في ضوء القانون09 . 32

 تأملات في إشكالية الفقرة1

 من المادة3

د. محمد المهدي

أستاذ باحث بالكلية متعددة التخصصات تازة

مقدمة:

إن من يتأمل مضامين ظهير التوثيق العصري لرابع ماي 1925 بعين الإنصاف يجدها عن حق مضامين متهالكة لم تعد تتماشي مطلقاً وما وصل إليه مغرب اليوم سواء على المستوى التشريعي أو على المستوى الاقتصادي.

ولذلك، فإن تحيين مقتضيات هذا الظهير شكل منذ مدة حاجة ملحة، وضرورة لا بد منه، لا سيما وأن في هذه المقتضيات ذات الأصول الفرنسية ما يمس بنظامنا العام المغربي من وجوه متعددة، سواء على مستوى مناقضته لمقتضيات الشريعة الإسلامية أو على مستوى مقتضيات الدستور المغربي أو على مستوى التنظيم القضائي للمملكة.

وفي هذا السياق صدر القانون 32.09المنظم لمهنة التوثيق([1]) في حلة جديدة، متضمناً 134 مادة، تضم بين ثناياها عدداً مهماً من المستجدات القانونية، التي يعقد عليها الفاعلون والباحثون الآمال الكبيرة في بلورة الأهداف الكبرى التي سطرها المغرب في إطار تحديث ترسانته القانونية.

ولعل من هذه المستجدات ما يتعلق بأهلية الترشح لمزاولة مهنة التوثيق، فبعد أن كان ظهير 4 ماي 1925 ينص في فصله السابع على اشتراط الجنسية الفرنسية في متولي مهنة التوثيق العصري أصبح القانون الجديد ينص على اشتراط الجنسية المغربية في متولي مهنة التوثيق، حيث جاء في الفقرة الأولى من مادته الثالثة أنه: “يشترط في المترشح لمهنة التوثيق أن يكون: 1- مغربياً مع مراعاة قيود الأهلية المشار إليها في قانون الجنسية المغربية”([2])، وهي عبارة نجدها مستنسخة في عدد من القوانين المغربية، سواء كانت تنظم مهناً حرة أو وظائف عمومية.

فما المقصود بهذه العبارة إذن؟ (أولاً)

وهل هي تنسجم فعلاً مع روح التشريع المغربي ومقتضياته؟ (ثانياً)

أولاً: دلالة اشتراط

مغربية المترشح مع مراعاة قيود الأهلية الواردة في قانون الجنسية

إن هذا الشرط يشكل مضمون العبارة الواردة في الفقرة الأولى من المادة الثالثة من القانون 32.09، وهي عبارة نجدها مثبتة ومتكررة في عدد من القوانين السابقة على القانون المذكور، ولعل البحث في مدلولها يقتضي تفكيك عناصرها على النحو التالي:

 أن يكون المرشح مغربياً:

إن اشتراط مغربية المترشح هنا تعني أن المغربي الذي يحمل الجنسية المغربية هو من له الحق في الترشح لمزاولة مهنة التوثيق بمقتضى القانون 32.09، بصرف النظر عن كونه يحمل الجنسية المغربية فقط أم يحمل جنسية أو جنسيات أخرى أجنبية، وبصرف النظر عن كونه يحمل الجنسية المغربية الأصلية أو يحمل الجنسية المغربية المكتسبة.

 مراعاة قيود الأهلية الواردة في قانون الجنسية:

إن البحث في معنى هذه القيود يقتضي منا بالضرورة الرجوع إلى مصدرها المتجسد في ظهير الجنسية لسنة 1958 مع التعديلات المدخلة عليه بموجب القانون 62.06، وبذلك نجد أن قيود الأهلية المشار إليها هي قيود مفروضة على المتجنس دون سواه ممن اكتسبوا الجنسية المغربية بصريح الفصل 17، الذي جاء فيه أنه: “يخضع الأجنبي المتجنس طيلة خمس سنوات للقيود في الأهلية الآتية:

أولاً: لا يجوز أن تسند إليه وظيفة عمومية أو نيابة انتخابية يشترط فيمن يقوم بهما التمتع بالجنسية المغربية.

ثانياً: لا يجوز أن يكون ناخباً إذا كانت الصفة المغربية شرطاً للتسجيل في اللوائح الانتخابية.

على أنه يجوز أن يعفى من هذه القيود كلها أو بعضها بمقتضى ظهير فيما إذا خولت الجنسية بمقتضى ظهير أو بموجب مرسوم يخذه المجلس الوزاري فيما إذا خولت الجنسية بموجب مرسوم”.

فالقيود المذكورة إذن هي واردة على سبيل الحصر، وتهم ثلاثة مجالات أساسية:

  • عدم ممارسة وظيفة عمومية؛
  • عدم ممارسة نيابة انتخابية؛
  • عدم ممارسة الحق في التصويت.

وبيان ذلك أن الأجنبي الذي سلك طريق التجنيس([3]) بغية الحصول على الجنسية المغربية إذا استوفى كل الشروط المطلوبة سواء في الفصل 11 إذا تعلق الأمر بالتجنيس العادي أو في الفصل 12 إذا تعلق الأمر بالتجنيس الاستثنائي([4])، ورأت الجهة المختصة أنه لا مانع من الاستجابة لطلبه، فإنه يكتسب حسب الفصل 16 الجنسية المغربية، ويصبح بالتالي في عداد الوطنيين، من تاريخ نشر المرسوم المتضمن للموافقة في حالة التجنيس العادي، أو من تاريخ نشر الظهير في حالة التجنيس الاستثنائي، حسب ما يقضي به الفصل 29 من قانون الجنسية المغربية.

غير أن المشرع المغربي شأنه شأن الكثير من التشريعات لا يرتب على اكتساب الجنسية المغربية عن طريق التجنيس أثراً فورياً في شأن التمتع بكافة الحقوق التي يتمتع بها المغاربة الأصلاء أو حتى من اكتسبوا الجنسية المغربية بحكم القانون، وإنما يتطلب انقضاء فترة زمنية معينة يحرم المتجنس خلالها من التمتع بالعديد من الحقوق خصوصاً السياسية منها، يطلق البعض على هذه الفترة: “فترة الريبة”، ويطلق عليها آخرون: “فترة الحرمان”، وآخرون يسمونها بـ: “فترة الانتظار”، وهي فترة تجربة تتحقق خلالها الدولة من حسن ولاء المتجنس لها ووثوق ارتباطه بجماعتها الوطنية، وأن تجنسه لم يكن مجرد احتيال على القانون للقيام ببعض الوظائف([5]).

وقد قدر التشريع المغربي هذه الفترة في الفصل 17 المار بنا بخمس سنوات، تحسب بدءاً من تاريخ نشر وثيقة التجنيس، يحرم المتجنس خلالها من مجموعة من الحقوق، لما لها من خطورة وأهمية مرتبطة بكيان الدولة، ويتعلق الأمر بالمجالات/الحقوق الثلاثة المذكورة.

فهذه المجالات هي التي تشكل إذن النطاق الموضوعي لما ينصب عليه التقييد أو الحرمان المؤقت، لا فرق في ذلك بين تجنيس عادي وآخر استثنائي، وقد أحسن المشرع بذلك صنعاً، أسوة بغيره من التشريعات، إذ من غير الملائم بل ومن الخطر أحياناً ترك من كان بالأمس القريب أجنبياً يسهم في وضع القوانين إذا انتخب مثلاً عضواً في البرلمان، وفي إدارة الداخلية والخارجية للبلاد، كما لا يكون من حسن السياسة إشراكه في عضوية مجلس نيابي تناقش فيه المصالح العليا للوطن والتي قد تتعارض مع مصالح الدولة التي كان ينتمي إليها بالأمس القريب، إلا أن هذا الأمر كان ينبغي تعميمه على سائر مكتسبي الجنسية المغربية كيفما كان مصدر اكتسابها، باستثناء من اكتسبوها عن طريق الاسترجاع([6]).

على أن الحرمان من تلك الحقوق ليس نتيجة حتمية، ذلك أنه يمكن حسب الفقرة الأخيرة من الفصل 17 من قانون الجنسية- وانسجاماً مع ما نصت عليه المادتان 5 و 42 من مدونة الانتخابات- إعفاء المتجنس من هذه القيود كلها أو بعضها بمقتضى ظهير إذا كان التجنيس استثنائيا، أو بموجب مرسوم يتخذه المجلس الوزاري إذا كان التجنيس عادياً.

ومن كل هذا يتبين أنه إذا كان المشرع قد أحال على قيود الأهلية الثلاثة المذكورة عندما اشترط مغربية المرشح لمهنة التوثيق فإنما يريد أن ينبه إلى أن ما ذكره من اشتراط مغربية المرشح ليس على إطلاقه، أي أنه ليس كافياً أن يكون مغربياً بل يتعين أن يكون مغربياً أصيلاً أو مغربيا جنسيته مكتسبة بغير طريق التجنيس، وإلا فيلزمه انتظار خمس سنوات حتى يكون له نفس الحق للمغاربة الأصلاء في الترشح لمهنة مزاولة التوثيق.

هذا هو الفهم المتبادر من العبارة المضمنة في الفقرة الأولى من المادة 3، ورغم أن هذه العبارة وردت في قوانين سابقة عن قانون التوثيق الجديد، إلا أني لم أجد من يقف عندها وكأنها لا تستحق أي عناء، وإذا كان الدكتور محمد ابن معجوز تحاشى التعليق عليها، مكتفياً بالقول بأن من شروط مزاولة خطة العدالة أن يكون مسلماً مغربياً([7])، دون الإشارة إلى باقي العبارة وكأن النص خلو منها، وكذلك فعل الدكتور محمد جميل بن مبارك([8])، فإن البعض ممن تصدوا لشرح القانون المتعلق بخطة العدالة رأوا أن المادة الرابعة منه تنص على شرط: “أن يكون المترشح مغربياً، مع مراعاة قيود الأهلية المشار إليها في قانون الجنسية المغربي، من حيث كونه مستمراً ومحافظاً على الجنسية المغربية، غير محكوم عليه إدارياً أو قضائياً بالتجريد منها”([9])، ولا شك أن هذا التفسير بعيد كل البعد عن المدلول الحقيق للعبارة، وبعض العدول ممن سألناهم عن رأيهم في معنى العبارة وجدناهم يحلقون بعيدا، إذا لم يكفوا عن الدوران في فلك الأهلية الواردة في قانون الأسرة، حيث راح بعضهم يفسرها بأنها البلوغ والرشد وما إلى ذلك.

ثانياً: مدى انسجام الفقرة1

من المادة3

مع روح التشريع المغربي ومقتضياته:

نحاول في هذه الفقرة أن نجيب عن تساؤل يتعلق بمدى انسجام العبارة المارة بنا مع التشريع المغربي، ومن أجل ذلك نتساءل بداية: إذا كان قانون الجنسية يفرض قيوداً على المتجنس طوال فترة خمس سنوات من تاريخ اكتسابه الجنسية المغربية كما مر بنا، ومن ذلك حرمانه من ممارسة وظيفة عمومية، فلماذا يحيل المشرع في قانون التوثيق الجديد على تلك القيود ويتطلب مراعاتها أثناء النظر في شرط مغربية المترشح، مع أن التوثيق أصبح بمقتضى المادة الأولى من القانون 32.09: “مهنة حرة” وليس وظيفة عمومية كما كان في السابق([10])؟، خاصة وأن بين الوظيفة العمومية والمهنة الحرة فروقاً كبيرة، يكفي أن الوظيفة العمومية حسب الفصل 2 من ظهير 24 فبراير 1958 تقتضي التعيين في وظيفة قارة، والترسيم في إحدى رتب السلم الخاص بأسلاك الإدارة التابعة للدولة، وهاتان الخاصيتان لا تنطبقان على المهن الحرة، فأصحابها لا يخضعون عند تعيينهم كما لا يخفى لإحدى الرتب الإدارية المعمول بها في أسلاك الوظيفة العمومية، وفضلاً عن ذلك لا يتقاضون رواتبهم من الخزينة العامة التابعة للدولة كما هو الشأن بالنسبة للموظفين، وإنما يأخذون أتعابهم من الزبناء([11]).

ولعل الجدير بالإشارة أن هذا الإشكال لا يتعلق فقط بأهلية الترشح لمهنة التوثيق فحسب، بل يتعلق أيضاً بمهن حرة أخرى اصطفاها المشرع دون غيرها، وتتعلق كما سنرى بمهنة النساخة والترجمة والخبرة القضائية وخطة العدالة، مع ملاحظة أنه أعفى مهناً أخرى حرة من ذات القيود، فهل هناك سبب للتمييز؟، وهل هذا التمييز مقصود لدى المشرع؟.

هذه التساؤلات وغيرها فرضت نفسها بإلحاح ولو من باب الفضول العلمي، والإجابة عنها اقتضت في غياب أي توضيح في هذا الباب، إطلاق العنان للفكر ليبدي رأيه في الموضوع دون الجزم أو الحسم بصوابه.

لعل من التطبيقات السليمة لقيود الأهلية المشار إليها في قانون الجنسية ما نص عليه النظام الأساسي للقضاة- الصادر بمقتضى ظهير 11 نوفمبر 1974، والمغير والمتمم بموجب القانون رقم 17.06 الذي صدر بتنفيذه ظهير 17 أبريل 2007- في الفصل 4 من أنه: “لا يعين أي شخص ملحقاً قضائياً:

– إذا لم تكن جنسيته مغربية، مع مراعاة قيود الأهلية المشار إليها في قانون الجنسية المغربية”، بمعنى أن المغربي بمقتضى التجنيس لا يمكن أن يكون ملحقاً قضائياً داخل الخمس سنوات التي تلي تاريخ اكتسابه للجنسية المغربية، فهي فترة الحرمان المنصوص عليها في قانون الجنسية المحال عليه، فهذه إذن إحالة سليمة لأن القضاء وظيفة عمومية.

لكن في المقابل نرى أن نفس الإحالة وردت في عدد من القوانين التي تنظم مهناً حرة، وهو ما لا يستساغ من وجهة نظرنا، ويتعلق الأمر بـ:

1- القانون 50.00 المتعلق بالتراجمة المقبولين لدى المحاكم، حيث ينص في المادة 3 على أنه: “يشترط في المترشح لممارسة ترجمان مقبول لدى المحاكم:

– أن يكون مغربياً مع مراعاة قيود الأهلية المنصوص عليها في قانون الجنسية المغربية، أو من رعايا دولة تربطها بالمملكة المغربية اتفاقية تسمح لمواطني كل من الدولتين بممارسة مهنة الترجمة لدى المحاكم في الدولة الأخرى.

2- القانون 49.00 المتعلق بتنظيم مهنة النساخة، ينص في المادة 3 على أنه: “يشترط في المترشح لمهنة النساخة أن يكون:

– مسلماً مغربياً مع مراعاة قيود الأهلية المشار إليها في قانون الجنسية المغربية.

3- القانون 16.03 المتعلق بخطة العدالة ينص هو الآخر في المادة 4 على أنه: “يشترط في المرشح لممارسة خطة العدالة:

– أن يكون مسلماً مغربياً مع مراعاة قيود الأهلية المشار إليها في قانون الجنسية المغربية.

4- القانون رقم 45.00 المتعلق بالخبراء القضائيين، ينص هو أيضاً في المادة 3 على أنه: “يشترط في كل مترشح للتسجيل في جداول الخبراء الاستجابة للشروط الآتية:

– أن يكون المترشح مغربياً، مع مراعاة قيود الأهلية المشار إليها في قانون الجنسية، أو من رعايا دولة تربطها بالمغرب اتفاقية تسمح لمواطني كل منهما بممارسة الخبرة القضائية في الدولة الأخرى”.

5- القانون رقم 32.09 المتعلق بتنظيم مهنة التوثيق الذي هو محل هذه المقالة، نجده ينص بدوره في المادة 3 على أنه: “يشترط في المترشح لمهنة التوثيق أن يكون:

– مغربيا مع مراعاة قيود الأهلية المشار إليها في قانون الجنسية المغربية”.

فهذه الإحالات الواردة في هذه القوانين على قيود الأهلية المشار إليها في قانون الجنسية ليست مقصودة لدى المشرع، وإنما هي زلة قلم حصلت في قانون معين تم نسخها عن غير وعي في بقية القوانين، دليلنا على ذلك نستمده من وجهين:

أولاً: لما كانت القوانين المشار إليها كلها صادرة في تاريخ لاحق على ظهير الجنسية لسنة 1958، فإنه كان بالإمكان القول قبيل صدور القانون 62.06 الصادر سنة 2007 بأن المشرع أضاف فيها قيداً آخر على حقوق المتجنس يقضي بعدم توليه أياً من المهن الحرة المذكورة، لكن بعد صدور هذا القانون 62.06 المشار إليه باعتباره قانوناً لاحقاً على تلك القوانين- باستثناء قانون التوثيق- دون أن يورد في طياته أي تعديلات على قيود الأهلية يفيد حتماً أن اشتراط مراعاتها في تولي تلك المهن غير مقصود، وإلا فإن المشرع وقع في تناقض صريح لا يليق.

ثانياً: إن الإحالة في المهن المذكورة على قيود الأهلية الواردة في قانون الجنسية فيه نظر بكل تأكيد، لأن الأمر في هذا القانون يتعلق بمنع المتجنس من ممارسة وظيفة عمومية، وليس من ممارسة مهنة حرة، وشتان ما بين مهنة حرة ووظيفة عمومية كما مر بنا.

وحتى إذا كان المشرع يقصد تلك الإحالات فعلاً فمن المفترض به أن يعيد النظر في حصره نطاق القيود على مستوى الوظائف العمومية فقط لتشمل المهن الحرة أيضاً، حتى تكون الإحالات في محلها، وحتى يحصل الانسجام بين القوانين المغربية وهذه غاية نطمح إليها جميعاً.

* ومن جهة أخرى يثور إشكال التمييز القائم بين المهن المشار إليها وبين غيرها ممن اشترط فيها المشرع مغربية المترشح دون تطلب مراعاة قيود الأهلية، من قبيل:

1- القانون رقم 81.03 المتعلق بتنظيم مهنة المفوضين القضائيين، فهو لا يشترط في المرشح لمزاولة مهنة مفوض قضائي حسب المادة 3 منه سوى: “أن يكون من جنسية مغربية”.

وكذلك القانون 28.08 المتعلق بتعديل القانون المنظم لمهنة المحاماة، فهو لا يشترط في المترشح لمهنة المحاماة حسب المادة 5 سوى أن يكون: “مغربياً، أو من مواطني دولة تربطها بالمملكة المغربية اتفاقية تسمح لمواطني كل من الدولتين بممارسة مهنة المحاماة في الدولة الأخرى، مع مراعاة مبدأ التعامل بالمثل مع هذه الدول”.

إن الفضول العلمي يجرنا إلى التساؤل بشدة عن الغاية من هذا التمييز، وإن كنا نستبعد وجود أي فلسفة للمشرع في هذا الشأن، فهو من دون شك من باب الزلات، التي تكشف عن بعض مظاهر أزمة صناعة التشريع ببلادنا، خاصة وأننا نجد بعض المهن كالمحاماة مثلاً لا يحيل فيها المشرع على القيود السابقة حتى لو كان المترشح غير مسلم، في حين نجده يحيل في مهن أخرى على ذات القيود حتى لو كان المترشح مسلماً، كما في خطة العدالة ومهنة النساخة.

إن هذا الارتباط يطرح بشدة دور السلطة التشريعية التي من المفروض أنها تشرع القوانين إسهاماً منها في تحقيق الأمن القانوني والقضائي، وفي نفس الوقت تكون على وعي تام بالمضامين القانونية قبل المصادقة عليها، وهذا بدوره يجر ويطرح على بساط التأمل والمناقشة مسألة إعادة النظر في مؤهلات من يمثل هذه الأمة واشتراط متطلبات علمية معينة فيهم، حتى يكون أداؤهم لأدوارهم في مجال التشريع مثمراً يتناسب وما يتقاضونه من أجور تثقل كاهل الدولة، خاصة وأننا نتحدث اليوم عن إصلاح منظومة العدالة في المغرب التي من المفروض أن ينخرط فيها الجميع.

ونذكر في النهاية بأن ما قلناه هو مجرد رأي ارتأينا طرحه، لا ندعي مطلقاً أنه الصواب الذي لا محيد عنه، وإنما الغاية الأساس من تسطيره تكمن في إثارة النقاش حول هذه النقطة القانونية خاصة وأن الكتابات التي كان لي شرف الاطلاع عليها تحاشت الحديث في الموضوع أو لم تفلح في فهمها، خاصة وأن المطلوب هو الرقي بالصياغة القانونية إلى المستوى الذي يعكس جهود المملكة في مجال تحديث وتحيين ترسانته القانونية.

والله من وراء القصد


[1] راجع الظهير الشريف رقم 179. 11. 1 الصادر في 25 من ذي الحجة 1432 (22 نوفمبر 2011) بتنفيذ القانون رقم 32.09 المتعلق بتنظيم مهنة التوثيق، منشورة في الجريدة الرسمية عدد 5998، بتاريخ 27 ذي الحجة 1432 (24 نوفمبر 2011)، ص: 5611.

[2] يشترط فيه فضلاً عن ذلك حسب ذات المادة أن يكون:”

2- بالغاً من العمر ثلاثة وعشرين سنة ميلادية  كاملة على أن لا يتجاوز 45 سنة باستثناء الفئات المذكورة في المادة 8 بعده؛

3- حاصلاً على شهادة الإجازة في الحقوق من إحدى كليات الحقوق المغربية أو ما يعادلها؛

4- متمتعاً بحقوقه الوطنية والمدنية وذا مروءة وسلوك حسن:

5- متمتعاً بالقدرة اللازمة لممارسة المهنة مثبتة بشهادة طبية صادرة عن مصالح الصحة التابعة للقطاع العام؛

6- غير محكوم عليه من أجل جناية أو جنحة، باستثناء الجنح غير العمدية، ولو رد اعتباره؛

7- غير صادرة في حقه في إطار الوظيفة العمومية أو المهن الحرة عقوبة نهائية تأديبية أو إدارية بالإقالة أو التشطيب أو العزل أو الإحالة على التقاعد أو سحب الإذن أو الرخصة؛

8- غير محكوم عليه بإحدى العقوبات المتخذة ضد مسيري المقاولة المنصوص عليها في القسم الخامس من الكتاب الخامس من مدونة التجارة، ولو رد اعتباره؛

9- غير مخل بالتزام صحيح يربطه بإدارة أو مؤسسة عمومية لمدة معينة؛

10- قد اجتاز بنجاح مباراة الانخراط في مهنة التوثيق”.

[3] من المعلوم أن المشرع المغربي فتح في وجه الأجانب ثلاثة مسالك للحصول على الجنسية المغربية، أولها: بحكم القانون الذي يتفرع بدوره إلى ثلاثة فروع، الولادة في المغرب والإقامة به، الزواج المختلط، الكفالة، ثانيها: التجنيس بنوعيه العادي والاستثنائي، وثالثها: الاسترجاع،

[4] هناك فروق بين النوعين من التجنيس، على مستوى عدد الشروط من جهة وعلى مستوى المسطرة المتبعة بشأنه.

[5] محمد المهدي: الجنسية المغربية في ضوء مستجدات القانون 62.06، المطبعة الأورو-متوسطية بفأس، الطبعة الثانية 2012، ص: 117- 118.

[6] نفس المرجع، ص: 122- 123.

[7] انظر كتابه: وسائل الإثبات في الفقه الإسلامي، مطبعة النجاح الجديدة بالدار البيضاء، الطبعة الأولى 1984، ص: 350.

[8] انظر مؤلفه: التوثيق والإثبات بالكتابة في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي، مطبعة النجاح الجديدة بالدار البيضاء، الطبعة الأولى 2000، ص: 293.

[9] د. العلمي الحراق: الوجيز في شرح القانون المتعلق بخطة العدالة، مطبعة كانا برانت بالرباط، الطبعة الأولى 2009، ص: 9.

[10] بالرجوع إلى الفقرة الأولى من الفصل 1 من ظهير 4 ماي 1925 (ج ر عدد 661 بتاريخ 23 يونيو 1925) نجدها تنص على أنه: “ينشأ موظفون عموميون فرنسيون بدائرة المحكمة الاستئنافية بالرباط يطلق عليهم لقب موثقين ليتلقوا فيها جميع الرسوم المدرج أصحابها في الطبقات والأحوال المبينة والمقررة في الفصول الثالث والرابع والخامس من هذا الظهير الشريف إذا وجب على هؤلاء الآخرين أو أرادوا إعطاء هذه الرسوم المذكورة الصحة المخصصة برسوم وعقود الولاة العموميين وإثبات تاريخها وإيداعها وتسليم نسخ منها تنفيذية كانت أو مجردة…”، فهذا الفصل يعتبر الموثق العصري موظفاً عمومياً، في حين أن التعريف القانوني للموظف العمومي في إطار قانون الوظيفة العمومية (الفصل 2 من ظهير 24 فبراير 1958) لا ينطبق على الموثق العصري. (عبد القادر لشقر: إشكالية تمتع الموثق العصري بصفة الموظف العمومي، مداخلة ضمن أشغال الندوة الوطنية التي نظمها مسلك القانون الخاص بالكلية متعددة التخصصات بتازة يومي 24- 25 أبريل 2008 في موضوع: التوثيق المغربي: واقع وآفاق، مطبعة دار السلام بالرباط، الطبعة الأولى 2010 ص: 65.

[11] د. محمد خيري: مهنة تحرير العقود بين التنظيم والإطلاق، المجلة المغربية لقانون واقتصاد التنمية، العدد 25، السنة 1991، ص: 80- 81- د. مليكه الصروخ: النظام القانوني للموظف العمومي المغربي، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1994، ص: 81.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading