فاروق البضموسي

باحث بكلية الحقوق بسلا

مقدمة

إن إقامة العلاقة بين التعمير والبيئة يشكل، بالنسبة للمغرب، تحديا كبيرا بسبب التطور العام الموسوم بالعولمة، والانفتاح وتأهيل التراب الوطني، ذلك أن إدارة المجال ضمن أفق حماية البيئة في الوسط الحضري، يشكل أهمية قصوى، فعلى منوال باقي الدول، يشكو المغرب من مشاكل بيئية مرتبطة بالتنمية الحضرية ذلك، لأن الضغط الديمغرافي والنمو الحضري شكل منذ السبعينيات من القرن الماضي، موضوع تدهور إطار الحياة، وتراجع البيئة الحضرية. فالتمركز السكاني، على نفس البقعة، يعرضها لسلسلة من مظاهر التلوث، من قبيل كميات الأزبال المنتجة، السائل منها والصلب، المنزلية والصناعية، وكذلك من طبيعة بعض الأنشطة.

إن تنامي التجمعات السكنية، تصل بصفة لا مفر منها، إلى اكتساح مساحات مهمة، لإقامة بنايات جديدة عليها، تفسر إلغاء أو اختفاء المساحات المغروسة / الخضراء في ضواحي المدن، المقرر إنشاؤها أو التي كانت موجودة، هذا علما بأن هذه الفضاءات نافعة ضمن الحدود التي يتم فيها معالجة مختلف مشاكل التهيئة، ذلك لأن الغطاء النباتي يلعب دورا إيجابيا كعامل للتوازن النفسي والجسدي مادام يجعل إطار الحياة مرغوبا ومقبولا، كما أنه يمتص غاز الكربون، ويثبت الغبار، علما بأن المدن المغربية تشكو نقصا في الفضاءات الخضراء، ما يجعل مسألة حماية المساحات المغروسة، والأراضي ذات الإنتاجية العالية، وتحسين نوعية الحياة، وإنشاء أحزمة وفضاءات خضراء، فضلا عن الحدائق، أصبحت ضرورة حيوية لحماية الإرث الأخضر من زحف الإسمنت المسلح.

إن النمو السريع للعمران أفضى إلى المساس بالفضاءات الشاطئية، كما أن البناء المتزايد أدى إلى تأثيرات سلبية على عناصر أخرى طبيعية كالماء والهواء.

فالماء بالمغرب، مصاب في وجوده وفي وفرته وفي تقسيمه، وبشكل متزايد، في نوعيته. والوسط الحضري يعرف نقصا في الماء، ويواجه ضرورة توفيره بالكمية الكافية من أجل تلبية حاجة ما انفكت تتزايد باستمرار، كما أن نوعيته مهددة بالتلوث.

حسب الخبراء، فإن حوالي 100.000 طن من المواد القابلة للتأكسد يلقى بها سنويا في البحر، فضلا عن أن ملايين من المواد ذات الأصل الصناعي تلفظ في مجاري مياه الوديان: سبو-بهت –ملوية… بالإضافة إلى مياه الصرف الصحي التي تلقى في مجاري المياه، الأمر الذي يزيد من حدة التلوث ([1]).

كما أن التلوث الجوي، الذي يطرح مشكلة فعلية في المدن، يتميز بالنمو الملحوظ بفعل تزايد وسائل النقل، فالتنقل بالسيارات، يشكل عاملا كبيرا للتلوث نظرا لكثافته، ونظرا لطبيعة الوسائل المستعملة، وكذلك حجم الغازات المنبعثة. وبالتالي، فإن التغير الحساس الذي أصيب به الجو، إنما يؤذي صحة الإنسان.

إن الانفجار الحضري بالمغرب، يعرض، بشكل متزايد، الوسط الحضري، لأضرار سمعية، هذه الأضرار، التي يصعب إزالتها، ترجع إلى السيارات، ووسائل النقل بشكل عام. إن آثارها تظل مرتبطة بمستوى الزمن لأنها تكون محسوسة أكثر خلال النهار، وبمستوى المجال، لأنها تكون مركزة بشكل خاص بوسط المدن والمناطق الصناعية.

أما مشكلة الأزبال فهي إشكالية، ذلك لأن ارتفاع حجم التطور المادي للأزبال المنزلية والصناعية يتطلب معالجة خاصة، وتبني إجراءات عاجلة، فالكمية المنتجة من طرف الفرد الواحد، تتأرجح بين 3، 0 و6، 0 كلغ في اليوم. وحسب وزارة الداخلية، تقدر ب 500 غ للفرد ([2])، حيث من المفترض أن يكون راهنا بحجم يصل أضعاف هذا الإحصاء من الأزبال التي يتم إفراغها يوميا، هذه الأرقام تظهر مدى اتساع التلوث الذي تسببه الأزبال من أصل حضري، والأضرار التي يمكن أن تنجم عنها تنعكس على تدهور الوسط الطبيعي عبر تلوث التربة والفرشة المائية، تشوه المنظر العام، والمناظر الطبيعية…

إن أي تشخيص للبيئة الحضرية، يجب أن يحث المسؤولين على وضع استراتيجية تهدف إلى حماية البيئة من مختلف الاعتداءات التي تمارس عليها، بحيث يجب على المهندس المعماري الحضري أن يدمج في تحليلاته البحث عن حياة نوعية جيدة كأولوية مطلقة، يجب أن يركز على تجميل المدينة، بضمان تهويتها، وجعلها فضاءا يثير الراحة في النفس، على نحو يبحث فيه عن مدينة ذات وجه بشري يتداخل مع وجه تخطيط عقلاني للمجال، وعلاقة متوازنة بين ما هو مشيد وما هو غير مشيد ([3]).

إن صدور ظهير 17 يونيو 1992 بمثابة قانون رقم 90.12 المتعلق بالتعمير، ثم تبني القانون رقم 90.25 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات، يشكل نقلة نوعية في الترسانة القانونية المغربية في مجال تنظيم البناء، وتشكل رخصة البناء القطعة المركزية لهذه الترسانة القانونية.

  1. دور رخصة البناء في حماية البيئة:
  2. الحفاظ على البيئة شرط لمنح رخصة البناء

بناء على الفقرة 43 من القانون 12.90 المتعلق بالتعمير، فإن رخصة البناء لا تمنح إلا “إذا التزم البناء بالاستجابة للمقتضيات القانونية والمراسيم الجاري بها العمل، وبخاصة، الالتزام بالمقتضيات الواردة في تصاميم التنطيق وتصاميم التهيئة “. ما يعني أن وثائق التعمير، تتضمن مقتضيات وعناصر، من طبيعتها، أن تحمي مكونات البيئة عبر استعمال عقلاني ومتوازن للمجال ([4]).

إن الطريقة إذن التي تأخذ بها هذه الوثائق في حسبانها حماية البيئة متفاوتة، فإذا تجاوزنا المبادئ العامة، نجد أن مضمونها نادرا ما يفعل سياسة إرادية لحماية البيئة، فمنذ التسعينيات من القرن الماضي بدأت دينامية، تأخذ في حسبانها البيئة في المجال الحضري كعنصر لا يمكن التغاضي عنها، هذا بالموازاة مع ضغط الجمعيات المحلية المدافعة عن البيئة الحضرية التي، ليس فقط مقبولة من الناحية القانونية، بل أيضا أصبحت معطى ملازما للحياة الديمقراطية المحلية ([5]).

بصفة عامة، فالتشريع (مخترق) بمبدأ قابل للتطبيق محلى جميع وثائق التعمير بحيث يفضي تلقائيا إلى خلق توازن مطلوب بين حماية البيئة والتنمية الحضرية… وعليه، فإن المخطط التوجيهي للتهيئة العمرانية يستهدف بشكل خاص تحديد الاختيارات والآراء حول التهيئة التي يجب أن تدير التنمية المتناسقة اقتصاديا واجتماعيا للمجال الترابي المعني ([6]).

  1. وإلى تحديد المناطق العمرانية الجديدة، وتواريخ السماح بالقيام بعمليات عمرانية مع الحفاظ بوجه خاص على “الأراضي الفلاحية والمناطق الغابوية، التي تتولى السلطة التنظيمية تحديدها.
  2. تحديد الأغراض العامة المخصصة لها الأراضي عبر تحديد المناطق الفلاحية، المناطق السكنية وكثافتها، المناطق الصناعية، المناطق التجارية، المناطق السياحية، المناطق المثقلة بحقوق الارتفاق مثلى ارتفاق عدم البناء، ارتفاق عدم التعلية، ارتفاق حماية منابع المياه، المناظر الطبيعية التاريخية أو الأثرية التي تحتاج إلى الحماية والتأهيل، المجالات الأساسية الخضراء التي يجب إقامتها، التي تحتاج إلى الحماية والتأهيل كذلك، المنشئات الكبرى مثل الخطوط الأساسية للطرقات، وإنشاء المطارات، الموانئ والسكك الحديدية، والمنشئات الصحية الأساسية، والرياضية، فضلا عن المناطق التي تكون تهيئتها محل أنظمة قانونية خاصة.
  3. تحديد القطاعات التي يجب القيام بإعادة هيكلتها أو تجديدها أو بهما معا.
  4. تحديد مبادئ التطهير الصحي، وأهم نقاط إلقاء المياه ـالمستعملة، والأماكن الخاصة برمي النفايات المنزلية.
  5. تحديد مبادئ تنظيم النقل.
  6. حصر برمجة مختلف مراحل تطبيق المخطط وبيان الأعمال التي يجب أنى حظي إنجازها بالأولوية، خصوصا تلك التي يكون لها طابع فني أو قانوني أو تنظيمي.

إن مخطط تصميم التنطيق الذي، يستهدف بشكل خاص تحديد إصابة مختلف مناطق الاستعمال الأساسي، كأن تكون مناطق السكن، أو مناطق الصناعة، أو مناطق التجارة، أو مناطق السياحة، أو مناطق فلاحية أو غابوية وبشكل خاص، تعيين المناطق التي يمنع البناء عليها، وتعيين الأماكن المخصصة للبنايات الرئيسية والاجتماعية، من قبيل الطرقات الرئيسية، المستوصفات، المدارس، المناطق الخضراء… ويتم اللجوء إلى مخطط تصميم التنطيق في المراكز الحضرية التي لا تتوفر على تصميم مديري ولا على تصاميم تهييئية أو التي كانت تتوفر على هذه التصاميم لكن مدة صلاحياتها انتهت.

أما تصميم التهيئة فهو التجسيد النهائي على أرض الواقع للآراء المتبناة من طرف المخطط التوجيهي للتهيئة الحضرية وتصميم التنطيق، ما يعني أن مهمة تصميم التهيئة هي تعريف كلي أو جرئي للعناصر التالية:

  1. تحديد اختصاص مختلف المناطق بحسب الاستعمال الأساسي المناسب لها، أو لطبيعة الأنشطة السائدة التي يمكن أن تقام عليها، كأن تكون منطقة سكنية، أو منطقة صناعية، أو منطقة سياحية، أو منطقة فلا حية، أو منطقة غابوية على سبيل المثال.
  2. المناطق التي يحظر فيها البناء بجميع أنواعه.
  3. رسم حدود الطرقات (المسالك، المساحات الخضراء، ومواقف السيارات) التي تتطلب الحماية، أو التغيير أو الإنشاء.
  4. رسم حدود المساحات الخضراء العامة (التشجير -المتنزهات-الحدائق)، ساحات اللعب، والمجالات الحرة المتنوعة، كالمجالات المخصصة للتظاهرات الثقافية والفولكلورية التي تحتاج الحماية، أو التغيير أو الإنشاء.
  5. رسم حدود المساحات المخصصة للأنشطة الرياضية.
  6. الأماكن المخصصة للتجهيزات العامة من قبيل السكك الحديدية وما يتصل بها، المنشئات الصحية، الثقافية والتعليمية، فضلا عن المنشئات الإدارية، المساجد والمقابر.
  7. الأماكن المخصصة للتجهيزات الجماعية، والمنشآت ذات المصلحة العامة التي يتولى إنجازها القطاع الخاص من قبيل المراكز التجارية، والمراكز الترفيهية.
  8. الأحياء، الآثار، والمواقع التاريخية أو الأثرية، والمناطق الطبيعية، كالمناطق الخضراء العامة، أو الخاصة التي تحتاج إلى الحماية أو التأهيل لأسباب جمالية أو تاريخية أو ثقافية، وكذلك القواعد المطبقة عليها إن اقتضى الأمر ذلك.
  9. ضوابط استعمال الأراضي والضوابط المطبقة على البناء، وخاصة الحدين الأقصى والأدنى للبنايات، ولكل جزء على حدة، ونمط الإغلاق، وشروط البناء، ووجهة الأبنية، مواقف السيارات مفتوحة أم لا، مسافة البعد بين الأبنية، ونسبة المساحة الممكن إقامة البناء عليها بالقياس إلى مساحة الأرض جميعها والاتفاقات المعمارية.
  10. الاتفاقات الحدثة لمصلحة النظافة والمرور أو لأغراض جمالية أو أمنية أو للحفاظ على الصحة العامة، وكذلك الاتفاقات التي تفرضها قوانين خاصة إن وجدت.
  11. المناطق المفتوحة لإنجاز أعمال عمرانية بها بحسب توقيت معين.
  12. دوائر القطاعات الواجب إعادة هيكلتها أو تجديدها.
  13. المناطق التي تخضع تهيئتها لنظام قانوني خاص ([7]

قبل المصادقة الإدارية عليها، كانت-مواضيع تصاميم التهيئة، وتصاميم التنطيق-خاضعة لفحص المجالس الجماعية، وهي مناسبة لبلورة مقترحات تهم كيفية الاستعمال المتوازن للمجال، وحماية البيئة ويتعلق الأمر بمرحلة قبلية للمصادقة على مشروع مخطط التهيئة الحضرية، هذا المشروع الذي يمنح للساكنة شهرا للقيام بأبحاثهم حوله ([8])، بتزامن مع تحليله من قبل المجالس الجماعية المعنية، إذ أن من شأن هذا البحث أن يسمح للعموم، بمعرفة مضمونه، وتقديم ملاحظاتهم حوله، ووسائل الإعلان والإشهار مضمونة من طرف رئيس الجماعة، قبل بداية فترة البحث.

أما المقترحات المنبثقة عن هذا البحث، فتعرض على المجلس الجماعي خلال عملية فحص وتطعيم المشروع موضوع البحث، قبل عرضها على الإدارة المكلفة بالتعمير.

إن إيجاد بقع أرضية مجزأة ومعدة للبناء هي إحدى الأشكال الجديدة للتعمير في الأحياء الموجهة للسكن الفردي، النجاح الكبير لهذا الشكل من البناء يرجع إلى ليونته، إنها مسطرة خاصة لكنها أخضعت، أكثر فأكثر، للقواعد العامة، مما لاءمها مع القواعد الجديدة لقانون التهيئة، وبشكل خاص لمنع التضحية بالبيئة لفائدة عالم متكدس غير خاضع لأي جمالية.

إن الترخيص لهذا النوع من البناء، التجزءات لا يجب أن تمنح، إلا، إذا ثبت أن المسؤول عليه ملتزم بالمقتضيات التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل، خاصة المقتضيات المتصلة بتصميم التنطيق، والتهيئة. ويجب، بشكل خاص، رفض منحه الترخيص إذا لم يتم ربطه بالشبكة الطرقية، والتطهير الصحي، وتوزيع الماء الصالح للشرب والكهرباء ([9]).

بصيغة أخرى، لا يسمح لمشاريع البناء الجماعي إلا إذا توفرت على أعمال التجهيز التالية:

  • إقامة الطرق الداخلية ومواقف السيارات، توزيع الماء والكهرباء، التخلص من المياه والمواد المستعملة، تنظيم المجالات الحرة من قبيل الساحات، والمناطق الخضراء، ساحات الألعاب، ارتباط كل بناء مع مختلف الشبكات الداخلية للمجموعة الكلية للبناء، الارتباط بالمنافذ التي تسمح بالوصول إلى الشواطئ بالنسبة للأبنية الواقعة أو المجاورة للملك العام البحري.
  • المساحات المخصصة للتجهيزات الجماعية، وإقامة المنافع العامة المرتبطة بالحاجة إلى أبنية من قبيل مركز تجاري، جوامع، حمام، فران، مؤسسة تعليمية، مستوصف، ومجال موجه للأنشطة الرياضية ([10]).
  • السلطات المختصة بالترخيص تستطيع أن ترهنه بمدى الالتزام بكل ما تعتبره نافعا، وتستطيع بشكل خاص أن تعلق إذنها على إدخال تعديلات على المشروع تفرض على صاحب التجزئة إحداث اتفاقات لصالح الصحة العامة، السلامة، المرور، والجمالية، وأن تفرض العناية بالأبنية الموجودة، والاحتفاظ بالأشجار الموجودة في الأرض المراد تجزئتها، وتكوين مساحات احتياطية إضافية تخصص للتجهيزات الجماعية والمرافق ذات المنفعة العامة التي يستلزمها إحداث التجزئة ([11]).

إن ارتفاق عدم البناء متوقع، كما رأينا عبر جميع النصوص المتعلقة بالتهيئة، وجميع مخططات الإعداد الترابي، صحيح أنه بشكل خاص سلبي بالنسبة للملكية الخاصة، لكنه يمنع أن تمس بعض البنايات بتناسق وجمالية المدينة، وبالتنمية الفلاحية… كما أن هذا الارتفاق يمكن أن يأتي بأثر فوري على البنايات التي فككت أو هدمت من قبل أصحابها بعد إشهار مخطط التهيئة، وكذلك الأمر بالنسبة للبنايات التي هدمت بفعل القوة القاهرة، على إثر فيضان مثلا، أو التي هدمت بأمر إداري لضمان الصحة العامة.

يجب التذكير أيضا بوجود اتفاقات قائمة في المنشأت العسكرية أو الطيران الجوي ([12]). من شأنها أن تسمح بالاستجابة لحاجيات جديدة متصلة بالبيئة العصرية، تتضمن آليات قانونية يمكن للإدارة أن توظفها للحد من بعض الأبنية والمنشئات التي تزعج بعض الأشغال العسكرية أو الملاحة الجوية، أو التي بإقامتها، ستصبح معرضة لمختلف الأخطار. فبمقتضاه يمنع على أصحاب الأراضي المجاورة للمطارات أو قواعد الطيران إقامة أية منشئات أو بنايات على عقاراتهم أو رفع البنايات أكثر من علو محدد قصد إبراز الإشارات للطائرات وضمان حسن هبوطها.

وهكذا ففيما يخص الاتفاقات المحدثة لفائدة المنشئات العسكرية والتي تم النص عليها بمقتضى ظهير 7غشت 1934، فمن الآثار الممكن أن تترتب عنها هناك المنع من البناء والزراعة بالأراضي المحيطة بها، حيث يحق للسلطات العسكرية منع أية عملية بناء بجانب منشآتها بل وإيقافه حتى وإن كان المعني بالأمر يتوفر على رخصة قانونية بذلك، وهذا ها أكدته المحكمة الإدارية بوجده من خلال حكمها بأن” قرار منع البناء الصادر عن سلطة عسكرية تطبيقا لظهير 7/8/1934 المتعلق بالحريات العسكرية والدفاعية يعتبر قرارا إداريا قابلا للطعن فيه بالإلغاء، وأن رخصة البناء المسلمة من المجلس البلدي لا تحول دون تطبيق الأنظمة والقوانين المنصوص عليها في هذا الظهير”. ([13])

وحسب الفصل الأول من ظهير 29 أبريل 1938 في إحداث منطقة وقائية حول المقابر في المدن الجديدة، فإنه أحدثت ثلاثة مناطق للحماية حول المقابر التي تدفن فيها الأموات والمقابر التي أبطل استعمال ها منذ مدة تقل عن خمس سنين، للأولى (30 م) ثلاثون مترا، وللثانية (70 م) سبعون مترا انطلاقا من المنطقة الأولى، وللثالثة (200م) مائتان مترا انطلاقا من المنطقة الثانية.

في المنطقة الأولى (30 م)، يتعين عدم حفر أي بئر، أو إقامة أية بناية، أما في المنطقة الثانية (70م) كل بناء وكل تنقيب عن. الماء، يعد ممنوعا، لكن في بعض الحالات الخاصة، وبصفة استثنائية، تحصل استثناءات وذلك بعد بحث يتعلق بالمياه وطبيعة الأرض تجريه إدارة المعادن وبعد استشارة اللجنة الصحية التي لها النظر في هذا الأمر، والقرارات المتخذة في هذه الظروف يمكن أن يأذن فيها باتخاذ إجراءات خاصة حماية للصحة واللياقة والسكون.

هذه الأماكن وبخصوص التكاليف التي يتطلبها هذا البحث فإن المعني بها هو الذي يؤديها وفق ما تحدده السلطة المحلية.

أما البنايات التي تصدر الضوضاء، (قاعات الفرجة، مقاصف المشروبات، الصناعات المصنفة، ساحات الألعاب إلخ)، فهي ممنوعة في هذه المنطقة. أما المنطقة الثالثة، فإن حفر الآبار يمكن منعه بناء على الدراسة والبحث المتعلق بالمياه وطبيعة الأرض وفق ما هو مبين في الفقرة أعلاه. أما بخصوص الأبنية الموجودة داخل المنطقتين الأولى والثانية، فلا يمكن، ترميمها ولا توسيعها إلا برخصة من السلطات المحلية.

  1. رخصة البناء كآلية أساسية لحماية البيئة

تشكل رخصة البناء آلية أساسية تستعملها السلطة المحلية المنتخبة، من أجل فرض قانون البناء والحقوق المكتسبة المتصلة بالبيئة.

في الحدود التي تكون فيها رخصة البناء مطابقة لمخطط التهيئة، أو -إن اقتضى الحال-تصميم التنطيق، فإن احترام البيئة يكون مضمونا طالما كانت في مستوى ما تتطلبه هذه الوثائق.

إن قانون 90.12 المتعلق بالتعمير يضع -كمبدأ- منع اللجوء إلى أي بناء دون الحصول على رخصة للبناء في الجماعات الحضرية، وفي المراكز المحددة، كالأراضي القروية المجاورة لتلك الجماعات والمراكز المحددة، والتجمعات الحضرية، والمناطق الخاصة التي تبرر إقامة مخطط توجيهي، وعلى طول خطوط السكك الحديدية، وطرق المواصلات غير الطرق الجماعية إلى غاية عمق كيلومتر واحدا يحتسب من محور هذه الخطوط، وعلى طول حدود الملك العام البحري إلى غاية عمق يبلغ خمسة كيلومترات، أما في التجزءات المرخصة، فإن رخصة البناء مطلوبة أيضا في حالة إدخال تعديلات على الأبنية القائمة إذا كانت التغييرات المزمع إدخالها عليها تتعلق بالعناصر المنصوص عليها في الضوابط المعمول بها ([14]).

في سياق آخر، وخارج الضوابط المحددة في المادة 40 من قانون 90.12 المتعلق بالتعمير يمكن لرخصة البناء أن تكون إلزامية بالنسبة لكل أو جزء من البناء، وبالنسبة لبعض أنواع الأبنية المحددة بمرسوم، خاصة الضوابط التي يتعين على الأبنية الالتزام بها لفائدة الصحة، والراحة والسلامة والجمالية ([15]).

إضافة إلى هذا، فإنه في الجماعات الحضرية والمراكز المحددة، كل عقار مهما كانت طبيعته أو استعماله، يتضمن أربعة مستويات أو ثلاثة مستويات، ويشتمل على ستة محلات للسكن، أو كل بناء لأي عقار معد للاستعمال التجاري أو الصناعي لمساحة تساوي أو تتجاوز (500 م) خمس مائة متر مربع، يرفض تسليم الترخيص ما لم يبادر إلى إرساء الخطوط الضرورية التي تربط هذه العقارات بالشبكة العامة للاتصالات السلكية واللاسلكية العامة. ويجب أن يتحقق هذا الإرساء تحت مسؤولية ومراقبة المصالح المختصة في ميدان الاتصالات، وفق الظروف المحددة بالقرار التنظيمي، فضلا عن وجوب الاستجابة لمتطلبات السلامة وضمان الاستعمال والحالة التي تحيل ضد كل خطر للاستعمال اللآ قانوني للاتصالات ([16]).

إذا كان الغرض المخصصة له الأراضي غير محدد في تصميم التهيئة، أو تصميم التنطيق، يجوز لرئيس المجلس الجماعي، بعد استطلاع رأي الإدارة المكلفة بالتعمير أن يقوم في المراكز الحضرية أو في المراكز الغير محددة والمناطق ذات الصبغة الخاصة، بشأن طلبات الترخيص للبناء بتأجيل البت في طلبات هذه الرخص على أن يكون التأجيل معللا بأسباب ويجب ألا تتعدى مدته سنتين، بالمقابل يعمل على منح هذه التراخيص إذا توافق البناء مع المقتضيات القانونية الجاري بها العمل، وفي حالة انتفاء المخطط التوجيهي للتهيئة فتمنح إذا توافقت مع الغرض الذي يصلح له القطاع المعني ([17]).

وفي الأخير، إن رخصة البناء ترفض عندما تكون الميادين المعنية بالبناء غير متصلة بشبكة للتطهير الصحي أو شبكة لتوزيع الماء الشروب، غير أن استثناءات يمكن أن تقبل بتسليم هذه الرخصة إذا تبين أن طريقة شبكة التطهير الصحي والماء الصالح للشرب تتوفر فيها الضمانات التي تتطلبها الوقاية والصحة العامة، بعد قرار صادر عن المصالح المختصة في الموضوع ([18]).

فضلا عن هذا، فإنه، في حالة إذا كان البناء المرخص يستوجب قطع أو إزالة أشجار قائمة على الرقعة أو في محيط منزل أو عقار يحتاج إلى تجديد، أو تغيير، يتوجب على صاحب رخصة البناء أن يطلب إذنا أو ترخيصا خاصا بهذا الشأن. والهدف من هذا الترخيص هو حماية الأشجار والمغروسات نظرا لفائدتها على الصحة العمومية وجمالية الطبيعة في المدن وضواحيها ([19]).

هذه الأعمال التنظيمية تثبت شكل وظروف تسليم التراخيص وجميع الوثائق المطلوبة بموجب قانون 90.12 المتعلق بالتعمير والتشريع المتعلق بالتجزءات والمجموعات السكنية، فضلا عن النصوص المتخذة لتطبيق ما ذكر أعلاه. تثبت وبشكل خاص، أيضا، قواعد السلامة التي يجب أن يحترمها البناء، إلى جانب الظروف التي تستجيب لمنفعة الوقاية، و المرور، والجمالية والراحة العامة وبشكل خاص : معايير الثبات واستقرار البناء، المساحة، الحجم وأبعاد الأماكن، شروط تهوية الأماكن، خاصة الأجزاء المهمة، الوقاية والصحة العامة، حقوق المرور التي يمكن أن يستفيد منها السكان المجاورون للطرقات العامة، لوازم البناء والمعاملات الخاصة بالبناء الممنوعة بصفة دائمة، الاحتياطات الموجهة للوقاية من الحرائق، شبكة الصرف الصحي، شبكة التزود بالماء الصالح للشرب، واجبات صيانة الملكية العقارية والبنايات.

هذه الأعمال التنظيمية العامة للبناء المصادق عليه بالمرسوم التنظيمي، مطبقة، ضمن الظروف التي تثبتها، أو التي ثبتت بقرار المصادقة عليها، على مجموع التراب الوطني إلا في التصرفات الخالفة المتضمنة في الأعمال التنظيمية المذكورة أو في قرار المصادقة عليها، غير أن رئيس المجلس الجماعي يمكن له تثبيت، بموجب قرار، تصرفات لم تكن متوقعة من طرف الأعمال التنظيمية العامة للبناء، أومن طرف مخطط التهيئة ما لم تتناقض طبعا مع القواعد المتبناة من قبل الفئتين من الوثائق. وبالفعل فإن قانون 1992 يوضح في المادة 62 منه بأن أحكام ضوابط البناء العامة تحل، حكما بقوة القانون محل الأحكام المخالفة، أو المباينة لضوابط البناء الجماعية.

  1. دور الشرطة المختصة بالبناء في حماية البيئة:

بحسب الفقرة الأولى من الفصل 43 من القانون رقم 90.12 المتعلق بالتعمير، فإن “هذه الرخصة تسلم بعد التحقق من أن المبنى المزمع إقامته تتوفر فيه الشروط التي تفرضها الأحكام التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل…”.

  1. شرطة الأبنية المصنفة:

العلاقات بين نظام المؤسسات المصنفة ونظام التعمير هي نسبيا معقدة. ويتعلق الأمر، من خلال ما سبق، بتشريعين مستقلين بعضهما عن الآخر غير مرتبطين. لكن حقيقة الأحداث التي يؤكدها، جزئيا، القانون، تظهر منطقة منفعة مشتركة بين التشريعين تهم بالضبط البيئة.

إن اللوائح المتعلقة بالبنايات غير الصحية، غير لائقة أو خطيرة، تتوخى وتستهدف صيانة وحماية النظام العام بالمعنى الواسع للكلمة، أي توفير الطمأنينة، والسلامة والجمالية العامة. يتعلق الأمر بالتوفيق بين المنفعة الاقتصادية لهذه الأبنية، غير القابلة للنقاش، وضرورة حماية البيئة.

نظمت المنشآت المصنفة بالمغرب لأول مرة بمقتضى ظهير 25 غشت 1914 حيث إن فصله الأول المعدل بظهير 13 أكتوبر 1933 يؤكد بأن ” الأبنية التي تشكل أسبابا لغياب الصحة العامة، أو التي تشكل مصدرا للخطر، تخضع لمراقبة وإشراف السلطة الإدارية المحلية”.

والنص يرجح مادتين مرجعيتين. الأبنية مقسمة إلى ثلاثة طبقات بحسب نوع الأعمال التي تنجز فيها أو الأضرار الحاصلة منها من الوجهة المتعلقة بالأمن والسلامة أو الصحة أو الراحة العمومية. وفي سياق أخر فإن السلطة التنظيمية هي التي تحدد لائحة وتصنيف لهذه الأبنية.

فالأبنية الخاضعة للسلطة تقسم بدورها إلى فئتين، الأبنية من الفئة الأولى متعلقة بوزارة التجهيز، والأخرى متعلقة بالسلطة المحلية، والمساطر المطبقة لإحداثها أو مراقبتها هي طلب ترخيص يوجه –حسب الحالة –إلى المدير العامل إدارة الأشغال العمومية أو السلطة المحلية المعنية.

وهو مشروط بتوفير سلسلة من المعلومات والوثائق التي تسمح للإدارة بالتأكد من أن البيئة التي يندرج فيها البناء لن تتعرض للأذى، وعليه، يجب أن يتضمن:

  1. مذكرة تظهر طبيعة وصلابة البناء المزمع بناؤه، والعدد التقريبي للعمال الذين سيتم استخدامهم.
  2. تصميم محدد لوضعية البناء ينتصب على سلم مصغر من 002، 0 م/ للمتر المربع.
  3. تصميم للبناء ومذكرة توضح بشكل خاص هيئة الأمكنة وأبعادها، هيئة وأبعاد الفتحات المتوقعة للإخلاء من هذه الأمكنة وتهويتها، هيئة تشغيل وكيفية وظروف الإخلاء. استعمال أو معالجة المياه المستعملة، والأزبال والأنقاض، وسائل الوقاية المتوقعة لمحاربة الحرائق، وكذا تشغيل مراكز الإغاثة، وإذا لزم الأمر، توضيح كيفية تشغيل وطبيعة المحركات، والمولدات وأجهزة الإرسال، الآلات -المعدات، الأدوات، البراميل، الأحواض، الصهاريج، والآبار، فضلا عن قوة وكيفية عمل المحركات.
  4. بالنسبة للأبنية التي تشغل التيارات الكهربائية يجب أن تتضمن رسم تخطيطي لتشغيل المعامل، المحطات الفرعية، مراكز التحويل، حفر شبكة القنوات والمنشأة الخاضعة للمقتضيات التشريعية الخاصة، ومذكرة تشير إلى الظروف التي تتحقق ضمنها الحقوق التنظيمية المكتسبة، وتعطي الإفادات التقنية الضرورية لضمان مراقبة تطبيق المقتضيات المعمول بها.

وحسب المادة الثامنة من الظهير المشار إليه أعلاه فإن الرخصة يمكن أن ترفض وذلك لمصلحة الأمن أو الصحة أو راحة العموم ويمكن أن يشترط في منح الرخصة المذكورة إحداث تغيير الموقع الذي وقع اختياره أو تغيير المشروعات المنوي إحداثها. وفي كل حال يجب أن يدعم الرأي المذكور بالأسباب.

إن سعي الدولة إلى إدماج البعد البيئي في التصور العام للتنمية الاقتصادية والاجتماعية أدى بها إلى إصدار قانون 03/11 متعلق بحماية واستصلاح البيئة والذي تضمن مقتضيات جديدة تتعلق بالمنشآت المصنفة حيث عرف في المادة 22 من الباب الأول المنشآت المصنفة ” هي كل منشأة وردت تسميتها في النصوص المنظمة للمحلات المضرة بالصحة والخطرة مستغلة أو مملوكة من طرف أي شخص مادي أو معنوي عمومي أو خاص يمكنها أن تشكل خطرا أو إزعاجا للجوار أو على الصحة والأمن والنظافة العمومية أو على الفلاحة والصيد البحري والمواقع والمآثر أو على أي عنصر من عناصر البيئة “.

وفيما يتعلق بالتدابير الواجب اتخاذها قصد احترام المعايير البيئية فإن الإدارة لا تقبل طلب تسليم الرخصة ببناء منشأة مصنفة إلا إذا كان مرفقا برخصة أو توصيل تصريح أو دراسة التأثير على البيئة كما تنص على ذلك المادتين 49 و50 من القانون السالف الذكر ([20]).

كما أن المقتضيات القانونية الجديدة ألزمت كل منشأة مصنفة أو غير مصنفة أن تحترم مقاييس ومعايير جودة البيئة وعلى المنشآت الجديدة أن تدمج في دفتر التحملات المقاييس المعمول بها أثناء طلب رخصة البناء.

وبصورة واسعة، فقد أعطى المشرع المغربي بالنسبة للمنشآت المصنفة القائمة آجالا انتقالية لوضع مخطط استعجالي يتضمن إعلام السلطات المختصة والسكان المجاورين وإخلاء العاملين ووسائل الحد من أسباب الكوارث التي يمكن أن تسببها المنشأة ([21]). والملاحظ إذن أن المشرع واكب عنصر احترام البيئة في رخصة البناء حتى بالنسبة للرخص الممنوحة بشكل رجعي إلى حين وضع وإنجاز المخطط الاستعجالي السابق ذكره.

بالمقابل تملك الإدارة سلطة تقديرية واسعة بالتدخل لاستصلاح البيئة ذلك أن المشرع منح لها حق إلزام كل مستغل يمارس نشاطا أدى إلى تدهور البيئة باستصلاحها حتى وإن كان هذا التدهور غير ناتج عن مخالفة لمقتضيات القانون ونصوصه من جهة ([22]).

ومن جهة ثانية، يمكن للإدارة في الحالات التي تدعو إلى الاستعجال الأمر بإيقاف الأشغال حالا وبإزالة البنايات والتجهيزات ومنع الأنشطة المخالفة لمقتضيات القانون الجاري به العمل ([23]).

في حالة وجود خطر كبير ومؤكد وملحوظ على صحة الإنسان أو على البيئة بصفة عامة يمكن للإدارة المختصة، بعد إنذار المستغل، وطبقا للقوانين الجاري بها العمل أن تصدر قرار التوقيف الجزئي أو الكلي لأنشطة المنشأة المصنفة المسؤولة عن هذا الخطر، إلى حين صدور قرار الحكم عن قاضي المستعجلات التابع للمحكمة المختصة، وفي حالة التحقق من خطر وشيك يستدعي إجراءات استعجالية، تأمر الإدارة بتوقيف نشاط المنشأة جزئيا أو كليا دون إنذار المستغل.

تصدر المحكمة المختصة التي رفعت إليها الدعوي أمرها بمنع استغلال المنشأة المخالفة للقانون إلى حين القيام بالأشغال والإصلاحات اللازمة ([24]).

وإذا كانت السلطة التقديرية للإدارة محدودة جدا في بعض الحالات فالمشرع عزز القانون بإمكانية اللجوء إلى القضاء، حيث أن كل شكاية تقدم إلى المحكمة المختصة ضد أي ترخيص أو قرار بالموافقة على مشروع ما لسبب عدم توفر قرار الموافقة البيئية تأمر المحكمة وبصفة استعجالية بإبطال الرخصة أو قرار الموافقة بمجرد التحقق من عدم توفر هذا القرار ([25]).

وبالرغم من أن القرار الذي تتخذه السلطة الإدارية المختصة إما بالترخيص في حالة ما إذا كان لا يشكل مصدر أضرار للسلامة، والطمأنينة والصحة العامة، وبرفض قرار الترخيص إذا كان البناء المزمع إقامته أو طبيعة الأنشطة المزمع ممارستها فيه لا تتوافق مع أهداف الظهير أو التشريع المتعلق بالبيئة، رغم كل هذا فالملاحظ أن القضاء هو الجهة الذي يقرر مدي خطورة أنشطة المنشأة المصنفة على البيئة، بحيث يلاحظ أن النص القانوني لم يحدد جهة إدارية تتكلف مسبقا بوضع تقرير تقني عن مخالفة المنشأة المصنفة للمعايير والمقاييس البيئية ([26]).

  1. حماية المآثر التاريخية والمناظر الطبيعية:

يهدف التشريع في هذا الصدد إلى الحماية والحفاظ على الثروة الوطنية، سواء منها الأثرية أو المنقولة هذا يفسر، من بين وقائع أخرى، بكون المغرب بلد غني بالمآثر التاريخية والفنية، والمناظر الخلابة / البهيجة والأسطورية.

هناك أسباب ثلاثة تبرر الحفاظ على هذا المكون الأساسي من البيئة:

فالمحافظة على الآثار والمناظر يسمح، قبل أي شيء، بصيانة مميزاتها الخاصة ضمن المنفعة الجمالية، فالثابت أن جهة أو مدينة تحتوي على مآثر أو مناظر تعتبر مقبولة مقارنة مع نظيرتها ألمحرومة من أي تميز بهذا الصدد، وهو ما تؤكده المدن المغربية ذات النوعية العالية عالميا، وتسمح أيضا هذه المحافظة على الآثار والمناظر، بحمايتها ضد جميع الأضرار السلبية ضمن المنفعة السياحية، فمن الواضح أن بعض الجهات أو المدن تجلب السياح بأعداد غفيرة بفضل مآثرها ومناظرها. وأخيرا، فإن حمايتها وحماية خصائصها يؤدي إلى المحافظة على العديد من الأشكال الهندسية وكذا نمط البناء الخاص الذي ينفرد به المغرب.

يعود تاريخ النصوص الأولى لهذا التشريع إلى فاتح أبريل 1924 و21 يوليو 1945، والذي ألغي وعوض بقانون رقم 22.80 المتعلق بالمحافظة على المباني التاريخية والمناظر والكتابات المنقوشة والتحف الفنية والعادية الصادر بتاريخ 25 ديسمبر 1980، هذا القانون يطبق على العقارات بالطبيعة أو بالمأل أو المنقولات التي، في المحافظة عليها، منفعة لأجل الفن والتاريخ أو الحضارة المغربية، ويتعلق الأمر أساسا بالمآثر التاريخية أو الطبيعية أو المناظر.

كما أن قانون رقم 03 / 11 المتعلق بحماية واستصلاح البيئة تضمن مقتضيات تهدف إلى حماية التراث التاريخي والثقافي وتثمينه مؤكدا إن المحافظة عليه مسألة ذات أهمية وطنية، فهي تمثل جزءا لا يتجزأ من السياسة الوطنية الرامية لحماية واستصلاح البيئة.

ولم تفته الإشارة في المادة السادسة من الفصل الثاني من الباب الأول من نفس القانون إلى التراث التاريخي والثقافي والذي عرفه بأنه مجموع الممتلكات المنقولة أو غير المنقولة التي تتميز بطابع خاص من الناحية الأثرية أو التاريخية أو المعمارية أو الأدبية أو الشعبية أو الفنية أو الدينية أو الفنية ومنع كل أشكال التنقيب على الآثار أو استغلال موارد جرف الأرض إلا بعد الحصول على رخصة لأجل ذلك رغبة من المشرع في تنظيم وتقنين عملية الحفر حفاظا على البيئة ([27]).

نصت الفصول 20 و21 و22 و23 من قانون رقم 22.80 المشار إليه أعلاه على أنه لا يجوز ترميم العقار المعتبر تاريخي أو هدمه أو بناء أي عقار جديد عليه أو تغييره بأي طريق بدون رخصة، كما منع الفصل 24 من نفس القانون القيام بأعمال الحفر والبحث في الأرض والبحر قصد استكشاف مبان تكون فيها بالنسبة للمغرب فوائد تاريخية أو أثرية أو أنتروبولوجية أو تتعلق بالعلوم الإنسانية دون رخصة، تحت طائلة غرامات مالية، تضاعف في حالة العود، مع إمكانية الحكم بغرامة تعادل عشر مرات الغرامة المحكوم بها سابقا لمرتكب المخالفة، بالإضافة إلى إقرار المصادرة كجزاء جنائي رادع يضاف إلى العقوبات السابقة وتكون المصادرة إجبارية في حالة استكشافات غير مصرح بها وعمليات حفر غير مأذون فيها ([28]).

هناك مسطرتان تتيحان حمايتها:

مسطرة التسجيل والتي تترجم امتيازات تعطى للمالكين من أجل ضمان الحافظة والحماية على أملاكه من جهة، وتترجم من جهة ثانية بالالتزامات التي يجب عليه أن يحترمها، إضافة إلى إعانات يمكن أن تقدم من طرف الإدارة لفائدة مالكي العقارات أو المنقولات المسجلة بهدف الترميم أو المحافظة على أموالهم. فالإدارة يمكن أن تأخذ على عاتقها، باتفاق مع المالكين، جميع الأعمال التي تهدف إلى حماية وتأهيل الأموال المسجلة ([29]). في المقابل، يتعين على المالك أن لا يقوم بأية عملية من شأنها أن تغير طبيعة العقار المسجل، أو هدمه أو ترميمه أو تغييره دون طلب رأي الإدارة ستة أشهر قبل التاريخ المتوقع لبدء الأعمال ([30]).

وعلى خلافه، فإن الإدارة يمكن أن تلجأ إلى مسطرة التصنيف التقني الأكثر فعالية للحماية عندما تقدر أن عقارا مسجلا معرض لخطر طبيعي يمكن أن يفضي إلى تدهوره أو اختفائه.

إن التصنيف يشكل الوسيلة العادية والتقليدية لحماية البيئة ما دامت ترتب عدة تداعيات على العقارات المصنفة.

  • فيما يخص العقارات المصنفة، فإن هذه التداعيات تسمح للإدارة بمراقبة كل الأعمال التي قد تمس بالمناظر أو الآثار التاريخية المصنفة، ما يفسر وجوب الحصول قبليا على ترخيص من الإدارة من أجل أي عمل ترميمي، أو تغيير على العقار المصنف، إقامة خطوط الكهرباء أو وسائل الاتصالات الخارجية أو الظاهرة، فضلا عن إضافة أي بناء جديد على نفس العقار. والبناء عليه ([31])، كما يجب على رئيس المجلس أن يمتنع محن تسليم أي رخص للبناء والتجزئ أو التقسيم فيما يتصل بالعقارات المصنفة لا يمكن إنجاز أي بناء جديد في عقار مرتب دون رخصة تمنح وفقا للنصوص التنظيمية المعمول بها ([32]). كما أن العقار المصنف يمنع هدمه ولو جزئيا ([33]). وفي سياق آخر يمنع وضع الإعلانات بواسطة ألواح الإشهار أو اللافتات الخاصة أو النقالات الخاصة وبوجه عام جميع الإعلانات أو الشارات كيفما كان نوعها وصبغتها، واللافتات من أي طبيعة كانت أو خاصية، مطبوعة أو مرسومة أو مكونة من أية وسيلة مغايرة ([34]). والإدارة، بهدف الحماية والمحافظة، يمكن لها، تلقائيا وعلى نفقة الدولة، أن تباشر جميع الأعمال التي تقدرها نافعة، وأن تلجأ إلى احتلال مؤقت للعقار المصنف والعقارات المجاورة دون أن يتجاوز هذا الاحتلال سنة واحدة ([35]).
  • أما فيما يخص العقارات المصنفة فإن هذه التداعيات تهدف إلى حمايته من جميع عمليات البناء التي تجرى على الأبنية المجاورة، والتي يمكن أن تمس بمظهر أو صلابة البناء المصنف. وبشكل خاص، لا يحق للسكان المجاورين أن يقوموا بالبناء المسند إلى العقار المصنف أو الاستناد المباشر إليه. كما يجب عليهم اتخاذ جميع الإجراءات الضرورية لحماية البناء المصنف ضد جميع أنواع التدهور التي قد تتسبب فيها أبنيتهم. ([36])

خاتمة

إن المحافظة على البيئة عن طريق رخصة البناء، وبشكل واسع، عن طويق وثائق التعمير، تتعثر بعدد من الحدود/ الإكراهات، منها ما هو خاص ومنها ما هو عام، فالمادة التي ينتظم فيها البحث العمومي من قبل الجمهور المتصل بمخطط التهيئة المنظم من طرف التشريع تدعو إلى إلى تسجيل عدد من الملاحظات النقدية.

  • من أجل إعطاء استشارة الجمهور مدلولها الحقيقي وحمولتها الفعلية، يجب أن تكون المدة المحتملة لسريانها، مدة أطول، علما بأنها حسب المسطرة الجارية هي شهر فقط. ما شكل نكسة، إذن، مقارنة بمدة الشهران التي يمنحها إياها قانون نزع الملكية من أجل المنفعة العامة.
  • في سياق مغاير، فإن الوقت المختار لإجرائها ليس ملائما، ذلك أن الاستشارة العمومية تحري في الوقت الذي يكون فيه المجلس الجماعي مشغولا بدراسة مشروع مخطط التهيئة. واللجان الجماعية التي تعتبر ممثلا للخاضعين للإدارة، مدعوة من طرف المشرع إلى دراسة مشروع التهيئة على ضوء ملاحظات المواطنين في أجل شهرين كما تنص عليه المادة 24 من القانون رقم 90.12 المتعلق بالتعمير. عمليا، المجلس الجماعي ملزم باللجوء إلى تقليص المدة التي حددها له المشرع والتي يجب عليه انتظارها لدراسة مشروع التهيئة، أي يجب عليه انتظار خلاصات البحث العمومي من أجل أن يقوم بدراسة عقلانية للوثيقة، وملاءمة مواقفها مع ما اقترحه الجمهور انسجاما مع الفقرة الأخيرة من الفصل 21 المذكور. بناء على هذا الإكراه يتم تقليص الأجل إلى شهر واحد.
  • المطلوب إذن هو إطالة مدد البحث العمومي من أجل أن يتمكن المهتمون من التعبير عن آرائهم، وأن يتمكن المجلس الجماعي من تقديم دراسة قائمة على معرفة تامة بأسباب مشروع التهيئة. بحيث يتسنى لهذه التعديلات أن تتقوى برأي اللجان الجماعية وآراء الجمهور.
  • من المفيد أيضا، ولغرض تحقيق الفعالية والعقلانية، أن يقتصر البحث العمومي لإبداء الآراء حول المظاهر المحلية الخالصة على المجال الداخلي للجماعة، حيث أن المستشارين الجماعيين هم وكلاء عن الناخبين ويمكن لهم أن يسهلوا المهمة عليهم بإبداء آرائهم حول المنفعة العمومية والمصلحة العامة للبناء والمصالح العمومية، كل هذا ضمن عملية بلورة ملاحظاتهم العامة في موضوع تشكل البيئة احدى أولوياته الطبيعية.
  • عموما إن حماية البيئة من خلال مدونة التعمير وأعداد التراب الوطني يجب أن يتأطر في مشروع مجتمعي متكامل وبحسب رؤية شاملة، التعمير في خدمة البيئة هو أكثر من مجرد مخطط مديري أو مخطط التهيئة العمرانية، انه أكثر من مجرد توقعات أو إجراءات، بل يقتضي توافق جميع المتدخلين السياسيين والاجتماعيين من أجل تحديد تصور ووضع رؤية حقيقية للمستقبل البيئي على المدى البعيد والمتوسط والقريب، حماية لكوكبنا الأرضي من التلوث والدمار…

[1] mohamed elyaagoubi ;permit de construire et environnement au maroc ;remald ;nemero double 44_45. mai_aout 2002 ;page 61

[2] mohamed elyaagoubi ;op cite page 61

[3] mohamed elyaagoubi ; op cite page 63

[4] mohamed elyaagoubi ; op cite page 64

[5] mohamed elyaagoubi ;op cite page 65

[6] المادة 4 من قانون 90/12 المتعلق بالتعمير

[7] المادة 19 من قانون 12 /90

[8] المادة 25 من قانون 90/12

[9] المادة 7 من قانون 25.90 المتعلق بالتجزءات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات.

[10] المارة 18 من نفس القانون 25.90.

[11] المادة 30 من قانون90. 25

[12] محمد اليعقوبي مرجع سابق ص 68

[13] مقال المنازعات في ميدان التعمير التشريع المغربي منشور على الموقع الإلكتروني http: //www. startimes. com/?t=23188586

[14] المادة 40 من قانون 12 علية السلام 95

[15]المادة 42 من قانون 12 علية السلام 95

[16] المادة 44 من قانون 12.90

[17] المادة 45 من قانونه 12.9.

[18] المادة 47 من قانون 12.90.

[19] المادة 26 من الفصل الثاني من الباب الثالث من قانون 11.03 المتعلق بحماية واستصلاح البيئة

[20] المادة 49 و50 الفصل الأول من الباب الخامس من قانون 11.03 المتعلق بقانون حماية واستصلاح البيئة.

[21] المادة 53 الفقرة الثانية الفصل الأول الباب الخامس من قانون 11.03

[22] المادة 70 الفصل الثاني من الباب السادس من قانون 0311..

[23] المادة 16 الفقرة الثانية من الباب الرابع من قانون 12.03 المتعلق بدراسة التأثير على البيئة

[24] المادة 13 الفصل الثالث الباب الثاني من قانون 11.03

[25] المادة 18 الباب الرابع من قانون 12.03

[26] إبراهيم كومغار، أليات الوقاية والتمويل لحماية البينة على ضوء القوانين الجديدة، المجلة الغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد مزدوج 66-2007/67ص، 119

[27] المادة 19 الفصل الأول الباب الثالث من قانون 11.03

[28] الفصل 54 من القانون رقم 22.80 المتعلق بالمحافظة على المباني التاريخية والمناظر والكتابات المنقوشة والتحف الفنية والعاديات.

[29] الفصل 07 من قانون 22.80.

[30] الفصل 06 من قانون 22.80.

[31] الفصل 23 من قانون 22.80

[32] الفصل 22 من قانون 22.80

[33] الفصل 20 من قانون 22.80

[34] الفصل 24 من قانون 22.80

[35] الفصل 25 من قانون 22.80

[36] الفصل 28 من قانون 22.80

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading