عبد العزيز دحماني

باحث بجامعة محمد الخامس

كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية

سلا الجديدة

تقديم :

كما نعلم جميعا، فالعمل الجمعوي بالمغرب مر بسيرورة تاريخية طويلة جدا، هذه السيرورة عرفت نقاط قوة و نقاط ضعف، سواء على المستوى الذاتي للمجتمع المدني وكذلك على المستوى المؤسساتي والقانوني المنظم للعمل الجمعوي.

فالمغرب كأول خطوة بعد الاستقلال، عمل على وضع حجر الأساس للبناء الديمقراطي وتكريس دولة حديثة يحكمها القانون. وهو ما نستشفه من ظهير الحريات العامة لسنة 1958 المنظم لحرية تأسيس الجمعيات.[1]

فتنظيموتأطير منظمات المجتمع المدني يعتبر أحد أهم أوجه الممارسة الديمقراطية. وبالنظر إلى ما تضمنه هذا الظهير من مقتضيات جد مهمة بخصوص حرية تأسيس الجمعيات المدنية، يمكن القول أنه بالفعل عبر المغرب عن إرادة سياسية في وضع أسس المجتمع الديمقراطي الحداثي يحتكم إلى القانون والمؤسسات.

غير أن توالي الأحداث والتحولات السياسية والاجتماعية التي عرفها المغرب في تلك المرحلة، وعلى اعتبار أن القاعة القانونية ليست منعزلة عن السياق المجتمعي، فقد أفرزت بعض التعديلات التي انصبت على ظهير 1958 مست إلى حد ما الأحكام المتقدمة التي تضمنها. ليعرف تراجعا على مستوى حرية تأسيس الجمعيات،خصوصا تعديل 1973، ثم سنة 2002.

فالمجتمع المدني ببلادنا، بالرغم من كثير من التضييقات التي عرفها بالنظر إلى المراحل التي مر منها المجتمع المغربي، إلا أنه عمل على فرض ذاته  وإبراز فعاليته والمساهمة في تدبير الشأن العام، بالرغم من غياب إطار قانوني منظم لهذه المشاركة.

لكن دستور 2011، يمكن القول أنه بمثابة اللحظة الفارقة في حياة العمل الجمعوي ببلادنا، لما أولي له من اهتمام. فبعد أن كان المجتمع المدني منظما في الدساتير السابقة في فصل وحيد وأوحد، خصه الدستور الحالي بمجموعة من الفصول المتفرقة في أبوابه[2]، وكلها ترمي إلى إشراك منظمات المجتمع المدني في تدبير الشأن العام والمساهمة في صنع السياسة العامة وتنفيذها وتقييمها سواء على المستوى الوطني أو المحلي.

فنجد أول فصل من الدستور يؤكد على أن النظام الدستوري للملكة يقوم بالإضافة إلى فصل السلط وتوازنها وتعاونها على الديمقراطية المواطنة والتشاركية وعلى مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولة بالمحاسبة. وينص في الفصل السادس على أن القانون أسمى تعبير عن إرادة الأمة، والجميع أشخاص ذاتيين أو اعتباريين بما فيهم السلطات العمومية متساوون أمامه، وملزمون بالامتثال له. والتأكيد في الفصل 12 على أن منظمات المجتمع المدني تمارس أنشطتها بحرية في نطاق أحكام الدستور والقانون، ولا يمكن حلها إلا بمقرر قضائي. وفي نفس الفصل يؤكد على مساهمة المجتمع المدني في إطار الديمقراطية التشاركية في إعداد قرارات ومشاريع لدى المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومية وكذا تفعيلها وتقييمها. وألزم الفصل 13 على السلطات العمومية إحداث هيئات للتشاور قصد إشراك مختلف الفاعلين الاجتماعيين في إعداد السياسات العمومية وتفعيلها وتنفيذها وتقييمها. كما منح المواطنين والمواطنات في الفصلين 14 و15 الحق في التقدم بالعرائض إلى السلطات العمومية وبملتمسات في مجال التشريع. إلى غير ذلك من الفصول التي ترمي في مجملها إلى إشراك منظمات المجتمع المدني في تدبير الشأن العام الوطني والمحلي والمساهمة في صناعة القرار.

يظهر لنا من هذا الاهتمام الكبير أن المشرع الدستوري قد استوعب أهمية منظمات المجتمع المدني في تكريس حكامة وجودة السياسات العمومية باعتبارها منظمات فاعلة ومتفاعلة في المجتمع وأقرب إلى اهتمامات المواطنين وحاجياتهم، وكذا للدور الذي تلعبه في اضفاء المزيد من المشروعية على القرارات المتخذة وإرجاع ثقة المواطن في العمل المؤسساتي.

لكن السؤال الذي يطرح في هذا السياق يتعلق بمدى توافر محددات لنجاح المجتمع المدني في ممارسة أدواره الدستورية والمساهمة في التأثير على السياسة العامة للدولة؟

وهو السؤال الذي سأحاول الإجابة عنه في هذه المقالة من خلال ثلاث محاور أساسية، لكن سأكتفي بالتركيز فقط على ما يتعلق بالاطار القانوني والمؤسساتي لعمل المجتمع المدني ببلادنا، باعتباره من أهم محددات نجاح العمل الجمعوي، مستحضرا التطور التاريخي لهذا الإطار القانوني، ومدى استجابته للمعايير الدولية المتعلقة بحرية تأسيس الجمعيات.

المحور الأول: الإطار القانوني المنظم للعمل الجمعوي بالمغرب

إن أهم مدخل لتأثير منظمات المجتمع المدني على السياسة العامة والمساهمة في تدبير الشأن  العام، يتعلق بمدى توفر إطار قانوني يسمح بحرية تأسيس هذه الكيانات المدنية، ويسمح بهامش من الحرية في أداء أدوارها ووظائفها في المجتمع. فبدون هذه الحرية، لا يمكن الحديث عن دولة ديمقراطية تحتكم للقانون والمؤسسات، وبانتفائها أيضا تغيب معها مبادئ  الحكامة الجيدة التي تعتبر من أهم مرتكزات تدبير الشأن العام.

فحق تشكيل الجمعيات والانتماء إليها يعتبر أحد أهم الحقوق التي كفلتها المواثيق الدولية، وبينت الضمانات التي يجب على كافة الدول توفيرها وتضمينها في تشريعاتها الداخلية، بهدف ضمان حرية الأفراد في ممارسة هذا الحق دون معيقات أو قيود.[3]

سأقتصر في هذا الصدد فقط على نظام تأسيس الجمعيات ومسطرتها دون استحضار من يؤسس الجمعيات وشروطها. حيث يجب التمييز بين نوعين من الممارسات التي تنهجها الدول في تعاملها مع تأسيس الجمعيات، فهناك من الدول من تعتمد نظام الترخيص الذي يقتضي إقرار السلطات بالموافقة على تأسيس الجمعية باعتبارها كيان قانوني، هذه الموافقة التي من دونها لا يمكن الشروع في إجراءات التأسيس، فهي موافقة قبلية. في حين تأخذ مجموعة من الدول التي تراعي الممارسات الفضلى بنظام التصريح، وهو إجراء من خلاله يقوم المؤسسون بإشعار السلطات المعنية بتأسيسهم لهذا الكيان المنظم بهدف التمتع بالشخصية القانونية. يقدم هذا الاشعار في شكل وثيقة مكتوبة يحدد مضمونها حسب القانون، ويتضمن معلومات عن الجمعية وأعضائها المؤسسين، ويعتبر بمثابة آلية لتسجيل الجمعية في سجلات الدولة.[4]

يرى المقرر الخاص المعني بالحق في حرية التجمع السلمي والحق في حرية تكوين الجمعيات[5] بأن إجراء ” التصريح” هو أفضل امتثالا للقانون الدولي لحقوق الإنسان من إجراء “الترخيص” الذي يقتضي الحصول على موافقة السلطات لإنشاء الجمعية ككيان قانوني، في حين أن التصريح هو إجراء تمنح بموجبه الجمعية الشخصية القانونية تلقائيا حالما يشعر المؤسسون السلطات بإنشاء المنظمة، دون أن يعتبر شرطا مسبقا لوجود الجمعية، بل هو بالأحرى بيان تسجل بموجبه الإدارة الجمعية المؤسسة في بياناتها.

وفي هذا السياق، يمكن القول أن المغرب قد استوعب منذ فجر الاستقلال ما جاء في المقرر الخاص المشار إليه، حيث أكد منذ أول قانون سنة 1958 المنظم لتأسيس الجمعيات، على مبدأ حرية التأسيس بدون قيد أو سابق تصريح.[6] فكان يكفي لإنشاء جمعية أن تلتقي إرادة الأشخاص ورغبتهم في تأسيس هذا الكيان المنظم ويقوموا بتحديد قوانينه الأساسية وتبنيها في جمع عام تأسيسي حتى تصبح الجمعية قائمة، دون حاجة إلى إشعار السلطات بهذا التأسيس. وهو ما كان يطلق عليه بالجمعيات الفعلية[7]. غير أن هذه الجمعيات كانت ملزمة لأجل التمتع بالشخصية المعنوية أن تقدم تصريحا للسلطات العمومية كما هو وارد في الفصل الخامس الذي يحيل عليه الفصل الثاني من نفس الظهير. حيث ينص هذا الأخير على أنه ” يجوز تأسيس جمعيات الأشخاص بكل حرية وبغير إذن أو تصريح، باستثناء ما ينص عليه الفصل الخامس” وبالرجوع إلى الفصل الخامس نجده ينص على أنه ” يجب على كل جمعية ترغب في التمتع بالأهلية القانونية المنصوص عليها في الفصل السادس أن تقدم بشأنها سابق تصريح إلى مركز السلطة الإدارية المحلية…”.

فظهير 1958 إذا، تضمن أحكاما متقدمة مقارنة مع كثير من الدول العربية والإفريقة، حيث أكد على حرية تأسيس الجمعيات دون حاجة إلى إشعار أو موافقة السلطة الإدارية، إلا في حالة رغبة الجمعية في التمتع بالشخصية المعنوية التي تكسبها مجموعة من الحقوق الواردة في الفصل السادس من هذا الظهير، وهي الحقوق التي لا تتمتع بها ما يسمى بالجمعيات الفعلية، فهي غير قادرة على الترافع أمام المحاكم ولا على التعاقد ولا الامتلاك. لكن ذلك كان يمنحها حق التأسيس بمنأى عن الإدارة وما قد يترتب عن ذلك من مضايقات وصعوبات.

غير أن هذا المبدأ لم يعمر طويلا، فسرعان ما تم التراجع عنه جراء مجموعة من الأحداث والتحولات التي عرفها المجتمع المغربي إبان السبعينيات، ليتم تعديل ظهير1958 بمقتضى ظهير 1973 بمثابة قانون[8] الذي أكد في فصله الثاني على أنه ” يجوز تأسيس جمعيات الأشخاص بكل حرية وبدون سابق إذن بشرط أن يراعى في ذلك مقتضيات الفصل الخامس”. هذا الفصل حذفت منه عبارة ” بدون سابق تصريح”التي كانت واردة في ظهير 1958، وأحال على الفصل الخامس الذي شمله التعديل بدوره حيث أصبح ينص على أنه ” يجب أن تقدم كل جمعية سابق تصريح إلى السلطة الإدارية…” مما يعني أن التصريح لم يعد مقترنا بالجمعيات الراغبة في التمتع بالشخصية المعنوية، بل أصبح ملزما لكل الجمعيات.

وهو نفس الأمر الذي أكد عليه القانون رقم 75.00 الصادر سنة 2002[9]، حيث جعل كل الجمعيات ملزمة بتقديم تصريح إلى الإدارة، غير أن الفصل الخامس من هذا القانون تضمن إضافة جد مهمة، ذلك أن تعديل 1973 كان يشترط على الإدارة تسليم وصل إيداع لكل جمعية قدمت تصريحا بتأسيسها، دون أن يلزمها بأجل محدد لذلك، ما كان يمنح الإدارة السلطة التقديرية مع ما قد يترتب عن ذلك من تعسف وشطط في استعمال السلطة. وهو الأمر الذي تداركه الفصل الخامس من القانون رقم 75.00، بالزامه الإدارة عند كل تصريح تسليم وصل مؤقت ومختوم ومؤرخ بشكل فوري، أي مباشرة بعد تقديم التصريح، وهو ما يحد من السلطة التقديرية للإدارة، ووفقا لنفس الفصل تسلم الجمعية بعد استيفاء تصريحها لكافة الإجراءات المنصوص عليها في هذا الفصل وصل نهائي وجوبا داخل أجل أقصاه 60 يوما، وفي حالة عدم تسليمه داخل هذا الأجل، جاز للجمعية أن تمارس نشاطها وفق الأهداف المسطرة في قوانينها، بمعنى أنها تصبح قائمة بشكل قانوني.

يعتبر هذا الإجراء الذي جاء به القانون رقم 75.00 جد مهم مقارنة مع كثير من التشريعات التي تعتبر ذي أهمية في مجال حرية تأسيس الجمعيات، كما هو الشأن بالنسبة للقانون اللبناني لسنة 1909، حيث لم يحدد مدة للسلطات المعنية تسلم فيه الوصل ( الذي يسمى في الحالة اللبنانية ” العلم والخبر”) للجمعية بعد تقديمها ملف الإشعار، ما يترك لها السلطة التقديرية التي قد ينتج عنها تعسف في حق الجمعيات.[10]

ليكون المشرع المغربي قد حذا حذو المشرع الفرنسي في هذا المجال، وإن كان الأخير قد منح للسلطات المعنية أجل خمسة أيام لتمنح الوصل للجمعية[11]، في حين حدده القانون المغربي في أجل أقصاه 60 يوما.

إذا فقراءة في القانون المغربي المتعلق بحرية تأسيس الجمعيات، يمكن القول أنه يعكس إلى حد كبير التزام المغرب بالمواثيق الدولية، بالنظر لما جاء فيه من أحكام متقدمة ومواكبة لأهم مبدأ تأكد عليه هذه المواثيق المتعلق بحرية تأسيس الجمعيات. لكن الإشكال وللأسف في كثير من المجالات لا يتعلق بالقوانين كما هي حبر على ورق، بقدر ما يتعلق بما تفرزه الممارسة من قيود تفرغ القانون من مضمونه، وبالتالي تجعل من حق تأسيس الجمعيات أقرب إلى نظام الترخيص بدل التصريح المنصوص عليه في القانون.

وبالتالي فإن الإشكال لا يكمن في القوانين بقدر ما يكمن في تطبيقها وتنزيلها على أرض الواقع.

المحور الثاني: الإشكالات الناتجة عن تطبيق القانون المنظم لحرية تأسيس الجمعيات

كما ذكرت سابقا، فالإشكال في بلدنا لا يتعلق بالقوانين كما هي حبر على ورق بقدر ما يتعلق بتنزيل هذه القوانين على أرض الواقع، فبالنسبة للقانون المنظم لحرية تأسيس الجمعيات أفرز تطبيقه مجموعة من الاشكالات، سواء على مستوى التأسيس أو بالنسبة للشخصية المعنوية التي تكتسبها الجمعيات.

وفي هذا الصدد يمكن أن نميز بين القيود القانونية الناتجة عن غموض بعض فصوله أو القيود التي تفرزها بعض الممارسات المتنافية مع القانون ذاته.

فبالنسبة للقيود القانونية، فإنه استثناء من مبدأ حرية تأسيس الجمعيات، فإنه تمنع الجمعيات التي تؤسس لغاية أو لهدف غير مشروع يتنافى مع القوانين والآداب العامة أو قد يهدف إلى المس بالدين الإسلامي أو بوحدة التراب الوطني أو بالنظام الملكي أو تدعو إلى كافة أشكال التمييز.[12]

وهو قيد مشروع إذا انطلقنا من المادة 22 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، كونها لا تمنع امكانية ورود بعض القيود على حرية تكوين الجمعيات، شرط أن ينص عليها القانون، وأن تشكل تدابير ضرورية في مجتمع ديمقراطي لصيانة الأمن القومي أو الأمن العام أو حماية الصحة العامة أو الآداب العمة أو حماية حقوق وحريات الآخرين.

لكن الإشكال في القانون المغربي حسب الفصل 3 منه، كون هذه القيود وردت في عبارات فضفاضة دون أن يعمل القانون على تفسيرها بما يقطع مع تأويلها بشكل يحد من حرية الجمعيات.[13]

وفي هذا الصدد يمكن الرجوع إلى المقرر الخاص المشار إليه سابقا، حيث شدد على إمكانية تطبيق قيود معينة فقط، مما يعني بوضوح أن حرية تكوين الجمعيات هي القاعدة والقيود المفروضة عليها استثناء على القاعدة، فينبغي على الدول عند اعتمادها قوانين تنص على قيود أن تسترشد دائما بالمبدأ القائل بعدم إعاقة جوهر الحق جراء القيود، ويجب أن لا تقلب العلاقة بين القيد والحق، بين القاعدة والاستثناء.[14]

ما يعني أنه يجب إعادة النظر في القيود الواردة في الفصل الثالث من القانون رقم 75.00 وصياغتها بشكل واضح يقطع مع كل محاولة للتأويل خارج إطار القانون، وأن ترد على شكل استثناء على قاعدة حرية تأسيس الجمعيات بما يتوافق مع الضرورة التي تخدم الصالح العام في إطار دولة ديمقراطية.

بالاضافة إلى هذه القيود القانونية، هناك قيود تفرزها الممارسة التي تفرغ القانون من محتواه. فرغم التنصيص على مبدأ حرية تأسيس الجمعيات إلا أنه في الممارسة عادة ما يتم رفض تطبيقه. خاصة وأن القانون أنشأ نظاما تصريحيا للجمعيات، ما يعني أن هذه الأخيرة عند تأسيسها تكتفي بتقديم تصريح إلى السلطات الإدارية دون حاجة للحصول على إذن مسبق لتكون قانونية. ويؤكد القانون أن الجمعية بمجرد التصريح بها قانونيا فإن المحاكم وحدها تملك حلها[15]. غير أن ممارسة السلطات لا تزال بعيدة عن الدور المنوط بها، حيث تتجاهل الاجراءات المنصوص عليها في القانون بصورة روتينية في ظل الإفلات من العقاب[16].

ويمكن التمييز هنا بين نوعين من الممارسات الصادرة عن السلطات بشكل يعرقل حرية تأسيس الجمعيات، فإما تمتنع السلطة الإدارية عن تسلم ملف الجمعية، أو تمتنع عن تسليمها الوصلين المؤقت والنهائي.

أما النوع الأول، فيحصل غالبا عندما يتعلق الأمر بجمعية غير مرغوب فيها من طرف الدولة، أو عندما يكون مكتب الجمعية يظم بين أعضائه أشخاص يتبنون أفكار مناوئة لتوجه الدولة. حيث عادة ما تمتنع السلطة الإدارية عن تسلم ملفها. وفي هذا الصدد نجد المشرع المغربي قد وضع مخرجا لهذه الحالة كما هو وارد في الفصل الخامس من القانون 75.00، إذ يؤكد على إمكانية اللجوء إلى عون قضائي يتولى نيابة عن الجمعية إيداع ملف التصريح لدى السلطة الإدارية المختصة بناء على طلب المعني بالأمر، ويقوم في هذه الحالة بتحرير محضر التبليغ أو محضر امتناع عن التسلم يتم الرجوع إليه عند الاقتضاء، ويكون بمثابة سند للجمعية عن امتناع الإدارة عن القيام بواجبها، ويمكن بناء على ذلك تقديم طعن أمام الجهة القضائية المختصة، خلافا للحالة التي يكون فيها الرفض شفويا.[17]

لكن رغم الطعن أمام المحكمة الإدارية في رفض السلطة تلقي وثائق الجمعية أو تسليمها وصل الإيداع، فإن المحكمة لا تستطيع إجبار السلطات على التصرف بشكل مختلف، كما أنه ليس لديها صلاحية انفاذ القانون، وإنما تستطيع فقط أن تقضي بأن السلطات الإدارية تجاوزت صلاحياتها وأن تأمر بدفع تعويضات للطرف المتضرر، وبالتالي فالحكم لصالح إحدى الجمعيات لا يتبعه بالضرورة قبول وثائقها أو تسليمها وصل الإيداع.[18]

أما النوع الثاني من الممارسات المعرقلة لمبدأ حرية تأسيس الجمعيات، فهو امتناع الإدارة عن تسليم الوصل المؤقت للجمعية، حيث أنها تستلم ملفها عكس الحالة الأولى لكن دون منحها وصلا يؤكد ذلك. الأمر الذي يؤثر على الوضع القانوني للجمعية، خاصة أن أجل 60 يوما المنصوص عليها في القانون يبدأ السريان فيه من تاريخ الوصل المؤقت. وبالتالي فإن امتناع الادارة عن تسليم الجمعية هذا الوصل يحرمها من اكتساب الشخصية المعنوية بعد انصرام هذا الأجل كما يؤكد على ذلك الفصل الخامس من القانون 75.00. ما يجعل الجمعية بين المنزلتين، فهي من الناحية القانونية قد تأسست بما أنها استوفت كل الشروط المحددة في القانون، وبعد تقديمها التصريح أمام الادارة وجب بقوة القانون منحها وصل مؤقت ومؤرخا فورا، على أن تمنح الوصل النهائي داخل أجل أقصاه 60 يوما، وفي حالة عدم توصلها بالوصل النهائي داخل هذا الأجل جاز لها ممارسة نشاطها كما هو محدد في قوانينها.

لكن من الناحية العملية، لا يمكنها ممارسة أي نشاط بصفة قانونية طالما أنها لم تتوصل بالوصلين المؤقت والنهائي، حيث لا يمكنها استعمال القاعات العمومية في اجتماعاتها، ولا يمكنها تنظيم تظاهرات أو استعراضات بالطرق العمومية، ولا يمكنها فتح حساب بنكي لدى المؤسسات المصرفية، كما لا يمكنها الحصول على دعم  من احدى  المؤسسات أو المصالح التابعة للدولة، لأنها عمليا يتطلب القيام بكل ذلك تقديم الوصل النهائي للجمعية.

بل أكثر من ذلك، يتعرض أعضاء الجمعية التي لم يصرح بها بشكل قانوني لمضايقات ومتابعات بدعوى الانتماء لتنظيم غير قانوني، كما حدد الفصل الثامن من القانون 75,00 المتعلق بتأسيس الجمعيات عقوبات مالية وحبسية في حالة قيامهم بهذه التصرفات التي ذكرناها و كما هي محدد في الفصل السادس من نفس القانون.[19]

وفي هذا السياق أصدرت مؤسسة هيومن رايتس ووتش تقرير سنة 2009 يرصد مختلف هذه الخروقات القانونية، ودعا المغرب إلى وقف هذه المناورات البيروقراطية التي تقوض حرية تكوين الجمعيات، بما في ذلك الامتناع عن تسجيل المنظمات المدنية في انتهاك واضح للقانون على اعتبار ان حرية تكوين الجمعيات خاضع لنظام تصريحي بالاسم فقط. ووحده القضاء من له حق البث في مدى مشروعية الجمعية، في حين أن الدور المنوط بالادارة هو تسجيل الجمعيات ومراقبة مدى استيفاء ملفها للشروط المحددة في القانون دون أن يتجاوزه إلى غير ذلك.[20]

المحور الثالث: دور الاجتهاد القضائي في الحد من العرقلة الإدارية

دون الدخول في الأبعاد السياسية للعرقلة الادارية كما رأينا ذلك،  فإن السؤال الذي يتبادر إلى الأذهان يتمحور حول القيمة القانونية لاعتراض السلطة الادارية عن تسلم ملف الجمعية؟ وكذا امتناعها عن تسليم وصل الإيداع؟ هل ينبني على حجة قانونية؟ أم هو خلل تشريعي وليس إداري؟.

إن  الجواب على هذه الأسئلة لن يتم إلا باستحضار الاجتهاد القضائي في هذا المجال،  ذلك أن دمقرطة المؤسسات تقتضي بسط القضاء لمراقبته على أعمال الإدارة، وكل سلوك يصدر عن هذه الأخيرة فيه مخالفة للقانون يجب أن يكون موضوعا للطعن أمام القضاء الذي يتوفر على كامل الصلاحية لتصحيح السلوكات المشوبة بعيب مخالفة القانون أو الشطط في استعمال السلطة. وفي هذا الاطار سأعرض مجموعة من الأحكام الصادرة عن المحكمة الادارية ببلانا، لكن قبل ذلك سأعرض نموذجا من توجه القاضي الاداري الفرنسي على اعتبار أنه يشكل في كثير من الحالات نموذجا يقتدي به القضاء المغرب.

حيث نظرت المحكمة الادارية لباريس بتاريخ 25 يناير 1971 في الطعن الموجه إليها من طرف السيدة SIMONE DE BEAUVOI و السيد LEYRIS، مؤسسي جمعية ” LES AMIS DE LA CAUSE DU PEUPLE” ضد والي شرطة باريس الذي رفض تسليم الوصل بالإيداع للجمعية بناء على تعليمات وزارة الداخلية. وعليه بنت المحكمة الادارية حكمها القاضي بإلغاء قرار والي الشرطة المعلن عنه شفهيا على عدة اعتبارات:[21]

حيث أن الفصل الثاني من قانون فاتح يوليوز 1901 لم ينص على أي تقييد لحرية الجمعيات، سواء فيما يخص عملية التأسيس أو الحصول على الأهلية القانونية باستثناء الشرط الذي ينص عليه القانون. ذلك أن القانون لا يضع قيودا على تأسيس الجمعيات، غير أن التمتع بالأهلية القانونية يقتضي احترام مقتضيات الفصل الخامس ” التصريح السابق وفق مجموعة من الشكليات المنصوص عليها” وهو الشرط الوحيد الذي يرد على حق تأسيس الجمعيات.

كما أنه بالنسبة للاستناد على الفصل 3 من نفس القانون، رأت المحكمة الادارية أنه بالنسبة للجمعيات التي تؤسس لغاية أو لهدف غير مشروع، يتنافى مع القوانين أو الأخلاق الحسنة، أو قد يهدف إلى المس بوحدة التراب الوطني أو بالشكل الجمهوري للحكم، نجد المشرع لم يتخذ ضدها سوى إجراءات الحل وتطبيق العقوبات على مسيريها، وهي إجراءات من اختصاصات السلطة القضائية وليس الادارية.

أما بخصوص تحليل مقتضيات الفصل الخامس المتعلقة بالتصريح السابق، ارتأت المحكمة الادارية لباريس أن السلطة الادارية المختصة، لا تتوفر على أية صلاحية قانونية سوى التأكد من قيام الجمعية باستيفاء جميع  الشروط المرتبطة بتقديم التصريح السابق، ويمنع عنها تقدير مشروعية أو عدم مشروعية قوانينها الأساسية.

يمكن أن نستنتج من خلال الاعتبارات التي اعتمدتها المحكمة الادارية لباريس، أن والي شرطة باريس برفضه تسليم الوصل عن التصريح السابق الذي تقدمت به الجمعية، يكون قد تجاوز سلطاته ومن تم وجب إلغاء القرار المطعون فيه.[22]

وبالرجوع إلى اجتهاد القاضي الاداري المغربي، نجده أقرب ما يكون إلى اجتهاد نظيره الفرنسي. حيث نظرت المحكمة الادارية بالرباط بتاريخ 24.10.2012 في الطعن المقدم من طرف جمعية  ” أطاك المغرب” ضد والي جهة الرباط زمور زعير.[23]

حيث تقدمت الجمعية الطاعنة بتصريح للسلطة الادارية يتضمن تجديد سكرتاريتها الوطنية، متضمنا لكافة الشروط القانونية كما هي محددة في الفصل الخامس من ظهير 1958 كما وقع تعديله بقانون رقم 75.00. لكن الادارة رفضت تسلم ملفها بعد أن تقدمت بالتصريح مباشرة، ثم رفضت التصريح مرة أخرى بعد أن تقدمت به الجمعية عن طريق العون القضائي دون تقديم تعليل لهذا الرفض.

وفي هذا السياق استندت المحكمة الادارية للرباط في إلغاء القرار الاداري على عدة اعتبارات:

اعتبرت أن الأصل هو الحق  في تأسيس جمعيات الأشخاص بكل حرية دون سابق إذن، شرط مراعاة مقتضيات الفصل الخامس من ظهير 1958 التي تضع التزامات على عاتق المصرح وأخرى على عاتق السلطة الادارية المحلية المكلفة بتلقي التصريح وتسليم الوصل المؤقت، وبعد استيفاء باقي الشروط القانونية تسلم الوصل النهائي للتأسيس وجوبا داخل أجل أقصاه 60 يوما، وإلا جاز للجمعية أن تمارس نشاطها وفق  الأهداف المسطرة في قوانينها. كما يسلم وصل مختوم ومؤرخ في الحال عن كل تصريح بالتغيير أو عدمه.

وحيث أن قرار الامتناع عن تسليم الوصل يشكل حيادا على المقتضيات القانونية المذكورة أعلاه يجعل هذا القرار يتجاوز السلطة لمخالفته الصريحة للقانون، فضلا عن تعارضه مع المقتضيات الدستورية التي تؤكد على الحق في تأسيس الجمعيات. مما تكون معه الوسيلة المتمسك بها صحيحة ويترتب عنها إلغاء القرار موضوع  الطعن.

وفي نازلة أخرى قضت المحكمة الادارية بالرباط بإلغاء قرار السلطة الادارية المطعون فيه من طرف جمعية البيت السعيد ضد باشا مدينة سيدي قاسم.[24]

حيث رفضت السلطة الادارية تسلم ملف الجمعية وتسليمها وصل مؤقت ومختوم ومؤرخ، رغم استيفاء التصريح لجميع الشروط القانونية، بدعوى أن وثائق الجمعية لا يتضمن مقر التأسيس وأن القانون الأساسي للجمعية يخالف القانون والدستور لأنه يحصر الانخراط في الإناث دون الذكور.

وعلى هذا الأساس استندت المحكمة على مجموعة من الاعتبارات، منها:

أن الفصل 12 من الدستور ينص على أن ” تؤسس جمعيات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية، وتمارس أنشطتها بكل حرية في نطاق احترام الدستور والقانون.

لا يمكن حل هذه الجمعيات والمنظمات غير الحكومية أو توقيفها من لدن السلطات العمومية إلا بمقتضى مقرر قضائي”.

وكذا الفصل 5 من الظهير الشريف رقم 376.58.1 الصادر سنة 1958 الضابط لحق تأسيس الجمعيات كما وقع تتميمه وتغييره، الذي ينص على أنه ” تقدم كل جمعية تصريحا إلى مقر السلطة الادارية المحلية الكائن بها مقر الجمعية مباشرة أو بواسطة عون قضائي يسلم عنه وصل مؤقت مختوم ومؤرخ في الحال…”

وعليه فإن رفض باشا مدينة سيدي قاسم تسلم ملف الجمعية وتسليم الوصل المؤقت حسب الثابت في محضر مـأمور إجراءات  التنفيذ في الملف التنفيذي عدد 709.11.1 لعدم موافقة مصالح العمالة رغم توفر الملف على سائر الوثائق المتطلبة قانونا، يشكل مخالفة دستورية لحرية تأسيس الجمعيات وللنظام التصريحي ـ وليس الترخيصي ـ الذي تقوم عليه والذي لا يمنح للإدارة أي صلاحية تقديرية بشأن التصريح، مما يجعل القرار الاداري المطعون فيه يشكل اعتداء على صلاحية السلطة القضائية باعتبارها الوحيدة المخول لها دستوريا توقيف الجمعية أو حلها.

وبالتالي فقد تم إلغاء القرار المطعون فيه مع ما يترتب عن ذلك من آثار قانونية.

ما  نلاحظه في هذه النازلة، أن القاضي الاداري يؤكد على إلزامية السلطة الادارية تسلم ملف الجمعية وتسليمها وصل الايداع طالما أن التصريح مستوفي لكافة الشروط القانونية، وأن السلطة الادارية ليس من صلاحيتها البث في مشروعية الجمعية، وإنما هو اختصاص يعود للقضاء وحده الذي يمكنه حل الجمعية.

يتبين لنا جليا من خلال مجموعة من الأحكام الصادرة عن القاضي الاداري المغربي[25]التوجه نحو تكريس الحق في تأسيس الجمعيات في إطار أحكام القانون، وذلك من خلال تفسير القانون في الاتجاه الذي يحد من العرقلة الادارية التي تشكل إلى حد كبير قيدا على حرية تأسيس الجمعيات بالمغرب رغم كون القانون جاء خاليا من أية قيود باستثناء ما هو وارد في الفصل الثالث كما رأينا ذلك.

لكن السؤال الذي يبقى مطروحا، يتعلق بمدى نفاذ أحكام القضاء؟ خاصة إذا علمنا أن هناك كثيرا من الأحكام الصادرة عن القاضي الاداري لصالح الجمعيات لا تجد طريقها إلا النفاذ، وبالتالي لا تحد من العرقلة الادارية ولم تثنيها على مخالفتها لمقتضيات القانون[26]. وتستمر في كثير من الحالات السلطات الادارية في رفضها تسلم ملفات الجمعيات وعدم منحها الوصل سواء المؤقت أو النهائي، ذلك أن المحكمة تفتقر إلى قوة الإنفاذ في ظل استمرار الإفلات من العقاب. وهو ما يجعلنا نتساءل مرة أخرى حول من يسهر على نفاذ القانون بالمغرب؟.

فرغم كون المغرب صادق وانخرط في كثير من المواثيق الدولية والإقليمية التي ما فتئت تؤكد على الحق في حرية تكوين الجمعيات موضحة حدود القيود التي قد ترد على هذا الحق، وصادق المغرب مبكرا على قانون تأسيس الجمعيات المتمثل في ظهير 1958 كما وقع تعديله سنة 2002، والذي جاء مترجما لهذه المواثيق، بتبنيه لنظام تصريحي بدل الترخيص المسبق، حيث يشترط على الجمعيات تقديم تصاريح خطية إلى السلطات عند تأسيسها وخلال لحظات معينة من حياة الجمعية دون حاجة إلى إذن مسبق. ولا يمنح القانون للسلطات الادارية السلطة التقديرية لرفض وثائق التصريح متى توفرت فيها الشروط القانونية، كما لا يمنحها القانون سلطة تقييم مشروعية الجمعية الذي هو اختصاص حصري للقضاء.

إلا ان الممارسة تتجه عكس ذلك تماما، من خلال نهج سياسة انتقائية في التعامل مع الجمعيات حسب ما يتلاءم مع سياسة الدولة، وحرمان الجمعيات من الوضع القانوني متى تبين أنها تشتغل على مجالات حساسة سياسيا، أو أن من بين أعضاء  مكتبها من يثيرون إزعاج الدولة.

ليبقى في الأخير أفضل سبيل للحد من انتهاكات الحق في تكوين الجمعيات، هو حشد الارادة السياسية من أجل تذليل العقبات التي تضعها السلطات الادارية المحلية في طريق الجمعيات التي تتبع الاجراءات القانونية للتصريح بنفسها، ومساءلة المسؤولين المحليين الذين يعملون على تقويض سيادة القانون عن طريق عرقلة حقوق الجمعيات بشكل تعسفي.

خاصة وأن المغرب دخل مرحلة جديدة مع تبني دستور 2011 الذي اعتمد مقاربة حقوقية في صياغة فصوله، وأكد في أكثر من مرة على حقوق منظمات المجتمع المدني، ما يعني أنها بداية الانفراج في مسار الحياة الجمعوية، يقتضي اقرانها بنصوص قانونية تؤكد هذا الانفراج وتكرس هذه المقاربة الحقوقية.

خاتمة:

على سبيل الختم فإن الحديث عن نجاح المجتمع المدني في ممارسة أدواره الدستورية في إطار الديمقراطية التشاركية، تقتضي بالدرجة الأولى القطع مع الممارسات القديمة/الجديدة في التعامل مع منظمات المجتمع المدني والتي تنظر إليه بنظرة الريبة والحذر. ذلك أن هذه المنظمات المدنية أثبتت على مر الزمن وفي إطار سيرورة تارخية عن أهمية الدور الذي تقوم به في إطار تكريس التدبير الديمقراطي للشأن العام، كما أثبتت الشراكة معها تجويد السياسات العمومية، التي اثبت الممارسة فشل المقاربة العمودية خاصة في المجال التنموي باعتبار ان هذه السياسات تهم أولا وأخيرا العيش اليومي للمواطن وبالتالي وجب بالضرورة أن تنطلق من وإليه.

إن المدخل الاساسي لتفعيل المقتضيات الدستورية المتعلقة بإشراك المجتمع المدني في تدبير الشأن العام والمساهمة في دورة السياسة العامة صناعة وتنفيذا وتقييما، لن يتحقق إلا في إطار قانوني يعمل على تكريس حرية العمل الجمعوي ويوفر الضمانات الأساسية في تجاوز المعيقات التي طالما عانى منها العمل الجمعوي في بلادنا، واعتباره شريكا استراتيجيا لا محيد عنه في اضفاء المزيد من الحكامة و الجودة على القرار العمومي، خاصة وأن الدستور أكد في الفصل الأول منه كما اشرت سابقا أن النظام الدستوري للملكة من بين مرتكزاته الديمقراطية المواطنة والتشاركية ومبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولة يالمحاسبة.

وفي هذا السياق استحضر أهمية مسودة مشروع القانون المتعلق بحرية تأسيس الجمعيات الذي أعدته الوزارة المكلفة بالعلاقة مع البرلمان والمجتمع المدني في إطار نتائج الحوار الوطني حول الأدوار الدستورية للمجتمع المدني، بالنظر إلى ما تضمنته من مقتضيات أكثر التزاما بالمواثيق الدولية وأقرب ما يكون إلى الدليل الذي أعدته منظمة المجتمع المنفتح، وبالتالي يجب العمل على تسريع إخراج هذا القانون إلى حيز النفاذ باعتباره مدخلا أساسيا لنجاح المجتمع المدني في ممارسة أدواره الدستورية.

ومن بين المقتضيات المهمة التي تضمنها خاصة في القسم الثاني منه، ما يلي:

  • الجمعيات تؤسس وتمارس نشاطها بكل حرية في نطاق الدستور والاتفاقيات الدولية؛
  • تؤسس الجمعيات وفروعها واتحاداتها طبقا لنظام التصريح بحرية وبدون سابق إذن وفق أحكام هذا القانون؛
  • المساواة بين الأشخاص بما فيهم الأجانب المتوفرين على بطاقة الإقامة في تأسيس الجمعية، وحدد سن 14 كحد أدنى لتأسيس الجمعية؛
  • تقدم التصاريح إلى النيابة العامة بالمحكمة الابتدائية مباشرة أو عن طريق عون قضائي؛ تحديد الوثائق المطلوبة والتخفيف من كلفتها؛
  • وجعلت الوصل يسلم فورا وتنشأ عنه الشخصية القانونية للجمعية.

[1] هذا الظهير اعتبره العديد من الباحثين في محال المجتمع المدني أنه شكل ثورة حقيقية ولحظة تاريخية للوفاء بالعهد من أجل بناء دولة المؤسسات واقرار حرية الإجتماع وحرية تأسيس الجمعيات والانخراط فيها. أنظر في هذا الصدد:

  • محمد الغياط، حق تأسيس الجمعيات والأحزاب السياسية في القانون المغربي والمقارن، مطبعة أليستروكراف، الرباط، 2004، ص 26
  • عبد العزيز مياج، قانون الحريات العامة في المغرب: قراءة نقدية من أجل تغيير ظهير 15 نونبر 1958 كما تم تعديله، الطبعة الثانية، مطبعة فضالة المحمدية، ص 26

[2] حيث نجد أن المجتمع المدني استحوذ على ما يقارب 34% من مضمون الوثيقة الدستورية، منها 10 فصول تنص بشكل صريح ومباشر على حقوق منظمات المجتمع المدني.

[3]  أنظر في هذا الصدد:

  • الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تبنته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 15 كانون الأول 1984
  • العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية اقر من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1966 وبدأ سريات تطبيقه في 23 مارس 1976
  • العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية اعتمد من طرف الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1966 وأصبح ساري المفعول في 3 كانون الثاني 1976

بالاضافة إلى مجموعة من المعاهدات والمواثيق الدولية الأخرى. للمزيد من المعلومات راجع الموقع الالكتروني للأمم المتحدة:

http://www.ohchr.org/AR/page/welcomepage.aspx

[4]المجتمع المدني في العالم العربي: التطور ـ الاطار القانوني ـ والأدوار، منشورات USAID، 2013

[5] ميانا كياي، تقرير المقرر الخاص المعني بالحق في حرية التجمع السلمي والحق في حرية تكوين الجمعيات، الصادر في 32 ماي 2012، ص 20

[6] راجع الفصل الثاني من الظهير الشريف رقم 1.58.376 يضبط بموجبه حق تأسيس الجمعيات الصادر في الجريدة الرسمية عدد 2404 مكرر بتاريخ 27 نونبر 1958

[7] عبد العزيز مياج، مرجع سابق،ص 30

[8] ظهير شريف بمثابة قانون رقم 1.73.283 بتاريخ 10 أبريل 1973 يغير ويتمم بموجبه الظهير الشريف رقم 1.58.376 الصادر في 15 نونبر 1958، جريدة رسمية عدد 3154 في 11 أبريل 1973

[9] القانون رقم 75.00 المغير والمتمم بموجبه الظهير الشريف رقم 1.58.376 الصادر في 15 نوفمبر 1958 المتعلق بتنظيم حق تأسيس الجمعيات الصادر الأمر بتنفذه بمقتضى الظهير الشريف رقم 1.02.206 بتاريخ 23 يوليو 2002 ( ج.ر عدد 5046 بتاريخ 10 أكتوبر 2002

[10] كامي جوزيف، وضع حرية تأسيس الجمعيات في لبنان، المركز اللبناني لحقوق الانسان، 2010، 16

[11]Article 5 ; loi du 1er juillet 1901 relative au contrat d’association, version consolidée au 06 mai 2009

[12] أنظر الفصل 3 من القانون رقم 75.00، مرجع سابق

[13] تقرير مؤسسة هيومن رايتس ووتش، حرية تكوين الجمعيات: نظام تصريح أم ترخيص، أكتوبر 2003، ص 1

[14] مياي كياي، مرجع سابق، ص 7

[15] أنظر الفصل 7 من القانون رقم 75.00 المتعلق بحق تأسيس الجمعيات والذي ينص على أنه  ” تختص المحكمة الابتدائية بالنظر في طلب التصريح ببطلان الجمعية المنصوص عليها في الفصل 3 أعلاه. كما تختص في طلب حل الجمعية إذا كانت في وضعية مخالفة للقانون…”

[16] تقرير مؤسسة هيومن رايتس ووتش، مرجع سابق، ص 1

أنظر كذلك: الحيز المتاح للمجتمع المدني ونظام حقوق الانسان في الأمم المتحدة، دليل عملي للمجتمع المدني، صادر عن مكتب المفوض السياسي بالأمم المتحدة، أكتوبر 2014، ص 15

[17] عمر بندورو، حقوق الإنسان والحريات الأساسية، دار القلم، الرباط 2002، ص 170

[18] المرجع نفسه

[19] انظر الفصل 8 من القانون  75.00 الذي ينص على أنه ” يعاقب بقغرامة تتراوح  بين 1200 و 5000 الأشخاص الذين يقومون بعد تأسيس الجمعية بإحدى العمليات المشار إليها في الفصل السادس دون مراعاة الاجراءات المقررة في الفصل 5، وفي حالة تكرار المخالفة تضاعف الغرامة…”

[20] تقرير مؤسسة هيومن رايتس ووتش، حرية تكوين الجمعيات: نظام تصريح أم نظام ترخيص، حالة المغرب، أكتوبر 2009، ص 4 ـ 5

[21]Robert «J » : Propos sur le sauvetage d’une liberté R.D.P  N° 5.1971 ; PP 171.203

[22] عبد العزيز مياج، مرجع سابق، ص 39

[23] حكم المحكمة الادارية ملف عدد 130.5.2012 منشور في المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 111، يوليو غشت، ص 221.223

[24]  حكم المحكمة الادارية بالرباط، ملف رقم 103,5,2012 منشور في المجلة المغربية للإدارة والتنمية، عدد 111، يوليو غشت 2013، ص 201.203

[25] أنظر مجموعة من الأحكام الصادرة عن المحكمة  الإدارية:

ـ المحكمة الادارية بمكناس، ملف رقم 5,135,2011، بتاريخ 10,5,2011، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 109 ـ110، مارس يوليوز 2013، ص 282,284

    ـ المحكمة الادارية بمكناس، ملف رقم 5,149,2010، يتاريخ 10,3,2011، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 104، ماي يونيو 2012، ص 234.236

    ـ المحكمة الادارية بالرباط، حكم عدد 81، بتاريخ 17,1,2002، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 49 ـ48، يناير أبريل 2003، ص 188.191

[26] راجع في هذا الصدد تقرير مؤسسة هيومن رايتس ووتش، مرجع سابق، ص 19 و33

https://powderencouraged.com/zht6b3bs66?key=8523542c4aaf6f083ce56f74bd271319
https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!