية إذا كانت تتعلق بنظام الملكية المشتركة للعقارات المبنية أو الخاصة بالعقارات في طور الإنجاز والإيجار المفضي لتملك العقارات فقط، بل لابد من ورود اسم المحامى ضمن اللائحة السنوية المحددة من طرف وزير العدل، وهذا ما تفيده القوانين المنظمة لذلك؛ إذ نجدها تنص على أنه: “يقيد باللائحة المحامون المقبولون للترافع أمام المجلس الأعلى طبقا للفصل 34 من الظهير الشريف رقم 162-93-1 الصادر في 22 ربيع الأول 1414هـ (10 شتنبر 1993) المعتبر بمثابة قانون يتعلق بتنظيم مهنة المحاماة”([14]).
والسؤال الذي يطرح: هل المحامي الذي يتولى توثيق التصرفات المتعلقة بنقل الملكية أو الحقوق العينية الأخرى مطلوب فيه أن يكون مقيدا باللائحة السنوية المعدة من طرف وزير العدل، وإن كانت المادة 4 من مدونة الحقوق العينية لا تشترط ذلك؟، أرى أن ما يشترط في المحامى الذي يتولى توثيق التصرفات العقارية في ظل القوانين الخاصة، يجب اشتراطه كذلك في المحامى الذي يتولى توثيق باقي التصرفات؛ إذ لا معنى للتمييز بين المحامين وتقسيمهم إلى صنفين؛ لأجل ذلك كان على المشرع أن يستعمل صيغة واحدة في هذه النصوص، ويجعل من كل محام مقبول للترافع أمام محكمة النقض شخصا مؤهلا بقوة القانون لتحرير هذه العقود العقارية، دون أن يتوقف ذلك على اللائحة السنوية المعدة من طرف الوزير، خاصة وأن محكمة النقض تقوم سنويا بنشر لائحة بأسماء المحامين المقبولين للترافع أمامها.
ثانيا: تصحيح الامضاءات والتعريف بإمضاء المحامي
بعد تحرير المحرر من طرف المحامي المقبول للترافع أمام محكمة النقض بشروطه الشكلية والموضوعية، يتم توقيعه من قبل المحامى والأطراف المتعاقدة، كما يجب تصحيح([15]) إمضاءات أطراف العقد ومحرره لدى السلطات المحلية المختصة ويتم التعريف بإمضاء المحامى المحرر للعقد من لدن رئيس كتابة الضبط بالمحكمة الابتدائية التي يمارس المحامي عمله بدائرتها ولو كان موطن الأطراف مختلفا.
فالتوقيع هو أحد العناصر الجوهرية في المحرر العرفي، فهو دليل نسبة الكتابة أو مضمونها إلى موقعها ولو لم تكن مكتوبة بخط يده([16]).
ويشترط في التوقيع أن يكون أسفل المحرر، وأن يكون بخط يد الموقع ولا يجزئ عن ذلك الختم أو تأشيرة الطابع أو بصمة اليد طبقا لمقتضيات الفصل 426 من ق.ل.ع([17])، وهذا ما استقر عليه القضاء المغربي، حيث جاء في قرار للمجلس الأعلى بهذا الصدد، أن التوقيع بالبصمة لا يعتبر إمضاء ولا تلزم صاحبها طالما أن المشرع لم ينص عليها([18]). وتجدر الإشارة إلى أن مقتضيات قانون التوثيق رقم 09.32 الجديدة، التي تجيز للموثقين اعتماد التوقيع بالبصمة إذا كان الشخص لا يحسن التوقيع، فإنها لا تنطبق على المحررات التي يحررها المحامي([19]).
وكما أن موضوع تحرير المحامي المقبول للترافع أمام محكمة النقض لمثل هذه العقود والتعريف بإمضائه من لدن رئيس كتابة ضبط المحكمة الابتدائية التي يمارس المحامي عمله بدائرتها يثير عدة تساؤلات وإشكالات وتناقضات وانتقادات.
ويتجلى هذا النقد في عدم استساغة رقابة القضاء على مهنة المحاماة، ولما لا يكون التعريف بالإمضاء شأنا داخليا من اختصاص نقابة المحامين على غرار بعض التشريعات العربية”([20]).
ويتفرع عن هذا المقتضى إشكال آخر محتمل الوقوع وهو في حالة رفض رئيس كتابة الضبط التعريف بالإمضاء لسبب من الأسباب، فهل يعتبر هذا القرار إداريا يطعن فيه أمام المحكمة الإدارية أم لا؟.
يرى أحد الباحثين([21]) أنه يتعين على رئيس كتابة الضبط تعليل قراره بهذا الخصوص تعليلا خاصا، انسجاما مع القانون المتعلق بالتزام الإدارة العمومية بتعليل قراراتها، مع قابلية قراره للطعن أمام المحكمة الإدارية المختصة، سواء كان قراره صريحا أم ضمنيا، مادام هذا القرار متوفرا على شروطه.
ومن التساؤلات التي تثار كذلك مسألة الاختصاص المكاني للمحامي، فهل تحرير العقود من طرف المحامي محصور فقط في دائرة المحكمة الابتدائية التي يمارس فيها؟
الأصل هو أن المحامي يقيد بجدول الهيئة الخاضعة لنفوذ دائرة محكمة الاستئناف وليس بنفوذ دائرة المحكمة الابتدائية، فهل حاول المشرع وضع قيد مكاني على المحامي عند تحريره للعقود، ومن ثم لا يجوز له تجاوزه؟ وهل يتعرض المحرر للبطلان في حالة المخالفة أم يبقى صحيحا منتجا لآثاره؟ أم أن الأمر كله مرتبط فقط بالتعريف بالإمضاء ليس إلا؟.
أعتقد أن المشرع لو جعل التعريف بالإمضاء – على علاته- من اختصاص رئيس كتابة ضبط محكمة الاستئناف التي يمارس بدائرتها المحامي محرر العقد، لكان أكثر انسجاما مع قانون المحاماة (20-10-2008).
ا لفقرة الثانية: حجية العقد المحور من طرف المحامي
لقد أدت بعض المقتضيات الخاصة المنصوص عليها في القوانين (00-44 و 00-18 و 00-51 و 02.39) المتعلقة بالمحرر الثابت التاريخ الذي يحرره المحامي المقبول للترافع أمام محكمة النقض إلى انقسام آراء الفقه حول طبيعته القانونية:
فذهب البعض إلى القول بأن المحررات التي يحررها المحامي تعتبر محررات عرفية يسري عليها ما يسري على الأوراق العرفية التي ورد النص عليها في قانون الالتزامات والعقود من حيث حجيتها وقابليتها للطعن فيها بالزور([22]).
والبعض الآخر يرى أن هذه المحررات تكتسي حجية المحررات الرسمية حيث لا يجوز الطعن فيها إلا بالزور؛ لتوفرها على الشروط الشكلية والموضوعية([23]). ويستند فذا الرأي على مرجعية المصلحة التي تقتضى القول في نظرهم بأنه محرر رسمي اعتبارا لتدخل الدولة في تحديد الجهات المكلفة بتحريره وتزكيتها لهم.
لكن الغالب من الآراء يتجه نحو القول إنه محرر ثابت التاريخ. وهذا ما أكدته مدونة الحقوق العينية في المادة 04 منها حينما نصت على أنه: “يجب أن تحرر – تحت طائلة البطلان – جميع التصرفات المتعلقة بنقل الملكية أو بإنشاء الحقوق العينية الأخرى أو نقلها أو تعديلها أو إسقاطها بموجب محرر رسمي أو محرر ثابت التاريخ، يتم تحريره من طرف محام مقبول للترافع أمام محكمة النقض ما لم ينص قانون خاص على خلاف ذلك”.
وعليه، فإن المحررات التي يحررها المحامى المقبول للترافع أمام محكمة النقض تعتبر محررات ثابتة التاريخ، سواء تعلقت بنقل الملكية أو بإنشاء الحقوق العينية الأخرى أو نقلها أو تعديلها أو إسقاطها، أو تعلقت ببيع عقار عادي أو بيع عقار في طور الإنجاز، أو في نظام الملكية المشتركة أو الإيجار المفضي إلى تملك العقار.
[1] ظهير شريف رقم 06.56 صادر في 15 من محرم 1427هـ 14 فبراير 2006 بتنفيذ القانون رقم (16.03) المتعلق بخطة العدالة.
[2] ظهير شريف رقم 1.11.179 صادر في 25 من ذي الحجة 1432هـ الموافق ل22 نوفمبر 2011 بتنفيذ القانون رقم (32.09) المتعلق بتنظيم مهنة التوثيق.
[3]إدريس العلوي العبدلاوي. وسائل الإثبات التشريع المغربي، ط: 1981، مطبعة النجاح الدار البيضاء، ص: 68 وما بعدها – بتصرف-
[4]عرف المشرع المغربي تزوير الأوراق في الفصل 351 من القانون الجنائي بما يلي: “تزوير الأوراق هو تغيير الحقيقة فيها بسوء نية، تغييرا من شأنه أن يسبب ضررا متى وقع في محرر بإحدى الوسائل المنصوص عليها في القانون”.
وادعاء التزوير هو مجموع الإجراءات التي يقتضي إتباعها لإثبات التزوير، وهو نوعان:
1: ادعاء الزور الجزائي ويكون بتقديم الشخص الذي ينسب إليه السند الشكوى إلى النيابة العامة بالتزوير، وقد نظم المشرع المغربي من الناحية الجنائية جريمة تزوير الأوراق الرسمية والعمومية ضمن مقتضيات الفصول من 351 إلى 356 من القانون الجنائي.
جاء في الفصل 352: يعاقب بالسجن المؤبد كل قاض أو موظف عمومي وكل موثق أو عدل ارتكب أثناء قيامه بوظيفته، تزويرا بإحدى الوسائل الآية:
- وضع توقعات مزورة؛
- تغيير المحرر أو الكتابة أو التوقيع؛
- وضع أشخاص موهومين أو استبدال أشخاص بآخرين؛
- كتابة إضافة أو مقحمة في السجلات أو المحررات العمومة، بعد تمام تحريرها أو اختتامها.
وجاء في الفصل 353: يعاقب بالسجن المؤبد كل واحد من رجال القضاء أو الموظفين العموميين أو الموثقين أو العدول ارتكب، بسوء نية، أثناء تحريره ورقة متعلقة بوظيفته، تغييرا في جوهرها أو في ظروف تحريرها، وذلك إما بكتاية اتفاقات تخالف ما رسمه أو أملاه الأطراف المعنيون، وإما بإثبات صحة وقانع يعلم أنها غير صحيحة، وإما بإثبات وقانع على أنها اعتراف بها لديه، أو حدثت أمامه بالرغم من عدم حصول ذلك، وإما بحذف أو تغيير عمدي في التصريحات التي يتلقاها.
2: ادعاء الزور المدني، وهو نوعان: إدعاء تزوير أصلى وادعاء تزوير عارض. فالنوع الأول لم يأخذ به المشرع المغربي، أما النوع الثاني وهو الذي ينصب على السند المقدم كدليل للإثبات في دعوى مدنية قائمة، وقد نظمه المشرع ضمن مقتضيات الفصول من 89 إلى 102 من ق. م. م. وتطبق نفس المقتضيات إذا كانت القضية معروضة أمام محكمة الاستئناف حسب ما قرره الفصل 336 من نفس القانون، وأما أمام محكمة النقض فتطبق مقتضيات الفصلين 386 و 387 من نفس القانون. انظر: إدريس العلوى العبدلاوى، وسائل الإثبات في التشريع المغربي. ط: 1981 مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ص: 73 و ما بعدها، ومحمد الكشبور، بيع العقار بين الرضائية والشكل، سلسلة الدراسات القانونية المعاصرة 1، مطبعة النجاح الجديدة، الدر البيضاء. الطبعة الأولى 1997. ص: 75، هامش: 61.
[5]محمد الكشبور، مع العقار بين الرضائية والشكل، مرجع سابق، هامش رقم: 63 ص: 76 – 77.
[6]ينص الفصل 425 من ق.ل.ع على أن: الأوراق العرفية دليل على تاريخها بين المتعاقدين وورثتهم وخلفهم الخاص حينما يعمل كل منهم باسم مدينه، ولا تكون دليلا على تاريخها في مواجهة الغير إلا: 1: من يوم تسجيلها سواء كانت ذلك في المغرب أو في الخارج 2: من يوم إيداع الورقة بين يدي موظف عمومي 3: من يوم الوفاة أو من يوم العجز الثابت إذا كان الذي وقع على الورقة بصفته متعاقدا أو شاهدا قد توفى أو أصبح عاجزا عن الكتابة عجزا بدنيا 4: من يوم التأشير أو المصادقة على الورقة من طرف موظف مأذون له بذلك أو من طرف موظف سواء في المغرب أو في الخارج 5: إذا كان التاريخ ناتجا عن أدلة أخرى لها نفس القوة القاطعة 6: إذا كان التاريخ ناتجا عن التوقيع الالكتروني المؤمن الذي يعرف بالوثيقة وبموقعها وفق التشريع الجاري به العمل.
ويعبر الخلف الخاص من الغير في حكم هذا الفصل، إذا كان لا يعمل باسم مدينه.
[7]محمد الكشبور. بيع العقار بين الرضائية والشكل. م س. ص: 78.
[8]قرار رقم: 138 في اللف المدني عدد: 54171 تاريخ: 22-4-1977، منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى عدد: 25 ص 74.
[9]قرار رقم: 1010 بتاريخ 12-4-1989م، منشور بمجلة الإشعاع العدد: 2 ص: 81.
[10]الظهير الشريف رقم 101.08.1م بتاريخ 20 شوال 1429هـ الموافق في 20 أكتوبر 2008. الصادر بتنفيذه القانون 28.08 المتعلق بتعديل القانون المنظم لمهنة المحاماة. النشور بالجريدة الرسمية عدد 07-5680 بتاريخ 7 ذو القعدة 1429هـ الموافق ل 6 نونبر 2008م.
وتعتبر المحاماة مهنة حرة ومستقلة، يتلقى المحامي لقاء مزاولته لها أتعابا، وتجعله في منأى عن كل تأثير أو ضغط أو تحيز مهما كان نوعه عند مباشرته لمهنة الدفاع عن موكليه بغض النظر عن ميولاتهم وانتماءاتهم، ويتجلى هذا الاحتلال من خلال عبارات القسم الذي يؤديه.
أما عن مهام المحامي فيمكن التمييز بين المهام الرئيسية والمهام التبعية، حيث تتجلى المهام الأول في الترافع نيابة عن الأطراف ومؤازرتهم والدفاع عنهم ومباشرة كل إجراء مناسب أمام المحاكم وغير ذلك، أما المهام الثانية فتتجلى في إعطاء إرشادات وفتاوى في الميدان القانوني (المادة 80).
ويمكن للمحامي بحكم خبرته القانونية مباشرة عمليات تحرر العقود في الميدان المدني (البيع والإيجار والوكالات…) وفي الميدان التجاري (عقود الشركات، الرهون…) ولا يجوز له ذلك في ميدان الأحوال الشخصية، وهذا ما خوله له القانون المنظم لمهنة المحاماة، حيث نصت المادة 30 من ظهير 20-10-2008 على أنه لجميع المحامين تحرير العقود العرفية، كيفما كان موضوع هذه العقود عقارية أو تجارية أو إدارية أو مدنية …، غير أن المادة 4 من القانون رقم 08-39 المتعلق بمدونة الحقوق العينية قصرت ذلك على المحامين المقبولين للترافع أمام محكمة النقض، أي المحامون الذين قضوا 15 سنة كاملة على الأقل إذا تعلق الأمر بالتصرفات المتعلقة بنقل الملكية أو بإنشاء الحقوق العينية الأخرى أو نقلها أو تعديلها أو إسقاطها.
[11]ظهير شريف رقم 1.03.202. الصادر بتاريخ 16 من رمضان 1424هـ الموافق 11 نونبر 2003 بتنفيذ القانون 00.51 المتملق بالإيجار المفضي إلى تملك العقار.
[12]الظهير الشريف 3021.102 الصادر بتاريخ 25 رجب 1423هـ الموافق 13 أكتوبر 2002. بتنفيذ القانون 44.00 المنظم لبيع العقارات في طور الانجاز. تتميما للظهير الشريف الصادر في رمضان 1331هـ الموافق ل 21 غشت 1913 بمثابة قانون الالتزامات والعقود.
[13]ظهير شريف رقم 2980.1.02 الصادر بتاريخ 25 من رجب 1423هـ الموافق 03 أكتوبر 2002 بتنفيذ القانون 00.18 المتعلق بنظام الملكة المشتركة للعقارات المبنية.
[14]المادة 12 الفقرة 3 من القانون رقم 00.18 المتملق بنظام الملكية المشتركة للعقارات المبنية. والفصل 618.3 الفقرة 3 من قانون 00.44 المتعلق ببيع العقار في طور الانجاز المتمم بموجبه ق.ل.ع المغربي، والمادة 4 فقرة 3 من القانون رقم 00.51 المتعلق بالإيجار المفضي إلى تملك العقار.
[15]الملاحظ أن المشرع ما زال يستعمل مصطلح تصحيح الإمضاء المنتقد فقهيا، بعلة أن الإمضاء غير خاطئ لكي يتم تصحيحه أمام جهة معينة، والأحسن استعمال مصطلح المصادقة على الإمضاء لدلالة على أن السلطة المختصة تشهد أن الإمضاء موضوع الإجراء قد صدر فعلا عن المعنى بالأمر وأمامها بتوقيع المعنى بالأمر في سجل خاص معد لهذه الغاية.
[16]سليمان مرقس. الوافي في شرح القانون المدلي وأصول الإثبات وإجراءاته. مجلد:1 .ط: 5 القاهرة 1991. ص: 232.
[17]عبد المجيد بوكير..التوثيق العصري المغربي، طبع مكتبة دار السلام، الطبعة الثانية، 2010 ص 110.
[18]قرار رقم: 1786 بتاريخ 6/3/1989، ملف مدني عدد: 2679/84، قضاء المجلس الأعلى عدد: 45/11/1991 ص 55.
[19]تنص المادة 43 في فقرتها 5 من قانون التوثيق على أنه: إذا كان احد الأطراف لا يحسن التوقيع فانه يضع بصمته على العقد ويشهد عليه الموثق بذلك وإذا تعذر عليه التوقيع والإبصام فان الموثق يشهد عليه بذلك بمحضر شاهدين.
[20] مثل قانون المحاماة المصري (21-4-783) المادة 59 منه: ومصدقا على توقيعه من النقابة الفرعية المختصة بصفته ودرجة قيده. والقانون السوري في ذلك نحى نفس المنحى القانوني المصري في مادة 51.
[21] عبد الحفيظ مشمشي. توثيق التصرفات العقارية في ظل القوانين الخاصة، مقال منشور بكتاب: المنازعات العقارية من خلال اجتهادات المجلس الأعلى، مطبعة الأمنية، الرباط، ص: 410.
[22] عبد المجيد بوكير. حجية الوثيقة المحررة من طرف المحامي في إطار القوانين 18.00 و 44.00 و 51.00، ندوة التوثيق المغربي واقع وآفاق، المنعقدة بالكلية متعددة التخصصات بتازة يومي 24 و 25 أبريل 2008، مطبعة دار السلام بالرباط، الطبعة الأولى 2010، ص: 39.
[23] محمد بلهاشمي التسولي. المحامي وتحرير العقود، ط: 1 سنة 2006 ص 67-68.


