المتعلقة بالنوع الاجتماعي

إعداد : د /عبد الواحد القريشي

أستاذ باحث كلية الحقوق بفاس

 أولى المشرع مكانة مهمة للمحكمة الدستورية حيث خصها بالباب الثامن من الدستور من الفصل 129 إلى134منه ، وقد  تضمنت هذه الفصول إحداث المحكمة الدستورية ، تأليفها قواعد تنظيمها وسيرها والإجراءات المتبعة أمامها ووضعية أعضائها وكذا اختصاصاتها[1] والتي نص بخصوصها الفصل 132 على أنه :<< تمارس المحكمة الدستورية الاختصاصات المسندة إليها بفصول الدستور ، وبأحكام القوانين التنظيمية ، وتبت بالإضافة إلى ذلك في صحة انتخاب أعضاء البرلمان وعمليات الاستفتاء .

   تحال إلى المحكمة الدستورية القوانين التنظيمية قبل إصدار الأمر بتنفيذها والأنظمة الداخلية لكل من مجلس النواب ومجلس المستشارين قبل الشروع في تطبيقها لتبت في مطابقتها للدستور .

يمكن للملك، وكذا لكل من رئيس الحكومة، أو رئيس مجلس النواب، أو رئيس مجلس المستشارين، أو خُمس أعضاء مجلس النواب، أو أربعين عضوا من أعضاء مجلس المستشارين، أن يحيلوا القوانين، قبل إصدار الأمر بتنفيذها، إلى المحكمة الدستورية، لتبت في مطابقتها للدستور.

    تبت المحكمة الدستورية في الحالات المنصوص عليها في الفقرتين الثانية والثالثة من هذا الفصل، داخل أجل شهر من تاريخ الإحالة ،غير أن هذا الأجل يُخفض في حالة الاستعجال إلى ثمانية أيام، بطلب من الحكومة.

تؤدي الإحالة إلى المحكمة الدستورية في هذه الحالات، إلى وقف سريان أجل إصدار الأمر بالتنفيذ.

تبت المحكمة الدستورية في الطعون المتعلقة بانتخاب أعضاء البرلمان، داخل أجل سنة، ابتداء من تاريخ انقضاء أجل تقديم الطعون إليها، غير أن للمحكمة تجاوز هذا الأجل بموجب قرار معلل، إذا استوجب ذلك عدد الطعون المرفوعة إليها، أو استلزم ذلك الطعن المقدم إليها.>>

     تطور المحكمة الدستورية انطلق بالمغرب مع أول دستور مغربي حيث كان المجلس الأعلى يضم الغرفة الدستورية إلى جانب باقي غرفه [2].

    وقد تم الاحتفاظ بالغرفة الدستورية في ظل دستور 1970[3]بموجب الفصل الثالث والتسعين منه ، وكذا دستور 1972[4] في فصله الرابع والتسعين.

   غير أنه مع سنة 1992 سيتم إلغاء الغرفة الدستورية وسيحل محلها المجلس الدستوري[5]، بموجب الفصل السادس والسبعون من دستور 1992[6]  ، وسيتم الاحتفاظ بنفس المؤسسة في دستور1996 [7] بموجب فصله الثامن والسبعون.

     أما دستور 2011 [8] فقد نص الفصل 129 منه  على أنه :<<تحدث محكمة دستورية>> ، مع التنصيص على أن يستمر المجلس الدستوري القائم حاليا في ممارسة صلاحياته إلى أن يتم  تنصيب المحكمة الدستورية، عملا بأحكام الفصل 177 من الدستور ومقتضيات الفقرة الأولى من المادة 48 من القانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية[9].

ومن الملاحظ أن المجلس الدستوري قد راكم مجموعة من الاجتهادات القضائية في مختلف مناحي الحياة السياسية بالمغرب ، وأصبح معه بالإمكان الحديث عن توجهات كبرى للقضاء الدستوري المغربي في حماية الحقوق والحريات .

وهكذا فإننا سنتناول موضوعا مهما يتعلق بدور المحكمة الدستورية في توصيف الحقوق السياسية المتعلقة بالنوع الاجتماعي [10] مع الاستناد في هذه الدراسة على قرارات المجلس الدستوري المتعلقة بهذا الموضوع.

تحظى مقاربة النوع الاجتماعي بأهمية متزايدة في السياسات العمومية بالمغرب ، هذا الاهتمام انعكس بشكل واضح في الدستور المغربي ومجموعة من القوانين التنظيمية والقوانين العادية التي ترمي إلى أجرأة المقتضيات الواردة بها .

    هذه المقتضيات ، كغيرها من المستجدات القانونية تطرح نقاشات بخصوص شرحها  وتأويلها ، فالفصل التاسع عشر من الدستور المغربي لسنة 2011 نص على أنه : <<يتمتع الرجل والمرأة على قدم المساواة ، بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية ، الواردة في هذا الباب من الدستور ، وفي مقتضياته الأخرى، وكذا في الاتفاقيات والمواثيق الدولية ، كما صادق عليها المغرب، وكل ذلك في إطار أحكام الدستور وثوابت المملكة وقوانينها .

    تسعى الدولة إلى تحقيق مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء .

   وتحدث لهذه الغاية هيئة للمناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز .>>

    الحقوق المتعلقة بالنوع الاجتماعي لا تتعلق فقط بتلك المتعلقة بتمكين المرأة سياسيا بل أيضا بحقوق الفئات ذات وضعيات خاصة كالشباب والحقوق السياسية للمغاربة المقيمين بالخارج .

هذا الموضوع أثار مجموعة من النقاشات ليس فقط من الباحثين في العلوم القانونية ، ولكن أيضا من فعاليات المجتمع المدني وخاصة تلك التي تجعل من بين أهدافها الدفاع عن حقوق المرأة . 

الفقرة الأولى : الحقوق المتعلقة بتمكين المرأة سياسيا

           من بين فصول دستور 2011 التي شكلت مجالا خصبا لاجتهادات المجلس الدستوري الفصل التاسع عشر وعلى الخصوص ما يتعلق بمبدأ المناصفة ، فتبعا لذلك أتيح للمجلس الدستوري أن يوضح قصد المشرع من جهة ، وضمان أجرأة المقتضيات الدستورية خاصة على مستوى القوانين التنظيمية والأنظمة الداخلية لمجلس النواب ومجلس المستشارين.

أولا : تأسيس هيئة للنائبات البرلمانيات

تضمن النظام الداخلي لمجلس النواب وخاصة المواد 49 و50 و51 على أنه يحق للنائبات البرلمانيات تأسيس هيئة يكون الهدف منها اقتراح ودعم وتقوية المكتسبات النسائية في كل المجالات وتعزيزها على مستوى التشريع والمراقبة والدبلوماسية البرلمانية وعلى مستوى مراكز اتخاذ القرار ، غير أن المجلس الدستوري اعتبر بأن هذا المقتضى متنافي مع الدستور معللا قراره [11] بما يلي :

  • إن السماح بخلق هيئة تخص النساء يعتبر إحداثا لجهاز جديد داخل مجلس النواب ، وهو ما لا يخوله القانون بموجب النظام الداخلي لمجلس النواب ، نظرا لأن أجهزة مجلس النواب محددة على سبيل الحصر في الفقرة الثالثة من  الفصل 62 والفقرة الثانية من الفصل 67 والفقرة الأخيرة من الفصل 69 من الدستور؛
  • أعضاء البرلمان يستمدون نيابتهم من الأمة، طبقا للفصل 60 من الدستور، إناثا وذكورا، وبالتالي لا يحق لهم تأسيس هيئة على أساس الجنس.

ونعتقد أن هذه التعليلات كانت كفيلة لكي يقضي المجلس الدستوري بأن خلق هيئة خاصة بالنساء إجراء غير مطابق للدستور خاصة أن الأهداف التي يمكن أن تقوم بها تبقى اختصاصا عاما لأعضاء مجلس النواب ذكورا وإناثا .

ثانيا : تخصيص نسبة الثلث من مناصب المسؤولية للنساء

نصت المادة 52 من النظام الداخلي لمجلس النواب كما اطلع عليه المجلس الدستوري على أنْ تُخصَّص للنائبات حصة لا تقل عن نسبة الثلث في مناصب المسؤولية داخل المجلس،فهل يعتبر التخصيص المسبق لمناصب محصورة على النائبات دون النواب إجراء دستوري ؟

    لقد قضى المجلس الدستوري بأن هذا المقتضى وإن كان يهدف إلى اتخاذ تدابير تحفيزية تهم النساء ، فإنه لا يمكن قبوله لمساسه بمبدأ المساواة بين الرجال والنساء ، وأيضا لأن هذا المقتضى في حد ذاته يعتبر إجراء تمييزيا ، غير أنه بالمقابل اعتبر بأن المادة 53 التي أوجبت على الفريق النيابي الذي يعود له الحق في تقديم أكثر من ترشيحين اثنين من تلك المناصب، أن يخصص ثلث المناصب لا تترشح لها إلا نائبة أو نائبات أمر ليس فيه ما يخالف الدستور، على أن تتم مراعاة مبدإ التناسب بين عدد النائبات العضوات في كل فريق وعدد مناصب المسؤولية .

    إن التخصيص المسبق لمقاعد خاصة بالنساء حتى وإن كان يهدف إلى تمكين النساء سياسيا ، فإن المجلس الدستوري لا يتردد في النطق بعدم مطابقته للدستور ، وهو موضوع قراره [12] الذي اعتبر فيه بأن تخصيص مقعدين في مكتب المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي ومقعد رئيس لجنة ومقعد مقرر لجنة أخرى للنساء إجراء غير مطابق للدستور بناء على التعليلات التالية :

  • يؤكد الدستور في فصليه 30 و146 على ضرورة تضمين القوانين مقتضيات ترمي إلى تشجيع تكافؤ الفرص بين النساء والرجال وتحسين تمثيليتهن فيما يخص الولوج إلى الوظائف الانتخابية الوطنية أو المتعلقة بمجالس الجهات والجماعات الترابية، دون سواها؛
  • إن مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء، الذي تسعى الدولة إلى تحقيقه، طبقا للفقرة الثانية من الفصل 19 من الدستور، إذا كان يقتضي اتخاذ تدابير تحفيزية خاصة من شأنها تيسير الولوج الفعلي للنساء إلى مناصب المسؤولية داخل هياكل المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، فإن ذلك يجب أن يتم من خلال مقتضيات لا يترتب عنها الإخلال بمبدإ المساواة بين الرجل والمرأة المنصوص عليه في الفقرة الأولى من نفس الفصل 19 المذكور، وبمبدإ حظر ومكافحة كل أشكال التمييز بسبب الجنس المقرر في تصدير الدستور.

وبالاطلاع على نفس القرار نلاحظ بأن المجلس الدستوري يوضح الصيغة المقبولة دستورياوالتي هي إلزام الفئات الممثلة داخل المجلس بترشيح النساء والرجال معا لهذه المناصب، انسجاما مع ما تقتضيه الفقرة الرابعة من المادة 11من القانون التنظيمي للمجلس من ضرورة مراعاة تحقيق مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء في تعيين أعضاء أربعة من الفئات الخمس التي يتألف منها المجلس .

وبالفعل فقد تبنى المجلس الاقتصادي والاجتماعي الصيغة المقترحة في نظامه الداخلي بمناسبة مراجعته بناء على قرار جديد للمجلس الدستوري ، وتبعا لذلك صرح  بمطابقتها للدستور [13] .

ثالثا : تعويض نائبة أو مستشارة

يقوم النظام الانتخابي سواء بالنسبة لمجلس النواب أو مجلس المستشارين على تواجد لائحتين الأولى على المستوى المحلي  واللائحة الثانية على المستوى الوطني .

  وبطبيعة الحال فقد توخى المشرع هذا الإجراء تحفيزا للمشاركة السياسية للمرأة، وهو ما يؤدي إلى ضمان عدد أدنى من المقاعد المتبارى عليها للنساء ، لكن السؤال الذي طرح يتعلق بالحالة التي يصبح فيها مقعد من هذه المقاعد شاغرا بعد سلوك مسطرة شغوره بما فيها إثبات ذلك من طرف المجلس الدستوري ، فلمن سيؤول هذا المنصب ؟ وما هي الحجج التي استند عليها المجلس الدستوري في قراراته ؟

لقد أتـيح للمجلس الدستوري[14] أن يبت في هذه النازلة وذلك بخصوص منصب السيدة شرفات البدري أفيلال الذي أصبح شاغرا في مجلس النواب بعد تعيينها عضوة في الحكومة ، وهكذا اعتبر بأن من له الحق في شغل منصبها هو المرشحة التي تليها من النساء ، أي من اللائحة الوطنية ، ولم يكتف بالقول المرشح الذي يليها مباشرة لأنه لو اكتفى بذلك لأصبح المنصب من حق مرشح ذكر أي من اللائحة المحلية ، وهو ما يعتبر منافيا لقصد المشرع من تخصيص لائحة وطنية .

وفي قرار مماثل للمجلس الدستوري يتعلق بالت في تعويض المنصب الناتج عن استقالة السيدة مليكة فلاحي من مجلس المستشارين صرح بأن المنصب الشاغر سوف يؤول إلى المترشحة الأولى الوارد اسمها في اللائحة التي ترشحت باسمها المستشارة المستقيلة>>[15] ولم يأخذ بالنص الحرفي للمادة 91 من القانون التنظيمي المتعلق بمجلس المستشارين التي تنص على أنه في حالة شغور مقعد بهذا المجلس لأي سبب من الأسباب، غير فقدان الأهلية الانتخابية، “يدعى، بقرار للسلطة المكلفة بتلقي التصريحات بالترشيح، المترشح الذي يرد اسمه مباشرة في لائحة الترشيح المعنية، بعد آخر منتخب في نفس اللائحة لشغل المقعد الشاغر” لأن ذلك سيؤدي إلى أن يؤول المنصب إلى مرشح ذكر وهو ما يخالف المقتضيات التشريعية التي سنها المشرع .

        الفقرة الثانية :الحقوق السياسية المتعلقة بالشباب

ينص الفصل 33 من الدستور على أنه :<< على السلطات العمومية اتخاذ التدابير الملائمة لتحقيق ما يلي :

  • توسيع وتعميم مشاركة الشباب في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية للبلاد؛
  • مساعدة الشباب على الاندماج في الحياة النشيطة والجمعوية ، وتقديم المساعدة لأولئك الذين تعترضهم صعوبة في التكيف المدرسي أو الاجتماعي أو المهني ؛
  • تيسير ولوج الشباب للثقافة والعلم والتكنولوجيا ، والفن والرياضة والأنشطة الترفيهية ، مع توفير الظروف المواتية لتفتق طاقاتهم الخلاقة والإبداعية في كل هذه المجالات.

يحدث مجلس استشاري للشباب والعمل الجمعوي من أجل تحقيق هذه الأهداف.>>

   المجلس الدستوري بمناسبة بته  في مدى مطابقة القانون التنظيمي لمجلس النواب رقم 11-27  اعتمد مجموعة من الحيثيات للنظر في مدى دستورية تخصيص دائرة انتخابية خاصة بالشباب وقد حاول المجلس الدستوري الإجابة على السؤال الأساسي التالي :

  كيف يمكن التوفيق بين المبادئ الدستورية التالية :

  • تعميم الطابع الفعلي لحرية المواطنات والمواطنين والمساواة بينهم ومن مشاركتهم في الحياة السياسية ؛

وتوسيع وتعميم مشاركة الشباب في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية للبلاد (الفصل 33).

     لقد حاول المجلس الدستوري أن يوفق بين مبدأ المساواة باعتباره مبدأ دستوريا يجب احترامه ، وبين قصد المشرع وهدفه إلى توسيع مشاركة الشباب وخاصة في ولوج الوظائف الانتخابية مستحضرا مبررات قانونية وأخرى واقعية :

  • ليس من صلاحيات المجلس الدستوري التعقيب على السلطة التقديرية للمشرع في اختيار نوعية التدابير التشريعية التي يرتضيها سبيلا لبلوغ أهداف مقررة في الدستور، طالما أن ذلك لا يخالف أحكام هذا الأخير؛
  • من حق المشرع سن تدابير تكون، في طبيعتها وشروطها والأثر المتوخى منها، كفيلة بتحقيق الأهداف الدستورية التي منها تستمد أصلا مبرر وجودها، وأن لا تتجاوز في ذلك حدود الضرورة، عملا بمبدأ تطابق القواعد القانونية المتخذة مع الهدف المتوخى منها؛
  • إن تخويل النساء وضعا خاصا بواسطة هذه الدائرة الانتخابية الوطنية لا يحول دستوريا دون استعمال نفس الوسيلة لتحفيز فئة أخرى طالما أن ذلك يتم من أجل إدراك هدف آخر مقرر بدوره في الدستور.

هذا ومن المهم الإشارة إلى أن المجلس الدستوري[16] اعتبر بأن تدابير التشجيع والتحفيز، لا سيما تلك المتعلقة بفئة عمرية معينة، بما تنطوي عليه من معاملة خاصة، ينبغي، في مجال ممارسة المواطنين لحقوقهم السياسية، أن تكون تدابير استثنائية محدودة في الزمن يتوقف العمل بها بمجرد تحقق الأهداف التي بررت اللجوء إليها، وهو أمر يعود تقديره للمشرع الذي يسوغ له أيضا اعتماد تدابير قانونية أخرى، غير أسلوب الدائرة الانتخابية الوطنية، لمواصلة السعي إلى بلوغ تلك الأهداف.

الفقرة الثالثة : الحقوق السياسية للمغاربة المقيمين بالخارج

بالرجوع إلى الدستور المغربي نجده ينص في فصله 18 على أنه:<< تعمل السلطات العمومية على ضمان أوسع مشاركة ممكنة للمغاربة المقيمين في الخارج ، في المؤسسات الاستشارية ، وهيئات الحكامة الجيدة ، التي يحدثها الدستور أو القانون .>>

     وقد أتيح للمجلس الدستوري أن يراقب مدى أجرأة هذا الفصل من خلال بسط رقابته على القانون التنظيمي رقم 128.12 المتعلق بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، في قراره الذي جاء فيه :<<حيث إن المادة 11 تنص في نهاية المقطع ما قبل الأخير من البند “د” على أنه  ” طبقا لأحكام الفصل 18 من الدستور، يراعى في تعيين أعضاء المجلس من الفئات “أ” و”ب”و”ج” و”د” تمثيلية المغاربة المقيمين بالخارج والخبراء المهتمين بقضايا الهجرة، وحيث إن الفصل 18 من الدستور، الذي يستند إليه المقطع المذكور، ينص على أن السلطات العمومية تعمل على ضمان أوسع مشاركة ممكنة للمغاربة المقيمين في الخارج في المؤسسات الاستشارية، وهيئات الحكامة الجيدة، التي يحدثها الدستور أو القانون؛

وحيث إنه، تأسيسا على ما سبق، يكون ما ورد في المقطع ما قبل الأخير من البند “د” من إدراج الخبراء المهتمين بقضايا الهجرة ضمن أعضاء المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، استنادا إلى الفصل 18 من الدستور الذي يهم تمثيلية المغاربة المقيمين في الخارج دون سواهم في هذا المجلس، غير مطابق للدستور>>[17] 

     ويتضح من خلال القرار أعلاه أن المجلس الدستوري بين وجه المخالفة التي وقف عليها، وهي أنه لا يمكن إضافة فئة جديدة إلى جانب فئة المغاربة المقيمين بالخارج ، وبطبيعة الحال فهناك فرق بين صفة المقيم المنصوص عليها بالفصل 18 من الدستور ، وبين فئة الخبراء بقضايا الهجرة .

الفقرة الرابعة : التقنيات المعتمدة من طرف المجلس الدستوري 

نقف على بعض هذه التقنيات على مستوى انتخاب أعضاء الجماعات الترابية [18]، حيث اعتبر المجلس الدستوري بمناسبة مراقبة دستورية القانون التنظيمي لانتخاب أعضاء الجماعات الترابية.

     الفقرة الثانية من الفصل 19 من الدستور المغربي تنص على أن الدولة  تسعى إلى تحقيق مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء.

كما أن الفقرة الأولى من فصله 30 نصت على ضرورة أن ينص القانون على مقتضيات من شأنها تشجيع تكافؤ الفرص بين النساء والرجال في ولوج الوظائف الانتخابية.

وهو نفس التوجه الذي حث عليه الفصل 146 من الدستور حيث نص  على أن القانون التنظيمي المتعلق بمجالس الجماعات الترابية يتعين أن يتضمن أحكاما تهم تحسين تمثيلية النساء داخل هذه المجالس.

وهذا ما تضمنه القانون التنظيمي لانتخاب أعضاء الجماعات الترابية وعلى الخصوص المادتين 76 و77، لكن ما هو موقف المجلس الدستوري حول مدى دستورية هذه المقتضيات ؟

تنص المادة 76 :<< يشكل النفوذ الترابي للعمالة أو الاقليم أو عمالة المقاطعات أساس التقطيع الانتخابي للجهة.

   تحدث على صعيد كل عمالة أو إقليم أو عمالة مقاطعات دائرتان انتخابيتان يشمل النفوذ الترابي لكل واحدة منهما النفوذ الترابي للعمالة أو الإقليم أو عمالة المقاطعات المعنية.

تخصص إحدى الدائرتين الانتخابيتين للنساء ، ولا يحول ذلك دون حقهن في الترشح في الدائرة الانتخابية الأخرى

    أما المادة 77 فنصت على أنه :<< يحدد بموجب مرسوم يحدد باقتراح من وزير الداخلية عدد الأعضاء الواجب انتخابهم في مجلس كل جهة وتوزيع عدد المقاعد على العمالات والأقاليم وعمالات المقاطعات المكونة لكل جهة وتوزيع عدد المقاعد بين الدائرتين الانتخابيتين .

    ويجب أن يمثل عدد مقاعد الدائرة الانتخابية المخصصة للنساء في كل عمالة أو إقليم أو عمالة مقاطعات على الأقل ثلث عدد المقاعد المخصصة للعمالة أو الإقليم أو عمالة المقاطعات المعنية برسم مجلس الجهة…>>

     وبقراءة قرار المجلس الدستوري يتضح ما يلي :

  • المجلس الدستوري اعتبر  أن المقتضيات المتعلقة بتيسير ولوج النساء للوظائف الانتخابية تتعارض أساسا مع مبدأ المساواة ، المبادئ الأساسية الثابتة التي يرتكز عليها الدستور في مضمار ممارسة الحقوق السياسية، والمتمثلة بالخصوص في المواطنة وحرية الانتخاب والترشيح من خلال اقتراع عام خاضع لنفس القواعد والشروط  وقائم على أساس مبادئ المساواة، وتكــافؤ الفرص، وحظر ومكافحة كل أشكال التمييز، وفق ما ينص عليه الدستور في تصديره وفي فصوله 2 (الفقرة الثانية) و6 (الفقرة الأولى) و19 (الفقرة الأولى) و30 (المقطع الثاني من الفقرة الأولى)،

    ومع ذلك فقد صرح المجلس الدستوري بمطابقة هذه المقتضيات للدستور في قراره بالاستناد إلى مفهومين أساسيين :

   أولا : مفهوم السلطة التقديرية للمشرع

اعتبر المجلس الدستوري أن ليس من صلاحياته التعقيب على السلطة التقديرية للمشرع في اختيار نوعية التدابير التشريعية التي يرتضيها سبيلا لبلوغ أهداف أو تطبيق مقتضيات مقررة في الدستور، طالما أن ذلك لا يخالف أحكام هذا الأخير؛

ثانيا : الصبغة الاستثنائية لتدابير تشريعية

  حيث اعتبر المجلس الدستوري بأنه :<<  لئن كانت مقتضيات المواد المعدلة أو المتممة سالفة الذكر جاءت لإعمال أهداف وأحكام مقررة في الدستور، فإنه يتعين في هذا المجال أيضا استحضار المبادئ الأساسية الثابتة التي يرتكز عليها الدستور في مضمار ممارسة الحقوق السياسية، والمتمثلة بالخصوص في المواطنة وحرية الانتخاب والترشيح من خلال اقتراع عام خاضع لنفس القواعد والشروط  وقائم على أساس مبادئ المساواة، وتكــافؤ الفرص، وحظر ومكافحة كل أشكال التمييز، وفق ما ينص عليه الدستور في تصديره وفي فصوله 2 (الفقرة الثانية) و6 (الفقرة الأولى) و19 (الفقرة الأولى) و30 (المقطع الثاني من الفقرة الأولى)، وهي مبادئ لا تسمح بإضفاء صبغة الديمومة على تدابير قانونية استثنائية تمليها دواع مرحلية ترمي بالأساس إلى الارتقاء بتمثيلية النساء وتمكينهن من ممارسة مهام ومسؤوليات انتخابية داخل مجالس الجهات ومجالس الجماعات والمقاطعات، قصد الانخراط بنجاح في النظام الانتخابي العام .>>

  المجلس الدستوري يعتبر أيضا بأن السلطة التقديرية للمشرع لا تعني فقط اختيار المشرع للمقتضيات التي يرى بأنها الكفيلة لبلوغ أهداف دستورية أي تمكين النساء من الوصول إلى الوظائف الانتخابية ، بل السلطة التشريعية كما أكد تمتد إلى أن المشرع هو المختص بوضع حد لهذه المقتضيات متى تبين له تحقق وبلوغ الأهداف التي من أجلها أحدثت التدابير الاستثنائية .

    ثالثا : تحفظ المجلس الدستوري

    مقابل التدابير الاستثنائية ومفهوم السلطة التقديرية للمشرع ، فقد أبدى المجلس الدستوري على أن التدابير المتعلقة بتمثيلية النساء يجب ألا تكتسي صفة الديمومة ، والذي نفهم منه أنه  ما كان للمجلس الدستوري أن يصرح بمطابقة هذه المقتضيات للدستور لولا ذاك الطابع الاستثنائي للتدابير المتعلقة التمثيلية النساء .

وهكذا أكد المجلس الدستوري أن :

  • تخصيص ثلث المقاعد على الأقل للنساء في كل دائرة انتخابية، فيما يخص انتخاب أعضاء مجالس الجهات؛
  • تخصيص عدد من المقاعد، محدد بصفة مسبقة، في مجالس الجماعات والمقاطعات؛
  • واعتبار المترشحة الوارد إسمها في المرتبة الأولى بالنسبة للجزء المخصص للنساء بمثابة رأس لائحة ولها نفس الحقوق المخولة لرأس لائحة الترشيح المعنية.

هي مقتضيات مرحلية يتوقف العمل بها بمجرد تحقق الأهداف التي بررت اللجوء إليها، وهو أمر يعود تقديره للمشرع .

    وفي ارتباط بهذه التقنيات التي يعتمدها المجلس الدستوري لتعليل قراراته ، فإننا نعتقد أن من أكبر التحديات التي تطرح على المحكمة الدستورية هو التعامل مع نصوص دستورية تضمنت أصلا في ثناياها مخالفات دستورية بهدف تصحيح وضعيات مجتمعية.


[1] أنظر : المسعيد(عبد المولى) ،”المحكمة الدستورية في ظل دستور 2011″، مجلة مسارات في الأبحاث والدراسات القانونية العدد : 1 ،2016 ، ص ص :  9 – 36.

[2] الفصل 100 من الدستور المغربي لسنة 1962 الصادر الأمر بتنفيذه ظهير شريف بتاريخ 14 دجنبر 1962 الجريدة الرسمية عدد 2616 مكرر بتاريخ 19 دجنبر 1962 ،والذي نص الفصل 100 منه على أنه :<< تؤسس بالمجلس الأعلى غرفة دستورية .

   يرأس هذه الغرفة الرئيس الأول للمجلس الأعلى.>>

[3]دستور 1970 صدر الأمر بتنفيذه بموجب ظهير شريف 1.70.177 بتاريخ 31 يوليوز 1970 الجريدة الرسمية 3013 مكرر بتاريخ 01 غشت 1970.

[4]دستور 1972 صدر الأمر بتنفيذه بموجب ظهير شريف 1.72.061 بتاريخ 10 مارس 1972 الجريدة الرسمية 3098 بتاريخ 15 مارس 1972.

[5]القانون التنظيمي رقم 93-29 المتعلق بالمجلس الدستوري، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.94.124 بتاريخ 14 من رمضان1414 (25 فبراير 1994)، كما وقع تغييره وتتميمه، لاسيما الفقرة الأولى من المادة 21 والفقرة الأولى من المادة 23 منه

[6] بموجب الدستور المراجع في سنة 1992 ظهير شريف رقم 1.92.155 صادر بتاريخ 09 أكتوبر 1992 الجريدة الرسمية عدد 4172 بتاريخ 14 أكتوبر 1992.

[7]ظهير شريف رقم 1.96.157 الصادر بتاريخ 07 أكتوبر 1996 بتنفيذ نص الدستور المراجع الجريدة الرسمية عدد 4420 بتاريخ 10 أكتوبر 1996.

[8]الدستور، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.91 بتاريخ 27 من شعبان 1432 (29 يوليو2011)

[9]القانون التنظيمي رقم 066.13 المتعلق بالمحكمة الدستورية، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.14.139 بتاريخ 16 من شوال 1435(13 أغسطس 2014)؛

[10] المقال في أصله عبارة عن مداخلة تمت المساهمة بها في الندوة الدولية حول التوجهات الكبرى للاجتهادات القضائية للمحكمة الدستورية في منازعات الحقوق والحريات الأساسية التي تم تنظيمها يومي 13-14 ماي 2016 من طرف المركز المغربي للدراسات الدستورية والسياسية وشعبة القانون العام بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بفاس .

[11] – قرار المجلس الدستوري رقم: 13/924  م. د بتاريخ 22 غشت 2013 ملف عدد: 13/1378

[12] قرار المجلس الدستوري رقم 954/15 م د بتاريخ02 مارس 2015 ملف عدد 1410/15

[13]قرار المجلس الدستوري رقم 957/15 م د بتاريخ 13 أبريل 2015 ملف عدد 1414/15

[14] قرار المجلس الدستوري رقم 13/926 و ب بتاريخ 07 نونبر 2013 ملف عدد 13/1384 .

[15]قرار المجلس الدستوري رقم 16/984 و ب بتاريخ 12 يناير 2016 ملف عدد 15/1471

[16] قرار المجلس الدستوري رقم 2011/817 بتاريخ 13 أكتوبر 2011 ملف عدد 2011/1170.

[17] قرار المجلس الدستوري رقم 932/14 م د بتاريخ 30 يناير 2014 ملف عدد 1389/14.

[18] أنظر : القريشي عبد الواحد ، أسئلة الحكامة في الانتخابات المغربية ، سلسلة إضاءات في الدراسات القانونية ، العدد 03 السنة 2016 ، 116 ص.

https://powderencouraged.com/zht6b3bs66?key=8523542c4aaf6f083ce56f74bd271319
https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!