مَسْؤُوليَّة ُ مُدير ِ الشَّركة ذات ِ المَسْؤُوليَّة المَحْدودَة ِ
إعداد
د/ عبد الله مسفر الحيّان
أستاذ مشارك قسم القانونِ الخاصِّ – كلِّيَّة الحقوقِ – بجامعة الكُوَيْت
د/ عبد الوَهّاب عبد اللَّطيف صادق
أستاذ مساعد قسم القانونِ الخاصِّ – كلِّيَّة الحقوقِ بجامعة الكُوَيْت
المُقدِّمة
الشَّرِكَةُ ذاتُ المسؤولية الْمَحْدودَة هي الشَّرِكَةُ الَّتي تتكوَّنُ بين شريكَيْنِ أو أكثرَ، مَسْؤولين عَنْ دُيونِ الشَّرِكَة بقدر حصصهم في رأسِ المال، ولا يزيدُ عددُ الشُّرَكاء في هذه الشَّرِكَة عن خمسينَ. ومن أهمِّ خصائصِها المَسْؤُوليَّةُ الْمَحْدودَةُ للشُّركاءِ؛ فلا يُسْألُ الشّريكُ في الشَّرِكَة ذاتِ المَسْؤُوليَّة الْمَحْدودَة عَنْ دُيونِ الشَّرِكَة إلّا بقدرِ حصَّتِه في رأس المالِ، وهذه الخاصيّةُ هي أساسُ تسمية هذه الشَّرِكَة، وهي تسمحُ للشُّركاءِ بتحديد مسؤوليّتهم عن مخاطرِ المشروع دُونَ حاجةٍ إلى الالتجاءِ إلى شكْلِ شركة المساهمة؛ ومن ثَمَّ فهي تجعل الشريكَ في هذه الشَّرِكَة في مركزٍ يماثل مركزَ الشَّريكِ في شركة المساهمة.
بَيْدَ أنَّه يُلاحَظُ أنَّ مَسْؤُوليَّةَ الشَّرِكَة ذاتِ المَسْؤُوليَّة الْمَحْدودَة ذاتها عن ديونها ليستْ محدودةً، بل هي مُطْلَقَةٌ في جميع أَمْوالِها، ولكنَّ مَسْؤُوليَّةَ الشُّرَكاءِ فيها هي الْمَحْدودَةُ بقدر حصَّة كلٍّ منهم في رأسِ المالِ.
ويُديرُ الشَّرِكَةَ ذاتَ المَسْؤُوليَّة الْمَحْدودَة مديرٌ أو أكثرُ من بين الشُّرَكاءِ أو من غيرِهم، ويُعَيِّنُ عَقْدُ التَّأْسيسِ المُديرينَ في أغلبِ الأحوالِ. فإذا لم يُعَيِّنْ عَقْدُ التَّأْسيسِ المُديرينَ؛ عيَّنَتْهم الجَمْعيَّةُ العامَّةُ للشُّركاء. ويُعيِّنُ عقْدُ التَّأْسيسِ سُلْطةَ المديرينَ؛ فإذا سكت، كان لمديري الشَّرِكَة سلطةٌ كاملةٌ في النِّيابة عنها. والمديرونَ مَسْؤولونَ بالتّضامُنِ تجاه الشَّرِكَة والشُّرَكاء والغَيْرِ عن مخالفتهم لأحكام القانون أو لعقد التَّأْسيس، أو عن خطأ في الإدارة؛ وَفْقًا للقواعد المنصوصِ عليها في شركة المساهمة.
وقد نَظَّمَ قانونُ الشركاتِ التجاريَّة الكويتيُّ السابقُ رَقْم 15/1960 (المُعدَّلُ بالمرسوم بقانون رَقْم 52 تاريخ 15/6/1999) في البابِ الخامسِ منه (الموادِّ من 185 إلى 216) الشركاتِ ذاتَ المَسْؤُوليَّة الْمَحْدودَة، وخَصَّصَ الموادَّ (من 201 إلى 214) لإدارة هذا النَّوْع منَ الشركاتِ. وكذلك قانونُ الشركاتِ الحاليُّ رَقْم 1 لسنة 2016 الَّذي نظَّم الشركاتِ ذاتَ المَسْؤُوليَّة المَحْدودة في البابِ الثّامنِ منه (الموادِّ من 92 إلى 117)، وحَدَّدَ الموادَّ (من 103 إلى 117) لإدارة الشَّركاتِ.
وسوف نُقدِّمُ للقارئ الكريمِ في هذا البحث دراسةً في ظلِّ قانونِ الشَّرِكات الحاليِّ رَقْم 1 لسنة 2016، وقانونِ الشَّرِكات التِّجاريَّة الكويتيِّ السابقِ رَقْم 15/1960 (المُعدَّلِ بالمرسوم بقانون رَقْم 52 تاريخ 15/6/1999) عن إدارة الشَّرِكَة
ذاتِ المَسْؤُوليَّة الْمَحْدودَة، ونقسمها إلى مبحثَيْن: نتناول في الأول منهما تَعْيينَ
مديرِ الشَّرِكَة وعَزْلَه وسُلُطاتِه، ثُمَّ نُتْبِعُهُ بمَسْؤُوليَّة مديرِ الشَّرِكَة ذاتِ المَسْؤُوليَّة الْمَحْدودَة في المَبْحث الثّاني. ونختم بحثَنا بمَبْحَثٍ ثالثٍ يعرض دراسةً لحالَتينِ
عَمَليّتينِ.
المَبْحَثُ الأَوَّلُ
تَعْيينُ مديرِ الشَّرِكَة وعَزْلُه وسُلُطاتُه
نَصَّ قانونُ الشَّرِكاتِ التِّجاريَّة الكويتيُّ السّابقُ على كَيْفيَّة تعيينِ مديرِ الشَّرِكَة وعَزْلِه؛ إذ جاءَ فيه ما يَأْتي: «يُديرُ الشَّرِكَةَ مديرٌ أو أكثرُ، من بين الشُّرَكاءِ أو من غيرِهم، بأَجْرٍ أو على سبيل التَّبرُّع. وإذا لم يُعيِّنْ عقْدُ تأسيسِ الشَّرِكَة المديرينَ، عيَّنَتْهم الجَمْعيَّةُ العامَّةُ للشُّركاءِ»[1]. «فإذا عُيِّنَ مديرٌ في عَقْدِ تأسيسِ الشَّرِكَة دُونَ أَجَلٍ مُعيَّنٍ، بقي مديرًا مدَّةَ بقاء الشَّرِكَة؛ ما لم يَقْضِ عَقْدُ التَّأْسيسِ بغيرِ ذلك، أو يُجْمع الشُّرَكاءُ على عَزْله»[2]. كما نَصَّ على الآتي: «يُعَيِّنُ عَقْدُ التَّأْسيسِ سلطةَ المديرينَ؛ فإذا سكت، كان لمديري الشَّرِكَة سلطةٌ كاملةٌ في النِّيابة عنها. وكلُّ قرارٍ يصدر منَ الجَمْعيَّة العامَّة للشركاء بتقييد سلطة المديرينَ أو بتغييرهم لا يسري في حقِّ الغَيْرِ إلّا بعد التأشير في السِّجلِّ التِّجاريِّ وَفْقًا لأحكام القانون»[3].
أمّا قانونُ الشَّرِكاتِ الحاليُّ، فقد نصَّتِ المادَّة (103) منه على ما يأتي: «يَتَولّى إدارةَ الشَّرِكَة مديرٌ أو أكثرُ من بين الشُّرَكاء أو من غَيْرِهم يُعَيَّنُ في عقد الشَّرِكَة. وإذ لم يُعَيِّنْ عَقْدُ الشَّرِكَة المديرينَ، عيَّنَتْهم الجَمْعيَّةُ العامَّةُ العاديَّةُ للشركة». أمّا بشأن عَزْله، فقد نصَّت المادَّة (104) منَ القانونِ على الآتي: «يَجوزُ عَزْلُ مديرِ الشَّرِكَة بحُكْمٍ قضائيٍّ – بناءً على طلبِ شريكٍ أو أكثرَ ممَّنْ يملكون رُبْعَ حصصِ رأسِ المال على الأقلِّ – وذلك للأسبابِ التّالية:
- إذا ارتَكَبَ عَمَلًا مِنْ أعمالِ الغِشِّ.
- إذا ارتَكَبَ خطأً أَلْحَقَ بالشَّرِكَة ضررًا جسيمًا.
- إذا خالَفَ حُكْمَ الْمادَّة (106) من هذا القانون».
وقد تطرَّقتِ المادَّتانِ (105) و (106) إلى سلطاتِ المديرِ وصلاحيّاتِه؛ إذ نصَّت الْمادَّة (105) على الآتي: «إذا لم تُحَدَّدْ سُلُطاتُ مديرِ الشَّرِكَة في عقْد الشَّرِكَة أو في القرارِ الصّادرِ عن الجَمْعيَّة العامَّة للشركاءِ بتَعْيينه؛ كان للمديرِ سلطةٌ كاملةٌ في القيام بجميع الأعمالِ والتَّصرُّفات اللّازمة لتَحْقيقِ أغراضِ الشَّرِكَة. ويكونُ المديرونَ مَسْؤُولينَ بالتّضامن تجاه الشَّرِكَة والشُّرَكاء والغَيْرِ عن مخالفتهم لأَحْكامِ القانونِ أو عقْد الشَّرِكَة أوِ الخطأ في الإدارة؛ وَفْقًا للقواعدِ المَنْصوصِ عليها في بابِ شركة المساهمة بهذا القانونِ». ونصَّت الْمادَّة (106) على ما يَأْتي: «إذا لم يُنَصَّ في عقْد الشَّرِكَة على صلاحيّاتِ مديرِ الشَّرِكَة وضوابطِ ممارستِه لعَمَله؛ لايجوزُ له أنْ يتولّى إدارةَ شركة أُخْرى منافسةٍ أو ذاتِ أغراضٍ مماثلة، أو يتعاقدَ مَعَ الشَّرِكَة الَّتي يتولّى إدارتَها لحسابه أو لحسابِ الغَيْرِ، أو يمارسَ نشاطًا من نوع نشاط الشَّرِكَة لحساب الغَيْرِ؛ إلّا إذا كانْت بإذنٍ يصدر منَ الجَمْعيَّة العامَّة الْعادِيَّة لِلشُّركاءِ».
ويتَّضحُ من هذَيْن النَّصَّيْنِ مُجْملًا ما يَأْتي:
- مَنَحَ المُشرّعُ – سواء في القانونِ السّابقِ أو في القانونِ الحاليِّ – لمؤسِّسي الشَّرِكَة ذاتِ المَسْؤُوليَّة الْمَحْدودَة طريقتَيْن لتَعْيينِ المديرِ؛ إذ قد يُعَيَّنُ من قبَل المؤسِّسينِ في العقد التَّأْسيسيِّ، أو بقرارٍ منَ الجَمْعيَّة العامَّة لِلشُّركاءِ؛ وَفْقًا للأغلبيَّة المطلوبة في هذا الشَّأْنِ في عقْد التَّأْسيسِ.
- يجوزُ تَعْيينُ مديرٍ واحدٍ للشَّركة أو أكثرَ.
- المديرُ المُعَيَّنُ غالبًا ما يكونُ من بين الشُّرَكاء، ويمكنُ أنْ يكونَ أجنبيًّا عنِ الشَّرِكَة.
- يجوزُ أنْ يتقاضى المديرُ أَجْرًا عَنْ عَمَلِه، ويمكنُ أنْ يديرَ الشَّرِكَةَ من دُونِ أَجْرٍ؛ أي: على سبيل التَّبرُّع.
- في حالة تعيينِ مديرِ الشَّرِكَة في عقْد التَّأْسيس؛ تكونُ مُدَّةُ تعيينه هي مُدَّةَ بقاءِ الشَّرِكَة، ما لم يَنُصَّ العَقْدُ التَّأْسيسيُّ على خلافِ ذلك، أو يُجْمِعَ الشُّرَكاءُ على عَزْلِه.
- سلطةُ المديرِ في إدارة الشَّرِكَة مُطْلَقَةٌ ما لم تُحَدَّدْ هذه السُّلطةُ في عَقْدِ التَّأْسيسِ أو بقرارٍ منَ الجَمْعيَّة العامَّة لِلشُّركاءِ.
وسنُوَضِّحُ ما سبق بشيْءٍ منَ التَّفْصيلِ فيما يَأْتي:
أوَّلًا: القواعدُ والأَحْكامُ الواجبةُ التَّطْبيقِ بشأنِ تَعْيينِ المديرِ وعَزْلِه
نَظَّمَ الْمُشَرِّعُ الكُوَيْتيُّ إدارة الشَّرِكَة ذاتِ المَسْؤُوليَّة الْمَحْدودَة في قانونِ الشَّرِكاتِ التِّجاريَّة السّابقِ في الفَصْلِ الثّاني منَ البابِ الخامسِ من قانونِ الشَّرِكات التِّجاريَّة، في الموادِّ من (201) إلى (211). وكذا في قانونِ الشَّرِكاتِ الحاليِّ؛ إذْ نَظَّمَ الْمُشَرِّعُ إدارةَ الشَّرِكَة ذاتِ المَسْؤُوليَّة الْمَحْدودَة في الفصل الرّابع من الباب الثّامن في الموادِّ من (103) إلى (117)، وميَّز فيها هذه الشَّرِكَةَ بهيئاتٍ ثلاثٍ تَضْطَلعُ بإدارتها على خلافِ الشَّرِكات الأُخْرى؛ فمن ناحيةٍ تَطَلَّبَ الْمُشَرِّعُ أنْ تُدارَ الشَّرِكَةُ من قبَل مديرٍ أو أكثرَ على غرار شركات الأشخاص، فيقوم المدير – من خلال وسائلَ قانونيَّةٍ – بتصريف شُؤُونِ الشَّرِكَة وتحقيقِ أغراضها والتحدُّثِ باسمها على مسرح الحياة القانونيَّة، كما يقومُ بتمثيل الشَّرِكَة أمام القضاء والجهات الرَّسْميَّة في الدَّوْلة وأمامَ المتعاملينَ معه[4]. ومن ناحيةٍ أُخْرى أَخْضَعَ إدارةَ الشَّرِكَة لإشرافِ مجلسِ رقابةٍ يستلزم تعيينه إذا زاد عددُ الشُّرَكاءِ على سبعة، وخَصَّ الْمُشَرِّعُ هذه الشَّرِكَةَ بهذا المجلسِ، وأجاز أنْ يكونَ لها مراقبُ حساباتٍ أو أكثرُ على غرار شركة المساهمة، ثُمَّ جَعَلَ لها جَمْعيَّةً عامَّةً تُعْتبَرُ هي مَصْدَرَ السُّلُطاتِ.
فقد نَصَّتِ الْمادَّة (201) من قانون الشَّرِكاتِ السّابقِ على ما يأتي: «يُديرُ الشَّرِكَةَ مديرٌ أو أكثَرُ من بين الشُّرَكاءِ أو من غَيْرِهم، بأَجْرٍ أو على سبيلِ التَّبرُّع. وإذا لم يُعَيِّنْ عَقْدُ تأسيسِ الشَّرِكَة المديرينَ، عيَّنَتْهم الجَمْعيَّةُ العامَّةُ لِلشُّركاءِ». ونصَّتِ الْمادَّةُ (202) على الآتي: «إذا عُيِّنَ مديرٌ في عَقْدِ تأسيسِ الشَّرِكَة دُونَ أجلٍ معيَّنٍ، يبقى مديرًا مُدَّةَ بقاءِ الشَّرِكَة، ما لم يَقْضِ عقْدُ التَّأْسيسِ بغير ذلك، أو يُجْمِع الشُّرَكاءُ على عَزْلِه».
وكذلك في قانونِ الشَّرِكات الحاليِّ؛ إذ نصَّتِ الْمادَّة (103) على ما يأتي:
«يَتَولّى إدارةَ الشَّرِكَة مديرٌ أو أكثَرُ من بين الشُّرَكاءِ أو مِنْ غَيْرِهم يُعَيَّنُ في
عَقْدِ الشَّرِكَة. وإذا لَمْ يُعَيِّنْ عَقْدُ الشَّرِكَة المديرينَ، عَيَّنَتْهُمُ الجَمْعيَّةُ العامَّةُ الْعادِيَّةُ للشَّركة». ونَصَّتِ الْمادَّة (104) على الآتي: «يجوزُ عَزْلُ مديرِ الشَّرِكَة بحُكْمٍ قضائيٍّ – بناءً على طلبِ شريكٍ أو أكثرَ ممَّنْ يملكون ربع حصصِ رأسِ المال على الأقلِّ – وذلك للأَسْبابِ التّالية:
- إذا ارتَكَبَ عملًا من أعمالِ الغِشِّ.
- إذا ارتَكَبَ خطأً أَلْحَقَ بالشَّرِكَة ضررًا جسيمًا.
- إذا خالَفَ حُكْمَ الْمادَّة (106) من هذا القانونِ».
ونظَّمَتِ المادَّتانِ (105) و (106) من قانونِ الشَّرِكات الحاليِّ سلطاتِ المديرِ وصلاحيّاتِه؛ إِذْ نَصَّت الْمادَّة (105) على الآتي: «إذا لَمْ تُحَدَّدْ سُلُطاتُ مديرِ الشَّرِكَة في عَقْدِ الشَّرِكَة أو في القرارِ الصّادِرِ عَنِ الجَمْعيَّة العامَّة لِلشُّركاءِ بتَعْيينه؛ كانَ للمدير سلطةٌ كاملةٌ في القيامِ بجَميع الأعمالِ والتصرُّفاتِ اللّازمة لتحقيقِ أغراضِ الشَّرِكَة. ويكون المديرونَ مَسْؤُولينَ بالتّضامُنِ تجاه الشَّرِكَة والشُّرَكاءِ والغَيْرِ عَنْ مخالفتهم لأحكام القانونِ أو عَقْدِ الشَّرِكَة أوِ الخطأ في الإدارة؛ وَفْقًا للقواعدِ المنصوصِ عليها في بابِ شركة المساهمة بهذا القانونِ». ونصَّتِ الْمادَّة (106) على ما يأتي: «إذا لَمْ يُنَصَّ في عَقْدِ الشَّرِكَة على صلاحيّاتِ مديرِ الشَّرِكَة وضوابط ممارسته لعَمَلِه؛ لا يجوزُ له أنْ يَتولّى إدارةَ شركةٍ أُخْرى منافسةٍ أو ذاتِ أغراضٍ مماثلة، أو يتعاقدَ مَعَ الشَّرِكَة الَّتي يَتولّى إدارَتَها لحسابه أو لحساب الغَيْرِ، أو يمارسَ نشاطًا من نوع نشاطِ الشَّرِكَة لحساب الغَيْرِ؛ إلّا إذا كانتْ بإذنٍ يَصْدُرُ منَ الجَمْعيَّة العامَّة الْعادِيَّة لِلشُّركاءِ».
والمُسْتَفادُ من هذه الموادِّ الأحكامُ القانونيةُ الآتيةُ:
- يُفْهَمُ من سكوتِ الْمُشَرِّع عن بيان أو توضيح الطَّريقة الَّتي تُدار بها الشَّرِكَةُ في حالة تَعدُّدِ المديرينَ: أَتُدارُ بطريقةٍ جماعيَّةٍ أَمْ أنَّ الأمرَ على خلافِ ذلك – أنّه قَصَدَ أنْ يَتْرُكَ هذه المسألةَ لِما يقرِّرُه الشُّرَكاءُ في عَقْدِ التَّأْسيس؛ بحيثُ إنَّه إذا خلا العقدُ من بيانها، تكونُ إدارةُ الشَّرِكَة بصورةٍ جماعيَّةٍ من قبَل المديرينَ مُجْتمعينَ؛ وهذا هُوَ الأصلُ العامُّ في قانونِ الشَّرِكات. وإنْ بيَّنَها العَقْدُ بأنْ كان قد نَصَّ على ممارسة المديرينَ سُلُطاتِهم في الإدارة مُجْتمعينَ أو مُنْفَردينَ، كانَ لِمَنِ انفَرَدَ منهم بالإدارة أنْ يستقلَّ بها مِنْ دُونِ أنْ يكونَ ثَمَّةَ التزامٌ عليه بإشراك الآخرينَ معه، ما داموا قد عَزَفُوا عنِ الإدارة من تِلْقاءِ أَنْفُسِهم أو بفِعْلِ استقالتهم أو تخارُجِهم من الشَّرِكَة، وظَلَّ المديرُ الَّذي انفَرَدَ بالإدارة هو الَّذي يَتولّى إدارَتَها. ويَنْبني على ذلك أنّه لا يجوزُ لِلشُّركاءِ اللُّجوءُ إلى القضاءِ بطَلَبِ إلزامِ المديرِ الَّذي انفَرَدَ بإدارة الشَّرِكَة – في ظِلِّ غيابِ المديرينَ الآخرينَ – بأَنْ يُشْرِكَ معه آخرينَ في الإدارة؛ بحُجَّة أنَّ العقد نَصَّ على تعدُّدِهم؛ لأنَّ هذا الحقَّ قاصرٌ فقط على الجَمْعيَّة العامَّة لِلشُّركاءِ، ولا يمكن أنْ تُسَلَّطَ إرادةُ القاضي على إرادة الجَمْعيَّة العامَّة بوَصْفها مصدرَ السلطاتِ وصاحبةَ الكلمة العُلْيا في الشَّرِكَة. فضلًا عن ذلك؛ فإنَّ هذا الطَّلَبَ ينطوي على تعديلٍ لعقد التَّأْسيسِ يستلزم له توافُر الأغلبيَّة العدديَّة المُطْلَقة المنصوصِ عليها في القانون، ولا بُدَّ له من إِفْراغِه في محرَّرٍ رسميٍّ، وهذا ما لا يستطيعُ حُكْمُ القاضي أنْ يوفِّرَهُ.
- أجاز الْمُشَرِّعُ أنْ يتولّى إدارة الشَّرِكَة مديرٌ أو أكثَرُ من غَيْرِ الشُّرَكاءِ[5] بأَجْرٍ أو على سبيل التَّبرُّع؛ غَيْرَ أنَّ هذه الإجازةَ مشروطةٌ بأنْ يكونَ عقْدُ التَّأْسيس قد جاء خِلْوًا مِنْ تعيينِ المديرِ، وتَرَكَ تعيينَه للجَمْعيَّة العامَّة لِلشُّركاءِ بقرارٍ لاحقٍ يَصْدُرُ عَنْها. وهذا الحُكْمُ يتَّفقُ مع طبيعة الأعمالِ التِّجاريَّة، وما تقتضيه مِنِ اسْتقلالِ تأسيسِ الشَّرِكَة عَنْ مزاولة نشاطِها.
- إذا تضمَّنَ عقْدُ الشَّرِكَة عند تأسيسها تَعْيينَ مديرٍ لها – شريكًا كان أو غَيْرَ شريكٍ – فإنَّ هذا التَّعْيينَ يتمُّ بموافقة جميع الشُّرَكاء؛ لأنَّ التَّعْيينَ بَنْدٌ من بنود العقد، مثل بند رأسِ المال، أو غَرَضِ الشَّرِكَة أو اسْمِها وموطنها … إلخ، والشُّرَكاءُ يجب أنْ يوافقوا عليها جَميعِها، والمديرُ المُعيَّنُ بهذه الطَّريقة يُسَمّى بالمُديرِ الاتِّفاقيِّ أوِ النِّظاميِّ نسبةً إلى عقْد الشَّرِكَة أو نظامِها. فوَصْفُ المديرِ النِّظاميِّ ليس مرتبطًا بكونه شريكًا ولا بالوقتِ الَّذي عُيِّنَ فيه المديرُ بأنْ كان معاصرًا لإنشاء الشَّرِكَة أو لاحقًا عليه، بَلِ العبرةُ هي بما إذا كان تَعْيينُ المدير وَرَدَ في ذاتِ عَقْدِ الشَّرِكَة أو لا، سواءٌ كان تَعْيينُه وَقْتَ تكوينها أو في تعديلٍ لاحقٍ لعَقْده[6]. وعلى الرَّغْم ممّا يبدو من ظاهرِ نَصِّ الْمادَّة (202) من قانون الشَّرِكات التِّجاريَّة السّابِقِ من مساواة الْمُشَرِّع بين الطريقتَيْنِ في تَعْيينِ المديرِ للشَّرِكة ذاتِ المَسْؤُوليَّة الْمَحْدودَة؛ فإنَّ ثَمَّةَ اخْتلافًا ظاهرًا وواضحًا بينَهُما في مسائلَ ثلاثٍ؛ وهذا ما حَدا بالْمُشَرِّع إلى تَوْضيحه في قانونِ الشَّرِكات الحاليِّ:
- المسألةُ الأُولى: أنَّ تَعْيينَ المديرِ في عقد التَّأْسيس يتطلَّب إجماعَ الشُّرَكاء عليه، في حينِ أنَّ تعيينَه منَ الجَمْعيَّة العامَّة يتطلَّب موافقةَ الأغلبية الْعادِيَّة على قرار تعيينه؛ وَفْقَ ما نصَّت عليه الْمادَّةُ (210) من قانون الشَّرِكات السابق بأَنْ يكونَ لكلِّ حصَّةٍ صَوْتٌ، وتصدر القراراتُ بالأغلبيّة المُطلَقة للحصص المماثلة، ما لم يُضِفْ عقْدُ التَّأْسيس إلَيْها أغلبيّةً عدديَّةً منَ الشُّرَكاءِ.
- المسألةُ الثّانيةُ: أنَّ تعيينَ المديرِ في عقْد التَّأْسيس – سواءٌ من بين الشُّرَكاءِ أو من غَيْرِهم – إمّا أنْ يكونَ لأَجَلٍ غيرِ محدَّدٍ أو لأجلٍ محدَّد؛ فإنْ كان لأجلٍ محدَّدٍ، بقي في منصبه طوالَ هذا الأجلِ حتّى انقضائِه ما لم يتمَّ تجديدُه أو تمديدُه له؛ وإنْ كان لأجلٍ غَيْرِ محدَّدٍ، بقي في منصبه مدَّةَ بقاءِ الشَّرِكَة ما لم يَقْضِ عقْدُ التَّأْسيس بغير ذلك.
- المسألةُ الثّالثةُ: أنَّ المديرَ المُعيَّنَ بقرارٍ منَ الجَمْعيَّة العامَّة يتمُّ عزْلُه بذاتِ أداة تعيينه؛ أي: بقرارٍ يصدر من الجَمْعيَّة العامَّة الَّتي عيَّنَتْه؛ لأنَّ مَنْ يملك المنْحَ يملك المنْعَ، والجَمْعيَّةُ هي الَّتي عيَّنتِ المديرَ؛ ومن ثَمَّ هي وَحْدَها الَّتي تملك عزْلَه. أمّا المدير المُعيَّنُ منَ الشُّرَكاءِ في عقْد التَّأْسيس، فلا يتمُّ عزْلُه إلّا بقرارٍ يتطلَّب إجماعَ الشُّرَكاء على عزْلِه، بمَنْ فيهم المديرُ الشَّريكُ نفْسُه؛ لأنَّ تَعْيينَه تمَّ بإجماعهم وهو مَعَهُم؛ ومن ثَمَّ لا بُدَّ مِنْ إجماعهم على عَزْلِه وهو مَعَهُم أَيْضًا. والجديرُ بالذِّكْرِ أنّه قد أُثيرتْ إشكاليّةٌ من ناحية التَّطْبيقِ العَمَليِّ لقانونِ الشَّرِكات السّابقِ بشأن توفيرِ إِجْماع الشُّرَكاءِ بِمَنْ فيهم المديرُ الشّريكُ على عَزْلِه؛ لأنَّه قد يكونُ منَ الصَّعْب، إنْ لم يكن منَ المستحيل، تصوُّرُ أنْ يصوِّتَ المديرُ الشريكُ على عزْلِ نفْسِه من إدارة الشَّرِكَة.
وعندما رُفع الأمرُ إلى القضاء؛ صَدَرَ من محكمة التَّمْييزِ حُكْمٌ في الطُّعون ذواتِ الأَرْقامِ 231، 237، 246، 247/2002 تجاريّ/2، جلسة 16/2/2005، ذهبتْ فيه المَحْكمةُ إلى أنَّ النَّصّ في المادَّتَيْن (202) و(212) من قانونِ الشَّرِكاتِ رَقْم 15/1960 «يدلُّ على أنّه إذا اتَّفَقَ الشُّرَكاءُ في عقْد تأسيس الشَّرِكَة ذاتِ المَسْؤُوليَّة الْمَحْدودَة على تَعْيينِ مديرٍ لها دُونَ تحديدِ أَمَدٍ معيَّنٍ، بقي مديرًا فترةَ بقائها؛ إلّا أنْ يُجْمعَ الشُّرَكاءُ على عزْله. وأنّه وإنْ كانَ ذلك لا يحول دون حقِّهم في العَزْلِ؛ إلّا أنَّ ذلك مرهونٌ باتِّباع الإجراءاتِ اللّازمة لتَعْديلِ عقْد الشَّرِكَة بما يُخَوِّلُهُم هذا الحقَّ؛ شريطةَ صدورِ قرارٍ بهذا التَّعْديلِ منَ الجَمْعيَّة العامَّة لِلشُّركاءِ بإرادة الأغلبيّة العَدَديّة لِلشُّركاءِ الحائزينَ لثلاثة أرباع رأسِ مال الشَّرِكَة. ومن المُتَعيَّن كذلك أنْ يتمَّ إفراغُ هذا التعديل في عقْد الشَّرِكَة أوِ الوكالة الصّادرة بشأنه، كما هو الحالُ في عقْد تأسيسها في محرَّرٍ رَسْميٍّ، وإلّا وَقَعَ باطلًا غَيْرَ مُنْتجٍ لآثارِه».
ولنا عودةٌ للتَّعْليقِ على مُؤَدّى هذا الحُكْمِ ودلالته بمناسبة الحديثِ عنِ العنصر الثّالث المتعلِّقِ بأحقيّة الشُّرَكاء في اللُّجوء إلى القضاء؛ للتَّرْخيص لهم بعَزْلِ مديرِ شركةٍ ذاتِ مَسْؤُوليَّة محدود، وتقريرِ مَسْؤُوليّته عن أعمالِ الإدارة.
ولكنْ على وَجْه العُمومِ يمكن الجَزْمُ بأنَّ الْمُشَرِّعَ والقضاءَ كِلَيْهِما؛ وَفْقَ قانونِ الشَّرِكات السّابق، قد اتَّفَقا دُونَ خلافٍ بينَهُما على أنَّ الأصلَ العامَّ في عزْل مديرِ الشَّرِكَة ذاتِ المَسْؤُوليَّة الْمَحْدودَة، المُعَيَّنِ في عقْد التَّأْسيس، لا يكون إلّا بإجماع الشُّرَكاء بمَنْ فيهم الشّريكُ المديرُ، وإنْ أجازا؛ وَفْقَ ضوابطَ وشروطٍ معيَّنة، طَلَبَ عزْلِه منَ الجَمْعيَّة العامَّة للشَّركة، متى خَوَّلَ لها عَقْدُ التَّأْسيسِ هذا الحقَّ.
وفي هذا الصَّددِ؛ فقد نظَّم الْمُشَرِّعُ في قانونِ الشَّرِكات الحاليِّ مسألةَ تَعْيينِ المديرِ وعزْلِه أو تَقْييدِ سُلُطاته، ورَبَطها بالجَمْعيَّة العامَّة للشّركة ووجود اسْمِ المديرِ في عقْد الشَّرِكَة. فقد ذَكَرَتِ الْمادَّةُ (114) من قانونِ الشَّرِكاتِ الحاليِّ ما يأتي: «ويَدْخُلُ في جَدْولِ أَعْمالِ الجَمْعيَّة في اجْتماعِها السَّنويِّ النَّظَرُ واتِّخاذُ قرارٍ في المسائلِ التّالية: وجاءَ في البَنْدِ الخامسِ: تَعْيين مديرِ الشَّرِكَة أو عزْله أو تقييد سُلْطته إذا لم يكن معيَّنًا في عقْد الشَّرِكَة»؛ أي: يمكن عزْلُ المديرِ وتَعْيينُه وتقييدُ سُلُطاته بالأغلبيّة الْعادِيَّة، إذا لم يكُنْ معيَّنًا في عقْد الشَّرِكَة. أمّا في حالِ تَعْيين المديرِ في عقْد الشَّرِكَة، فلا ينطبقُ نَصُّ الْمادَّة (114) من هذا القانونِ، ولكنْ ينطبقُ نَصُّ الْمادَّة (117) مِنْ حَيْثُ إِنَّ عزْلَ مديرِ الشَّرِكَة أَوْ تَقْييدَ سُلْطته، إذا كانَ مُعَيَّنًا في عقْد الشَّرِكَة، يكونُ مِنِ اخْتصاصاتِ الجَمْعيَّة العامَّة غَيْرِ الْعادِيَّة، والَّتي تستوجب الأغلبيّةَ المُطْلَقةَ.
فإذا مارس الشُّرَكاءُ حقَّهُم في تعيينِ مديرٍ للشركة؛ فإنَّ الأثرَ الجوهريَّ لذلك هو انفرادُ هذا المديرِ بأعمال الإدارة وحْدَه بحيثُ يستأثر بإدارة الشَّرِكَة وتصريفِ شُؤُونها في حدودِ ما يتمتَّع به من سُلُطاتٍ وَفْقًا لشروط العقد. ولا يجوزُ تدخُّلُ الشُّرَكاء غَيْرِ المديرينَ في إدارة الشَّرِكَة؛ لأنَّ هذا التَّدخُّلَ يؤدِّي إلى تعطيل أعمالِ الشَّرِكَة ولا سيَّما إذا كان عددُ الشُّرَكاء كبيرًا؛ فما داموا قد عيَّنُوا مديرًا للشركة، فمنَ الواجبِ أنْ يتركوا له حرِّيَّةَ العملِ حتّى تكون مَهَمَّتُهُ واضحةً ومَسْؤُوليّتُه كذلك؛ وإلّا لَما كانت هناك أيّةُ فائدةٍ من تعيين المديرِ[7].
ويُلاحَظ أنَّ حقَّ انفرادِ (أوِ استئثار) المديرِ بأعمال الإدارة محدودٌ من حيثُ نطاقُه وأشخاصُه: فمِنْ حيثُ النِّطاقُ، فإنَّ المدير لا ينفردُ إلّا بالأعمال الَّتي تدخلُ في سلطته طبقًا للحدود المرسومة في عقْد الشَّرِكَة. فإذا احتَفَظَ العقْدُ ببَعْضِ القراراتِ المُهِمَّة، وجَعَلَها مِنِ اختصاصِ الشُّرَكاء، فلا سلطةَ للمديرِ بشأنها على نَحْوِ ما سنرى عند الكلامِ على سلطاتِ المدير. وبناءً على ذلك؛ إذا نَصَّ العقْدُ على عدم جوازِ انفراد المديرِ بالعمل، تَعيَّنَ عليه احترامُ هذا الشرطِ لتكونَ أعمالُه صحيحةً ومُلزِمةً للشركة، «ولا يُعَوَّلُ على ادِّعاءِ هذا المديرِ بأنَّه قدِ انْفرد بالعمل بإذنٍ شفويٍّ من أَحَدِ شركائه»[8]؛ إِذِ العبرةُ بالشُّروطِ الواردة في عقْد الشَّرِكَة المكتوبِ بعدم انفرادِ مديرِها بالعمل، ولا يجوزُ تعديلُ هذا الشَّرْطِ إلّا بالكتابة.
ويُلاحَظُ أخيرًا أنَّ قاعدةَ (استئثار المديرِ بسُلُطات الإدارة) ليست منَ النِّظام العامِّ؛ فيجوز لِلشُّركاءِ أنْ يعدِّلُوا في شروط تفويضهم[9] وَفْقًا لما يَرَوْنَه محقِّقًا لمصالِحِهم.
ثانيًا: سُلُطاتُ مديرِ الشَّرِكَة
نصَّتِ الْمادَّةُ (105) من قانونِ الشَّرِكات الحاليِّ على الآتي: «إذا لم تُحَدَّدْ سُلُطاتُ مديرِ الشَّرِكَة في عقْد الشَّرِكَة أو في القرارِ الصّادر عنِ الجَمْعيَّة العامَّة لِلشُّركاءِ بتَعْيينه؛ كان للمديرِ سلطةٌ كاملةٌ في القيام بجميع الأعمالِ والتَّصرُّفات اللّازمة لتحقيق أغراضِ الشَّرِكَة. ويكون المديرونَ مَسْؤُولينَ بالتَّضامُنِ تجاه الشَّرِكَة والشُّرَكاءِ والغَيْرِ عن مخالفتهم لأحكام القانون أو عقْد الشَّرِكَة أوِ الخطأ في الإدارة؛ وَفْقًا للقواعد المنصوصِ عليها في بابِ شركة المساهمة بهذا القانون».
كما نَصَّتِ الْمادَّةُ (106) من القانونِ نَفْسِه على ما يأتي: «إذا لَمْ يُنَصَّ في عقْد الشَّرِكَة على صلاحيّات مديرِ الشَّرِكَة وضوابطِ ممارسته لعمله؛ لا يجوزُ له أنْ يتولّى إدارةَ شركةٍ أُخْرى منافسةٍ أو ذاتِ أغراضٍ مماثلة، أو يتعاقدَ مَعَ الشَّرِكَة الَّتي يتولّى إدارَتَها لحسابِه أو لحسابِ الغَيْرِ، أو يمارسَ نشاطًا من نَوْع نشاطِ الشَّرِكَة لحسابِ الغَيْرِ؛ إلّا إذا كانتْ بإِذْنٍ يَصْدُرُ منَ الجَمْعيَّة العامَّة الْعادِيَّة لِلشُّركاءِ».
ومن ثَمَّ؛ قد يحدِّدُ الشُّرَكاءُ سلطاتِ المديرِ في عقْد الشَّرِكَة أو في عقْد تَعْيينه. ولكنْ، ما الحلُّ في حالة عدمِ وجود مِثْلِ هذا التَّحْديدِ ؟ وهل يجوزُ لِلشُّركاءِ تقييدُ سلطاتِ المدير أوِ الاعتراضُ على بَعْضِ أعماله ؟ سوف نعالجُ هذه المسائلَ في الفِقْراتِ الآتية:
في الأصلِ، يتمُّ تحديدُ سلطة المديرِ أوِ المُديرينَ في العَقْدِ التَّأْسيسيِّ للشركة، سواءٌ في مواجهة الشُّرَكاءِ أوِ الغَيْرِ. فيتضمَّنُ العقْدُ رسْمَ حدودِ سلطة المديرِ واختصاصاته ونشاطه؛ فتكونُ حُجَّةً على الغَيْرِ؛ لأنَّ أَعْمالَ الشَّرِكَة لا تتمُّ إلّا بَعْدَ شهْرِها فيطَّلعُ عليها كلُّ مَنْ يتعامل معها. فتحديدُ سُلُطاتِ المديرِ منَ المسائل المُهِمَّة الَّتي لا يُغْفَلُ أمْرُها، فينظِّمونَها في عقْد الشَّرِكَة، أوِ العقد الَّذي يتمُّ بموجبه تعيينُ المديرِ؛ فيُحدِّدُ هذا العقْدُ – عادةً – نطاقَ سلطة المدير وقدر سَعَتِها، ويسردُ الأعمالَ والتَّصرُّفاتِ الَّتي يستطيعُ أنْ يُجْرِيَها بإرادته وحْدَه، والأعمالَ والتَّصرُّفاتِ الَّتي يجبُ عليه بشأنها الحصولُ على إِذْنِ الشُّرَكاء، والأعمالَ والتَّصرُّفاتِ الَّتي لا يجوزُ له مباشَرَتُها، ولا تدخُلُ في سُلْطته أصلًا. فإذا ما تضمَّنَ العقدُ مثلَ هذا التحديدِ، وَجَبَ على المدير احترامُه بدقَّة؛ فلا يَتخطّى حدودَ السلطة المرسومة له[10]، لأنَّ هذا التحديدَ – من ناحية – هو الَّذي يبيِّنُ نطاقَ وكالتِه عن الشَّرِكَة، ويبيِّن كذلك الأحوالَ الَّتي يكونُ فيها التزامُ الشَّرِكَة عن أعمال المديرِ صحيحًا ومقبولً[11]. وهو – من ناحيةٍ أُخْرى – مُقْتَضٍ تطبيقَ القواعدِ العامَّة في الوكالة: فالوكيلُ مُلْزَمٌ بتنفيذ الوكالة «دون أنْ يُجاوِزَ حُدودَها المرسومةَ». وعلى ذلك؛ فإنَّ كلَّ شخصٍ يتعامل من خلال وكيلٍ يجب عليه أنْ يُحَدِّدَ سلطاتِ هذا الأخيرِ، بحيثُ يلتزم المُوكّل إذا جاوز الوكيل حدودَ سُلُطاتِه.
أمّا إذا لم تُحَدَّدْ سلطةُ المديرِ في العقد التَّأْسيسيِّ، كان لمديري الشَّرِكَة سلطةٌ كاملةٌ في النِّيابة عنها. وكلُّ قرارٍ يصدر منَ الجَمْعيَّة العامَّة لِلشُّركاءِ بتقييد سلطة المديرينَ أو بتغييرهم لا يَسْري في حقِّ الغَيْرِ إلّا بَعْدَ التَّأْشيرِ في السِّجلِّ التِّجاريِّ وَفْقًا لأَحْكام القانونِ.
ويجوزُ للمدير أنْ يقومَ بكافَّة أعمالِ الإدارة لصالح الشَّرِكَة، هذا فيما يخصُّ علاقَتَه مَعَ الشُّرَكاءِ. أمّا في حالة تَعدُّدِ المُديرينَ، فيتمتَّعونَ بالسُّلُطاتِ نَفْسِها، ولكُلِّ واحدٍ منهم حقُّ المعارضة على أيّة عملية تصدر عن باقي المديرين قبْل إبرامِها حتّى ينفيَ المَسْؤُوليَّةَ عن عاتقه تجاه الشُّرَكاء. أمّا تُجاهَ الغَيْرِ، فإنَّ المعارضةَ ل أَثَرَ لها ما لم يَكُنِ الْغَيْرُ عالمًا بها.
فمِنَ المُسلَّم به، إذا لم يُحَدِّدْ عقْدُ الشَّرِكَة أو عقْدُ تَعْيينِ سُلُطاتِ المديرِ سُلطاتِ هذا الأخيرِ، أنَّ لَهُ – بوَصْفه وكيلًا عنِ الشَّرِكَة – القيامَ بكافَّة أَعْمالِ الإدارة؛ مِنْ مِثْلِ أَعْمالِ الإيجار والتَّأْمين والحفظ والصِّيانة، وهي أَعْمالُ الإدارة الخالصة. ويرى جانبٌ آخرُ منَ الفقه الفرنسيِّ أنَّ أعمالَ إدارة الشَّرِكَة أكثَرُ اتِّساعًا مِنْ أعمال الإدارة الْعادِيَّة؛ لأنّها تشمل التَّصرُّفاتِ اللّازمةَ لاستغلالِ مشروع الشَّرِكَة؛ ومن ثَمَّ فإنَّ لمدير الشَّرِكَة بموجب الوكالة العامَّة أنْ يقومَ بالأعمال الآتية[12]:
- تَأْجيرُ العقاراتِ واستئجارُها وتهيئتُها للاستغلال والقيامُ بالتَّرْميماتِ الضَّروريَّة فيها؛ بما يجعَلُها صالحةً لأغراض الشَّرِكَة.
- إبرامُ عقودِ العملِ مَعَ العُمّال والمُسْتخدَمين وتحديدُ رواتبهم، ويُعْتبَرُ رئيسًا لهم يصدر إليهم الأوامرَ، وله حقُّ عزْلِهم وتأديبِهم، ويمارس عليهم سلطةَ الإشراف المقرَّرة للشركة بوصفها ربَّ العملِ.
- تنظيمُ أعمالِ الإدارة، والإشرافُ على دفاترِ الشَّرِكَة وسجلّاتِها، والقيامُ بالإجراءات الَّتي تفرضها القوانينُ واللّوائحُ كالإشهار والقَيْد في السجلِّ التِّجاريِّ، والحصولُ على رُخَصِ المحلِّ التجاريِّ التّابع للشَّركة أو تجديدُ هذه الرُّخَصِ، وتنفيذُ الالتزاماتِ الَّتي يفرضها قانونُ العملِ كالتَّأْمين على العُمّال ضدَّ إصاباتِ العملِ.
- تحصيلُ حقوقِ الشَّرِكَة والمطالَبةُ بها، سواءٌ كان ذلك بالطّرائقِ الوُدِّيَّة أوِ القضائيَّة، وسواءٌ كان ذلك ضدَّ الغَيْرِ أو ضدَّ عملاءِ الشَّرِكَة أو ضدَّ الشُّرَكاء أنفُسِهم؛ كمطالبتهم بباقي حصصِهم في رأسِ المال، وبشَطْبِ الرُّهونِ بعْد قبضِ الحقوق المضمونة به.
- قَبْضُ ديونِ الشَّرِكَة المُستحقَّة لَها أوْ عليها ودَفْعُها، وتحريرُ الإيصالاتِ والمُخالَصاتِ، ويشمل ذلك سحْبَ الأوراق التِّجاريَّة وقَبولَها وتَظْهيرَها؛ لأنَّ المعاملاتِ التِّجاريَّةَ تقتضي استعمال هذه الأوراقِ.
- إبرامُ العقودِ والصَّفَقات اللّازمة لأعمال الإدارة؛ مِنْ مِثْلِ بَيْع وشراءِ
المنقولاتِ المختلفة كالموادِّ الخام والوَقُودِ والبضائع والمُنْتَجات والمصنوعات، وله ذلك دُونَ اشتراطِ المعاملة بالمزاد؛ فيجوز له الشراءُ بالممارسة والاتِّفاق المُباشَر مَعَ الغَيْرِ؛ لأنَّ أساسَ الوكالة هو الثِّقَةُ، فضلًا عن أنَّ السرعةَ لازمةٌ في التِّجارة.
ويَأْتي هذا كلُّه تأسيسًا على القواعد العامَّة في الوكالة؛ إذ إنَّ:
- الوكالةَ الواردةَ في ألفاظٍ عامَّةٍ لا تَخْصيصَ فيها حتّى لنوع العملِ القانونيِّ الحاصلِ فيه التَّوْكيلُ – لا تُخَوِّلُ الوكيلَ صفةً إلّا في أَعْمالِ الإدارة.
- ويُعَدُّ من أَعْمالِ الإدارة الإيجارُ إذا لم تَزِدْ مُدَّتُه على ثلاثِ سنواتٍ، وأَعْمالُ الحِفْظِ والصِّيانة واستيفاء الحقوقِ ووفاء الدُّيون. ويدخُلُ فيها أيضًا كلُّ عملٍ من أَعْمالِ التَّصرُّفِ تقتضيه الإدارةُ؛ كبيع المحصولِ وبَيْع البضاعة أوِ المنقول الَّذي يُسْرعُ إليه التّلَفُ، وشراء ما يَسْتلزِمُه الشيْءُ مَحَلُّ الوكالة من أدواتٍ لحِفْظه ولاستغلاله. وكافَّةُ الأعمالِ الَّتي سبق تعدادُها لا تزيد على كَوْنِها لازمةً لاستغلال الشيْءِ محلِّ الوكالة؛ أي: إدارة الشَّرِكَة.
إذن؛ يتمتَّعُ المديرُ بسُلُطاتٍ واسعةٍ في تسييرِ الشَّرِكَة، فهو يتصرَّفُ باسمها ولحسابها؛ شَرْطَ ألّا يُخِلَّ بالسُّلُطات الَّتي منَحَها القانونُ للشركات؛ باعتبارِ أنَّ الشَّرِكَةَ مُلْزَمَةٌ بتصرُّفات المديرِ حتّى ولو كانتْ خارجَ موضوع الشَّرِكَة؛ فللمُديرِ اتِّخاذُ ما يشاءُ من قراراتٍ وإجراءاتٍ تدخُلُ في اختصاصاته ما دامتْ هذه الإجراءاتُ ذاتَ منفعةٍ للشَّركة، وهذا من دُونِ الإِخْلالِ بالسُّلُطات الَّتي يمَنُحها القانونُ صراحةً لِلشُّركاءِ؛ فالمديرُ يقوم بإجراءات كافَّة التَّصرُّفاتِ من بيع[13] أو إجراءِ القروض[14] لصالح الشَّرِكَة، كما أنَّ المديرَ يمثِّلُ الشَّرِكَةَ أمام القضاءِ باعتبارِ أنَّ الشَّرِكَة شخصٌ معنويٌّ يتمتَّع بالشَّخْصيّة القانونيّة الَّتي تُكْسِبُهُ الذِّمَّةَ الماليَّةَ وأهليَّةَ التَّقاضي. وبالنِّسبة للعلاقات مَعَ الغيرِ؛ يتمتَّع المدير بسلطاتٍ واسعةٍ للتَّصرُّف في جميع الظروف باسم الشَّرِكَة ذاتِ المَسْؤُوليَّة الْمَحْدودَة ولحسابها، مع أن هذا يتم دون إخلالٍ بالسلطات الممنوحة لِلشُّركاءِ قانونًا. ثُمَّ إنَّ الشَّرِكَةَ نَفْسَها مُلْزَمَةٌ بتصرُّفات المديرِ الَّتي لم تَدْخُلْ في نطاقِ موضوع الشَّرِكَة، ما لم يَثْبُتْ أنَّ الغَيْرَ كان عالمًا أنَّ التَّصرُّف يتجاوز ذلك الموضوعَ أو (أنَّه لم يُخْفَ عَنْهُ)؛ ذلك نظرًا للظُّروف، وذلك بقَطْع النَّظَرِ عنْ أنَّ التَّأْشيرَ في السجلِّ التِّجاريِّ كافٍ وحْدَه لتكوين ذلك الإثباتِ، ولا احتجاجَ تُجاهَ الغَيْرِ بالشُّروط الَّتي لم يتضمَّنْها عقْدُ التَّأْسيس والمُحدَّدة لسلطات المديرِ.
ولا يسَعُنا في هذا الصَّدَدِ إِلّا أنْ نوضِّحَ أوجُهَ الارتباطِ بين السلطة المُخوَّلة لمديرِ الشَّرِكَة وحقِّ الشُّرَكاء في الحدِّ منها؛ عن طريق القضاء أو طَلَبِ عزْلِه وإقالته في حالِ ما أساءَ استخدامَها.
فقد جرى نَصُّ الْمادَّة (203) من قانونِ الشَّرِكات السّابقِ على ما يَأْتي: «يُعَيِّنُ عَقْدُ التَّأْسيسِ سلطةَ المدير. فإذا سَكَتَ، كانَ لمديري الشَّرِكَة السلطةُ الكاملةُ في النِّيابة عنها. وكلُّ قرارٍ يصدر منَ الجَمْعيَّة العامَّة لِلشُّركاءِ بتقييد سلطة المديرينَ أو بتغييرهم – لا يَسْري في حقِّ الغَيْرِ إلّا بعد التَّأْشيرِ في السجلِّ التِّجاريِّ وَفْقًا لأحكام القانون». كما نصَّتِ الْمادَّة (105) من قانونِ الشَّرِكاتِ الحاليِّ على الآتي: «إذا لم تُحَدَّدْ سُلُطاتُ مديرِ الشَّرِكَة في عَقْدِ الشَّرِكَة أو في القرارِ الصّادِرِ عن الجَمْعيَّة العامَّة لِلشُّركاءِ بتَعْيينه؛ كان للمديرِ سلطةٌ كاملةٌ في القيام بجميع الأعمالِ والتَّصرُّفات اللّازمة لتَحْقيقِ أَغْراضِ الشَّرِكَة. ويكونُ المديرونَ مَسْؤُولينَ بالتَّضامُنِ تُجاهَ الشَّرِكَة والشُّرَكاءِ والغَيْرِ عن مخالفتهم لأحكام القانون أو عقْد الشَّرِكَة أوِ الخطأ في الإدارة؛ وَفْقًا للقواعد المنصوصِ عليها في بابِ شركة المساهمة بهذا القانون».
ويُسْتَخْلَصُ من هذه النُّصوصِ القواعدُ القانونيةُ الآتيةُ:
- الأصلُ العامُّ في سلطة المديرِ هو أنْ يُحَدِّدَ عَقْدُ التَّأْسيس سُلُطاتِه ونطاقَها. فإنْ خلا من تحديدها، كانت له كاملُ السلطة بوصفه نائبًا عنِ الشَّرِكَة. ويترتَّب على هذه النيابة نتيجةٌ تَبْلُغُ منَ الأهميَّة الغايةَ؛ تَتَمثَّلُ في أنَّ للمدير الحقَّ في القيام بالأعمال الَّتي تتطلَّبُ موافقةَ الجَمْعيَّة العامَّة كالاقتراضِ والرَّهْن وإعطاء الكفالات، وكذلك الأعمالُ الَّتي تتطلَّب وكالةً خاصَّةً كالصلح والإقرار واليمين والتحكيم، والأعمالُ الَّتي تدخُلُ في المَسْؤُوليَّة الاجتماعيَّة كالتبرعات. ومن بابٍ أَوْلى أعمالُ الإدارة الْعادِيَّة كالبيع والشِّراء بُغْيةَ تحقيقِ أغراضِ الشَّرِكَة. على أنَّ كُلَّ ذلك مشروطٌ بأنْ يعقد هذه التَّصرُّفاتِ أو يقومَ بهذه الأعمالِ باسم الشَّرِكَة، وبما يحقِّق أغْراضَها.
- في حالِ ما حدَّد عَقْدُ التَّأْسيسِ سلطةَ المدير وعيَّن نطاقَها في القيام بتصرُّفاتٍ معيَّنة بذاتها؛ كان عليه أنْ يلتزمَ بذلك. ولكي تَسْرِيَ هذه التَّصرُّفاتُ في حقِّ الغَيْرِ ممَّنْ تَعامَلَ معه المديرُ؛ لا بُدَّ مِنْ تسجيلها في السجلِّ التجاريِّ وَفْقًا للمادَّة (6) من مرسوم السجلِّ التِّجاريِّ. وإنْ لم يلتزمْ حدودَ هذا النطاقِ أو تَجاوَزَه؛ لا تُنَفَّذُ تصرُّفاتُه وأعمالُه في حقِّ الشَّرِكَة والشُّرَكاءِ والغَيْرِ، إلّا إذا أقرَّتْه عليها الجَمْعيَّةُ العامَّةُ، وأشَّرَتْ بقرارِها في السجلِّ التِّجاريِّ؛ وإلّا كان مَسْؤُولًا عنها وعنِ الأضرارِ الَّتي تَلْحَقُ بهؤلاءِ وَفْقًا لأَحْكامِ القانونِ.
- يُقابِلُ سلطةَ المديرِ واجبُ الولاء للشَّركة الَّذي نصَّت عليه صراحةً الْمادَّة (205) من قانونِ الشَّرِكاتِ السّابقِ على النَّحْوِ الآتي: «لا يجوزُ للمدير، بغير موافقة الجَمْعيَّة العامَّة لِلشُّركاءِ، أنْ يتولّى الإدارةَ في شركةٍ أُخْرى منافسةٍ أو ذاتِ أغراضٍ مماثلةٍ، أو أنْ يقومَ لحسابِه أو لحسابِ الغَيْرِ بصفقاتٍ في تجارةٍ منافسةٍ أو مماثلةٍ لتجارة الشَّرِكَة. ويترتَّب على مخالفة ذلك جوازُ عزْلِ المديرِ أو إلزامِه بالتعويض». هذا ولم يغفل الْمُشَرِّعُ عن ذلك النَّصِّ في قانونِ الشَّرِكات الحاليِّ؛ إذ نصَّت الْمادَّة (106) من قانون الشَّرِكات الحاليِّ على الآتي: «إذا لم يُنَصَّ في عقْد الشَّرِكَة على صلاحيّاتِ مديرِ الشَّرِكَة وضوابطِ ممارستِه لعَمَله؛ لا يجوزُ له أنْ يتولّى إدارةَ شركةٍ أُخْرى منافسةٍ أو ذاتِ أغراضٍ مماثلةٍ، أو يتعاقدَ مَعَ الشَّرِكَة الَّتي يتولّى إدارتَها لحسابه أو لحسابِ الغَيْرِ، أو يمارسَ نشاطًا من نَوْع نشاطِ الشَّرِكَة لحسابِ الغَيْرِ؛ إلّا إذا كانْت بِإِذْنٍ يَصْدُرُ منَ الجَمْعيَّة العامَّة الْعادِيَّة لِلشُّركاءِ». كما نصَّتِ الْمادَّة (104) على ما يَأْتي: «يجوزُ عَزْلُ مديرِ الشَّرِكَة بحُكْمٍ قضائيٍّ – بناءً على طلبِ شريكٍ أوْ أكثَرَ ممَّن يملكون ربع حصص رأسِ المالِ على الأقلِّ – وذلك للأسبابِ التّالية:
- إذا ارتَكَبَ عملًا من أعمالِ الغِشِّ.
- إذا ارتَكَبَ خطأً أَلْحَقَ بالشَّرِكَة ضررًا جسيمًا.
- إذا خالَفَ حُكْمَ الْمادَّة (106) من هذا القانونِ».
وقد أعطَتْ هذه النُّصوصُ صراحةً لِلشُّركاءِ حقَّ اللُّجوءِ إلى القضاءِ بطلبِ عزْلِ مديرِ الشَّرِكَة إذا ما أخَلَّ بواجب الولاء لها؛ عن طريقِ إِتْيانِه عملًا منَ الأعمال الَّتي حظَرها عليه النَّصُّ المذكورُ، وهي أعمالٌ وردَتْ فيه على سبيل المثالِ لا الحصر؛ بمعنى أنَّ أيَّ عملٍ للمدير ينطوي على الإضرار بالشَّرِكَة أوِ الشُّرَكاء بقَصْد تحقيقِ فائدة لنفسه أو لغيره تَثْبُتُ مَسْؤُوليّتُه عنه – يُجيزُ لِلشُّركاءِ أنْ يطلبوا إلى القضاءِ التَّرْخيصَ بعزْله وتعويضَهم والشَّرِكَة عن هذه الأضرارِ؛ وَفْقَ ما ورد في هذه المادَّة.
المَبْحَثُ الثّاني
مَسْؤُوليَّةُ مديرِ الشَّرِكَة ذاتِ المَسْؤُوليَّة الْمَحْدودَة
نصَّتِ الْمادَّةُ (204) من قانونِ الشَّرِكات التِّجاريَّة السّابقِ رَقْم 15/1960 على ما يأتي: «المديرونَ مَسْؤُولونَ بالتضامن تُجاهَ الشَّرِكَة والشُّرَكاءِ والغَيْرِ عن مخالفتهم لأحكام القانونِ أو لعقْد التَّأْسيسِ أو عنِ الخطأ في الإدارة؛ وَفْقًا للقواعد المنصوصِ عليها في شركة المساهمة». كما نصَّتِ الْمادَّةُ (105) من قانونِ الشَّرِكاتِ الحاليِّ رَقْم 1 لسنة 2016 على الآتي: «إذا لَمْ تُحَدَّدْ سُلُطاتُ مديرِ الشَّرِكَة في عقْد الشَّرِكَة أو في القرارِ الصّادرِ عنِ الجَمْعيَّة العامَّة لِلشُّركاءِ بتعيينه؛ كان للمديرِ سلطةٌ كاملةٌ في القيام بجميع الأعمال والتَّصرُّفات اللازمة لتحقيق أغراض الشَّرِكَة. ويكون المديرونَ مَسْؤُولين بالتضامن تجاه الشَّرِكَة والشُّرَكاء والغَيْرِ عنْ مخالفتهم لأحكام القانون أو عقْد الشَّرِكَة أوِ الخطأ في الإدارة؛ وَفْقًا للقواعدِ المنصوصِ عليها في باب شركة المساهمة بهذا القانونِ».
ومن ثَمَّ؛ فهي تُعَدُّ من دعاوى المَسْؤُوليَّة المَدَنيَّة عنِ العملِ غَيْرِ المشروع، الَّتي ضَبَطَ قواعدَها العامَّةَ القانونُ المَدَنُّي في الموادِّ من (227) وما بعْدَها؛ فيُسْأل المديرُ أوِ المُديرونَ في حالة تعدُّدِهم، بمقتضى القواعد العامَّة في المَسْؤُوليَّة المدنية، منفردينَ أو بالتضامن بحَسَب الأحوالِ تُجاه الشَّرِكَة أوِ الغَيْرِ، سواء عن مخالفات أحكامِ القانونِ أو عن مخالفة عقْدِ التَّأْسيسِ أو الأَخْطاءِ الَّتي يَرْتكبونَها في قيامِهم بأَعْمال إدارتهم. وتُقَدِّرُ محكمةُ الموضوع الوقائعَ الَّتي تَسْتخلِصُ منها حِرْصَ المديرِ أوْ إهمالَه[15]؛ مسترشدةً في ذلك بسلوك المديرِ العاديِّ إذا كان في ظروفِ المديرِ نَفْسِها. ولكنْ لا تُعْتَبَرُ مجرَّدُ خسارة الشَّرِكَة إِهْمالًا؛ لأنَّ التِّجارةَ يصاحبها الكسْبُ والخسارةُ، بلِ المقصودُ الإهمالُ بالواجب كما يُحدِّدُه حُسْنُ النِّيَّة والعُرْفُ[16].
ولأنَّ المديرَ وكيلٌ بأجرٍ وليس بالمجّان؛ فإنَّه يُسْألُ عن كافَّة أخطائه في الإدارة ولو كانت يسيرةً[17]. ومَسْؤُوليَّةُ المديرِ أمام الشَّرِكَة هي دائمًا مَسْؤُوليَّةٌ عَقْديَّةٌ؛ لأنَّها ناشئةٌ عنِ العقد الَّذي يربطها معه، والَّذي يصبح بمقتضاهُ نائبًا عنها.
ويكونُ المديرُ مَسْؤُولًا شخصيًّا أمامَ الغَيْرِ في كلِّ حالةٍ لا تتوافر فيها شروطُ التزامِ الشَّرِكَة بتصرُّفات المديرِ وأعمالِه؛ كأنْ يتجاوزَ المديرُ حدودَ سُلُطاتِه، أو يتجاوزَ غَرَضَ الشَّرِكَة، أو يسيْءَ استخدامَ عُنْوانها مع شخصٍ سيِّئِ النِّيَّة. ففي هذه الحالات تَتَخلَّصُ الشَّرِكَةُ منَ المَسْؤُوليَّة، ولا تُبْقي أمامَ الغَيْرِ إلّا أنْ يرجعَ على المديرِ شخصيًّا. وهذا الرُّجوعُ قد يكونُ على أساسِ المَسْؤُوليَّة العقدية، فيكتفي الغَيْرُ بإبطال العقد واسترداد ما دفَعَهُ وردِّ ما قبضَهُ، وقد يكون على أساس المَسْؤُوليَّة التَّقْصيريَّة إذا ما ارتَكَبَ المديرُ خطأً في حقِّ الغَيْرِ وسبَّب له ضررًا دُونَ أنْ يكونَ هذا الخطأُ بمناسبة وظيفته كمديرٍ. كذلك تنعقد مَسْؤُوليَّةُ المديرِ في مواجهة كلِّ شريكٍ سبَّب له المديرُ ضررًا شخصيًّا، وهي هنا أيضًا مَسْؤُوليَّةٌ تقصيريّةٌ؛ لأنَّ المدير لا يرتبط مع الشُّرَكاء بعقد، بل هو متعاقدٌ مَعَ الشَّرِكَة بوَصْفها شخصًا معنويًّا. والمديرُ النظاميُّ وغَيْرُ النِّظاميِّ في ذلك سواءٌ[18].
والمديرونَ مسؤولونَ بالتضامن تجاه الشَّرِكَة والشُّرَكاء والغيرِ عن مخالفتهم لأحكام القانون أو لعقد التَّأْسيس أو عنِ الخطأ في الإدارة؛ وَفْقًا للقواعد المنصوصِ عليها في شركة المساهمة[19]. فيكونُ المديرُ مسؤولًا تجاه الشَّرِكَة والشُّرَكاء والغيرِ عن جميع أعمال الغشِّ وإساءة استعمال السُّلطة، وعن كلِّ مخالفة للقانون أو لنظام الشَّرِكَة، وعنِ الخطأ في الإدارة[20]. وتكونُ المَسْؤُوليَّةُ إمّا مَسْؤُوليَّةً شخصيَّةً تلحق المدير بالذّات، وإمّا مشتركةً فيما بين المُديرينَ جميعًا. وفي هذه الحالة الأخيرة، يكونُ المديرونَ مسؤولينَ جميعًا على وَجْه التَّضامُن بأداءِ التَّعْويض، إلّا إذا كان فريقٌ منهم قدِ اعترضَ على القرار الَّذي رتَّب المَسْؤُوليَّةَ، وأَثْبَتَ اعتراضَه[21].
نَوْعُ مَسْؤُوليَّة المديرِ على ضَوْءِ قانونِ الشَّرِكات السّابقِ والحاليِّ:
- جرى نَصُّ الْمادَّة (204) من قانونِ الشَّرِكات السابقِ على ما يأتي: «المديرون مَسْؤُولون بالتضامن تجاه الشَّرِكَة والشُّرَكاء والغيرِ عن مخالفتهم لأحكام القانون أو لعقد التَّأْسيس أو عن الخطأ في الإدارة؛ وَفْقًا للقواعد المنصوصِ عليها في شركة المساهمة». ونصَّت الْمادَّة (105) من قانون الشَّرِكات الحاليِّ على الآتي: «إذا لم تُحَدَّدْ سُلُطاتُ مديرِ الشَّرِكَة في عقْد الشَّرِكَة أو في القرارِ الصّادرِ عنِ الجَمْعيَّة العامَّة لِلشُّركاءِ بتعيينه؛ كان للمديرِ سلطةٌ كاملةٌ في القيام بجميع الأعمال والتَّصرُّفات اللّازمة لتحقيق أغراضِ الشَّرِكَة. ويكون المديرونَ مَسْؤُولينَ بالتّضامن تجاه الشَّرِكَة والشُّرَكاء والغَيْرِ عنْ مخالفتهم لأَحْكام القانونِ أو عقْد الشَّرِكَة أوِ الخطأ في الإدارة؛ وَفْقًا للقواعد المنصوصِ عليها في باب شركة المساهمة بهذا القانون». واللّافتُ للنظرِ في هاتَيْنِ المادَّتَيْنِ أنَّ الْمُشَرِّعَ حدَّد نطاقَ مَسْؤُوليَّة مديرِ الشَّرِكَة ذات المَسْؤُوليَّة الْمَحْدودَة على ضوء أحكامِ وقواعدِ مَسْؤُوليَّة مجلس الإدارة في شركة المساهمة، الَّتي نصَّت عليها صراحةً الْمادَّةُ (148) من قانون الشَّرِكات السّابقِ. غَيْرَ أنَّ الْمُشَرِّعَ في الْمادَّة (204) من قانون الشَّرِكات السابقِ أغفل أساسَيْن للمَسْؤُوليَّة تمَّ ذكرُهُما في الْمادَّة (148) من القانون ذاتِه؛ وهما: مَسْؤُوليَّةُ المديرِ عن أعمالِ الغشِّ وإساءة استعمالِ السُّلْطة، وإنْ كان ذلك لا يدلُّ على قصْده من تضييقِ نطاقِ مَسْؤُوليَّة المدير أوِ الحدِّ منها بما يسمحُ له بالغشِّ وإساءة استعمالِ السلطة؛ لأنَّه يمكن إدراجُ أعمالِ الغشِّ ضمْنَ نطاقِ مخالفة القانونِ، وإدراجُ إساءة استعمالِ السُّلْطة ضمْنَ الخطأ في الإدارة؛ ومن ثَمَّ يمتنعُ على المديرِ أنْ يأتيَ أعمالَ الغشِّ في الإدارةِ، مِنْ مِثْلِ استغلالِه المعلوماتِ الخاصَّةَ بالشَّرِكَة، والإدلاءِ ببياناتٍ كاذبةٍ في التقريرِ الماليِّ أو ميزانيّتها، أو إِتْيان الحيل المكوّنة للتدليس عند التعاقد. كذلك يمتنع عليه إساءةُ استعمالِ السلطة، مِنْ مِثْلِ التَّعسُّفِ في استعمالها على النَّحْوِ المَنْصوصِ عليه في الْمادَّة (30) منَ القانونِ المَدَنيِّ بأنْ يكونَ قدِ اسْتَعْمَلها استعمالًا غَيْرَ مشروع لتحقيقِ مصلحةٍ غَيْرِ مشروعةٍ، أو قَصَدَ بها الإضرارَ بالغَيْرِ، أو كانتِ المَصْلحةُ الَّتي حقَّقها لا تتناسبُ أَلْبتَّةَ مَعَ الضَّررِ الَّذي لحق بالغَيْرِ. ويدخل ضمْنَ إساءة استعمالِ السُّلْطة تَنَصُّلُ المديرِ أو إحجامُه عن توزيع الأرباح على الشُّرَكاء دون مسوِّغ مشروع، على الرَّغْم من تحقيقِ الشَّرِكَة لأرباح. ولكنَّ الجدير بالذِّكْرِ أنَّ الخطأ في الإدارة الَّذي نصَّت عليه الْمادَّة المشار إليها يشمل كلَّ ما سيق من أعمالِ الغشِّ وإساءة استعمال السلطة بوَصْفها من صور الخطأ الجسيم، كما يشمل كذلك صور الخطأ اليسير أو البسيط إذا ترتَّب عليه ضررٌ بالشَّرِكَة أو بالشُّرَكاء. والفارقُ بينهما أنَّ الخطأَ اليسير لا يسوِّغُ لِلشُّركاءِ طَلَبَ عزْلِ مديرِ الشَّرِكَة، وإنْ كان يسوِّغُ لهم مساءَلَتَه عن التعويضِ عمّا ينتجه من أضرارٍ. وفضلًا عن ذلك؛ فإنَّ أعمالَ الإدارة الَّتي يزاولها المديرُ تندرج ضمْنَ الأعمالِ التِّجاريَّة الَّتي تستهدف الرِّبْحَ، وهي بهذه المنزلة تكونُ دائرةً بين النَّفْع والضَّرر؛ وهذا ما يَجْعَلُ مِنِ التزام المديرِ مجرَّدَ التزامٍ ببَذْل عناية في إدارة الشَّرِكَة، وليس تحقيقَ غايةٍ تتمثّلُ في تحقيق الرِّبْح في جميع أعمالِه.
- إنَّ الأساسَ القانونيَّ الَّذي تنهضُ عليه دعوى مَسْؤُوليَّة مدير الشَّرِكَة ذات المَسْؤُوليَّة الْمَحْدودَة وَفْقًا للموادِّ المذكورة – يختلف بحَسَب ما إذا كانت أُقيمتْ منَ الغير أو الشُّرَكاء، أو من الشَّرِكَة. فإنْ كانت أُقيمت منَ الغير أو الشُّرَكاء، خضعت لأحكام المَسْؤُوليَّة التقصيريّة. وإنْ كانتْ أُقيمتْ منَ الشَّرِكَة، خضعت لأحكام المَسْؤُوليَّة العَقْديّة الَّتي تفترض أنَّ مدير الشَّرِكَة هو نائبٌ قانونيٌّ عنِ الشَّرِكَة فيما يُرْفَعُ منها أو عليها من قضايا.
المَبْحَثُ الثّالثُ
حالَتانِ عَمَليَّتانِ
نتناولُ في هذا المَبْحَثِ حالتَيْنِ عَمَليَّتَيْن في أحقِّيَّة الشُّرَكاءِ في طلبِ عزْلِ الشريكِ المديرِ على ضَوْءِ الأحكام والقواعدِ المُتقدِّمِ ذِكْرُها؛ وكذلك مدى تأثيرِ عزْلِ الشّريكِ المديرِ في الوكالة الخاصَّة الصّادرة منه بصفته.
الحالةُ العَمَليَّةُ الأُولى:
- الثّابتُ من عقْد تأسيس الشَّرِكَة المُؤرَّخ 12/10/1983 أنَّ الشَّرِكَةَ تأسَّست فيما بين السّادة/… تَحْتَ اسْمِ شركة … التِّجاريَّة لمُدَّة سنتَيْن، ابتداءً من تاريخ تسجيل هذا العقد في السجلِّ التجاريِّ، على أنْ تتجدَّد تلقائيًّا لمُدَدٍ مماثلةٍ، ما لم يُخْطِرْ أحدُ الشُّرَكاءِ المذكورينَ الأطرافَ الأخرى برغبته في عدمِ التَّجْديد كتابيًّا، بمُدَّةٍ لا تقلُّ عن شهرين قبْل انتهاء مدة العقد، مع إبلاغ وِزارة التِّجارة والصِّناعة بذلك … منَ العَقْد المذكور. ونصَّت الْمادَّة (9) منه على أنْ يتولّى إدارةَ الشَّرِكَة كلٌّ من … مجتمعينَ أو منفردينَ. ويمثِّلُ المديرونَ الشَّرِكَةَ في علاقتها مَعَ الغَيْرِ، ولهم في هذا الصَّدَدِ أوسَعُ السُّلْطة للتَّعاملِ باسْمِها وإجراءِ كافَّة العقود والمعاملاتِ الدّاخلة في أغراض الشَّرِكَة، وعلى الأخصِّ … ولا يجوزُ لمدير الشَّرِكَة بَيْعُ عقاراتِ الشَّرِكَة أو رَهْنُها أو إعطاءُ الكفالات أو عقد القروض إلّا بناءً على قرارٍ إجماعيٍّ من الشُّرَكاء. وحيثُ أُدْخلتْ عدّةُ تعديلاتٍ متعاقبة على هذا العقدِ، نخصُّ بالذِّكْرِ منها عقْدَ الدَّمْج المؤرَّخ 22/6/1989، الَّذي أبقى على المديرين المذكورين بذات سُلُطاتهم، ثُمَّ العقد المؤرَّخ 16/8/1995، الَّذي تضمَّن تعديلَ الْمادَّة التّاسعة من عقْد الدمج المذكور، والخاص بإدارة الشَّرِكَة لتُصْبحَ كالآتي: «يتولّى إدارةَ الشَّرِكَة … منفردًا أو يمثّل المدير … إلخ»، ثُمّ العقْد المؤرَّخ 7/8/1996، الَّذي تضمَّنَ تعديلَ أكثرَ من مادَّة، منها الخاصّةُ باسم الشَّرِكَة وعُنوانها ليصبح نصُّها كالآتي: اسم الشَّرِكَة وعنوانها «شركة … وشركاهم – شركة ذات مَسْؤُوليَّة محدودة»، وكذلك الْمادَّةُ الخاصَّةُ بالإدارة بجَعْلها على النَّحْوِ الآتي: «يتولّى إدارةَ الشَّرِكَة … مجتمعينَ أو منفردين … إلخ»، ثُمَّ على إِثْرِ صدورِ الحكم في الاستئنافَيْن رَقْمي 2091، 2126/1999 تجاريّ، الَّذي قضى ببطلان عقْد التَّعْديل المُؤرَّخ 16/8/1995 فيما تضمَّنَه البندُ الثّاني من تنازلٍ عن عدد 69 حصّةً من مجموع حصصه في تلك الشَّرِكَة، وفيما تضمَّنَه … وإلغاء ما يترتَّب على هذين التّنازُلَيْنِ من آثارٍ، بما في ذلك ما اشتمل عليه عقْدُ التَّعْديل المؤرَّخ 8/7/1996 من توزيع الحصص المُتنازَلِ عنها على ورثة المرحوم … وتأييد الحُكْم المستأنف في قضائِه الواردِ بالبند (ثانيًا) من منطوقه، وهو البندُ الَّذي تضمن تولِّي … إدارةَ الشَّرِكَة منفردًا، وكذلك بطلانُ ما ورد بالبند السّابع من ثانيهما الَّذي تضمَّن تولِّي … إدارةَ الشَّرِكَة مجتمعينَ أو منفردينَ، وقد تأيَّد هذا الحكمُ في الطُّعونِ بالتَّمْييز أَرْقام 231، 237، 246، 247/2002 تجاريّ/2، تولى إدارة الشَّرِكَة السيد … كما هو في عقد الدَّمْج المشارِ إليه قبْل إدخالِ التَّعْديلات الَّتي قضى ببطلانها وبذات الصّلاحيات الَّتي للمدير فيه.
- يَنْبني على ذلك أنّه لا يجوزُ – بحَسَب الأصلِ العامِّ – عزْلُ المذكورِ من إدارة الشَّرِكَة بترخيصٍ منَ القضاءِ، بل لا بُدَّ مِنْ إِجْماع الشُّرَكاء بمَنْ فيهم الشَّريكُ المديرُ – على عزْله، أو منَ الجَمْعيَّة العامَّة لِلشُّركاءِ، بالشُّروطِ والأوضاع الَّتي جاءتْ في أسبابِ الطُّعون بالتَّمْييز المُشارِ إليها.
وهُنا يأتي تعليقُنا على هذا الحُكْمِ لتَوْضيح مدلوله ومؤدّاهُ فيما يأتي:
منَ المُقرَّرِ – في قضاء محكمة التَّمْييزِ – أنَّ نطاقَ الطَّعْن بالتمييز لا يتَّسع لغير الحكم المطعون فيه، ولا يؤدِّي إلى طرْح القضيّة نَفْسِها الَّتي نَظرتْ فيها محكمةُ الموضوع، وإنَّما إلى طرْح قضيّةٍ أُخْرى هي البحثُ حوْل مخالفة الحكم المذكورِ للقانون على ضوء أسبابِ الطَّعْنِ، بما مفادُه أنَّ المسألةَ القانونيّةَ الَّتي فصلت محكمةُ التمييز فيها عن قصْدٍ وبَصَرٍ يكتسبُ حُكْمُها حُجِّيَّةَ الشيْءِ المحكوم فيه بشأنها في حدود هذه المسألة فقط؛ بحيثُ يمتنع على أيِّ محكمة أُخْرى المساسُ بهذه الحُجِّيَّة، وعليها أنْ تلتزمَ بها في قضائها؛ لأنَّ أَحْكامَها تتنزّل منزلةَ المبادئ القضائيّة الَّتي لا يجوزُ مخالفَتُها.
والثّابتُ من مدوّنات حكم التمييز في الطعون المشارِ إليها أنّه صدر في نزاع ثار بين أطراف الدعوى محلّ الرأي، وتعلَّق ببطلان التعديلات الَّتي جرتْ على عقْدَي التَّأْسيس المؤرَّخَين 16/8/1995، 8/7/1996، مقرِّرة فيها أنّه إذا اتّفَقَ الشُّرَكاءُ في عقْد تأسيس الشَّرِكَة ذاتِ المَسْؤُوليَّة الْمَحْدودَة على تَعْيينِ مديرٍ لها دُونَ تحديد أَمَدٍ مُعيَّنٍ؛ بقي مديرًا فترةَ بقائها إلّا أنْ يُجْمعَ الشُّرَكاءُ على عزله (م 202 من قانون الشَّرِكات السابق)، وإنْ كان ذلك لا يحول دون حقِّهم في العزْلِ، إلّا أنَّ ذلك مرهونٌ باتِّباع الإجراءاتِ اللّازمة لتَعْديلِ عقْد الشَّرِكَة بما يخوِّلُهم هذا الحقَّ؛ شريطةَ صدورِ هذا التَّعْديلِ منَ الجَمْعيَّة العامَّة لِلشُّركاءِ بإرادة الأغلبيّة العدديَّة لِلشُّركاءِ الحائزينَ لثلاثة أرباع رأس مال الشَّرِكَة، وما يستتبع ذلك من إفراغ هذا التَّعْديلِ في محرَّرٍ رَسْميٍّ، ومن ثَمَّ لا يمكن أنْ يُفْهَمَ منه أنَّ محكمةَ التَّمْييز جاءت بحُكْمٍ يخالفُ صريحَ عبارات الْمادَّة (202)، الَّتي أوجبتْ إجماعَ الشُّرَكاء على عزْلِ المدير – بما فيهم الشَّريكُ المدير – ما دام قد عيَّنَه الشُّرَكاءُ في عقْد التَّأْسيس مدَّةَ بقاء الشَّرِكَة، بلِ العكسُ هو الصَّحيحُ؛ بمعنى أنَّ محكمةَ التَّمْييزِ أرسَتْ حُكْمَ هذه الْمادَّة، ولكنَّها اشْترطتْ لإعماله ألّا يكونَ عقْدُ التَّأْسيس قد نَصَّ على غَيْرِ ذلك، بمعنى أنْ يكونَ قد نَصَّ صراحةً على أنَّ للجَمْعيَّة العامَّة لِلشُّركاءِ الحقَّ في عزْلِ المديرِ؛ فعندئذٍ يجب لكي يكونَ قرارُ العزلِ صحيحًا منَ الجَمْعيَّة أنْ يصدرَ بأغلبيَّة الشُّرَكاء الحائزينَ على ثلاثة أرباع رأس المال؛ وَفْقًا لما نصَّت عليه الْمادَّة (212) من قانون الشَّرِكات التِّجاريَّة السابقِ؛ باعتبارها الأغلبيّةَ العدديّةَ اللّازمةَ لتَعْديلِ عقْد التَّأْسيس – ما لم يكُنْ هذا العقْدُ قد نَصَّ عليه أغلبيّةٌ عدديّةٌ أُخْرى. يؤيِّد ذلك أنَّ التَّقْريراتِ القانونيّةَ من محكمة التَّمْييزِ في الطُّعونِ المشارِ إليها جاءتْ في مقام ردِّها على نعي الطّاعنينَ على الحكم المطعونِ فيه مخالفة القانون والخطأ في تطبيقه ومخالفة الثّابت بالأوراق؛ لأنّه قضى ببطلان عقْدَي تعديلِ الشَّرِكَة رَقْمي 630 جلد 318 خ 16/8/1995، 1441 جلد 1 في 7/8/1996، فيما تضمَّنَهُ البندُ الخامس من أوّلهما والسابع من ثانيهما من تعديلِ إدارة الشَّرِكَة بتولِّي الطّاعنَيْن الثّاني والثّالثِ في الطّعْن الأوّل إدارةَ الشَّرِكَة بدلًا منَ المديرين السابقين لها؛ فرَدّ عليهم حُكْمُ التَّمْييز بأنّه يجبُ توفيرُ الأغلبيَّةِ العدديَّةِ الَّتي تملك ثلاثةَ أرباع رأس المال، المنصوصِ عليها في الْمادَّة (212) عند القيامِ بتعديل عقْد التَّأْسيس، ولو كان قد تعلَّق هذا التَّعْديلُ بعزْل المديرِ المُعيّن فيه، ما دامَ العقدُ يجيز لها عزْلَه؛ بما يعني أنّه ما دامَ العقدُ خِلْوًا من إعطاءِ هذا الحقِّ للجمعية، بقي نَصُّ الْمادَّة (202) بعدم جوازِ عزْلِ المديرِ المُعيَّن في عقد التَّأْسيس دون أَجَلٍ محدَّدٍ إلّا بإجماع الشُّرَكاء – على حاله. والثّابتُ من عقْد التَّأْسيس السّاري والمَعْمولِ به وَفْقًا للتَّعْديلاتِ الصَّحيحة والمَشْروعة الَّتي أُدْخلت عليه على النَّحْوِ السّالفِ بيانُه أنّه قد جاءَ خاليًا منَ النَّصِّ صراحةً على سلطة الجَمْعيَّة العامَّة لِلشُّركاءِ على عزْل المديرِ المُعيَّنِ فيه لأَجَلٍ غَيْرِ مُحَدَّدٍ؛ ومن ثَمّ يكون لجوءُ الشُّرَكاء المُدَّعينَ في الدعوى محلِّ الرأي بطلبِ التَّرْخيص لهم منَ القضاء بعزْل الشريك المدير قائمًا على غيرِ سندِه الصَّحيح منَ القانونِ.
وتعزيزًا لنَصِّ الْمادَّة (104) من قانون الشَّرِكات الحاليِّ، والَّتي تنصُّ على الآتي: «يجوزُ عزْلُ مديرِ الشَّرِكَة بحُكْمٍ قضائيٍّ بناءً على طلبِ شريكٍ أو أكثَرَ ممَّنْ يملكون ربع حصص رأس المالِ على الأقلِّ، وذلك للأسباب التّالية:
- إذا ارتَكَبَ عملًا من أعمال الغشِّ.
- إذا ارتَكَبَ خطأً أَلْحَقَ بالشَّرِكَة ضررًا جسيمًا.
- إذا خالَفَ حُكْمَ الْمادَّة (106) من هذا القانون».
– فقد حَكَمَتْ محكمةُ التَّمْييزِ الكُوَيْتيّةُ بأنَّ الْمُشَرِّعَ أجاز اللُّجوءَ إلى القضاء لطلب عزْلِ مدير الشَّرِكَة ذات المَسْؤُوليَّة الْمَحْدودَة، وحدَّد لذلك شروطًا على أنَّ مَنْ يتقدَّمُ بهذا الطلبِ شريكٌ أو أكثَرُ ممَّنْ يملكون ربعَ حصصِ رأس المال على الأقلِّ، وأنْ يكونَ ذلك للأسباب الَّتي أورَدَها النصُّ حصرًا. وقدِ اسْتقرَّتِ المحكمةُ على أنَّ نَصَّ القانونِ في هذه الْمادَّة جاء بصيغة مُطْلَقَة؛ فيَسْري على المديرِ الاتِّفاقيِّ المُعيَّنِ في عقْد الشَّرِكَة أوِ المدير المُعيَّن منَ الجَمْعيَّة العامَّة الْعادِيَّة للشركة؛ ومن ثَمَّ إذا تخلّى الشُّرَكاءُ المُديرونَ في شركةٍ عن واجباتهم تُجاهَ الشَّرِكَة، ونكصوا عنِ الْتزاماتهم تُجاهَ الشَّرِكَة والشُّرَكاءِ، وأَلْحَقَ ذلك ضررًا جسيمًا؛ الأمر الَّذي يتوافر معه الشروطُ الَّتي حقَّقها القانونُ لعزْلِ القائمينَ على إدارة الشَّرِكَة[22]
الحالةُ العَمَليّةُ الثّانيةُ:
وفي قضيّة أُخْرى تتعلَّق بتَذْييل حُكْمِ تحكيمٍ دَوْليٍّ بالصِّيغة التَّنْفيذية؛ دفعتْ شركةٌ ذاتُ مَسْؤُوليَّة محدودةٍ، صادِرٌ بحقِّها حكمُ التَّحْكيمِ أمامَ المحاكم الكُوَيْتيّة، بمخالفة حُكْم التحكيم النِّظامَ العامَّ على سندٍ منَ القَوْلِ بعَدَمِ أهليَّة المُمثِّل القانونيِّ للشركة للتَّوْقيع على اتِّفاقية التَّحْكيم، وبعدم توافر وكالةٍ خاصَّةٍ لمدير الشَّرِكَة تتعلَّقُ بالتَّحْكيم؛ وذلك بسبب عزْلِ مديرِ الشَّرِكَة ذاتِ المَسْؤُوليَّة الْمَحْدودَة – والَّذي هو شريكٌ في الوَقْتِ ذاتِه – بموجب حكمٍ قضائيٍّ؛ الأمر الَّذي يؤثِّر في تمثيلِ الشَّرِكَة أمامَ هيئة التَّحْكيم.
فإنَّ زوالَ صفة الممثّل القانونيِّ أو تغييره لا تؤثّر في الوكالة الصّادرة منه؛ على اعْتبارِ أنَّ هذه الوكالةَ صادرةٌ منَ الشَّخْصِ الاعتباريِّ؛ ومن ثَمَّ لا يلزم أنْ يصدرَ توكيلٌ جديدٌ لأنَّ التَّوْكيلَ الصادرَ منَ الشخصِ الاعتباريِّ لا يتأثر بتغيير ممثّله القانونيِّ؛ حيثُ إنَّ الشَّرِكَةَ عبارةٌ عن شخصية اعتباريّة مُسْتقلّة. وهذا ما أكَّدَتْه محكمةُ التَّمْييزِ الكُوَيْتيّةُ؛ إذْ قرَّرت أنَّ «الشَّرِكَة تُعْتَبَرُ شخصًا معنويًّا مستقلًّا عنْ أشخاصِ الشُّرَكاء المؤسِّسين لها، وعن شخصيّة ممثّلها القانونيِّ»[23]. وقد أكَّدَتْ محكمةٌ التَّمْييزِ الكُوَيْتيّةُ أنَّ «التَّوْكيل أوِ التَّفْويض الصّادر عن ممثّل الشخصِ الاعْتباريِّ لا يؤثِّر في صحَّته أوِ استمراره زوالُ صفة هذا الممثل، ولا يَلْزَمُ في هذه الحالة صدورُ توكيلٍ أو تفويضٍ آخرَ منَ الممثّل الجديد؛ لأنَّ التَّوْكيلَ أوِ التَّفْويضَ يُعْتَبَرُ صادرًا منَ الشخص الاعتباريِّ الَّذي لم تتأثّر شخصيّتُه بتغيير ممثّله»[24].
وفي حُكْمٍ آخرَ، أشارتْ محكمةُ التَّمْييزِ إلى أنّه «إذا صَدَرَ التَّوْكيلُ من ممثّلِ الشخصِ الاعْتباريِّ فإنَّه لا يؤثِّر في صحَّته أوِ استمرارِه زوالُ صفة هذا الممثل. ولا يَلْزَمُ في هذه الحالة صدورُ توكيلٍ جديدٍ منَ الممثّل الجديد؛ لأنَّ التَّوْكيلَ يُعْتَبَرُ صادرًا منَ الشَّخْصِ الاعْتباريِّ»[25]
ومفادُ ما تقدَّم أنَّ الطَّعْنَ على حضور الممثّل القانونيِّ للشّركة أمام هيئة التَّحْكيم بسبب وكالة خاصَّة صادرة له من مدير الشَّرِكَة الَّذي تمَّ عزْلُه فيما بَعْدُ بموجب حكمٍ قضائيٍّ – لا أساسَ له. أمّا إذا صدرتِ الوكالةُ بعْد حكمِ العزل؛ فهُنا تكمن الإشكاليّةُ في مدى إِلْزامِ الحكم على الآخرين. وهنا يكمن التساؤل في حال عزْل مدير الشَّرِكَة بموجب حكم قضائيٍّ. على أنَّ التَّأْشيرَ بالسجلِّ التجاريِّ بعزْل هذا المدير من إدارة الشَّرِكَة بناءً على ذاتِ الحُكْمِ لم يتمَّ إلّا بتاريخ لاحقٍ، وفي هذه الأثناءِ قام المديرُ (المَعْزولُ بحُكْمٍ قضائيٍّ) بتعيين ممثلٍ قانونيٍّ للشَّركة لحضور جلسات التَّحْكيم، وقد تمَّ التأشيرُ بالسجلِّ التِّجاريِّ بعَزْل المديرِ بعْد صدورِ حُكْمِ التَّحْكيمِ.
هُنا نَجِدُ أنَّ الموضوعَ يستلزم بَعْضَ التَّحْليل؛ إذ نصّت الْمادَّة (10) من القانون رَقْم 18/2018 في شأن السجلِّ التِّجاريِّ على ما يأتي: «على إدارة كتّاب المحكمة المختصَّة أنْ تُرْسلَ إلى الإدارة المُخْتصَّة صورًا منَ الأَحْكام والأوامرِ النِّهائيّة المُذَيَّلَة بالصِّيغة التَّنْفيذيّة المُبيَّنة فيما بعْدُ، الَّتي تصدر في شأن أيٍّ منَ الخاضعين لأحكام هذا القانون، خلال ثلاثينَ يومًا من تاريخ صدورها:
- أَحْكام شهْرِ الإفلاس أو إلغائه، والأَحْكام الصّادرة بتعيين تاريخ التوقُّف عن دفْع الدُّيون أو تعديلها.
- أَحْكام قفْل وانتهاء التّفْليسة، وأحكام إعادة فتْحها.
- أَحْكام ردِّ الاعتبار للتُّجّار.
- الأَحْكام والقرارات الصّادرة بتوقيع الحجْر أوِ القوامة، أو تعيين الوكلاء عنِ الغائبينَ أو بعزلهم، أو برفْع الحجْر.
- الأَحْكام والقرارات الصّادرة بإعطاء الإذن للقاصر أو نائبه بالإِتْجار أو بالإلغاء، أو بتقييد الإذن بالإتْجار في محلٍّ تجاريٍّ.
- الأَحْكام الصّادرة بتوقيع عقوبة جزائيّة تغلّ يَدَ التّاجرِ عن ممارسة أعماله، واسْم شخصِ القيِّم وتاريخ تَعْيينه.
- أَحْكام فصْل الشُّرَكاء أو عزْل المديرينَ.
- أَحْكام حلِّ وتصفية الشَّرِكات أو بطلانها، وتَعْيين المصفِّين أو عزْلهم.
- الأَحْكام الصّادرة بشأن الحراسة القضائيّة.
وعلى الإدارة المُخْتصَّة التأشيرُ بمقتضى هذه الأحكام وَفْقًا للإجراءات المقرَّرة في قانون المرافعات المَدَنيّة والتِّجاريَّة المشارِ إليه بشأن تنفيذ الأَحْكام والأوامر. وعليها كذلك التأشيرُ بالقرارات الوِزاريّة الصّادرة بحَلِّ الشَّرِكات أو إلغاءِ التّراخيصِ التِّجاريَّة».
أي: إنَّ ثَمَّةَ إِلْزامًا بالتأشير في السجلِّ التجاريِّ في وِزارة التِّجارة والصِّناعة بالأحكام الَّتي تَقْضي بعزْل مديرِ الشَّرِكَة، سواء كان مديرًا وشريكًا أو مديرًا فقط. ويجوزُ لكلِّ ذي شأنٍ أنْ يطلبَ التَّأْشيرَ في السجلِّ التِّجاريِّ بعزْل المديرِ حتّى يكونَ الحُكْمُ حُجَّةً على الغَيْرِ([26]).
وقد نصَّتِ الْمادَّةُ (7) من قانون السجلِّ التجاريِّ على ما يأتي: «تُعْتبَرُ البياناتُ المقيَّدة في السجلِّ التّجاريِّ حُجَّةً للتاجر أو ضدَّه من تاريخ قَيْدها، ولا يجوزُ الاحتجاجُ على أيِّ شخصٍ آخرَ بأيِّ بيانٍ واجبِ القَيْد أوِ التَّأْشير به ما لم يتمَّ هذا الإجراءُ. ومع ذلك؛ يجوزُ لهذا الشخصِ الاحتجاجُ بهذا البيان في مواجهة التّاجر متى كانتْ لهذا الشخصِ مصلحةٌ في ذلك».
وعليه؛ فلا يمكنُ لِلشُّركاءِ في الشَّرِكَة المعزولِ مديرُها التَّمسُّكُ بعدم أحقيَّة المديرِ المعزولِ بتعيين ممثلٍ قانونيٍّ؛ ما دامَ التَّأْشيرُ في السجلِّ التجاريِّ بعزْل هذا المديرِ لم يتمَّ بناءً على حُكْمٍ قضائيٍّ؛ وذلك لأنَّ عزْلَ المدير يُعَدُّ منَ البيانات الواجبة القَيْد في السجلِّ التِّجاريِّ؛ ومن ثَمَّ لا يمكن الاحتجاجُ على الغَيْرِ بأيِّ بيانٍ واجبِ التأشير إذا لم يُقَيَّدْ في السجلِّ التِّجاريِّ؛ أي: لا يجوزُ الاحتجاجُ بالحُكْم الصّادرِ بعزْل المديرِ في مواجهة الغَيْرِ قبْل الشُّروع بقَيْد هذا العزْلِ في السجلِّ التِّجاريِّ. وهذا التَّحْليلُ يتَّسقُ مع المنطق؛ إذ إنَّ الغَيْرَ لم يكونوا طرفًا في النِّزاع الصادرِ بموجبه حُكْمٌ بعَزْلِ مديرِ الشَّرِكَة؛ ومن ثَمَّ حتّى يكونَ هذا الحُكْمُ نافذًا تجاههم؛ فإنَّ الأمر يستلزم قَيْدَهُ في السِّجلِّ التِّجاريِّ حتّى يكونَ حُجَّةً للغَيْرِ.
مَراجعُ البَحْثِ:
- د. أبو زيد رضوان. الشَّرِكات التِّجاريَّة: الجزء الأول. دار الفِكْر العربيّ. 1988.
- د. السيّد مُحَمّد اليماني. القانون التِّجاريّ: الجُزْء الأوَّل. طبعة 1985. د.ن.
- د. سميحة القليوبي. الشَّرِكات التِّجاريَّة: الجزء الثاني. دار النَّهْضة العربيّة. 1993.
- د. عبد الرَّزّاق أَحْمد السّنهوري. الوسيط في شَرْح القانونِ المَدَنيّ: الجزء الخامس. دار إحياء التُّراث العربيّ. د.ت.
- عليّ الزيني. أُصُول القانونِ التِّجاريِّ: الجُزْء الأوَّل. طبعة 1925.
- عليّ العريف. شَرْح الشَّرِكاتِ في مِصْرَ. دار الفِكْرِ العربيِّ. 1980.
- عليّ جمال الدِّين عوض. القانون التِّجاريّ. الجُزْء الأوَّل. دار النَّهْضة العربيّة. د.ت.
- عليّ حَسَن يونُس. الشَّرِكات التِّجاريَّة: النَّظريَّةُ العامَّة وشركاتُ التَّضامُن والتَّوْصية والمحاصَّة. طبعة 1988.د.ن.
- مُحْسن شفيق. الوسيط في القانونِ التِّجاريِّ المِصْريِّ: الجُزْء الأوَّل. دار النَّهْضة المِصْريَّة 1957.
- د. مُحَمَّد صالح. شَرْح القانونِ التِّجاريِّ. الطَّبْعة السّابعة. 1949.
- د. مُحَمَّد كامل ملش. مَوْسوعة الشَّرِكات. طَبْعة 1980.د.ن.
- د. مَحْمود سمير الشّرقاويّ. القانونُ التِّجاريُّ: الجُزْء الأوَّل. دار النَّهْضة العربيّة. 1989.
- د. مَحْمود مختار بربري. الشَّخْصيَّة المَعْنويَّة للشَّرِكة التِّجاريَّة: دراسة مُقارَنَة. دار الفِكْرِ العربيِّ.
[1] مادَّة (201) من قانونِ الشَّرِكات الكويتيِّ رَقْم 15/1960.
[2] مادَّة (202) من قانونِ الشَّرِكات الكويتيِّ رَقْم 15/1960.
[3] مادَّة (203) من قانونِ الشَّرِكات الكويتيِّ رَقْم 15/1960.
[4] أبو زيد رضوان، الشَّرِكات التِّجارِيَّة: الْجُزْء الأوّل، دار الْفِكْر الْعَرَبيّ، 1988، ص 139.
[5] قضتْ محكمةُ النَّقْضِ بما يأتي: «لَيْسَ ثَمَّةَ ما يمنع من أنْ يكونَ مديرُ الشَّركة أجنبيًّا غَيْرَ شريكٍ فيها وغَيْرَ مسْؤُولٍ عن ديونها على الإطلاق. وفي هذه الحالة، لا يُعْتبَرُ المديرُ تاجرًا، ولا يجوزُ إشهارُ إفلاسِه تبعًا لإشهار إفلاس الشَّركة الَّتي يتولى إدارَتَها». نقش 10 مارس 1980، مجموعة د. أحمد حسني، بند 460، ص 296.
[6] عليّ جمال الدِّين عوض، القانون التِّجاريّ: الْجُزْء الأول، دار النَّهْضة العربيَّة، د.ت، ص 430. والرَّأْيُ نفْسُه عند: محسن شفيق، الوسيط في القانونِ التِّجاريِّ المِصْريّ: الْجُزْء الأوّل، دار النَّهْضة العربيَّة، 1957، ص 285. و: مُحَمّد كامل أمين ملش، موسوعة الشَّرِكات، 1980، ص 108. و: عليّ العريف، شرح الشَّرِكات في مصر، دار الْفِكْر الْعَرَبيّ، 1980، ص 207. و: عبد الرزّاق أَحْمد السّنهوريّ، الوسيط في شرح القانون المَدَنيّ، دار إحياء التُّراثِ العربيّ، د.ت، ج 5، ص 301. و: محمود سمير الشّرقاويّ، القانون التِّجاريّ: الْجُزْء الأوّل، دار النَّهْضة العربيّة، 1989، ص 242. و: سميحة القليوبي، الشَّرِكات التِّجارِيَّة: الْجُزْء الثّاني، دار النَّهْضة العربيّة، 1993، ص 271.
[7] محسن شفيق، مرجع سابق، ص 297. و: عليّ جمال الدِّين عوض، مرجع سابق، ص 436. و: محمود سمير الشّرقاوي، مرجع سابق، ص 247. و: مجموعة الأَعْمال التَّحْضيريَّة للقانون المَدَنيِّ المِصْريِّ، ج 4، ص 346.
[8] نَقْض مِصْريّ في 5 أبريل 1956. مجموعة أَحْكام النَّقْض، السَّنة 7، ص 496.
[9] محمود مختار بربري، الشَّخْصيَّة المَعْنويَّة للشَّركة التِّجارِيَّة: دراسة مقارنة، دار الْفِكْر الْعَرَبيّ، ص 299.
[10] محسن شفيق، مرجع سابق، ص 289.
[11] عليّ حَسَن يونُس، مرجع سابق، ص 124.
[12] مُحَمَّد صالح، شرح القانون التِّجاريّ، الطَّبْعة السّابعة، 1949، ص 346. و: عليّ الزّيني، أُصُول القانون التِّجاريّ: الْجُزْء الأول، 1925، ص 164. و: عبد الرّزّاق أَحْمد السّنهوري، مرجع سابق، ص 309. و: عليّ العريف، شرح الشَّرِكات في مصر، مرجع سابق، ص 211.
[13] عليّ العريف، مرجع سابق، ص 212.
[14] عليّ العريف، مرجع سابق، ص 213.
[15] محسن شفيق، مرجع سابق، ص 297.
[16] عليّ العريف، مرجع سابق، ص 216.
[17] استئناف مختلط في 4 أبريل 1928، البلتان السّنة 4، ص 277. و: مَحْمود سمير الشّرقاويّ، مرجع سابق، ص 250. و: عليّ العريف، مرجع سابق، ص 216. وعَكْسُ ذلك عند: عليّ حَسَن يونُس، مرجع سابق، ص 137. إذ يرى أنَّ الشَّرِكةَ يَجِبُ أَنْ تَغْفِرَ للمُديرِ أخطاءَهُ البسيطةَ الدّارجةَ الَّتي يفرضها نَوْعُ النَّشاطِ الَّذي تقومُ به.
[18] فرَّقَ د. السيّد مُحَمَّد اليمانيّ بَيْنَ المديرِ النِّظاميِّ الشَّريكِ والمديرِ غَيْرِ النِّظاميِّ؛ إذ يرى أنَّ الأوَّلَ مسْؤُوليّتُه أمامَ الشّركاءِ تَقْصيريَّةٌ؛ لأنَّه يُعْتبَرُ ممثّلًا لشخصيّة الشَّرِكَة، وليس وكيلًا عنِ الشُّركاءِ. أمّا المديرُ غَيْرُ النِّظاميِّ (غيرُ الاتِّفاقيِّ)؛ فَيُعْتَبَرُ وكيلًا عنِ الشُّركاءِ، ويُسْأَلُ أمامَهُم مسْؤُوليَّةً تَعاقُديَّة. القانون التّجاري: الْجُزْء الأوَّل، 1985، د.ن، ص 327.
[19] مادَّة (204) من قانون الشَّرِكات الْكُوَيْتيّ رَقْم 15/1960.
[20] مادَّة (148) من قانون الشَّرِكات الْكُوَيْتيّ رَقْم 15/1960.
[21] مادَّة (149) من قانون الشَّرِكات الْكُوَيْتيّ رَقْم 15/1960.
[22] الطَّعْنان بالتَّمْييز رَقْم 1247 ورَقْم 1262 لسنة 2006 تجاريّ/5، جلسة 29/4/2015.
[23] الطَّعْنُ رَقْم 588/2011، جلسة 14/02/2012.
[24] الطَّعْنُ رَقْم 317/2001 تجاريّ/1، جلسة 26/05/2003.
[25] الطُّعونُ بالتَّمْييزِ ذواتُ الأَرْقامِ 1365، 1372، 1379، 1385، 1386/2005 تجاري/3، جلسة 15/04/2014.
[26] المادَّة (11/1) من قانون السجلّ التِّجاريّ: «لكلِّ ذي شأنٍ أَنْ يطلبَ؛ طبقًا للإجراءاتِ المُقرَّرة في هذا القانونِ، التَّأْشيرَ في السِّجلِّ التِّجاريِّ بما يلي :
- الأحكام المَذْكورة في المادَّة السّابقة .
- أوامر ومحاضر الحَجْز التَّنْفيذيّ على حصص الشركاء في الشَّرِكات .
- عقود رهْن الحصص الموثَّقة رسميًّا.
وفي الحالتَيْنِ الأَخيرتَيْن يَلْزَمُ إِعْلانُ الوِزارة بعقود الرَّهْن والأوامرِ ومحاضرِ الحجْزِ التَّنْفيذيَّة على حصص الشَّريكِ المحجوزِ عليها.


