بما ان الأشياء والموضوعات لا تتحدد بالأفكار وحسب ، بل بالتطورات التاريخية أيضا، ولأن القصد من استعادة التاريخ لا يعني رغبة في إحيائه ، وإنما الذهاب إليه هو من قبيل التقاط لحظة التحول ، فإننا نرتئي التوطئة لهذه الدراسة لإطلالة وجيزة على التجربة الدستورية المغربية منذ أول وثيقة دستورية صدرت سنة 1962 . إذ انه مباشرة بعد الاستقلال ، وبعد تجميد فكرة المجلس الدستوري الذي أحدثته محمد الخامس وعين على رأسه علال الفاسي ، وبعد مخاض عسير ونقاشات طويلة، عرض الملك الحسن الثاني سنة 1962 مشروع أول دستور على الاستفتاء الشعبي، ورغم المعارضة القوية لأهم الأحزاب المغربية ، إلا أنه تم التصويت بــــ (نعم) على الدستور واعتمد كأول دستور للبلاد، وهو نفسه الذي اعتبر أرضية تتالت عليها تعديلات 1970، و 1972، 1992، 1996، وكلها تعديلات دستورية فنحت من لمحبل الملك ، و”استفتي” حولها الشعب في اسفتاءات عامة كانت تنتهي بنتيجة تتجاوز نسبة المصوتين فيها بـــــــــــ (نعم) التسعين بالمائة ، مما جعلها عرضة للنقد والرفض من قبل فئات عريضة من الشعب وبعض الأحزاب الوطنية.

لذلك، يكاد ينعقد الاجماع بين الباحثين على أن التعديلات الدستورية في المغرب جاءت كلها في إطار ما يصطلح عليه ب “التغيير في ظل الاستمرارية ” سيما أنها صيغت في سياق نظام ملكي يسود فيه الملك ويحكم ، وفي جو من الأعراف والتقاليد التي تنهل من التاريخ، وتستظل بمجموعة من المقولات والمرجعيات، رغم أن كثير من المطالب الشعبية ما فتئت تنادي بدستور ديمقراطي تنتجه جمعية تأسيسية على منوال باقي الدساتير العالمية ، خاصة وأن المغرب قريب من دول أوربية ذات باع طويل في التقاليد الدستورية . لكن وإن كان النظام السياسي المغربي قد سلك نفس المنهج بمحاولة الاقتباس من التجربة الدستورية الفرنسية، إلا أن إسقاط المضمون الجمهوري للدستور الفرنسي لسنة 1958 على النظام الملكي المغربي نجم عنه نظام سياسي هجين ، وترتبت على حكمه مجموعة من النتائج التي أدى المجتمع المغربي ثمنها باهضا.
وقبل المضي في البحث الأصلي وهو “صلاحيات الملك في الدستور المغربي الجديد”، وإذا ما أردنا الانتقال من التعميم إلى التخصيص ، وصرفنا النظر عن الجانب التاريخي، الذي لا يتسع له مجال الدراسة، أمكن القول أن الدستور الحالي له سياقان فاعلان ؛ الأول تاريخي وقد تمت الاشارة إلى جزء منه في الاستعراض الآنف ؛ أما الثاني فهو مرتبط بالواقع والحاضر، أي واقع “الربيع الثوري ” الذي شهدته العديد من البلدان العربية والإسلامية، على أساس أن التعديلات التي جاء بها الدستور السادس لم تأت من فراغ وإنما كانت نتيجة لمخاض عسير من التفاعل والحراك الشعبي . إذ ان الموجات الثورية التي ضربت أكثر من بلد عربي أرخت بثقلها على الواقع السياسي المغربي ودفعت بجزء من النخبة السياسية والشبابية المغربية إلى التفاعل مع هذا الوضع.
وكانت النتيجة أن التأمت العديد من الفعاليات المغربية ضمن حركة احتجاجية واسعة أطلق عليها “حركة 20 فبراير” وذلك سنة 2011، اتخذت لها أرضية تأسيسية تحوي مجموعة من الأهداف على رأسها مطلب الدستور الديمقراطي الذي من شأنه إخراج البلاد من حالة الركود السياسي وانسداد الأفق اللذين أصبحت تعيشها. وهو ما حاولت المؤسسة الملكية التفاعل معه من خلال الخطاب الملكي ليلة 9 مارس 2011.
بيد أن المبادرة الملكية لم تتجاوز، من حيث منهجية إعداد الدستور، عتبة ما كان سائدا خلال التعديلات الدستورية التي عرفها الدستور المغربي . فعلى الرغم من أن المطالب الشعبية رفعت شعار “الدستور الديمقراطي شكلا ومضمونا”، في إشارة إلى وجوب انتخاب جمعية تأسيسية لوضع الدستور على غرار ما حدث في تونس ومصر، إلا أن التجاوب الرسمي كان عبارة على تعيين لجنة لوضع دستور جديد (أو بالأحرى تعديل دستور (1996برئاسة عبد اللطيف المنوني. وهو ما لم ينل إجماع الفعاليات السياسية والمدنية ومن ضمنها “حركة فبراير” التي يعود لها فضل إحياء النقاش الدستوري في المغرب، فانقسم المجتمع إلى مؤيد ومعارض ومقاطع ([2]). وتكرس هذا الوضع أكثر لحظة طرح مسودة الدستور للاستفتاء حيث سارعت فعاليات حركة 20فبراير إلى الدعوة إلى مقاطعة الاستفتاء بينما أيدته جل الأحزاب المغربية والمنظمات النقابية والهيئات المدنية.
تقودنا هذه القراءة السياقية لدستور قبل الدخول في صلب الموضوع، إلى تسجيل مجموعة من الملاحظات التي التصقت بهذه الوثيقة، وهي الملاحظات التي أمكننا تدوينها طيلة مرحلة الاعداد للدستور:
أولا: بناء على الظهير المؤرخ في 14رجب 1432 (17 يونيو 2011) والمنشور في نفس التاريخ بالجريدة الرسمية عدد 5952مكرر والذي حدد تاريخ إجراء الاستفتاء حول مشروع الدستور في فاتح يوليوز 2011، وبموجب المادتين 159 و 44 من قانون مدونة الانتخابات ، يتم تحديد تاريخ الاستفتاء ومدة الحملة وتاريخ بدايتها ونهايتها، عبر مرسوم يصدر عن مجلس الوزراء طبقا للفصل 66 من الدستور السابق. بناء على كل ذلك، يتضح ، بما لا يدع مجالا للشك ، أن الاستفتاء على الدستور لم يكن قانونيا، فهو لم يصدر عن المجلس الوزاري كما لم ينشر المرسوم الداعي إليه في الجريدة الرسمية وهو ما يعتبر تجاوزا صريحا لنصوص القانون ؛
ثانيا: أما في ما يتعلق بالحملة التي واكبت الاستفتاء فإن المادة 49 من القانون رقم 11-57 تنص على ما يلي: “لا يجوز أن يشارك في الاستفتاء على الدستور إلا الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية بصفة قانونية في التاريخ المقرر لبداية الحملة الانتخابية”. إلا أن هذه المادة لم تحترم بدورها، وإنما عرفت مجموعة من الانتهاكات الصريحة، إذ إن مضمون المادة يمنع على غير الأحزاب والنقابات القانونية المشاركة في الاستفتاء، لكن مجموعة من الوزارات، كما رصدت ذلك المنظمات الحقوقية، شاركت في الدعاية للدستور، وخاصة وزارة الأوقاف التي دعت، من خلال خطباء المساجد وفي خطبة موحدة ، إلى التصويت بــــــ “نعم” على الدستور وطاعة ولي الأمر، وهو ما يشكل استغلالا واضحا للدين في الشأن السياسي ، يتجاوز مسألة وضع صومعة ضمن منشور حزبي والتي بموجبها ألغيت مقاعد بعض البرلمانيين ([3]). أما الأمر الثاني الذي لم تحترم فيه هذه المادة فيتعلق بتاريخ بداية الحملة ، فكما تتبع الجميع ، وكما هو مسجل ، انتهى الخطاب الملكي الداعي إلى الاستفتاء، الذي سبق الحملة بأكثر من 12 ساعة، بدعوة صريحة إلى التصويت بــــــــــــ “نعم” للدستور قبل بداية الحملة بشكل قانوني ؛
ثالثا: إذا كانت الملاحظات التي تطرقنا لها سلفا تمس الجانب الشكلي للدستور والإجراءات القانونية التي صاحبت ما قبل تنزيل الدستور، فإن ما سنتناوله في الفقرات القادمة له علاقة بمضمون الدستور المطبق اليوم في المغرب ، وبالأخص ما يهم تمايز واختلاف نسخ الدستور، سواء اختلاف النسخة التي تقدمت بها لجنة الصياغة إلى الملك عن المسودة التي تم التقدم بها إلى الاستفتاء، أو تباين النسخة التي استفتي حولها الشعب المغربي عن النسخة المعتمدة اليوم، وتوضيح ذلك على النحو التالي:
لقد صرح أكثر من عضو من الأعضاء الذين شاركوا في إعداد الدستور، بأن النسخة التي أجمعوا عليها لم تكن هي نفسها النسخة التي خضرت للاستفتاء، وأبرز من كان صريحا في هذا المسعى هو الأستاذ محمد الطوزي – عضو اللجنة- الذي قال إن النسخة التي قدمت للاستفتاء ليست هي ما أفرزته لحنة صياغة الدستور. بناء على ذلك، فإن الدستور الحالي ليس هو بالقطع ما أنتج داخل اللجنة التي عينها الملك والتي اعترضت عليها كثير من المنظمات المدنية والفعاليات المجتمعية، كما أن المسودة التي تم تقديمها للاستفتاء ليست هي نفسها المعمول بها اليوم ؛ لأن المشروع الذي عرض على الشعب طاله تعديل بعد تقديمه إلى الشعب لكي يقول كلمته فيه. قد يعترض البعض على هذا القول بمبرر أن التعديلات التي طالت المسودة كانت تصحيحات لغوية أو تقنية، ومع تسليمنا بأن هذا الأمر نفسه غير مشروع ، فإننا سنبين في الأسطر الآتية أن التعديلات طالت أمورا جوهرية في الدستور.
– تسود في الفكر الدستوري النظرية القائلة بأن تشكيل المحكمة الدستورية يعد أهم العناصر التي تمكن من الحكم على ديمقراطية أي دستور. وكلما كانت لممثلي المؤسسات المنتخبة كلمة في اختيار أعضاء هذه المؤسسة كان الدستور أكثر ديمقراطية. غير أن الدستور الحالي، وعلى الرغم من أنه يمنح الملك حق تعيين نصف الأعضاء الذين تتكون منهم المحكمة الدستورية ، بمن فيهم الرئيس، فإن نسخة الدستور المعتمدة اليوم حرمت رئيس الحكومة من التوقيع بالعطف على تعيين رئيس المحكمة، فالنص الأول المنشور بتاريخ 17 يونيو والصادر بالجريدة الرسمية عدد 5952 مكرر، شهد تغييرا يوم 30 يونيو 2011 أي عشية يوم الاستفتاء، وخصوصا الفصل 42من مودة الدستور الذي نص على أن رئيس المحكمة الدستورية يعين من قبل الملك ويوقع ظهير التعيين من طرف رئيس الحكومة بالعطف ؛ بينما التعديل الذي طال الدستور (ف 42) بعد عرضه على الشعب حذف حق رئيس الحكومة في توقيع ظهير التعيين بالعطف ، مما يفيد بأن رئيس الحكومة أصبح محروما من حق المشاركة في تعيين رئيس المحكمة الدستورية.
– أما التعديل الثاني الجوهري ، الذي يمكن الاستشهاد به في هذا الصدد، فهو الذي مس الفصل 132 في الفقرة الثالثة ، حيث جاء في النسخة التي صادق عليها الشعب المغربي : “يمكن للملك ، وكذا لكل من رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس المستشارين ، وخمس أعضاء مجلس النواب ، وأربعين عضوا من أعضاء مجلس المستشارين ، أن يحيلوا القوانين أو الاتفاقيات الدولية، قبل إصدار الأمر بتنفيذها أو قبل المصادقة عليها، إلى المحكمة الدستورية ، لتبت في مطابقتها للدستور”، لكن النسخة التي طالت النص المستفتى حوله والتي لم يوافق عليها الشعب والمعتمدة اليوم اكتفت بما يلي: “يمكن للملك ، وكذا لكل من رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس المستشارين ، وخمس أعضاء مجلس النواب ، وأربعين عضوا من أعضاء مجلس المستشارين ، أن يحيلوا القوانين ، قبل إصدار الأمر بتنفيذها، إلى المحكمة الدستورية ، لتبت في مطابقتها للدستور”، حيث يتضح من خلال المقارنة أن إحالة الاتفاقيات الدولية على المحكمة الدستورية لتبت في مدى مطابقتها للدستور قبل عملية المصادقة ، لم تعد واردة في الصيغة الجديدة للدستور، وتم الاقتصار على إحالة القوانين فقط، وهو تغيير جوهري يفقد النسخة المعتمدة اليوم شرعيتها ومشروعيتها ([4]).
ما عرضنا إليه حتى الآن، كان بمثابة استعادة لمحطات أساسية من محطات الاعداد للدستور الذي نحن بصدد مساءلة متنه بخصوص صلاحيات الملك الذي يعتبر فنشئه ومحدد “فلسفته”، حيث نستطيع القول ان منهجية إعداده ستؤثر لا محالة على مضمونه سيما في ما يهم صلاحيات رئيس الدولة، فهذه المنهجية تميزت بكون: الملك هو الذي حدد تاريخ إعلان فكرة مراجعة الدستور، وهو الذي عين كافة أعضاء اللجنة الاستشارية المكلفة باعداد مشروع الدستور الجديد وعرضه على أنظار الملك للبث فيه. هو الذي حدد المرتكزات السبعة التي يجب أن تقوم عليها المراجعة (خطاب 9 مارس 2011)، والملك هو الذي حدد تاريخ بدء عمل اللجنة وتاريخ انتهائه ، وهو الذي حدد تاريخ نشر المشروع ، والملك هو الذي حدد تاريخ الحملة الاستفتائية ، وأخيرا الملك هو من حدد تاريخ الاقتراع ([5]).
فكيف إذن، انعكس هذا السياق وهذه المنهجية في إعداد الدستور على الهندسة الدستورية بشكل عام وعلى صلاحيات رئيس الدولة بشكل خاص؟ ويندرج تحت هذا السؤال سؤال آخر مكمل: هل يمكن أن نلاقي ضمن التجربة الدستورية المغربية الجديدة فكرة الدستور ديمقراطي بمضمونه لا بشكله؟ وهل استطاعت اللجنة المكلفة بتعديل دستور 1996 أن تتجاوز سلبية المنشأ لكي تحتفظ باستقلاليتها حيال صلاحيات منشئها؟.
وبما أن مجال الدراسة لا يتسع لعرض جميع الإشكاليات المرتبطة بدستور 2011، وبما أن الأوراق المقدمة ضمن هذا المؤلف الجماعي قد تناولت العديد من النقاط المتعلقة بدستور 2011 قراءة ونقدا، فإن تركيزنا سيكون على صلاحيات رئيس الدولة كما أقرها المشرع المغربي (المحور الأول) مع التفصيل والتركيز على صلاحية رئيس الدولة إزاء المحكمة الدستورية والسلطة التأسيسية الفرعية (المحور الثاني).
المحور الأول: صلاحيات رئيس الدولة في دستور 2011
خص الدستور الملكية بالباب الثالث بعد بابي الأحكام العامة، والحقوق والحريات، كما تم إبعاد الصفة التنفيذية عن المؤسسة الملكية – رغم أن اختصاصات الملك التنفيذية في الدستور أهم من اختصاصات رئيس الحكومة الذي أسندت إليه الصفة التنفيذية – وخص السلطة التشريعية بالباب الرابع ، ثم السلطة التنفيذية في الباب الخامس، وهو ما يعتبر إبعادا للملكية عن الشأن التنفيذي نصا والإبقاء عليها عمليا، وذلك كي لا تتلبس صفة الملكية بالتنفيذ، مما يمتنع معه إقرار مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة فيما يتعلق بالملك ، كما سنوضح ذلك لاحقا.
إلا أن التركيز على الباب الثالث من الدستور لا يسعفنا في الاحاطة بكافة مهام وصلاحيات الملك ، بل ينبغي تتبع وملاحقة ذلك في مختلف أبواب وفصول الوثيقة الدستورية، فللملك علاقة بمختلف المؤسسات الدستورية والمجالات السياسية ، فهو فاعل في المجال التنفيذي من خلال المجلس الوزاري ، وهو أيضا شديد الارتباط بالمؤسسات القضائية والعسكرية والدينية ، فضلا عن تأثيره في السياسات العامة وحركة التعيينات ، علاوة على أن النص الدستوري لم يحدد كافة اختصاصات رئيس الدولة بل أحال ذلك على النصوص التنظيمية والقانونية.
يرى الدستور المغربي في الملك “رئيس الدولة ، وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة ، وضامن ([6]) دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، يسهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية ، وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي، وحقوق وحريات المواطنين والمواطنات والجماعات، وعلى احترام التعهدات الدولية للمملكة …” (فــــ 42). ويطرح هذا النص مجموعة من الاشكالات من قبيل ما معنى الممثل الأسمى للدولة ؟ وإلى أي حد يمكن سريان مبدأ التحكيم في ظل ملكية تسود وتحكم ؟ وهل سهر الملك على احترام الدستور يجعله فوق الدستور؟
إن مسألة الممثل الأسمى تثير الكثير من الاشكالات القانونية والفلسفية، فسيادة الدول كما يقول جان جاك روسو “لا يمكن أن تمثل ، لأنه لا يجوز التصرف بها، وهي في جوهرها تقوم بالإرادة العامة ، والإرادة لا تمثل أبدا …فنواب الشعب لا يمكن أن يمثلوها، وهم ليسوا ممثليها، بل مندوبين عنها”([7])، كما أن الدستور في أحد تعريفاته المشهورة يعتبر “القناة التي تمر منها السلطة من مالكيها أي الدولة إلى خدامها أي الحاكمين. ([8]) ومن هنا يظهر بأن المشرع المغربي استعمل لفظ “الممثل الأسمى” وتجاوز باقي التعابير التي تتماشى والقراءة الديمقراطية لوظيفة الحاكم من قبيل النيابة عن الشعب أو خدمة الشعب.
هذا، مع العلم أن صفة “الممثل الأسمى ” لم تكن واردة في أول دستور للدولة سنة 1962 بل تمت إضافتها من خلال التعديل الدستوري الذي أحدثه الملك سنة 1970 – والذي قاطعته جل الأحزاب المغربية آنذاك – فمن أهم التجديدات التي جاء بها دستور 1970 تحويره للفصل 19الذي صار ينص على أن الملك أمير للمؤمنين والممثل الأسمى للأمة ، بحيث ان اعتبار الملك ممثلا أسمى للأمة “يعني أن النواب الذين يستمدون نيابتهم من الأمة ، يعتبرون ممثلين ثانويين لها أمام الملك الممثل الأسمى الذي يستمد مشروعيته من الدين والبيعة والنسب الشريف “([9]).
كما تثير صفة “الحكم” التي أناطها الدستور بالملك التساؤل حول المقصود بكون الملك الحكم الأسمى بين المؤسسات؟ لأن في الأنظمة البرلمانية المعتبرة ديمقراطية، يعتبر الحكم، مرتبط بمبدأ الحياد ويقتضي أن يكون خارج اللعبة السياسية ولا يملك أي سلطة إلا تلك التي تسمح له بتعيين رئيس الحكومة المنبثق عن أغلبية برلمانية أفرزتها انتخابات تشريعية عامة . هنا يجب أن نفرق بين مفهوم الحكم السائد في الجمهورية الفرنسية الخامسة (دستور 1958). فنظرا لكون رئيس الدولة ينتخب عن طريق الاقتراع العام المباشر بناء على برنامج معين ويمارس سلطات مهمة، فالحكم يقصد به الرئيس الحاكم المقرر في السياسة العامة للبلاد إذا واكبت الأغلبية الرئاسية الأغلبية البرلمانية. كيف يمكن إذن تأويل الحكم الأسمى ؟ فقد يؤول – بل هذا هو التأويل السائد في المغرب منذ أول تجربة دستورية – باعتبار الملكية مؤسسة أسمى من كل المؤسسات وهي التي تقرر في النزاعات والاختيارات المفروضة ([10]).
فالدول التي ألحقت صفة التحكيم بعاهل البلاد، سيجت الأمر بمجموعة من الشروط التي يمكن إيجازها في الآتي : أولا، أن يقتصر على نوع من التحكيم بين المؤسسات، وليس بين الاختيارات والبرامج التي تباشر تطبيقها تلك المؤسسات. أي أنه تحكيم يهم تدبير العلاقة بين المؤسسات ، ولا يتدخل مباشرة في الاختيارات والبرامج بالشكل الذي يجعله يصدر حكم قيمة عليها؛ ثانيا، ألا يباشر التحكيم بمعزل عن إرادة الناخبين وبالطريقة التي تؤدي إلى تجاوز هذه الارادة وإحلال إرادة أخرى محلها. يجب أن يتجه التحكيم إلى خدمة الإرادة المفترضة للناخبين وإلى جعل الكلمة النهائية تعود إليهم ([11]).
وبهذا يمكن القول أن صفة الحكم الأسمى بين المؤسسات تتناقض ورئاسة من يفترض فيه التحكيم لمجموعة من المؤسسات – كما سيأتي توضيحه في القادم من فقرات – خاصة في ظل هيمنة التعيين الملكي على أعضاء المحكمة الدستورية وإناطة مهمة السهر على احترام الدستور بالملك . فالوثائق الدستورية المتقدمة جعلت من مهمة احترام الدستور في يد المحاكم الدستورية وليس رؤساء الدول ، الذين هم مجرد مؤسسات دستورية قد يتعرضون للدستور بالخرق وعد الاحترام ([12])، ويبقى الضامن الأساس لاحترام الدستور هي المحاكم الدستورية التي يجب أن تتوافر فيها الشروط الضرورية لكي تطلع بمهمتها.
بل إن كل الدساتير الديمقراطية خصصت بندا لكيفية أداء رئيس البلاد لليمين الدستورية حرصا منها على احترام الدستور، وهو الأمر الذي أغفله المشرع لمغربي، فالدستور الحالي لم يشر في أي من فصوله – تلميحا أو تنصيصا – على مسألة أداء رئيس الدولة لليمين الدستورية . لأنه ، خارج المراقبة الذاتية ، لا يخضع الملك لأي مراقبة دستورية على الاطلاق في حالة خرقه للدستور، وهو ما يتعارض ومبدأ فصل السلطات ، في الوقت الذي يعرض فيه مبدأ سمو الدستور لما يطلق عليه ميشيل مياي “الخلل واللاتوازن بين السلطات”([13]) لصالح المؤسسة الملكية باعتبارها سلطة فوق دستورية، وهو ما يؤكد مقولة “الدستور يراقب كل شيء إلا الأساسيات”، إذ كيف يمكن مراقبة ومحاسبة من ينيط به الدستور مهمة حماية الدستور ؟
إن أولى المهام التي يسندها الدستور الحالي للملك ، هي اختصاصه الديني، فالفصل 41 ينص على أن “الملك، أمير المؤمنين وحامي حمى الملة والدين، والضامن لحرية ممارسة الشؤون الدينية .و يرأس الملك ، أمير المؤمنين ، المجلس العلمي الأعلى ، الذي يتولى دراسة القضايا التي يعرضها عليه . ويعتبر المجلس الجهة الوحيدة المؤهلة لإصدار الفتاوى المعتمدة رسميا، بشأن المسائل المحالة عليه ، استنادا إلى مبادئ وأحكام الدين الإسلامي الحنيف ، ومقاصده السمحة “. ويمارس الملك صلاحياته الدينية و”المخولة له حصريا، بمقتضى هذا المحصل، بواسطة ظهائر”. غير أن المهام الدينية ليست وحدها من يمارسها الملك بظهائر، فالفقرة الأخيرة من الفصل 42 تنص أيضا على أن “يمارس الملك هذه المهام ، بمقتضى ظهائر، من خلال السلطات المخولة له صراحة بنص الدستور”.
وتطرح هنا مجموعة من الاشكالات المتعلقة أساسا بصفة أمير المؤمنين والحمولة القانونية والسياسية التي تتضمنها الظهائر الملكية وأسلوب التعامل القضائي معها. إذ كيف يمكن الفصل بين الملك بصفته أميرا للمؤمنين والملك بصفته رئيسا للدولة ؟ ومتى تنتهي صفة أمير المؤمنين ومتى تبدأ صفة رئيس الدولة ؟ وما مدى إلزامية الفتاوى التي يصدرها المجلس العلمي الأعلى الذي يرأسه الملك ؟ ألا تتعارض الفتاوى الدينية ومبدأ سمو الدستور؟ ألا تؤثر ازدواجية القوانين في البلد الواحد على لحمة المجتمع ؟ وهل يمكن الطعن على الظهائر الملكية أمام المحاكم المغربية ؟ وهل الظهائر التي يصدرها الملك باعتباره أميرا للمؤمنين ، يمارس صلاحيات دينية حصرية بمقتضى المحصل 41، تنشر بالجريدة الرسمية ، وما درجة إلزاميتها، وما قيمتها القانونية ، وهل تلزم المؤسسات أم تلزم المغاربة المنتمين للدين الاسلامي ، وهل تهم مواضيعها مجال
العبادات أم تتسع لتشمل مجال المعاملات وقضايا السياسة ؟([14]).
إن طرح هذه الاسئلة يرد إلى واقع الفعل السياسي في المغرب سواء في الماضي أو الحاضر، فمن الماضي اشتهر الحسن الثاني بمجموعة من المقولات في هذا الصدد، فهو تارة أمير للمؤمنين وهو رئيس للدولة الحديثة تارة أخرى ، فهو القائل “إذا لم يكن الملك الدستوري لإمكانه التدخل فإن أمير المؤمنين بموجب الكتاب والسنة يحق له ذلك”([15]). حيث لم يكن لتدخله هذا أي علاقة بالشأن الديني وإنما كان الأمر يتعلق بخلاف سياسي نشب عقب انسحاب الفريق الاتحادي من البرلمان سنة 1981، وقبله استندت محكمة الاستئناف إلى صفة أمير المؤمنين لحل الحزب الشيوعي سنة 1959.
ولا يخلو الحاضر من ممارسات من هذا القبيل ، اختلط فيها الديني بالسياسي وامتزجت فيها صفة أمير المؤمنين بمهمة رئيس الدولة ، وغاب الخيط الرفيع الذي يفصل بين إمارة المؤمنين ورئاسة الدولة . فخلال الحملة التي واكبت الاستفتاء على الدستور الحالي ، تم تسجيل توظيف واضح للدين في السياسة وتم الاستناد على صفة أمير المؤمنين لترجيح كفة التصويت بنعم على الدستور. إذ تم توريط المساجد ومنابر الجمعة في الصراع السياسي ووغاب مبدأ استقلالية المسجد عن الخلافات السياسية.
فلقد دعت خطبة الجمعة الموحدة التي فرضت وزارة الأوقاف والشؤون الاسلامية على جميع الأئمة قراءتها على المصلين في المساجد في عز الحملة الاستفتائية ([16])، إلى الاقبال على عملية المشاركة الفعالة في عملية الاستفتاء والاستجابة لذلك بقول نعم، تأدية لشهادة مطلوبة شرعا وواجب وطني يستوجب حب الوطن والتعلق به، والتفاني في النهوض به، موظفة في ذلك مجموعة من النصوص الدينية التي أخرجت من سياقاتها من قبيل الآية : (إنَّمَا كَانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذَا دُعُوا إلَى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وأَطَعْنَا وأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ (51) ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَخْشَ اللَّهَ ويَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَائِزُونَ). وجاء أيضا بنفس الخطبة : “فما علينا إلا أن نستجيب لواجب الوطن ، ونسهم بذلك في الاصلاح والنهوض المرجو لبلدنا، في ظل القيادة الرشيدة ، الحكيمة والمتبصرة لجلالته ، مستحضرين في ذلك ما يكون عليه شأن المؤمن من طاعة رسوله ، وطاعة أولي الأمر في أمته ، امتثالا لقوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ).
فما ورد بخطبة الجمعة هذه يظهر بشكل جلي أن الطريقة التي حلت بها مشكلة الفصل 19 من دستور 1996 لم تكن إلا توزيعه على فصلين هما الفصل 14 و 42 من دستور 2011، وهذه الخطبة دليل واضح على أن مضمون الفصل 19 لا يزال صامدا في المتن الدستوري الجديد، فالملك لما يعرض على الشعب مشروع للدستور لكي يستفتي حوله إنما يفعل ذلك بناء على كونه رئيسا للدولة ، ولكن عندما تقوم وزارة الأوقاف بدعوة الناس إلى التصويت بنعم على الدستور وطاعة ولي الأمر في مسألة سياسية خلافية إنما تفعل ذلك بناء على صفة أمير المؤمنين التي يتمتع به الملك. وهو ما يدخل المسجد في حلبة المنافسة السياسية ويذكي الخلافات بين المصلين أنفسهم ([17]).
وإذا ما انتقلنا إلى مسألة الظهائر التي يمارس من خلالها الملك صلاحياته، أمكن القول بأن الممارسة التاريخية جعلت الغموض سيد الموقف حينما يتعلق الأمر بحمولتها القانونية وإمكانية التعامل معها على أساس أنها مجرد قرارات إدارية يمكن الطعن فيها أمام المحاكم الإدارية ، فإذا كانت الدساتير العالمية تميز بين القرارات السيادية التي تصدر عن رئاسة الدولة والتي تتمتع بحصانة حيال أي طعن، والقرارات الادارية التي يسري عليها القانون باعتبارها قرارات إدارية على غرار باقي القرارات الصادر عن مختلف المؤسسات الإدارية فإن البحث في القانون المغربي لا يسعف في العثور على ما يمكن أن يفيد بأن الظهائر الملكية ذات الطابع الاداري يمكن الطعن فيها أمام المحاكم المغربية . بل إن واقع الممارسة يفيد العكس أي أن تلك القرارات الصادرة عن الملك سواء بصفته أميرا للمؤمنين أو رئيسا للدولة لا يمكن أن تعتبر قرارات عادية.
فإلحاق السلطة القضائية بالمؤسسة الملكية – الوضع الذي استمر مع الدستور الحالي – جعل القاضي الاداري لا يقوى على التمييز بين القرارات الادارية والقرارات السيادية الصادرة على الملك ، رافضا بذلك أي إمكانية للتعامل مع الظهائر الملكية باعتبارها قرارات إدارية . وهو الأمر الذي نستنتجه من قرار مزرعة عبد العزيز الصادر عن الغرفة الادارية بالمجلس الأعلى في 20 مارس 1970 والذي طبقت حيثياته بناء على تأويل معين للفصل 19 جاء في نص الحكم ما يلي: “حيث أن صاحب الجلالة يمارس اختصاصاته الدستورية كأمير للمؤمنين طبقا للفصل 19 ولأجل ذلك لا يمكن اعتباره مجرد سلطة إدارية بسيطة طبقا للفصل 19 من ظهير 27-09-1957 “.
وهذا الحكم يؤكد بالملموس أن القاضي الاداري يرى في القرارات الصادرة عن الملك على أنها ذات صبغة سيادية يكتسبها الملك من كونه أميرا للمؤمنين. وهكذا ففي المغرب ورغم عدم إمكانية الطعن القضائي ضد قرارات الملك بناء على اجتهادات القضاء المغربي المرتبط بالمؤسسة الملكية عبر التاريخ ، فإنه لا يترك للمتضررين إلا التقدم باستعطاف إلى الملك ، ومن ذلك على سبيل المثال ما جاء في قرار المجلس الأعلى في قضية مزرعة عبد العزيز : “. . . وأن المقررات الصادرة عن جلالة الملك لا يمكن إعادة النظر فيها بلجوء صاحب الشأن إلى جلالته على سبيل الاستعطاف طالما لم يفوض الدستور صراحة أمر البت في ذلك لغيره “([18]). وهو ما يدل على أن الظهائر الملكية – حسب تأويل القضاء المغربي – تتمتع “بحصانة قضائية شاملة لا تقتصر على دعوى الإلغاء فحسب بل تعطي أيضاً دعوى الدفع بعدم المشروعية ودعوى التعويض” ([19]).
وإذا ما أردنا الايجاز فإنه يمكن القول، ان رئيس الدولة (الملك) في المغرب يزاول مهامه أولا من خلال ظهائر منها ما يوقع بالعطف من قبل رئيس الحكومة، ومنها ما لا يوقعه هذا الأخير. وتهم الظهائر التي لا يوقعها رئيس الحكومة، حسب الفصل 42 من الدستور، ما يلي: كل ما يتعلق بالشأن الديني (ف41)، ما يهم بمجلس الوصاية (الذي يعتبر الهيئة الممارسة لاختصاصات العرش في حالة عدم بلوغ ولي العهد سن الرشد) (ف 44)، تعيين رئيس الحكومة وإعفاء وزرائها (ف 47)، حل مجلسي البرلمان (ف 51)، الموافقة على تعيين القضاة المقترحين من قبل المجلس الأعلى للقضاء الذي يعين رئيسه الملك (ف 57)، الإعلان عن حالة الاستثناء (ف 59). تعيين رئيس المحكمة الدستورية ونصف أعضائها ([20]) (ف 130).
صلاحيات الملك حيال السلطة التنفيذية:-
إضافة إلى الصلاحيات الدينية التي أناطها الدستور بالملك، فإن الأخير يحضى بمجموعة من المهام والاختصاصات والرئاسات الأخرى. فالملك يرأس العديد من المجالس الدستورية أو يعين رؤساءها من قبيل: ترؤسه للمجلس الوزاري (فــــــ 48) رئاسته للمجلس الأعلى للسلطة القضائية (فــــــ 56) والمجلس الأعلى للأمن (فــــــــ 54)، والملك هو القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية، كما يعين الملك رئيس المحكمة الدستورية ونصف أعضائها، ورئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي ، ورئيس المجلس الأعلى للحسابات ، ورؤساء 10 مؤسسات للحكامة الواردة في الباب 12 (من الفصل 154 إلى الفصل 170) ([21]).
على الرغم من أن الدستور الجديد اختص الملك وألزمه بتعيين رئيس الحكومة من الحزب الفائز بأغلبية مقاعد مجلس النواب ، إلا أن ذلك يبقى محاطا بمجموعة من العيوب القانونية . فالفصل 47ينص على أن “يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب ، وعلى أساس نتائجها. ويعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها. للملك ، بمبادرة منه، بعد استشارة رئيس الحكومة ، أن يعفي عضوا أو أكثر من أعضاء الحكومة من مهامهم . ولرئيس الحكومة أن يطلب من الملك إعفاء عضو أو أكثر، من أعضاء الحكومة، بناء على استقالتهم ، الفردية أو الجماعية . يترتب عن استقالة رئيس الحكومة إعفاء الحكومة بكاملها…” .
يطرح هذا الفصل بدوره الكثير من الإشكالات والتساؤلات ، من قبيل لماذا سكتت الوثيقة الدستورية عن المدة التي يجب ألا يتجاوزها رئيس الحكومة المعين من أجل تشكيل حكومته؟ ماذا لو لم يوفق رئيس الحكومة في تشكيل حكومته ، فإلى من يؤول تشكيل الحكومة ؟ كيف يمكن تطبيق مبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة ” مادام لرئيس الدولة غير المنتخب الحق في إقالة وزير ينتمي إلى حكومة منتخبة ؟ وهل يتوافق مبدأ الانسجام الحكومي وتبعية الوزراء للملك ، في ظل عدم قدرة رئيس الحكومة على إقالة وزير من اختياره ، ما لم يوافق على ذلك الملك ؟.
هذه الأسئلة وغيرها، تبقى مطروحة للبحث والدراسة ، ونقصر التناول على الاسئلة التي هي من صميم موضوعنا المتعلق باختصاصات رئيس الدولة في الدستور المغربي . ونستهل ذلك بالإشارة إلى أن الوثيقة الدستورية التي بين أيدينا لم تغير الشيء الكثير في مسألة تبعية الوزراء للملك ([22]) فبالرغم من مسؤولية الحكومة أمام البرلمان ، إلا أن الوزراء مسؤولون أمام الملك . بدليل أنه يستطيع إعفاء أحدهم أو أكثر، حتى ولو لم يتوصل بطلب الاعفاء من رئيس الحكومة ، بل حتى ولو استحسن هذا الأخير عمل الوزير أو الوزراء المعفيين وزكى مردودهم، وكان له رأي مخالف لرأي الملك فيهم. فشعور الوزير بأن الملك يمكن أن يتخذ قرار إعفائه في أية لحظة ، بدون أي اقتراح من رئيس الحكومة ، وبغض النظر عن
رأي رئيس الحكومة فيه، يجعل الوزير في نهاية المطاف تابعا للملك بعد تعيينه ([23]).
وبوجيز العبارة ، يمكن القول أن العنصر الايجابي الذي جاءت به الوثيقة الدستورية الجديدة فيما يتعلق بعدم إمكانية إقالة الملك لرئيس الحكومة ، سرعان ما يتبدد إذا ما علمنا أن الملك من حقه إقالة جميع أعضاء الحكومة ، وهو ما يفيد أيضا بأن الملك قد يشل عمل الحكومة إذا ما أقال جميع أعضائها، خاصة أنه هو من يعين الحكومة باقتراح من رئيسها. فإذا ما رفض الملك الموافقة على تعيين وزراء جدد من اقتراح رئيس الحكومة ، يصبح الأخير في وضع رئيس حكومة من دون وزراء، الأمر الذي يؤدي إلى استقالته الحتمية.
إلى جانب هذه الصلاحيات يرأس الملك المجلس الوزاري (المحصل 48) الذي هو مؤسسة دستورية منتظمة الانعقاد، ولا يمكن لمجموعة من المشاريع والنصوص أن تأخذ مجراها نحو التنفيذ إلا بعد مصادقة هذا المجلس عليها، حيث يمكن تلخيص مهام المجلس الوزاري (فـــ 49) في الآتي : التوجهات الاستراتيجية لسياسة الدولة ، مشاريع مراجعة الدستور، مشاريع القوانين التنظيمية ، التوجهات العامة لمشروع قانون المالية ، مشاريع القوانين ، قوانين الإطار المشار إليها في الفصل 71 (الفقرة الثانية )، مشروع قانون العفو العام ، مشاريع النصوص المتعلقة بالمجال العسكري ، إعلان حالة الحصار، إشهار الحرب ، مشروع المرسوم المشار إليه في الفصل 104 من هذا الدستور،
وفي مجال التعيينات فإن الدستور يكفل للملك اعتمد السفراء لدى الدول الأجنبية والمنظمات الدولية ، ولديه تعتمد السفراء، وممثلو المنظمات الدولية ؛ التوقيع على المعاهدات والمصادقة عليها، وإن كان لا يصادق على بعض المعاهدات إلا بموافقة البرلمان (ف 55)؛ التعيين باقتراح من رئيس الحكومة، وبمبادرة من الوزير المعني ، في الوظائف المدنية لوالي بنك المغرب ، والسفراء والولاة والعمال ، والمسؤولين عن الإدارات المكلفة بالأمن الداخلي ، والمسؤولين عن المؤسسات والمقاولات العمومية الاستراتيجية (ف 49)، وبخصوص النقطة الأخيرة فإن الدستور قد نص على ضرورة تشريع قانون تنظيمي يحددها، وبالفعل فقد صدر القانون التنظيمي رقم 02.12 المتعلق بالتعيين في المناصب العليا والذي
أناط بالملك مهمة تعيين 37 مؤسسة اعتبرت إستراتيجية ، رغم أن هذه المؤسسات ذات طابع تنفيذي ، ورغم أن الدستور قصر السلطة التنفيذية على الحكومة.
إن ما يمكن استخلاصه من استعراضنا لمختلف الصلاحيات التنفيذية التي يتمتع بها الملك ، بصفته رئيسا للدولة ، هو ما يلي:
– رغم أن الوثيقة الدستورية نصت في ديباجتها على أن نظام الحكم بالمغرب هو “نظام ملكية دستورية ، ديمقراطية برلمانية واجتماعية ” وابتعد بالنظام السياسي عن صفة “الملكية التنفيذية “، بدليل أنه اختص الحكومة بصفة التنفيذ، إلا أن المؤسسة الملكية لاتزال فاعلة ومنفذة في مختلف المجالات الحيوية ، فترؤس الملك للمجلس الوزاري يمنحه القدرة في التأثير في السياسات العمومية ، كما أن ترؤسه أو تعيينه لرؤساء العديد من المؤسسات ذات الطابع التنفيذي تجعله الماسك الفعلي لخيوط العمل في أكثر من مؤسسة استراتيجية . فالملكية البرلمانية التي جاءت في ديباجة الدستور يفترض فيها أن تبتعد المؤسسة الملكية عن الشأن التنفيذي وتضعها في موقع يسمح لها بأن تمارس عملية التحكيم ، لأن الأخيرة تتناقض وأن يكون الحكم رئيسا أو معينا لمجموعة من المؤسسات التي ينبغى أن يكون حكما بنيها؛
– ألخ الدستور في أكثر من موقع على أن الملك ينال صلاحياته ومهامه بما تنص عليه الوثيقة الدستورية صراحة ، وذلك حتى لا يتم تجاوز تلك الاختصاصات نتيجة تأويلات معينة ، ولكن هذا الأمر سرعان ما يتبدد ويتلاشى ؛ فحينا يتم السكوت عن الجهة التي من حقها ممارسة مجموعة من الاختصاصات (= بعض التعيينات )، وحينا آخر تتم الاحالة على القانون التنظيمي من أجل المزيد من الصلاحيات (= القانون التنظيمي الذي يكفل للملك الحق في تعيين رؤساء المؤسسات الاستراتيجية)؛
– استمرار تحكم الملك في توجيه مسار السلطة التنفيذية ومضمون قراراتها: فالملك هو رئيس المجلس الوزاري، وهذا الأخير هو الذي يتداول التوجهات الاستراتيجية لسياسة الدولة ، والتوجهات العامة لمشروع قانون المالية . فبالرغم من دسترة مجلس الحكومة ، ومنحه حق البت في القوانين العادية والمراسيم التنظيمية، فإن ذلك يتعين أن يتم في إطار التوجهات الاستراتيجية التي رسمها المجلس الوزاري ، وليس بمعزل عنها. ومن ثمة نستنتج وجود نوع من تبعية مجلس الحكومة للمجلس الوزاري ([24]). والملك هو الذي يترأس المجلس الأخير، وإن كان يمكن له أن يفوض أمر الرئاسة إلى رئيس الحكومة ، فإن ذلك يجب أن يتم وفق جدول أعمال محدد، ولا شيء يمنع الملك من الامساك المطلق عن منح التفويض مهما كانت الظروف ، خاصة أن الدستور لم يحدد دورية لاجتماع مجلس الوزراء ([25]).
اختصاصات الملك اتجاه السلطة التشريعية:
بالانتقال إلى صلاحيات الملك اتجاه السلطة التشريعية يمكن أن نملس بوضوح الحضور المؤثر والفاعل للمؤسسة الملكية بخصوص الجانب التشريعي. فالملك في الدستور المغربي هو من يفتتح البرلمان كل سنة ويخاطب الأمة عبره ، ولا تتلو خطابه أية مناقشة (فــــــــــ 52). وللملك أن يطلب – ولا يمكن أن يرفض هذا الطلب – قراءة جديدة لكل مقترح أو مشروع قانون معروض على البرلمان (فــــــ95 ) وله الحق في طلب تشكيل لجان تقصي الحقائق (فــــــــ 67)، وإصدار الأمر بتنفيذ القانون خلال الثلاثين يوما التالية لإحالته إلى الحكومة بعد تمام الموافقة عليه.
وللملك أن يحل مجلسي البرلمان أو أحدهما (فــــــــ 51) دون أن تقيد الوثيقة الدستورية هذا الأمر إلا باستشارة رئيس المحكمة الدستورية وإخبار رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب ، ورئيس مجلس المستشارين ، وخطاب موجه إلى الأمة .(فـــــ 96)، كما أغفل المشرع الدستوري تعيين مآل السلطة التشريعية في حالة حل البرلمان او أحد مجلسيه، وربما يعود السبب إلى أن التجربة التاريخية آلت فيها السلطة التشريعية عند حل البرلمان إلى الملك ([26]).
ويمكن أن نسجل على هذه الاختصاصات مجموعة من الملاحظات التي نرى أن المشرع الدستوري المغربي لم يشر إليها أو تزيد في ضمها لمهام الملك. فافتتاح الملك للبرلمان لم لا يعد إجراء بروتوكوليا فقط، وإنما يحمل الكثير من المعاني والرمزيات .
على عكس ما يعتقد، فإن قراءة متأنية لطقس افتتاح البرلمان تبين أن هذا “الطقس” لا يخلو من سلطوية . ومن الطريف أننا سنشير إلى قراءة مهمة قام بها المستشار الملكي الحالي والمكلف بلجنة آلية إعداد الدستور- وهي لجنة تكلفت بالتواصل بين لجنة الصياغة والأحزاب السياسية والقصر طبعا – حيث يبتدئ محمد المعتصم قراءته لطقس افتتاح البرلمان بمسألة قراءة القرآن “فالآية القرآنية الكريمة لمضمونها علاقة بمحتوى الخطاب الملكي الذي يعرض للفلسفة الملكية في الحكم ، أو ينطوي على توجيهات ومشاريع على البرلمان والحكومة تشريعها وتنفيذها”، وهكذا فإن افتتاح “الملك الدستوري للدورة الأولى للبرلمان ليس شكليا، بل يتداخل فيه حضور أمير المؤمنين بالمظهر الاحتفالي التقليدي ، وآية الافتتاح القرآنية ، والخطاب – البرنامج المعلق عليها” وهذا الحضور، يضيف المعتصم ، “يعد استمرارا لتقليد ما قبل دستوري ” وللدلالة على ذلك يستشهد بنص لأحد الباحثين جاء فيه “إن جو الجلسات ذو دلالة …وكل تدخل للملك
يجري في جو مقدس ..”([27]). كما يذكر معتصم بالأحداث التي شهدتها الولاية التشريعية 1977-1983 حيث ساد الخلاف بين الأغلبية والمعارضة ، والذي كان ظاهره “رفض المعارضة الاتحادية والشيوعية للفصل الأول من القانون الداخلي للبرلمان الذي يلزم النواب بحضور جلسة افتتاح دورة أكتوبر مرتدين “اللباس القومي” وأما عمقه فقد كان عبارة عن مواجهة بين طقوس المخزن وطقوس المعارضة بلباسها العصري. مما جعل هذه الأخيرة تتابع جلسة الافتتاح من إحدى قاعات البرلمان” ([28]).
كما أن الخطاب الذي يوجه الملك خلال افتتاح البرلمان ، والذي لا تتلوه مناقشة ، لا يخلو من دلالات التأثير والتوجيه ، لأنه غالبا ما يتضمن ما يسميه قراء الخطب الملكية “فلسفة سياسية ” أو “مرجعية تشريعية ” أو توجيها للبرلمان لكي يشتغل على رؤيا معينة أو سياسة ما، ومن تم يصي الملك صاحب رأي مؤثر داخل البرلمان ، خاصة في ظل وجود ما يطلق عليه بـــــــــــ “العقلنة البرلمانية ([29])” وفي ظل ضعف حزبي بين.
وهنا ينبغي أن نشير إلى أن الملك دائم الحضور في المسطرة التشريعية ، سواء من خلال مشاريع القوانين التي تقترحها الحكمة والتي تمر في مجملها من بوابة المجلس الوزاري الذي يرأسه الملك ، أو من خلال طلب قراءة جديدة لمشروع أو مقترح قانون معروض على البرلمان ، أو في المحطة النهائية للتشريع والمتعلقة بسلطة الملك في الأمر بتنفيذ القانون خلال أجل 30 يوما. على أساس أن الدستور الحالي لا ينص على وجوب صدور القانون في حالة عدم موافقة رئيس الدولة أو عدم الرغبة في الأمر بتنفيذه . مما يعني أنه في حالة رفض الملك إصدار الأمر بتنفيذ القانون يكون الأخير في حكم العدم ([30]).
وتلزم الاشارة إلى أن الملك حسب الدستور الجديد، وعلى الرغم من أنه لم يعد يملك حق استفتاء الشعب حول مشروع أو مقترح قانون بعد أن يكون المشروع أو الاقتراح قد قرئ قراءة جديدة كما كان عليه الوضع في الفصل 69 من
دستور 1996 إلا أن الدستور الحالي أقر مسألة طلب الملك قراءة جديدة لمشروع أو مقترح قانون لم ينل الموافقة الملكية وألزم البرلمان بعدم الامتناع عن ذلك . وإن كانت الوثيقة الدستورية الجديدة سحبت من الملك حق استفتاء الشعب حول
نتائج القراءة الجديدة .
فضلا على أن المشرع الدستوري أعاد التذكير بحق الملك حل البرلمان في فصل يلي الفصل الذي يقر طلب القراءة الجديدة . وكأن المشرع الدستوري يريد أن يقول للبرلمان أنه في حالة رفض مطلب تغيير مضمون نص مشروع القانون، فإن الفصل 96يبقى وارد التطبيق . فهذا الأخير ينص على أن “للملك، بعد استشارة رئيس المحكمة الدستورية وإخبار رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس المستشارين ، أن يحل بظهير المجلسين معا أو أحدهما. يقع الحل بعد خطاب يوجهه الملك إلى الأمة “. وهو الأمر الذي يكرر للمرة الثانية في الدستور، حيث ورد في الفصل 51 ما يلي: “للملك حق حل مجلسي البرلمان أو أحدهما بظهير”. وهو ما يطرح التساؤل حول ما فائدة هذا التكرار إذا لم يكن يراد منه تحذير البرلمان من مغبة رفض الطلب الملكي بخصوص تعديل مضمون مشاريع ومقترحات القوانين التي لم تنل رضا المؤسسة الملكية.
وتبقى أهم ملاحظة يمكن تسجيلها على اختصاصات الملك حيال السلطة التشريعية هي ما يتعلق بسلطة الحل التي يتمتع بها الملك إزاء البرلمان . فكما سبقت الاشارة إليه فإن الدستور الجديد كرر في أكثر من مناسبة وموقع أن البرلمان يبقى تحت سيف الحل المزدوج . فإلى جانب تهديد البرلمان بالحل من قبل رئيس الحكومة حسب ما جاء في الدستور الجديد، فإنه يضاف تهديد آخر للبرلمان والمتجلي في إمكانية حله من قبل الملك . فالأخير يملك حق حل البرلمان حسب الفصلين 51 و 96 من الدستور، علاوة على أن لإمكانه تجميد عمله في حالة الاعلان عن حالة الاستثناء (فــــــــــ 59).
ولأهمية هذه النقطة فإننا نرتئي التوقف عندها بشيء من التفصيل والتدقيق والمقارنة . فكما هو معلوم وفي إطار مبدأ فصل السلط ، فإن التجارب المقارنة تميز بين نوعين من الفصل فيما يخص مسألتي الحل وسحب الثقة . إذ إن الدساتير التي تتسم بالمرونة تترك المجال للتعاون بين السلط بدل الفصل بينها، فهي تعطي للرئيس المنتخب حق حل البرلمان وفي المقابل تكفل للبرلمان سحب الثقة من الرئيس ([31]). بينما ترفض دساتير الفصل الصلب بين السلطات أن تجعل لرئيس الدولة أية سلطة على المجالس المنتخبة ، وبالمثل تمنع على البرلمان سحب الثقة أو إقالة رئيس الدولة ونموذج ذلك نجده في التجربة الدستورية الأمريكية.
أما الدستور المغربي فإنه لم يرتب أي مسؤولية للملك اتجاه البرلمان أو يجعله في وضع غير مرتاح إذا ما اتخذ قرارا بحل البرلمان . لأن النظام السياسي في المغرب لم ير في مبدأ فصل السلط أنه ينطبق على المؤسسة الملكية ([32]). وهكذا نجد الدستور يمتع الملك بصلاحيات واسع باعتباره رئيسا للدولة ولا يلزمه في مقابل ذلك بأي من الالتزامات . وهو ما يتعارض ومبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة الذي جاءت به ديباجة الدستور الجديد. فسلاح حل البرلمان يفترض في من يؤول إليه أن يكون مسؤولا أمام الشعب مسؤولية انتخابية أو أمام المجلس الذي يتسلط عليه هذا الحل.
ومن نافل القول، التذكير بأن المسؤولية السياسية تعني في معناها العام الالتزام بالقيام أو عدم القيام بفعل، فكل شخص استفاد من وكالة تخول له صفة عضو في السلطة العامة هو ملزم بأن يحاسب على أفعاله ويتحمل نتائجها ([33])، فضلا على انها مبدأ مستقلا ومتميزا، فهي لا تنتج عن الخطأ ولا عن الضرر بل تعني أن الحاكمين في خدمة المحكومين ويجب أن يدفعوا إليهم حسابهم ([34]). أما في الأنظمة البرلمانية فإن دساتيرها لا ترتب أي مسؤولية لرئيس الدولة ازاء البرلمان كما لا تعطيه أي حق اتجاهه . وهكذا نرى أن السلطة التنفيذية في هذه الأنظمة تتكون من عنصرين : الأول رئيس الدولة وهو غير مسؤول مسؤولية سياسية أمام البرلمان، ولكنه يتمتع بدور فخري لا غير. فعدم مسؤولية رئيس الدولة في النظام البرلماني نتيجة مهمة وهي انتقال السلطة الفعلية إلى الحكومة وهذا هو العنصر الثاني لثنائية السلطة التنفيذية ، حيث تكون الحكومة هي المسؤولة لأنه تمتلك السلطة الفعلية ([35]).
وهو ما يدفعنا إلى الاستنتاج بأن الدستور المغربي الجديد مستمر في النظر إلى الملك كسلطة فوق السلط ، ولا يطبق عليه فصل السلط ، وإن كان في نفس الوقت يمنح الملك مجموعة من الصلاحيات التنفيذية التي إن ربطناها بمبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة ” الوارد في الدستور، لوجب مقابلة الصلاحيات التنفيذية للملكية ، ومنها مسألة حل البرلمان ، بنتائج ينبغي أن تترتب على هذا الاختصاص . وهذا يقودنا أيضا إلى تناول مسألة إعلان حالة الحصار وإشهار الحرب وحالة الاستثناء التي يكفلها الدستور للملك.
لقد منح الدستور المغربي للملك ، من خلال ترؤسه للمجلس الوزاري ، حق إعلان حالة الحصار وإشهار الحرب دون الرجوع إلى المؤسسة التشريعية ([36]) حسبما هو مبين في (الفصل 49) ([37]). كما ينص الفصل 59من الدستور على ما يلي: “إذا كانت حوزة التراب الوطني مهددة ، أو وقع من الأحداث ما يعرقل السير العادي للمؤسسات الدستورية، يمكن للملك أن تعلن حالة الاستثناء بظهير، بعد استشارة كل من رئيس الحكومة ، ورئيس مجلس النواب ، ورئيس مجلس
المستشارين ، ورئيس المحكمة الدستورية ، وتوجيه خطاب إلى الأمة . ولمجول الملك بذلك صلاحية اتخاذ الإجراءات ، التي يفرضها الدفاع عن الوحدة الترابية، ويقتضيها الرجوع ، في أقرب الآجال ، إلى السير العادي للمؤسسات الدستورية. لا يحل البرلمان أثناء ممارسة السلطات الاستثنائية. تبقى الحريات والحقوق الأساسية المنصوص عليها في هذا الدستور مضمونة .ترفع حالة الاستثناء بمجرد انتفاء الأسباب التي دعت إليها، وباتخاذ الإجراءات الشكلية المقررة لإعلانها”.
إن هذا النص واضح في إطلاق يد الملك من حيث إعلان حالة الاستثناء دون ربطها بأي قيد أو شرط، عدا تلك اللمسات الشكلية التي وردت في مختلف الدساتير السابقة من قبيل استشارات غير ملزمة لرؤساء الحكومة والبرلمان والمحكمة الدستوري . إذ إن الدستور لم ينص على عرض حالة الاستثناء على البرلمان لأخذ رأيه فيها. كما انه وإن نص على عدم حل البرلمان أثناء حالة الاستثناء إلا أنه بتنصيصه على أن “لمجول الملك بذلك صلاحية اتخاذ الإجراءات ، التي
يفرضها الدفاع عن الوحدة الترابية “، يكون قد جمد عمل البرلمان طيلة مدة حالة الاستثناء. لأن الملك خلال حالة الاستثناء تجتمع لديه جميع السلط التشريعية والتنفيذية فضلا على أن السلطة القضائية من مشمولاته أصلا.
وهو ما يعني أن الدولة خلال حالة الاستثناء تكون تحت رحمة نظام سياسي شمولي لا يخضع لأي سلطة أو رقابة ، وهي الوضعية التي تجنبتها الدساتير في البلدان المتقدمة ([38])، وحذر منها الفكر السياسي قديما وحديثا. يقول مونسكيوه واصفا هذه الحالة “على صعيد الدولة وجود ثلاثة أنواع من السلطة : السلطة التشريعية التي تسن القوانين ، السلطة المنفذة للأمور المتعلقة بحقوق الإنسان ثم السلطة المنفذة للأمور المتعلقة بالقانون المدني ، فإذا اجتمعت السلطة التشريعية مع السلطة التنفيذية في هيئة واحدة زالت الحرية ، إذ يخشى أن تسن نفس الهيئة قوانين جائزة لكي تنفذها بصورة جائزة ، ويزول كل شيء إذا مارس الانسان الواحد أو مجلس الأعيان أو الشعب ذاته هذه السلط الثلاث ” ([39]).
لكن السؤال الذي يمثل أمامنا، ونحن نتناول مسألة إعلان حالة الاستثناء، هو ما يتعلق بمآل السلطة التشريعية في حالة حل البرلمان من دون الاعلان عن حالة الاستثناء. فإذا كان الملك يتخذ التدابير اللازمة في حالة إعلانه حالة الاستثناء، فإلى من يؤول حق اتخاذ هذه التدابير في حالة حل البرلمان ؟ حيث يظهر من الوهلة الأولى أن من باب أولى أن تؤول سلطة اتخاذ التدابير اللازمة للملك في حالة حل البرلمان إذا كانت تؤول إليه في حالة الاعلان عن الاستثناء. لكن بالرجوع إلى النص الدستوري لا يمكننا أن نقر ذلك بسهولة ، لأن مآل السلطة التشريعية في حالة الاستثناء يمكن استخلاصها من نص الدستور، بينما لا تفيدنا الوثيقة الدستورية في تتبع مآل السلطة التشريعية في حالة حل البرلمان. لقد أهمل ([40]) المشرع تعيين الجهة المختصة بالتشريع في حالة حل مجلسي البرلمان أو أحدهما، وربما يعود السبب في ذلك إلى كون التجربة التاريخية آلت فيها السلطة التشريعية عند حل البرلمان إلى الملك.
اختصاص الملك حيال السلطة القضائية:
لم يشذ التعديل الدستور الحالي عن سابقيه فيما يخص مسألة إلحاق السلطة القضائية بالمؤسسة الملكية على غرار السلطتين الدينية والعسكرية ، ولهذه النظرة جذور تاريخية تنهل من الممارسة السابقة منذ نشأة “الدولة ” المغربية بشكل خاص و”الدولة” في التاريخ الاسلامي بشكل عام. وهو ما كرسته كتب الآداب السلطانية في العصور السابقة ، حيث تم التنظير للإمامة في غير معزل عن ملحقاتها الدينية والعسكرية والقضائية . وهو ما يدفعنا إلى التماهي مع الفكرة القائلة بأن فهم النظام السياسي المغربي على ضوء الكتابات السلطانية يعتبر متيسرا أفضل من قراءته على ضوء الكتابات الدستورية الغربية . دون أن يعني هذا أننا نؤيد نتائج هذه القراءة ([41])، بل إن نقدنا لنتائجها هو ما دفعنا إلى التناول النقدي لهذا الجانب من الوثيقة الدستورية المغربية الحالية . إذ لا يمكن أن يستمر المغرب الحديث محكوما بتقاليد في الحكم تنتمي إلى العصور الوسطى ، كما لا يمكننا الاجابة عن أسئلة الحاضر بأجوبة من الماضي.
ويبدو ذلك جليا من خلال النص الدستوري الجديد الذي نجده قد نص على أن السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية ، لكنه لم تفصل القضاء عن المؤسسة الملكية وإنما جعل الأخيرة هي الضامن لاستقلاليته. حيث ورد في الفصل 107 من الدستور أن “السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية . الملك هو الضامن لاستقلال السلطة القضائية “. علاوة على أن الملك يرأس بنفسه المجلس الأعلى للسلطة القضائية (فــــــــ 115). أما بخصوص القضاء الدستوري فإن الملك هو من يعين نصف أعضاء المحكمة الدستورية ويعين رئيسها. وهو ما سنفصل فيه ضمن محور خاص .
وقد لا نجانب الصواب ولا نبالغ إذا ما اعتبرنا ان ربط السلطة القضائية بالسلطة الملكية ذات الصبغة التنفيذية قد خلف عبر التاريخ السياسي المغربي العديد من المشاكل والمعوقات ، فغالبا ما نحت قرارات القضاء المغربي لصالح التوجهات الملكية . رأينا ذلك في الفقرات السابقة فيما اصطلح عليه بقضية “مزرعة عبد العزيز” وكذلك في قضية حل الحزب الشيوعي سنة 1959 ولا زالت بعض ملابسات إلحاق القضاء بالمؤسسة الملكية تتبدى في الحاضر المغربي، فكثيرا ما نددت المنظمات المهتمة بمراقبة حقوق الانسان إلى بعدم استقلالية القضاء المغربي وخضوعه للضغوطات ، وكثيرا ما اشتكى المعارضون السياسيون من تأثير ما يطلقون عليها “السلطات العليا” على قرارات القضاء، وما قضيتي حل حزب “البديل الحضاري ” وعدم الترخيص لحزب “الحركة من أجل الأمة” عنا ببعيدتين.
ومن هنا يظهر أنه رغم الاعلان عن مبادئ ومؤسسات جديدة إلا أن القضاء يظل تابعا للسلطة الملكية . فكون الملك هو الضامن لاستقلالية القضاء وهو الذي يرأس المجلس الأعلى للسلطة القضائية ([42]) وفي نفس الوقت يعتبر هو الرئيس الفعلي للسلطة التنفيذية ، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو كيف لهذه الوضعية ألا تؤثر في السلطة القضائية ([43]). علما أن النيابة العامة تم فصلها عن السلطة القضائية وأسندت رئاستها إلى وزير العدل الذي يعينه الملك باقتراح من رئيس الحكومة (ف (110 .([44])
المحور الثاني: القضاء الدستور والسلطة التأسيسية الفرعية
أهم مجالات تأثير المؤسس ة الملكية:
اولاً : دور الملك في تشكيل المحكمة الدستورية:
تعد المحكمة الدستورية أهم محاكم الجهاز القضائي ، نظراً إلى أهمية الاختصاصات المنوطة بها، وفي مقدمتها الرقابة القضائية على دستورية القوانين والأنظمة واللوائح ، ما يجعلها “الحارس الأمين” على مبدأ “سمو الدستور” الذي يعد بمثابة أهم مبادئ القانون الدستوري ، بحيث لا يجوز أن يخالف تشريع أدنى لتشريع أعلى ، سواء التشريعات الصادرة من السلطة التشريعية ، أو تلك الصادرة من السلطة التنفيذية ، كما يحول القضاء الدستور دون سطوة مؤسسة ما على اختصاصات باقي المؤسسات والهيئات بما يضمن احترام الدستور.
فضلا عن اختصاص القضاء الدستوري بوضع الأسس والضمانات لحماية حقوق الإنسان والحريات العامة من خلال رقابتها الدقيقة على التشريعات التي تصدر. والاضطلاع بمهام تفسير النصوص القانونية السارية والتي يصعب على
القضاء تفسيرها أو تنزيلها ديمقراطيا، والعمل على التطبيق السليم للقانون وتوحيد الاجتهاد القضائي وتطوير دور القانون بطريقة تدعم المؤسسات الديمقراطية .كما ينظر القاضي الدستوري في الطعون المتعلقة بصحة نتائج جميع الاستحقاقات الانتخابية . ومن أجل هذا كله اعتبر القضاء الدستوري منارة للقانون وحام للحريات وضامن لتوزيع السلط.
وتأتي هذه الأهمية التي يلصقها الفكر السياسي بالقضاء الدستوري ، إلى تلك النظرة التي ارتبطت بتعريف الدستور نفسه ، حيث نظر للأخير على أنه مجرد ترسيم لفكرة معينة للقانون . يقول ديومنيك روسو في هذا السياق “إذا افترضنا أن الدستور يعبر عن وجهة نظر معينة أو توجه سياسي معين داخل المجتمع رغم التغيير الدائم للمجتمعات ولكون التنوع والتعدد يطبعان الحياة السياسية وتنتج عنه بنيات جديدة غير متفقة مع الدستور القيام. من هذه النقطة بالتحديد يظهر دور القضاء الدستوري لتجاوز التناقضات والتخفيف من حدتها، في أفق خلق فكرة معينة للقانون تهدف إلى تمثيل النظام الاجتماعي والتعبير عنه. من خلال اجتهادات تعد بمثابة التعبير القانون عن الاختيارات السياسية في فترة معينة. بالاضافة إلى تأسيس ديمقراطية مفتوحة على مشاكل ومعاناة المواطنين مما يمكن من تجنب النظام السياسي الاهتزازات التي يمكن أن يتعرض لها، وبالتالي يتحقق نوع من الاستقرار وتلطيف الأجواء السياسية “([45]).
فالقضاء الدستوري يتدخل لكي يجعل من الدستور معبرا عن النشاط السياسي ومواكبا للتطورات الجديدة من خلال اجتهاداته التي تهدف إلى تشكيل فضاء جديد مبني على قواعد خاصة مما يساعد على التحول مما هو سياسي إلى
ما هو قانوني ([46]). باعتبار التعددية في التأويل الديمقراطي هي جزء لا يتجزأ من عملية قراءة وفهم الدستور. وهذه التعددية في التأويل لا يحسمها إلا حكم مستقل هو القضاء، فهو الذي يعطي الشرعية لتأويل على آخر، ولهاذا يقال إن القضاء هو الذي يمتلك الحقيقة القانوينة. إن الدستور في الولايات المتحدة الأمريكية هو في آخر المطاف ما تقول المحكمة العليا أنه كذلك ([47]).The Constitution Is What the Supreme Court Says It is أما في المغرب وفي غياب قضاء مستقل فإن التأويل الذي يسود هو التأويل الملكي ، ويصبح الدستور هو ما يقول الملك أنه كذلك ([48]). The Constitution Is What the King Says It is .
من الغرفة الدستورية إلى المجلس الدستوري ثم المحكمة الدستورية
إذا كانت أغلب الدساتير الحديثة قد تضمنت التنصيص على مكانة القضاء الدستوري وأولته العناية اللازمة ، فإن المغرب بدوره لم يحد عن هذا المسلسل التطوري للقضاء الدستوري ، حيث نص المشرع في أول دستور عرفه المغرب في سنة 1962، على إنشاء الغرفة الدستورية بالمجلس الأعلى . ثم ما لبثت الصعوبات والمشاكل التي صاحبت هذه الغرفة حتى دفعت بالمشرع المغربي ، من خلال دستور 1992، إلى إلغائها وتعويضها بمجلس دستوري شبيه من حيث الاختصاصات بالمجلس الدستوري الفرنسي لكنه يختلف عنه من حيث التركيبة والهيكلة . وهو ما جعل المجلس المذكور عرضة لكثير من النقد، فحاولت اللجنة التي عينها الملك برئاسة “عبد اللطيف المنوني ” سنة 2011 أن تتجاوز، بخصوص مسألة القضاء الدستوري ، تلك الاعتراضات ، عبر تغيير اسم المجلس الدستوري باسم المحكمة الدستورية . فهل المحكمة الحالية ، والتي لم تتشكل بعد، ترقى إلى مفهوم القضاء الدستوري الديمقراطي كما هو متعارف عليه عالميا ؟ .
نواقص المحكمة الدستورية:
نهدف خلال هذه الفقرة تسليط الضوء على تركيبة المحكمة الدستورية التي نص عليها الدستور الحالي – ودائما في إطار تناولنا لصلاحيات رئيس الدولة – دون الحديث عن اختصاصات المحكمة ولا عن أدوارها، التي لا تختلف كثيرا عن ما هو منصوص عليه في الدساتير المقارنة . لكن هذا الدور وهذه الاختصاصات التي تتماشى مع ما هو منصوص عليه في الدساتير الديمقراطية لا يمكن أن تنهض به المحكمة الدستورية المغربية قياسا إلى تركيبتها المقررة في نص الدستور الجديد. إذ أن الفرضية ، التي نحاول أن ندافع عنها هنا، تتمثل في كون تركيبة المحكمة الدستورية تفرغها من محتواها وتحرفها عن غاياتها التي وجدت من اجلها، بل لن تلعب المحكمة الدستورية غير ما تريده السلطات المهيمنة عليها من خلال التعيين . كيف يكون ذلك؟
ينص الدستور السادس للمملكة في فصله 130 على ما يلي “تتألف المحكمة الدستورية من اثني عشر عضوا، يعينون لمدة تسع سنوات غير قابلة للتجديد، ستة أعضاء يعينهم الملك ، من بينهم عضو يقترحه الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى ، وستة أعضاء ينتخب نصفهم من قبل مجلس النواب ، وينتخب النصف الآخر من قبل مجلس المستشارين من بين المترشحين الذين يقدمهم مكتب كل مجلس ، وذلك بعد التصويت بالاقتراع السري وبأغلبية ثلثي الأعضاء الذين يتألف منهم كل مجلس “.
والملاحظ أن المشرع ، رغم أنه غير اسم المجلس الدستوري إلى المحكمة الدستورية ، إلا أنه حافظ على نفس تركيبة هذه المحكمة باستثناء واحد، وهو أن من بين الأعضاء الستة الذين يعينهم الملك يوجد عضو يقترحه الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى ([49])، وهذا التغيير الطفيف لا يغير من كون الحصة الأكبر في التعيين تعود للملك بما في ذلك تعيين رئيس المحكمة ، وأما باقي الأعضاء (النصف) فهم موزعون بين 3 أعضاء ينتخبهم مجلس النواب و 3 أعضاء ينتخبهم مجلس المستشارين.
فهذا المبدأ بتعيين الملك لنصف أعضاء المحكمة بمن فيهم الرئيس ، بحيث يترك النصف الباقي لمجلسي البرلمان ، يتنافى والأصول الديمقراطية التي تعطي الأولية والأهمية في تنصيب أعضاء المحاكم الدستورية إلى السلطة التشريعية أو عبر الانتخاب، وهو ما يفرغ فكرة القضاء الدستوري من محتواها المحدد في حماية الحقوق والحرص على استقلالية السلطات بشكل لا تسيطر فيه السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية ، كما هو الحال في التشريع الدستوري المغربي . سيما أن الملكية في المغرب هي ملكية تنفيذية وليست ملكية برلمانية ، يسود فيها الملك ويحكم ، وبالتالي يمارس صلاحيات رئيس الدولة بكامل تجلياتها، ولهذا عندما يترك له حق تعيين نصف أعضاء المحكمة الدستورية ، بمن فيهم الرئيس ، فذلك يكرس هيمنة المؤسسة الملكية من خلال المحكمة الدستورية التي لا يمكنها، بحسب تركيبتها الحالية ، أن تلعب دور حامي الدستوري ، لأنها ببساطة لا يمكن أن تكون كتلة منسجمة ، وإنما المنسجم فيها هو الكتلة التي يعينها الملك ، بينما تؤثر الأغلبيات النيابية في تعيين باقي أعضاء المحكمة.
فإذا علمنا أن مجلس المستشارين منتخب بطريقة غير مباشرة في ظل ما يعرف بالجهوية الموسعة ، فإن فرضية أن يكون رئيسا المجلسين من نفس الحزب نادرة ، مما يحول دون أن يكون للأعضاء الستة الذين يشكلون -إلى جانب من عينهم الملك – تركيبة المحكمة ، رأي موحد حول القضايا المطروحة عليهم ([50]). وحتى إذا افترضنا انسجام النصف الذي ينتخبه البرلمان ، رغم أن ذلك مستبعد في ظل الثنائية المجلسية غير المتكافئة ، وفي ظل المتغيرات السياسية ونظام “العقلنة” والتحكم الذي يسلكه النظام السياسي المغربي ، فإن القرار الأخير سيكون دوما للنصف الذي يعينه الملك على أساس أن صوت الرئيس المعين من قبل الملك سيكون مرجحا في حالة تعادل الاصوات ([51]).
ولكي نوضح الأمر أكثر يمكننا العودة إلى الدستور المقارن وخاصة الدستور الفرنسي الذي يمتح منه الدستور المغربي ، والدستور الاسباني حيث يسود النظام الملكي، والدستور المصري حيث تشابه الساياقات. ففي الدستور الفرنسي نجد أن المجلس الدستوري يتكون من 9 أعضاء يعين ثلثيهم البرلمان ويعين رئيس الجمهورية الثلث المتبقي (مع تقييدات على هذا التعيين من قبل الرئيس كما ينص على ذلك الفصل 56 من الدستور الفرنسي )، هو ما يضمن استقلالية المجلس الدستوري عن السلطة التنفيذية وعن السلطة التشريعية ، لأن الأخيرة برأسين يستحيل بينهما التواطؤ بالنظر إلى تركيبة مجلس الشيوخ . وأما الدستور الاسباني فتتكون المحكمة الدستورية من 12عضوا، أربعة أعضاء يختارهم مجلس النواب وأربعة يختارون من مجلس الشيوخ بالانتخاب بأغلبية ثلاثة أخماس واثنين تختارهما الحكومة واثنين يختارهما مجلس القضاء ([52]) . بينما ينتخب مجلس الشيوخ الأمريكي جميع أعضاء المحكمة العليا باقتراح من رئيس الدولة.
وفي إيطاليا ينص الفصل 135 من الدستور على أن 5 من أعضاء المجلس الدستوري يعينهم البرلمان، و5 آخرون يعينون من قبل الهيئات القضائية العليا، ثم 5 الباقون يعينون من قبل الرئيس ، وينتخب الرئيس من قبل الأعضاء المنتخبين. أما في ألمانيا والبرتغال ، فالسلطة التنفيذية لا تملك أي نصيب من تعيين أعضاء المحاكم الدستورية ([53]). بينما نص الدستور المصري على أن رئيس الدولة هو من يصدر قرارا بتعيينه جميع أعضاء المحكمة الدستورية ، لكن بعد أن يحدد البرلمان بقانون ، الجهات التي تتكون منها المحكمة الدستورية وطريقة تعيين قضاتها (م 176)، مما يستفاد منه أن التجربة الدستورية المصرية حاولت أن تساير – مع وجود الفارق – نظيرتها الأمريكية ، وأعطت للبرلمان حق وضع قانون المحكمة وللرئيس حق إصدار قرار تعيين قضاتها.
من هنا نتلمس الفرق الكبير بين التجارب المقارنة ، التي تكرس الأفضلية في تعيين أعضاء القضاء الدستوري للبرلمانات المنتخبة شعبيا على حساب السلطة التنفيذية ، والدستور المغربي الذي يجعل من المؤسسة الملكية (السلطة التنفيذية) المهيمن الأساس على تركيبة المحكمة الدستورية ، وهو ما يشكل عائقا أمام استقلالية هذه المحكمة ، وإمكانية نهوضها بالاختصاصات الموكلة إليها. فالقاضي الدستوري ، ورغم ادعائه الاستقلالية سيضل دائها خاضعا للجهة التي عينته والتي لإمكانها أن تغيره . إذ إن الدستور المغربي ينص في الفقرة الثالثة من الفصل 130 على: “يتم كل ثلاث سنوات تجديد ثلث كل فئة من أعضاء المحكمة الدستورية” عكس أغلب الدساتير المقارنة التي يعين فيها القاضي الدستوري مدى الحياة وهو ما يضمن استقلاليته عن الجهة التي كان لها فضل تعيينه أو انتخابه.
ومن بين السلبيات كذلك ، تلك التي جاء بها الدستور الحالي بخصوص نوعية الأشخاص الذين يحق لهم شغل منصب قاضي دستوري “يختار أعضاء المحكمة الدستورية من بين الشخصيات المتوفرة على تكوين عال في مجال القانون ،
وعلى كفاءة قضائية أو فقهية أو إدارية ، والذين مارسوا مهنتهم لمدة تفوق خمس عشرة سنة، والمشهود لهم بالتجرد والنزاهة ” (الفضل 130). وهو وضع تكون فيه عضوية المحكمة الدستورية غير مقتصرة على فئة القضاة ، كما هو حاصل في أغلب التجارب المقارنة ، وإنما من حق كل من ارتأت فيه الجهة المعينة أو المنتخبة الأهلية لشغل هذا المنصب.
وتكمن الفرادة التي اتسم بها الدستور المغربي ، في أن المحكمة الدستورية يمكنها أن تبث في القضايا دون اكتمال نصابها، حيث نص الدستور في الفصل 130 على ما يلى “إذا تعذر على المجلسين أو على أحدهما انتخاب هؤلاء الأعضاء، داخل الأجل القانوني للتجديد، تمارس المحكمة اختصاصاتها، وتصدر قراراتها، وفق نصاب لا يحتسب فيه الأعضاء الذين لم يقع بعد انتخابهم ” وبالتالي يمكن ، في حالة وجود أعضاء المحكمة المنتخبين من قبل البرلمان لسبب من الأسباب ، للمحكمة أن تصدر قراراتها دون انتظار توفر النصاب القانوني ، والأغرب في الموضوع أن هذا الحق الذي أعطي للقضاة ، المعينين من قبل الملك ، لم يعطى للشق المنتخب من قبل البرلمان ، وبالتالي لا يمكن للمحكمة أن تصدر قراراتها إذا ما تعذر على الملك تعيين الأعضاء الستة الذين هم من اختصاصه ، وهو ما يشكل حيفا وعدم تساو، كما يكرس الهيمنة الملكية على المحكمة الدستورية ويجعل منها أداة في يد السلطة التنفيذية توظفها كما تشاء ([54]).
ثانيا: الملك بصفة سلطة تأسيسية فرعية:
نود في بداية هذه الفقرة ، قبل التطرق لاختصاص الملك حيال السلطة التأسيسية الفرعية ، أن نستعيد جانبا من التاريخ الدستوري المغربي في ما يتصل بهذه المسألة ؛ فلقد نص دستور 1962 في بابه الحادية عشر، على أن مبادرة مراجعة الدستور تبقى من الاختصاص المشترك للوزير الاول والبرلمان ، وذلك باتباع المسطرة الآتية : التقدم بطلب مراجعة الدستور حق يتمتع به الوزير الأول والبرلمان (الفصل 104 )؛ مشروع المراجعة يضعه المجلس الوزاري ويجب أن يكون محل مداولة من طرف المجلسين (فــــــــــ 105)؟ اقتراح المراجعة يجب أن يتخذه كل مجلس بتصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم المجلس (فــــــــــ 106)؟ تصير المراجعة نهائية بعد الموافقة عليها بالاستفتاء (فــــــــــ 107).
ولم يختلف الوضع إلا مع التعديل الدستوري لسنة 1970 ، الصادر بعد حالة الاستثناء، حيث أصبح حق المبادرة يعود للملك أو لثلثي مجلس النواب شريطة اقتراح المراجعة على الملك والتي لن تكون نهائية إلا بإقرارها عبر استفتاء، وهو نفس الأمر الذي كرسه كل من دستوري 1972 و 1992، إذ اعطيا للملك ولمجلس النواب حق اتخاذ المبادرة لمراجعة الدستور. وهي نفس المسطرة التي احتفظ بها دستور 1996، حيث ظلت المبادرة مشتركة بين الملك والبرلمان .
في الايجاز أعلاه يظهر لنا أن السلطة التأسيسية الفرعية انتقلت من مؤسستي الوزير الأول والبرلمان ، لصالح الهيمنة الملكية . وغيب حق الوزير الأول في اتخاذ مبادرة مراجعة الدستور، وهو الأمر الذي تداركه الدستور الحالي للبلاد وإن سجلت العديد من الملاحظات على هذا التدارك . إذ تم تزويد المسطرة المنصوص عليها في الدساتير التي تعاقبت منذ سنة 1970، والتي تجعل من الملك عمليا المالك الفعلي للسلطة التأسيسية الفرعية ، بأخرى تجعله في وضع مريح أكثر، فالملك لم تعد له صلاحية عرض مشروع تعديل دستوري مباشرة على الاستفتاء الشعبي وحسب ، وإنما زودت هذه المسطرة في مجال المراجعة الدستورية بأخرى تحرره من اللجوء إلى الاستفتاء الشعبي ([55]). إنها تمثلت في أن “للملك، بعد استشارة رئيس المحكمة الدستورية ، أن يعرض بظهير، على البرلمان ، مشروع مراجعة بعض مقتضيات الدستور. ويصادق البرلمان ، المنعقد، باستدعاء من الملك، في اجتماع مشترك لمجلسيه ، على مشروع هذه المراجعة ، بأغلبية ثلثي الأعضاء الذين يتكون منهم ” (فـــــــــ 174 ).
والجدير بأن ننوه به في هذا الصدد أيضا، أن الدستور الحالي رغم أنه أعاد مبادرة مراجعة الدستور لرئيس الحكومة على غرار دستور 1962 إلا أن هذا الامر عرف تراجعا بالمقارنة مع ما ورد في هذا الأخير، لأن الوثيقة الدستورية أجبرت مبادرة رئيس الحكومة على أن تمر عبر المجلس الوزاري حيث نص الفقرة الأخيرة من الفصل 173 على أن “يعرض المقترح الذي يتقدم به رئيس الحكومة على المجلس الوزاري ، بعد التداول بشأنه ، في مجلس الحكومة “. علاوة على أن جميع مبادرات مراجعة الدستور يجب أن تطرح للاستفتاء الشعبي عبر ظهير ملكي.
وهو ما يدفعنا إلى أن نثير السؤال الذي يفرض نفسه بالضرورة في هذا المجال ونعني به : ما دامت أي خطوة في هذا الصدد لا يمكن أن تعرف طريقها إلى الاستفتاء الشعبي إلا بالموافقة على ذلك بظهير ملكي ، فهل نكون أمام صلاحيات غير حصرية للملك في مسألة مراجعة الدستور ؟
ولن تكتمل الصورة عن الصيغة التي تم بها تخويل المبادرة إلى لرئيس الحكومة دون الاقرار بأننا لا نعرف لماذا وصفت المبادرة الصادرة عن رئيس الحكومة بالمقترحات على غرار المبادرات الصادرة عن البرلمان ، كما كان عليه الأمر في دستور سنة 1962 بالنسبة للوزير الأول ، في حين انفردت المبادرات المنبثقة عن الملكية بوصف المشاريع اللهم إلا إذا كانت ضرورة تأكيد التراتبية بين السلطة الملكية والسلطتين الأخيريتين تفسر هذا الاختيار. لا نعرف أيضا مبررات إدراج الصلاحية الملكية الجديدة في قلب فصل يتعرض أساسا للمراحل النهائية لمسطرة التعديل الدستوري بدل تخصيص فصل مستقل لها ([56]).
وإذا ما عملنا على استخلاص نتائج التحليل والأسئلة اعلاه ، أمكن القول :
– لقد أصبح للملك ، خلافا لكل التعديلات الدستورية السابقة، حق عرض تعديل بعض بنود الدستور على البرلمان ، وإذا صادق عليها البرلمان تصبح سارية المفعول من دون عرضها على الشعب في استفتاء، وإنما فقط عبر مراقبتها من قبل المحكمة الدستورية (ف 174) وهو ما يطرح التساؤل حول : كيف لنص دستوري صوت عليه الشعب في عمومه بشكل مباشر أن يعدله نوابه ([57])؟
– تعقد مسطرة المبادرة المخولة للبرلمان وتسييجها بمجموعة من القيود مستحيلة التحقق حيث لا تصح “لموافقة على مقترح مراجعة الدستور الذي يتقدم به عضو أو أكثر من أعضاء أحد مجلسي البرلمان ، إلا بتصويت أغلبية ثلثي الأعضاء، الذين يتألف منهم المجلس . لمجال المقترح إلى المجلس الآخر، الذي يوافق عليه بنفس أغلبية ثلثي الأعضاء الذين يتألف منهم ” (فــــــــــ 173 (وإلزام عرض مبادرة رئيس الحكومة على المجلس الوزاري ، واشتراط – لعرض مشاريع ومقترحات مراجعة الدستور على الاستفتاء – الموافقة الملكية عبر ظهير، كل ذلك يجعل أمر مراجعة الدستور محتكرا لدى المؤسسة الملكية ؛
– تمكين الملك من حق مراجعة الدستور عبر البرلمان من دون عرضه على الاستفتاء، لم يقابله منح نفس الحق بالنسبة للبرلمان ورئيس الحكومة . فضلا على أن الدستور يكفل للملك أن يستفتي الشعب مباشرة حول مراجعة بعض بنود الدستور دون موافقة البرلمان على ذلك، مما يجعل هذا الامر تهديدا للبرلمان نفسه، فمثلا لو رأى الملك أن البرلمان غير منضبط لتوجهاته لإمكانه أن يعرض على الاستفتاء الشعبي مشروع مراجعة البنود الدستورية التي من شأنها الحد من صلاحيات هذا البرلمان .
على سبيل الختم:
بوجيز الخلاصة يمكن القول أن الدستور المغربي الحالي وفي للممارسة التاريخية للمؤسسة الملكية، حيث خلقت التجربة التاريخية منطوق الدستور وروحه، وهو الأمر الذي انعكس على اختصاصات الملك وصلاحياته حيال جميع السلط ؛ فهو، إلى جانب اختصاصاته الدينية والعسكرية ، فاعل في السلطة التنفيذية وإليه تتشابك خيوط السياسات العامة ، وهو مؤثر في السلطة التشريعية والحريص على عدم خروجها عن مبدأ “العقلنة” بكل ما يحمله من معان سلبية، وهو الوصي على السلطة القضائية والمشكل لكافة هياكلها ومؤسساتها.
[1] اختيارنا لفظ إصلاحيات ” ليس باعتبره مفهوما وإنما هو مجرد مصطلح تواصلي ، لأن الدستور نفسه لم يميز اختصاصات الملك بأي من الأوصاف ، فهو ثارة يسميها صلاحيات (الفصل 42) وثارة أخرى يعتبرها مهاما (الفصل 41) وكان يطلق عليها أيضا في دستور 1996 سلطات (الفصل 29). نقول هذا لأننا صادفنا بعض القراءات الدستورية التي تحاول أن تقرأ في هذه التعابير ربما ما لم يكن واردا في ذهن المشرع الدستوري نفسه.
[2] ولم تكن مسألة التعيين وحدها من أثارت غضب الرافضين للتعامل مع اللجنة المعينة ، بل ان طبيعة أعضاء اللجنة زادت الوضع تأزما سواء بالنسبة للراديكاليين أو حتى بالنسبة للإصلاحيين الذين أيدوا خطاب 9 مارس، حيث برر المقاطعون لعمل اللجنة موقفهم هذا بكون “العضوية في لجنة صياغة مشروع الدستور اقتصرت في أغلبها على الوجوه المحسوبة على المؤسسة الملكية ، ولم تحض بعضوية اللجنة أي من الشخصيات التي عرفت بمطالبها الدستورية ، كما خلت اللجنة من أي تمثيلية للمعارضة المؤسساتية “.
[3] نشير هنا إلى قرار المجلس الدستوري رقم860/2012 الصادر بتاريخ: 13 يونيو 2012 والقاضي بإلغاء مجموعة من المقاعد البرلمانية بمبرر الاستعمال الجزئي لأماكن العبادة في منشورات انتخابية.
[4] لا يتسع المجال للاستفاضة في عقد المزيد من المقارنات (هناك تعديلات أخرى طالت الفصول : 55، 130…)، كما أن ما أوردناه يكفي للتدليل على لا دستورية الدستور الحالي . (تطرق لهذه المسألة أيضا إليها الأساتذة عبد العزيز النويضي وعبد العالي حامي الدين وغيرهما في دراسات منشورة بمجموعة من الجرائد.
[5]أنظر: محمد الساسي : الملك يقدم الدستور : قراءة في العلاقة بين نص الخطاب الملكي ونص الدستور الجديد، ضمن كتاب جماعي بعنوان 11 الدستور الجديد ووهم التغيير”، دفاتر وجهة نظر، مطبعة النجاح 2011، ص 33.
[6]إن صفات من قبيل “إرمز” و “إحامي” و “إضامن”، تحمل مغزى سياسيا ودينيا ورمزيا معبرا، وبالاقتصار على لفظ “الضامن” لوحده ، فقد تم تسجيل أن ضمان حقوق الجماعات الواردة الدستور لا يعني فقط “العائلة أو الحزب أو النقابة أو جماعة محلية أو حتى جماعة طائفية …” بل إنه يحمل في المحيط المغربي مغزى رمزيا دينيا “بحيث أن الضامن هو الذي يتوسط لدي الله أو قديس لإنقاذ شخص او جماعة …” اقتبسه محمد المعتصم عن عبد اللطيف منوني (le recoures de Particle 19…P.32) محمد معتصم: النظام السياسي الدستوري المغربي، مؤسسة إزيس للنشر، ط 1، الدار البيضاء .1992 ص 75 و 76
[7] جان جاك روسو: العقد الاجتماعي أو مبادئ القانون السياسي ، ترجمة بوليس غانم ، اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع ، بيروت ، لبنان ، 1972، الكتاب 3، ص 127.
[8] أندريه هوريو: القانون الدستوري والمؤسسات السياسية ، ترجمة علي مقلد، الأهلية للنشر والتوزيع، ط 2، بيروت 1977، ص 43
[9]محمد معتصم: النظام السياسي الدستوري المغربي، مؤسسة إزيش للنشر، ط أ، الدار البيضاء 1992. ص 110.
[10] عمر بندرو: فصل أم خلط في السلط، الدستور الجديد (م س) ص، 118
[11] محمد الساسي : (مرجع سابق ) ص 38؟
[12] لقد كان سبب مقاطعة الأحزاب السياسية لدستور 1970 هو رفضها ما أسمته خرق الملك لدستور1962 ، فالمعارضة رفضت أن يتخذ الملك مبادرة مراجعة الدستور التي كان دستور 1962 يتيحها بشكل حصري للبرلمان والوزير الأول . لكن كان للملك رأي آخر بناء على تأويل معين للفصل 35من دستور1962 في ظل غياب محمكمة دستورية بمستطاعها الفصل بين الملك والمعارضة.
[13] ميشيل مياي: دولة القانون، مقدمة في نقد القانون الدستوري، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ط 2، بيروت 1982، ص 241.
[14] محمد الساسي : (مرجع سابق ) ص27.
[15] خطاب الحسن الثاني في افتتاح الدورة الخريفية للبرلمان 9 أكتوبر 1981
[16] نشر النص الكامل لهذه الخطبة الموحدة بأسبوعية 11 الحياة الجديدة ” 30 يونيو 26 يوليوز 2011، ع 147 .عن محمد الساسي (م س) ص 42.
[17] وهو ما تم تسجيله بالفعل ، إذا عرفت الكثير من المساجد انسحابات ووقفات احتجاجية بعد هذه الخطبة ، حيث قاطع الرافضون لمضمون الخطبة الخطباء وانسحبوا من المسجد وشرعوا في ترديد الشعارات الداعية لمقاطعة الاستفتاء على الدستور أمام المساجد.
[18] أحمد البخاري ، أمينة جبران : اجتهادات المجلس الأعلى ، الغرفة الإدارية مع التعليق على أحكام المبادئ ، المنشورات الجامعية المعارفية ، ط .1 – 1966 ص : 54 – 55
[19] محمد أشركي: الظهير الشريف في القانون المغربي، السلسلة العربية أطروحات ورسائل جامعية، ط 1، الدار البيضاء، 1983، 103.
[20] كما سبقت الإشارة فإن مسألة عدم توقيع رئيس الحكومة على تعيين رئيس المحكمة الدستورية لم تكن واردة في النسخة التي استفتي حولها الشعب ونشرت في الجريدة الرسمية، لأن هذه النسخة مكنت رئيس الحكومة من التوقيع بالعطف على تعيين رئيس المحكمة الدستورية، في الوقت الذي خلت فيه النسخة التي عدلت عقب الاستفتاء، من هذا الحق.
[21]لولا الممارسة الحالية لما قلنا ان من صلاحيات الملك تعيين رؤساء هذه المؤسسات ، فالدستور الحالي- عكس الدستور السابق الفصل 30 منه – لا ينص صراحة على أن للملك حق تعيين مؤسسات الحكامة والمجلس الدستوري والمجلس الاقتصادي . فمن شأن أي تأويل ديمقراطي للدستور أن يضعها في يد رئيس الحكومة لكوخها ذات طابع تنفيذي ولأن الدستور نفسه نص على أن صلاحيات الملك يحددها الدستور أو القانون التنظيمي . فتعيين رئيس المجلس الأعلى للحسابات جرى بناء على الفصل 30 من الدستور 1996 والذي ينص على أن “الملك هو القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية ، وله حق التعيين في الوظائف المدنية والعسكرية كما له أن يفوض لغيره ممارسة هذا الحق ” وكان من الطبيعي أن يأتي تعيين رئيس المجلس الأعلى للحسابات متوافقا ومنطق هذا النص ، إذ أن المجلس مؤسسة مدنية ومن البديهي – حسب الدستور القديم – أن يعين الملك رئيسها. ولكن الدستور الجديد لم يختص الملك بالتعيين في جميع الوظائف المدنية ، وإنما حدد ذلك بنصوص الدستور أو أحاله على النصوص التنظيمية ولم يستثني أي مؤسسة من ذلك أو وظيفة . كما أن القانون التنظيمي رقم 02.12 المتعلق بالتعيين في المناصب العليا، لا نجد من ضمن هذه المناصب رئيس المجلس الأعلى للحسابات أو هيئات الحكامة، وبالتالي فإنه لا يوجد أي نص قانوني يمنع رئيس الحكومة من تعيين رئيس المجلس الأعلى للحسابات ورؤساء مؤسسات الحكامة أو يعطي للملك الحق في تعيينهم دون الرجوع إلى المجلس الوزاري . فأن يتم اعتبار هذه المجالس “دستورية” ويشغل الفراغ القانوني لسحبها من مجال التعيين الذي يختص به رئيس المجلس الحكومي أو المجلس الوزاري باقتراح من رئيس الحكومة ، فذلك محض اجتهاد صب في إضافة هذه الهيئات إلى مجمل المؤسسات التي أقر الدستور صراحة اختصاص الملك بتعيين رؤسائها، علاوة على المؤسسات التي حددها القانون التنظيمي 39) مؤسسة )، وهو اجتهاد وظف سكوت الدستور عن جهة تعيين مؤسسات الحكامة لصالح ضمها للائحة المؤسسات المعينة من قبل الملك. وهم ما يمكن انتقاده من عدة أوجه قانونية . لإن الهيئات المنصوص عليها في الباب 12المعنون ب “الحكامة الجيدة ” لم يحدد الدستور طريقة تشكيلها ولا كيفية تعيين رؤسائها، وإنما ترك ذلك للقانون ، حيث نص الفصل 171 على أن “يحدد بقوانين تأليف وصلاحيات وتنظيم وقواعد تسيير المؤسسات والهيئات المنصوص عليها في الفصول 160 إلى 170 من هذا الدستور، وكذا حالات التنافي عند الاقتضاء” وهو الأمر الذي لا يمكن أن نستنتج من خلاله ، بأي حال من الأحوال ، أن رؤسائها يعينون من قبل الملك . بل إن تعيينهم من قبل رئيس الحكومة أو باقتراح منه هو ما يتوافق وروح الدستور بناء على مبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة “؟
[22]وما يؤكد هذه التبعية موجود في التجربة الحكومية الحالية ، فتعيين حكومة السيد ابن كيران لم يحترم فيه مبدأ التنصيب البرلمان ، وإنما تم الاكتفاء بالتعيين الملكي للحكومة . وهو ما تجلى بوضوح عبر إصرار أعضاء الحكومة على التسريع بتسلم مهامهم قبل التنصيب النهائي للحكومة من قبل البرلمان ، كما ينص على ذلك الدستور صراحة (الفصل 88)، وهو ما يضرب في العمق مسألة التنزيل الديمقراطي للدستور. فهذه السابقة ستكرس ، لا محالة ، ارتباط الحكومات بالملك الذي يعينها، بدلا عن البرلمان الذي ينصبها.
[23] محمد الساسي (م . س) ص 18 .
[24]احتمال تقليص المهام الضعيفة للحكومة يبقى واردا بناء على الفقرة الثانية من الفصل 49 من الدستور التي ورد فيها أن المجلس الوزاري “التوجهات الاستراتيجية لسياسة الدولة” فأي تأويل يمكن أن يجعل من الحكومة تابعا للمؤسسة الملكية من خلال تبعية مجلس الحكومة للمجلس الوزاري ، فإذا ما تم تأويل أي مشروع أو قرار على انه يدخل ضمن السياسة العامة للبلاد فيمكن أن يرحل إلى المجلس الوزاري للبت فيه. هذا يعني أن البرنامج الحكومي الذي هو تعبير عن السياسة العامة للبلاد يجب أن يصادق عليه المجلس الوزاري برئاسة الملك ، مما يترتب عليه ضرورة الحصول على الموافقة الملكية قبل الاقرار النهائي للبرنامج الحكومي . مما يستنتج معه أن الحزب الذي يرأس الحكومة بما أنه فاز بأغلبية أصوات الناخبين، ليس بمقدوره تطبيق برنامجه الذي صوت عليه الشعب ، ما لم ينل ذلك رضا وموافقة الملك من خلال المجلس الوزري . يرجع أيضا إلى : عمر بندورو: العلاقات بين السلط ، فصل أم خلط، الدستور الجديد. .. (م س) ص 124.
[25] محمد الساسي (م س) ص 16.
[26]فمثلا في الوثيقة الدستورية المصرية الحديثة وهي الوثيقة التي صيغت تقريبا في نفس سياق وتوقيت الدستور المغربي ، نجد المشرع الدستوري المصري قد انتبه إلى المسألة بتنصيصه على أنه إذا ما تم حل مجلس النواب وإذا ما استدعت الضروة يمكن للرئيس إصدار قرارات بمثابة قانون ، على أن تعرض على مجلسي البرلمان خلال انعقادهما في اجل لا يتجاوز 15 يوما، فإذا رفضها المجلس المعني زال بأثر رجعي كل ما كان لها بقوة القانون (المادة 131 من الدستور المصري الجديد).
[27] محمد معتصم: النظام السياسي الدستوري المغربي ، مؤسسة إزيس للنشر، ط 1، الدار البيضاء 1992. ص .146
[28] نفسه ص 88.
[29] نرى أنه، بما أننا سنوظف هذا المفهوم كثيرا، أن نوضح ما نفهمه منه؟ لقد ارتبطت قواعد البرلمانية المعقلنة Parlementarisme rationaliseبدستور الجمهورية الفرنسية الخامسة ، حيث تخضع هذه القواعد العمل البرلماني لمجموعة من الضوابط التي لا تسمح له بأن يخرج عن أسس العملية السياسية التي كان يتحكم فيها آنذاك الرئيس الفرنسي “شارل ديغول “. لكن في نفس الوقت لم تمنع هذه العقلنة البرلمان الفرنسي بالقيام بمهامه خاصة خلال لحظات التعايش السياسي التي عاشتها فرنسا والتي نتجت عن اختلاف الأغلبية البرلمانية عن أغلبية رئيس الجمهورية . إلا أن تنزيل قواعد العقلنة البرلمانية على البرلمان المغربي المرتكز على الازدواجية المجلسية ، وفي ظل الهيمنة الملكية على الشأن التنفيذي والتحكم في قواعد العملية السياسية ، سيجعل البرلمان المغربي مغلقا أمام أي رغبة في الاستقلالية.
[30] نفضل دائما أن نعقد المقارنة مع الدساتير التي يشترك معها المغرب في الكثير من الجوانب ، ولأن أغلب الدساتير العربية الحديثة لم ترى النور بعد، فإننا سنستمر في عقد المقارنة مع الدستور المصري ليس من باب المفاضلة ولكن فقط من باب الاشارة . فبخصوص مسألة الأمر بتنفيذ القانون فإننا نسجل أن الدستور المصري ألزم رئيس الدولة بإصدار قرار بتنفيذ القوانين المصادقة عليها في مجلس النواب خلال 15 يوما من إرساله ، فإذا اعترض عليه رده إلى المجلس خلال ثلاثين يوما من ذلك التاريخ . وإذا لم يرد القانون فى هذا الميعاد، أو أقره مجلس النواب ثانية بأغلبية ثلثي عدد الأعضاء، استقر قانونا وأصدر(المادة 104 من الدستور المصري ).
[31] فلرئيس الدولة – في الدستور المصري الجديد – الحق في حل مجلس النواب – دون مجلس الشورى – ولكن هذا الحق يرتب أيضا إلتزاما على الرئيس قد يؤدي به إلى ترك منصبه . فالمادة 127 اشترطت في حل مجلس النواب من يبل رئيس الدولة ، أن يتم ذلك بقرار مسبب ، وبعد استفتاء الشعب . وللحفاظ على مبدأ فصل السلط فإن الدستور المصري قابل حق الرئيس في حل المجلس بالزامه عرض ذلك على الشعب في استفتاء. ويترتب عن رفض الشعب لقرار الحل أن يقدم رئيس الجمهورية استقالته فورا بعد ان يكون قد دعا إلى انتخابات مبكرة ، واذا لم تتم تلك الانتخابات يعود المجلس إلى أداء مهامه بشكل طبيعي.
[32]اشتهر الحسن الثاني بمجموعة من الأقوال في هذا السياق ، التي تزخر جها الملفات الدستورية المغربية، من قبيل : “على مستوانا لا يوجد فصل للسلط يجب أن يكون كل المغاربة في حماية أمير المؤمنين وبإمكانهم اللجوء إلى تحكيمه للدفاع عنهم ، ويمكن أن نبادر بجمع الوزراء وبعض اللجان البرلمانية للعمل موحدة كل حسب وظيفته التنفيذية والتشريعية ” .وفي خطاب آخر يقول الحسن الثاني “أنا خادم ضعيف دثه وأول خادم للمغرب ، وليس هناك حقيقة فصل للسلط أنا أب الجميع ، المشرع والمنفذ .. ” . فالمنطق التمثيلي ، يقول عبد اللطيف المنوني الذي ترأس فيما بعد لجنة صياغة دستور 2011 لا يقيم أي فصل للسلط في المغرب بل بالعكس يجعل السلطة الملكية تمتد داخل البرلمان وهذا الأخير ليس إلا مجرد قناة للأولى.
Manouni Abdelatif : Constitution et separation des pouvoirs in 30 annees de vie constitutionnelle au Maroc. Ouvrage collectif. Paris 1993.
[33]Pierre Avril : Pouvoir et les responsabilite, In melange George Burdeau 1977, P 11.
[34]Bidegaray et Emnri :La responsabilite politique, Dalloz, Paris, Ed 1, 1980, p10.
[35] عمر بركات: النظم السياسية، دار الكتب 1989، ص 227.
[36]عكس ما كان معمول به في دستور 1962 حيث كان البرلمان يتوفر على سلطة إشهار الحرب (فــــــــــ 51) وكذا سلطة الترخيص للحكومة بتمديد حالة الحصار بعد اتستنفاذ المرسوم المعلن عنها لمدة ثلاثين يوما (فــــــــ 52). محمد معتصم : النظام السياسي . ص 103
[37] سحب الدستور المصري من رئيس الجمهورية مبادرة إعلان الحرب التي كان يتمتع جها رئيس الجمهورية في الدساتير السابقة ، فالمادة 146 تنص على “رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة ، ولا يعلن الحرب ، ولا يرسل القوات المسلحة إلى خارج الدولة ، إلا بعد أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني، وموافقة مجلس النواب بأغلبية عدد الأعضاء “.
[38]وحتى الدول السائرة في طور التقدم الدستوري نجدها قيدت حرية رؤساء الدولة فيما يخص الإعلان عل حالة الاستثناء، فالدستور المصري ، مثلا، تلزم مادته الــــــ 148 رئيس الجمهورية بعرض حالة الطوارئ على مجلس النواب خلال الأيام السبعة التالية . وفي حالة غياب مجلس النواب تعرض على مجلس الشورى . وتجب موافقة أغلبية عدد أعضاء كل من المجلسين على إعلان حالة الطوارئ ، ويكون إعلانها لمدة محددة لا تجاوز ستة أشهر، لا تمد إلا لمدة أخرى مماثلة بعد موافقة الشعب فى استفتاء عام . كما لا يحل مجلس النواب أثناء سريان حالة الطوارئ .
[39] أندريه هوريو: القانون الدستوري والمؤسسات السياسية ، ترجمة علي مقلد، الأهلية للنشر والتوزيع، ط 2، بيروت 1977، ص ص 209-208
[40] اهتم المشرع الدستوري المصري للأمر وأورد في الدستور ما يلي “إذا ما تم حل مجلس النواب في الدستور المصري ، تؤول السلطة التشريعية لمجلس الشورى، وإذا ما غاب هذا المجلس تؤول السلطة التشريعية لرئيس الدولة – إذا ما استدعت الضرورة – إصدار قرارات بمثابة قانون ، على أن تعرض على مجلس البرلمان خلال انعقادهما في اجل لا يتجاوز 15 يوما، فإذا رفضها المجلس المعني زال بأثر رجعي كل ما كان لها بقوة القانون ” (م .(131
[41] يقول محمد المعتصم “المفهوم والممارسة الملكيتين يقومان على ملكية حاكمة يسود فيها الملك ويحكم، ولا وجود لفصل السلط على مستواها بل إن كل السلط تنبثق منها، وهي لا تقوم بتفويتها بل بتفويضها” . (النظم السياسية المعاصرة، منشورات إيزيس، الدار البيضاء، 1993 ، ص 179).
[42] كما أن الملك هو الذي يعين ، بالإضافة إلى الأعضاء الآخرين ، خمس شخصيات ضمن المجلس الأعلى للسلطة القضائية . فضلا على أن الأحكام لا زالت تصدر وتنفذ باسم الملك رغم أن النص الدستوري أضاف عبارة “طبقا للقانون ” التي لا معنى لها في هذا السياق . زد على ذلك أن الملك يوافق بظهير على تعيين القضاة من قبل المجلس الأعلى للسطلة القضائية (الفصل 57) وهذه الموافقة ليست إجراء شكليا. (محمد مدني : تركيز السلطة . . .).
[43] محمد مدني : تركيز السلطة وضعف الضمانات ، مجموعة مؤلفين : الدستور الجديد ووهم التغيير، (م س ) ص 155.
[44] إذا كان الدستور المغربي قد جعل من رئيس الدولة في المغرب رئيسا للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، وفصل بين قضاة النيابة العامة وباقي القضاة وجعلهم تحت رئاسة وزير العدل، فإن الدستور المصري لم يجعل أية صلة لرئيس الدولة بالسلطة القضائية ، فالقضاة مستقلون ، غير قابلين للعزل ، لا سلطان عليهم فى عملهم لغير القانون ، وهم متساوون فى الحقوق والواجبات (م (170، والنيابة العامة جزء لا يتجزأ من القضاء، تتولى التحقيق ورفع ومباشرة الدعوى الجنائية عدا ما يستثنيه القانون ، ويحدد القانون اختصاصاتها الأخرى (م 173)، ومجلس الدولة جهة قضائية مستقلة (م 173).
[45]Dominique Rousseau : Une resurrection, la notion de constitution, RDB. 1990, P 6.
[46] نفسه.
[47] محمد مدني : تركيز السلطة وضعف الضمانات ، مجموعة مؤلفين : الدستور الجديد ووهم التغيير، (م س ) ص 94 .
[48] نفسه . لقد كان للتأويل الملكي دور كبير في تطبيق المقتضيات الدستورية بشكل يسمح له بالسمو على المؤسسات الأخرى والتحرر من القيود القانونية . فالتأويل الملكي لمقتضيات الفصل 35 من دستور 1962 هو الذي أعطى للملك صلاحيات مراجعة الدستور في 1970 . في حين كانت المبادرة في مجال المراجعة الدستورية هي من اختصاص مشترك بين الحكومة والوزير الأول . كما أن التأويل الذي أعطى للمقتضيات الانتقالية التي نظمها الفصل 102 من دستور 1972 هو الذي يسر للملك جمع السلط بين يديه والسيادة والحكم بعيدا عن القيود الدستورية التي وضعها بنفسه . ثم كان في الثمانينات من القرن العشرين التأويل الذي أعطى للفصل 19من الدستور لملئ الفراغ التشريعي في البداية ثم للتشريم الموازي في حضور البرلمان فيما بعد.
[49] وإن كان رئيس المجلس العلمي الأعلى هو نفسه معين من قبل الملك.
[50]وما هو سائد البرلمان المغربي الحالي يؤكد ذلك، إذ إن رئيس مجلس المستشارين ينتمي إلى حزب معارض ، بينما ينتمي رئيس مجلس النواب إلى الأغلبية
[51]ولو أن الدستور الجديد لم يشر إلى مسألة ، وذلك راجع ، ربما، إلى إدراك المشرع الدستوري إلى صعوبة حصول التعادل بناء على الحيثيات التي أوردناه آنفا.
[52]Charle Debbach et autres : Droit Constitutionnel et institution politique, 3 ed. Paris 1990. P :270
[53] نفسه.
[54]إن حديثنا هذا لا يعني أننا نتهم مسبقا سبق الأعضاء الذين يعينهم الملك بالانحياز إلى جانب السلطة التنفيذية وليس إلى جانب القانون . فنحن ، وإذ لا نفترض ذلك بالضرورة ، فإننا نحيل القارئ على قرارات المجلس الدستوري ، والذي لا يختلف عن المحكمة الدستورية إلا من حيث الاسم والقاضي المقترح من المجلس العلمي الأعلى ، التي لا وجود فيها لأي قرار لا يتماشى ورغبة المؤسسة الملكية، وخير مثال على ذلك مشروع قانون توزيع الصلاحيات بين الملك ورئيس الحكومة الذي قف! المجلس الحالي بعدم دستوريته ، ليس لأنه القانون ينقص من صلاحيات رئيس الحكومة ويقوي صلاحيات الملك ، وليس لأن القانون لم يحدد المعايير التي استند عليها لتحديد ما هو استراتيجي وما هو غير استراتيجي من تلك المؤسسات ، وإنما عدم دستوريته تكمن في تضمنه عبارة “يصادق” في الوقت الذي يجب أن تستبدل تلك العبارة ب “يعين”. وهذا هو العيب الوحيد في هذا القانون التنظيمي حسب المجلس.
[55] رقية مصدق : الدستور الجديد ووهم التغيير، (م س) ص، 65.
[56]نفسه ص 69 .
[57] رغم إقرار الدساتير الغربية لمسألة عرض مراجعة بعض بنود الدستور على موافقة البرلمان ، إلا أخها اشترطت لنفاذ تلك التعديلات ان تعرض في آخر المطاف على الشعب في استفتاء. وهو نفس الأمر الذي سايرته بعض الدساتير العربية الجديدة ومثاله الدستور المصري . إذ نجد المشرع منح حق طلب تعديل بعض مواد الدستور لرئيس الجمهورية ومجلس النواب (المادة 217)، على أن يناقش هذا الطلب بمجلسي البرلمان ويصادقان عليه بأغلبية الثلثين شريطة أن يعرض بعد ذلك على الاستفتاء الشعبي (المادة(218 .
لقراءة المقال كاملا، يمكنك تحميله عبر الرابط التالي:


