ذ. محمد المهدي
المدير المسؤول
بسم الله الرحمان الرحيم والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وبعد:
فإن أهمية التوثيق الذي هو موضوع ملف هذا العدد لا تخفى على أحد، يكفي استحضار دوره الفاعل في حياة الناس من حيث تيسير معاملاتهم وتحقيق أغراضهم مع شعورهم بالاستقرار والأمان، وإشاعة جو الثقة والأمان اللازمين لتشجيع الاستثمار وإنعاشه المفضي إلى تحقيق التنمية العقارية، فضلاً عن دوره في تحقيق الأمن القانوني والقضائي، فلا عجب إذن أن نجد الفقيه المالكي ابن فرحون يصفه في (التبصرة: 1/200) بأنه: “صناعة جليلة شريفة، وبضاعة عالية منيفة”.
ولعل خروج قانون جديد تحت رقم 32.09 ينظم مهنة التوثيق ويضبط المعاملات التوثيقية بعد طول انتظار، بتاريخ 22 نوفمبر 2011، يمكن اعتباره بحق مبادرة طيبة ومواكبة في محلها من لدن المشرع تهدف بالأساس إلى رفع الحرج عن المواطنين، لا سيما وأن القانون القديم الصادر في ماي 1925 تحت مسمى التوثيق العصري لم يعد منذ مدة يواكب المستجدات التشريعية والاقتصادية والسياسية التي عرفها المغرب بعد الاستقلال، خاصة وأنه وضع في الأصل- كما يقول أستاذنا محمد خيري- لتلبية حاجيات الجاليات الأجنبية بالمغرب وبالخصوص الفرنسيين منهم.
وقد حاول المشرع قدر الإمكان في هذا القانون العمل على تأطير ممارسة مهنة التوثيق بشكل يستجيب لتطلعات العاملين في هذا الميدان ويوفر للمتعاملين كافة الضمانات القانونية الكفيلة بحماية حقوقهم، فضلاً عن مواءمته مع القوانين المغربية، لتزول بذلك مظاهر التضارب التي كانت تطبعه مع هذه القوانين.
وعموماً لن نخوض في استرسال الكلام عن هذا القانون، فقد قيل بشأنه الكثير، وحسبنا ما تطرق إليه السادة الباحثون من جوانب وأثاروه من أفكار في مقالاتهم، تهم هذا القطاع وما يمكن أن يرتبط به من جوانب توثيقية هبت بها رياح القوانين الأخرى من قبيل القانون 39.08 المتعلق بمدونة الحقوق العينية خاصة من خلال مادته الرابعة التي شكلت بحق مقتضى جديداً في مجال توثيق التصرفات المتعلقة بنقل الملكية أو بإنشاء الحقوق العينية الأخرى أو نقلها أو تعديلها أو إسقاطها، حيث أصبح من الواجب تحرير هذه التصرفات تحت طائلة البطلان بموجب محرر رسمي أو بمحرر ثابت التاريخ يتم تحريره من طرف محام مقبول للترافع أمام محكمة النقض ما لم ينص قانون خاص على خلاف ذلك، ليكون المشرع بمسلكه هذا قد ضيق من باب التوثيق العرفي، وهو مسلك محمود، بالنظر إلى ما يطرحه هذا الأخير من مشاكل قد تنسف عنصر الأمان من أساسه وتهدد مصالح المتعاقدين في صميم تعاملاتهم.
ورغم أن المقالات المضمنة بهذا العدد الخامس من المجلة لا تشكل في مجموعها في نظرنا ملفاً متكاملاً كما كنا ننشد، أو وحدة متجانسة كما كنا نهدف، بسبب تأخر العدد السابق في الصدور، الذي كان يحمل في واجهته الخلفية محاور العدد الموالي، إلا أن الأمل يحذونا في تحرك أقلام الباحثين سواء من خلال هذا المنبر أو غيره من المنابر المغربية لمقاربة الموضوع من جوانبه الأخرى التي لا تخلو من أهمية.
ولذلك واستثناء مما عهدناه في الأعداد السابقة من تخصيص الافتتاحية لموضوع الملف، فقد ارتأينا هذه المرة إلقاء بعض الضوء على المؤتمر الثامن والعشرين الذي عقدته جمعية هيئات المحامين بالمغرب في رحاب مدينة السعيدية أيام 6- 7- 8 يونيو 2013 تحت شعار: منظومة العدالة.. أي إصلاح؟، والذي كان لي شرف حضوره ليس بصفتي مؤتمراً ولكن بصفتي مرافقاً، وهي مناسبة خرجت منها ببعض التأملات والانطباعات.
إن مجرد التفكير في عقد مؤتمر وطني سنوي من طرف هيئات تشتغل في نفس الحقل لمناقشة أمور المهنة في إطار ارتباطها بقضية وطنية قصد الخروج بتوصيات لهو أمر يثير الإعجاب والتقدير، إذا ما قارناه بجهات أخرى تعقد مؤتمرها فقط من أجل تجديد هياكلها وحسب، ولعل من باب الإنصاف القول بأن هذه الجمعية قمينة بالإعجاب بالنظر إلى تكتلها العلمي واستقلالها المهني، والتحامها الذي يجعل منها قوة لا يستهان بها، تدافع عن المهنة بحرارة واستماتة منقطعة النظير حتى ولو اقتضاهم ذلك الدخول في مواجهة مع الحكومة.
وكم هي جميلة تلك التوصيات النهائية التي خرج بها المؤتمر، خاصة تلك الداعية إلى تجسيد مبدأ المناصفة على مستوى إدماج المرأة في التمثيلية داخل مجالس الهيئات، وأيضاً التقليل من المدة المشترطة ليصبح المحامي مؤهلاً لمؤازرة الموكلين على مستوى محكمة النقض،.. وغير ذلك مما دافع عنه الجميع، كبار المحامين قبل صغارهم، في إطار من التلاحم الذي يهدف إلى الرقي بالمهنة والسمو بها، وهذه سمات ترتبط بالوعي ودرجة النضج وليس بالشواهد العلمية، فالنقابة الوطنية للتعليم العالي على سبيل المثال تضم بين جنباتها أساتذة جامعيين يحملون شواهد الدكتوراه، ومع ذلك فهي تفتقر إلى هذه الروح، رغم أن مهمتها الأساسية هي الدفاع عن قضايا التعليم العالي وعن مصالح الأستاذ الجامعي ومركزه الاجتماعي، ولطالما وضعت يدها في يد الحكومة من أجل تنفيذ سياسة هذه الأخيرة مع ملاحظة أن تباين الانتماء السياسي لكثير من أعضائها يضطلع بدور كبير في هذا الوضع المستفز، ولعل هذا من بين الأسباب التي جعلت التعليم العالي عندنا في المغرب يتردى في أسفل درجات الحظيظ، يتجلى ذلك في جوانب متعددة ليس هذا مكان بسطها.
في هذا المؤتمر أفرغ الحاضرون كل ما جعبتهم من تصورات وأفكار وآراء حول إصلاح منظومة العدالة في المغرب وذلك من خلال جملة من العروض القيمة، وأيضاً من خلال المناقشات الجادة التي دارت في جو يعكس المستوى الرفيع للمتدخلين.
وحيث إن مقاربة الموضوع تمت من خلال توزيع محاوره على ثلاث لجن، لجنة الشؤون المهنية، ولجنة إصلاح منظومة العدالة، ولجنة الشؤون القضائية والقانونية، فقد ارتأيت أن أكون حاضراً في اللجنة الثانية، لاهتمامها بالمحور الأساس الذي يشكل صلب الموضوع الذي انطلق المؤتمر تحت شعاره، أما اللجنة الأولى التي كانت تهم مهنة المحاماة من حيث رصد التحديات والبحث عن آليات السمو والرقي بالمهنة، واللجنة الثالثة التي شكلت حسب ما يبدو من خلال مواضيعها أنها تشكل مختلفات وحسب، فقد اكتفيت بما وصلني عنهما من أصداء النقاش الساخن المثمر.
استمعت لكل المداخلات التي ألقيت في ظلال اللجنة المذكورة، وقد راقني كثيراً ما سمعت، سواء ما تعلق بالحديث عن استقلال القضاء أو بالنيابة العامة ومركزها في هذا الإطار، أو بوضع إصلاح منظومة العدالة بين إرادة التغيير وإكراهات الواقع، أو بآفاق الحوار الوطني من أجل إصلاح العدالة أو بدور إصلاح القضاء في تحقيق الأمن القانوني والقضائي..، فقد كان المتدخلون بحكم عملهم على وعي تام بالقضية، ولذلك كانت طروحاتهم التي جادوا بها في حماس تعكس ذلك الوعي وتجسده أحسن تجسيد.
لكن، مما أثار انتباهي في خضم المناقشات، هو تدخل أحد الحاضرين (هيئة الدفاع بخريبكة) في إطار الرد والتعليق ليغرد خارج السرب، حيث عاب على الجمعية دعوتها من هم خارج هيئة الدفاع على اعتبار ان حضور مثل هؤلاء من شأنه أن يخلق التشويش والبلبلة مع أنه سلم ابتداء بأن إصلاح العدالة هو قضية وطنية تدخل في صميم اهتمامات الدولة.
وطبعاً نحن لا نتفق معه على الإطلاق، ونرى أن المؤتمر لا يعاب عليه في شيء ما دام يناقش قضايا المهنة ويخرج في شأنها بتوصيات على اعتبار أنها تكاد تكون شأناً خاصاً، لكن أن يخرج بتوصيات تهم منظومة العدالة ككل بناء فقط على ما خلصت إليه مداخلات ومناقشات الزملاء المحامين فقط، فهذا أمر فيه نظر، وسيجعل من دون شك توصياتهم غير مكتملة البناء، على اعتبار أن الحديث عن إصلاح منظومة العدالة عموماً وإصلاح القضاء خصوصاً يقتضي ضرورة مقاربة شمولية تقوم على التشخيص الجيد للمشكل، مع البحث عن جذوره وأصوله، وهذا يعني إشراك مختلف الفاعلين لأخذ وجهة نظرهم التي ستغني النقاش من دون شك، كل من زاويته، وبالتالي تجعل التوصيات في محلها.
ولنأخذ في هذا الشأن إصلاح القضاء نموذجاً، فمن دون شك أن من تجليات ما ينبغي الاهتمام به في إطار الإصلاح المنشود تكوين القاضي، – الذي يؤثر سلباً أو إيجاباً على العدالة في المغرب-، ليس انتهاء فحسب بل ابتداء أيضاً.. فلكي نضمن قاضياً مستقلاً لا بد أن يكون هذا القاضي قد حظي بتكوين سليم حتى نضمن حياده في إصدار الأحكام، ولا شك أن الجامعة تضطلع بدور هام بحسب ما هو مفترض فيها في هذا التكوين، فهي مطالبة بتوفير الفرص التعليمية المختلفة للطلاب ليتمكنوا من فهم المجتمع الذي يعيشون فيه واكتساب الكفاية الفنية والأكاديمية في المجال المهني الذي يختارونه، واستكشاف الميول المهنية والثقافية لديهم، ومن ثم توجيههم وإرشادهم وتكوينهم وتدريبهم مهنياً، فضلاً عن العمل على تنمية وتطوير الفكر والحس النقدي عندهم حتى يكونوا في مستوى الأدوار التي تنتظرهم داخل مجتمعهم.
فهل يا ترى نظام التعليم الجامعي في المغرب يسعف في تحقيق هذه الأهداف، وبالتالي تخريج طلاب أكفاء مؤهلين لأن يكونوا قضاة في مستوى الطموحات؟.
تساؤل جوهري ينبغي أن تكون عند السادة المحامين والقضاة وغيرهم ممن يناقشون قضايا الإصلاح الجرأة الكافية لطرحه، لأن من شأن الإجابة عنه أن تتضح الرؤية في تحديد الجهات الفاعلة في عملية الإصلاح، وإذا ما استحضرنا على سبيل المثال لا الحصر تجربة مباريات الملحقين القضائيين الأخيرة التي أجرتها وزارة العدل والحريات لانكشفت أمامنا بكل جلاء ووضوح أزمة التكوين في الحقل القانوني لدى الخريجين، رغم أن الأسئلة المطروحة كانت مباشرة إلى حد الثمالة، تعتمد الحفظ أكثر من اعتمادها على الفهم، بخلاف الأسئلة التي كانت تطرح في السابق كانت غير مباشرة، بحيث كانت تقتضي من المرشح أن يوظف معلوماته القانونية والمنهجية على النوازل المعروضة، ومع ذلك لم تكشف عن مثل هذا الوضع المتردي، مما يؤكد بحق أن الخلل يكمن في نظام التعليم الذي أصبح معتمداً في جامعاتنا المغربية بعد استيراده- عن غير وعي- من بيئة غير بيئتنا.
ولا غرابة في ذلك، فبإطلالة سريعة على مسالك القانون بالجامعات المغربية نجدها تفتقر إلى أدنى مقومات التكوين المطلوب، سواء على مستوى المواد الملقنة من جهة أو على مستوى فترة التدريس، فعلى المستوى الأول يلاحظ إقحام عدد من المواد الثانوية التي ليس لها كبير أهمية، مثل التواصل والمعلوميات وفقه المعاملات وغيرها، وفي المقابل تم حذف عدد مهم من المواد، مثل التوثيق بكل أنواعه، بل وحذف التحفيظ العقاري رغم أهميته كما هو الشأن بالنسبة للكلية متعددة التخصصات بتازة، وعلى المستوى الثاني وهو أكثر طامة من سابقه، يلاحظ أنه تم اختزال الأربع سنوات التي كانت مقررة سابقاً قبل استيراد هذا النظام المشؤوم في ثلاث سنوات، وهذا انعكس سلباً على فترة تدريس المواد، بحيث أصبحت المواد الأساسية التي تشكل مركز الثقل لدى طالب القانون من قبيل القانون المدني والمسطرة المدنية والمسطرة الجنائية وقانون الأسرة والقانون التجاري تدرس لمدة ساعة وعشرين دقيقة في الأسبوع (حالة تازة بسبب الاكتظاظ وقلة المدرجات)، مع ملاحظة أن عدد الأسابيع لا يتجاوز اثنتي عشر أسبوعاً على الأكثر، فعن أي تكوين للطالب يمكن أن نتحدث والحالة هذه؟.
وللإنصاف، فإن المشكل ليس مشكل نظامنا التعليمي المستورد في حد ذاته، وإنما المشكل يكمن بشكل أساس في أن عملية استيراد هذا النظام وتطبيقه في بلادنا تم عن غير وعي، أي دون مواءمة أو تكييف لطبيعة المجتمع المغربي وذاتيته الثقافية وإمكاناته المادية والبشرية، وهذا إنما أدى في نهاية المطاف إلى تشويه النظام المستورد وتحويله إلى تجربة ممسوخة بعيدة عن أرض الواقع ومتطلباته وحاجاته.
ونحن لسنا بهذا ضد الاستيراد مطلقاً، لسبب بسيط للغاية، وهو أن استيراد أية فكرة أو ابتكار من الخارج ليس عيباً في حد ذاته، فقد قامت وتطورت الحضارات الإنسانية عن النقل والاستعارة من بعضها البعض، المهم أن تستطيع الحضارة حينما تنقل أن تستوعب وتهضم ما تأخذه عن الآخرين، وتدمجه عضوياً في الجسم الرئيس لثقافتها الوطنية لكن دون أن تفقد روحها وملامحها الفارقة أو المميزة.
إن إصلاح التعليم الجامعي ببلادنا يعد في نظرنا ضرورة لا بد منها، وعاملاً مهماً من عوامل إصلاح القضاء خصوصاً وإصلاح منظومة العدالة عموماً، وهذا يقتضي بداهة ضرورة التنسيق مع وزارة التعليم العالي قصد وضع واقتراح تصور حول مسالك القانون بالمغرب، وذلك وفق احتياجات قطاع العدالة بالمغرب بكل مكوناته (قضاء، محاماة، عدالة، توثيق، وغير ذلك)،.. لا بد إذن من تتبع الطالب (مشروع قاضي، محامي، موثق، عدل،.. الخ) من مراحله العلمية الأولى عن طريق تلقينه المعارف القانونية التي يحتاج إليها على النحو الذي يسهم في تحقيق العدالة المنشودة التي ينتظرها المجتمع بكل أطيافه.
وعلى أي حال، فمهما يكن من أمر الجهود المبذولة سابقاً أو التي ستبذل لاحقاً، على درب الإصلاح، فإنه حسبي التنبيه إلى أن الإرادة السياسية هي الحكم الفيصل في الموضوع، فإذا اتجهت هذه الإرادة إلى الإصلاح، وهيأت له ظروفه وعبدت له طرقه، فإن احتمالات نجاحه ستكون كبيرة، أما إذا انعدمت هذه الإرادة أو تاهت بين ركام الحسابات السياسية فإن الإصلاح سيصبح في مهب الرياح تذروه كما تشاء.
وفي خاتمة هذه الافتتاحية المقتضبة أود أن أتوجه بجزيل الشكر وعميق الامتنان إلى الباحثين الأفاضل الذين أسهموا في استمرار المجلة وأثروها بمقالاتهم ودراساتهم على مدى هذه الأعداد التي صدرت لحد الآن([1])، متمنين لهم كامل التوفيق والسداد حتى يستمروا في أغناء البحث العلمي ببلادنا، كما أشكر شركة المنهل الدولية على اختيارها وثقتها الكبيرة بمجلتنا، وعلى عرضها المتعلق بعقد اتفاقية شراكة معنا تهم توزيع محتوى أعداد المجلة، وفي المقابل نعتذر للجميع ولا سيما قراءنا الكرام على عزمنا التوقف إلى حين، لأسباب كان لها الأثر الفاعل في اتخاذ هذا القرار، الذي ستأسف له قلوب ومن دون شك ستطرب له قلوب.
ذ. محمد المهدي
المدير المسؤول
[1] ويتعلق الأمر بـ:
- العدد الأول، يونيو 2011، كان عاماً (478 صفحة).
- العدد الثاني، يناير 2012، كان متعلقاً في عمومه بإصلاح القضاء في المغرب (439 صفحة).
- العدد الثالث، يوليو 2012، كان متعلقاً في عمومه بالنظام العقاري الجديد (487 صفحة).
- العدد الرابع، يناير 2013، كان متعلقاً بالنظام الوقفي المغربي الجديد (323 صفحة).
- العدد الخامس وهو الذي نحن بصدده (484 صفحة).


