تقدير مدى احترام الضوابط
(المعايير) العلمية المكتسبة في مجال الطب
أ. د . السيد محمد السيد عمران
أستاذ القانون المدني بكلية الحقوق ـ جامعة الإسكندرية
والمحامي لدى محكمة النقض والإدارية العليا
لطفاً أيها السادة القراء
يلاحظ أن موضوع ” تقدير مدى احترام الضوابط (المعايير) العلمية المكتسبة في مجال الطب ” هو تكملة للموضوع الذي سبق نشره في مجلة الحقوق للبحوث القانونية والاقتصادية، العدد الثاني 21، والمعنون” بالمعايير العلمية واجبة الاحترام في مجال الطب”.
تمهيد وتقسيم:
معروف أن تشخيص المرض ووصف العلاج والسير فيه من أدق الأعمال الفنية التي يقوم بها الطبيب، ولئن كان لا يشترط لمسئولية الطبيب عنها أن يكون خطأه جسيماً، بيد أنه يتعين أن يثبت للقاضي أن الطبيب، بإهماله أو عدم تحرزه، قد خالف بصورة أكيدة المعطيات العلمية وأصول الفن الطبي، عن طريق استخدامه لآلات ووسائل قد هجر ولفظها العلم، أو عن طريق وصفه لدواء قد منع من استخدامه لفساده ومضاره، فقصر بذلك في تنفيذ التزامه.
ولما كان تقدير ذلك ينطوي علي نواح فنية ليس في استطاعة القاضي الالمام بها، لذا طالب البعض بإخراج القضايا الطبية من اختصاص القاضي لوضعها في أيدي قضاة يختارون من بين الأطباء أنفسهم فيكونوا أكثر شعورا بدقائقها وأدق فهما للعناصر التي يعتمد عليها للفصل فيها.
بيد أن هذا الرأي، وفق ما ذهب إليه البعض بحق، “يؤدي إلى إنكار فكرة العدالة، لأنه ينطوي علي أنه لا عدالة إلا خارج ساحات العدالة، بل إن الأخذ بهذا الرأي يقضي إلى وجود مجالس خاصة بالنسبة لكل طائفة من أرباب المهن للفصل في المنازعات الخاصة بها”.
” وبغض النظر عما يتضمنه هذا الرأي من هدم للمبدأ الأساسي الذي يقضي بأن العدالة يجب أن تكون موجهة للكافة، وأن تكون واحدة بالنسبة للجميع، فإنه ينتهي بنا إلى التضحية بالصالح العام في سبيل تحقيق مصالح فردية للطوائف، بل أكثر من ذلك فياليت هذا الرأي يحقق هذه المصالح الأخيرة علي الوجه الأكمل، حيث يخشي أن يكون الأطباء القائمون بأمر القضاء ممن يتشيعون لرأي معين، أو تعاليم خاصة، فيدفعهم حمسهم للنظريات التي يعتنقوها لإيقاع الظلم بمن يخالفهم في الرأي، بل يخشي أن تكون الأحكام صدي للأحقاد الكامنة التي تولدها المنافسة بين أرباب المهنة الواحدة، أما القضاة فوفقا لطبيعة تخصصهم أبعد عن الميل والتحيز من الأطباء، ومن ثم اقدر علي صون العدالة.
وقد يقال أنه من الممكن تلافي هذا الاعتراف عن طريق حرمان من يجلس من الأطباء مجلس القضاء ممارسة المهنة، بيد أ، ذلك مردود أيضا، لأن الطبيب الذي يبتعد عن التطبيق العملي لمعلوماته الفنية يفقد كثيرا من المميزات التي من أجلها تؤدي بإحالة الفصل في القضايا الطبية إليه.
حقيقة أنه لا يفترض في القاضي أن يلم بدقائق الطب، وليس من السهل عليه أن يتبين وجه الخطأ في سلوك الطبيب: فإن كان القاضي يستطيع أن يستخلص بنفسه خطأ الطبيب في أعماله العادية، كعدم حصوله علي رضا المريض مثلاً، فإنه يصعب عليه ذلك بالنسبة للأعمال الطبية التي تنسب إلى الفن الطبي، لذلكن فإنه يستعين في هذا الخصوص بأهل الخبرة لينيروا له ما غم عليه فهمه من أسرار القضية.
وإذا كانت الأدوار المتبادلة لكل من القاضي والخبير علي المستوي الاجرائي محددة من الناحية النظرية، فعلي الخبيران يقدر الوقائع والأفعال، وعلي القاضي أن يناقش هذا التقدير من الناحية القانونية، إلا أن للخبير، في حقيقة الأمر، دور متسلط، وهو ما نعرض له في مبحثين:
المبحث الأول : تقدير الخبير للأعمال الفنية الطبية.
المبحث الثاني : مدي سلطة القاضي التقديرية.
المبحث الأول
تقدير الخبير للأعمال الطبية الفنية
يحسن بنا، ونحن بصدد بيان تقدير الخبير للأعمال الطبية، أن نعطي لمحة سريعة عن الخبرة من حيث تعريفها وموضوعها، قبل أن نوضح الدور الذي يضطلع به الخبر وذلك في مطلبين:
المطلب الأول : تعريف الخبرة وتحديد موضوعها.
المطلب الثاني : الدور الذي يضطلع به الخبير .
المطلب الأول
تعريف الخبرة وتحديد موضوعها
يقصد بالخبرة هنا الخبرة القضائية l’ expertise judiciaire، وهي عبارة عن ” إجراء للتحقيق، يعهد به القاضي إلى شخص مختص، ينعت بالخبير expert بمهمة محددة، تتعلق بواقعة أو وقائع مادية، يستلزم بحثها أو تقديرها، أو علي العموم، إبداء رأي يتعلق بها علما أو فنا، لا يتوافر في الشخص العادي، ليقدم له بيانا أو رأيا فنيا لا يستطيع القاضي الوصول إليه وحده”.
وجدير بالذكر أن الخبرة تجد حدودها القانونية في ” المسائل الفنية البحتة” questions purement teehniques” وهي التي تقصر عنها” معارف القاضي العامة” فالطبيعة الفنية للمسالة أو للواقعة هي التي تبرر مبدأ الخبرة، وتضع كذلك حدوده القانونية، فالخبير فني يستدعي بصفته هذه ليكون مساعدا للقضاء.
وعلي ذلك، لا يجوز أن يصبح الخبير قاضيا للواقع JUGE DU FAIT، ولا، من باب أولي، أن يكون قاضيا للقانون JUGE DU DROIT، وليس له سوي تنوير القاضي في المسائل الفنية المعروضة عليه في الدعوي، والتي يعجز عن معرفتها وحده لخروجها عن دائرة معلوماته، بحيث تعتبر الخبرة في الحقيقة مكملاً لمعلوماته الشخصية أكثر منها وسيلة للإثبات.
فالغرض من الخبرة، في جملة القول، تنوير القاضي في المسائل الواقعية التي تستلزم فحوصا أو بحوثا يقتضي حلها اختصاصاً فنيا معينا، بل تكوينا مهنيا خاصاً، لا يتوافر بداهة، في القاضي.
ورغبة من المشرع في تأكيد حصر مهمة الخبير في المسائل التي تقصر عنها معارف القاضي، قيد سلطة المحكمة في ندب الخبراء بوجود مقتضي له، ولا يوجد هذا المقتضي إذا كان القاضي يستطيع أن يباشر بنفسه الإجراء الذي تدخل مباشرته في صميم وظيفته القضائية، أما إذا كان الأمر يعلق بمسائل فنية بحتة يقتضي فحصها أو تقديرها علما أو فنا من ذوي الدراية الخاصة التي لا يحيط بها علم القاضي، فإن ندب الخبراء يكون له، عندئذ ما يبرره.
ولذلك استقرت محكمة النقص المصري، ونظيرتها الفرنسية، ويؤديها الفقه، علي أن مهمة الخبير تقتصر علي إبداء الرأي في ” المسائل الفنية التي يصعب علي القاضي استقصاءها كلها بنفسه” ولا يمكن الخروج علي هذه القاعدة الأساسية إلا بنص صريح في القانون.
وإذا كانت الخبرة تقتصر، كما أوضحنا، علي المسائل الفنية البحتة، لذا تخرج عن نطاقها جميع المسائل الأخرى، ويعتبر ندب الخبراء، لإجراء أحداها تفويض إليه بالسلطة القضائية، فلا يجوز بصفة خاصة أن تكون مأمورية الخبير إبداء الرأي في مسالة قانونية، أو أجراء التحقيق أو المعاينة، ولا يجوز، من باب أولي، أن تتضمن تفويضا عاما بالسلطة القضائية، أما عن دور الخبير الذي يتعين عليه أن يضطلع به، فهو ما يتضح في المطلب التالي:
المطلب الثاني
الدور الذي يضطلع به الخبير
أن استخلاص خطأ الطبيب في ممارسة عمله الفني يمر بمرحلتين: الأولي تتمثل في تحديد مدي مطابقة هذا العمل للقواعد الفنية للمهنة وللمعطيات العلمية، وهذا عمل فني لا يستطيع أن يقوم به إلا شخص ينتسب إلى مهنة الطب في تخصص الطبيب محل المساءلة، أما المرحلة الثانية فهي تتجسد في عرض نتيجة المرحلة الأولي علي المعيار القانوني للخطأ المهني، وهذا عمل قانوني يقوم به قاضي الموضوع، وإن كنا سنرجئ البحث في المرحلة الثانية الي المبحث الثاني من هذا الفصل.
أما عن المرحلة الأولي: فمتى تم اختيار الخبير وجب علي المحكمة أن تحدد له مهمته بدقة، وهي مهمة فنية بحتة، كما بينا ـ وبالتالي، يتعين علي الخبير أن يجيب بوضوح تام علي كل ما يوجه إليه من أسئلة، وأن يبحث عن الأسباب التي أدت إلى الحادث، مع بيان ما إذا كان من الممكن تجنب هذا الحادث تبعا للمعطيات العلمية المعروفة لحظة إتيان الفعل، ومدي ما ارتكبه الطبيب من إهمال ما كان ليرتكبه طبيب يقظ حيط بنفس الظروف الخارجية التي أحاطت بالطبيب المسئول، وللخبير، في سبيل ذلك، أن يلجأ إلى ذوي الفن ليستعين بآرائهم ويسترشد بمعلوماتهم خاصة إذا تعلق الأمر بوقائع مادية كقراءة صور الأشعة.
وأول ما يجب علي الخبير أن يبحثه هو دراسة حالة المريض وتتبع خط سير المرض والعوامل التي أثرت فيه سواء أكانت راجعة إلى شدة المرض، أم إلى قوة استهداف المريض، أم إلى العلاج الذي أشار به الطبيب محل المساءلة، وهو بهذا البحث، يستطيع أن يقدر قيمة الفرص التي ضاعت علي المريض للوصول إلى الشفاء ومدي الأضرار التي ترجع إلى فعل الطبيب المعالج، ثم يتبين بعد ذلك عما إذا كان الطبيب قد ارتكب خطأ فنيا يرجع إلى الجهل بالمعطيات العلمية التي يتعين علي كافة الأطباء الإلمام بها.
هذه المعطيات تبين لنا، بوجه عام، الدائرة التي يباشر فيها الخبير عمله، دون أن يكون هناك مساس باستقلاله الذي يتجلي بنوع خاص في اختيار الوسائل التي توصل إلى استجلاء الحقيقة وفي الحجج التي يبديها لتدعيم رأيه، وعلي الخبير أن يتجنب في تقريره الآراء التي لا زالت محلا للجدل العملي والميل مع أرائه الشخصية إذا لم تكن محل اتفاق في الفن الطبي.
بيد أن مهمة الخبير لا تتم بهذه السهولة بل تعترضه، في الواقع، صعوبتان أولهما موضوعية، والأخرى شخصية: فمعروف، من، ناحية، أن مهمة الخبير مهمة خطيرة، فإذا كان يتعين من الناحية العلمية المجردة، احترام التحقيق العلمي المحايد الذي يقوم به الخبير للبحث عن سبب الواقعة، فإن ذلك لا يمنع من قيام هذا الخطر في المجال الطبي، خاصة فيما يتعلق بالناحية الفنية للخبرة الطبية، فالخبير الذي يقوم بتلك المهمة قد لا يستطيع أن يقدر بدقة الموقف الذي وجد فيه الطبيب محل المساءلة، والذي مارس عمله في ظروف واقعية مختلفة، فالصعوبة التي تواجه الخبير تتمثل، إذن، في الاختلاف الكبير بين المعطيات المجردة والحقيقة الواقعية الملموسة، وعلي ذلك، يتعين علي الخبير أن يكون في مقدوره التعرف علي هذه الظروف الواقعية مع عدم الخروج علي المعطيات العلمية”.
ومن ناحية أخري، إذا كان صحيحا أن للخبير دورا مؤثرا في هذا الخصوص بوصفه الوحيد الذي يعرف كيف يوضح للقاضي مدي مخالفة الطبيب محل المساءلة للمعطيات العلمية، سواء المكتسبة أو الحالة، والقواعد المنظمة للممارسة الطبية، فإن دوره للتسلط هذا، أثناء تقدير للخطأ الفني الطبي، يصبح أحيانا، محلا للمنازعة، فقد يخشي تردده في توجيه تحليله أو تقريره في معني المسئولية لزميل له لما بينهما من تضامن مهني، بل قد تكون تقارير بعض الخبراء مشوبة باللبس والغموض.
ولذا يمكن القول بأنه قد أصبح مقبولا في المجال الفني الطبي صعوبة عمل الخبير نتيجة تزايد وانتشار التقنية الحديثة.
خلاصة القول أن يتعين علي الخبير ألا يتضمن تقريره تقديرا قانونياً، وإذا أمكن أن يوضح الشلك في وجود رابطة السببية بين فعل الطبيب محل المساءلة والحادثة فإنه لا يكون له أن يقترح تحديدا للمسئولية ولا أن يوصي بحدوث ضرر بسيط بغرض الوصول إلى تخفيض التعويض المفروض، وأخيرا، يتعين علي الخبير أن يحكم معيار المعطيات العلمية والقواعد المنظمة لممارسة الطبيعة وقواعد الأخلاق الطبية عند وضعه للتقرير الذي يرفعه إلى القاضي، حيث ينتقل القاضي بهذا التقرير من المجال العلمي إلى المجال القانوني ليري ما إذا كان يمكن الأخذ به من عدمه.
المبحث الثاني
مدي سلطة القاضي التقديرية
قدمنا أن المخالفة الواضحة للمبادئ المسلم بها في الفن الطبي هي وحدها التي تحرك مسئولية الطبيب، كما قدمنا أن الطبيب يحتاج في ممارسته لمهنته إلى قدر كبير من الحرية والثقة والاطمئنان، وبالتالي يتعين استبعاد ما يفرض علي نشاطه من رقابة دقيقة من قبل القضاء، وعدم ملاحقته بالمسئولية التي قد تقعده عن الخلق والابتكار في مجال أحوج ما يكون إلى ذلك الخلق وهذا الابتكار.
ولكن متى كانت الوقائع التي يؤاخذ عليها الطبيب تخرج عن دائرة المسائل التي لا زالت بطبيعتها محلا للشك وميدانا للجدل العلمي، ومتى اقترنت تلك الوقائع بإهمال أو عدم اكتراث وجهل بالمعطيات العلمية المكتسبة والأصول الفنية المستقرة التي يتعين احترامها، فإن القاعدة العامة في المسئولية تأخذ مجراها الطبيعي ويفتح اختصاص القضاء بشانها.
كذلك قدمنا أنه وأن كان القاضي يستطيع أن يستخلص بنفسه خطأ الطبيب في أعماله العادية، كعدم حصول هذا الأخير علي رضاء المريض، فإنه يصعب عليه ذلك بالنسبة للأعمال الطبية التي تنتسب إلى الفن الطبي، لذلك فإنه يستعين، في هذا الخصوص، بأهل الخبرة.
ولما كان عمل الخبير قد تصاحبه بعض الأخطار، لذا يكون للقاضي سلطة تقديرية وإجراء موازنة دقيقة حتى يستطيع استخلاص خطأ الطبيب بطريقة موضوعية ومجردة، ولتوضيح ذلك، نعرض لهذا المبحث في مطلبين:
المطلب الأول : تقدير القاضي لعمل الخبير
المطلب الثاني : إجراء موازنة بين الفعل والنتيجة
المطلب الأول
تقدير القاضي لعمل الخبير
إذا كان الخبير يساعد القاضي في استنباط الخطأ في المجال الطبي، سواء في المسائل التطبيقية، أم في آداب المهنة الطبية، وإذا كانت مهمة الخبير تقتصر علي تحقيق الواقع في الدعوي وإبداء الرأي في المسائل الفنية، وإذا كانت النتائج التي يتوصل إليها الخبراء، غالبا، ما تكون محل تقدير ويأخذ بها القاضي في أحكامه، بيد أن الخبير قد ينحرف عن الخط المرسوم له من قبل المحكمة، أو قد يحابي زميله فيما يرفعه عنه من تقارير لما بينهما من تضامن مهني، أو قد يكون تقريره ظاهر الفساد لمخالفته الصارخة للمعطيات العلمية والقواعد المنظمة لممارسة الطبية، أو قد يتعارض مع وقائع أخري أكثر إقناعاً من الناحية القانونية، في مثل هذه الحالات لا يتردد القاضي في استخدام سلطته التقديرية الكاملة لتقدير عمل الخبير، فللقاضي إلا يتقيد بالنتائج الفنية التي وضعت بين يديه، بل له أن يقدرها موضوعيا، ويمكنه أن يرفضها كلية.
وهنا نتساءل عن مدي مبدأ حرية القاضي في رفضه للنتائج الفنية التي توصل إليها الخبراء، وهل من المنطق أن يلتمس القاضي تقرير ورأي الخبير نتيجة عدم اختصاصه الفني، ويحتفظ في نفس الوقت بحقه في عدم الأخذ به؟
تثار المسالة في الفرض الذي يطلب فيه القاضي رأي أهل الخبرة نتيجة عدم اختصاصه الفني ثم ينتهي إلى عدم الاعتداد بهذا الرأي، وهو ما قد يفضي إلى شيء من الغموض، وهذا ما تكشف عنه بعض التطبيقات القضائية.
ولكن إذا كان القاضي يستقل بالتكييف القانوني للسلوك الفني للطبيب، وإذا كان غير ملزم بالأخذ برأي الخبير، غذ قدر أنه ظاهر الفساد، أو أنه يتعارض مع وقائع أخري أكثر إقناعاً من الناحية القانونية لأنه لا يمكنه أن يقضي بغير اقتناعه وبما يرتاح له ضميره، إلا أنه فيما يتعلق بالمسائل الفنية يكتف بإتباع رأي أهل الخبرة.
وإذا كان علي القاضي أن يراعي منتهي الحرص في مناقشة الآراء الفنية التي يدلي بها الخبراء، فإن من حقه، بل من واجبه، أن يناقش وقائع القضية علي ضوء هذه الآراء، وأن يزن شهادة الشهود، ويقدر ما تنطوي عليه حقائق الدعوي، ويرجح بين أقوال الخصوم ليستخلص عناصر المسئولية أن وجدت في سلوك الطبيب، فله أن يأخذ بتقارير الخبراء وأن تعارض رأي أحدهم مع آراء غيره، إذا اقتنع أنها واضحة الدلالة علي خطأ الطبيب، وللقاضي في نفس الوقت، أن يستبعد تقارير الخبراء إذا تجاوزت نطاق المهمة التي كلفوا بها، سواء لوجود عناصر أخرى قد تدخلت ويتعين علي القاضي أن يأخذها بعين الاعتبار علي المستوي القانوني Sur Le Terrain du droit أم لأن هذه التقارير تثير مشاكل خارجية عن المجال الفني الطبي، أم لأن الخبراء يتطرقون في تقاريرهم إلى تخلف الحيطة والحذر قياسا علي العادة الطبية.
بيد أن القاضي يمتنع عن مراقبة العادة الطبية أو الممارسة العملية، إذا كانت الرقابة تستلزم ولوجا في المعطيات العلمية، وإذا ما رفضت عادة طبية فإن ذلك يقتضي تدقيقا وتأن مع تجنب الدخول في فحص النظريات أو الوسائل المتنازع عليها، وأخذ كافة الضمانات العملية الضرورية.
هذه المبادئ قد أرست دعائمها محكمتا النقض الفرنسية والمصرية :” يكون من الحكمة للقضاة ألا يتعرضوا بتهور لفحص النظريات أو الطرق الطبية، وأن يطرحوا جانبا مناقشة المسائل العلمية الخالصة.
المطلب الثاني
إجراء موازنة بين الفعل والنتيجة
لما كان تقدير الخطأ الطبي الفني يتم بطريقة مجردة، لذا فإن الغلط في التقدير من قبل الطبيب لا يمثل بذاته خطأ، إلا إذا لم يبذل الممارس العناية اللازمة لممارس وسط من نفس تخصصه، مع الأخذ في الاعتبار حال تقديره لتلك العناية المعطيات العلمية المكتسبة منها والحالة، وإذا يتطلب تقنين آداب المهنة الطبية الصلاحية بالنسبة لكل طبيب في مجال تخصصه، فإنه يتعين علي هذا الأخير أن يرفض ممارسة تصرف يخرج عن اختصاصه، فإذا جازف، رغم ذلك، وترتب علي سلوكه ضرر، فإن خطأ يقدر بناء علي خطأ طبيب وسط في نفس تخصصه.
بيد أن الأخطاء الموجودة في مجال تشخيص الأمراض ترجع، في معظمها إلى أخطاء الامتناع أو الإحجام فالطبيب قد يمتنع أو يغفل الرجوع إلى الوسائل التي جاء بها العلم كالأشعة والفحوص والتحريات والتي تمكنه من تأسيس تشخيصه للمرض، ولكن يلاحظ أنه يسهل إثبات خطأ الامتناع أو الإحجام Faute D’ Obstention عن إثبات الخطأ الناتج من السلوك الايجابي.
ومع ذلك، فإن القضاء يستظهر، حتى في مجال تشخيص المرض، أن مضمون الالتزام الطبي بتكيف تدريجيا مع الوسائل الفنية الجديدة، وهذا ما حدث، علي سبيل المثال، بخصوص الغلط الذي شاع فترة من الزمن في تشخيص أمراض الحمل والذي صاحبه تدخلا قضائيا غير مفيد، فلم يحكم القضاء آنذاك بأن هذا الغلط يمثل خطأ طبيا فنيا وظل الأمر كذلك حتى تميزت نسب DOSAGE الهرمونات نتيجة التقدم العلمي فسهلت تشخيص المرض، وأصبح الجهل بنسب الهرمونات في مثل هذه الحالة يمثل خطأ.
ولكن عندما يكون هدف العمل الطبي ليس معالجة المريض وشفائه فحسب، بل يمتد ليلاحق المرض في المنبع، كما هو الحال في حالة تشخيص المرض قبل الولادة فإنه يكون من المقبول القول بأنه من غير المعقول الإبقاء علي الحوامل في خطر، ولذا يرتكب الطبيب خطأ إذا لم يلجأ إلى الوسيلة الفنية سالفة الذكر في الحالات المشكوك فيها إذا أمكن أن تكون مؤيدة بالدليل علي أن شذوذا في الحمل أصبح واضحا.
أما في مجال العلاج، فإن القليل من الأخطاء تترتب علي عدم احترام الطبيب للمعطيات العلمية، أما جل الأخطاء فترتب بالتهور والإهمال وعدم الانتباه فمن أمثلة الأخطاء التي تترتب علي عدم احترام الطبيب للمعطيات العلمية: الغلط في جرعة الدواء، أو في التوصيف السيئ للدواء أو في تبني طريقة معروفة بصفتها الخطرة، أو في الممارسة العملية السيئة أثناء السير في العلاج، كما هو الحال في الحقن ومن أمثلة الأخطاء المتعلقة بالتهور والإهمال وعدم الانتباه: نسيان الآلات، يجب الاستمرار في الكتابة لأن ما جاء بعد كلمة الآلات تكملة لهذا السطر وليس فقرة جديدة.
أو العصابة الطبية داخل جسم من أجريت له العملية الجراحية وهي أخطاء لا ترتكب من مهني وسط في نفس التخصص.
حقيقة أنه قد تنشا عن استخدام الوسائل الفنية الجديدة بعض الأضرار، لا سيما في موضوع العلاج بالإشعاع، ومع ذلك، فإن القضاء مع بداية التطبيق للعلاج بالإشعاع قد حكم بمسئولية الطبيب بسبب التهور واستعماله لآلا عتيقة بالية.
إن التطورات الحالة أو المعاصرة للمنظومة الطبية هي التي تستلزم يقظة وحذر شديدين من الأطباء، ولا سيما أن هذه التطورات تؤدي إلى بعض الخلط أو اللبس بين تشخيص المرض ووصف العلاج.
الخاتمة
رغم الأحكام التي صدرت من القضاء واجتهادات المهمين من الشرح في مؤلفاتهم وأبحاثهم، فإنه لا يمكن القول بإلغاء أزمة المسئولية الطبية إن اضطراد القضايا في هذا المجال، يرتبط بتزايد عددي للأفعال الطبية، كما يرتبط بتطور المضمون الطبي بالتبعية لتطور المضمون العلمي.
إن تقدم الانتشار العلمي يواكبه، في الواقع، طرق أكثر فاعلية، ولكن أيضا، أكثر خطرا، وتؤدي بنفسها إلى مسئولية متزايدة، وهو ما أوضحه العميد سافتيه عام 1948.
أن ظهور شكل طبي جديد، لا تكون غايته العناية بمعناها التقليدي الدقيق، يولد التزامات طبية جديدة تستلزم في بعض الأحيان، رفض العمل المطلوب إجراؤه، كما تستلزم التحري الواسع لما قد تثيره من أضرار جديدة.
هذا التطور يقتضي بضرورة ، وفقا لقواعد آداب مهنة الطب، من القاضي دوراً مضاعفا عند تقديره للسلوك الطبي”، فإذا كان تقدير الخطأ الفني الطبي لا يشكل صعوبة كبيرة للقاضي، فإن صعوبة إثبات هذا الخطأ يمثل علي العكس، مصدر لبعض المحاولات القضائية التي تهدف إلى علاج هذه المسالة، لمصلحة المضرور نفسه، من هذه المحاولات: قبول فكرة الخطأ المفترض والقرائن في الواقع ومع ذلك تظل هذه المحاولات عديمة الأثر فلا تستطيع تحويل الالتزام الطبي من التزام ببذل عناية إلى الالتزام بتحقيق نتيجة.
فضلا عن هذه المحاولات القضائية يقترح البعض إصلاح نظام المسئولية الطبية الحالي القائم علي الخطأ ليساير المعطيات العلمية وما تأتي به من جديد كل يوم وما يصاحبها من اضرار حتى يمكن أن يحل محله نظام التعويض الذي يرتكز علي الخطر أي تحمل التبعة، قياسا علي ما أصاب المسئولية الطبية من تطور فيما يتعلق بفقدان الفرصة، حيث قبل الحكم بالتعويض فيها علي أساس الضرر.
ولكن يبدو لنا من الصعب قبول نظام المسئولية الطبية يقوم علي الخطر، لأن شروط المسئولية ليست واحدة: فشروط مسئولية فقدان الفرصة ليست نفسها شروط مسئولية الطبيب الذي أغفل الرجوع إلى الوسائل الفنية لتشخيص المرض، أو الذي أهمل في وصفه للعلاج متخطيا بذلك المعطيات العلمية المكتسبة، أكثر من ذلك، إذا لم يكن لفكرة الخطأ قيمة معتبرة في حوادث المرور، علي سبيل المثال، فهي علي العكس من ذلك بالنسبة للعمل الطبي، حيث تسمو فكرة الوقاية من الأخطاء علي فكرة تحسين التعويض من قبل الغير المشكوك فيه.
إذن تظل لفكرة الخطأ في المسئولية الطبية أهميتها، ويظل معيار المعطيات العلمية أحد أهم المعايير الذي يهتدي بها القاضي والخبير لقياس خطأ الطبيب الموجب لمسئوليته.



اترك رد