قراءة في

مشروع تعديل قانون المسطرة المدنية

 

الدكتور إدريس فجر

دكتور في الحقوق

رئيس غرفة بالمجلس الأعلى

ملحق بالمفتشية العامة لوزارة العدل

كل طالب حق سواء كان دائنا أو متضررا أو متعاقدا يدعي أن الصرف الآخر أو المتعاقد معه ألحق به ضررا ما، لا يكفيه فقط التمسك بمقتضيات قانون الموضوع من قانون مدني، أو مدونة التجارة، أو مدونة الشغل أو مدونة الأسرة لكي يحصل فورا على ما يريد من حقوق أو ديون، بل لا بد له من أن يسلك من أجل ذلك مجموعة من الإجراءات القانونية والقضائية أمام المحاكم المختصة، وهذا ما يسمى بقانون المسطرة المدنية [1] الذي يكتسي أهمية قصوى لا يمكن أن ينكرها إلا جاحد، وكم من حقوق ثابتة بقانون الموضوع والحجة القاطعة ضاعت بسبب الإخلال بقواعد المسطرة أو بحقوق الدفاع [2] من قبل أحد أطراف الدعوى بنفسه وضدا على مصلحته.

وأول قانون للمسطرة المدنية عرفه المغرب كان سنة 1913 إبان الحماية وتم تغييره في عهد الاستقلال سنة 1974، وعدل عدة مرات بمعدل تعديل كل 4 أو 5 سنوات حتى الآن تقريبا وربما هذه التعديلات لم تكن كافية لعصرنة قانون المسطرة المدنية ولجعله قادرا على مواكبة التطورات التي يعرفها المغرب اقتصاديا واجتماعيا ولما لذلك من انعكاس على المؤسسة القضائية، ولهذا تم تشكيل لجنة من كبار قضاة الملكة وبعض النقباء سميت “بلجنة مراجعة ومواكبة التشريعات” وشرعت هذه اللجنة في عملها رسميا منذ سنة 2002 وأعدت مشروعا تضمن – بعد الدراسة – تعديلات لبعض فصول قانون المسطرة المدنية، سماها المشروع “بالمواد” من المادة 1 إلى المادة 384، وهو المشروع الذي بين أيدينا ولا ندري هل هو المشروع الأخير أو ما قبل الأخير أو ما قبل الأخير، وحسب ما يصلنا من أصداء عنها فأشغال اللجنة لم تنته بعد لغاية ماي 2008 وهي الآن منهمكة في مراجعة الباب المتعلق بطرق التنفيذ.

وإذا كانت أسباب تعديل بل تغيير قانون المسطرة المدنية لسنة 1913 معروفة بديهيا سنة 1974 للأسباب الاقتصادية والاجتماعية والقضائية [3] المعروفة آنذاك وفي ذلك التاريخ، فإن أهم سبب منطقي يفسر ذلك التغيير يبقى هو ما عرفه التنظيم القضائي للمملكة من مراجعة شاملة وعميقة وجذرية سنة 1974، وكذلك إخراج نص جديد للقانون الأساسي لرجال القضاء في نفس السنة، ولهذا كان من الطبيعي أن يتم تغيير قانون المسطرة المدنية سنة 1974.

أما في اللحظة الراهنة فلا ندري ما هي الأسباب الموضوعية التي أدت إلى مراجعة قانون المسطرة المدنية لسنة 1974، وكل ما يمكن أن نتصوره من أسباب لهذا التعديل يظل مجرد افتراض ولا شك ان اللجنة المحترمة المكلفة بمراجعة وتعديل قانون المسطرة المدنية لها أسبابها وسيأتي وقت لكي تعلن فيه عنها وهي ستكون حتما أسباب موضوعية وواقعية واجتماعية، غير أن الأسباب الجدية والمعقولة التي من شأنها أن تبرز “نزول” أي تغيير أو تعديل للتشريع هي في نظرنا تلك الأسباب التي تتجاوب بشكل أو آخر مع تساؤلات الفقه المغربي بالدرجة الأولى، ومع إشكاليات الاجتهاد القضائي المغربي في المقام الأول حول مادة قانون المسطرة المدنية، ثم إننا في العشرية الأولى من هذا القرن لا بد أن نطرح السؤال التالي: ما هي المسطرة التي نريد؟ ولأي موضوع؟ أو لأية مادة؟ ذلك أن هذه المواضيع أو المواد تنوعت بتنوع المحاكم المختصة كالمحاكم الإدارية والتجارية وقسم قضاء الأسرة والقضاء الجماعي، ولكل قضاء مسطرته، وإن كان هذا لا يمنع أن يظل قانون المسطرة المدنية بمثابة الشريعة العامة لمختلف المساطر [4] أمام مختلف المحاكم. كما أن مشروع تعديل قانون المسطرة المدنية سيخلف موعده مع التاريخ وسيخيب ظن المتقاضين والممارسين فيه إن لم يجب بشكل مباشر وناجع على مطالبهم وانتظاراتهم حيال جهاز القضاء وهي: السرعة والفعالية، وتوحيد الإجراءات وتبسيطها، والولوج إلى القضاء بسهولة أكثر وبتكلفة أقل صيانة لمبدأ مجانية القضاء [5] الذي يجب أن تستفيد منه بالدرجة الأولى الفئات ذات الدخل المحدود والأكثر طلبا لتدخل وحماية القضاء، فهذه المبادئ الخمس يجب أن تكون عنوان مرحلة إصلاح قانون المسطرة المدنية، وهي: السرعة والفعالية وتوحيد الإجراءات وتبسيطها، وتسهيل الولوج إلى القضاء وتيسير إجراءات التبليغ والتنفيذ فهذه هي محاور الإصلاح المرتقب وما عداها سيكون مجرد تكرار واجترار وإعادة إنتاج لقواعد سبق وأن نص عليها قانون المسطرة المدنية سنة 1974 وقبله قانون المسطرة لسنة 1913، يعبر عنها اليوم بأسلوب مختلف من حيث الشكل لا الجوهر، وفي جميع الأحوال في حالة إعداد المشروع النهائي لإصلاح قانون المسطرة المدنية لا بد من عرضه على كل الفاعلين في المجال الحقوقي من قضاة ومحامين وممارسين وجامعيين وأصحاب المهن الحرة القانونية وغيرهم من المهتمين. وفي انتظار الإعلان عن المشروع النهائي لقانون المسطرة المدنية، ما هو مضمون مشروع تعديل قانون المسطرة المدنية الذي بين أيدينا (المبحث الأول) وما هو التقييم الذي يمكن أن يعطي لهذا المشروع (المبحث الثاني)، وفي الختام نتساءل عن التأثيرات المختلفة والمحتملة التي يمكن أن يؤدي إليها المشروع المذكور في حالة إنقاذه (المبحث الثالث).

ونشير إلى أننا سنقتصر في دراستنا المتواضعة هذه على المواد أو بالأحرى الفصول من 1 إلى 129 من مشروع التعديل، علما بأن دراسة هذه العينة من نصوص مشروع قانون المسطرة المدنية تعد كافية في تقديرنا لإعطاء فكرة عامة عن المشروع برمته.

المبحث الأول

اتجاه مشروع تعديل قانون المسطرة المدنية

يتجه المشروع إلى إصلاح قانون المسطرة المدنية لسنة 1974 من خلال تعديل بعض فصوله من طرف لجنة مراجعة ومواكبة التشريعات التي نجهل مقرها هل يوجد بمديرية الشؤون المدنية أو بمديرية الدراسات والتحديث والتعاون [6].

والجدير بالذكر أن المشروع لم يذهب إلى حد إلغاء قانون المسطرة المدنية لسنة 1974 وإصدار قانون جديد بل اكتفى بتعديل بعض فصوله مع إضافة فصول جديدة أو مواد أخرى مثل المادة الأولى التي خصصت لإعطاء تعريف لبعض المصطلحات القانونية المعتمدة في المشروع وهي مبادرة أقدم عليها واضعوا المشروع نستحسنها وإن كان عدد المصطلحات موضوع التعريف ضئيل جدا بالنظر إلى العدد الهائل من المصطلحات التي وردت بالمشروع وزالت في حاجة إلى تعريف ولم تتناولها المادة الأولى.

ويتجه المشروع من جهة أخرى إلى تغيير أرقام بعض الفصول أو المواد، وإلى إعادة ترتيب وتنظيم وصياغة بعض أقسام وأبواب وعناوين قانون المسطرة المدنية أما البعض الآخر فلا زال كما هو ولم يلحقه أي تغيير أو تعديل.

تضمنت المواد من 1 إلى 8 مقتضيات عامة وإن كان قد سقط سهوا من المادة الأولى عنوان تعاريف “مبادئ عامة” أو “مقتضيات تمهيدية”، أما المواد من 9 إلى 14 من مشروع قانون المسطرة المدنية فقد تضمنت  بيان دور النيابة العامة، في حين أن الباب الثاني (الفصل 6) من قانون المسطرة المدنية الحالي كان يشير إلى دور النيابة العامة أمام المحاكم المدنية وربما تعمد واضعو المشروع إسقاط لفظ “المحاكم المدنية” بعد أن تعززت المنظومة القضائية بمؤسسات جديدة مثل المحاكم الإدارية والمحاكم التجارية وقسم قضاء الأسرة، وربما ستنشأ غدا محاكم الشغل لمواجهة مآسي اجتماعية مثل كارثة حريق معمل الأفرشة ليساسفة ولحل خلافات العمل الفردية والإعفاءات الجماعية يمكن أن يكون للنيابة العامة وجهة نظر فيها لما في ذلك من علاقة بالنظام العام التي يجب أن تحال قضاياه على النيابة العامة طبقا للمادة 10 من المشروع الذي لم يذهب إلى حد تعريف المراد بالنظام العام، والمكان الطبيعي لهذا التعريف هو المادة الأولى من المشروع الذي جاء خاليا من مثل هذا التعريف رغم ماله من أهمية قد يختلف حوله أكثر من قاضي وتتباين حول مدلوله أكثر من هيئة قضائية.

أما الباب الثاني من المشروع بداية من المادة 20 حتى المادة 38 فقد تناول إشكالية الاختصاص، وبعد ذلك تناول المشروع في القسم الثالث المسطرة أمام المحاكم الابتدائية ابتداء من المادة 39 إلى المادة 132 وهكذا عالج في الباب الأول: تقييد الدعوى، وفي الباب الثاني: الجلسات، وفي الباب الثالث: قواعد المسطرة الشفوية والكتابية، وفي الباب الرابع: الأحكام، وفي الباب الخامس: إجراءات التحقيق.

والملاحظ على المشروع أنه تطرق إلى تنظيم المسطرة أمام المحاكم الابتدائية ونسي أن نفس القانون أي قانون المسطرة المدنية يطبق كذلك أمام المحاكم الإدارية [7] والمحاكم التجارية [8] وقسم قضاء الأسرة فلماذا تجاهلها المشروع؟ لقد كان من المستحسن أن تتم صياغة العنوان بشكل عام على النحو التالي “المسطرة أمام المحاكم” أو “المسطرة أمام محاكم الدرجة الأولى” وبإبدائنا لهذه الملاحظة نكون قد فتحنا باب النقاش حول تقييم مشروع تعديل قانون المسطرة المدنية نتطرق إليه في المبحث الثاني الموالي من هذه الدراسة.

المبحث الثاني

قيمة مشروع تعديل قانون المسطرة المدنية

إن القيمة أو التقييم الذي يمكن أن نعطيه لمشروع تعديل قانون المسطرة المدنية ينبغي ان يشمل شكل وموضوع هذا المشروع.

المطلب الأول:

تقييم المشروع من حيث الشكل

يقتضي تقييم المشروع من حيث الشكل أو نناقش المسألة من زاوية المصطلحات المستعملة من جهة والأسلوب والصياغة المعتمدة من جهة أخرى.

الفقرة الأولى:

المصطلحات المستعملة

إن قانون المسطرة المدنية لسنة 1974 يستعمل بعض المصلحات التي لم تكن دقيقة أو غير واضحة أو غير متجانسة مع المحيط الذي استعملت فيه هذه المصطلحات فهو نص مثلا على ما سماه بـ “الجهات القضائية” في الفصل 25 منه وهو يقصد من غير شك المحاكم كما أشار إلى “الدعاوى المختلطة” في الفصل 27 من غير أن يعرف بكل عمق هذا النوع من الدعاوى [9] وأن يعزز ذلك بأمثلة وترك محاكم الموضوع تتخبط في تحديد مفهوم هذه الدعاوى نظرا لما لها من علاقة بتحديد تشكيل الهيئة القضائية والقول بأنها فردية أو جماعية [10]، أما الفصلان 149 و 150 من قانون المسطرة المدنية فقد نص على قاضي المستعجلات في حين أن الفصلين 151 و 153 تطرقا فقط إلى القاضي، وبالتالي نلاحظ عدم وجود وحدة في استعمال المصطلح الواحد وغياب التجانس في هذه المصطلحات مما يشوش على ذهن الممارس والدارس، ونفس الملاحظة يمكن إبداؤها بخصوص الفصل 488 قانون المسطرة المدنية الذي نص على قاضي حجز ما للمدين لدى الغير من غير أن يوضح هل هو قاضي المستعجلات أم قاضي الموضوع، كما نص في الفصل 494 على الرئيس الذي يقوم باستدعاء الأطراف للجلسة فهل المقصود رئيس الجلسة بصفته قاضيا فرديا أو قاضيا في هيأة جماعية أم المقصود به رئيس المحكمة، والظاهر أن مشروع التعديل لم يقض كليا على هذا التباين في استعمال المصطلحات ولم يعمل على توحيدها، مع أن إعداد المشروع يعد فرصة سانحة لإحداث تجانس بين المصطلحات المستعملة وتنقيحها.

هذا وقد سبقت الإشارة إلى أن المادة 1 تكفلت بإعطاء تعاريف لعدد جد محدود من المصطلحات القانونية ولا يتعدى عددها بالفعل 9 مصطلحات في حين أن عدد المصطلحات القانونية المركزية أو المرجعية في قانون المسطرة المدنية أو في المشروع تجاوز العشرات وكمثال على ذلك: مصطلح “المسطرة” في حد ذاته، والإجراءات، والدعوى وعلاقتها بالطلب، وتجهيز الدعوى والفرق بينه وبين تحقيق الدعوى، والنظام العام، واستعمل المشروع مصطلح “عقدة الشغل” في المادة 24 على غرار الفصل 28 من قانون المسطرة المدنية الذي استعملها بدوره، لكن المصطلح المعتمد بشكل رسمي في مدونة الشغل الجديدة الصادرة سنة 2003 هو مصطلح “عقد الشغل” في المادتين 1 و 15 من هذه المدونة وليس عقدة الشغل، كما استعملت المادة 23 من مشروع قانون المسطرة المدنية مصطلح الغرامات التهديدية المعمول بها في مجال حوادث الشغل وهذه الغرامة لا علاقة لها بالغرامة التهديدية المنظمة بموجب الفصل 448 قانون المسطرة المدنية، والواقع أن المصطلح الصحيح الذي يجب استعماله هو مصطلح “الغرامة اليومية” تمشيا أو انسجاما مع المصطلح المنصوص عليه في الفصل 143 من ظهير 6 فبراير 1963 المتعلق بالتعويض عن حوادث الشغل، وهناك فرق جوهري بين الغرامتين [11]، لأن الغرامة التهديدية تقبل التصفية، أما الثانية فلا تقبلها، ويجب الحكم بها كما هي [12] على المدين بها، وهذا الخلط الذي وقع فيه واضعو المشروع قد يؤدي بقاضي الموضوع إلى الوقوع في الخطأ أو الغلط فيعتقد بأن غرامة الفصل 143 من ظهير 6/2/1963 تقبل التصفية على غرار الغرامة التهديدية المنظمة بموجب الفصل 448 وهذا غير صحيح على الإطلاق ولوحظ من جهة أخرى على المشروع في المادة 40 استعماله في آن واحد لمصطلح المقال إلى جانب مصطلح الطلب، فهل يعنيان نفسا الشيء، أم أنه هناك فرق ما بينهما، وفي المادة 45 منه تطرق إلى “الطرق الأكثر مبادرة” وربما يقصد “الطرف الأكثر عجلة” وهو المصطلح الذي استعملته قوانين أخرى بشكل مناسب ومألوف [13].

وفي تقديرنا لم يصادف المشروع الصواب وهو يستعمل بعض المصطلحات فمثلا نصت المادة 57 على مصطلح “الصلح” الذي نظمه بشكل دقيق ومفصل قانون الالتزامات والعقود [14] (الفصل 1098) باعتباره عقدا مسمى نظمه قانون الموضوع (القانون المدني) وليس قانون الشكل أو المسطرة، والراجح أن المصطلح الذي أراد واضعو المشروع استعماله في المادة 57 هو مصطلح “التصالح” أو مصطلح “التوفيق” أي: Conciliation وليس الصلح: Transaction وفق ما هو منظم في قانون الالتزامات والعقود كما سبقت الإشارة إلى ذلك، ومن بين الأخطاء التي وقع فيها مشروع التعديل استعمال لمصطلحين مختلفين ولكن لهما حمولة واحدة أو معنى واضح ويتجلى هذا بخصوص المادة 80 والتي جاء فيها: “…. أو بحث …. أو سماع شهود ….” والمعروف أنه لا فرق بين البحث وبين الاستماع إلى الشهود.

الفقرة الثانية:

الأسلوب والصياغة

قد لا يختلف اثنان حول تقييم الأسلوب أو الصياغة التي حرر بها قانون المسطرة المدنية لسنة 1974، على اعتبار أن الأسلوب كان رصينا ومن مستوى قانوني رفيع، والصياغة كانت سليمة وخالية من الحشو أو الإطناب، ونحن لا نستغرب مثل هذا التقييم الإيجابي إذا ما علمنا بأن اللجنة التحضيرية لقانون المسطرة المدنية لسنة 1974، كانت تضم بين أعضائها رجال قانون وقضاة بارزين من بينهم المرحوم محمد ميكو والمستشار التقني الفرنسي الملحق بوزارة العدل آنذاك أدولف ريولط [15] وهو بالمناسبة قاضي سابق بالمجلس الأعلى في عهد ما قبل المغربة والتوحيد المعلن عنه سنة 1965.

صحيح قد تكون هناك بعض الملاحظات على قانون المسطرة المدنية لسنة 1974 من زاوية الأسلوب والصياغة ولكنها ليست بملاحظات ذات أهمية أما بالنسبة لمشروع تعديل قانون المسطرة المدنية ومن خلال النرز القليل من مواده التي اطلعنا عليها تبين لنا أن الأسلوب أو الصياغة التي حرر بها المشروع تختلف نوعا ما عن أسلوب وصياغة قانون المسطرة المدنية الحالي، فتارة يكتنفها الغموض وتارة أخرى يكون المشروع في حاجة إلى إعادة الصياغة ومثال ذلك أنه جاء في الفقرة الثانية من المادة 70 من المشروع ما يلي: “…. يبين القاضي المقرر بتدقيق إذا أمر بأي إجراء من إجراءات التحقيق تلقائيا أو بناء على طلب الأطراف العناصر التي يشملها هذا الإجراء….” ففي هذه الفقرة تم إقحام كلمة “بتدقيق” بمعنى أن بقاءها أو حذفها من الفقرة إلى “العناصر” فهي تظل إشارة غامضة وتطرح علامات استفهام، ونترك لكل قارئ حرية تصوره لما يريده واضع المشروع من كلمة “العناصر”.

وفي نفس الاتجاه لوحظ نوع من الركاكة على تحرير الفقرة الثانية من المادة 80 التي جاء فيها ما يلي: “…. إذا لم يقم من كلف من الأطراف بإيداع المبلغ المحدد خلال المهملة المبينة في الأمر، جاز للطرف الآخر أن يقوم بإيداع هذا المبلغ….” ويمكن إعادة صياغة هذه الفقرة على النحو التالي: “…. في حالة عدم إيداع المبلغ المحدد خلال….” أو حسب الصيغة التالية: “….، وإن امتنع (الطرف) عن إيداعه خلال المهملة….” هذه عينة أو نماذج قليلة من الملاحظات التي توصلنا إليها بخصوص الأسلوب والصياغة في المشروع الذي يحتاج إلى مراجعة عامة وشاملة في هذا المضمار.

المطلب الثاني:

تقييم المشروع من حيث الموضوع

بعد تقييمنا للمشروع من حيث الشكل ننتقل الآن إلى تقييمه من حيث الموضوع نقف بداية على مدى استئناس المشروع بآراء الفقه وقرارات القضاء الصادرة في ظل قانون المسطرة المدنية الحالي الذي عرف بعض الممارسات التي تعد بعيدة نوعا ما عن دائرة القانون، ثم هل حاول المشروع الاستفادة من وسائل التكنولوجيا الجديدة؟ أما المحاور الأساسية الأخرى التي يجب أن يشملها التقييم من حيث الموضوع فهي: الاختصاص، وشروط قبول الدعوى وتكييفها، تم تبليغ الملفات إلى النيابة العامة، والمسطرة الكتابية، وأخيرا إجراءات التحقيق.

الفقرة الأولى:

مدى استئناس المشروع بآراء الفقه وقرارات القضاء

أولا: آراء الفقه في نقد قانون المسطرة المدنية وتطبيقاته:

بعد صدور قانون المسطرة المدنية سنة 1974 وطيلة فترة تجاوزت 3 عقود صدرت العشرات من الرسائل والأطروحات الجامعية والمقالات [16] للنقد أو للتعليق على نصوص قانون المسطرة وتطبيقها، لكن بالاطلاع على المراجع المعتمدة في إعداد المشروع لا نجد صدى كبيرا لهذه المراجع، ومن المعروف أن القيمة العلمية التشريع وللقوانين بصفة عامة وكذا أعماله التحضيرية تعلو درجة وربما درجات المشروع كلما استعانت بآراء الفقه [17] وتورعت عن قطع الصلة بها.

ثانيا: قرارات القضاء:

أصدر المجلس الأعلى وكذلك بعض محاكم الموضوع أحكاما وقرارات متميزة من شأنها أن تفسر ما غمض من مقتضيات في قانون المسطرة المدنية الحالي، وأن تطور نحو الأحسن بعض القواعد ولا سيما في بعض المجالات المحددة مثل تلاوة تقرير المستشار المقرر [18]، وإرجاع الملف من محكمة الدرجة الثانية إلى محكمة الدرجة الأولى في حالة إلغاء الحكم الابتدائي حتى لا تضيع على أحد الأطراف درجة من درجات التقاضي [19]، وتبليغ الملفات إلى النيابة العامة….، إلى غير ذلك من الإشكاليات التي أفرزها الاجتهاد القضائي الذي يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار إن كان إيجابيا أو يناقش ثم يستبعد بنص صريح إن كان سلبيا، وهذا العمل يقضي أن تكلف لجنة مراجعة ومواكبة التشريعات أحد أعضائها بأن يقوم بمهمة رصد كل القرارات الصادرة عن المجلس الأعلى والتي تدخل في نطاق المشروع لكن بعد إلقائنا نظرة على المراجع المعتمد عليها والمذكورة في الهامش تبين أن الاجتهاد القضائي المغربي لم يكن من بين أدوات اشتغالها الرئيسية، وهذا في نظري يعد خللا منهجيا في الطريقة التي اتبعت حتى الآن إعداد المشروع.

ثالثا: المصادر المعتمد عليها في إعداد مشروع التعديل:

إذا كان حضور الفقه المغربي في المشروع يكاد يكون منعدما، والاجتهاد القضائي المغربي لم يتم الرجوع إليه إلا نادرا بدلا من أن يكون مكثفا فما هي المصادر أو المراجع التي اعتمد عليها المشروع؟ بتصفح المشروع يتبين أن هذه المراجع أو المصادر يمكن تلخيصها كما يلي: القانون المصري للمرافعات المدنية والتجارية، والقانون الفرنسي للمسطرة المدنية، والقانون العربي الموحد، وبعض القوانين الوطنية المنظمة لمهنة الخبراء القضائيين والمحاكم الإدارية والمحاكم التجارية والميدان الجنائي والأسرة، والملاحظ أن التنقيب أو الرجوع كان مكتفا بالنسبة للقانون المصري والفرنسي والعربي الموحد أما بالنسبة للاجتهاد القضائي المغربي فمن أصل 137 صفحة تضمنها المشروع لم يرجع إليه لها إلا في 9 صفحات، أما بخصوص مقالات الفقه المغربي لم يرجع إلا لثلاثة مؤلفين ومرة واحدة لكل منهم وهو الأساتذة عبد الكبير طبيح وتوفيق عبد العزيز وأدولف ريولط وهذا يؤكد ما سبق أن أشرنا إليه سابقا من كون حضور الفقه والقضاء المغربيين في المشروع هو حضور باهت [20] في حين أن الاستدلال بالقانون الأجنبي كان قويا وغالبا ونعتقد بأن أي إصلاح لنظام قانوني أو مؤسسة قضائية يجب أن ينطلق من الواقع المغربي الذي يشكل الفقه والقضاء جزء لا يتجزأ منه أما الحلول المستوردة من الخارج وكذا تجارب بعض الدول الأجنبية فيمكن الاستئناس بها على سبيل الاستثناء في حالة خلو القانون والقضاء والفقه المغربي من الحلول القانونية التي هي موضوع البحث أو المناقشة بغية إدراجها في المشروع.

الفقرة الثانية:

ثغرات في قانون المسطرة المدنية والمشروع

يعاني قانون المسطرة المدنية من ثغرات عديدة نجمت عنها ممارسات أو تطبيقات غير قانونية لم يعمل المشروع على إيجاد حلول لها ولا على ملء هذه الثغرات القانونية ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر: أخذ كتابة الضبط ببعض المحاكم المبادرة لتوجيه الأمر بالاستدعاء للأطراف وتحديد تاريخ الجلسة بدلا من قيام القاضي المقرر أو المكلف بالقضية بها الإجراء شخصيا كما ينص على ذلك قانون المسطرة المدنية [21] وكحل وسط كان من المفروض أن تقوم كتابة الضبط بهذا العمل أو تأخذ هذه المبادرة تحت إشراف القاضي المذكور [22] وليس بكامل الاستقلال عنه، كما لوحظ من جهة أخرى أن بعض المتقاضين الذين هم على نزاع مع بعض المحامين يقضون وقتا غير قصير في إيجاد محام لكي يتولى الدفاع عنهم في مواجهة زميله [23]، أما بطء القضاء فهو ناتج بالأساس عن تساهل بعض القضاة في إجراءات تجهيز القضايا، ويكونون أسخياء في منح المهلة الإضافية للجواب أو للتعقيب وإذا أدخلت القضية للمداولة فهي تخرج منها بنفس السهولة التي دخلت بها، وقد يقع تمديد أجل المداولة وبدون تحديد تاريخ النطق بالحكم [24] الذي لا يكون علنيا بالجلسة ويرخص لأحد الأطراف بالجواب او التعقيب خلال المداولة في حين أن المناقشة أو تبادل المذكرات يجب أن يكون حضوريا، وبالتالي فمثل هذا الترخيص يعد مسوغا لإخراج القضايا من المداولة ومن تم يكون القضاء متماطلا أو بطيئا في تجهيز القضايا والحكم فيها، وأخيرا لوحظ أيضا أن المسائل المتعلقة بالاختصاص النوعي لا يقع البت فيها في أول جلسة أو على الأكثر داخل الثلاثة أشهر الأولى الموالية لتاريخ الدعوى بل بعد أن تروج القضية لمدة سنة أو سنتين أو أكثر وبعدها تصرح المحكمة بعدم الاختصاص، فمثل هذه الممارسات تعد غير قانونية أو غير منطقية إما لخرق نص قانوني صريح أو بسبب وجود ثغرات في القانون الحالي ولم يعمل المشروع على ملء الفراغ القانوني أو معالجة الإشكالية بشكل ناجع وبما يخدم حسن سير العدالة ومن بين هذه الثغرات هو تجاهل قانون المسطرة المدنية أو تعديلاته للبعد الدولي، ذلك أن المغرب صادق على العديد من الاتفاقيات الثنائية أو الدولية في مجال القانون الدولي الخاص وكان على واضعي التعديلات أن يأخذوا الجوانب التي تهم المادة المسطرية بعين الاعتبار، ونغتنم هذه المناسبة للإشارة إلى التباين في تطبيق قاعدة تذييل الأحكام الأجنبية بالصيغة التنفيذية، حيث أن محاكم الموضوع أو جلها تهمل استدعاء المدعى عليه خلاف المجلس الأعلى [25].

الفقرة الثالثة:

أهمية استعمال وسائل التكنولوجيا الحديثة في المشروع

لما صدر قانون المسطرة المدنية سنة 1974 لم يكن واردا أن يشير إلى استعمال وسائل التكنولوجيا الحديثة للقيام بالإجراءات القانونية والقضائية وتوثيقها أو لتبليغ هذه الإجراءات إلى الأطراف إلى غير ذلك من المهام التي يجب أن تقوم بها المحكمة وهذا راجع إلى كون الوسائل الحديثة لم تكن معروفة في ذلك الوقت أي 1974.

أما اليوم في سنة 2008 فلا يمكن أن نقبل أي عذر من واضعي المشروع بسبب عدم تنظيمه لوسائل التكنولوجيا الحديثة في المشروع الذي تجاهل هذه الوسائل في المادة 39 لما نص على أنه “…. تقيد القضايا بكتابة الضبط في سجل معد لهذه الغاية….”

صحيح أن المادة 44 من المشروع أشارت إلى “وسائل الاتصال الحديثة” إشارة عابرة، وكذلك فعلت المادة 47 لما نظمت إجراءات تبليغ الاستدعاء التي قد تتطور نحو الأفضل بفعل استعمال هذه الوسائل الحديثة ما لم تواجه بالإرادة السيئة للطرف الآخر المبلغ إليه إن هو أنكر التبليغ الذي حصل إليه بواسطة الفاكس أو الانترنيت او الرسالة الهاتفية: SMS، لأن إجراء التبليغ في الاستدعاء التقليدي محصن بواسطة التوقيع على شهادة التسليم في حين أن التبليغ بواسطة الانترنيت او الفاكس قد ينكره المبلغ إليه ويزعم عدم حصوله بالمرة، لأنه بكل بساطة لم يطلع عليه أو يزعم عدم حصوله بالمرة، لأنه بكل بساطة لم يطلع عليه وأهمله في علبة الفاكس أو لكونه لم يفتح علبه بريده الإلكتروني، وفي جميع الأحوال فالمشروع لما أشار بشكل محتشم إلى “وسائل الاتصال الحديثة” فهو لم يحدد من جهة ما دورها في تسهيل إجراءات التبليغ التي يعاني منها نظامنا القضائي، ثم إنه من جهة أخرى لم يبين هذه الوسائل ولم يعط حتى أمثلة عنها [26].

الفقرة الرابعة:

الاختصاص النوعي

يعتبر موضوع الاختصاص من بين المواضيع الرئيسية والهامة في قانون المسطرة المدنية المغربي والمقارن، ولا سيما في الدول التي يحتوي التنظيم القضائي فيها على أكثر من جهة قضائية بدء من القضاء العادة إلى القضاء الإداري ومنه إلى القضاء التجاري أو قضاء الأسرة، كما هو عليه الحال في القانون المغربي، وقبل أن يطرق المدعي باب المحكمة لكي يقدم لها مطالبه، عليه أن يتأكد أولا من كونه قصد فعلا المحكمة المختصة ترابيا ونوعيا وإن هو أخطأ في “عنوان المحكمة” بمعنى انه رفع دعواه أمام محكمة غير مختصة، فإن دعواه سيكون مآل الحكم فيها بعدم الاختصاص، ولهذا كان من البديهي أن تولي لجنة مراجعة ومواكبة التشريعات المنكبة على إعداد مشروع مراجعة وتعديل قانون المسطرة المدنية، اهتمامها لموضوع الاختصاص، وهكذا حددت المادة 21 من المشروع على انه: “تختص المحاكم الابتدائية بالنظر ابتدائيا وانتهائيا إلى غاية خمسة آلاف درهم ….” في حين أن الفصل 19 قانون المسطرة المدنية حدد هذا المبلغ في 3000 درهم سنة 1974، ونظرا للتطور الاقتصادي والاجتماعي الذي عرفته المملكة منذ 34 سنة خلت، واعتبارا لارتفاع معدلات التضخم والأسعار عشرات المرات في شتى الميادين الاقتصادية والتجارية، فنعتقد بأن المبلغ المحدد لاختصاص المحكمة الابتدائية للنظر ابتدائيا وانتهائيا يجب أن يحدد في مبلغ يتراوح ما بين 10.000 إلى 20.000 درهم لتصفية أكبر عدد من القضايا البسيطة أمام قاضي الدرجة الأولى [27].

وكانت قمة اهتمام المشروع بموضوع الاختصاص قوله: “تعتبر القواعد المتعلقة بالاختصاص النوعي من النظام العام …. وعلى المحكمة إثارته تلقائيا….” (المادة 30)، وفي الحالة الأخيرة أي إذا ما أثارت المحكمة من تلقاء نفسها عدم اختصاصها النوعي فمن الواجب عليها في تقديرنا أن تحكم بذلك داخل اجل أقصاه 3 أشهر من تاريخ تسجيل الدعوى وليس داخل أجل سنتين أو 3 سنوات كما يقع بسبب عدم إكثراتها بدراسة القضية دراسة قبلية لأوراق الملف من مقال افتتاحي للدعوى ومذكرة جوابية أو تعقيبية بشكل أساسي وبمجرد توصلها بهذه الوثائق أو بسبب اكتظاظ المحكمة بالملفات وقلة الموارد البشرية العاملة بها، ولهذا نرى بأنه كان على المشروع أن يحدد أجل 3 أشهر من تاريخ تقييد الدعوى لكي تصدر المحكمة حكمها بعدم الاختصاص النوعي إن إثارته من تلقاء نفسها ربحا لوقتها ووقت المتقاضيين من جهة، وعلى غرار تحديد المشرع أجل البت في الدفع بعدم الاختصاص في مدة 8 أيام (المادة 30) [28] ودون تحديد مثل هذه الآجال سيكون من العبث جدا أن تصرح المحكمة بعدم اختصاصها النوعي ومن تلقاء نفسها بعد سنتين أو ثلاث سنوات من الإجراءات لم تكن في الواقع إلا هدرا للطاقات وللوقت في مجالات عمل كتابة الضبط والتبليغ وتنفيذ الإجراءات وعقد الجلسات ولا يخفي على أحد اهتمام اللجنة المكلفة بإعداد مشروع تعديل قانون المسطرة المدنية بموضوع الاختصاص النوعي ويظهر من خلال مقاربتها له بشكل مختلف نوعا ما مقارنة مع قانون المسطرة المدنية الحالي، لكن هذا الاهتمام لم يذهب إلى حد مناقشة مسألة تنازع الاختصاص الإيجابي والسلبي وإمكانية إحداث محكمة للتراعات تتولى الحسم في هذا النوع من التراعات الناتجة عن التنازع في الاختصاص بين المحاكم سواء كان تنازعا سلبيا أو تنازعا إيجابيا [29].

الفقرة الخامسة:

شروط قبول الدعوى وتكييفها

أولا: شروط قبول الدعوى

إن موضوع شروط قبول الدعوى في قانون المسطرة المدنية لا يقل أهمية عن موضوع “الاختصاص النوعي” الذي تطرقنا إليه في الفقرة أعلاه، ولقد نظم قانون المسطرة المدنية الحالي هذه الشروط في الفصل الأول أساسا وإلى حد ما في الفصلين 31 و 32 منه، أما المشروع فقد نظم هذه الشروط في المواد: 2و 3و 4 منه ولا خلاف جوهري يذكر بين المادة 2 من المشروع التي تنص على أنه: “لا يصح التقاضي إلا ممن له الصفة والأهلية والمصلحة لإثبات حقوقه” وبين مقتضيات الفصل 1 الذي كان سباقا إلى التنصيص على نفس المقتضيات، وإلى هذا الحد فالأمر جد طبيعي، لكن ما يعاب على المشروع هو أنه ركز في المادة 3 على أحد شروط قبول الدعوى وهو شرط “المصلحة” وأهمل شرط “الصفة” الذي فشلت محاكم الموضوع أو بعضها على الأصح في تفسيره وتطبيقه، إذ أنها كثيرا ما كانت تخلط بين الصفة كشرط شكلي لقبول الدعوى لدى المدعي، وبين التزام المدعي بإثبات ما يدعيه من دين مثلا أو علاقة عمل، أو علاقة كراء، وهو التزام يخضع لقاعدة موضوعية غير شكلية ولا مسطرية نص عليها قانون الالتزام والعقود في الفصل 399، وترتب محاكم الموضوع عن إخفاق المدعي في إثبات ما يدعيه الحكم بعدم قبول الدعوى شكلا لانعدام الصفة وليس الحكم برفض الطلب. ولو تمت مناقشة في الجوهر وليس في الشكل فحسب، ولهذا كانت إحصائيات هذه المحاكم تسجل أن نسبة أحكام عدم القبول تتراوح ما بين 40 و 50% وفي بعض الأحيان تتجاوز هذه النسبة 50%، مما يعني أن الإشكالية جديرة بالاهتمام والبحث والدرس والتنظيم من جديد [30] ومع ذلك أهملها المشروع بالكامل وفضل تعميق تنظيم شرط “المصلحة” في المادة 3 والذي يكاد ألا يطرح أية مشكلة في التطبيق، وبما أن الاجتهاد القضائي للمجلس الأعلى وكذا تطبيقات قانون المسطرة المدنية من قبل محاكم الموضوع لم تكن من بين روافد مشروع تعديل قانون المسطرة المدنية فإن اللجنة المكلفة بإعداده لم تعر أي اهتمام لشرط “الصفة” رغم أهميته وركزت على المصلحة فقط وكأنها تغني عن الصفة وهذا خطأ فادح نبه [31] إليه الفقه. ونصت الفقرة الأخيرة من المادة 40 على الحكم بعدم قبول الدعوى في حالة إغفال تحديد البيانات غير التامة في الدعوى وهذه ميزة تحسب للمشروع وتوفق بها على قانون المسطرة المدنية الحالي (قارن مع الفصل 32 منه) وينبغي الإقرار بها له في إطار التقييم الموضوعي والإنصاف لمشروع تعديل قانون المسطرة المدنية.

ثانيا: تكييف الدعوى:

لم يكن موقف قانون المسطرة المدنية الحالي واضحا ولا صريحا من مسألة تكييف الدعوى طبقا للقانون، بل هذا الموقف يمكن استنتاجه بشكل ضمني من الفصل 2 من قانون المسطرة المدنية الذي جاء فيه ما يلي: “…. ويبت (القاضي) دائما طبقا للقوانين المطبقة على النازلة ولو لم يطلب الأطراف ذلك بصفة صريحة” أما مشروع تعديل قانون المسطرة المدنية فقد سد هذه الثغرة نوعا ما بقوله صراحة “يتعين على المحكمة أن تبت في حدود طلبات الأطراف وفق التكييف القانوني السليم للوقائع المعروضة عليها وفقا للقوانين المطبقة على النازلة ولو لم يطلب الأطراف ذلك بصفة صريحة غير أنه لا يمكن لها أن تغير تلقائيا موضوع هذه الطلبات أو سببها” (المادة 6)، ولكن قانون المسطرة المدنية الحالي وكذلك مشروع التعديل لم ينص أي منهما على تأصيل أو تبيان الفرق الجوهري بين الإمكانية المتاحة للقاضي في تطبيق القانون ولو لم يطلب ذلك أحد الأطراف وبين المنع المفروض على القاضي من تغيير موضوع أو سبب الطلبات تلقائيا، فإن أي مدى يمكن اعتبار القاضي أو المحكمة قد طبقت القانون على النازلة تلقائيا من غير أن تجازف بتغيير السبب القانوني للطلبات، فهذا لبس اكتنفه الفصل 3 من قانون المسطرة المدنية ولا زال قائما بين مقتضيات المادة 6 من مشروع التعديل رغم الجديد التي أتت به والمتجلي في قيام المحكمة بـ “التكييف القانوني السليم للوقائع” والكل رهين بالتفسير أو الاجتهاد الذي سيصدر عنه بخصوص هذا المقتضى الجديد [32].

الفقرة السادسة:

تبليغ الملفات إلى النيابة العامة

توسع مشروع تعديل قانون المسطرة المدنية في تحديد دور النيابة العامة أمام القضاء المدني (المواد من 9 إلى 13)، بالمقارنة مع المقتضيات التي عالج بها قانون المسطرة المدنية الحالي نفس الموضوع، وكلا النصين (أي النافذ والمشروع) متفقان على إحالة القضايا على النيابة العامة إن كانت متعلقة بالنظام العام (الفصل 9 من قانون المسطرة المدنية والمادة 10 من مشروع التعديل)، لكن ما هو النظام العام وما هي القضايا التي يمكن القول بأنها متعلقة به، ثم إن المجلس الأعلى سبق له أن أصدر قرارات قضى بموجبها بإحالة بعض القضايا على النيابة لكي تدلي بمستنتجاتها، ويتعلق الأمر بقضايا حوادث الشغل التي لا ينص الفصل 9 من قانون المسطرة المدنية ولا ظهير 6/2/ 1963 المنظم لها على تبليغها إلى النيابة العامة، لكن الاجتهاد القضائي علل موقفه هذا يكون ظهير 6/2/1963 المذكور هو نص قانوني من النظام العام [33]، ونحن نلتقي مع هذا الموقف الذي لم يأت بشيء جديد طالما أن المشرع من خلال ظهير 6/2/1963 نص  على الصبغة الإجبارية للظهير المذكور [34]، لكن ليس كل نص قانوني له طابع آمر أو هو من النظام العام يقضي تبليغ القضايا التي يطبق عليها إلى النيابة العامة، وهو يتطلب المزيد من الوقت والإجراءات ويؤدي إلى بطء القضاء.

كما أن المشروع نص من جهة أخرى على تبليغ القضايا المتعلقة بالأسرة إلى النيابة العامة (المادة 10) لكن المشروع لم يحدد ما المقصود بقضايا النفقة والرجوع إلى بيت الزوجية، وإذا كان هذا صحيحا فإنه سيغرق “قضاة النيابة العامة” بآلاف وربما مئات آلاف من القضايا الأسرية لكي تدلي فيها النيابة العامة بمستنتجاتها في حين الاجتهاد القضائي الصادر في ظل قانون الأحوال الشخصية القديم كان يميز بين قضايا النفقة وقضايا الحضانة والنسب جاعلا من هذه القضايا وحدها موضوع إدلاء النيابة العامة لمستنتجاتها وكان على المشروع أن يستفيد من هذا الاجتهاد القضائي، ويحسن استغلاله [35].

وفي الواقع وقبل إقفال الموضوع حول هذه النقطة لا بد من طرح السؤال التالي ما هي الجدوى من إدلاء النيابة العامة بمستنتجاتها الكتابية طبقا للفصل 9 من قانون المسطرة المدنية في القضايا المدنية طالما أن دورها هذا لا يعدو أن يكون مجرد دور شكلي لا يتعدى تحرير ملتمس النيابة العامة بشكل جد مختصر وفي غالب الأحيان يكون ذلك بواسطة نموذج معد سلفا خال حتى من ملخص للوقائع وبالأحرى أن يتطرق للمناقشة القانونية للقضية وبالتالي فإن تجربة النيابة العامة بخصوص تطبيق الفصل 9 من قانون المسطرة المدنية تظل تجربة سلبية باستثناء ما يقوم به بعض قضاة النيابة العامة لدى القضاء التجاري وقضاء الأسرة من عمل جيد في إطار الفصل 9 والسبب الأول في كل ذلك هو أن جهاز النيابة العامة لدى المحاكم الابتدائية هو جهاز في معظمه مثقل بالأشغال والملفات والمساطر ولا يتوفر على العدد الكافي من الموارد البشرية للقيام بواجباته ثم أن السبب الأخير في ذلك هو أن قضاء النيابة العامة يميل إلى سرد الوقائع ويهمل للمناقشة القانونية ويحصر نشاطه بنسبة 99% في تطبيقات القانون الجنائي بحكم تخصصه؟، وبالتالي فهو لا يكثرث بالقضاء المدني وبالأحرى تطبيق 9 من قانون المسطرة المدنية من تم فإننا نرى بأن المسألة في المقام الأول ليست مسألة تعديل النصوص من حين لآخر بل هي أساسا مسألة تطبيق النصوص كما هي موجودة، وفي حالة ما إذا أفرز التطبيق بعض العيوب أو السلبيات عندئذ يمكن الحديث عن تعديل النصوص.

الفقرة السابعة:

المسطرة الكتابية

تناول قانون المسطرة المدنية موضوع المسطرة الكتابية أمام المحاكم الابتدائية في الفصل 45 من قانون المسطرة المدنية والذي يحيل على المسطرة المطبقة أمام محاكم الاستئناف [36]، أما مشروع تعديل قانون المسطرة المدنية فهو لم يكتف من حيث الشكل بمعالجة الموضوع في فصل واحد أو مادة واحدة بل في 8 مواد من المادة 66 إلى المادة 73 تطرقت بتفصيل إلى المسطرة الكتابية أمام المحاكم الابتدائية ولم تكتف بشأنها بالإحالة على المسطرة المطبقة أمام محكمة الاستئناف كما فعل الفصل 45. وينص الفصل 331 من قانون المسطرة المدنية على أنه بإمكان الأطراف الاطلاع على مستندات القضية بكتابة الضبط دون نقلها، وأكدت على هذه القاعدة المادة 67 من المشروع متجاهلة الدورية الصادرة عن وزارة العدل [37] التي تبيح لمحامي الأطراف بنقل المستندات خارج المحكمة قصد تصويرها، وبالتالي نجد أن نصوص قانون المسطرة المدنية تنص على مبدأ معين أما الدوريات فهي تقول بعكسه، ونعتقد بأن الفرصة كانت سانحة للجنة إعداد المشروع لكي تلغي بعض كل مظاهر التناقض بين النصوص التشريعية وبعض الدوريات والمناشير لضمان حسن تطبيق القانون بشكل أفضل، وإن كانت المناشير والدوريات لا تلزم القاضي في شئ، بل هذا الأخير لا يلتزم إلا بالنصوص التشريعية والتنظيمية ويعتبر تحرير القاضي المقرر لتقريره طبقا للمادة 72 من المشروع والفصل 342 قانون المسطرة المدنية من بين الحلقات الأساسية في المسطرة الكتابية اختلفت المحاكم والاجتهاد القضائي في تطبيق المقتضيات القانونية المتعلقة بها [38]، الشئ الذي أفرغ المسطرة الكتابية من محتواها بالنظر لما يكتسبه “تقرير القاضي المقرر” من أهمية قصوى تتجلى في قيام القاضي المذكور بدراسة ملف القضية دراسة شاملة وعميقة بما يصون حقوق الدفاع ويعطي للقضية التكييف القانوني اللازم وهذه كلها شروط – لو اجتمعت – من شأنها أن تضمن إصدار أحكام جيدة، علما بأن ما يطغي اليوم في إنتاج المحاكم هو الكم على حساب الكيف نظرا لإهمال محاكم الموضوع تطبيق المسطرة الكتابية تطبيقا سليما ولا سيما في إحدى مراحلها أولا: وهي تحرير القاضي المقرر لتقريره الكتابي.

وفي هذا الإطار يرى بعض الفقه [39] بأن القاضي المقرر هو في الواقع مثقل بمهام كثيرة تحول بينه وبين السهر على تطبيق المسطرة الكتابية بالإضافة إلى أسباب أخرى ذات الصلة بقلة الموارد البشرية لدى كتابة الضبط وبضعف الإمكانيات التي يجب توفيرها إلى جهاز التبليغ، كل هذه المعيقات تمنع القاضي المقرر من أن يلعب دوره في تحقيق القضية والحكم فيها، بل يكتفي في أغلب الأوقات باتخاذ موقف سلبي يتجلى في التفرج على تبادل المذكرات بين الأطراف الذين يتخذون – أو بعضهم على الأقل – هذه المسطرة مطية للتماطل والتسويق ولا يحسم القاضي المقرر الأمر أو يبت في الدعوى إلا بعد آجال طويلة أو يكتفي بقبول الدفع بعدم قبول الدعوى التي مرت عليها عدة شهور وربما سنوات ولهذا فإننا نرى مع هذا الفقه أن المسطرة الكتابية تحتاج إلى تفعيل النصوص النافذة حاليا وليس إلى تعديلها، والتفعيل يحتاج إلى حشد الإمكانيات المادية والموارد البشرية من قضاة وكتاب الضبط ومفوضين قضائيين لتطبيق المسطرة الكتابية كل في دائرة اختصاصه، هذه هي رؤيتنا لتطبيق المسطرة المذكورة وهي رؤية “التطبيق قبل التعديل” أو “التطبيق اولا” وبدونها ستظل دار لقمان على حالها، وسنظل نحن نلقي اللوم على النصوص وعيوبها ونطالب تعديلها بالرغم من أننا لم نبادر إلى تجريبها بالتطبيق ولو مرة واحدة فكيف نحكم عليها بأنها عقيمة أو معيبة؟ وكم ننسى بأن القاعدة القانونية الجيدة قبل نشرها بالجريدة الرسمية فهي تفرض نفسها على المجتمع بالتطبيق العملي باعتبارها عادة أو عرفا أو ممارسة يومية لا محيد عنها وبعد ذلك يأتي المشرع ليرسخها ويزكيها وذلك من خلال إصداره لقاعدة قانونية مكتوبة.

ونشير في نهاية بحث موضوع المسطرة الكتابية إلى أن قضايا نزاعات الشغل كانت بموجب الفصل 45 قانون المسطرة المدنية تخضع للمسطرة الشفوية لا الكتابية، أما المادة 61 من المشروع فقد أخضعتها للمسطرة الكتابية التي ربما لن تنسجم مع هذا النوع من القضايا التي يجب أن تكون مسطرتها بسيطة مستعجلة [40] وبالتالي شفوية لا كتابية ولقد جاء في المادة 61 من المشروع ما يلي:

“تطبيق المسطرة الشفوية في القضايا التالية ….. القضايا الاجتماعية باستثناء دعاوى نزاعات الشغل مع مراعاة المقتضيات الخاصة التي تعج بها مدونة الشغل. “وكان المناسب جدا بل ومن المفيد أن يوضح المشروع هذه المقتضيات الخاصة وذلك بالإحالة على مواد مدونة الشغل التي قصدتها المادة 61 من المشروع الذي لا يجهل واضعوه بأن مدونة الشغل في قانون موضوع قبل أن يكون قانون المسطرة أو إجراءات! وبالتالي فإنه من الصعب الوقوف على تقاطعان بين تلك المدونة وقانون المسطرة.

الفقرة الثامنة:

إجراءات التحقيق

إن إجراءات التحقيق في قانون المسطرة المدنية هي الخبرة ومعاينة الأماكن والأبحاث وتحقيق الخطوط والزور الفرعي (الفصل 55)، ويضاف إليها توجيه اليمين (الفصل 85) وهي نفس إجراءات التحقيق تقريبا التي نص عليها المشروع في المادة 80 منه.

وسنكتفي في هذه الدراسة بالتطرق إلى أهم إجراء من إجراءات التحقيق وهو إجراء الخبرة الذي يعد ضروريا بالنسبة للقضاة من أجل الوصول إلى الحقيقة في المسائل التقنية أو الفنية لا القانونية، كتحديد قيمة العقار موضوع النزاع، أو المسؤولية المدنية لأحد الأطراف، أو نصيب أحدهم في عملية تجارية بعد إجراء محاسبة بينهم، إلى غير ذلك من مجالات الخبرة التي نظمها قانون المسطرة المدنية يشكل جيد يمكن معه ضمان حقوق جميع الأطراف المعنية بما فيها حقوق الخبير [41]، وهكذا نص القانون المذكور على وجوب إجراء الخبرة بحضور الأطراف وبعد استدعائهم طبقا للقانون (الفصل 63) ولا بد للخبير من التقيد بالنقط التقنية التي حددها القاضي في حكمه التمهيدي (الفصلان 59 و 64) ولا يتعدى اختصاص الخبير المجال الفني أو التقني دون المجال القانوني الذي يحرم عليه أن يفتي فيه (الفصل 59)، ويراقب القاضي إنجاز الخبرة في ظروف سليمة (الفصلان 63 و 64) وداخل الآجال المعقولة والمحددة من قبل القاضي وإلا تعرض الخبير للجزاءات التأديبية (الفصل 61) حتى لا تصبح الخبرة وسيلة للتماطل والتسويق وسببا في بطء القضاء، بل الأدهى من ذلك هو أن الخبرة لما تأخذ مسارا معينا وتقطع شوطا لا بأس به، يفاجأ الأطراف وغالبا ما يكون هو المدعي أو المستأنف الذي من مصلحته الإسراع بإنجاز الخبرة بكون الخبير يعتذر عن إتمام إنجاز الخبرة نظرا للصداقة أو الخصومة أو المصالح التي تربطه بأحد الأطراف وهذه إحدى صفات الاستقلال والحياد والاستقامة التي يجب أن تتوفر كل من يعمل في حقل المهن الحرة القانونية ومن بينهم الخبير لكن شريطة أن يعلن اعتذاره أو تجريحه الذاتي في اليوم الأول الذي بلغ فيه بالحكم التمهيدي الذي كلفه بالمهمة وليس بعد أن تمر على تبليغه مدة 3 أو 6 أشهر وربما سنة أو أكثر.

حاول مشروع تعديل قانون المسطرة المدنية أن يأتي بأفكار وقواعد جديدة كالاستغناء عن استدعاء الخبير لمحامي الأطراف وقت إنجاز الخبرة (المادة 86) وأن يجعل مقتضيات قانون المسطرة المدنية منسجمة مع القانون رقم 45/00 المنظم لمهنة الخبراء القضائيين كاستنجاد الخبير بوكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية في حالة ما إذا صادف عرقلة أثناء قيامه بمهمته (المادة 91)، غير أن بعض مواد المشروع تحتاج إلى إعادة الصياغة نظرا للغموض الذي يلفها، ومنها المادة 92 التي نصت على ما يلي: “تقدر عند الاقتضاء أتعاب الخبير بناء على أمر يصدره رئيس المحكمة التي عينته وذلك في إطار الأوامر المبينة على طلب، ويمكن للخبير ولكل من أطراف الدعوى الرجوع إلى الرئيس في حالة وجود صعوبة “وجاء في الأعمال التحضيرية لمشروع التعديل أن المقتضى الأخير من 92 مستوحى من المادتين 338 و 339 من مشروع القانون العربي الموحد العربي ولا المشروع المغربي لم يحدد ما المقصود بالصعوبة المذكورة في المادتين 338 و 339 بالصعوبة المذكورة في المادتين 338 و 339 عربي والمادة 92 مغربي، وإذا كان القصد منها منازعة الأطراف أو الخبير في أتعاب الخبرة كما حددتها المحكمة، فإن هذا الاحتمال أو الإشكالية سبق للفصل 127 من قانون المسطرة المدنية أن عالجها بقوله: “يمكن للخبير …. وللأطراف التعرض على الأمر الصادر بتقدير الأتعاب خلال عشرة أيام من التبليغ أمام رئيس المحكمة الابتدائية….”، وبالتالي فإن ما تعتبره لجنة صياغة المشروع من المستجدات في تعديل قانون المسطرة المدنية ليس كذلك على ما نعتقد.

ويحتوي ظهير 22 يونيو 2001 المتعلق بالخبراء القضائيين على العديد من القواعد الأساسية التي أدمج بعضها في مشروع التعديل كما سبقت الإشارة إلى ذلك، لكن البعض الآخر ظل خارج مشروع التعديل كما هو الحال بالنسبة للمادة 24 من الظهير المذكور والتي تنص على انه: “يطلع الخبير … القاضي … علي كل الصعوبات التي تعترضه في أداء مهامه” فهذه المادة جسدت أهمية التواصل الذي يجب أن يكون بين الخبير والقاضي في إطار إنجاز مهمة الخبرة من جهة، ويمكن هذا الأخير من ممارسة دوره في مراقبة الخبير إن إدعى وجود صعوبة ما، ونرى بأنه كان على المشروع أن يتضمن المادة 24 من القانون المشار إليه أعلاه.

وفي نهاية هذه الفقرة المتعلقة بالخبرة نفتح قوسين لنشير إلى القانون الجديد المتعلق بكيفية مراجعة أثمان كراء المحلات المعدة للسكنى أو الاستعمال المهني أو التجاري أو الصناعي أو الحرفي (ظهير 30 نونبر 2007)، الذي الغي نهائيا كل دور للخبراء في تحديد نسبة الزيادة في ثمن الكراء، بحيث أن المشرع هو الذي تولى تحديد هذه النسبة في 8% أو 10% بحسب ما إذا كان المحل مخصصا للسكنى او للتجارة (المادة 4) وقد تصل النسبة استثنائيا إلى 50% في حالات خاصة (المادة 5) وإن بقي شئ من هذا الدور فهو يتجلى في تحديد الظروف المبررة لتخفيض ثمن الكراء إن طلب منه القاضي ذلك (المادة 6) وبالمناسبة فهذا القانون لم يهمش الخبراء في مجال الأكرية فحسب بل نزع من قاضي الأكرية السلطة التقديرية التي كان يتمتع من قبل في تحديد السومة الكرائية اعتمادا على تقارير للخبراء في غالب الأحيان، مثلما سحبت بالأمس سلطة تقدير التعويض عن الضرر من قاضي حوادث السير وقاضي منازعات العمل فأصبح دور هؤلاء القضاة محصورا في مراقبة تطبيق قانون المسطرة المدنية والإجراءات القضائية ولم يعد لهم أي دور في تحديد التعويض في مثل هذه الحالات أو القضايا (حوادث السير، نزاعات الشغل الأكرية) وبعبارة أخرى فإن تراجع دور ” قاضي التعويض يجعل دور “قاضي المسطرة” لا زال قائما مما يدل على أهمية تطبيق قانون المسطرة المدنية بشكل إيجابي وسليم وتفعيل مقتضياته بشأن إجراءات التحقيق بهدف الوصول إلى الحقيقة وفي مقدمة هذه الإجراءات توجد الخبرة، كما سبق الإشارة إلى ذلك.

المبحث الثالث

انعكاسات مشروع تعديل قانون المسطرة المدنية

لكل قانون يصدر بالجريدة الرسمية – بعد أن يتجاوز عتبة المشروع – انعكاساته السلبية أو الإيجابية في محيطه القانوني وعلى مستوى التطبيقات القضائية، إلى جانب انعكاسات اخرى على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، هذا إذا كانت هناك حاجة أو أسباب تكمن وراء إخراج القانون أو مشروع القانون إلى حيز الوجود، فالتشريع أو القانون هو بمثابة “عقد أو تعاقد” بين المشرع والمجتمع على معالجة مشكلة اقتصادية أو اجتماعية ما بواسطة هذا القانون، أما إذا كان يلجأ التشريع لمجرد التشريع، أو التعديل لمجرد التعديل بدون دواعي أو مجرد عن كل غاية أو أهداف يجب أن تدرك، فربما هذا التعديل أو حتى التشريع سيكون بدون انعكاسات أو منعدم التأثير، وإن كانت هناك انعكاسات فسيكون السلبي منها أكثر من الإيجابي طالما أنه ليست هناك دراسة سابقة ولا أسباب نزول معلنة تبرر التشريع أو تعديل التشريع، وحتى بعد أن اطلعنا على ملامح الأعمال التحضيرية للمشروع وجدناها لا تشير إلى هذه الأسباب وكان على الأقل من الواجب ربطها بالإصلاح القضائي الذي فتحت أوراشها منذ منتصف التسعينات من القرن الماضي ولم تغلق بعد في انتظار أن تتوج بالإصلاح العميق والشامل للقضاء [42].

المطلب الأول:

انعكاسات مشروع التعديل من الناحية القانونية

قبل البحث في انعكاسات مشروع تعديل قانون المسطرة المدنية، لا بد من طرح تساؤل يتعلق بمعرفة طبيعة ومآل هذه التعديلات في قانون المسطرة المدنية، فهل ستحتفظ بصفتها كمجرد تعديلات رغم الكم الهائل من المواد أو الفصول التي تناولتها هذه التعديلات، وستبقي على ظهير 28 شتنبر 1974 المتعلق بقانون المسطرة المدنية قائما ومن غير أن تلغيه، أم أن هذه التعديلات الهامة من حيث الكم على الأقل والتي استغرق إعدادها أكثر من 5 سنوات ستفضي في النهاية إلى إلغاء قانون المسطرة المدنية لسنة 1974 وإصدار قانون جديد؟ رغم أهمية العمل والمجهودات التي بذلتها لجنة مراجعة ومواكبة التشريعات لإعداد تعديلات قانون المسطرة المدنية نعتقد بأن مستوى إعداد وتحضير هذه التعديلات سترقى إلى درجة إلغاء قانون المسطرة المدنية الحالي لا سيما وأننا لا نتوفر على أسباب نزول “تعديل” أو “إلغاء” قانون المسطرة المدنية الحالي، وسبق لنا مناقشة هذه النقطة [43] في مطلع الدراسة هذا من جهة أما من جهة أخرى فإن عملية إصدار قانون جديد وإلغاء القديم تتطلب مراجعة لقانون المسطرة المدنية والإبقاء على معظم فصول القانون القديم سواء من حيث الشكل أو الموضوع، وأن يتعلق الأمر بكتابة “جديدة” لقانون المسطرة المدنية والإبقاء على معظم فصول القانون القديم فهو يظل عملا بعيدا كل البعد عن وصفه بالقانون الجديد، ومهما كانت طبيعة تعديلات قانون المسطرة المدنية بمعنى هل هي تشكل قانونا جديدا أم هي مجرد “تعديلات” ستدخل على قانون المسطرة المدنية ستبقي عليه ولن تلغيه، فما هو موقعها في المنظومة القانونية المغربية، وكيف ستؤثر على “البيئة” القانونية أو المحيط القانوني الدائر من حولها؟

نظرا للمؤاخذات [44] التي وجهها الممارسون إلى قانون المسطرة المدنية باعتباره قانونا معقدا في إجراءاته، غير ناجع في نتائجه، بطئ في مساره، مجحف في حق المدعي لا سيما إذا كان دائنا فإننا نلاحظ بان المشرع تجاوب مع هذه المؤاخذات وأصدر عدة قوانين تضمنت قواعد إجرائية أو مسطرية من شأنها أن تضمن لقانون المسطرة ميزة البساطة والسرعة والفعالية ومن هذه القوانين على سبيل المثال الحصر القانون المنظم لمهنة الخبراء [45] والقانون المنظم لاستيفاء واجبات الكراء [46] أو مراجعة السومة الكرائية [47] ومدونة الأسرة [48] والقانون الجديد للتحكيم والوساطة [49].

ثم هناك مسطرة مدنية خاصة بقضايا التحفيظ العقاري [50] ومسطرة مدنية خاصة بقضايا حوادث الشغل [51]، فهل هذه القوانين الخاصة منسجمة مع قانون المسطرة وهل عمل مشروع التعديلات على خلق المزيد من الانسجام بين قانون المسطرة المدنية وباقي القوانين، ثم إن القوانين المنشئة للمحاكم الاستثنائية [52] أو المحاكم المتخصصة كما يسميها البعض، تضمنت العديد من القواعد المسطرية الخاصة تم إدماج بعضها بشكل أو بآخر في قانون المسطرة المدنية أو تبناها مشروع تعديلات قانون المسطرة المدنية [53]، ومن تم نخلص إلى فكرة أساسية وهي أن قانون المسطرة المدنية أو مشروع تعديلاته لم يعد ذلك الشريعة العامة للمسطرة المدنية أو المرجع الأساسي في هذا المجال وفقد بالتالي صفة القانون المؤثر في محيطه القانوني وفي باقي القوانين المرتبطة به بل أصبح قانون المسطرة المدنية القانون الخاضع لتأثير القوانين المؤسسة للمحاكم المتخصصة أو الاستثنائية، وبالتالي فإننا نتوقع أن يكون هامش تأثير أو انعكاس مشروع التعديلات في محيطه القانوني سيكون ضئيلا، كما أن هذه النتيجة السلبية المتوقعة مرتبطة في جزء منها بغياب أسباب نزول تعديلات قانون المسطرة المدنية وبمعنى آخر فكلما شرع المشرع تشريعا لأسباب معينة ومحددة ومعروفة سلفا كلما جاءت النتائج إيجابية، وكلما كان التشريع الجديد أو تعديلات التشريع فاقدا لأسباب وجوده أو لأسباب تدعو إليه كلما كان هذا القانون أو التعديل سلبيا وتأثيره في الناحية القانونية.

ولا يجب أن يغيب عن ذهننا أن قانون المسطرة المدنية هو قانون عملي في حاجة إلى ممارسة يومية ومن تم فهو يطرح دوما إشكاليات عملية [54] تحتاج إلى إجابات قانونية بشكل دوري منتظم وبموازاة مع تطور الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وبالتالي لا يمكن القول بأن مراجعة شاملة لفصول قانون المسطرة المدنية طالت مدتها ما يزيد عن 5 سنوات سيكون من شانها أن تجيب على كل الإشكاليات القانونية المطروحة [55] أو المتوقعة وبان باب تعديل قانون المسطرة المدنية أغلق نهائيا في الوقت الحالي ولن يفتح إلا في المدى المتوسط أو البعيد، وبالتالي فإننا نعتقد بأنه من الناحية المنهجية بأن التشريع الفعال والناجع هو الذي يطرح أسئلة مختصرة آنية وعملية ويجيب عنها بنفس الصيغة والأسلوب، أي تشريع مختصر سريع وعملي حتى يكون تشريعا مؤثرا في ذاته ومحيطه [56].

المطلب الثالث

انعكاسات المشروع من الناحية القضائية:

حينما نتحدث عن الانعكاسات المحتملة لمشروع تعديلات قانون المسطرة المدنية من الناحية القضائية فإننا نستحضر أولا جهاز القضاء باعتباره هو الآلية المكلفة والمؤهلة لتطبيق القوانين بما فيها قانون المسطرة المدنية وتعديلاته، هذا الجهاز اتجهت إليه في الوقت الحاضر أنظار عدة فاعلين وسياسيين وبعض فعاليات المجتمع المدني لتطالب بإدخال إصلاحات عميقة عليه من الناحية الدستورية أولا، ثم من الناحية القانونية ثانيا، ونعتقد بأن هذا النوع من الإصلاحات يعد غير كاف لتطوير جهازنا القضائي إذا لم تصاحبه إصلاحات من الناحية التقنية، والمفروض في مصالح وأقسام وبرامج المعهد العالي للقضاء ان تكون قد أعدت خطة لتحقيق هذه الإصلاحات التقنية لفائدة الملحقين القضائيين أو القضاة الممارسين الذين يتكون منهم الجهاز القضائي الذي ربما تغلب على مشكلة إنتاج الأحكام أي الكم لكن بعض الفقه [57] يرى بأنه لم يكتسب بعد رهان الكيف أي توفر الأحكام على جودة عالية من حيث الدراسة والتحقيق والتكييف والتعليل وإيجاد الحل القانوني والعادل في منطوق الحكم. فكيف نريد أن يسترجع المتقاضون والمجتمع المدني ثقتهم في القضاء إن كانت أحكامه تعوزها الدقة القانونية والصنعة القضائية أو تقتصر إلى تعليل مقنع أو يستعصي تنفيذها لأسباب ترجع إلى القضاة أساسا وقبل المتقاضين ومناوراتهم للتملص من التنفيذ؟

إذن كيف سيتعامل الجهاز القضائي مع تعديلات مشروع قانون المسطرة المدنية هذا التعامل سوف يكون هو نفس تعامله مع قانون المسطرة المدنية النافذ حاليا الذي لا تطبق بشكل دقيق كثيرا من فصوله الأساسية من الناحية القضائية مثل مقتضيات الفصول 19، 32، 37، 39 و 45، كما أن هذا الجهاز المكون في أساسه من محاكم الموضوع لا يأخذ بقرارات المجلس الأعلى الصادرة في مادة قانون المسطرة المدنية إما عن قصد أو عن غير قصد بسبب عدم إطلاعه على اجتهادات المجلس الأعلى والتي يتعذر نشرها أحيانا بشكل منهجي ودوري ومنتظم. إن التعديلات التي أتى بها المشروع – موضوع التعليق – يمكن وصفها بأنها تعديلات طفيفة وتكتيكية وليست لها نفس الأهمية الإستراتيجية التي كانت لقانون المسطرة المدنية لسنة 1974 أو حتي للتعديلات التي أدخلت عليه سنة 1993، ومن تم فإننا نتوقع أن لا تكون لمشروع تعديلات قانون المسطرة المدنية الحالية انعكاسات أو تأثيرات ذات أهمية بالغة على تطبيقات القضاء لقانون المسطرة المدنية، لأن التغير العميق والجذري والفعال لقانون المسطرة المدنية لا يتحقق إلا إذا اقترن بتغير في التنظيم القضائي كذلك وهو ما حدث في سنتي 1974 و 1993.

ومهما كانت أهمية أو حجم أي تعديل تشريعي وكيفما كان تنوعه فإن سر نجاحه يكمن في التدابير المصاحبة التي تتخذ من أجل تطبيقه انطلاقا من الاجتماعات والورشات والأيام الدراسية التي تنظمها وزارة العدل أو المعهد العالي للقضاء لدراسة وشرح مضامين القانون الجديد وانتهاء بالنصوص التنظيمية من مراسيم وقرارات وزيرية التي يفتقر إليها قانون المسطرة المدنية وهذه إحدى نقط ضعف قانون المسطرة المدنية في صيغته الحالية أو المرتقبة، لأن هذا القانون يعج بالكثير من النقط العملية والجوانب التنظيمية [58] التي تحتاج إلى قرار وزيري أو مرسوم وليس إلى تعديل تشريعي، ولأجل سد هذا الفراغ “التنظيمي” نرى الإدارة تلجأ إلى إصدار دوريات أو مناشير لشرح ما غمض أو ما هو ملتبس في قانون المسطرة المدنية وهي لا تلزم من حيث المبدأ القاضي بأي شيء، وبدلا من هذه الوثائق الإدارية التي لا قيمة تشريعية أو تنظيمية لها، نرى بأنه يستحسن التفكير في إعداد العدد الكافي واللازم من النصوص التنظيمية (قرارات وزيرية ومراسيم) التي من شانه أن تضمن الحيوية والمرونة والفعالية في التطبيق القضائي لقانون المسطرة المدنية مع احترام طبعا الحدود الفاصلة بين الجانب التشريعي والجانب التنظيمي عند التفكير في وضع أي نص وفقا للمعايير الدستورية الجاري بها العمل.

المطلب الثالث:

انعكاسات المشروع من الناحية الاقتصادية والاجتماعية

فضلا عن الانعكاسات القانونية والقضائية التي بحثناها فيما ذكر أعلاه، نرى الآن ما هي الانعكاسات المحتملة في المجالين الاقتصادي والاجتماعي.

إن المتقاضي سواء كان مواطنا عاديا له دعوى تقدر قيمتها ببضعة آلاف الدراهم أو مستثمرا رفع دعوى يطالب فيها بمبالغ تقدر بالملايين والملايير فهو متعطش إلى رؤية العدالة وهي تنصفه بسرعة وبدون بطء بإصدار أحكام تتصف بالجودة والمهنية وتبلغ وتنفذ بنفس السرعة التي تصدر بها [59] ولهذا نرى بأن القاعدة الذهبية لإصلاح قانون المسطرة المدنية هي: السرعة في الإجراءات “والجودة في الأحكام” والتنفيذ داخل آجال معقولة فهذه الصفات هي التي يجب أن يتحلى بها قانون المسطرة المدنية لأنها وحدها القادرة على إرجاع الثقة إلى القضاء وكذلك بعث الطمأنينة في نفس المتقاضي سواء مستثمرا أو مواطنا عاديا ولا أدري فيما إذا كانت تعديلات قانون المسطرة المدنية قادرة على كسب هذا الرهان لا سيما وأنها لم تربط بقاطرة الإصلاح القضائي الذي كثر عنه الحديث هذه الأيام وربما لن يتوقف هذا الحديث حتى في المستقبل، والدليل على ما نقول هو أن رجال الأعمال في مجالسهم الخاصة وفي اجتماعاتهم العلنية ومؤتمراتهم ووثائقهم كثيرا ما انتقدوا ما يبطء الإدارة، وإن كان هذا الادعاء صحيحا ولو جزئيا، فإن المشرع أو من يضع مشاريع القوانين يتحمل مسؤولية سوء تطبيق القوانين التي نشأت وهي معيبة ولم يفلح الاجتهاد القضائي في إصلاحها أو لم يعمل على ذلك أصلا.


[1] للمزيد من الإيضاح انظر في هذا الصدد:

Vincent (JEAN), GUINCHAR (SERGE), PROCEDURE CIVILE, DALLOZ, PARIS 1999, P 7.

[2] ومثال ذلك أن يهمل المدعي تنصيب محامي للدفاع عنه رغم إنذاره بذلك صراحة من قبل القاضي أو يهمل إرفاق مقال بالمستندات التي ينوي الاعتماد عليها رغم الإنذار الذي تلقاه بتصحيح المسطرة، انظر قرار: المجلس الأعلى، الغرفة التجارية، عدد 16/1/8 رقم 64 منشور بمجلة القضاء والقانون عدد 155، ص 209 حول مسؤولية المحامي تجاه زبونه.

[3] يتجلى السبب القضائي في رغبة وزارة العدل تقريب القضاء من المتقاضين وتوسيع الخريطة القضائية وكان من اللازم اعتماد نظام القضاء الفردي بدلا من القضاء الجماعي سنة 1974.

[4] يعتبر قانون المسطرة المدنية مصدرا حتى بالنسبة لقانون المسطرة الجنائية

[5] يعد مبدأ مجانية القضاء أحد الخصائص التي يعرف بها القضاء الرسمي للدولة، يقصد به أن المتقاضين لا يتحملون أجور القضاة وكتاب الضبط ومصاريف فتح الملفات ووثائقه. أما ما يؤديه المتقاضون من رسوم قضائية قبل رفع الدعوى لا يمثل حقيقة صائر الدعوى ويكاد أن يكون أداء رمزيا. للمزيد من الإيضاح راجع: الكزبري (مأمون) العلوي العبدلاوي (إدريس)، شرح قانون المسطرة المدنية، الجزء الثاني، طبع دار القلم، بيروت، 1975 ص 121.

[6] حسب المادة 3 من مرسوم 23 يونيو 1998 المتعلق بتحديد اختصاصات وتنظيم وزارة العدل فإن مديرية الشؤون المدنية تختص أساسا بقضايا الجنسية والحالة المدنية والقاصرين وفاقدي الأهلية، كما أنها مكلفة بتتبع قضايا القانون المدني والعائلي والتجاري والإداري وتسهر على حسن تدبير المحاكم، وبموجب المادة 9 من المرسوم المذكور فإن مديرية الدراسات والتعاون والتحديث تتوفر على اختصاصات واسعة وتتكون من عدة أقسام أهمها قسم الدراسات والتشريع الذي تتفرع عنه عدة مصالح أساسية وهي مصلحة الدراسات القانونية والقضائية العامة ومصلحة القانون الخاص ومصلحة القانون العام.

[7] المادة 7 من ظهير 10 شتنبر 1993 المنظم للمحاكم الإدارية.

[8] المادة 19 من ظهير 12 فبراير 1997 المنظم للمحاكم التجارية.

[9] انظر في هذا الصدد أمثلة الدعاوى المختلطة التي جاءت في مؤلف: الكزبري (مامون) العلوي العبدلاوي (إدريس) شرح المسطرة المدنية، الجزء الثاني، طبع دار القلم، بيروت 1973، ص 174.

[10] الفصل 4 من ظهير 15 يوليوز 1974 المتعلق بالتنظيم القضائي نص على أن المحكمة الابتدائية تعقد جلساتها بحضور ثلاثة قضاة وبمساعدة كاتب الضبط للبت في الدعاوى العقارية العينية والمختلطة.

[11] المجلس الأعلى، الغرفة المدنية، قرار 14/3/1979 رقم 109، المجلس الأعلى، منشورات مركز النشر والتوثيق القضائي، قرارات الغرفة المدنية المتعلقة بقانون المسطرة المدنية، الذكرى الخمسين لإحداث المجلس الأعلى، الرباط 2005، ص 19.

[12] فجر (إدريس) مدونة الشغل حصيلة سنتين من التطبيق القضائي، الغرامة اليومية في قضايا حوادث الشغل، منبر الدراسات القانونية والقضائية، العدد الأول، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء 2007، ص 89 وما بعدها.

[13] الفصل 25 من ظهير 12 غشت 1913 المتعلق بالتحفيظ العقاري نص بالضبط على الصيغة التالية: “…. من له رغبة بالتعجيل…..”: وتقابلها بالفرنسية: La Partie la plus diligente كما استعمل قانون شركات المساهمة مصطلحا قريبا من الذي اقترحناه وهو مصطلح “أمكن لكل ذي مصلحة” (المواد 12 و 15 و 879)، أما المادة 116 من نفس القانون فقد اختارت مصطلح “كل من يهمه الأمر”.

[14] قانون مع مصطلح التصالح في الفصل 277 من قانون المسطرة المدنية، انظر كذلك: فجر (إدريس) من إجراء التصالح أو التوفيق أمام القاضي إلى نظام الوسيط لحل النزاعات، أشغال ندوة نظمتها كلية الحقوق بفاس وزارة العدل وهيئة المحامين بفاس يومي 4 و 5 أبريل 2003 حول الطرق البديلة لتسوية المنازعات، منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية، الرباط، 2004، ص 142 وما بعدها.

[15] هذا ما أشار إليه المرحوم الأستاذ المعطي بوعبيد في تقديمه لكتاب الأستاذ أدولف ريولط المذكور في الهامش رقم 32 الآتي بعده من هذه الدراسة.

[16] انظر على سبيل المثال لا الحصر العدد الهائل من المراجع والمقالات المغربية التي أشار إليها في مؤلفة الأستاذ: الطالب (عبد الكريم) الشرح العملي لقانون المسطرة المدنية، نشر مطبوعات المعرفة، مراكش، 2006 ص 468.

ومن سخرية القدر أنه حتى مؤلف الأستاذ أدولف ريولط “قانون المسطرة المدنية في شروح” وهو مؤلف على قدر كبير من الأهمية لم يعتمد عليه بشكل أساسي في الأعمال التحضيرية لتعديل قانون المسطرة المدنية بالرغم من كون الأستاذ أدولف ريولط كان من بين أعضاء لجنة صياغة قانون المسطرة المدنية لسنة 1974 (أنظر الهامش رقم 15 أعلاه).

[17] أنظر في هذا الشأن:

AUBERT (JEAN-LUC), INTRODUCTION AU DROIT, COLLECTION QUE SAIS-JE ? Presses universitaires de France, paris, 2002, p 88.

بل أكثر من هذا نجد أن الفقه في فرنسا مثلا هو الذي تولى أمر التعديلات التي أدخلت سنة 1975 سواء من حيث الدراسة أو الصياغة انظر في هذا الصدد: …

VINCENT ET GUINCHARD, OP. CIT, P 65.

[18] لئن كان الفصل 342 قانون المسطرة المدنية استوجب تحرير المستشار المقرر لتقرير مكتوب، فإن الاجتهاد القضائي قد لطف من حدة هذه المادة وأعفى المستشار المقرر من هذا الالتزام وذلك في الحالة التي تحجز فيها القضية للمداولة بعد إدراجها بأول جلسة انظر في هذا الصدد: المجلس الأعلى، الغرفة المدنية، قرار بتاريخ 19/12/2000 رقم 4887 منشور بالمجلس الأعلى، مركز النشر والتوثيق القضائي مرجع سابق ص 330.

[19] المجلس الأعلى، الغرفة المدنية، قرار 29 يونيو 1994 رقم 2325، منشور بالمجلس الأعلى، مركز النشر والتوثيق القضائي، مرجع سابق، ص 266.

[20] انظر الفقرة رقم 15 والهامش رقم 18.

[21] الفصل 36 من قانون المسطرة المدنية ينص على أنه: “يستدعي القاضي حالا المدعي والمدعى عليه كتابة إلى جلسة يعين يومها….”

[22] القاعدة القانونية (الفصل 36 من قانون المسطرة المدنية) تقضي بأن يستدعي القاضي أطراف الدعوى الذين يتعين تبليغ الاستدعاء إليهم، لكن إذا كانت كتابة الضبط بصندوق المحكمة هي التي تحدد تاريخ الجلسة فإنها تبلغ الاستدعاء فورا لأحد أطراف الدعوى على الأقل ألا وهو المدعي وهذا هو الجانب الإيجابي في الممارسة ولكنه مخالفا للقانون (الفصل 36 من قانون المسطرة المدنية)، ولهذا اقترحنا أن تتم العملية تحت إشراف القاضي وبعلمه وليس في غيابه ويمكنه أن يفعل ذلك بتسليم لائحة تواريخ الاستدعاء إلى كتابة الضبط التي تراجعه كلما كانت هناك ضرورة.

[23] هذه الحالة نسمع بها أحيانا وما فتئت تتكرر وهي تمس بمبدأ أساسي يتعلق بتأمين حقوق الدفاع للمواطن العادي في مواجهة المحامي، وهذا المبدأ منصوص عليه في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان المؤرخ في 10 دجنبر 1948 (الفصلان 7 و 8)، وفي حالة خرق هذا المبدأ بشكل أو بآخر فإن المدعي (المواطن العادي) يجرد عمليا من حق ولوج العدالة وعلى الدولة أن تكفل له هذا الحق حتى يكون المواطنون جميعا سواسية أمام القانون …. وأمام العدالة (الفصل 5 من الدستور).

[24] قارن مع المادة 17 من ظهير 12 فبراير 1997 المنظم للمحاكم التجارية والتي تنص على أن المحكمة تحدد تاريخ النطق بالحكم عند وضع القضية في المداولة.

[25] راجع في هذا الصدد قرار المجلس الأعلى بغرفتين الصادر بتاريخ 22/12/2004 تحت عدد 616 منشور بمجلة القضاء والقانون عدد 152 ص 211.

[26] تم تعديل قانون الالتزامات والعقود بظهير 30 نونبر 2007 أصبح بموجبه التبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية منظما بشكل دقيق ونأمل أن تخضع الوثائق والشهادة الإلكترونية المستعملة في إطار قانون المسطرة المدنية لنفس التنظيم القانوني.

[27] قارن مع المادة 6 من قانون المحاكم التجارية (ظهير 12/2/1997) التي نصت على اختصاص هذه المحاكم بالنظر في الطلبات الأصلية التي تتجاوز قيمتها 20.000 درهم.

[28] قارن مع المادة 13 من قانون المحاكم الإدارية والمادة 8 من قانون المحاكم التجارية.

[29] في التنظيم القضائي الفرنسي توجد فعلا محكمة للنزاعات واحدة على الصعيد الوطني تتألف من قضاة بمجلس الدولة وقضاة من محكمة النقض ومهمتها تنحصر في تحديد من هو القضاء المختص بالنزاع المعروض عليها هل هو القضاء الإداري أم القضاء العادي، وربما سنكون في حاجة نحن كذلك في المغرب، إلى إحداث هذه المحكمة ولو على شكل غرفة بالمجلس الأعلى تكون مهمتها تحديد الجهة القضائية المختصة بالبت في نزاع ما هل هو القضاء العادي أم الإداري أم التجاري.

[30] انظر حول هذه النقطة قرار المجلس الأعلى، الغرفة المدنية بتاريخ 13 فبراير 1989، رقم 433 ملف عدد 2543/86 والذي جاء فيه: “…. لما كان الطاعن يدعي الحق لنفسه وليس لغيره فقد كانت له الصفة في الدعوى بقطع النظر عن إثبات الملك الذي يتعلق بمحل الحق وموضوع الدعوى….” منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى، عدد 46، ص 93.

[31] الطالب (عبد الكريم)، مرجع سابق، ص 162 و 163.

[32] قارن مع قرار المجلس الأعلى، اجتماعي، الصادر في 23/3/1987 تحت رقم 157، مجلة الندوة عدد 4، وجاء فيه: “…. إن المحكمة طبقا لمقتضيات الفصل 3 من قانون المسطرة المدنية هي التي تكيف النزاع المعروض عليها حسب الغرض المقصود منه وحسب ما يستنتج من الوقائع المعروضة عليها لا حسب تكييف الأطراف لأنها هي التي تطبق القوانين الواجبة التطبيق….”

[33] فجر (إدريس)، منبر الدراسات القانونية والقضائية، عدد 1، مرجع سابق، ص 93.

[34] الفصل 347 من ظهير 6 فبراير 1963 المتعلق بحوادث الشغل نص صراحة على “صبغة الظهير العمومية” التي تلغي بحكم القانون كل اتفاقية مخالفة لها.

[35] فجر (إدريس)، منبر الدراسات القانونية والقضائية، عدد 1، مرجع سابق، ص 95.

[36] انظر الفصل 328 وما بعده من قانون المسطرة المدنية.

[37] انظر الدورية التي وجهتها وزارة العدل مديرية الشؤون المدنية إلى محاكم المملكة حول هذا الموضوع بتاريخ 7 ماي 2002 تحت رقم 9673/2.

[38] أنظر في هذا الشأن:

Ruolt (ADOLPHE), CODE DE PROCEDURE CIVILE ANNOTE, MINISTERE DE LA JUSTICE, RABAT, P 231.

انظر كذلك في نفس الموضوع الفصل 342 من قانون المسطرة المدنية قبل وبعد تعديله بموجب ظهير 10/9/1993 فيما يخص تلاوة تقرير المستشار المقرر.

[39] للمزيد من التفصيل:

  • RUOLT, OP.CIT, P.231
  • RAZON (JEAN PAUL), LES INSTITUTIONS JUDICIAIRES ET LA PROCEDURE CIVILE DU MAROC, IMPRIMERIE NAJAH EL JADIDA, CASABLANCA, 1998,P 160.

[40] الفصل 754 من قانون الالتزامات والعقود.

[41] الفصل 127 من قانون المسطرة المدنية.

[42] للمزيد من المعلومات انظر كلمة السيد عبد الواحد الراضي وزير العدل الموجهة إلى المؤتمر 26 لجمعيات هيئات المحامين بالمغرب المنعقد بطنجة في 15 ماي 2008.

انظر كذلك:

Laghacha (Hassan), justice au maroc, la necessaire reforme, le reporter sur web, le 1-12-2007.

[43] ارجع إلى الفقرة رقم 4 سابقا.

[44] طالع:

VINCENT ET CUINCHARD, OP CIT, P 7 ET 84.

[45] المادة 23 من ظهير 22 يونيو 2001 المنظم لمهنة الخبراء القضائيين، تنص على أن كل تأخير غير مبرر في إنجاز الخبرة يعد مخالفة مهنية تعرض الخبير لعقوبة تأديبية، قارن مع الفصل 61 قانون المسطرة المدنية.

[46] ظهير 25 أغسطس 1999 المتعلق باستيفاء الوجيبة الكرائية، المادة الأولى وما بعدها.

[47] ظهير 30 نونبر 2007 المتعلق بكيفية مراجعة أثمان كراء المحلات المعدة للسكنى أو الاستعمال المهني أو التجاري أو الصناعي أو الحرفي، المواد 4 و 5 و 8.

[48] مدونة الأسرة في المواد 53 و 97 و 190 مثلا نصت على تدابير سريعة وآجال قصيرة للبت في منازعات قضاء الأسرة.

[49] ظهير 30 نونبر 2007 المغير والمعدل لقانون المسطرة المدنية الذي استحدث الوساطة الاتفاقية لحل النزاعات بسرعة وهو نظام مبسط بالمقارنة مع نظام التحكيم.

[50] قارن على سبيل المثال لا الحصر الفصل 42 من ظهير 12 غشث 1913 المتعلق بالتحفيظ العقاري بالفصل 142 من قانون المسطرة المدنية وذلك من زاوية ضرورة تضمين المقال الاستئنافي الأسباب أو الوسائل المثارة، إذ يلاحظ وجود خلاف جوهري بين المادتين.

[51] ظهير 6 فبراير 1963 المتعلق بحوادث الشغل حدد أجل الاستئناف (الفص 258) في 60 يوما، أما أجل التعرض (الفصل 259) فقد حدد في 15 يوما، أما قانون المسطرة المدنية، فقد حدد الأجل الأول في 10 أيام (الفصل 130) والثاني في 30 يوما (الفصل 13)، وهي نفس الآجال المنصوص عليها على التوالي في الفصلين 286 و 287 من قانون المسطرة المدنية، والمنطق يقضي بأن يتم التنصيص على هذه الآجال حتى في ظهير 6/2/1963 وليس في قانون المسطرة المدنية فحسب وذلك للاعتبارات التالية: فهذا القانون أي قانون المسطرة المدنية حدد في الفصل 20 طبيعة القضايا الاجتماعية وهي نزاعات الشغل وحوادث الشغل والأمراض المهنية والضمان الاجتماعي والفصلان 286 و 287 من قانون المسطرة نظما آجال الطعن في أحكام القضايا الاجتماعية، لكن الأحكام الصادرة في قضايا حوادث الشغل تتوفر على مقتضيات قانونية خاصة – والخاص مقدم على العام – للطعن بموجبها في تلك الأحكام كما هو موضع أعلاه، وهو الشيء الذي يثير من حيث المبدأ بعض اللبس ما لم يقع انسجام بين النص الخاص والنص العام.

[52] يعتبر البعض المحاكم الإدارية والمحاكم التجارية محاكم متخصصة في حين أنها محاكم استثنائية لأنها تقابل المحاكم الابتدائية التي تعد محاكم عادية، راجع حول هذه النقطة:

VINCENT ET CUINCHARD, OP CIT, P 294 ET D.

[53] انظر التعديل الذي أدخل على الفصل 429 من قانون المسطرة المدنية بموجب ظهير 30/2/2004 والذي احدث القاضي المكلف بمتابعة إجراءات التنفيذ وهي المؤسسة التي سبق إحداثها على مستوى المحاكم التجارية (المادة 28 من ظهير 12/2/1997).

[54] ومثال ذلك المادة 30 من مشروع التعديلات التي نصت على ضرورة البت في الدفع بعدم الاختصاص النوعي بحكم مستقل وداخل أجل 8 أيام، هذه القاعدة مأخوذة من المادة 8 من قانون المحاكم التجارية، وإلى حد ما من المادة 13 من قانون المحاكم الإدارية.

[55] أنظر التفاصيل لدى:

Vincent et Guinchard, op. cit, P75.

[56] بالإطلاع على برنامج التكوين المستمر للقضاة عن سنة 2007 المنشور على موقع الإنترنيت للمعهد العالي للقضاء (لغاية يوم 4/7/08) وجدناه خاليا من كل موضوع يناقش إحدى الإشكاليات التي تطرقنا إليها من خلال هذه الدراسة.

[57] أنظر:

JALAL ESSAID (MOHAMED), L’lNTRODUCTION A L’ETUDE DU DROIT, IMPRIMERIE FEDALA, Mohamedia, A 1988, P 219.

[58] من هذه الجوانب التنظيمية في قانون المسطرة المدنية هناك: مسطرة تنصيب القيم (الفصل 39) ومسطرة بيع منقول أو أصلي تجاري أو عقار (الفصل 460 وما بعده)، وتحديد شروط الترشيح لمهمة وسيط المنصوص عليها في الفصل 66 – 327 وما بعده.

[59] أنظر الفقرة رقم 5 سابقا.

https://powderencouraged.com/zht6b3bs66?key=8523542c4aaf6f083ce56f74bd271319
https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من فضاء المعرفة القانونية -espace connaissance juridique

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة