التطور الإداري بالمغرب: الجماعات المحلية نموذجا
حصيلة العشرية الأولى من الألفية الثالثة
ذ. محمد يحيا
أستاذ التعليم العالي
عميد كلية الحقوق طنجة
اعتبرت اللامركزية الإدارية ، منذ السنوات الأولى للاستقلال ، واحدة من أكبر القضايا التي شغلت اهتمام مختلف الحكومات المغربية المتعاقبة تحت إشراف المؤسسة الملكية ، حيث تم اعتماد مقاربة مسؤولة لوضع اللبنات الأساسية لإدارة ترابية فعالة من خلال البناء الجماعي الذي استهدف إلى حدود سنة 1999 على عهد المغفور لهما الملك محمد الخامس والملك الحسن الثاني ، بسط سلطة الدولة على كافة الوحدات الترابية للمملكة لتجسيد الوحدة الوطنية ([1]). ثم مع بداية الألفية الثالثة وضع أسس وأليات تطوير البعد التنموي ، الاقتصادي ، والاجتماعي من خلال إعادة تأهيل الشأن الجماعي المحلي اقتصاديا ، اجتماعيا وماليا، إذ تم إعطاء الجماعات موارد بشرية ومالية وإمكانيات مادية تؤهلها للاستجابة للحاجيات الأساسية لمختلف الشرائح الاجتماعية ([2]).
وتؤكد تجربة المغرب في مجال نهج اللامركزية من خلال تطور التنظيم الإداري المحلي – الجماعات – ، تبني المملكة في العشر سنوات الأخيرة سياسة لا مركزية عرفت تراكمات هامة أصبحت وفقها الجماعات المحلية مؤسسات وازنة وفعالة في مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية ([3]) . ذلك أن إعادة بناء التنظيم الجماعي يعتبر محطة أساسية من المحطات المكونة لكل ارتقاء بنظام اللامركزية الإدارية بالمملكة ([4]).
فالتصور الجديد أضحى يركز على مقاربة حل فيها منطق الدولة المواكبة محل مفهوم الإدارة الوصية ما جسد إرادة إصلاح المؤسسات الإدارية الترابية، ومما لاشك فيه أنه بالمصادقة على القانون 78.00 ([5]) بمثابة ميثاق جديد للجماعات المحلية يمكن القول أن عهد قد انتهى ، والذي كانت فيه الغلبة للجانب السياسي والإداري حيث كانت الغاية السماح لجزء من المواطنين (الأعيان المنتخبون )، بالتمرس على أليات تدبير الشأن المحلي تطبيقا لمفهوم معين للتمثيلية المحلية. وأن العهد الجديد أصبحت فيه الأولوية للدور الاقتصادي الاجتماعي والتنموي للجماعات المحلية وفق رؤية مكملة وداعمة في نفس سياق قانون الجهة الصادر سنة 1997 ([6]) وعودة المملكة إلى العمل بأسلوب وسياسة التخطيط ([7]) . فالإصلاحات السياسية والمؤسساتية التي عرفها المغرب كانت بمثابة البوابة الرئيسية لمجموع المنجزات والمشاريع الكبرى في كافة المجالات في إطار استراتيجية تنموية جديدة خارج المقاربات المحدودة لتحقيق آمال ومتطلبات الأمة، ومحاولة البحث عن سبل سياسة تنموية رائدة، حيث أصبحت الاستراتيجيات القويمة لحكومات المملكة مع بداية الألفية الثالثة تستهدف الارتقاء بمؤشرات التنمية، عبر ضوابط تشاركية من خلال نهج سياسة القرب باعتبارها المنهجية الحاسمة للتأهيل الشامل القائم على قيم المواطنة والمشاركة والحكامة الجيدة .
هذا التصور يجد دعاماته الأساسية في المرجعيات التالية:
- التوجيهات الملكية السامية والهادفة إلى تدعيم نظام اللامركزية والديمقراطية المحلية ([8]).
- خلاصات الملتقى الوطني والمنتديات الجهوية للجماعات المحلية.
- اللقاءات التي نظمتها وزارة الداخلية مع المنتخبين المحليين ومصالح الإدارة الترابية.
- التراكمات والمكتسبات المستخلصة من واقع إفرازات الممارسة العملية.
هذا التطور تؤكده التعديلات التي شملت الأجهزة المسيرة للجماعات المحلية، النظام الأساسي للمنتخب، اختصاصات المجلس – رئيسه – ونظام اجتماعات المجلس ، المقتضيات الخاصة بالجماعات المحلية التي يفوق عددها 500.000 نسمة ، نظام وحدة المدينة ومجالس المقاطعات ([9]) .
فنجاح اللامركزية وتعميق الحكامة المحلية يتوقفان على الضبط الجيد لطرق عمل الهيئات المحلية ومدى مصداقيتها كوسيلة للتأسيس للإصلاح الشامل (المبحث الأول : الإصلاحات الكبرى للتنظيم الجماعي مع بداية الألفية الثالثة ) ([10]) ولتوفير شروط الانتقال إلى محطة جديدة في مجال تدبير اللامركزية والديمقراطية المحلية تمت المراجعة الجذرية للتقسيم الجماعي كإطار مواكب للتطور الديمغرافي والاقتصادي والسياسي الذي عرفته المملكة في العقد الأخير، من زيادة في عدد السكان وارتفاع نسبة التمدن والعزم على الارتقاء بالفعل الجماعي وباللامركزية إلى المستوى المنشود (المبحث الثاني : ملاءمة التقسيم الجماعي ). وفي السياق ذاته يعتبر بديهيا، التذكير أن إرادة الإصلاح بشكل عام ، والشأن العام المحلي على وجه الخصوص ، هي التي أملت (ترسيخ المفهوم الجديد للسلطة كمقاربة نوعية لتفعيل العمل الجماعي : المبحث الثالث ) والذي ينطوي على ثقافة جديدة وبعد حداثي للمرفق العام المحلي ، وإنعاش الحقوق الفردية والجماعية المحلية ومنهجية مجسدة لأخلاقيات جديدة لكل الفاعلين المحليين في مجالات التدبير العمومي . ومن أجل إدارة مواطنة تشتغل في إطار سياسة القرب والمفهوم الجديد للسلطة، ومن أجل كسب رهان تحديث وإعادة هيكلة الإدارة الترابية صدر ظهير جديد خاص بالنظام الأساسي لرجال السلطة تثمينا للموارد البشرية لوزارة الداخلية باعتبارها شريكا أساسيا لكل دينامية على مستوى تدبير التراب الجماعي لتعزيز مسلسل اللامركزية (كخيار استراتيجي لإعادة النظر في الأدوار والمهام التي يقوم بها ممثلي الدولة على المستوى المحلي في علاقتهم مع الهيئات المنتخبة : المبحث الرابع .)
المبحث الأول
الإصلاحات الكبرى للتنظيم الجماعي مع بداية الألفية الثالثة
بهدف تعميق مسلسل اللامركزية والتنمية المحلية، تم اعتماد ميثاق جماعي جديد سنة 2002 تضمن مقتضيات تصب في اتجاه تعزيز الاستقلال الإداري والمالي والحكامة الجيدة المحلية وتحسين وضعية المنتخب ، وشفافية تدبير الشأن العام المحلي ، وتوضيح وتوسيع اختصاصات المجالس المنتخبة ، وتخفيف أليات الوصاية الإدارية والمالية باعتماد رقابة قضاية بعدية ، وتقليص الآجال والأعمال والقرارات الخاضعة للموافقة ، وتفويض بعض اختصاصات سلطة الوصاية وتعليل إجراءات الوصاية ([11]).
وعليه تعتبر بداية سنة 2002، لحظة حاسمة في هذا الاتجاه ، حيث تم رسم الخطوات الإصلاحية للإدارة الترابية ، ضمن السياسات العامة للدولة . وتأكد أن أداء صانع القرار المغربي أصبح على قدر من الإحكام والإتقان في تدبير ملف تطوير مسلسل الديمقراطية المحلية حيث أصبحت أولوية الأولويات هي الإشكالية الاقتصادية والاجتماعية ، وأن الإصلاحات السياسية والإدارية قد بلغت مداها.
هذا النص الذي أصبح معروفا بالقانون رقم 78.00 يندرج في سياق مسلسل الإصلاحات الكبرى التي عرفتها المملكة ، والرامية إلى دعم ركائز دولة الحق والقانون وتطوير نظامي اللامركزية الترابية وعدم التركيز وتجسيد قيم ومبادئ الديمقراطية المحلية ([12]).
حيث أن تجربة اللامركزية هي تجربة طويلة نسبيا ، ابتدأت منذ السنوات الأولى للاستقلال (1960) وأسفرت عن محاولات هادفة إلى التأسيس لدينامية الحكامة الترابية والتي لم تحقق دائما النتائج المتوخاة ، حيث الانحرافات ظلت لصيقة بالمسلسلات الانتخابية ([13]) وما طبع التحالفات الحزبية المحلية من ظرفية وغياب التجانس والاستقرار ([14]) وتفاوت مستويات التكوين لدى المنتخبين ([15]) وسوء التدبير والتقطيع الترابي العشوائي ، وهي عوامل أخرت أو أجلت التنمية المحلية في العديد من الجماعات حضرية كانت أم قروية.
هذه الأسباب وغيرها، كان من نتائجها صدور القانون الجديد 78.00 الذي يستمد توجهاته الأساسية من الخطب الملكية السامية التي ألقاها جلالة الملك محمد السادس منذ اعتلائه العرش، لاسيما خطابه التاريخي بمناسبة افتتاح الدورة الأولى للسنة التشريعية الرابعة بتاريخ 13 أكتوبر 2000. كما يستوحى مضامينه من تراكمات المناظرات الوطنية السبع حول الجماعات المحلية ([16]) ومن التعهدات والالتزامات الواردة في التصريح الحكومي ، بالإضافة إلى الدروس والعبر المستخلصة من تجربة تزيد عن 30 سنة من الممارسة الميدانية ، وكذا التطلعات المعبر عنها من طرف مختلف الفاعلين السياسيين والاقتصاديين والاجتماعيين وهيئات المجتمع المدني ([17]).
هذا القانون ست سنوات بعد دخوله حيز النفاذ، يمكن التأكيد كونه حقق مجموعة من الأهداف السياسية ، الاقتصادية ، الاجتماعية ، تمثلت أساسا في تثبيت ديمقراطية الجوار وترسيخ استقلالية وحريات الجماعات المحلية ، وتوسيع مسؤولياتها وإبراز دورها المحوري في التنمية وتهيئة التراب والمجال والمساهمة في تقليص الاختلالات والفوارق الاقتصادية ، المالية والاجتماعية حيث تم بناء هذا القانون الجديد على مبادئ وقيم وثوابت أهمها:
- تدقيق وتوسيع اختصاصات المجالس الجماعية ورؤسائها،
- إقرار نظام الحقوق وواجبات المنتخب الجماعي،
- إلغاء نظام المجموعات الحضرية وإقرار وحدة المدينة،
- مراجعة النظام القانوني الخاص بمكتب المجلس،
- مراجعة وتحديث قواعد الوصاية،
- تخليق المرفق العام المحلي،
- تبسيط قواعد تسيير المجلس الجماعي،
- تطوير أليات التعاون والشراكة.
وعليه، بخصوص اختصاصات المجالس المحلية ورؤسائها ([18]) ، وفي سبيل تحقيق تكامل فعلي بين مهام وأدوار الجماعات المحلية وباقي المتدخلين في مجالات التنمية المختلفة درءا لكل تداخل ، فقد تم توسيعها وتدقيقها ، حيث أصبح دور الجماعة واضحا في مختلف المجالات المعهود إليها بها. ما أدى نسبيا إلى تفادي كل تضارب أو تداخل في الاختصاصات بينها وبين الدولة ، الدولة والجماعات المحلية الأخرى ، وتحقيق نوع من الانسجام والتكامل في المجالات المسندة لكل منها . فمسألة توزيع الاختصاصات كانت دائما محور انشغالات السلطات العمومية ، حيث بمناسبة تقديم مشروع التنمية الاقتصادية والاجتماعية (2000-2004) بتاريخ 20 يوليوز 2000، أكد الوزير الأول أمام مجلس النواب على ضرورة إسناد المسؤولية للجماعات المحلية في كافة الجوانب المتصلة بالحياة اليومية للمواطنين مع مدها بالوسائل الضرورية . مؤكدا أنه ستتم مراجعة القوانين في اتجاه توسيع وتوضيح اختصاصات الجماعات وتخفيف عبء الوصاية عليها ([19]).
وتضمنت الوثائق المصاحبة لمخطط التنمية الاقتصادية عدة ملاحظات حول غموض اختصاصات الجماعات وتداخلها مع تلك التابعة للدولة ، إذ جاء في وثيقة بعنوان التنمية الجهوية وبرامج الجماعات المحلية:
” …وهكذا تبقى بعض صلاحيات الجماعات غير واضحة في عدد من القطاعات الهامة (الماء، الكهرباء، النقل الحضري …) الشيء الذي يترتب عنه التباس في الأدوار وتنازع وتداخل الاختصاصات وازدواجية العمل وكذا غياب التنسيق بين أعمال بعض المؤسسات العمومية كالمكتب الوطني للماء الصالح للشرب ، والمكتب الوطني للكهرباء وأعمال الجماعات المحلية …” ([20]) .
ولم يتم بلوغ هذه الغاية ، إلا بعد تصنيف اختصاصات الجماعات الحضرية والقروية إلى ثلاثة أنواع هي:
- الاختصاصات الذاتية،
- الاختصاصات القابلة للنقل،
- الاختصاصات الاستشارية.
وهم توزيع الاختصاصات الذاتية سبعة ميادين أساسية تمثلت في:
- التنمية الاقتصادية والاجتماعية،
- المالية والجبايات والأملاك الجماعية،
- التعمير وإعداد التراب ،
- المرافق والتجهيزات العمومية المحلية،
- الوقاية الصحية والنظافة والبيئة،
- التجهيزات والأعمال الاجتماعية والثقافية،
- التعاون والشراكة.
أما الاختصاصات القابلة للنقل من الدولة إلى الجماعات ، فقد تم إدراجها على سبيل المثال لا الحصر، حيث أدى هذا التوجه إلى فتح المجال لنقل اختصاصات أخرى ، كلما اقتضت المصلحة العامة ذلك ، وبتوفر الإمكانات اللازمة لممارستها، حيث أكد المشرع صراحة أن أي نقل لأي اختصاص من اختصاصات الدولة إلى الجماعات يقترن وجوبا بتحويل الموارد الضرورية لممارسة ذلك الاختصاص .
كما أدى توضيح الاختصاصات الاستشارية للجماعات إلى جعلها في وضع سمح لها بتقديم الاقتراحات والملتمسات وإبداء الرأي حول السياسات والبرامج والمشاريع المتصلة بالتنمية الاقتصادية ، والاجتماعية، والثقافية وتصاميم إعداد التراب ، والتعمير التي عملت الدولة أو أشخاص القانون العام الأخرى على تنفيذها بتراب الجماعات ([21]).
أما فيما يتعلق برئيس المجلس الجماعي ، فإن اختصاصاته عرفت التدقيق والتوسيع ، لاسيما في مجالات لها خصوصياتها في كل ارتقاء بعمل الجهاز التنفيذي الجماعي فرئيس المجلس أصبح يفترض فيه أن يكون مسيرا ومحركا للتنمية المحلية ، ورئيس مقاولة ومحاور للدولة وباقي أشخاص القانون العام والخاص . فمهام المستشارين الجماعيين لم تعد مرتبطة فقط بتمثيل السكان بل متصلة بالدور القيادي الذي يجب أن يلعبوه للرفع والارتقاء بأداء ومردودية العمل الجماعي . هذه المقاربة الجديدة ، جسدتها عمليا مجالات الشرطة الإدارية الجماعية ، وتدبير شؤون الموظفين الجماعيين وتمثيل مصالح الجماعة أمام القضاء…مما أدى إلى التقليص من تداخل اختصاصاته مع اختصاصات السلطات الإدارية المحلية والأجهزة الأخرى التابعة للدولة، ووضع حد للمنازعات التي أسفرت عنها التجربة العملية علاقة بممارسة العديد من القضايا المحلية.
انفرد المنتخب ([22]) لأول مرة في تاريخ التجارب الجماعية بنظام خاص به ([23]) تضمن العديد من القواعد الرامية إلى تأكيد وتوسيع حقوقه وضبط واجباته وتحديد مسؤولياته تخليقا للمرافق العمومية المحلية ([24]) وتحسينا لمردوديتها وتعزيزا لمشروعية العمل الجماعي وتيسيرا لممارسة المهام الانتدابية ([25]) .
وفي هذا المجال ، تم تمتيع موظفي وأعوان الدولة والمؤسسات العامة أعضاء المجالس الجماعية برخص للتغيب لحضور أشغال دورات المجلس ولجنه الدائمة ، وخولت لرؤساء المجالس الجماعية تسهيلات في قرب مقر جماعتهم . كما تم إقرار مسؤولية الجماعة عن الأضرار التي قد تلحق المنتخبين بمناسبة انعقاد دورات واجتماعات اللجن التي هم أعضاء فيها . وتم تمديد نظام التعويضات عن المهام والتمثيل والتنقل، فشملت مقرر الميزانية وكاتب المجلس وإقرار الحق في التعويضات لفائدة أعضاء المجالس الجماعية عند قيامهم بمهامهم لفائدة الجماعة ([26]) .
وتجسيدا لرؤية جديدة لتدبير الشأن العام المحلي ، جاءت القوانين الجديدة لللامركزية مع بداية الألفية الثالثة لإعطاء الفعالية لمزاولة المهام الانتدابية حيث تم حصر ممارسة مهام الرئيس في الأعضاء الذين يتوفرون على الأقل على مستوى نهاية الدروس الابتدائية ، ومنع الجمع بين رئاستين محليتين تماشيا مع التوجه العام الرامي إلى ضرورة الجمع فقط بين انتداب وطني وانتداب محلي ، وقصر حالات التنافي بالنسبة لموظفي الإدارات المالية على الخازن الجهوي ، والخازن الإقليمي ، والقابض الجهوي ، والمحصلين ، والقباض الجماعيين الذين يرتبط عملهم بجماعة من الجماعات التابعة للجهة التي يمارسون فيها مهامهم . وتم منع المنتخبين القاطنين خارج المملكة من الترشيح لمهام الرئيس أو النائب.
وعلى غرار ما هو معمول به في الأنظمة الديمقراطية الكبرى ، ولإضفاء قيمة رمزية على مركز رؤساء المجالس الجماعية ، تم تخويلهم الحق في حمل وشائح بألوان وطنية أثناء المناسبات الرسمية.
لقد استلزم التحول الاقتصادي والاجتماعي للمدن الكبرى ([27]) إقرار مبدأ وحدة المدينة ، الذي حل انطلاقا من 2003 محل نظام المجموعة الحضرية ([28]) بسبب ما نتج عن تطبيقاته في الممارسة العملية من اختلالات ، لعل أهمها تضارب وتداخل الاختصاص بين المجموعة الحضرية والجماعات المكونة لها ، وتزايد الفوارق اقتصاديا، وماليا بين جماعات بعض المدن الكبرى ، وغياب التناسق المجالي ، وصعوبة وضع تصور شمولي للتهيئة وارتفاع تكاليف التسيير وبعثرت الموارد البشرية وهيمنة المشاريع الصغرى في غياب أي تصور هيكلي مشترك للتجهيزات والبنيات التحتية المشتركة بين الجماعات . هذه المقتضيات الجديدة الخاصة بنظام وحدة المدينة أحدثت تغييرات جدرية في التنظيم الجماعي ، حيث تم دمج الجماعات المكونة للمجموعة في جماعة حضرية يسيرها مجلس جماعي وفق القواعد العامة للتنظيم الجماعي ، ثم تقسيمها إلى مقاطعات تسيرها هذه الجماعة المنبثقة عن دمج الجماعات السابقة.
المجهودات انصبت في اتجاه توحيد المدن المغربية ([29]) التي سبق تقسيمها إلى عدة جماعات مع إحداث المجموعات الحضرية بصفة المؤسسة العامة الترابية لمزاولة بعض الاختصاصات التي تعني تلك الجماعات على سبيل الحصر. فإخفاقات نظام المجموعة الحضرية ينظر إليه اليوم كألية خلاص يمكن أن يساعد على إنجاح تجربة ديمقراطية القرب ، وينظر إليها كوسيلة أساسية لإنقاذ الحواضر الكبرى من إفلاس سياسات التدبير المحلي المتبعة.
والعودة إلى نظام وحدة المدينة يجد تفسيره المنطقي في معادلتين:
- الأولى ، فشل التجربية السابقة على مستوى تدبير الشؤون المحلية في كل ما له علاقة بالتنمية الاقتصادية والمقاربة الاجتماعية ([30]) .
- الثانية ، كون المقاربة الأمنية التي كانت تؤطر المقتضيات القانونية للميثاق الجماعي لسنة 1959,1976 لم تعد قائمة ([31]).
وتم تطبيق هذا النظام على الحواضر الكبرى على سبيل التجربة إلى حدود سنة 2008، وفق منظور خاص حيث تم بموجبه تبنى القواعد التي وفقها تسيير الحواضر الكبرى شؤونها من طرف مجلس جماعي واحد (الجماعات التي يفوق عدد سكانها 500 الف نسمة ) يخضع للقواعد العامة المطبقة على الجماعات الحضرية والقروية مع إحداث إلى جانبه مقاطعات متوفقرة على هيئات منتخبة تزاول اختصاصات مقربة ومحدودة دون التمتع بالشخصية المعنوية . هذه المقاطعات باعتبارها فروعا ترابية للجماعة الحضرية فقد أسندت إليها مهام تسيير بعض التجهيزات والمرافق العمومية وتقديم الخدمات الأساسية للمواطنين ، لاسيما تلك المرتبطة بالحاجيات اليومية كالحالة المدنية وتصحيح الإمضاءات ومنح تراخيص التعمير، لهذه الغاية المجالس الجماعية وضعت تحت تصرفها الوسائل المالية ، البشرية والمادية الضرورية ([32]).
هذه المقاربة نظرا لمحدودية النتائج التي أسفرت عنها ([33]) فقد عمل المشرع بموجب القانون رقم 17.08 المغير والمتمم للقانون 78.00 بتاريخ 18 فبراير 2009 على استدراك مكامن الخلل حيث أفرد بابا ثامنا، أسماه “المقتضيات الخاصة بالجماعات الحضرية الخاضعة لنظام المقاطعات ” والذي بمقتضاه أصبحت الجماعات الحضرية لمدن الدار البيضاء والرباط وطنجة ومراكش وفاس وسلا معنية بالمراجعة وملاءمة وضعها القانوني تماشيا مع مستجدات المجالات الترابية المتصلة التي يفوق عدد سكانها 200 الف نسمة بهدف إنجاز وتدبير مرافق ذات فائدة مشتركة ، هذه التجمعات الحضرية أضفيت عليها صبغة المؤسسة العمومية ، المتمتعة بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي ([34]) .
وإذا كان نجاح مسلسل اللامركزية وتعميم حكامة الديمقراطية الترابية يتوقف على التحكم الجيد في كيفيات ممارسة المسؤوليات كرهان لمصداقية الشأن المحلي وتنمية قدرات الهيئات المحلية ، فإن كسب هذا الرهان مر عبر تأمين استقرار المجالس الجماعية وتوضيح القواعد الخاصة بانتخاب مكاتبها، واندرج في هذا السياق إلغاء الفصل السابع من ميثاق سنة 1976 مع تدقيق إجراءات انتخاب المكتب وكيفيات ملء الشعور الحاصل به.
فبسبب المشاكل الخطيرة التي نجمت عنه تم إلغاؤه بسبب استعماله في أغلب الفرضيات لاعتبارات لا علاقة لها بالمصلحة العامة ، وفي اتجاه بعيد كل البعد عن الغايات التي توخاها المشرع من روائه ، وهو إجراء تصحيحي واكب الإجماع الوطني لاسيما أثناء المناظرة الوطنية السابعة للجماعات المحلية . ولما كانت القواعد والإجراءات الخاصة بانتخاب رئيس المجلس ونوابه غير محددة بشكل دقيق ، فقد جاء القانون 78.00 بقواعد تكميلية جديدة وعميقة لمعالجة الجوانب الإجرائية الخاصة بالعمليات الانتخابية وتقليص عدد المنازعات والطعون المثارة بشأنها.
وتم استصدار واستحداث إجرائيين مهمين بخصوص الشغور، كان الهدف وراءهما تأكيد التضامن بين أعضاء المكتب ، وتبني مبدأ الأقدمية لملء المقاعد الشاغرة وتحقيق استقرار واستمرارية الجهاز التنفيذي طيلة ممارسته لمهامه حيث وفقه أصبح ممكنا:
- حل المكتب إذا انقطع الرئيس عن مزاولة مهامه لأي سبب من الأسباب ،
- ارتقاء النواب الذين يوجدون في المراتب الدنيا مباشرة وبحكم القانون إلى المقعد الأعلى الذي يلي المقعد الذي أصبح شاغرا، وعلى أساس أن يتولى المجلس ملء آخر مقعد من حيث الترتيب ([35]) .
- وبالنظر لكون أن الوصاية وكيفيات ممارستها في ظل الميثاق الجماعي لسنة 1976 ، قد أدت إلى تطبيق وصاية إحلاليه مفرطة قيدت من أليات التدبير العمومي وضرورات ملاءمته لمتطلبات التنمية ، في وقت كان بإمكانها أن تتحول إلى وصاية توجيهية مواكبة للتطورات الاجتماعية والاقتصادية والمجالية، وفق مناهج رائدة ، ما أدى بالمشرع في الميثاق الجديد 78.00 إلى تبني أليات جديدة للتخفيف من الوصاية على الجماعات المحلية ([36]). وتأكد ذلك عمليا من خلال التقليص من المواد المشمولة بالمصادقة القبلية وإحلال للولاة والعمال ، كما تم تخفيض آجال المصادقة أو التأشيرة على مداولات المجلس وقرارات رؤسائها فضلا عن إقرار قاعدة تعليل القرارات الوصائية ([37]).
وجلي أن الحكامة الإدارية ما دامت تؤسس على ضوابط صارمة ، وتعتبر في حد ذاتها تحديا كبيرا للإدارة الترابية المغربية ، كما أن المحيط المتغير الذي تعيشه بلادنا، والذي يتطلب وضعه على الوجهة الصحيحة إيمانا جماعيا من طرف المجتمع المدني ومختلف الفاعلين ، وضرورات رفع المغرب لمجموعة من الرهانات المرتبطة بالإكراهات الداخلية والخارجية ، وتفاديا لواقع امتلأت جوانبه بظواهر البيروقراطية وسوء التدبير، عمل المشرع المغربي على تخليق المرفق العام المحلي وحماية الصالح العام ، وذلك بإقراره للمبادئ والقيم التالية:
– منع المنتخب الجماعي من ربط أية علاقة مصلحية كيفما كان نوعها مع الجماعة التي ينتمي إليها تحت طائلة الجزاء التأديبي أو المتابعة أمام القضاء الزجري سواء بكيفية شخصية أو كمساهم أو وكيل عن غيره أو لفائدة زوجه أو أصوله أو فروعه المباشرين،
- تمديد حالات القابلية للبطلان بسبب مشاركة عضو جماعي في مداولة تهمه بصفة شخصية أ و بصفته نائب عن غيره ، لتشمل أيضا زوجه أو أصوله أو فروعه المباشرين،
- حصر المهام التنفيذية في الرئيس ونوابه ، بحيث يمنع على أي عضو مزاولة مهام التسيير أو التوقيع على الوثائق الإدارية أو التدخل في تدبير المصالح العمومية الجماعية ، مع إقرار إجراءات زجرية إدارية، أو المتابعات القضائية كلما دعت الضرورة لذلك،
- حصر التفويض في المهام على نواب الرئيس دون باقي المستشارين مع فتح إمكانيات للموظفين لاسيما الكاتب العام للجماعات ورؤساء الأقسام والمصالح الجماعية في ميادين : الحالة المدنية والإشهاد على صحة الإمضاءات ومطابقة النسخ لأصولها.
أما فيما يتعلق بقواعد التسيير، فإن القانون ” 78.00 جاء لضبط القواعد المنظمة لعمل المجلس الجماعي وأجهزته بناءا على النتائج التي أفرزتها الممارسة العملية . حيث في هذا السياق تمت مراجعة المقتضيات الخاصة بنظام الدورات وإعداد جدول الأعمال والنصاب القانوني وكيفية التصويت على المداولات ومسطرة تعيين الكاتب ومقرر الميزانية . كما تم وضع أسس جديدة لكيفيات ممارسة شرطة الجلسات وإجراءات التصويت على الحساب الإداري ومسك سجل المداولات وحفظها والنيابة المؤقتة واللجان الدائمة للمجلس ([38]) .
الأمر يتعلق وفقه بمنظور جديد للحكامة الإدارية المحلية باعتبارها مجموعة مبادئ وأليات لضمان حسن التدبير، وإرساء أسلوب جديد في تدبير المجالس الجماعية مبني على تأهيل الممارسة المحلية، والنهوض بالنخب المحلية وتمكينها من الاضطلاع بأدوارها تفاديا للجوانب السلبية التي نتجت عن تطبيق مقتضيات الميثاق الجماعي لسنة 1976 لاسيما ضبط مسألة رفض التصويت على الحساب الإداري .
وأخيرا، فيما يتعلق بتطوير أليات التعاون والشراكة عملت المنظومة القانونية الجديدة على درء الفراغ التشريعي الذي تمخض عن الميثاق الجماعي لسنة 1976 حيث تم تأكيد مقتضيات جديدة تتمثل في تخويل الجماعات صلاحية إبرام اتفاقيات للتعاون أو الشراكة فيما بينها أو مع جماعة محلية أخرى ([39]) من أجل إنجاز المشاريع ذات الفائدة المشتركة دون اللجوء إلى إحداث شخص معنوي خاضع للقانون العام أ و الخاص ([40]) . أبعد من ذلك تم فتح المجال أمامها لتؤلف مجموعات للجماعات المحلية قصد إنجاز عمل مشترك أو تدبير مرفق ذي فائدة عامة ([41]) ووضع تصور شمولي للتعاون اللامركزي الدولي والتعاون والشراكة مع جميع مكونات المجتمع المدني لهذه الغاية ، يعد أساسيا التذكير كون أن وزارة الداخلية عملت على تنظيم الشراكة بين الجماعات وباقي المتدخلين على المستوى المحلي ، وأصدرت دليلا حول الإجراءات والمساطر المتعلقة بالتعاون والشراكة للجماعات المحلية ([42]) .
هذا الدليل وضع للتوجيه العملي للمنتخبين والمهتمين بالشأن العام المحلي تسهيلا لقراءة وفم المقتضيات الخاصة بالشراكة في مختلف المجالات وتبسيطا للإجراءات المسطرية اللازمة اتباعها بهذا الخصوص ، واضح أنه إذا كان إدخال تعديلات جزئية على الميثاق الجماعي لسنة 1976 قد تطلب أزيد من ربع قرن ، فإن سبع سنوات من الممارسة المكثفة 2002-2009 كانت حاسمة لتبني تغييرات جوهرية على هذا الميثاق ، مما فتح بعدا جديدا للعمل والمبادرة التنموية المحلية.
المبحث الثاني
ملاءمة التقسيم الجماعي لتغليب البعد التنموي
إن أية قراءة لتشخيص الوضعية الراهنة للتقسيم الجماعي ، هي في الواقع تثمين لتطور استمر حوالي نصف قرن من الزمن ([43]) إذ انطلقت تجربة التقسيم الترابي في السنوات الأولى للاستقلال بمرسوم 1959-12-2 ([44]) وتطورت التجربة في هذا المجال فيما بعد بمرسوم 1992/06/30 واستمر هذا التطور بمرسوم 1996-05-31 ثم مرسوم 31-12- 1998 الذي وقع تتميمه بمرسوم 25 2003/03/بعد دخول نظام المقاطعات ، المحدث بالميثاق الجماعي لسنة 2002 ، حيز التطبيق ([45])
وكان للمراجعة الجذرية للتقسيم الجماعي لسنة 1992 أثرا كبيرا على الجغرافيا الإدارية للمغرب ، حيث تضاعف عدد الجماعات وانتقل مجموعها من 763 جماعة سنة 1959 ([46]) إلى 1547 جماعة ، وهمت هذه الزيادة بالأساس عدد الجماعات الحضرية الذي تضاعف حوالي 9 مرات ، حيث ارتفع العدد من 28 إلى 249 جماعة حضرية ، في حين تضاعف عدد الجماعات القروية ب 1.7 ولم يعرف هذا الوضع تغييرا جوهريا في التعديلات الموالية للتقسيم الجماعي ([47]).
هذه المراجعات اندرجت في سياق مسايرة التطور الديمغرافي والاقتصادي والسياسي الذي عرفته المملكة خلال السنوات الأخيرة من زيادة في عدد السكان ، وارتفاع نسبة التمدن والعزم على تطوير والارتقاء بآليات العمل الجماعي كواقع مؤسس للامركزية فعلية.
وتؤكد القراءة أن مختلف التعديلات التي عرفها التقسيم الجماعي ببلادنا تتزامن مع إجراء الانتخابات الجماعية ، حيث يقتضي الأمر الضبط الفعلي لقائمة الجماعات الحضرية والقروية ، وتحديد الدوائر والقيادات وفق ما يسفر عنه الإحصاء العام للسكان والسكنى . ذلك أن نتائج الإحصاء العام تكون معطى موضوعي الذي يملي التعديلات المتعاقبة للتقسيم الجماعي ، والتي بشكل أو بآخر تؤدي إلى الرفع من عدد الجماعات وإن كان بشكل غير متساوي .
ويمكن إجمال مختلف تعديلات التقسيم الجماعي في ثلاثة محطات ، ميزت كل منها مرحلة معينة من مراحل تطور مسلسل اللامركزية بالمملكة:
- مرحلة التأسيس للفعل الجماعي وإرساء أسس اللامركزية التي انطلقت لبناتها الأولى سنة 1959 بأول تجربة بهذا الخصوص ،
- مرحلة ترسيخ الفعل الجماعي وتعزيز مكتسبات اللامركزية بالإصلاحات الجوهرية التي عرفتها سنة 1976 ([48])
- مرحلة تطوير الفعل الجماعي والارتقاء باللامركزية ، ما جسدته على أرض الواقع الإصلاحات التي تم الإعلان عنها بمجرد تولي الملك محمد السادس العرش سنة 1999 والتي لازالت مستمرة ([49]).
إن إيجابيات التقسيم الجماعي لاسيما في العشر سنوات الأخيرة تندرج في سياق مسلسل تدعيم اللامركزية كخيار استراتيجي لا رجعة فيه . وهو تقسيم حاول مواكبة مكتسبات الماضي وتثمينها لتعميق الديمقراطية المحلية في أبعادها التنموية والتشاركية للانتقال بالجماعات المحلية من مجرد إدارة للخدمات الإدارية من وثائق وإشهاد عليها، إلى متدخل اقتصادي ، كتعبير عن تصور جديد للتنمية يطرح استفهامات ويحاول الإجابة عنها للارتقاء بالإنسان المغربي في كل ما له علاقة بالحريات والحقوق الفردية والجماعية المحلية ([50]) .
وهذه المقاربة يمكن استخلاصها من المميزات الأساسية التي طبعت التقسيم الجماعي الجديد ، والتي استهدفت:
- توسيع قاعدة اللامركزية الترابية وتعزيزها، حيث أن الجماعات المستحدثة عملت على تأطير السكان المحليين ، الذين ارتفع عددهم بشكل كبير. وتمكن هذا التقسيم من الحفاظ على مستوى التأطير الذي كان معمولا به من قبل بموجب أول تقسيم جماعي للمملكة ، ذلك أن عدد سكان الجماعات انتقل من 15.000 نسمة سنة 1959 إلى 16.800 سنة 1994 ([51]) .
- إنشاء إدارة محلية منتجة قريبة من المواطنين ، تسهر على تدبير شؤونهم وقضاياهم في مختلف المجالات الإدارية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، وتهيئ الظروف الملائمة للإنعاش الاقتصادي بهذه الجماعات ولتنميتها الشاملة ، وتكوين ثم إعادة تأهيل نخب محلية بقواعد اجتماعية عريضة ، وبمستوى ثقافي في تحسين تصاعدي ساهمت إلى حد ما في توسيع المشاركة السياسية للفاعلين المحليين وتحسيسهم بضرورات تأطير السكان .
- الرفع من عدد الجماعات الحضرية حيث جاءت موازية لارتفاع نسبة الحضريين والتي انتقلت في العشرين سنة الأخيرة من 29% إلى حوالي 52% ([52]) .
- تكثيف توزيع التجهيزات الاجتماعية والثقافية والصحية على مجموع التراب الوطني بواسطة توطين عدد كبير منها في مراكز الجماعات المحدثة ، مما أدى إلى ظهور العديد من المراكز القروية التي مهدت لظهور مراكز حضرية صغيرة أو متوسطة ، موزعة بشكل أفضل بين المدن الكبرى ، وإدخال التوازنات على المنظومة الحضرية ([53]) .
وعليه طبقا للتوجهات الملكية ، حظيت مسألة مراجعة التقسيم الجماعي بأهمية خاصة لاسيما في التصريح الحكومي أمام البرلمان ، اعتبارا للشعور العام الذي كان سائدا لدى شرائح عريضة من المنتخبين الجماعيين على اختلاف توجهاتهم السياسية ، والمهتمين بالشأن المحلي ، والباحثين ، والمواطن العادي في مرحلة ميزت تاريخ المملكة بالعديد من السيرورات الانتقالية : ديمقراطية ، سياسية ، مجتمعية ، ديمغرافية واقتصادية . إنه مغرب محطة التساؤلات العميقة القادرة على بلورة المشاريع الكبرى ، وعلى تجديد المشروع المحلي (الديمقراطية المحلية ) وتسريع وتيرة التنمية ([54]) .
ولعل أهم تساؤل آني طرح نفسه بقوة مع بداية الألفية الثالثة ، هو ذلك المتصل بأن التقسيم الإداري لسنة 1994 ([55]) أصبح في أمس الحاجة إلى إصلاح وملاءمة لتعميق مسلسل اللامركزية والارتقاء بها إلى مستوى نوعي أفضل . فالمقاربة الكمية التي كانت المعيار الأساسي فيما مضى ، أصبحت في ذمة التاريخ باستنفاذها لجميع مراحلها، حيث حان الوقت لتبني مقاربة كيفية تستهدف إصلاح وتقويم اختلالات التقسيم الإداري السابق والذي كان مطبوعا بالعديد من السلبيات أهمها:
- لا ينطلق في كل الأحوال من منظور شمولي ومقاربة استراتيجية محددة على المدى المتوسط والبعيد،
- لم تنهج في وضعه بخصوص بعض الجماعات منهجية معينة قائمة وفق أسس ومؤشرات واضحة ومحددة مسبقا، كالخاصيات الجغرافية والسكانية والاقتصادية ، مما أدى إلى عدم مواكبته للواقع الميداني،
إن على المستوى البشري (المجموعات البشرية المتجانسة ) أو على المستوى المادي (المنشآت الاجتماعية والاقتصادية ، التجهيزات الأساسية التضاريس …).
- لا ينسجم في العديد من جوانبه مع التحولات الكبرى التي عرفتها الجماعات المحلية في السنوات الأخيرة ، لاسيما مع المستجدات المتزايدة للمعطيات المجالية، الديمغرافية ، المالية والاجتماعية التي أسرفت عنها نتائج الإحصاء العام للسكنى والسكان سنة 2004 ([56]) .
- صعوبة التمييز بين الجماعات الحضرية والقروية ، وغياب معايير موضوعية لترقي الجماعات القروية إلى مستوى الجماعات الحضرية أو إحداث مراكز داخل مجالها الترابي.
صعوبة إحداث منظومة ترابية بمكونات بشرية ، اجتماعية ، إدارية واقتصادية متناسقة فيما بينها، حيث التفكك بدا واضحا في أغلب المدن الكبرى بسبب تقسيمها في مرحلة أولى إلى عدة جماعات حضرية ثم العمل بنظام وحدة المدينة الذي كان له تأثير نسبي فقط في تعزيز دور الإدارة المحلية كأداة للتنمية وإضفاء الفعالية على عملها في تدبير الشأن الجماعي وفق مقاربة إدارة القرب ” ‘L’administration de proximité’” الهادفة إلى تقديم خدمات عمومية جماعية في بعدها الواقعي والتآزري مع المواطنين ([57]) .
عدم إمكانية رسم الحدود الترابية لبعض الجماعات المحلية والقروية ما أدى إلى التنازع الإيجابي والسلبي في ممارسة الاختصاصات الجماعية في أغلب المجالات أهمها التنازع حول قيمة الضرائب الواجب استخلاصها لكل جماعة ([58]) والجهة المختصة لمنح تراخيص التعمير، وتسليم بعض الوثائق الإدارية والمدنية ، إلخ.
هذه القراءة التي أبانت عن وجود مكامن الخلل والنقائص ([59])، هي التي دفعت بالسلطات العمومية للتدخل لتداركها وفق مقاربة اتسمت بالتعديل الجوهري ، وإعادة النظر الهيكلية للتقسيم الإداري السابق على اعتبار أن نتائجه ضمانة كافية لإنجاح تطور مسلسل اللامركزية ببلادنا.
عملية وضع خريطة جماعية جديدة لا مناص منها، لتوجه بلادنا نحو السير الثابت على طريق النجاح ، إذ تعد من شروط الارتقاء بالعمل الجماعي وتوفير حد معين من الاستقرار في أداء البناء الجماعي.
وعليه ، فالخريطة الجماعية الجديدة ، وفق مضمون قانون ملاءمة التقسيم الجماعي المقدم بمقر وزارة الداخلية ([60]) أصبحت متكونة من 1503 جماعة منها 1282 قروية و 221 حضرية حيث همت إعادة التأهيل 484 جماعة من أصل 1479 منها 365 قروية و 119 حضرية ، وهو توجه أملاه واقع ضرورة تغليب الطابع التنموي على العمل الجماعي لتجاوز النقائض وشكل العالم القروي الانشغال الأساسي والمحوري للسلطات العمومية ببلادنا.
واندرج مشروع ملاءمة التقسيم الجماعي في إطار وفاء الحكومة، وفق التوجهات السياسية لصاحب الجلالة لالتزاماتها الواردة في البرنامج الحكومي، حيث الغاية الأساسية من ملاءمة الإطار الترابي للجماعات إيجاد حلول موضوعية للتطور المتزايد للمعطيات الديمغرافية والمجالية والاجتماعية والاقتصادية ، التي شهدتها المملكة منذ بداية الألفية الثالثة ، وللحد وتقويم نقائص التقسيم المجالي الموجود إلى حدود سنة 2007 في ظل مقاربة مبنية على تثبيت واستقرار الحدود الترابية للجماعات والحفاظ على كيانها وتوازنها ومنحها الزمن الكافي لكسب رهانات تنميتها ([61]) .
ومما يجب التذكير به بهذا الخصوص ، كون وزارة الداخلية كانت قد أصدرت دورية مرفقة بدفتر للتحملات حرصت من خلالها على وضع تصور موضوعي وشمولي لإنجاح مشروع الملاءمة حيث تم التأكيد على السلطات الترابية على ضرورة الاعتماد على مجموعة من المعايير المجالية والاقتصادية والبيئية الخاصة بكل جماعة على حدة ، مع إعطاء الأولوية لمبدأ التشاور والحوار كاطار مواكب لإعداد مشاريع الملاءمة ، ولبلورة المقترحات المتعلقة بها . في السياق ذاته ، حضيت الشكايات والملتمسات المقدمة من قبل الجماعات والتي تجاوزت 70 ملتمسا وشكاية بأهمية خاصة ، ما أدى إلى جعل العالم القروي المحور الأساسي لانشغالات المسؤولين أثناء إعداد مشروع ملاءمة التقسيم الجماعي ، دون إغفال الجماعات الحضرية التي استفادت بدورها من العديد من المقترحات التعديلية، استجابة للانتظارات الجوهرية المتمثلة أساسا في توفير الخدمات الأساسية والتأطير الإداري للسكان والتحكم في التطور العمراني بضواحي المدن ([62]).
إن عملية الملاءمة، وفق هذا التوجه ، شكلت مجهودا استثنائيا حرصت السلطات العمومية ببلادنا من خلاله على إيجاد الحلول للإشكالات المستعصية الناتجة عن غموض الحدود بين الجماعات. فتحقيق التنمية، وتجسيد سياسة القرب والعمل على تدارك الاختلالات وانعدام التوازن بين الجهات، غايات لا يمكن تحقيقها إلا بتعزيز مسلسل اللامركزية وعدم التركيز. وهي معطيات أدت إلى إحداث المراكز المحددة داخل الجماعات القروية بكيفية موازية مع عملية ملاءمة التقسيم الجماعي ، وذلك في سبيل تنمية وتأهيل العالم القروي . وتجدر الإشارة بهذا الخصوص أنه بالإضافة إلى المراكز المحددة البالغ عددها حاليا 108 مركزا، يوجد 465 مشروعا في طور المصادقة. وتم اعتماد مخطط خماسي 2008-2012 لتعزيز شبكة التاطير الترابي، الذي اعتنى في المرحة الأولى بآليات تحديد معايير مرجعية للتقطيع الترابي ترتكز في الوسط الحضري على إحداث ملحقة إدارية لكل 28 الف نسمة كمعدل، وفي المجال القروي قيادة ، لكل 22 الف نسمة بناءا على أجندة همت في مرحلة أولى التشاور والتنسيق مع مختلف عمالات وأقاليم المملكة ، ثم التعبير عن الحاجيات وإعداد المخطط لتعزيز شبكة التأطير الترابي في مرحلة ثانية، حيث تم خلق ما يناهز 472 وحدة إدارية جديدة بشكل متوازن بين العالمين الحضري والقروي، كإجراء عملي مواكب للتأطير الإداري للتقسيم الترابي الجديد، بهدف تدعيم الحكامة الجيدة على مستوى الحواضر التي أصبحت تعرف نموا وتطورا عمرانيا مستمرا، ولفك العزلة على الجهات التي تعاني من ضعف في البنيات الأساسية ومن واقع البعد الجغرافي ، وصعوبة التضاريس ، حيث من المرتقب إحداث 80 وحدة إدارية جديدة في أفق سنة 2009.
ويعد أساسيا التذكير في هذا المجال ، أن اعتماد خريطة جماعية جديدة التي جاءت نتيجة مشروع ملاءمة التقسيم الجماعي، تعتبر بمثابة تصور شمولي لما يجب أن تسير وفقه المملكة المغربية بعد أكثر من نصف قرن من الممارسة الجماعية، حيث عرفت بلادنا أول تقسيم جماعي سنة 1959 هم 28 جماعة حضرية و 735 جماعة قروية ، ثم المراجعة الجدرية للتقسيم الجماعي سنة 1992 شملت 249 جماعة حضرية و 1298 جماعة قروية ، ثم اعتماد نظام وحدة المدينة سنة 2003. إن الإيجابيات الأساسية للتقسيم الجماعي الجديد 2008 تمثلت في ضرورة الحد من شساعة بعض الجماعات لتقريب الخدمات من المواطنين تجسيدا لإدارة تعتمد سياسة القرب ، وتوسيع التأطير والمشاركة السياسية ([63]) . وهي رؤية إذا كانت مهمة ، فلتفعيلها يجب بكيفية موازية إيجاد حلول عملية لإشكالية التفاوت في توزيع الإمكانيات المادية والبشرية واللوجيستيكية، وافتقار عدة جماعات للبنيات والتجهيزات الأساسية ([64]) . حيث الحصيلة المقترحة تضمنت تعديل المجال الترابي ل119 جماعة حضرية ، وتقليص المجال الحضري الذي هم ثماني عمليات، والضم الجزئي داخل نفس الإقليم الذي هم 135 عملية ، اقتطاع لفائدة إقليم مجاور هم 25 عملية ، واقتطاع لفائدة نفس الإقليم أو العمالة شمل 281 عملية . وإحداث جماعات جديدة ، هم 14 جماعة قروية وجماعتين حضريتين و 10 عمليات لإدماج جماعات فيما بينها، و 20 عملية لترقية جماعات قروية إلى جماعات حضرية، وحذف 10 جماعات قروية منها 5 جماعات في إطار الدمج ، كما تم تصحيح الحدود ما بين 75 جماعة منها 24 جماعة حضرية و 51 جماعة قروية ، واقتصرت هذه العملية على مجالات ترابية خالية من السكان ([65]) .
وتعد خطب صاحب الجلالة منذ اعتلائه العرش سنة 1999 والتزام الحكومات المتعاقبة بجعل التقسيم الجماعي ضمن أولوياتها، وانتظارات الفاعلين السياسيين والاقتصاديين وهيئات المجتمع المدني ، وقرب الاستحقاقات الجماعية لـ 12 يونيو 2009، السند الحقيقي للخريطة الجماعية الجديدة لترسيخ أسس فعلية غير مسبوقة للديمقراطية المحلية وتفادي نقائص التقسيم الترابي الحالي ، والمحافظة على التجانس المجالي والاجتماعي للوحدات المحلية. ما سيمكن جماعات المستقبل لتحظى بإطار قانوني ومؤسساتي ملائم لتزاول كامل اختصاصاتها كفاعل مسؤول عن التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
المبحث الثالث
ترسيخ المفهوم الجديد للسلطة كمقاربة نوعية لتفعيل العمل الجماعي
شكل المفهوم الجديد للسلطة الذي أعلنه الملك محمد السادس في الخطاب السامي الذي القاه بتاريخ 1999 أمام ممثلي الجهات والولايات والعمالات والأقاليم للمملكة خطوة غير مسبوقة نحو إنشاء مجموعات ترابية منسجمة ومندمجة لما أكد أن : ” مسؤولية السلطة في مختلف مجالاتها هي أن تقوم على حفظ الحريات وصيانة الحقوق وأداء الواجبات وإتاحة الظروف اللازمة لذلك … ونريد في هذه المناسبة أن نعرض لمفهوم جديد للسلطة وما يرتبط بها مبني على رعاية المصالح العمومية والشؤون المحلية والحريات الفردية والجماعية وعلى السهر على الأمن والاستقرار وتدبير الشأن المحلي والمحافظة على السلم الاجتماعي ، وهي مسؤولية لا يمكن النهوض بها داخل المكاتب الإدارية ، التي يجب أن تكون مفتوحة في وجه المواطنين ولكن تتطلب احتكاكا مباشرا بهم وملامسة ميدانية لمشاكلهم في عين المكان وإشراكهم في إيجاد الحلول المناسبة والملائمة ” ([66]).
المفهوم الجديد للسلطة أسس لثقافة جديدة لجميع المتدخلين على المستوى المحلي لاسيما ضرورة الأخذ بعين الاعتبار حقوق الجماعات المحلية من خلال التجسيد الفعلي لمبدأ المساواة في المعاملة بين الحقوق والحريات الفردية والجماعية([67]) في كل تدبير للشأن الجماعي.
فاحترام الحريات المحلية من الأسس الرائدة التي تستند عليها المقاربة الجديدة لمفهوم السلطة ، وهذه رؤية متميزة في سجل تطور مسلسل اللامركزية ببلادنا.
هذه الخصوصية تجد سندها في مرجعيتين إحداهما سياسية وأخرى إدارية.
السياسية، مستمدة من مقتضيات الفصل 19 من دستور المملكة الذي يعتبر صاحب الجلالة في الوقت ذاته ضامنا لحقوق وحريات المواطنين وحريات الجماعات والهيئات . وفي السياق ذاته فمقتضيات دساتير المملكة الخمسة أعطت أهمية متميزة للديمقراطية المحلية من حيث التأسيس للتدبير الديمقراطي والاستقلال الإداري والمالي محليا ([68]) .
الإدارية ، مؤسسة على المقتضيات التشريعية والتنظيمة المنظمة لللامركزية ببلادنا منذ السنوات الأولى للاستقلال ، والتي جعلت من الجماعات المحلية أشخاصا للقانون العام ، مع ما يترتب عن ذلك من آثار قانونية كالشخصية المعنوية ، والذمة المالية المستقلة ، وأهلية التقاضي ، إلخ . ما ينتج عنه انفرادها بنفس الضمانات التي تتمتع بها باقي المؤسسات السياسية والدستورية.
وعرفت المملكة طيلة سنة 2008 فتح أوراش تعديل الميثاق الجماعي ، القانون 78.00 الصادر سنة 2002، نتيجة نقاشات ومشاورات ([69]) بين مختلف مكونات المجتمع المغربي المعنية بالشأن الجماعي المحلي، وهي مبادرة تصب في اتجاه تثمين الإصلاحات الهادفة إلى تطوير نظام اللامركزية الترابية، وترسيخ أكثر من أي وقت مضى لقيم ومبادئ الديمقراطية المحلية ، تجسيدا لديمقراطية القرب Démocratie de proximité حيث الغاية الأساسية إرساء مقاربة جديدة تماشيا مع المفهوم الجديد للسلطة من خلال إرساء مرتكزات الديمقراطية المحلية باعتبارها من مستلزمات كل إقلاع اجتماعي واقتصادي .
فدمقرطة التدبير الجماعي ، وفق هذا المنظور لا يمكن أن يتحقق إلا بتوفير شروط التنمية المحلية المندمجة والمستدامة ، وفق مقتضيات المادة 36 من الميثاق الجماعي التي تؤكد مسؤولية الجماعات المحلية عن ” التنمية الاقتصادية الاجتماعية والثقافية للجماعة أبعادها الشاملة …”
بمعنى آخر، أنه في هذا المجال ، الإصلاحات الجديدة اندرجت في إطار واقع سياسة الغاية منها مواكبة الجماعات للوظائف الجديدة التي يجب أن تلعب فيها دورا رياديا كإنعاش التنمية وخلق الثروات وإحداث مناصب الشغل وتهيئة التراب وتعزيز قدراتها على احتواء بوادر الأزمات والتدخل في القطاعات الاقتصادية والاجتماعية باعتبارها مصدرا للحقوق الاقتصادية والاجتماعية على المستوى المحلي.
المفهوم الجديد للسلطة جاء لتأهيل الجماعات المحلية ، حيث الجماعة أصبح ينظر إليها باعتبارها مقاولة ، لاسيما وأن أغلب الجماعات المحلية في ظل ميثاقي ,1959 1976قد أخفقت في تحقيق التنمية والديمقراطية المحلية . كما أن الاستقلال المالي كما تم تكريسه ([70]) انطلاقا من دخول القانون 78.00 حيز النفاذ أدى إلى تحفيز الجماعات المحلية على التدخل الإيجابي في المشاريع الاقتصادية ، والتدبير ، وإنعاش مالية الجماعات المحلية ([71]) ومن خلالها الاقتصاد العمومي المحلي . ما نتج عنه الحد من الاختلالات الجغرافية والفوارق الاقتصادية والاجتماعية ومعالجة التنافر المجالي بين الجماعات الحضرية والقروية ([72]) .
إن الترسيخ الفعلي للمفهوم الجديد للسلطة مسألة غير واردة ما لم يتم التخفيف من الوصايتين الإدارية والمالية ، ذلك أن الوصاية تعد ألية أساسية وموازية للتنظيم اللامركزي للجماعات . فدرجة الوصاية والميادين التي تشملها، تحدد إيجابا وسلبا ومدى وواقع المفهوم الجديد للسلطة . فمنح الوحدات الترابية الجماعية صلاحيات واسعة في مختلف مجالات تدخلها مع إخضاعها لوصاية نسبية من شأنه تحقيق لامركزية فعلية ([73])، حيث جاء القانون 78.00 ببعض المستجدات الهامة على مستويين أحدها شكلي والآخر موضوعي.
منحيث الشكل
المنظومة القانونية الجديدة أفردت بابا كاملا تحت عنوان الوصاية على الأعمال وهو الباب vi ، فيما تم إدراج مجالات أخرى والتي همت أساس الوصاية على الأشخاص في المواد 26-21-20 و 34 . وكان الهدف الرئيسي السهر على احترام المجلس الجماعي وجهازه التنفيذي لآليات المشروعية ، لضمان الصالح العام ، وتأمين دعم ومساعدة الإدارة . وهي وصاية اعتنت بالمشروعية في الجوانب الخاصة بالبطلان والقابلية للبطلان .
من حيث الموضوع
- تبني معيار عدد سكان الجماعة لتحديد الجهة التي تضطلع بصلاحيات الوصاية ، فالجماعات الحضرية التي يفوق عدد سكانها 500 الف نسمة ، فإن سلطة الوصاية هو وزير الداخلية ، فيما الجماعات الأخرى دون هذا العدد الوصاية يمارسها الوالي أو العامل.
- تعميم تعليل قرارات سلطة الوصاية لاسيما : إذا ثبتت مسؤولية مستشار عن ارتكاب أفعال أو أخطاء جسيمة ، وبعد تمتيعه بحق الدفاع عن نفسه بخصوص الأعمال المنسوبة إليه ، إذ يمكن توقيفه لمدة لا تتجاوز شهرا واحدا بقرار معلل لوزير الداخلية أو عزله بمرسوم معلل أيضا، ويتم نشرهما في الجريدة الرسمية.
- توضيح بدقة الأسباب الداعية إلى حل المجلس ، بسبب تهديد مصالح الجماعة اعتبارا لخلافات مستمرة تمس بحسن سير المجلس . ويكون الحل بمرسوم معلل منشور في الجريدة الرسمية.
- عزل رؤساء المجالس الجماعية ومساعديهم بناءا على مرسوم معلل ينشر في الجريدة الرسمية.
- التعليل يلزم أيضا المجلس ، حيث أنه في فرضية رفض الحساب الإداري ، فإنه قرار الرفض ينبغي أن يكون معللا وأن يشار صراحة في محضر المداولات إلى أسباب الرفض . كما أنه في حالة رفض رئيس المجلس أو امتناعه عن القيام بالأعمال الواجبة عليه بمقتضى القانون ، يجوز للسلطة المحلية المختصة الحلول محله تلقائيا، بقرار يحدد بدقة موضوع هذه الحلول ([74]) .
- تقليص آجال المصادقة وفق تصور حدد الآجال في 45 يوما بالنسبة لوزير الداخلية ، و 30 يوما بالنسبة للعامل تحتسب من تاريخ التوصل بالقرار . كما أن آجال الإعلان عن البطلان أصبح يتم احتسابها شهرين من تاريخ التوصل بالقرار، ويتم ذلك بقرار معلل.
- تدخل السلطات القضائية إذا تمسك المجلس برفضه التصويت على الحساب الإداري ، بعد طلب دراسة جديدة . في هذه الفرضية تحيل سلطة الوصاية الحساب موضوع النزاع على المجلس الجهوي للحسابات الذي يبث في النازلة داخل أجل شهرين.
فالمفهوم الجديد للسلطة مبني على تشييد الدولة الديمقراطية الحديثة وفق مجهود لا يجب أن يستنتج منه استقلال المركز عن المحيط ، فالوصاية لا تعني الاستقلال (L’indépendance) بقدر ما تعني الرقابة البناءة والهادفة والموجهة ، خصوصا أن أي تصور من شأنه تحسين ورفع آداء الجماعات والاستجابة لحاجيات المواطنين يرتكز على مبدأ التكامل أو التفريع (Le principe de subsidiarité) . الجهة والإقليم لا يقومان إلا بما لا يمكن للجماعة القيام به ، والدولة لا تزاول إلا ما استعصى من المهام على الجماعات المحلية وما ينسجم مع مهامها حصريا، بناءا على عجز، نقص أو تخلف الجماعات المحلية أو باقي المتدخلين الاقتصاديين والاجتماعيين . فالمنظور الجديد للتنمية حيث الغاية إشراك وتوسيع دور الجماعات المحلية وفق ما جاء في المخطط الخماسي ، هو الذي دفع بالحكومة في اتجاه تحضير إطار قانوني جديد سمي بميثاق عدم التركيز الإداري في سنة 1999 حاول من خلالها المسؤولين الإحاطة بكافة جوانب عدم التركيز ([75]) .
كما استعمل المرسوم لأول مرة مصطلح “المصالح غير الممركزة ” عوض المصالح الخارجية . وتأتي أهمية هذا المرسوم في اعتماده مبدأ عدم التركيز كقاعدة عامة ملحا على ضرورة الأخذ بمبدأ الثانوية (Le principe de subsidiarité) عند توزيع الاختصاصات بين الإدارات المركزية والمصالح الغير ممركزة ، وهي مقاربة مأخوذة عن القانون الفرنسي ، والذي يقضي بأن تزاول الإدارات المركزية فقط المهام ذات الطابع الوطني والتي لا يمكن بموجب قانون تفويض ممارستها من طرف المصالح الغير ممركزة (المادة الخامسة من المرسوم )، ولإعطاء بعد عملي لسياسة اللاتركيز الإداري، ذهبت المادة السادسة من المرسوم إلى تأكيد ضرورة مشاركة المصالح الغير ممركزة في دعم مشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للجماعات المحلية والمؤسسات العامة المحلية . مما يجعل من هذا المقتضى آلية جوهرية ، جعلت من عدم التركيز أسلوبا مواكبا لإنجاح اللامركزية الإدارية ببلادنا.
فالمفهوم الجديد للسلطة المرتبط بالحماية الفعلية للشأن العام المحلي ، اقتضى إصلاحات شمولية كما حددها الخطاب الرسمي ([76]) تفاديا لكافة الإشكالات المعرقلة للنشاط التنموي للجماعات المحلية، كالتضارب في مراكز القرار، غياب التدبير العقلاني ، محدودية الموارد المالية والبشرية أو ضعف حجم الشراكة ، انعدام سياسة التخطيط ، بطء الإجراءات المواكبة لتحفيز سياسة عدم التركيز، إلخ . اعتبارا لكون اللاتركيز يساعد الجماعات المحلية على الاستفادة من الإمكانيات المختلفة الموضوعة رهن تصرف السلطات الإدارية المحلية الممثلة للإدارة المركزية ([77]). ذلك أن أسس المفهوم الجديد للسلطة يقاس بمدى التطابق بين صيرورة العمل الإداري من خلاله تحقيقه للتنمية الاقتصادية والاجتماعية مع آمال ومتطلبات المواطنين ، فالسلطة المحلية ممثلة كانت أم معينة يجب أن تكون في خدمة المواطن.
إن تحقيق التنمية الشاملة لا يمكن أن يجسد واقعيا إلا بنهج سياسة إدارية مبنية على مشاركة جميع الفاعلين السياسيين والاقتصاديين والاجتماعيين ، وهو واقع عكسته الرسالة الملكية السامية الموجهة للوزير الأول في موضوع التدبير اللامتمركز للاستثمار بتاريخ 9 يناير 2002 كإجراء له أهمية خاصة للارتقاء بالمجال الاقتصادي ، من خلال الدفع بالعمل الحكومي نحو خلق مراكز جهوية للاستثمار تتعهد تحت سلطة ممثلي الإدارة المركزية على الصعيد الجهوي بمساعدة المقاولات المحدثة ، وبذل الجهود لتوفير الشروط المناسبة لخلق مقاولات جديدة . وتفعيلا لهذه المقتضيات صدرت عدة نصوص تنظيمية فوضت بمقتضاها سلطات مهمة للولاة ([78]) من أجل اتخاذ القرارات على المستوى المحلي والجهوي دون الرجوع إلى السلطة المركزية.
فقضايا المواطن يجب معالجتها في عين المكان دون الرجوع إلى المركز تأكيدا لعلاقات أكثر إنسانية ومباشرة ومستمرة مع مستهلكي الخدمات الإدارية ، وكذا الوصول إلى تنظيمات ومرافق أقل تعقيدا أو أكثر جرءة على اتخاذ القرار الإداري بحثا عن الفعالية ، السرعة والمردودية . فالإدارة المحلية لا تمثل هدفا في حد ذاته ، والمجال الإداري الترابي المحلي هو إطار لتطبيق الأعمال والبرامج التي تم تبنيها محليا والمكان المناسب لبلورتها. وعليه ، فالتعديلات التي همت الإطار القانوني بموجب القانون 17.08 جاءت منسجمة مع المفهوم الجديد للسلطة لما نتج عنها:
تقوية آليات الحكامة المحلية ، حيث تم:
- الرفع من السقف الأدنى إلى 6% من الأصوات المعبر عنها، واعتماد طريقة جديدة لعملية انتخاب الرئيس وحصر المنافسة على وكلاء اللوائح في الجماعات التي يفوق عدد سكانها 35.000 نسمة.
- تأطير تفويض السلط الخاصة بالرئيس ، حيث منع التفويض المزدوج لنفس القطاع إلى أكثر من منتخب ، وجعل صلاحية التفويض في الشؤون الإدارية للكاتب العام للجماعة دون غيره .
- دعم وحدة المدينة عن طريق توضيح اختصاصات رؤساء المقاطعات ، وتدقيق طرق التمويل وإحداث ندوة الرؤساء (كفضاء للنقاش وإبداء الرأي في شؤون المقاطعات ).
تحسين آليات تدبير المرافق العامة بالتجمعات الحضرية الكبرى بواسطة و سائل أهمها:
- مجموعة التجمعات الحضرية كإطار لاستعمال الوسائل المشتركة ، والبحث عن حلول للإشكالات المشتركة بين الجماعات التي يتجاوز عدد سكانها 200 الف نسمة.
- شركات التنمية المحلية كإطار فعال للتدخل لتعبئة الموارد المالية ، وتجسيد الشراكة بين القطاعين العام والخاص .
إعادة صياغة القانون المتعلق بالمالية و الجبايات المحلية ، حيث تمت وفقه:
- مراجعة مبدأ الوصاية المزدوجة وإلغاء المصادقة القبلية على بعض القرارات ، ومنح الجماعات إمكانية اللجوء إلى برمجة متعددة السنوات لاستثمارها على أساس الفائض التوقعي.
- تقليص عدد الضرائب والرسوم انسجاما مع النظام الضريبي للدولة ومع سياق اللامركزية.
المبحث الرابع
مراجعة النظام الأساسي لرجال السلطة كخيار استراتيجي لملاءمة التدبير العمومي مع ضرورات التنمية ([79])
إن تحقيق تكامل في أدوار الدولة وجماعاتها المحلية تطلب إيجاد حلول منطقية وموضوعية للإشكالية المتعلقة بتحديد الاختصاصات وتوزيعها بشكل دقيق ، والتعديلات التي أدخلت على الميثاق الجماعي .78.00 بموجب القانون 17.08 سنة 2008 كان الهدف منها التأطير المباشر للاختصاصات المختلفة التي يزاولها رجال السلطة (العمال أساسا) على المستوى المحلي استنادا إلى تفويض من وزير الداخلية . وعليه، فالتشريعات الجديدة الخاصة بالجماعات المحلية أتت وفقه لتحديد الأدوار وتوزيع الاختصاصات بين ممثلي الدولة على المستوى المحلي والجماعات المحلية ([80]) بحثا عن توجيه جهود التنمية ، التي تقوم بها الدولة وجماعاتها نحو التكامل والانسجام والتعاون والتناسق . ويندرج الظهير الجديد الخاص بالنظام الأساسي لرجال السلطة والمتصرفين ([81]) بوزارة الداخلية في سياق تحديث وإعادة هيكلة الإدارة الترابية تثمينا للموارد البشرية لقطاع الداخلية ،حيث منح هذا القانون إطارا ملائما لتدبير محفز للعنصر البشري ، وتعزيزا لمسلسل اللاتمركز كخيار استراتيجي بالنسبة للمملكة ، فالعمال والولاة هم أكثر من جسد على أرض الواقع الإشراف على التدبير الجماعي للتنمية المحلية الممكن تأسيسها على واقع الاستثمارات ورخص التعمير والتشغيل والتجهيز، وتعتبر اللجان التقنية الإطار القانوني أو منهجية عمل رجال السلطة . هؤلاء لا يملكون فقط رقابة وتتبع أعمال المنتخبين بحكم سلطة الوصاية المستمدة من القانون ، كما أن جدول أعمال المجلس لا يوضع إلا بعد تبليغ ممثل السلطة الإدارية ، ولهؤلاء الاعتراض على إدراج أي نقطة نقاش غير واردة في جدول الأعمال . فسلطة الوصاية أساسية وضرورة لتوجيه المنتخبين وتنبيههم بأولويات التنمية المحلية اقتصاديا واجتماعيا . وفق مقتضيات الميثاق الجماعي التي تؤكد : ” إن صلاحيات الوصاية المخولة للسلطة الإدارية بمقتضى هذا القانون تهدف إلى السهر على تطبيق المجلس الجماعي وجهازه التنفيذي للقوانين والأنظمة الجاري بها العمل ، وكذا ضمان حماية الصالح العام وتأمين ومساعدة الإدارة ” . وفق هذا التوجه عمل صاحب الجلالة محمد السادس لما دشن العهد الجديد من خلال الدعوة إلى مفهوم جديد للسلطة في أكتوبر 1998 بالتخلي عن بعض العمال والولاة المحسوبين على الإدارة السابقة ، حيث تم تدعيم هذا الواقع الجديد بحركية في صفوف رجال السلطة ([82])ما أكده السيد وزير الداخلية لما صرح للقناة الأولى أن حلقات الإصلاح سائرة وهي ذات طبيعة عملية تدريجية دائبة.
وخصص الدستور المغربي للعمال فصلين ، أكد من خلالهما على الأدوار الرئيسية التي يقومون بها داخل المجال الترابي الذي يزاولون فيه سلطاتهم كممثلين للدولة . حيث حدد الفصل 101 من الدستور أن مهام العمال تتمثل في تنفيذ قرارات مجالس العمالات والأقاليم والجهات . فيما نص الفصل 102 أن العمال يمثلون الدولة في العمالات والأقاليم والجهات ويسهرون على تنفيذ القوانين وهم مسؤولون لهذه الغاية عن تدبير المصالح المحلية التابعة للإدارة المركزية.
وعلاقة بمراجعة النظام الأساسي لرجال السلطة كخيار استراتيجي لمواكبة ملائمة التدبير العمومي مع ضرورات التنمية المحلية ، من اللازم التذكير أن صلاحيات الولاة ([83]) والعمال عرفت توسعا كبيرا منذ إعلان جلالة الملك محمد السادس عن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية في خطاب 18 ماي 2005، حيث وضعت رهن تصرفهم ميزانيات وموارد مالية وبشرية مهمة تقدر ب 10 ملايير درهم في الفترة الممتدة بين 2006و 2010 . والولاة على الرغم من عدم التنصيص عليهم في الدستور المغربي ، إلا أنهم موظفون سامون يمثلون الدولة ومعينون بظهير، ويعتبرون وفق مقتضيات ظهير 1977 ([84]) ممثلي صاحب الجلالة . وتبعا للرسالة الملكية المؤرخة ب 9 يناير 2002 ونصوصها التطبيقية ، فإن الوالي يمثل الحكومة ، وكل وزارة من الوزارات ، كما يتقلد انسجاما مع مقتضيات ظهير 1963 الوظيفة التنفيذية للمجلس الإقليمي والمجلس الجهوي ([85])، ويزاول بتفويض من وزير الداخلية الوصاية على الجماعات المحلية ، تنسيق أنشطة المصالح الخارجية التي يسيرها تبعا للسلط التي تم تفويضها للولاة منذ إصدار النصوص التطبيقية في هذا الاتجاه بتاريخ 5 مارس 2002 حيث يمكن للوالي تفويضها بدوره إلى العمال .
وبموجب الرسالة الملكية السالفة الذكر، فقد أصبح الولاة يتوفرون على اختصاصات تهم إنعاش الاستثمارات واختصاص التنسيق والإشراف على الإدارة الترابية الغير ممركزة ([86]) . حيث أصبحوا يقومون مقام الوزراء في إطار عملية تفويض السلطة بالترخيص لبيع عقارات في ملك الدولة الخاص قصد إنجاز مشاريع استثمارية ، وإصدار تصنيف المؤسسات السياحية ، واتخاذ القرارات الضرورية في حدودهم الترابية لإنجاز مشاريع الاستثمار في قطاع المعادن والترخيص بكراء عقارات في ملك الدولة الخاص . كما يمكنهم الأمر باتخاذ ضمن اختصاصات وزير التجهيز القرارات اللازمة لإنجاز مشاريع الاستثمار، ومنح رخص استغلال أماكن بيع المشروبات من الصنفين الأول والثاني إلى المؤسسات السياحية.
والولاة باعتبارهم يمارسون سلطة الوصاية على الجماعات المحلية ، فإنهم مؤهلون للقيام مقام وزير الداخلية فيما يخص المصادقة على مداولات المجالس الجماعية المتعلقة باقتناء وتفويت ومعاوضة العقارات التابعة للملك البلدي الخاص ، وبتدبير الملك العمومي البلدي عندما يساوي مبلغ الاقتناء أو التفويت أو المعارضة 2.500.000 درهم أو يقل عنه ، وكيفما كان مبلغ العمليات المذكورة كلما كانت ضرورية لإنجاز استثمارات يقل مبلغها عن 200 مليون درهم في قطاعات الصناعة والتصنيع الفلاحي والمعادن والسياحة والصناعة التقليدية والسكن الواقعة داخل نفوذهم الترابي ، إلى جانب المصادقة على مداولات مجلس الجهة ومجلس العمالة أو الإقليم الخاص باقتناء ومعاوضة وتفويت عقارات الملك الخاص التابع للجهات والعمالات والأقاليم وكذا بتدبير الملك العمومي التابع لها.
إن دخول القانون الجديد الخاص برجال السلطة حيز النفاذ بشكل متزامن مع تعديل الميثاق الجماعي لسنة 2002 ، الغاية منه تحديد صلاحية ومهام رجال السلطة في علاقتهم بالمستشارين الجماعيين ، لوضع حد لتداخل المهام والاختصاصات في تدبير الشأن المحلي حيث عدم الوضوح غالبا ما يكون سببا رئيسيا في الصراعات بين الولاة والعمال ورؤساء المجالس الجماعية ، وبالتالي تعطيل المصالح المحلية لاسيما في جوانبها التنموية . القانون الجديد بمنحه رجال السلطة الإمكانات المادية والقانونية في مجال الحفاظ على المال العام والأمن والتنسيق لممارسة سياسة القرب ، خصوصا في ظل الحركية التي تعرفها المدن من حيث التأهيل ، إنما يحاول تكريس المفهوم الجديد للتدبير الترابي التي تمر بالدرجة الأولى انطلاقا من مقاربة محددة لصلاحيات رجال السلطة وضبط العلاقة بينهم وبين المنتخبين لاسيما في المدن الكبرى ، علاقة بالرقابة القبلية والبعدية التي كانت تحد من اختصاصات المنتخبين مقابل منح مهام أوسع للولاة والعمال . وهو نفس التوجه الذي أكده الملك محمد السادس يوم الخميس 6 نونبر 2008، في الخطاب الموجه للأمة بمناسبة الذكرى الثالثة والثلاثين للمسيرة الخضراء، بالإعلان عن مشروع جديد وضخم يهم التدبير الترابي للمملكة ، وينطلق هذا المشروع من مراجعة المفهوم الحالي للتدبير الترابي المتسم من جهة بالمركزية المتشددة أحيانا لسلطة اتخاذ القرار، سمته لامركزية وعدم تمركز غير متجانسين . ومن جهة أخرى تدبير غير ناجع وغير فعال لسلطة تسيير المجال الترابي والذي من أهم سماته : بعد التقسيمات الترابية من المواطن وخصائص التنمية الجهوية المندمجة ، مما يطرح من جديد تفعيل الحكامة الترابية الجيدة عبر تقريب أكثر وتوزيع أفضل للوحدات المتوسطة (العمالات والأقاليم بالخصوص) من المواطن مع ضرورة مراجعة الدور المحوري للعمال والولاة على أساس معايير جديدة قائمة على النجاعة في المراقبة والتوجيه والتنسيق. وجلالة الملك ، بتأكيده أن أهمية وحجم القضايا المطروحة تقتضي اعتماد منهجية متجددة قوامها الديمقراطية والتشاركية في الإعداد، إنما يذكر بدور رجال السلطة من خلال النظام الأساسي المراجع في 31 يوليوز 2008 كخيار وألية استراتيجية لملائمة وتفعيل التدبير العمومي مع ضرورات كل تنمية محلية مندمجة . فأي سياسة ترابية لا يمكن أن تكون مكتملة وحقيقية ما لم تكن محينة بشكل يسمح باتخاذ القرارات ذات المدى المحلي بالسرعة والفعالية المطلوبين ، حيث يجب تجاوز العجز غير المبرر في العديد من الفرضيات للمصالح الخارجية المنتشرة عبر التراب الوطني سواء على مستوى الموارد البشرية أو المالية أو الاختصاصات القانونية أو على مستوى التأطير الإداري للتراب والمواطنين . فتعقد وتداخل المجالات والمشاكل يتطلب تنسيقا مسؤولا من خلال خلق أقطاب للقرار المناسب مع كل إشكالية ([87]) . القانون الجديد لرجال السلطة أصبح بذلك ملائما ومواكبا للتعديلات التي أدخلت على الميثاق الجماعي الجديد، وحتى يصبح عمل رجل السلطة مكملا لعمل المنتخب ، وفق معادلة تجعل من رجال السلطة والمنتخبين الشريكين الأساسيين في كل ارتقاء بأداء الجماعات المحلية.
خاتمة
إن المعطيات التي أسلفنا عرضها، تختزل جملة من العناصر الدالة على اتجاهات تطور مسلسل اللامركزية الإدارية ببلادنا من خلال تتبع العمل الجماعي في العشر سنوات الأخيرة ، وبأن المميزات التي طبعت تجربة الديمقراطية المحلية بالمملكة يمكن مقاربتها في أحوال كثيرة بنظيرتها في دول العالم المتقدمة (النموذج الفرسي مثلا)، ولكن بالقدر والمدى الذي تنفرد فيه بخاصيات ومقومات محلية.
وبرأينا فإن تجربة تطوير مسلسل اللامركزية الإدارية – الجماعات المحلية نموذجا – التي لم تتجاوز عقدها الأول ، يمكن أن نستخلص منها جملة من النتائج ذات مغزى على المدى المتوسط والبعيد:
- أهمية البعد المؤسساتي في تدبير قضايا المجتمع على المستوى المحلي ، وقد أكدت إصلاحات الإدارة الترابية ، أهمية البعد التوافقي في مسارات إصلاح وتغيير أسس الديمقراطية المحلية.
- أن المركز والمحيط يعتبران شريكان استراتيجيان في بناء أية تنمية مستدامة : فبالرغم من اختلافهما في الوظائف ، إلا أنهما يتوحدان في الهدف ألا وهو اعتبار الإنسان محور أي بعد تنموي .
- إن قضايا إعادة تأهيل المنظومة الترابية المحلية ، من خلال الجماعات المحلية ، تكتسي أبعادا مركبة وشمولية سواء تم النظر إليها من زاوية جهوية وطنية أو دولية أو تمت مقاربتها من مدخل قطاعي متخصص أو مدخل مركب ومتعدد.
ما من شك أن المغرب لا يملك ثروات مهمة كالبترول والغاز، ولكنه بنى لنفسه تجربة ديمقراطية فتية حظي من خلالها بتقدير واحترام المنظومة الدولية ، وهي تجربة بناها لأبنائه وللأجيال القادمة في إطار التفاعل الهادف لإرساء الدولة الديمقراطية الآمنة لحقوق المواطنين ما سيمكن المملكة ، أن تسلك ، بكل ثقة وثبات ، السبيل الواعد لتنمية أفضل في كافة المجالات بالنظر إلى التطورات البارزة التي عرفتها كل حلقات سيرورة الديمقراطية المحلية انطلاقا من سنة 2000.
[1]Cf. Driss Basri, La décentralisation au Maroc, de la commune à la région, éd. Nathan, Collection construction d’un état moderne, Paris, 1994.
[2]شكل الخطاب الملكي لــــ 18 ماي 2005 حيث تم تبني المبادرة الوطنية للتنمية البشرية إعلانا بمحدودية نتائج البرامج التي كانت قيد التنفيذ وتأكيدا لعدم رضا الملك عن الأوضاع الاجتماعية التي طالما نبه إليها منذ السنوات الأولى لتوليه العرش في خطبه المختلفة.
[3] Cf., Abdallah Hasri, Bilan de la décentralisation communale, in Actes de la journée d’étude organisée par la préfecture de Salé- Médina et rAssociation marocaine de sciences administratives, le 21 juillet 2001, publications de la REMALD, Série “Thèmes actuels”, n° 32, 2001, p. 21 et s.
[4]المصطفى دليل ، ” من أجل إدارة جماعية فاعلة ” ، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية ، عدد 9، 1994 ، ص 9 وما بعدها.
[5]القانون رقم 78.00 المتعلق بالميثاق الجماعي الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.02.297 بتاريخ 3 أكتوبر 2002 ، الجريدة الرسمية عدد 5058 بتاريخ 21 نونبر 2002 ، ص . 3468 .
[6]أنظر القانون رقم 47.96 المتعلق بتنظيم الجهات الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.79.84 بتاريخ 2 أبريل 1997.
[7]أكد وزير الداخلية في إطار المناقشة العامة حول مشروع القانون المتعلق بالميثاق الجماعي أمام السادة النواب أن المشروع ليس وليد إنتاج تقني بل هو حصيلة مجهود انطلق قبل مناظرة أكتوبر 1998 بحيث عبر عدة مراحل أهمها:
– وضع مشروع مسودة من طرف مصالح الداخلية في بداية 1998
– استشارة وجمع وتحليل أراء الجماعات المحلية والإدارات الترابية
– عرض التصور العام للإصلاح على أنظار المناظرة الوطنية السابعة للجماعات المحلية وإصدار التوصيات بشأنها
– تهيئي المشروع في نهاية سنة 2000 بعد دراسة معمقة في إطار لجن تقنية داخل وزارة الداخلية وبمشاركة المصالح المعنية للوزارات الأخرى .
– عرض المشروع على أنظار الوزارة الأولى ودراسته تحت رئاسة السيد الوزير الأول من خلال عدة اجتماعات وزارية وهو ما يؤكد الحرص على إشراك كل الفعاليات والقطاعات المعنية المركزية والمحلية في إعداد المشروع والعناية الخاصة التي حظي بها… مؤكدا أن هذا الإصلاح يدخل في إطار خطة واستراتيجية مضبوطة ومحكمة ومحددة التوقيت ترمي إلى تفعيل الديمقراطية المحلية واللامركزية وتأهيل المؤسسات الترابية وتكريس ممارسة الحقوق والحريات . أنظر منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة ” نصوص ووثائق “، العدد 72، سنة 2003، الصفحات 65 ,66 .
[8]التعديلات التي همت الجماعات المحلية جاءت تتويجا لتوصيات المناظرة الوطنية السابعة ، وتطبيقا للتعليمات الملكية السامية لجلالة الملك محمد السادس التي تضمنها أكثر من خطاب ورسالة ملكية.
[9]محمد اليعكوبي ، التصور الجديد لدور المجلس الجماعي على ضوء القانون رقم 78.00 تأملات حول الديمقراطية المحلية بالمغرب ، مطبعة المعارف الجديدة ، الرباط ، 2008، ص . 17 وما بعدها.
[10]استعدادا لإجراء الانتخابات المحلية العامة في 12 يونيو 2009 عملت الحكومة بمشاركة الهيئات السياسية والمنتخبين الجماعيين على إدخال تعديلات على الميثاق الجماعي (القانون 78.00) انطلاقا من تجارب الانتداب الجماعي لـــ 12 شتنبر 2003 وهو ما يؤكده صدور الظهير الشريف رقم 1.08.153 بتاريخ 18 فبراير 2009 بتنفيذ القانون رقم 17.08 المغير والمتمم بموجبه القانون 78.00 المتعلق بالميثاق الجماعي ، ج .ر . عد.5711 بتاريخ 23 فبراير 2009 ، ص . 536
[11] انطلاقا من سنة 2002 ألزم المشرع المغربي الإدارة بتسبيب قراراتها بمقتضى الظهير الشريف رقم 01-03 الصادر بتاريخ 12 غشت 2002..
[12]Cf., «La nouvelle gouvernance au Maroc», in Administration, 2003, m.c. Belmihoub, la Gouvernance du Rôle de l’Etat dans le domaine économique et social, in Quel Etat pour 21e siècle ? L’Harmattan, GRET P. 193 et s, 2003.
[13]في خطاب موجه إلى الشعب المغربي بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب لم يتردد جلالة الملك محمد السادس في تأكيد مبتغاه أن تتحول الاستحقاقات القادمة إلى فرصة ذهبية أمام الأحزاب بغية إعادة الاعتبار للعمل السياسي بمعناه النبيل ، بالتعبئة من أجل المشاركة المكثفة الواعية والنوعية الجيدة للمرشحين والمنافسة الشريفة لإفراز نخبة مؤهلة وبرامج ملموسة محددة الأهداف والوسائل (الخطاب الملكي السامي بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب بتاريخ 20 غشت 2002 ، نص الخطاب منشور بجريدة الأحداث المغربية لـ 22 غشت 2002 ، ص . 3 .
[14]محمد زين الدين ، ” تأملات أولية في الانتخابات الجماعية المغربية ليوم 12 شتنبر 2003 ، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية ، عدد 60 سنة 2005، ص . 145 وما بعدها.
[15]عبد الله حارسي ، “إشكالية تكوين المنتخب الجماعي والناخب في المغرب”، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية أعمال اليوم الدراسي المنظم من طرف عمالة سلا والجمعية المغربية للعلوم الإدارية في 21 يوليوز 2001 في موضوع ” اللامركزية الإدارية بالمغرب : مشاريع الإصلاح ومتطلبات التنمية “، سلسلة ” مواضيع الساعة “، عدد 2001 ,32 ص . 101 وما بعدها.
[16]أولى المناظرات الوطنية للجماعات المحلية انعقدت بمراكش دجنبر 1977 تحت شعار من ” الوصاية إلى التعايش ” فيما أخر مناظرة ، وهي المناظرة السابعة نظمت بمدينة الدار البيضاء سنة 1998 تحت شعار : ” اللامركزية وعدم التركيز”.
[17]الجماعات المحلية بالأرقام (1992-2000-2001) منشورات وزارة الداخلية ، المديرية العامة للجماعات المحلية.
[18]محمد الأعرج ، ” رئيس المجلس الجماعي في أحكام الميثاق الجماعي الجديد “، المجلة المغربية للإدارة والتنمية، سلسلة ،”مواضيع الساعة” ،، عدد 44 ، سنة 2003 .
[19]انظر عرض الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي بهذا الخصوص بتاريخ 20 يونيو 2000 أمام مجلس النواب ، ومقال ذ. أمال المشرفي ، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية ، اللامركزية الإدارية بالمغرب… مرجع سابق ، ص . 39 وما بعدها.
[20]انظر الوثيقة الخاصة بالتنمية الجهوية وبرامج الجماعات المحلية ، وهي وثيقة مصاحبة لمخطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية 2000-2004 إعداد مديرية البرمجة بوزارة التوقعات الاقتصادية والتخطيط ، 2000 ، الصفحات 40 و ما بعدها.
[21] Cf., A. Fadil, «Vers une commune, collectivité locale spécialisée ? Réflexions sur les compétences de la commune à la lumière du projet de réforme de l’organisation communale», in la Décentralisation administrative au Maroc : projet de réforme et exigences des développements, REMALD, op.cit., 2001, p. 75 et s.
[22] يبلغ حاليا إجمالي عدد المنتخبين أزيد من 22.000 المصدر: الجماعة في أفق 2015 منشورات وزارة الداخلية، أبريل 2009، ص . 7 .
[23] أحمد أعرجون ، ” تكوين المنتخب الجماعي والميثاق الجماعي الجديد “، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة ” مواضيع الساعة “، عدد 44 ، سنة 2003 .
[24] وهو ما أكده جلالة الملك في الخطاب السامي إلى المشاركين في الملتقى الوطني للجماعات المحلية : ” … وفي سياق حرصنا على تعزيز الديمقراطية ودولة الحق والمؤسسات ، وإرساء المفهوم الجديد للسلطة عملنا على إجراء مراجعة عميقة للإطار القانوني المنظم للجماعات والعمالات والأقاليم ، مكنتنا من وضع نظام أساسي للمنتخب ، بشكل يحدد حقوقه وواجباته ، وكذا توسيع مجال التنمية ، وتوفير الآليات الناجعة للمراقبة ، وتخليق تدبير الشأن المحلي . فضلا عن تقليص الوصاية وإحداث نظام جديد للجماعات الحضرية الكبرى …” مقتطفات من الخطاب الملكي السامي إلى المشاركين في الملتقى الوطني للجماعات المحلية ، أكادير 12 دجنبر 2006 منشورات م. م. إ. م .ت . ، سلسلة ” نصوص ووثائق” عدد 2009 ,209 ص .26.
[25]أنظر محمد السعدى ، ” المنتخب الجماعي من خلال تطبيق اللامركزية بالمغرب ” ، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق الدار البيضاء 2005-2004 ص . 15 وما بعدها.
[26] محمد السعدى، المنتخب الجماعي من خلال تطبيق اللامركزية بالمغرب ، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق ، الدار البيضاء، جامعة الحسن الثاني ، سنة 2005 ، ص . 9 وما بعدها.
[27]محمد اليعكوبي ، ” الوظائف الاقتصادية في مشروع التنظيم الجماعي الجديد “، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية ، عدد 32 ، 2001 ، مرجع سابق ، ص . 61 وما بعدها.
[28]تم العمل بنظام المجموعة الحضرية لأول مرة في المغرب سنة 1976 وفق عملية تقسيم مدينة الدار البيضاء إلى خمس جماعات حضرية ، وجاءت بعدها المجموعة الحضرية لمدينة الرباط سنة 1984 قبل إنشاء 12 مجموعة حضرية أخرى بتاريخ 1992 ويتعلق الأمر بالمجموعات الحضرية لكل من طنجة ، فاس ، مراكش ، سلا، القنيطرة ، مكناس ، أسفي ، الصخيرات، تمارة ، أكادير، تازة ، تطوان ووجدة . إلا أن المدن الست الأولى التي يتجاوز عدد سكانها 500 الف نسمة هي التي تم إخضاعها لنظام وحدة المدينة بمقتضى أحكام الميثاق الجماعي 78.00 والذى أكد على إنشاء الجماعة الحضرية التي تحل محل المجموعة الحضرية والجماعات المنظوية فيها.
[29] راجع ، محمد بوجيدة ، ” تأملات حول التنظيم الجماعي بالمدن التي يفوق عدد سكانها 500.00 نسمة “، المجلة المغربية للإدارة والتنمية ، عدد 53، نونبر دجنبر 2003، ص . 11 وما بعدها.
[30] Cf., M. Roussel, «La décentralisation marocaine : réflexions pour un bilan», in l’Etat et les collectivités locales au Maroc, P.I.E.P. de Toulouse et Sochepress, 1989, p. 17 et s.
[31] Cf., M.Naciri, «Pouvoir de commandement espace rural et modernisation au Maroc», in Etat et espace dans le tiers monde, P.U.F. 1977, p. 65 et s ; R. Escalier, «Le système urbain marocain métropole et petites villes», in Revue Maghreb Machrek, n° 96, 1982.
[32]جمال اعمامو، تدبير المدن الكبرى على ضوء القانون الجماعي الجديد 78.00 رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون العام ، جامعة الحسن الثاني ، عين الشق الدار البيضاء، 2005-2006.
[33]يستخلص من تقرير وزارة الداخلية أنه على الرغم من استفادة أكثر من 200 مدينة ومركز قروى من برامج متعددة السنوات بكلفة 36 مليار درهم مما مكنها من تحسين عوامل جاذبيتها، ومع ذلك تجدر الإشارة إلى أن الممارسة الملائمة للاختصاصات الجماعية اصطدمت ضمن ما اصطدمت به باختلالات تعود أساسا إلى : فقر في الإمكانيات البشرية ، عدم تجانس بعض إطارات التدخل ، ضعف اللجوء إلى التخطيط ، محدودية انفتاح الهيئات المحلية على مساهمات فاعلين أخرين، عند تحديد رؤيتها للتنمية . إن هذه المعاينة الموضوعية تطلبت من الدولة والمنتخبين اعتماد جيل جديد من الإصلاحات ، وارد في ” الجماعة في أفق “2015 ، مرجع سابق ص . 7 .
[34]الظهير الشريف رقم 1.08.153 بتاريخ 18 فبراير 2009 بتنفيذ القانون رقم 17.08 المغير والمتمم بموجبه القانون رقم 78.00 المتعلق بالميثاق الجماعي كما تم تغييره وتتميمه ، ج .ر. عدد 5711 ، ص . 536 المادة 84.
[35] ذ . محمد عنتري ، ” الجديد في السلطة التنفيذية المحلية “، منشور في المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية ، سلسلة ” مواضيع الساعة”، عدد 32، مرجع سابق ، ص . 29 وما بعدها.
[36]محمد بوجيدة ، ” تطور الوصاية التقليدية على الجماعات الحضرية والقروية على ضوء الميثاق الجماعي الجديد “، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية ، عدد مزدوج 63 -62 ماي-غشت سنة 2005 .
[37]في رده على تساؤلات البرلمانيين بمناسبة مناقشة مشروع الميثاق الجماعي ، الح وزير الداخلية على تخفيف الوصاية بواسطة مقتضيات جديدة مضمنة فيه مؤكدا على وجه الخصوص . ” … ومن أجل تبسيط ممارسة الوصاية وجعلها أكثر فعالية، فإن إصلاح الميثاق الجماعي تضمن تعديلات مهمة مثل تخفيض أجل المصادقة والتأشيرة وتقليص قائمة المواد الخاضعة للرقابة المقربة محل الرقابة المركزية وتعميم قاعدة تعليل القرارات الوصائية… “، منشورات في م. م. إ. .م.ت . ، سلسلة ” نصوص ووثائق “، 2003، ص .23 و 56 .
[38]ذ . أحمد حضراني ، ” المستشار الجماعي وصعوبات التسيير”، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية ، عدد 29 أكتوبر دجنبر 1999 ، ص . 59 .
[39]Les collectivités territoriales et leurs groupements peuvent en vertu des dispositions de la loi 78.00, conclurent des conventions avec les collectivités étrangères et leurs groupements, dans les limites de leurs compétences et dans le respect des engagements internationaux du Maroc, cf., le titre 11 de la constitution marocaine du 7 octobre 1996, B.O. 4420, p. 643 et s.
[40]Cf. A. Ibrahimi, «Planification locale et planification nationale : évaluation de l’expérience du plan 2000-2004 : la gouvernance locale au Maroc», actes du 2e colloque organisé par GREUR et la REMALD, les 16 et 17 octobre 2002, Rabat.
[41]وهو واقع تم تكريسه أكثر إبان ملاءمة قانون 78.00 حيث أضاف المشرع في هذا المجال الإطار مجموعات التجمعات الحضرية القانون 17.08 المغير والمتمم للقانون 78.00.
[42]الدليل صادر عن المديرية العامة للجماعات المحلية (مديرية الشؤون القانونية والدراسات والتوثيق والتعاون بوزارة الداخلية )، ماي 2004 .
[43]الرداد بودريكة ، وزن التقسيم الجماعي داخل الخريطة الترابية ، بحث لنيل دبلوم السلك العادي للمدرسة الوطنية ، الرباط 1996-1995 .
[44]الظهير الشريف رقم 1.59.361 الصادر بتاريخ 23 يونيو 1960.
[45] رشيد عمو، دوافع وأبعاد التقسيم الترابي بالمغرب ، بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون والعلوم الإدارية، جامعة الحسن الثاني ، كلية الحقوق ، عين الشق ، الدار البيضاء، 2001-2000 .
[46]رشيد أغزييل ، التقسيم الجماعي بالمغرب خيار أمني أم بعد تنموي 2003-1959 رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون العام ، 2006-2005.
[47]جاء في منشور لوزير الداخلية بتاريخ 16 يونيو 1997 حول مراجعة التقسيم الجماعي للمملكة كون أن ” …التقسيم الجماعي الجاري به العمل حاليا والذى يرجع إلى سنة 1959 لم يعرف إلا تطورا طفيفا وذلك مرورا من 801 جماعة إلى 859 ثم إلى 1557حاليا، وأن الجماعات الجديدة التي أنشئت تهم الأقاليم الصحراوية المسترجعة وإعادة تقسيم المجموعة السكنية للدار البيضاء والرباط ، في حين وقع تطور في عدد العمالات والأقاليم خلال العشرين سنة الأخيرة بغية تقريب الإدارة من المواطنين ومضاعفة عوامل التنمية مع أن عدد الجماعات ظل نسبيا جامدا ” .
[48] المهدى بنمير، الجماعة وإشكالية التنمية بالمغرب ، دراسة تحليلية للممارسة الجماعية على ضوء ظهير 30شتنبر 1976 أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق ، جامعة الحسن الثاني ، 1990 ، الدار البيضاء، الجزء الأول والثاني.
[49] عزيز مفتاح ، اللامركزية من التسيير الإداري إلي تدبير التنمية ، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام ، كلية الحقوق أكدال ، الرباط ، جامعة محمد الخامس، 2001 .
[50] وهو المنظور الذى تبناه جلالة الملك في الرسالة الموجهة إلى المشاركين في المجلس العالمي للحواضر والحكومات المحلية المتحدة بقوله : “…تبذل المملكة على الصعيد المحلي جهودا حثيثة وتعبئ موارد هامة لتحسين ظروف عيش المواطنين في المجالين الحضري والقروى على حد سواء…. كما انخرط المغرب في مسلسل تطوير البنى الأساسية الكبرى باعتبارها إحدى الدعامة الرئيسية لإعداد التراب ، فضلا عن إنجاز برامج لإعادة هيكلة مدنه وتأهيلها، متوخيا من هذه البرامج إعادة الاعتبار لفضاء المدينة ومواكبة التحولات الهامة التي تعرفها كبريات الحواضر ” مقتطفات من الرسالة الملكية السامية إلى المشاركين في المجلس العالمي للحواضر والحكومات المحلية المتحدة ، مراكش 31 أكتوبر 2006 ، منشورات م. م. م .إ. ت . ، مرجع سابق ، عدد 209 ، ص . 25 .
[51] محمد الحياني ، معوقات التنمية في إطار الجماعات الحضرية والقروية بالمغرب ، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون العام ، السنة الجامعية -1998-1997 جامعة محمد الأول ، وجدة ، كلية الحقوق .
[52]محمد الصمدي ،التمايز بين الجامعات الحضرية والقروية في النصوص القانونية، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون العام ، كلية الحقوق طنجة ، 2007-2006.
[53]سعيد جعفري ، التجهيزات الجماعية بالوسط القروي ، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون العام ، جامعة الحسن الثاني ، الدار البيضاء1989- -1990 .
[54]في ذات السياق أكد جلالة الملك محمد السادس : ” …تعد المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي أطلقناها في مايو 2005 مشروعا طموحا في مجال السياسة العمومية ، باعتبارها يسعى إلى إشراك وتعبئة كافة مكونات المجتمع . فهذه المبادرة ترمي، بالفعل ، إلى محاربة الفقر والهشاشة والإقصاء وتروم تحقيق تنمية منسجمة ومستديمة … “، مقتطفات من الرسالة الملكية السامية إلى المشاركين في المجلس العالمي للحواضر والحكومات المحلية المتحدة ، مراكش 31 أكتوبر 2006 مرجع سابق ، ص . 25 .
[55]إبراهيم الزياني ، ” التقسيم الإداري ، وظائفه وتطبيقاته في المغرب “، المجلة المغربية للقانون والسياسة والاقتصاد ، عدد 23 ، سنة 1990 .
[56]محمد يحيا ، ” إشكالية التنمية الإدارية في المخطط الخماسي ، ” 2000-2004 ، الإدارة الترابية نموذجا ” ، مجلة طنجيس، كلية الحقوق طنجة ، عدد 3، سنة 2003 .
[57]المهدى بنمير، الميثاق الجماعي الجديد ، نحو جماعة مواطنة، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية ، سلسلة ” مواضيع الساعة “، عدد 44 ، سنة 2003 .
[58] رشيد بودى ، الاستقلال المالي للجماعات المحلية علي ضوء تطبيق الفصل بين الأمرين بالصرف والمحاسبين العموميين ، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة ، جامعة الحسن الثاني ، 2003 .
[59] فؤاد القاضي ، ” دوافع وأبعاد التقسيم الإداري ” ، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية ، العدد 10 ، سنة 1995 .
[60] وكان ذلك يوم الأربعاء 23 يوليوز 2008 ، بمقر وزارة الداخلية ، بالرباط .
[61]إدريس خدري ، إشكالية تجويد المراقبة والتدقيق في الجماعات المحلية ضمن ” تقديم سياسة إعداد التراب والتعمير بالمغرب”، م . م. إ. م. ت . ، العدد 14 ، 2004.
[62] نجاة زروق ، “صعوبات التوفيق بين الديمقراطية ومتطلبات حسن التدبير، المادة 28 من الميثاق الجماعي”، رسالة الجماعات المحلية ، العدد 11، سنة 2004 .
[63]Cf., P. Calame, Les principes de la gouvernance au XXIe cycle, synthèse des travaux, FPH, juin 2001, p. 3 et s.
[64]محمد علي أديبا، “إشكالية الاستقلال المالي للجماعات المحلية ، نحو مقاربة أكثر واقعية “، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية ، سلسلة ” مواضيع الساعة “، العدد 29. 2001 .
[65]بنمير المهدى ، ” اللامركزية والشأن العام المحلي “، سلسلة اللامركزية والجماعات المحلية ، العدد 8، المطبعة والوراقة الوطنية ، مراكش ، 2000 . الباب الخاص بالجماعات المحلية.
[66]انظر الخطاب السامي الذى القاه جلالة الملك محمد السادس بالدار البيضاء أمام ممثلي الجهات والولايات والعمالات والأقاليم للمملكة بتاريخ 12 أكتوبر 1999 منشورات م . م. إ. م .ت . ، سلسلة ” نصوص ووثائق “، عدد 209 سنة 2009 ، ص .14.
[67]في الرسالة الملكية السامية الموجهة بمناسبة الذكرى الواحدة والخمسين لصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أكد صاحب الجلالة هذا التوجه : ” … وما لبثنا أن دعونا إلى مفهوم جديد للسلطة تكون فيه هذه في خدمة المواطن قريبة من همومه وحاجاته في علاقة لا تطبعها الرغبة أو الرهبة ولكن احترام المتبادل والتكامل بين الحاكمين والمحكومين فليست العلاقة بينهما علاقة تنافر وتصادم ، ولكن انسجام وتكامل ، كل تجاوز أو شطط من قبل الأفراد أو الجماعات أو الإدارة يحكمه القانون وفق القواعد الجاري بها العمل أ، منشورات م . م. إ . م .ت .، مرجع سابق ، عدد 209 ، سنة 2009، ص . 16.
[68] الباب الحادي عشر، الفصول 100 ، 101 ، 102 من الدستور المراجع للمملكة الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.96.157بتاريخ 7 أكتوبر 1996 ، ج .ر . عدد 4420 المؤرخة بتاريخ 1996/10/10 .
[69]في تقرير لوزارة الداخلية ، نقف في هذا الاتجاه على ما مفاده : ” …أن الميثاق الجماعي المعدل (2008) شكل وقانون المالية، والقانون الخاص بنظام الجبايات المحلية تطورات مهمة تحققت بفضل تشخيص عميق اعتمد منهجية تشاركية تقوم على التشاور والحوار الواسع مع كل الأطراف المعنية . وتطلبت عملية التحليل والاستشراف سنتين من المشاورات همت أكثر من 2000 منتخب محلي ووطني في إطار لقاءات جهوية موضوعاتية محددة الأهداف . إن الانخراط القوى في هذا النقاش وتنوع الموافق المعبر عنها سواء المتعلقة بنمط الحكامة أو أولويات التدبير يعكس بكل جلاء أهمية الرهان السياسي للولاية المحلية” المصدر الجماعة في أفق 2015 مرجع سابق ، ص . 10 .
[70] خديجة بلكبير، التدبير المالي للجماعات المحلية بالمغرب ، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق ، كلية الحقوق ، الرباط ، أكدال ، جامعة محمد الخامس، سنة -2004-2003 .
[71] جبايات الجماعات المحلية ،م . م. إ م .ت . منشورات سلسلة ” نصوص ووثائق “، عدد 184 ، سنة 2008 .
[72] أحمد حضراني ، ” النظام الجبائي المحلي على ضوء التشريع المغربي والمقارن ” ، م .م . إ م .ت . ، سلسلة ” مؤلفات جامعية “، العدد 22، سنة 2001.
[73]المناظرة الوطنية السابعة للجماعات المحلية المنعقدة بالدار البيضاء 19 و 21 أكتوبر 1998، أوصت بضرورة التخفيف من سلطة الوصاية في أفق إحلال محلها الرقابة القضائية.
[74]مرسو م رقم 2.04.161 الصادر في 2 يوليوز 2004 ، بتحديد كيفيات ممارسة سلطة الحلول ، ج .ر . رقم 5320 بتاريخ 15 يوليوز 2004 .
[75]عبد الخالق الطالبي ، مؤسسة الوالي أو العامل بين المركزية وعدم التركيز، دراسة مقارنة ، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام ، 2003-2004 .
[76]يندرج في هذا السياق الخطاب الملكي السامي بتاريخ 12 أكتوبر 1999حيث أكد جلالة الملك على ما يلي : “واذا كان خيارنا للامركزية راسخا فإننا في منظور إعطائها محتوى جديد نصدر أمرنا إلى حكومتنا لتعرض على أنظارنا مشروع إصلاح القانون يمكن من تكييف النظام الجماعي مع مستجدات الحياة المحلية وذلك على ضوء توصيات المناظرة الوطنية السابعة التي حظيت بمصادقة والدنا طيب الله ثراه “.
[77]لم تحض سياسة النهوض باللاتركيز الإداري ببلادنا إلا سنة 1993 حيث صدر إذ ذاك نص تنظيمي بتاريخ 20 أكتوبر 1993 تحت عنوان “مرسوم في شأن اللامركزية الإدارية “، ضم سبعة فصول غير مبوبة تطرق أغلبها لدور كل من المصالح المركزية والمصالح الخارجية للإدارات العمومية وكيفية توزيع الاختصاصات بينها دون إعطاء أي تصور يجعل اللاتركيز الإداري كإجراء مؤسساتي مواكب للامركزية الإدارية.
[78]انظر مرسوم رقم 2.02.187 صادر في 5 مارس 2002 بتفويض السلطة إلى ولاة الجهات ، الجريدة الرسمية عدد 4984 بتاريخ 2002/03/07 ص . 483:
– قرار لوزير الداخلية رقم 367-02 الصادر 5 مارس 2002 بتفويض السلطة إلى ولاة الجهات ، الجريدة الرسمية 4984 بتاريخ 07/03/2008 ، ص 484 ؟
– قرار لوزير الاقتصاد والمالية والخوصصة رقم 367-02 صادر في 5 مارس 2002 بتفويض السلطة إلى ولاة الجهات لكراء عقارات من ملك الدولة الخاص قصد إنجاز مشاريع استثمارية ، الجريدة الرسمية عدد 4984 بتاريخ 2002/3/7 ص . .485
– قرار لوزير التجهيز رقم 368.02 الصادر في 5 مارس 2002 بتفويض السلطة إلى ولاة الجهات ، الجريدة الرسمية عدد 49.84 بتاريخ 7/3/2002 ، ص . 486.
– قرار لوزير الصناعة والتجارة والطاقة والمعادن رقم 369.02 صادر في 5 مارس 2002 بتفويض السلطة إلى ولاة الجهات ، الجريدة الرسمية عدد 4984 بتاريخ 2002/3/07 ص . 487 الخ.
[79]عبد العزيز أشرقي ، العامل و المفهوم الجديد للسلطة ، الطبعة الأولى ، مطبعة النجاح الجديدة ، الدار البيضاء، 2003 .
[80]توفيق بوعشرين ، ” الولاة والعمال بين الإرث السابق ومتطلبات المرحلة “، الأحداث المغربية، عدد 58، بتاريخ 28 دجنبر 1998، ص . 2 .
[81]الظهير الشريف رقم 1.68.67 الصادر بتاريخ 31 يوليوز 2008 في شأن رجال السلطة ج .ر . عدد 5677 بتاريخ 27 أكتوبر 2008، ص . 3880 وما بعدها الذى حل محل مقتضيات الظهير الشريف رقم 1.63.038 الصادر في 1 مارس 1963 بشأن النظام الأساسي الخصوصي للمتصرفين بوزارة الداخلية.
[82]في الخطاب الملكي السامي بمناسبة عيد العرش سنة 2000 أكد جلالة الملك هذا المعطى : ” وقد حرصنا على تفعيل هذا
المفهوم (المفهوم الجديد للسلطة ) بإجراء حركة تغيير واسعة في مختلف الأجهزة الإدارية خاصة منها الإدارة الترابية والمركزية
ورجال السلطة الجهوية والإقليمية وكذا قطاع الإعلام والاتصال بغية توفير الموارد البشرية المتجددة والتي ننتظر منها التشبع الكامل بفلسفته السامية ….”. منشورات م. م. إ .م. ت . مرجع سابق عدد 209 سنة 2009 ص . 17 .
[83]عرفت المملكة انطلاقا من سنة 1981 تقسيما إداريا جديدا، عمل على إعادة تقسيم الفضاءات الحضرية الجديدة داخل المدن الكبرى كالدار البيضاء ، والرباط وسلا وفاس … المسؤولون ارتأوا أنه من الأفضل التحكم في نمو المدن الكبرى بدون التأثير على انسجامها، ومع احترام التهيئة المشتركة عبر خلق مؤسسة ” الولاية ” باعتبارها عمالة فوقية تم إحداثها لتلعب دور المنسق بين مختلف العمالات الموجودة داخل تراب الولاية وتهدف الولاية من خلال ضمها لعدة أقاليم وعمالات ، على إمداد التجمعات الحضرية الكبيرة بتنظيم إداري محكم قادر على الاستجابة للحاجيات الناتجة عن توسع التجمعات وارتفاع ديمغرافيتها وتنوع مشاكلها.
وكمثال تطبيقي يمكن الاستشهاد بالتجربة المعمول بها بولاية جهة الدار البيضاء التي تضم عمالتي الدار البيضاء والمحمدية،
وإقليمي النواصر ومديونة. ويهم مجال عملها تنسيق أنشطة العمالتين والإقليمين السالفي الذكر، إلى جانب مراقبة الجماعات المحلية وتأطير المهام التي تزاولها ، والاستشارة في مجال الاستثمار، والإشراف على التخطيط الحضري ، المحافظة على استتباب الأمن والنظام العام . والأهمية المعطاة للولاية تعود إلى الأهمية القصوى التي تحظى بها مؤسسة “الوالي ” الذى يشكل محور الإدارة الترابية برمتها.
[84]الفصل 54 من ظهير 1997 المتعلق بالجهات ، مرجع سابق.
[85]Cf., D. BASRI, L’agent d’autorité, Imprimerie Royale, 1975, Rabat, p. 5 et s.
[86]في هذا السياق ، أكد جلالة الملك محمد السادس في الرسالة الملكية السامية الموجهة إلى المشاركين في ندوة ” الاستثمار ثقافات وحضارات – ترابطات وتأثيرات “بتاريخ 11 دجنبر 2001 “… مكنت سياسية التدبير اللامتمركزة للاستثمار، التي اعتمدناها في يناير 2002، والتي تندرج في إطار البعد الاقتصادي لمفهومنا للسلطة من تدليل كافة العراقيل الإدارية وغيرها، التي كانت تحول دون تحرير المبادرة الخاصة ….” ، منشورات م. م . إ. م .ت . مرجع سابق ، عدد 209، سنة 2009، ص .23.
[87]أكد جلالة الملك هذا التوجه لما دعي إلى “إعادة تنظيم الإدارة المحلية وجعلها أكثر تناسقا وفعالية وتقوية التأطير عن قرب ” من جهة ، ومن جهة أخرى “إعداد ميثاق وطني لعدم التمركز يشكل قطيعة حقيقية مع المركزية المتحجرة ، نظام يعتمد مقاربة ترابية ويقوم على نقل صلاحيات مركزية للمصالح الخارجية وانتظامهما في أقطاب تقنية جهوية “.



اترك رد