إشكالية تغيير الانتماء السياسي داخل البرلمان:
دراسة قانونية في ضوء المادة الخامسة من القانون رقم 04-36
د . عبد القادر لشقر
أستاذ بالكلية المتعددة التخصصات ، تازة
أثارت قضية منع ترشيح البرلمانيين ” الرحل ” في الانتخابات الجماعية ليوم 12 يونيو 2009 جدلا سياسيا ونقاشا قانونيا واسعين بين مختلف الفاعليين السياسيين ، إذ رفضت وزارة الداخلية ترشيح هؤلاء تطبيقا لمقتضيات الفقرة الثانية من المادة 5 من قانون الأحزاب السياسية ([1]) ، بينما اعتبرت بعض الأحزاب المتضررة ، وبالخصوص منها حزب الأصالة والمعاصرة ، المستفيد الأول من حركة انتقال البرلمانيين الرحل، أن موقف وزارة الداخلية هو موقف غير سليم ، لكونه قد استند على مقتضيات غير دستورية.
وتبعا لذلك، فلنا أن نتساءل هنا عن مدى توافق مقتضيات الفقرة الثانية من المادة 5 من قانون الأحزاب السياسية مع الدستور؟ هذا ما سوف نحاول الإجابة عنه في مبحث أول ، على أن نحاول في مبحث ثان تقديم رؤية قانونية كفيلة بمعالجة قضية تغيير الانتماء السياسي داخل البرلمان .
المبحث الأول
مدى دستورية الفقرة الثانية من المادة الخامسة
من القانون رقم 04-36 المتعلق بالأحزاب السياسية؟
لمحاولة الإجابة عن هذا التساؤل المطروح ، يجدر بنا تحليل مقتضيات المادة 5 من قانون الأحزاب السياسية ، وذلك بغية الوقوف على مضامينها ودلالاتها والإلمام بأبعادها . وفي هذا السياق نقترح تسليط الضوء على المقتضيات المذكورة وقراءتها من زاويتين : تنطلق الزاوية الأولى من دراسة المادة 5 من قانون الأحزاب السياسية كنص معزول عن مختلف النصوص الدستورية والقانونية الأخرى ، في حين تتولى الزاوية الثانية بحث المادة 5 المذكورة انطلاقا من تحديد علاقتها ومقارنتها مع النصوص الدستورية والقانونية ذات الصلة بالموضوع .
لننطلق أولا من قراءة نص المادة 5 من قانون الأحزاب السياسية كنص معزول عن بقية النصوص القانونية الأخرى . في هذا الإطار نجد المادة المذكورة تنص على ما يلي:
” للمغاربة، ذكورا وإناثا، البالغين سن الرشد أن ينخرطوا بكل حرية في أي حزب سياسي مؤسس بصفة قانونية.
غير أنه لا يمكن لشخص ، يتوفر على انتداب انتخابي ساري المفعول في إحدى غرفتي البرلمان تم انتخابه فيها بتزكية من حزب سياسي قائم ، أن ينخرط في حزب سياسي آخر إلا بعد انتهاء مدة انتدابه أو في تاريخ المرسوم المحدد، حسب الحالة ، لتاريخ الانتخابات التشريعية العامة الخاصة بمجلس النواب أو بمجلس المستشارين بالنسبة لأعضاء البرلمان المؤهلين للترشح لهذه الانتخابات “.
بعد تفكيك هذا النص القانوني إلى العناصر والأجزاء التي يتكون منها يمكن أن نلاحظ ما يلي:
من حيث البنية الطوبوغرافية يلاحظ أن المشرع قد وضع النص في فقرتين ، تضمنت الفقرة الأولى المبدأ أو القاعدة التي تتمثل في حرية الانتماء السياسي أو الحزبي ، بينما حددت الفقرة الثانية الاستثناء على هذه القاعدة .
من حيث البنية اللغوية نسجل عموما بأن الصياغة التي أفرغ فيها النص هي بصفة عامة صياغة ملائمة تراعي فن تحرير النصوص القانونية ، فالمشرع استعمل عبارات وإشارات واضحة وغير ملتبسة ، كما أنه عبر بصراحة عن نيته في الخروج عن قاعدة حرية الانتماء السياسي ، بحيث وضع الفقرة الثانية المذكورة أعلاه في صيغة النهي : “لا يمكن …”
أما بالنسبة للمضمون ، فيظهر من خلال النص أن هناك تحديدا للأشخاص المعنيين بأحكامه ، فهذا النص يعني فقط البرلمانيين الحاصلين على انتدابهم الانتخابي بتزكية من حزب سياسي قائم ، كما أن المشرع ينص بوضوح على ما لا يسمح به ، بحيث لا يمكن للأشخاص المخاطبين بأحكامه الانخراط في حزب سياسي آخر، كذلك ، فإن هذا المنع محدد في الزمان ، فهو منع مؤقت يشمل فقط المدة التي يسري خلالها الانتداب الانتخابي.
وارتباطا بالقضية المدروسة ، فإن السؤال الآن هو: هل تمنع مقتضيات الفقرة الثانية من المادة 5 المذكورة البرلمانيين ” الرحل ” من الترشح للانتخابات الجماعية ؟ بالإمكان القول هنا بأن هذه المقتضيات تمنع هذا النوع من الترشيح رغم أنها لا تتحدث صراحة عن ذلك، ذلك أن مجرد تنصيص المقتضيات المذكورة على منع الأشخاص المخاطبين بأحكامها من الانخراط في حزب سياسي ، يجعل هذا المنع يشمل ويسري على الترشيح ، طالما أن الترشيح باسم حزب سياسي لا يكون ممكنا ومتاحا إلا بعد الانخراط في هذا الحزب والحصول على العضوية فيه.
ومن جهة أخرى ، فإن قراءة متأنية لمقتضيات الفقرة الثانية من المادة 5 من قانون الأحزاب السياسية في سياق مقابلتها مع النصوص الدستورية والقانونية الأخرى تجعل المتتبع يلاحظ بأن تلك المقتضيات من شأنها أن تشكل مساسا بالحق في الانتماء السياسي المكفول في الدستور، والمنصوص عليه في الفصل التاسع الذي يضمن لجميع المواطنين:
- حرية التجول وحرية الاستقرار بجميع أرجاء المملكة،
- حرية الرأي وحرية التعبير بجميع أشكاله وحرية الاجتماع ،
- حرية تأسيس الجمعيات وحرية الانخراط في أية منظمة نقابية أو سياسية حسب اختيارهم.
وإذا افترضنا بأن المشرع قد استند، بخصوص منعه للبرلمانيين الذين فازوا في إطار لوائح حزبية من الانخراط في حزب سياسي آخر، على الفقرة الأخيرة من نفس الفصل التاسع ، والتي تخول للقانون إمكانية وضع حد لممارسة تلك الحريات ، فإننا نعتبر أنه تم تأويل أحكام هذه الفقرة تأويلا متعسفا، ذلك أن عبارة “لا يمكن أن يوضع حد لممارسة هذه الحريات إلا بمقتضى قانون ” ينبغي أن تحمل على معنى التحديد والتقييد، وليس على الإبطال أو الإلغاء، والحال أن مقتضيات الفقرة الثانية من المادة 5 من قانون الأحزاب السياسية لا تحد أو تقيد من حرية الانتماء الحزبي فقط، بل تلغيها وتبطلها إطلاقا . وفي هذه الحالة ينبغي أن نضع تعبير ” يضمن الدستور ” موضع تساؤل ، إذ كيف يمكن الحديث ، في ظل إلغاء المادة 5 المذكورة لحرية الانتماء السياسي ، عن ضمانة دستورية لتلك الحرية ؟ بل ماذا بقي منها حتى يضمنه الدستور!؟
ولذلك ، نعتقد أنه لو عرضت مسألة عدم دستورية المادة 5 المذكورة على المجلس الدستوري قبل إصدار قانون الأحزاب السياسية وخروجه إلى حيز الوجود، فإنه من المتوقع جدا، بل من الأكيد أن يقرر المجلس الدستوري عدم مطابقتها لأحكام الدستور . وفي هذا الصدد نشير إلى نقطة أساسية ترتبط بخلفيات صدور المادة 5 التي تمنع الترحال السياسي ضمن قانون الأحزاب السياسية ، وهي أن التنصيص على هذه المادة في القانون المذكور، حسب ما كشف عنه فؤاد علي الهمة مؤسس حزب الأصالة والمعاصرة ، جاء نزولا عند رغبة بعض الأحزاب السياسية التي كانت تتخوف من ظاهرة الترحال السياسي ، وخاصة حزب الحركة الشعبية ، إذ اتفقت أحزاب الحكومة والمعارضة على عدم تقديم أي طعن فيما يخص المادة 5 رغم أنها كانت تعرف بأنها غير دستورية ([2]) .
ولا يفوتنا أن نسجل هنا بأن توافق الأحزاب السياسية المغربية على عدم إحالة ذلك النص على المجلس الدستوري رغم أنها كانت تعرف بأنه يتضمن مقتضيات مخالفة للدستور، إنما يعكس غياب ثقافة احترام القانون لدى هذه الأحزاب التي كان عليها أن تبادر إلى تحريك الآليات المرتبطة بضمان دستورية القوانين في هذا المجال ، علما بأن التوافق الإيجابي ينبغي أن ينبني على احترام القانون وليس العكس ، كما أن وقوع الطلاق في ظل احترام القانون خير من انعقاد الزواج على باطل.
وعلى مستوى آخر من التحليل ، فإن مقتضيات الفقرة الثانية من المادة 5 المذكورة تخالف وتناقض المقتضيات الواردة في المادة 27 من قانون الأحزاب السياسية ، والتي تؤكد بوضوح على حرية الانسحاب المؤقت أو النهائي من أي حزب سياسي وفي أي وقت ، بحيث تنص المادة 27 على أنه : ” يمكن لكل عضو في حزب سياسي وفي أي وقت أن ينسحب منه مؤقتا أو بصفة نهائية شريطة الامتثال للمسطرة التي يقررها النظام الأساسي للحزب في هذا الشأن ” والواقع أنه ما كان ينبغي على المشرع أن يقع في مثل هذا التناقض، لأن الذي يمنح حقا بيد، ويأخذه في نفس الوقت باليد الأخرى يكون معرضا للاتهام بالعبث . وحتى إذا سلمنا جدلا بسلامة ذلك الموقف ، فعلى الأقل كان ينبغي على المشرع أن يشير في المادة 27 إلى ضرورة مراعاة مقتضيات الفقرة الثانية من المادة 5 .
وإذا ما قابلنا مقتضيات المادة 5 من قانون الأحزاب السياسية مع القانون رقم 9.97 المتعلق بمدونة الانتخابات ، وخاصة مع المقتضيات المتعلقة بموانع الترشيح للانتخابات الجماعية ، نلاحظ غياب الانسجام والملاءمة بينهما، ومن المفيد في هذا الصدد أن نشير إلى أن المادة 42 من مدونة الانتخابات تنص على ما يلي:
“لا ينتخب:
- المتجنسون بالجنسية المغربية خلال السنوات الخمسة التالية لحصولهم عليها ما لم يرفع عنهم القيد وفق الشروط المنصوص عليها في الفصل 17 من الظهير الشريف الصادر في 21 من صفر 1378 (6 سبتمبر (1958 بمثابة قانون الجنسية المغربية،
- الأشخاص الذين اختل فيهم نهائيا شرط أو أكثر من الشروط المطلوبة ليكونوا ناخبين،
- الأشخاص الذين يزاولون فعليا الوظائف الآتي بيانها أو الذين يكونون قد انتهوا من مزاولتها منذ أقل من ستة أشهر في التاريخ المحدد للاقتراع ،
- القضاة ،
- قضاة المجلس الأعلى للحسابات وقضاة المجالس الجهوية للحسابات ،
- العمال والكتاب العامون للعمالات أو الأقاليم والخلفاء الأولون للعمال والباشوات ورؤساء دواوين العمال ورؤساء المقاطعات الحضرية ورؤساء الدوائر والقواد وخلفاؤهم وخلفاء المقاطعات والشيوخ والمقدمون ،
- المحتسبون ،
- حكام الجماعات والمقاطعات ونوابهم،
- الأشخاص الآخرون غير المشار إليهم أعلاه الذين فقدوا الاستفادة من الحق النقابي عملا بالمرسوم رقم 2.57.1465 الصادر في 15من رجب 1377 (5 فبراير 1958) في شأن ممارسة الموظفين الحق النقابي، كما وقع تغييره بالمرسوم الملكي رقم 0.10.66 بتاريخ 27 من جمادى الآخرة 1386 12) أكتوبر (1966 ..
- الأشخاص المحكوم عليهم نهائيا بعقوبة حبس نافذة أو عقوبة حبس مع إيقاف التنفيذ كيفما كانت مدتهما من أجل إحدى الجرائم المنصوص عليها في المواد 100 و 101 و 102 و 103 من هذا القانون مع مراعاة أحكام المادة 104 منه ” .
واضح من خلال هذه المقتضيات أن المشرع ، إذا كان قد حدد الحالات التي يمنع فيها الترشيح على سبيل الحصر، فإنه لم يدرج ضمنها حالة البرلمانيين “الرحل “، علما بأن الجزاء المترتب عن الإخلال بمقتضيات الفقرة الثانية من المادة 5 من قانون الأحزاب السياسية يتمثل فقط في مجرد معاقبة الشخص المعني بغرامة من 20.000 إلى 100.000 درهم ([3]) ، ودون أن يرتب المشرع عن ذلك الإخلال حرمان الشخص المعني من أن يكون ناخبا أو منتخبا.
لذلك ، فإن قرارات منع البرلمانيين الرحل من الترشيح باسم أحزاب أخرى في الانتخابات الجماعية ليوم 12 يونيو 2009 لا يمكن إلا أن تكون معرضة للإلغاء من قبل المحاكم الإدارية التي تختص نوعيا بالنظر في النزاعات الناشئة عن تطبيق النصوص التشريعية والتنظيمية المتعلقة بالانتخابات ([4]) ، إذ من المؤكد أن يلجأ القضاء الإداري في حالة تلقيه للطعون الانتخابية إلى تطبيق مقتضيات مدونة الانتخابات باعتبارها نصا خاصا، عوض تطبيق قانون الأحزاب السياسية كنص عام .
إن التحليل السابق يظهر الحاجة الماسة لتدخل المشرع في اتجاه تحقيق الانسجام بين مقتضيات الفقرة الثانية من المادة 5 من قانون الأحزاب السياسية وبين غيرها من النصوص الدستورية والقانونية ذات الصلة.
المبحث الثاني
المعالجة القانونية لقضية تغيير الانتماء السياسي داخل البرلمان
إذا كانت رغبة المشرع المغربي في الحد من ظاهرة الترحال السياسي مشروعة ، فإن تحقيق هذه الرغبة ينبغي أن يتم في إطار احترام القانون . وهنا يجدر بنا أن نشير إلى بعض الحلول المعتمدة في حالة ترك أعضاء البرلمان لحزبهم السياسي الذي تم انتخابهم من خلاله. وهذه الحلول التي تقرر مصير المقعد البرلماني يمكن حصرها في ثلاثة هي:
يتمثل الحل الأول في إعطاء العضو البرلماني الحق في تغيير انتمائه السياسي مع إقرار حقه في الاحتفاظ بمقعده دون قيد أو شرط ، في حين يتمثل الخيار الثاني في وجوب تخلي البرلماني الذي يترك حزبه السياسي عن انتدابه مع تخويل الحزب السياسي الحق في ملء المقعد من قبل المرشح التالي على اللائحة في الانتخابات الأخيرة . أما الحل الثالث ، فيكمن في تنظيم انتخابات تكميلية لملء المقعد الشاغر ([5]).
والسؤال الآن: ما هو الحل المناسب الممكن اعتماده لمعالجة ظاهرة تغيير الانتماء السياسي داخل البرلمان في الحالة المغربية؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال ، يهمنا أن نسجل ملاحظة أساسية في هذا المقام ، وهي أنه من الصعب الإقرار بصفة عامة بأن الناخبين المغاربة يصوتون لفائدة المرشح بالنظر إلى انتمائه الحزبي فقط ودون أخذ صفاته الشخصية في الاعتبار، أو أن الناخبين يختارون المرشح استنادا إلى صفاته الشخصية فقط بغض النظر عن انتمائه الحزبي ، إذ لو استطعنا الجزم بأن سلوك الناخبين يتم بحسب ما هو مقرر في كل حالة من الحالتين المذكورتين ، فإن منطق الأمور يفرض علينا اعتبار المقعد ملكا للحزب السياسي في الحالة الأولى ، وملكا للمرشح الفائز في الحالة الثانية.
وتأسيسا على ذلك نعتقد أن الحل الذي يسمح للعضو الذي يغير انتماءه السياسي بالاحتفاظ بمقعده دون قيد أو شرط هو حل غير ملائم ، لأن ذلك يخل برغبة الناخبين ويفتح المجال لتشجيع الوصولية والانتهازية لدى أعضاء البرلمان الذين قد يغيرون انتماءاتهم تحقيقا لمصالح شخصية ، كما أن ذلك قد يشجع الأحزاب السياسية على ممارسة مختلف مظاهر الفساد: رشوة …، وذلك لاستمالة واستقطاب البرلمانيين “الرحل ” لكي ينضموا إليها، مما يفضي إلى فقد ثقة المواطنين في العملية الانتخابية وفي مصداقية المؤسسات المنتخبة ، فضلا عن تدني مستويات المشاركة وعزوف الجمهور عن السياسة بشكل عام ، وهو ما يهدد بالتالي العملية الديموقراطية برمتها.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن السماح بتغيير الانتماء السياسي داخل البرلمان يؤدي إلى إضعاف مبدأ المحاسبة السياسية ، كما قد يؤثر سلبيا على الوزن السياسي للأحزاب ، خاصة إذا أصبحت ظاهرة الترحال السياسي ممارسة شائعة ، إذ يضعف حجم المعارضة في حالة ما إذا تمت عملية تغيير الانتماء الحزبي لصالح الأحزاب الحاكمة ، كما يضعف موقف الحكومة إذا تمت تلك العملية لصالح أحزاب المعارضة ، الأمر الذي قد ينعكس بشكل سلبي على التوازن السياسي بين الحكومة والمعارضة ، وبالتالي قد يفضى ذلك إلى عدم الاستقرار السياسي وإلى المس بشرعية الحكومة.
من جهة أخرى، نعتقد كذلك بأنه من غير المناسب اعتماد الحل الذي يقضي بإلغاء انتداب البرلماني ([6])مع اعتبار المقعد ملكا للحزب السياسي. فرغم أن هذا الحل من شأنه أن يشجع الأعضاء على الانضباط الحزبي ، وهو ما قد يعزز تماسك التنظيمات الحزبية ويحافظ على التوازن السياسي الذي أراده الناخبون من خلال الانتخابات ، فإن هذا الحل قد يضعف الديمقراطية الداخلية للأحزاب ويكرس استبداد القادة الحزبيين ، ففي حال قيام خلافات في الآراء بين أحد أو بعض الأعضاء وبين الحزب ، فسيحاول هؤلاء على الأرجح حل ذلك الخلاف عن طريق التضحية بقناعاتهم التي قد تكون وجيهة ، طالما أنهم مهددون بالطرد من الحزب باستمرار، وبالتالي من البرلمان إذا امتنعوا عن الانصياع والتصويت حسب ما يقرره الحزب .
أما بالنسبة لتنظيم انتخابات جزئية لملء المقعد الشاغر، فإذا كان هذا الحل يتيح للناخبين إمكانية التعبير عن اختياراتهم من جديد، فإنه قد يلقي مزيدا من الأعباء على ميزانية الدولة ، مما يؤدي أحيانا إلى ترك المقاعد شاغرة وعدم ملئها لفترات طويلة.
وهكذا، فإن الحل السليم في تقديرنا يتمثل في تخويل البرلمانيين حرية اختيار الحزب السياسي الذي يرغبون في عضويته ، مع تقييد هذا الحق بأن يشترط المشرع مثلا على البرلماني الذي يريد تغيير انتمائه الحزبي داخل البرلمان ضرورة تقديم وثيقة تتضمن توقيعات مصادق عليها لعدد معقول – وغير تعجيزي – من ناخبي الدوائر التي ترشحوا فيها، على أن تتضمن تلك الوثيقة أرقام بطائق التعريف الوطنية للموقعين واللائحة الانتخابية العامة المقيدين فيها، وأن تكون موضوع إيداع واحد، مع منع إمكانية توقيع الناخب لأكثر من برلماني يريد تغيير انتماءه السياسي.
ونعتقد بأن هذه الصيغة التي من الممكن تعميمها لتشمل الانتخابات البرلمانية والجماعية وانتخابات الغرف المهنية على السواء هي غير قابلة للنزاع قانونيا طالما أنها لا تلغي حرية الانتماء السياسي ، بل تقيدها فقط، وهو ما تتيحه الفقرة الأخيرة من الفصل التاسع من الدستور، والتي تخول للقانون إمكانية وضع حد لممارسة بعض الحريات ومن ضمنها حرية الانتماء السياسي . ويبقى المطلوب دائما هو تعميم ونشر ثقافة المسؤولية وتقوية الشعور بالالتزام الأخلاقي والسياسي لدى الجميع : حكومة وأحزاب سياسية ([7]) ومواطنين …، إذ في غياب ذلك لا يمكن القضاء على مختلف أشكال الفساد السياسي أو تخليق الحياة السياسية المغربية.
[1] للإشارة فقد تم رفض تلقي ملفات ترشيح أكثر من أربعين برلمانيا، انظر إدريس الكنبوري : “القضاء يحكم لصالح الهمة
في قضية الترحال السياسي “، جريدة المساء، العدد 831 بتاريخ 23-24/5/2009 ، ص . 3 .
[2]انظر جريدة المساء ، العدد 826 بتاريخ 18/5/2009 ، ص . 4 .
[3]انظر الفقرة الأولى من المادة 55 من القانون رقم 36-04 المتعلق بالأحزاب السياسية.
[4]انظر المادة 8 من القانون رقم 90-41 الذى أحدثت بموجبه المحاكم الإدارية ، الجريدة الرسمية عدد 4227 بتاريخ 1993/11/3، ص. 2169.
[5]انظر في هذا الشأن موسوعة أيس (مصدر للمعلومات في المجال الانتخابي ) : ” تبديل الانتماءات الحزبية داخل البرلمان ”
متاح على الموقع الإلكتروني التالي:
ar/topics/pc/62764462d632627628-62764463364a62763364a629-l/62a62862f64a644-62764462764662a64562762162762a http://aceproject.org/ace
[6]نسجل هنا بأن حزب العدالة والتنمية قد تقدم بمقترح قانون لتعديل المادة 5 من قانون الأحزاب السياسية، ويرمي هذا التعديل إلى إلغاء الانتداب الانتخابي في حالة تغيير البرلمانيين لانتمائهم الحزبي. انظر جريدة العدالة و التنمية ، العدد 188 بتاريخ 20 ماى 2009 ، ص . 1 .
[7]نشير هنا بأن أحزاب الوسط (الحركة الديمقراطية والاجتماعية والإصلاح والتنمية والتجديد والإنصاف والعهد الديمقراطي
والوسط الاجتماعي )، قد وقعت ميثاق تعاون للالتزام بمنع قبول انخراط أو ترشح أي منتخب ينتمي إلى أي حزب موقع من دون موافقة مسبقة لحزبه إلى غاية انتهاء مدة انتدابه . انظر زينب الموتشو: “أحزاب توقع ميثاق تعاون للالتزام بمنع قبول انخراط مرشحين رحل ” ، جريدة المساء، العدد 826 بتاريخ 2009/5/18 ص . 6 .


