خصوصية النظام السياسي في الإسلام

 

دكتور

رمزي محمد دراز

مدرس بقسم الشريعة الإسلامية

كلية الحقوق  جامعة الإسكندرية

 

بسم الله الرحمن الرحيم

لَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (46) ويَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ وأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ ومَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47) وإذَا دُعُوا إلَى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ (48) وإن يَكُن لَّهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (50) إنَّمَا كَانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذَا دُعُوا إلَى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وأَطَعْنَا وأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ([1]).

قال رسول الله – صلي الله عليه وسلم – “لتنتقضن عرى الإسلام عروة عروة فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها وأولهن نقضاً الحكم وآخرهن الصلاة”. صدق رسول الله – صلي الله عليه وسلم .

المقدمـة:

الحمد لله رب العالمين، نحمد سبحانه على نعمه الكثيرة وأعظمها أن هدانا للإسلام، دين الله الذي أنزل به كتبه، وبعث به رسله ولا يقبل ديناً غيره (إنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإسْلامُ) ([2])، (ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ) ([3]).

والصلاة والسالم على سيد الخلق وخاتم النبيين والمرسلين سيدنا محمد النبي الأمين، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن سار على نهجه وأحب شريعته وعمل بها إلى يوم الدين.

وبعد:

فهذه دراسة موجزة في موضوع يتناول جانباً مهماً من شريعتنا الإسلامية الغراء وهو موضوع النظام السياسي في الإسلام في محاولة للتعريف به وبيان خصوصيته وتميزه عن الأنظمة السياسية الوضعية المعاصرة.

وللتأكيد على حقيقة ربما يغفلها أو يتجاهلها الكثير في هذه الأيام وهي أن الإسلام عقيدة وشريعة، دين ونظام، وليس دين وعبادة فحسب، وليس مجرد دعوة روحية قاصرة إنما هو دعوة لإقامة دولة وسيادة قانون. وإرساء نظام اجتماعي وقانوني يغطي مجالات الحياة الإنسانية كلها، فهو – الإسلام – يعني بأمور الحكم والسياسة والإدارة والاجتماع وغيرها كعنايته تماماً بالعقائد والأخلاق والعبادات.

ولئن كان القرآن الكريم والسنة النبوية وهما المصدران الأساسيان للتشريع الإسلامي لم يتضمنا نصوصاً تفصيلية لنظام الحكم، فإن ذلك يتسق والأسس التي بني عليها هذا التشريع المحكم من التيسير على المكلفين ورفع الحرج والمشقة عنهم وتحقيق مصالحهم، إذ أن مسائل نظام الحكم من المسائل التي تتغير وتتطور بطبيعتها وفقاً لظروف المجتمعات وأحوال الناس في كل عصر، انطلاقاً من عالمية الشريعة الإسلامية، وأن ما يصلح من النظم لأمة قد لا يصلح بالضرورة لغيرها، وإن صلح لأمة في وقت ما قد لا يصلح لنفس الأمة في وقت آخر وهكذا، ومن ثم لم يرد النص الشرعي مفصلاً لجزئياتها، وإنما جاءت النصوص بشأنها قليلة وعامة، بحيث تتضمن المبادئ العامة والأسس الهامة والقواعد الكلية التي لا تختلف باختلاف الأماكن والأحوال لتترك التفصيلات والجزئيات إلى أولى الأمر ليقرروا في ضوء هذه النصوص وعلى هديها، وفى حدودها ما يتفق وأحوال الأمة، ومصالحها من تشريعات وقوانين وذلك رحمة بالناس وتوسعة عليهم.

كما أن ذلك من شأنه – من ناحية أخرى – التأكيد على صلاحية التشريع الإسلامي – بمصادره المتنوعة – لتنظيم وضبط المجتمعات وإصلاحها في شئون الدنيا والدين سواء بسواء، وذلك في كل زمان ومكان، انطلاقاً من كون الشريعة الإسلامية خاتمة الشرائع والرسالات السماوية لذلك لم نجد نصوصاً شرعية تحدد شكلاً معيناً للدولة، أو تفرض نظاماً بعينه للحكم، فليكن أى نظام للحكم، ولتتخذ الدولة أي شكل من أشكال الدول المعروفة في النظم القانونية الحديثة سواء أكانت موحدة “بسيطة” أم تعاهدية “مركبة” ذات نظام إداري مركزي أو لا مركزي، إلى غير ذلك شريطة أن يكون ذلك معتمداً على الأسس والمبادئ العامة التي حددتها النصوص، مثل الشورى، والعدل، والمساواة، وكفالة الحقوق، والحريات لكافة أفراد المجتمع، ورفع الضرر عن الناس، وتحقيق مصالحهم. مع ضرورة مراعاة أولى الأمر لحدود مسئولياتهم عن الرعية أمام الله عز وجل، امتثالاً لقول النبي – صلي الله عليه وسلم – “ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسئولة عنهم، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته. وقوله – صلي الله عليه وسلم – “ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة”. وغير ذلك من النصوص الواردة في هذا الباب، والتي تؤكد مسئولية ولى الأمر عن رعيته وضرورة اجتهاده في تحقيق مصالحهم. ودفع الضرر عنهم، وفق أحكام الشريعة الإسلامية، وليعلم أن الله تعالي محاسبه على ذلك.

أهمية الدراسة:

لا شك أن نظم الحكم والسياسة والمسائل المتعلقة بها تحظي بأهمية بالغة، ومكانة عظيمة لدى كل الأمم عامة والإسلامية خاصة وفي كل العصور، ومختلف الظروف والأحوال، وقد اكتسبت أهمية خاصة في الوقت الراهن في ظل تلك الظروف التي تمر بها الأمة الإسلامية حيث هبت الشعوب الإسلامية في أكثر من دولة منتفضة على أنظمتها وحكوماتها التي عجزت عن تلبية رغباتها المشروعة، وتحقيق مصالحها الضرورية وحماية حقوقها المتنوعة المتعددة، ولما شاب هذه الأنظمة من ظلم، وغلول وأثره، وفساد تغلغل في غالبية المرافق والمجالات، وذلك لأن تلك النظم والسياسات لم تكن سياسات شرعية عادلة، ولأن الحكام ابتغوا الهدى في غير ما أنزل إليه. وفى ذلك يقول الله تعالي (أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إلَيْكَ ومَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إلَى الطَّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ ويُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيدًا (60) وإذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وإلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ المُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا)([4]). كما أنهم اتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين ليبتغوا عندهم العزة ونسوا أن العزة لله جميعاً.

ونسأل الله تعالي أن تكون هذه الانتفاضة خطوة في طريق إعادة الأمة إلى رشدها وصوابها، ووضعها في مسارها الصحيح، ولتستعيد الأمة أمجاد أسلافها، أعني قبل أن تفقد هويتها، وذاتيتها وخصوصيتها، وقبل أن تمرد على شريعة الله تعالي وعلى قيم دينها السامية وتقتبس اقتباساً عبثياً غير واع من حضارات أخرى مادية لا تقيم للدين وقيمه ومثله العليا وزناً، وإن كانت لهذه الأمم نجاحات فلا ينبغي الانبهار بها فهي نجاحات زائفة منتهاها تلك الحياة الدنيا، تصديقاً لقوله تعالي(لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي البِلادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهَادُ)([5])، وقوله تعالي (ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ)([6]).

وفى هذه الظروف الراهنة وفى مصر تحديداً، تعالت الأصوات وتضاربت الآراء وتعددت بحسب الأهواء والمشارب والنزعات ما بين مناد – بحق – بضرورة العودة إلى أحكام الإسلام من خلال تشريعه المحكم وتحكيم شرع الله تعالي، على اعتبار أن ما حدث من فساد وظلم إنما كان بسبب تغييب منهج الله تعالي عن التطبيق. ومن ثم، فلا إصلاح ولا صلاح إلا بالعودة إلى هذا المنهج الرباني المعتدل الذي ارتضاه الله تعالي للناس ديناً وشرعة ومنهاجاً، بل إن إيمان الأمة لا يتحقق إلا بالعودة إلى هذا المنهج الرباني المعتدل الذي ارتضاه الله تعالي للناس ديناً وشرعة ومنهاجاً، بل إن إيمان الأمة لا يتحقق إلا بتحكيم هذا المنهج والانصياع لأحكامه والتسليم بما يقصي به. يقول الله تعالي (فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)([7]). أي لابد من الاحتكام لشرع الله تعالي والتسليم به والانقياد له من غير ضيق ولاشك([8]).

ويتأكد هذا الاتجاه بالواقع المعاش وتلك التجارب السابقة من الاقتباس لأحكام من أنظمة من الشرق والغرب بلا وعي، وما ترتب على ذلك من التخبط والتيه حتى تزيلنا قائمة الأمم والشعوب على الرغم من وجود نظام الإسلام وهو الذي كان نبراس العالم ونوره وهدايته خلال عشرات القرون، حيث كان المسلمون يتربعون على عرش الحضارة.

ويقابل هذا الاتجاه اتجاه آخر من المناوئين للإسلام، والمعارضين للمد الإسلامي، ولتلك الصحوة الإسلامية التي تشهدها مصر حالياً، وهؤلاء يحذرون من الإسلام، ويخشون تطبيق أحكامه، وينكرون على الأغلبية رغبتهم في تطبيقه وتبني نظام للحكم والسياسة من خلال أحكامه الغراء. وغاب عن هؤلاء أن الشعب المصري متدين بطبعه وبحكم فطرته السليمة التي فطر الله الناس عليها.

ومرد ذلك ربما جهل هؤلاء بحقيقة الإسلام وسماحة أحكامه وعدالته، أو ربما عن ضعف عقيدتهم، وقلة إيمانهم وغياب الوازع الديني لديهم، وتيقنهم من أنهم لن يستطيعوا الانصياع لأحكام الإسلام والالتزام بقيمة التي تحث على الفضيلة، وتحارب الرذيلة، ولعل هؤلاء ممن ينطبق عليهم قول الله تعالي (أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) ([9]).

ومما ساعد على ذلك أيضاًَ، هذا الفريق من الإعلام الموجه الذي تخلى عن مهمته الرئيسية، وغايته النبيلة، وانشغل ببث الفتنة والإثارة وتضليل الناس، وإيهامهم بواقع ومسائل وجود لها إلا في أذهانهم ونفوسهم المريضة، هذا الفريق من الإعلام يسخر طاقاته وإمكاناته، ومن يستضيفونهم – ممن هم على شاكلتهم – لتشويه صورة الإسلام، والإساءة إليه، وتنفير الناس بل وترويعهم منه، بأن اختزلوا أحكامه في القطع، والجلد، والرجم وهكذا …، وهم يعلمون أن هذا هو بعض الإسلام. وهو النظام العقابي، مع أنه وكما هو معلوم للعقلاء وأصحاب الفطر السليمة أن هذا النظام كله عدل، ورحمة، وغايته الردع والجر، وصيانة للمجتمع وضمان لأمنه واستقراره ولا يعارض هذا النظام، ولا يقف عقبة في سبيل تطبيقه إلا من مرد على اقتراف الجرائم، وارتكاب المحرمات، ومن ثم يصاب بالهلع من المطالبة بتطبيقه.

ولا يخفي أن هذا النظام العقابي ليس هو كل أحكام الإسلام، فهنالك نظام المعاملات، والأخلاقيات والتهذيبيات والقيم النبيلة العديدة، مثل الحياء والوفاء، والرفق، وغير ذلك من كل ما يطمح إليه أي مجتمع إنساني، وإجمالاً فكل ما يستحسنه العقل البشري، وتتوق إليه النفس السوية هو من الإسلام، وكل ما تستقبحه وتستهجنه ينهي عنه الإسلام.

وربما استغل هذا الاتجاه المناوئ للإسلام أمراً غاية في الخطورة واتخذوه ذريعة لإبعاد منهج الإسلام عن التطبيق، وهو فكرة المواطنة والطائفية، والتطرع بحقوق النصاري، وغير المسلمين إجمالاً، بحسبانهم شركاء في الوطن والمصير، وقد جهل هؤلاء أن غير المسلمين المقيمين بالدولة الإسلامية في نظر الإسلام مواطنين أصلاء لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، بل إن الإسلام ترك لهم الحرية في شئونهم وأحوالهم الخاصة. بحيث يخضعون بشأنها لشرائعهم الخاصة، بناء على قاعدة هامة مؤداها: “أمرنا بتركهم وما يدينون، أو يعتقدون”. ومسالة سماحة الإسلام، وعدالته حتى مع غير معتنقيه هي حقيقة ثابتة لا يماري فيها منصف أو عاقل.

وبجانب هذين الاتجاهين السابقين نجد من ينادي بتبني نظام علماني، أو ليبرالي. وما شابه ذلك من المذاهب والأفكار الإلحادية ذات الشعارات الخادعة كالحرية والتسامح، والانفتاح، والإصلاح، وحقوق الإنسان، والتحديث ومواكبة الحضارة وغيرها، وهكذا حتى اختلطت الأمور والمفاهيم على كثير من الناس.

– لذلك كانت أهمية الدراسة، وفى تلك الظروف خاصة، حيث تؤكد على وجود نظام سياسي في الإسلام، وأن هذا النظام له تميزه، وخصوصيته، واستقلاليته، فلا هو ديني، بحيث تكون الدولة في ظله دولة دينية، ثيوقراطية بالمعني المعروف في التصور الغربي. والتي تعتمد على نظرية التفويض الإلهي، وتجعل الحاكم إلهاً لا يحاسب ولا يخطئ ولا يخالفه أحد. ولا هو علماني بحيث تنسلخ فيه الدولة عن الدين وضوابطه، وآدابه. ولا هو ليبرالي يعتمد على الحرية المطلقة لاسيما من قيد الدين، ورفع كافة الضوابط والحدود الأخلاقية، كما يعتمد على الفردية والعقلانية المفرطة. إنما هو نظام إسلامي وسطي معتدل، له خصوصيته واستقلاليته سواء من حيث غاياته ومقاصده، أم من حيث مصادره أو مرجعيته ومن ثم يتميز بجملة من المميزات عن غيره من الأنظمة الوضعية المعاصرة.

ومن عظمة التشريع الإسلامي في مجال نظام الحكم والسياسة – كما هو عظيم في جميع المجالات – أن الله تعالي لم يضع للمسلمين قالب محدد لا يجوز تجاوزه فيما يتعلق بنظام الحكم، أو شكل الدولة أو بطريقة إدارة شئون الأمة وهكذا، إنما جاء الأمر على التوسعة بحيث تختار الأمة ما تراه مناسباً لتحقيق مصالحها، شريطة ألا تخالف ما ورد النص عليه من مبادئ عامة لا تجوز مخالفتها، مثل العدل، والمساواة، والشورى، وتحقيق التكافل، وضمان الحريات والحقوق. وهي في الحقيقة مبادئ لا تستغني عنها أي أمة تتطلع إلى الرفاهية، والتقدم، أي أن السياسي في الإسلام قبل بذاته، وآلياته للتحديث والتطوير، مرتكزاً على مرجعية أساسية من النص الشرعي، فهو نظام أصيل. عصري حديث .

وجدير بالملاحظة في هذا المقام أن نؤكد على أن هذا النظام السياسي الإسلامي ملزم للأمة مطلوب امتثال أحكامه على سبيل الحتم، بحيث تأثم الأمة على تركه وتثاب على فعله، وليس الأمر على سبيل التخيير بحيث تكون الأمة في سعة من أن تأخذ بهذا النظام أو ألا تأخذ به، فهو واجب ديني.

– كما تأتي أهمية الدراسة من حيث إنها تضع بين يدي ولاة أمور المسلمين ملامح هذا النظام السياسي، ولذي يمكن تطبيقه إن خلصت النوايا المقاصد، بخاصة أن هذا النظام يتمتع بمرونة تمكن من ذلك كما أشرنا، وبذلك يوضع ولاة الأمر أمام مسئولياتهم عن تطبيق ذلك أمام الله تعالي، وهذا من شأنه أيضاً أن يعيد المسلمين إلى دينهم، ويقوي تمسكهم به علماً وعملاً، ويرفع عنهم سيطرة غيرهم على مقاليد الحكم والسياسة والاقتصادية، ويحول دون تدخلهم في شئونهم الخاصة، وفرضهم على الأمة أنظمة ومذاهب مختلفة.

وقد اتبعت في الدراسة المنهج التأصيلي الوصفي – إذا جاز التعبير – حيث عرضت لأهم الأصول الشرعية التي تستنبط منها الأحكام المتعلقة بنظام الحكم والسياسة، وأهم المبادئ التي يقوم عليها هذا النظام في التشريع الإسلامي، والمقاصد التي يسعى إلى تحقيقها، والتي تتلخص في تدبير شئون الأمة وسياستها على نحو يحقق مصالحها العاجلة والآجلة، ودفع المفاسد والمضار، عنها وبعبارة أخرى موجزة: حفظ الدين والدنيا والاضطلاع بمهمة تبليغ الدين، وحمل رسالة الدعوة الإسلامية للعالمين كافة، ونشير إلى أن الدراسة ليست سرداً تاريخياً لنظام الحكم الإسلامي ووصفه عبر عصور الدولة الإسلامية المتعاقبة، مراحلها المختلفة، وما شهدته من حالات انتصار وازدهار، وما تعرضت له – في بعض الأحيان – من ضعف وانكسار.

وقد اعتمدت في ذلك على المصادر الشرعية الأصلية وهي القرآن والسنة النبوية، ثم أقوال الصحابة والخلفاء والسلف وأفعالهم، وأقوال الفقهاء والعلماء في ذلك، من خلال أمهات المراجع، كما رجعت إلى كتابات وآراء المعاصرين في مجال نظم الحكم والسياسة الوضعية المقارنة بالتشريع الإسلامي.

وقد توخيت في الدراسة – قدر الإمكان – الوضوح، وسهولة العبارة ليتحقق الفهم ويتم النفع، راجياً المولى سبحانه وتعالي أن يجعله عملاً صالحاً متقبلاً وعلماً نافعاً، إنه نعم المجيب.

خطة البحث:

جاءت الدراسة في مقدمة وتمهيد وثلاثة فصول وخاتمة.

المقدمـة: في التعريف بالدراسة وأهميتها وأسباب اختيارها.

التمهيد: في التشريع الإسلامي ونظم الحكم والسياسة.

الفصل الأول: في التعريف بنظام الحكم في الإسلام.

الفصل الثاني: السمات العامة المميزة لنظام الحكم في الإسلام.

الفصل الثالث: مصادر الأحكام المتعلقة بنظام الحكم في الإسلام.

الخاتمـة: وتتضمن نتائج البحث وأهم التوصيات.

المبحث التمهيدي

التشريع الإسلامي ونظم الحكم والسياسة

تمهيد وتقسيم:

في هذا المبحث التمهيدي نبين – بمشيئة الله تعالي – معرفة التشريع الإسلامي لقواعد وأسس نظام الحكم والسياسة، وذلك انطلاقاً من عموم الشريعة الإسلامية وصلاحيتها للتطبيق في كل زمان، وبالتالي اشتملت على كل ما يحتاجه المسلمون من أنظمة وتشريعات. وسنبين ذلك من خلال مطلبين.

المطلب الأول: عموم الشريعة الإسلامية وشمولها.

المطلب الثاني: التعريف بالسياسة الشرعية.

المطلب الأول

عموم الشريعة الإسلامية وشمولها

إن الإسلام دين شامل، ونظام متكامل، ومنهج حياة للبشرية كلها، في كل جوانبها، وجميع شئونها، العقائدية والأخلاقية، والسياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، فالإسلام ليس ديناً فحسب، ولكنه دين ودولة، عقيدة وشريعة ونظام([10]). لم يفصل بين الدين والدنيا، إنما جمع بين الروحانيات والماديات في نسق متكامل ومزج بين العقيدة والحياة، وربط بين العبادات والمعاملات وغيرها من شئون الحياة، وربط بين العبادات والمعاملات وغيرها من شئون الحياة([11]). يؤكد على ذلك قوله تعالي (وابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ ولا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا)([12]). ومن ثم كانت الإمامة في نظر العلماء موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين والدنيا([13])، فمقصودها – الإمامة ونظام الحكم عامة – هو إقامة أمر الدين على الوجه المأمور به، والنظر في أمور الدنيا وتدبيرها بما يحقق مصالح الناس وفق الشرع.

وشمول الإسلام لأمور الدين والدنيا ليس مجرد كلام نظري، بل هو حقيقة علمية تاريخية واقعية لم ينكرها غير نفر قليل ممن غابت عنهم طبيعة التشريع الإسلامي، وحقيقة مقاصده، وغاياته، وهم دعاة فصل الدين عن الدولة، وعزل العقيدة عن الشريعة، لاتخاذ ذلك دريعة للاستجلاب التشريعي وإكسابه شرعية وقبولاً([14]).

وللإسلام مفاهيمه الخاصة والمميزة في سياسته لأمور الدين والدينا وله أساليبه الخاصة في معالجة الأمور المادية وغير مادية، وفقاً لمنهج رباني محدد المعالم، وما النواحي والشئون السياسية إلا جزء من هذا المنهج الذي لا يقبل التجزئة([15]).

ولذلك جاءت شريعة الإسلام وافية بحاجات الناس في شتى ما يحتاجون، محققه لمصالحهم العاجلة والآجلة، جامعة في أحكامها بين النظري من عقائد، وأخلاق، وبين العملي أو التشريعي من عبادات ومعاملات، وذلك في توازن وتكامل واتساق([16])، وفى ذلك يقو الإمام الشاطبي ” إن الشريعة جاءت كاملة لا تحتمل الزيادة ولا النقصان … وأن الله تعالي الشريعة على رسول – صلي الله عليه وسلم – فيها تبيان كل شيء يحتاج إليه الخلق في تكاليفهم التي أمروا بها وتعبداتهم التي طُوقوها في أعنقاهم، ولم يمت رسول الله – صلي الله عليه وسلم – حتى كمل الدين. بشهادة الله تعالي بذلك، حيث قال تعالي (اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا

فكل من زعم أنه بقى شيء من الدين لم يكمل قد كذب بقوله ” اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ“([17]). فالشريعة كاملة، تامة، تستمد كمالها من كمال من أنزلها وهو الله سبحانه وتعالي، ولذا يتعين النظر إليها بعين الكمال لا بعين النقصان، واعتبارها اعتباراً كلياً في العبادات العادات([18]).

كما أن كمال الشريعة تفرضه الضرورة الشرعية المنطقية، من حيث إن شريعة الإسلام – بأمر الله تعالي وحكمه – خاتمة الشرائع، وهي الدين الذين أكمله الله تعالي، وارتضاه للعالمين، وهذا يستتبع بالضرورة اشتمالها على خصائص من الشمول، والبقاء والمعاصرة في ظل الثوابت المحكمة فيها بما يجعلها صالحة للتطبيق، واستيعاب ما يستجد في ميادين الحياة في كل زمان ومكان بحيث يكون للشريعة في كل شأن أو شيء حكم يدركه المجتهدون إما نصاً أو استنباطاً([19]).

وهذا يقتضي لفت الانتباه إلى أن كمال الشريعة ليس معناه أن نجد لكل مسألة جزئية أو فرعية، أو لكل حادثة تستجد نصاً شرعياً – في القرآن الكريم أو السنة النبوية – يبين حكمها بياناً تفصيلياً دقيقاً، إذ لو كان الأمر كذلك للزم منه المشقة والضرر بالناس، ولكان في ذلك مخالفة لقواعد الشريعة البنية على التخفيف والتيسير، ودفع الحرج والفساد([20]).

إنما المعني: الكمال من حيث القواعد والمبادئ الكلية العامة التي يجرى عليها ما لا نهاية له النوازل، أي يمكن تطبيقها على الجزئيات والفروع التي تستجد للناس. ذلك لأن الجزئيات والفروع لا نهاية لها – كما أنها – في الأغلب الأعم – عُرضة للتغيير بحسب الأحوال والأعراف وأوجه المصلحة زماناً ومكاناً فلا تنحصر بنص([21]).

ومن ثم لم تعن النصوص الشرعية بهذه الجزئيات، ولم تستقص أحكام الفروع العملية، إنما أتت بأحكامها عن طريق التنبيه إلى قواعدها العامة ومبادئها الكلية، التي يمكن للمجتهد من خلالها – بإعمال عقله واجتهاده فيها – أن يستخرج أحكام هذه الجزئيات والفروع، واضعاً في اعتباره المقاصد العامة للتشريع([22]).

وبذلك يتحقق للشريعة حيويتها، وشمولها، وإحاطتها من حيث اشتمالها على أحكام ما يستجد من الجزئيات والفروع. ومن حيث قابليتها للتطوير بتغير بعض الأحكام التي تقبل التغيير بتغير الأحوال، والمصالح والأعراف زماناً ومكاناً.

أما لو فُهم كمال الشريعة على معني النص أحكام الجزئيات والفروع نصاً تفصيلياً لأدي ذلك إلى الإشكال والالتباس، ولكان في ذلك إنكار للاجتهاد وهذا غير صحيح على الإطلاق.

ولعل هذا الفهم – الخاطئ – لكمال الشريعة كان سبباً في إنكار من أنكر حجية القياس والمصلحة وغيرهما من الأدلة العقلية – من العلماء حتى إنهم يرون أن من يرى حجية القياس يتهم الدين بعدم الوفاء بالأحكام التي يحتاج إليها البشر، مع أن الله تعالي يقول (اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ…)، و(مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ)، و(ونَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ …). ولكن أجيب عن هذا بالطبع – كما قال الإمام الشاطبي – بأن الله تعالي أكمل الدين فعلاً، وهذه الآيات صادقة لأنها كلام الله الصادق، وما خالفه فهو المخالف، وأن عدم النص على النوازل التي لا عهد بها – أي المستجدة أو الفرعية – لا يؤثر في صحة هذا الكمال([23]). وقد أكمل الله الدين فبين فيه كل الأحكام، ولكن جاء بعضها مفصلاً، وبعضها مجملاً يحتوي على قواعد كلية، ومبادئ عامة يمكن تطبيقها عل الجزئيات، وعلل كثيراً من الأحكام تعليلاً يعين المجتهدين على استنباط الأحكام لما يستجد من أحداث، ومن ثم يكون العمل بالقياس – والاجتهاد بوجه عام – هو عمل بما بينه القرآن وليس عملاً بما هو خارج عنه([24]).

ومما يدل على أن هذا المعني – الصحيح لكمال الشريعة – هو الذي فهمه الصحابة – رضي الله عنهم – أنهم لم يتساءلوا عن عدم النص في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية على أحكام النوازل والوقائع المتجددة، ولا قال أحد منهم: لمَ لمْ ينص على حكم الجد مع الأخوة في الميراث، وعلى حكم من قال لزوجته: أنت عليّ حرام؟ وأشباه ذلك مما لم يجدوا فيه عن الشارع نصاً، بل قالوا فيها وحكموا بالاجتهاد واعتبروا بمعان شرعية ترجع في التحصيل إلى الكتاب والسنة، وإن لم يكن ذلك بالنص فإنه بالمعني، وبذا فقد ظهر إذاً وجه كمال الدين على أتم الوجوه([25]).

واتساقاً مع ذلك يتعين فهم معني صلاحية الشريعة الإسلامية للناس في كل زمان ومكان على أن أحكامها كليات ومعان مشتملة على حكم ومصالح صالحة لأن تتفرع منها أحكام مختلفة الصور متحدة المقاصد.

وأن هذه الصلاحية وكما يقول الإمام محمد الطاهر بن عاشور – وبحث – يمكن تصورها بكيفيتين:

الأولي: أن هذه الشريعة قابلة بأصولها وكلياتها للانطباق على مختلف الأحوال بحيث تساير أحكامها مختلف الأحوال دون حرج ولا مشقة ولا عُسر.

الثانية: أن يكون مختلف أحوال العصور والأمم قابلاً للتشكيل على نحو أحكام الإسلام دون حرج ولا مشقة ولا عسر كما أمكن تغيير الإسلام لبعض أحوال العرب والفرس والقبط والبربر والروم وغيرهم من غير أن يجدوا حرجاً ولا عسراً في الإقلاع عما نزعوه من قديم أحوالهم الباطلة. ومن دون أن يلجأوا إلى الانسلاخ عما اعتادوه وتعارفوه من العوائد المقبولة([26]).

وبناء على ما سبق نجد أن أحكام الشريعة الإسلامية وهي: كل ما نزل به الوحي على رسول الله – صلي الله عليه وسلم – من الأحكام في القرآن الكريم أو السنة، مما يتعلق بالعقائد والوجدانيات، وأفعال المكلفين قطعياً كان أو ظنياً([27]). هذه الأحكام جاءت شاملة ووافية، حيث لم تقتصر على الجانب العملي أو التشريعي فحسب من العبادات والمعاملات مما يعاجله علم الفقه، ولا على الجانب النظري أو العقائدي فقط، مما يعالجه علم التوحيد أو الكلام، ولا على الجانب الروحي أو الخلقي مما يعالجه علم التصوف أو الأخلاق، وإنما جاءت شاملة لكل ذلك في توازن وتكامل واتساق([28]).

ولذلك تنقسم أحكام الشريعة الإسلامية إلى قسمين كبيرين([29]):

الأول: قسم الأحكام النظرية أو العلمية. ويشمل الأحكام الشرعية الاعتقادية بالله أو العقائد والإيمانيات، وما يتصل بها من أصول الدين كالإيمان بالله تعالي، وصفاته العلية، وأسمائه الحسني، والإيمان بملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وما بعد البعث من حشر ونشر، وحساب وعقاب، وصراط، وميزان … إلى غير ذلك، وقد أفاض علماء العقيدة وأصول الدين في بيان هذه الأحكام وتوضيح مسائلها ومباحثها فيما يعرف بعلم التوحيد أو علم الكلام([30]). كما يسمي بعلم أصول الدين، ويسميه الإمام أبو حنيفة بالفقه الأكبر([31])، ولذا يأتي على رأس الأقسام لابتنائها عليه، وعدم تحقيق ثمارها إذا لم تراعي أحكامه.

كما يشمل هذا القسم من الشريعة، الأحكام التهذيبية أو الأخلاقية، وهي تلك الأحكام التي تتعلق بمكارم الأخلاق والمروءات مما يجب أن يتحلى به المسلم من الصفات والخلال كالصدق والأمانة والشجاعة والوفاء بالعهد وغير ذلك مما يعرف بالآداب الاجتماعية التي بها ترقى النفوس وتستقر الطباع أو ينتظم المجتمع فيعمه الصلاح وتسوده المحبة والوئام، ويظله الأمن والسلام، وهذا النوع من الأحكام يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالأحكام الاعتقادية، إذ أن عقيدة المسلم تقتضيه، فليس من المقبول شرعاً أن يكون المسلم كذاباً ولا خائناً ولا جباناً ولا منافقاً … إلى غير ذلك مما يتنافى مع أخلاق الإسلام وهذه الأحكام يجمعها ما يعرف بعلم الأخلاق. وهذان النوعان من الأحكام من ثوابت الدين وأسسه، ولا تقبل التغيير، ذلك لأنها ثبتت بأدلة قاعة ثبوتاً ودلالة، كما أنها كذلك بحكم موضوعاتها لا تقبل التغيير أو النسخ أو الإضافة.

الثاني: قسم الأحكام العملية أو التشريعية وهي التي يعني بها الفقه الإسلامي، وهي الأحكام التي تتعلق بأفعال المكلفين وتصرفاتهم.

الأحكام العملية:

وهي التي تتعلق بأفعال المكلفين وتصرفاتهم، في عباداتهم، ومعاملاتهم وسائر شئونهم. وهذا القسم من الأحكام هو اختصاص علم الفقه الإسلامي.

والفقه في اللغة، معناه العلم بالشيء والفهم له، يقال فقه بالكسر أي فهم وبالضم “فقه” أي صار فقيهاً، والمادة كلها ترجع إلى العلم والفهم. قال تعالي: (لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا)([32]).

وقال تعالي: (فَمَالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا)([33]).

وقال تعالي: (فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ)([34]).

وقال تعالي: (قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ)([35]).

أما الفقه في اصطلاح الفقهاء فهو: “العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من الأدلة التفصيلية”.

والمراد بالعلم في التعريف ما يشمل اليقين والظن أي مطلق علم، والأحكام جمع حكم، بمعني خطاب الله تعالي المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع. وعلى ذلك لا يكون العلم بغير الأحكام كالذوات والصفاء، فقهاً.

ومعني كونها أحكاماً شرعية عملية، أي الأحكام التي تنسب من حيث مصدرها للشرع، من كل ما يتعلق بأفعال العباد من صلاة، وزكاة وحج ومعاملات. ولذا، فليس من الفقه العلم بالأحكام العقلية كالواحد نصف الاثنين، والضدان لا يجتمعان، ولا الأحكام الحسية كالنار محرقة ولا الأحكام القانونية الوضعية.

وكذا سائر الأحكام التي لا يكون مصدرها الشرع. وليس من الفقه أيضاً العلم بغير العملية كالعقائد. ومعني المكتسبة من الأدلة التفصيلية، أي التي دل عليها دليل من أدلة الشرع بطريق الاستنباط والاجتهاد. فيخرج بذلك علم الله تعالي لأنه قديم غير مكتسب. وعلم الرسول – صلي الله عليه وسلم – لأنه علم ثابت بالوحي ولا اكتساب فيه ولا اجتهاد. والمراد بالأدلة الشرعية، أي مصادر الأحكام وهي القرآن الكريم، والسنة، والإجماع، والقياس وغيرها من أدلة الفقه. وكونها أدلة تفصيلية، أي أن يكون الحكم ثابت بدليل خاص، كوجوب الصلاة مثلاً المستدل عليه بقوله تعالي (وأَقِيمُوا الصَّلاةَ) ووجود النية المستدل عليه والثابت بقول الرسل – صلي الله عليه وسلم – “إنما الأعمال بالنيات”، وغرها، فهذه أدلة تفصيلية أو جزئية من الأدلة الإجمالية. أي آية من القرآن الذي هو دليل إجمال أو حديث شريف من السنة التي هي دليل إجمالي.

أقسام الفقه الإسلامي:

الإسلامي نظام شامل، فهو ليس دين وعبادات فحسب، كما أشرنا سابقاً. ولذا فإن الفقه الإسلامي يمثل تنظيماً متكاملاً يستوعب أحوال المجتمع بمختلف معاملاته القانونية والإنسانية.

وقد قسم الفقهاء المعاصرون الفقه الإسلامية إلى أقسام، ولهم في ذلك اتجاهات مختلفة – في الشكل فقط متفقه في المضمون – لعل أقربها في نظري تقسيمه إلى أربعة أقسام هي:

1- العبادات: وهي الأحكام التي تنم علاقة الإنسان بربه سبحانه وتعالي، ويقصد بها التقرب إلى الله تعالي وتزكية النفس وتطهيرها، وإصلاح حال المجتمعات الإنسانية، وهي الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والجهاد، والنذر وغيرها، وهذه العبادات ليست مقصودة لذاتها، وإنما يقصد بها إصلاح حال الفرد والجماعة، وتزكية النفوس وترسيخ تعلقها بالله تعالي ابتغاء رضائه وخوفاً من عقابه. وهذا القسم من أقسام الفقه لا تهتم به القوانين أو التشريعات الوضعية، لأنها تهتم بتنظيم الجانب المادي في حياة الناس فقط، ولا علاقة لها بالجانب الروحي والخلقي.

2- المعاملات: وهو نوع من الأحكام ينظم علاقة الفرد بغيره من بني جنسه، في شتى أنواع المعاملات المالية كأحكام البيع، والإيجاز، والقرض، والسلم، والهبة، والوديعة، والرهن، والكفالة، والوكالة، والشركة وغير ذلك من التصرفات والعقود المالية التي ينظمها في التشريعات الوضعية القانون المدني، والقانون التجاري.

3- أحكام الأسرة: أو الأحوال الشخصية([36])، وهي الأحكام التي تنظم الأحوال الشخصية للفرد من زواج، وطلاق، وحقوق أولاد، ونفقة وحضانة، وميراث، ووصايا وأوقاف وغيرها من المسائل التي تنظمها قوانين الأحوال الشخصية، وهذا القسم لا زال محكوماً بأحكام الفقه الإسلامي في الدول الإسلامية، ولم تمتد إليه يد المشروع الوضعي المعاصر على سبيل التقنين فقط ([37])، ووفق قواعد الشريعة الإسلامية وضوابطها وفى ضوء منهجية التقنين.

4- السياسة الشرعية: القسم الأخير من أقسام الفقه الإسلامي هو السياسة الشرعية ولأن موضوع الدراسة يتعلق بهذا القسم من الأحكام، بل إنه هو موضوع الدراسة فعلاً. لذا سنتكلم عنه بشيء من التفصيل المناسب في مطلب مستقل.

المطلب الثاني

التعريف بالسياسة الشرعية

تمهيد وتقسيم:

اتضح من خلال الكلام عن عموم الشريعة الإسلامية وشمولها وبيان أقسام الفقه الإسلامي أن قسم السياسة الشرعية من هذه الأقسام هو الذي يتعلق به موضوع الدراسة، لأنه عبارة عن مجموعة الأحكام الشرعية التي تتعلق بتدبير أمور الدولة ونظام الحكم فيها وتصريف شؤونها على وفق الشريعة الإسلامية وبالتالي يندرج فيه النظام السياسي في الإسلام ومن ثم فإننا في هذا المطلب سنبين ذلك من خلال تعريف السياسة الشرعية، وبيان موضوع علم السياسة الشرعية، وفائدة هذا العلم ومقاصده الشرعية وذلك من خلال الفروع التالية:

الفرع الأول: تعريف السياسة الشرعية لغة واصطلاحاً.

الفرع الثاني: موضوع علم السياسة الشرعية.

الفرع الثالث: فائدة علم السياسة الشرعية وأهميته.

الفرع الأول

تعريف السياسة الشرعية

أولاً: السياسة الشرعية لغة:

كلمة السياسة في اللغة العربية لها إطلاقات كثيرة تدور كلها على معني تدبير الشيء والتصرف فيه بما يصلحه، يقال ساس الأمر، أي عالجه وبذل جهده في إصلاحه، وساس الرعية، أي تولى حكمها وقام فيها بالأمر والنهي، وتصرف في شئونها بما يصلحها ويحفظها([38]).

وعلى ذلك فالسياسة مصدر ساس الناس يسوسهم إذا دبر أمورهم وتصرف فيها بما يصلحها ويحفظها.

وربط كلمة “السياسة” بكلمة “الشرعية” يفيد وصف السياسة بصفة الشرعية. فإذا كانت السياسة تعني التدبير والتصرف بما فيه الحفظ والإصلاح، فإن ذلك لابد أن يكون وفق أحكام الشريعة ومبادئها، لأن معني كون السياسة شرعية، أي منسوبة إلى الشرع، وهو ما شرعه الله لعبادة من الدين وأمرهم به. يقول الله تعالي في كتابه العزيز (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وصَّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ ومَا وصَّيْنَا بِهِ إبْرَاهِيمَ ومُوسَى وعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ)([39]).

وبناء على ذلك، فإن السياسة الشرعية، هي السياسة المنسوبة إلى الشريعة الإسلامية، وتعني تدبير وإصلاح وحفظ الأمة ورعاية شئونها بالداخل والخراج وفق الشريعة الإسلامية.

ثانياً: السياسة الشرعية في اصطلاح الفقهاء:

فلها تعريفات كثيرة نذكر منها ما يلي:

1- عرفها بعض الفقهاء بأنها: “السياسة هي فعل شيء من الحاكم لمصلحة يراها وإن لم يرد بذلك الفعل دليل جزئي”([40]).

2- وعرفها البعض بأنها: السياسة ما كان فعلاً يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول – صلي الله عليه وسلم – ولا نزل به وحي”([41]). أو أنها “إصلاح أمر الرعية وتدبير أمورهم”([42]).

3- وعرفها البعض بأنها: “اسم للأحكام والتصرفات التي تدبر بها شئون الأمة في حكومتها، وتشريعها، وقضائها، وفى جميع سلطاتها التنفيذية، والإدارية، وفى علاقاتها الخارجية التي تربطها بغيرها من الأمم”([43]).

4- وقريب من هذا التعريف أيضاً تعريفها بأنها: “سلطة ولي الأمر في سن التشريعات اللازمة لتدبير وإصلاح شئون الدولة في المجالات المختلفة في نطاق الشريعة وروحها ومبادئها”([44]).

وغير هذه التعريفات للسياسة الشرعية([45])، كثير عند الفقهاء، وذلك بحسب اختلافهم حول موضوعاتها ما بين موسع، ومضيق لهذه الموضوعات وكذلك نجد بعضهم يعرفها من حيث كونها سلطة لولي الأمر في اتخاذ ما يراه مناسباً من تشريعات لازمة لتدبير وإصلاح شئون الدولة – كما يعرفها البعض الآخر من حيث الموضوعات التي تتناولها، أي وفقاً لمعيار موضوعي، لا شكلي كسابقه.

ولعل أقرب هذه التعريفات في الدلالة على معني السياسة الشرعية والإشارة إلى موضوعاتها هو التعريف الثالث والذي يعرفها بأنها: ” اسم للأحكام والتصرفات التي تدبر شئون الأمة في حكومتها، وتشريعها، وقضائها وفى جميع سلطاتها …” فهذا التعريف تضمن أهم الموضوعات التي تدخل في اختصاص السياسة الشرعية، إلا أنه أغفل ذكر بعض المسائل التي تعتبر من صميم اختصاصها كالنظام المالي للدولة مثلاً. وطالما أنه سار في التعريف على السرد والتعداد إذاً كان يتعين إدخال كل المسائل المرتبطة به.

كما أنه أيضاً يتكلم عن “الأمة” – ومعه الحق في ذلك لأن هذا هو الأصل – مصداق قوله تعالي (إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)([46]). إلا أن الوقع غير ذلك، إذ أن الكلام عن الأمة في ظل هذا الانقسام لم يعد مناسباً، لأن الأمة صارت – بفعل الاستعمار، والاستسلام، وغير ذلك – دولاً شيء تختلف حكوماتها، وحكامها، ونظمها، إلى غير ذلك. وإن كان من المفترض الاتفاق في كبريات الأمور بين الدول الإسلامية مهما تعددت واختلفت، لأن الأصل أن مصدر التشريع ومصدر السلطات بها واحد، وهو الشريعة الإسلامية وأدلتها. ونسأل الله تعالي أن يعيد للأمة وحدتها راية الإسلام، لتعود قوتها وتسترد مجدها العريق المفقود، وعندئذ يصير الكلام عن الأمة مناسباً.

وبعد عرض هذه النماذج لتعريفات الفقهاء للسياسة الشرعية يمكننا أن نعرفها بأنها هي: “ذلك النوع من الأحكام الشرعية التي تُعني بتدبير أمور الدولة، وتنظيم علاقاتها برعاياها، وبغيرها من الدول”.

والمراد بكونها – السياسة الشرعية – نوع من الأحكام الشرعية أي الأحكام العملية أي أنها من الفقه الإسلامي، هذا النوع من الأحكام يتعلق بتدبير أي تصريف أمور الدولة على وفق أحكام الشريعة الإسلامية، والمقصود بكونها “تعني بتدبير أمور الدولة”. هذه جملة جامعة لكل ما يدخل في تنظيم الدولة، بداية من تكوينها، وبيان أركانها – الشعب والإقليم والسلطة – وبيان شكلها أهي من قبيل الدول البسيطة أم المركبة الاتحادية، إلى غير ذلك من أشكال الدول التي تعرفها النظم الحديثة.

وكذلك تبين طريقة الحكم في الدولة، إذ تبين كيفية تعيين الحاكم أو الإمام أو ولى الأمر، وتحديد صلاحياته واختصاصاته وطريقة مراقبته إلى غير ذلك.

ويدخل في ذلك أيضاً اختصاص أحكام السياسة الشرعية بتحديد سلطات الدولة الأساسية – التشريعية والتنفيذية والقضائية – وكيفية إدارتها، كما تهتم كذلك ببيان حقوق الأفراد وحرياتهم، وحدودها، وضوابطها، وغير ذلك من كل ما يدخل في اختصاص القانون الدستوري والنظم السياسية في النظم الحديثة. كما تبين كذلك كيفية إدارة الدولة لمرافقها العامة بكل ما يتصل بها على نحو ما يعرفه القانون الإداري.

كما يدخل أيضاً في السياسة الشرعية النظام المالي والنظام العقابي بالدولة.

فتبين السياسة الشرعية علاقة الدولة بالأفراد الذين هم رعاياها فتضع السياسة العامة الاقتصادية والمالية والضريبية من حيث تنظيم بيت مال المسلمين – الخزانة العامة – من حيث مصادر إيراداته من زكاة وجزيه، خراج، وعشور التجارة والغنائم وغيرها، كما تحدد أوجه إنفاقها الشرعية وغير ذلك مما يدخل في اختصاص المالية العامة والتشريع الضريبي كما تضح السياسة العقابية من حيث تحديد الأفعال المعتبرة جرائم شرعاً – في حكم الشريعة – وتحديد العقوبات على كل منها، وغير ذلك مما يختص به القانون الجنائي.

كما يدخل في اختصاص السياسة الشرعية كذلك تنظيم علاقة الدولة برعاياها في كافة المجالات. وعلاقات الدولة بغيرها من الدول الأخرى في حالتي السلم والحرب. وغير ذلك من كل ما يختص به القانون الدولي بقسيمة العام الخاص. وقد أفاض العلماء في ذلك أبواب السير والجهاد، وأحكام أهل الذمة، والمستأمنون، وأحكام أسرى الحرب، وآداب الحرب، وواجبات المقاتلين في الإسلام، وهذا ما أشار إليه التعريف في جملة: “وتنظيم علاقاتها برعاياها وبغيرها من الدول الأخر”. حيث إن الإسلام دين ودنيا لا يغلق أبوابه أمام مخالفيه بل أباح التعامل مع الآخر أفراداً ودولاً وجماعات. كل ذلك وفق أحكام الشريعة الإسلامية([47]).

وتعريف السياسة الشرعية عند الفقهاء على النحو السابق يتفق وتعريفها في اللغة حيث سبق أن ذكرنا أن السياسة الشرعية هي المنسوبة إلى الشريعة الإسلامية، وتعني تدبير وإصلاح وحفظ الأمة ورعاية شئونها بالداخل والخارج وفق أحكام الشريعة الإسلامية.

هذا، وقد أطلق العلماء على السياسة اسم “الأحكام السلطانية” أو السياسة الشرعية، أو السياسة المدنية. ولما كانت السياسة بهذا المعني أساس الحكم. لذلك سميث أفعال رؤساء الدول وما يتصل بالسلطة “سياسة” وقيل بأن الإمامة الكبرى – رئاسة الدول – موضوعة لخلافه النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا، وعلى ذلك: فإن علم السياسة هو العلم الذي يعرف منه أنواع الرياسات، والسياسات الاجتماعية والمدنية وأحوالها… والسياسة بهذا المعني فرع من الحكمة العلمية.

ولعل أقدم نص وردت فيه كلمة السياسة بالمعني المتعلق بالحكم هو قول عمرو بن العاص لأبي موسى الأشعري في وصف معاوية رض الله عنهم – إني وجدته ولى الخليفة المظلوم، والطلاب بدمه، الحسن السياسة، الحسن التدبير([48]). كما وردت بصيغة أخرى من حديث: كان بنو إسرائيل تسوسهم أنبياؤهم “أي يتولون أمورهم كما يصنع الأمراء والولاة بالرعية([49]).

v وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى مسألة هامة ركز عليها وأبرزها تعريف كل من ابن نجيم الحنفي وهو: “أن السياسة هي فعل شيء من الحاكم لمصلحة يراها وإن لم يرد بذلك ا لفعل دليل جزئي ” وكذلك تعريف ابن عقيل الحنبلي: وهو: “أن السياسة ما كان فعلاً يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد وإن لم يضعه الرسول – صلي الله عليه وسلم – ولا نزل به وحي: “تلك المسألة تتمثل في أن عدم دلالة شيء من النصوص الواردة في الكتاب أو السنة على أحكام السياسة الشرعية تفصيلاً لا يمنع من وصف تلك السياسة بالشرعية، إنما يمنع من ذلك أن تكون تلك الأحكام مخالفة حقيقية لنص من النصوص التفصيلية التي أريد بها تشريع عام للناس زماناً ومكاناً. فمتى سلمت من هذه المخالفة وكانت متمشية مع روح الشريعة ومبادئها العامة كانت نظاماً إسلامياً وسياسة شرعية. دل على ذلك في التعريف الأول جملة “وإن لم يرد بذلك دليل جزئي”… وفى الثاني: “… وإن لم يفعله الرسول – صلي الله عليه وسلم – ولا نزل به وحي … ” فلك يفيد أنه ليس من اللازم لكون السياسة شرعية أن تكون قد وردت نصوص تفصيلية تحدد جزئياتها، ولذلك قال ابن عقيل أيضاً: “إن من الغلط الفاحش اعتقاد أن السياسة هي ما نطق به الشرع إنما السياسة ما وافق الشرع” أي حتى ولو لم يرد بذلك دليل جزئي. وهو قول صحيح مستقيم تؤيده الشريعة نفسها ويشهد له عمل الصحابة والخلفاء الراشدين والأئمة المجتهدين([50]).

وهذا يعني التوسعة على أولى الأمر في أن يسعوا إلى رسم السياسات العامة التي تحقق المصالح العامة من غير التقيد بنص خاص لتلك السياسة. الشرط فقط ألا تخالف الشريعة على الجملة.

“ويستدل على ذلك فضيلة الشيخ عبد الرحمن تاج فيقول”: وشبيه بهذا ما يرويه البخاري – في حادثة بريرة التي اشتراط أهلها في بيعها للسيدة عائشة أن يكون لهم ولاؤها – من قوله صلي الله عليه وسلم: “ما بال رجال يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله ! ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق”([51]).

فإنه ليس معني هذا أن كل ما يشترط في العقود يكون باطلاً متى كان غير وارد في كتاب الله: “القرآن”؛ وإنما معناه أن الشرط لا يعول عليه، وهو شرط باطل إذا كان يخالف كتاب الله، أي ما كتبه الله شريعة للناس: وذلك كشرط يلحق ضرراً بالمشروط عليه؛ وكشرط يحرم ما أحل الله أو يحل ما حرم الله. وهذا ما صرح به في حديث الترمذي من قوله صلي الله عليه وسلم: “المسلمون على شروطهم إلا شرطاً حرم حلالاً أو أحل حراماً”.

فأهل بريرة الذين شرطوا في بيعها أن يكون الولاء لهم قد اشترطوا شيئاً يخالف شريعة الله التي قررها رسوله في قوله: “إنما الولاء لمن أعتق”، فهو شرط ليس في كتاب الله؛ وهو باطل مردود عليهم([52]).

فكتاب الله هنا معناه ما كتبه الله على الناس من أحكام الشريعة وفرضه وقرره عليهم؛ وليس المراد به خصوص ما ورد في القرآن الكريم؛ فهو مثل قوله تعالي: (إنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا)، وكتب عليكم الصيام، (كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ) (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ) (وكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) وقوله عز وجل (كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ).

وكذلك ما جاء في قضية العسيف([53]) الذي زنا بامرأة مستأجرة فافتداه أبوه بمائة شاه وخادم، ثم سأل أهل العلم فأخبروه أن على ابنه جلد مائة وتغريب عام، وعلى امرأة الآخر الرجم، فترافع الخصمان إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم وسألاه أن يقضي بينهما بكتاب الله، فقال عليه الصلاة والسلام: “والذي نفسي بيده لأفضين بينكما بكتاب الله، فقضي برد المائة الشاة والخادم، وبجلد الزاني مائة وتغريبه عاماً، وبرجم المرأة، فرجمها ” أنيس” بأمره بعد ما اعترفت.قال ابن قتيبة في “تأويل مختلف الحديث” ص 111: إنه قد يستشكل بأن هذا خلاف كتاب الله عز وجل، فإنه رسول الله صلي الله عليه وسلم لم يرد بكتاب الله هنا القرآن، وإنما أراد حكم الله تعالي، فإن الكتاب يتصرف على وجوه: منها الحكم والفرض، وساق أمثلة من القرآن من مثل ما تقدم.

وخلاصة ما نريده من هذا البيان هو أن الحكم الذي تقتضيه حاجة الأمة يكون سياسة شرعية معتبرة إذا توافر فيه أمران:

“الأول” أن يكون متفقاً مع روح الشريعة معتمداً على قواعدها الكلية ومبادئها الأساسية التي أشرنا إليها فيما سبق؛ وهي قواعد محكمة لا تقبل التغيير والتبديل، ولا تختلف باختلاف الأمم والعصور.

“الثاني” ألا يناقض مناقضة حقيقة دليلاً من أدلة الشريعة التفصيلية التي تثبت شريعة عامة للناس في جميع الأزمان والأحوال.

فإذا لم يكن هناك دليل تفصيلي يدل على شيء في محل الحكم الذي يثبت من طريق السياسة فالأمر ظاهر؛ من حيث إنه ليس في ذلك مخالفة أصلاً.

وكذلك إذا كان هناك دليل تفصيلي دل على خلاف حكم السياسة، ولكن كانت المخالفة ظاهرية غير حقيقية، أو علم أن ما دل عليه الدليل التفصلي لم يقصد ليكون شريعة عامة، وإنما كان لحكمه خاصة، وسبب لا وجود له في غير واقعة الحكم، فلا تكون مخالفته حينئذ مخالفة لأدلة الشرع وأحكام الإسلام.

ومن أجل هذا لم يكن ما فعله أبو بكر من جمع القرآن في مصحف واحد مخالفة للدين، أو إحداثاً لشيء ليس من شريعة الإسلام.

كما أنه ليس من الإحداث في الشريعة ما أنشأة عمر بن الخطاب من الدواوين والحبوس، وما فرضه من وظيفة الخراج.

ولا ما فعله عثمان بن عفان من جمع الناس على مصحف واحد وأمره بإحراق ما عداه من المصاحف، ولا ما أنشأه من أذان في يوم الجمعة لم يكن معهوداً من قبل.

لا يعد شيء من هذا إحداثاً في الدين أو مخالفة لدليل من أدلة الشريعة؛ فإنه ليس في الشريعة ما يمنع هذه الأشياء التي أريد بها تحقيق مصلحة عامة، دينية أو دنيوية.

وكذلك ليس من المخالفة لأدلة الشريعة ما فعله عمر من حرمان المؤلفة قلوبهم من سهم الصدقات وإن كان هذا السهم قد قرر لهم في القرآن في قوله تعالي: فلم يأخذ عمر بظاهر اللفظ، ولم يقف عند حرفيه النص، بل راعى سره وحكم روحه، وقرر أن الآية التي فرضت نصيباً لهؤلاء المؤلفة لم تفعل ذلك ليتخذ شريعة عامة يعمل بها في كل حال وزمان، بل إنما كان لحكمة خاصة وسبب لم يعد قائماً بعد، وأرشد إلى ها بقوله: إن الله قد أعز الإسلام وأغني عنهم.

فعمر رضي الله عنه رأي أن سهم المؤلفة قلوبهم قد أوجبه الله لحاجة المسلمين إلى من يعضدهم وينصرهم أولاً يؤلب عليهم، فإذا صار المسلمون في قوة وعزة، وزال المعني الذي من أجله وجب ذلك السهم كان للإمام أن يصرفه عن أولئك المؤلفة إلى ما هو أجدى على المسلمين وانفع.

وليس معني هذا إبطال سهم المؤلفة رأساً، بل إن أمره يدور مع ذلك السبب وجوداً وعدماً، حتى إذا تجددت للمسلمين حاجة إلى التأليف كما كانت الحاجة إلى ذلك أول الأمر صح للإمام أن يصرف للمؤلفة على حسب ما يرى من المصلحة”([54]).

 

الفرع الثاني

 

موضوع علم السياسة الشرعية

من خلال ما سبق علمنا أن السياسة الشرعية يندرج في موضوعها على سبيل الإجمال جميع المسائل التي يختص بها قسم القانون العام في النظم القانونية الحديثة بفروعه المختلفة، وهي النظم والقوانين التي تتطلبها الشئون العامة للدولة.

فلقد رأينا – عند شرحنا لتعريف السياسة الشرعية – أنها تشمل موضوعات الدولة ونظام الحكم فيها وإدارتها وغير ذلك من موضوعات القانون الدستوري والإداري. وكذلك موضوعات القانون الجنائي. ونظام المالية العامة والتشريع الضريبي، وكذلك تشمل موضوعات القانون الدولي العام، وقد تكلمنا عن ذلك بما يغني عن التكرار.

الفرع الثالث

فائدة علم السياسة الشرعية وأهميته

من خلال تعريفنا للسياسة الشرعية وبيان موضوعاتها يتبين لنا أن هذا النوع من الأحكام يقوم عليه إصلاح الأمة، ورعاية وتدبير أمورها، وحفظ نظامها ومصالحها، إذا أنها تتكفل بذلك على نحو يحقق العدل والمساواة ويضمن للأفراد حرياتهم وحقوقهم في مواجهة الدول وفق مبادئ الشريعة الإسلامية وأحكامها العادلة.

كما أنها تجعل من السياسة والفقه صنوان من أصل واحد كلاهما من دين وشريعة الإسلام، وتجعل كذلك من الإسلام بفقهه وسياسته كفيل بتحقيق مصالح الناس في كل حال وزمان فيه الغني والكفاية، يفصل في كل دعوى، ويحكم في كل قضية ويستطيع بذلك مواجهة كل مشكلة وحل كل عقدة ومعضلة. فمهما تطورت العلوم والصناعات، وتشعبت مذاهب الحياة، ومهما تجددت الحوادث، فإن المسلمين لا يعوذهم أن يجدوا في شريعتهم لكل حادثة ومسألة حكماً ينطق به نص، أو يهتدون إليه من خلال التأمل في هذه النصوص واستحضار روح الشريعة ومقاصدها، وتدبر ما تقضي به أسرارها، دون أن تفلت من حكم الشرع قضية أو حادثة([55]). ولعل في ذلك تأكيداً على أن الإسلام عقيدة وشريعة، فهو يعني بأمور الحكم والسياسة والإدارة، والاجتماع وغيرها كعنايته بالعقائد والأخلاق والعبادات، فالغاية المقصودة من السياسة الشرعية إذاً هي الوصول إلى تدبير شئون الدولة الإسلامية بنظم من دينها والإبانة عن كفاية الإسلام بالسياسة العادة وتقبله رعاية مصالح الناس في مختلف العصور والبلدان([56]).

ومن ثم يعد الأخذ بالسياسة الشرعية في قضايا الأمة الواقعة أو المتوقعة ذات أهمية بالغة من النواحي السياسية والاقتصادية والدستورية والقضائية والاجتماعية وغيرها من شؤون الأمة الداخلية والخارجية، وفي شيء مجالات الحياة.

كما تظهر أهمية الأخذ بها في إخراج الأمة من حالة الجمود والتوقف عند ظواهر النصوص إلى مرحلة النهضة والمرونة. من خلال تفعيل النص الشرعي ومقاصد الشريعة من تشريعه، إذ السير مع النص من حيث التطبيق وعدم التطبيق وفق ما يقتضيه هو التطبيق الصحيح للنص وهو سير بالأمة إلى الرقي ومراعاة معطيات الحياة وتجدد وقائعها .

فحقيقة السياسة الشرعية تتمثل في حسن تطبيق النص عند وجوده، وفى حسن إعطاء الواقعة التي لا نص فيها الحكم الشرعي الذي يلائمها ويوافق التطور.

فالهدف من السياسة الشرعية إذن هو الهروب من الجمود والتوسعة على ولاة الأمور، والتأكيد على أن الشريعة كفيلة بتحقيق متطلبات السياسة العادلة، فلا تضييق عن حاجة ولا تقصر عن إدراك مصلحة([57]).

ونظراً لأهمية أحكام السياسة الشرعية وعظيم شأنها على النحو المبين فقد أولاها الفقهاء عنايتهم واهتمامهم، فتكلم الفقهاء القدامى عن موضوعاتها ومسائلها – لكن ليس باعتبارها علماً مستقلاً – إنما ضمن كتب الفقه العام، وذلك ضمن أبواب الإمامة الكبرى، أو الخلافة أو الأحكام، وفى أبواب السير والجهاد، والحدود، والزكاة والجزية، والخراج وغيرها.

وفى مرحلة تالية أبرزها الفقهاء إلى حيز الوجود بوصفها علماً مستقلاً له موضوعه، ومنهجه، وثمرته. فوجدنا الإمام الماوردي – الشافعي – يضع كتاباً قيماً في هذا الشأن هو كتاب ” الأحكام السلطانية والولايات الدينية “. وكذلك القاضي أبي يعلي الحنبلي كتاب ” الأحكام السلطانية”. والإمام ابن تيمية في كتاب “الطرق الحكمية في السياسة الشرعية”. وهكذا ظهرت الدراسات المتخصصة في علم السياسة الشرعية والتي تغطي كافة موضوعاتها ومسائلها.

وبلغ هذا الاهتمام بأحكام السياسة الشرعية وموضوعاتها مبلغه حين قررت كليات الشريعة والقانون بجامعة الأزهر إنشاء قسم بالدراسات العليا يحمل نفس الاسم “قسم السياسة الشرعية” بجانب أقسام الفقه العام، والفقه المقارن، وأصول الفقه. على أن يعني ها القسم بدراسة موضوعات السياسة الشرعية دراسة متعمقة ووافية يحصل الباحث على دبلومتين تؤهلانه لتسجيل رسالة الماجستير ثم الدكتوراه في أحد موضوعات السياسة الشرعية على أن يقارنه بما يقابله في النظم القانونية الحديثة. وربما سارت على هذا النهج كليات أخرى غير جامعة الأزهر.

وبعد ذلك توالت أبحاث وكتابات المعاصرين في موضوعات الساسة الشرعية بصياغة عصرية حديثة تخدم هذا الفرع الهام من الفقه الإسلامي. وتبرز أهميته وضرورته حال المجتمعات الإسلامية ونظمها، وإدارتها.

خـلاصـة:

من خلال هذا العرض الموجز للتعريف بالشريعة الإسلامية وبيان أقسامها اتضح لنا عموم أحكام الشريعة وشمولها، وأنها تمثل بناء متكاملاً يفي بحاجات الأفراد والجماعات والمجتمعات على نحو يربط بين القيم الدينية الروحية والخلفية، وبين القيم المادية التي تلبي للناس تحقيق مصالحهم الدنيوية التي لا غني لهم عنها. وهذا يؤكد كونها خاتمة الشرائع، وأن فقه الشريعة صالح للتطبيق في كل زمان، بل هو مصلح لحياة الناس في كل زمان ومكان. يقول الله تعالي(وكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ ولا الإيمَانُ ولَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشـاءُ مِنْ عِبَادِنَا وإنَّكَ لَتَهْدِي إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ ومَا فِي الأَرْضِ أَلا إلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ) ([58]). ويقول تعالي (…مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ ولَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ولِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) ([59]).

الفصل الأول

التعريف بنظام الحكم في الإسلام

تمهيد وتقسيم:

تبين لنا مما سبق ومن خلال الكلام عن السياسة الشرعية – أن نظام الحكم والسياسة وما يتعلق بها من أحكام ومسائل لا تخرج عن نطاق التشريع الإسلامي، فهي من أهم وأدق موضوعات الفقه الإسلامي عامة، والسياسة الشرعية بخاصة، وهو ذلك الجزء الذي يعني بدراسة الدولة من حيث تكوينها، وإقامة حكومتها وتنظيم سلطاتها إلى غير ذلك من موضوعات النظام السياسة والقانون الدستوري في النظم الحديثة، ويمكن أن يطلق عليها كذلك: “المبادئ الدستورية أو النظام السياسي في الإسلام”([60]).

وقد أشرنا إلى أن الدراسة لن تتناول كل هذه الموضوعات إنما تركز على التعريف بنظام الحكم أو النظام السياسي في الإسلام وبيان أهم السمات التي تميزه عن غيره من أنظمة الحكم الموضوعية.

وفى هذا الفصل نحاول التعريف بنظام الحكم في الإسلام من خلال تعريفه وبيان موضوعاته، وبيان أهمية نظام الحكم في الإسلام ومقاصده الشرعية وذلك في المبحثين التاليين:

المبحث الأول: تعريف نظام الحكم وتحديد موضوعاته.

المبحث الثاني: أهمية نظام الحكم في الإسلام ومقاصده الشرعية.

المبحث الأول

تعريف نظام الحكم وتحديد موضوعاته

وفى هذا المبحث نحاول – بمشيئة الله تعالي – التعرف على نظام الحكم في الإسلام من خلال تعريفه وبيان موضوعاته، وأهميته والسمات العامة ومصادر الأحكام المتعلقة به.

تعريف نظام الحكم:

معني نظام الحكم:

كلمة نظام([61]) مطلقاً وبضفة عامة، هي من إطلاقات العصر، وقد عرف البعض النظام بأنه: “مجموعة الأحكام التي اصطلح شعب ما على أنها واجبة الاحترام وواجبة التنفيذ، لتنظيم الحياة المشتركة في هذا الشعب”([62]).

والنظم الإسلامية:

هي مجموعة الأحكام التي رتبها الإسلام للفرد والمجتمع والدولة في جميع شؤون الحياة، تحقيقا لقوله تعالي: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ولا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ …) البقرة – الآية 208،  أي في الإسلام بمجموع حياتكم ولا تتبعوا خطوات الشيطان متمثلة في النظم والأوضاع الأخرى غير الإسلام.

معني النظام السياسي:

النظام السياسي إما أن يطلق على كل ما يتعلق بسياسة الدولة ونظام الحكم فيها، وإما أن يطلق على جانب الحكم فيها، على اعتبار أن نظام الحكم يشمل النظام السياسي والنظام الإداري والنظام المالي والنظام القضائي، ويتناول ألواناً أخرى من النظم والأحكام والقوانين التي لا يمكن أن يتصور نظام الحكم إلا بها.

والمقصود به هنا المعني الأول فإنه يشمل النظرية السياسية في الإسلام أي قواعد نظام الحكم في الإسلام، ومفهوم الدولة في الإسلام وواجباتها .. ([63]).

ويعرف نظام الحكم في الإسلام بأنه: “الأحكام المنظمة للسلطة السياسية وتدبير أهل الإسلام بما يصلح أحوالهم، ويدرأ عنهم الفساد، فهو جزء من السياسة الشرعية([64]). ولكونه جزء من السياسة الشرعية – كما سبق أن بينا – فيمكن أن يصدق عليه تعريفها من باب إطلاق الكل وإرادة الجزء أو البعض، ومن ثم فإنه يمكن تعرفه، بأن: “السياسة ما كان فعلاً يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد وإن لم يضعه الرسول – صلي الله عليه وسلم – ولا نزل به وحي”([65]).

وعرفه البعض بأنه: “هو النظام الذي يبين شكل الدولة وصفتها وقواعدها وأركانها وأجهزتها، والأساس التي تقوم عليه والأفكار والمفاهيم والمقاييس التي تُرعي الشؤون بمقتضاها والدستور والقوانين التي تطبقها”([66]).

وعرفه البعض بأنه: “نظام الحكم يفيد المبادئ والأفكار الأساسية التي تحكم النظام السياسي”([67]).

ويمكن أن نعرف نظام الحكم في الإسلام بأنه: “مجموع المبادئ الأساسية التي جاء بها الإسلام والتي تتضمن بعض الأحكام الشرعية المتعلقة بإقامة الدولة، وتنظيم حكومتها، وسلطاتها العامة، وبيان الأسس التي يقوم عليها، بهدف تحقيق مصالح الناس كافة ودفع المضار عنهم”([68]).

ويستفاد من هذا التعريف أن نظام الحكم – أو المبادئ الدستورية أو النظام السياسي – في الإسلام لم يرد النص بشأن مسائله في مصادر التشريع الأساسية – القرآن الكريم والسنة النبوية – بشكل تفصيلي إنما اقتضت إرادة الله تعالي أن يرد النص على المبادئ الأساسية والقواعد العامة فقط والتي تمثل إطاراً عاماً لنظام الحكم، والتي لا يجوز تجاوزها كالنص على وجوب العدل، والمساواة، والشورى، ودفع الضرر، ورعاية الحقوق، والحريات لأصحابها، وأداء الأمانات إلى أهلها، وغير ذلك مما لابد منه لتدبير شئون الأمة ورعاية مصالحها على أسس من الشرع الحنيف.

ودون التعرض لتفصيلات نظام الحكم وأساليبه وجزئياته، والتي هي بطبيعتها تتغير وتتبدل وتتطور الزمان والأحوال، والمكان ومن ثم، تركت لاجتهاد علماء المسلمين ليستنبطوا أحكامها من النصوص والقواعد العامة وروح الشريعة الإسلامية ومقاصدها وذلك في كل عصر حسب ما تقتضيه مصالح الأمة ووفق ما يلائم حالياً في كل زمان ومكان.

وتلك سمة من سمات التشريع الإسلامي حيث يحدد الأهداف العليا، ويضع القواعد الأساسية ويتناول المسائل الكلية، ويترك الجزئيات للإنسان يشكلها ويطورها تبعاً لظروف حياته، ومقتضيات الزمان والمكان وعمومية تعاليم الإسلام وشمول قواعدها واتساع أفقها لتجعلها تساير ارتقاء الحضارة والمدنية، وذلك رفعاً للحرج والمشقة عن الناس كأساس لهذا التشريع الحنيف.

من أجل ذلك، ذكر التعريف أنها مجموعة من المبادئ الأساسية. هذه المبادئ الأساسية تتضمن بعض الأحكام الشرعية، أي الخطابات – في نصوص القرآن والسنة – التي تتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع. وذلك فيما يتعلق بتنظيم أمور الدولة وتدبير شئونها بالداخل والخارج. غير ذلك من موضوعات ومسائل نظام الحكم والتي سنتكلم عنها في الفقرة التالية.

أشار التعريف إلى الموضوعات والمسائل التي يتناولها نظام الحكم في الإسلام. وهي على سبيل الإجمال ذات الموضوعات التي يتناولها القانون الدستوري والنظم السياسية في النظم القانونية الحديثة. ولذا فهي على سبيل التفصيل ما يتعلق بالدولة من حيث إقامتها وبحث أركانها – وهي الشعب والإقليم والسلطة أو السيادة – وشكل الدولة. ونظام الحكم فيها، وأهم المبادئ يقوم عليها نظام الدولة وإدارتها. وسنرى في موضع لاحق من الدراسة أن الإسلام لم يهمل فكرة الدولة، إنما وجه المسلمين إلى ضرورة إقامتها باعتبارها كياناً مستقلاً منظماً يملك السلطة والقوة القاهرة التي تمكن من إقامة فرائض الإسلام وواجباته الدينية والدنيوية، وتدبير شئون الأمة ورعاية مصالحها.

وأن الرسول – صلي الله عليه وسلم – أقام هذه الدولة على أسس الشرع وقواعده، وأنه – صلي الله عليه وسلم – حول المسلمين من مجرد أمة أو وحدة اجتماعية إلى وحدة سياسية لها كيانها السياسي المستقل. إلا أن الإسلام لم يفرض على المسلمين شكلاً معيناً للدولة ولا للحكومة، إذ لم يرد في القرآن الكريم نص في ذلك، كما لم يثبت عن النبي – صلي الله عليه وسلم – أنه فرض شكلاً محدداً لنظام الحكومة ولا لتنظيم سلطاتها.

كما يندرج في موضوعات نظام الحكم أيضاً تنظيم السلطات الأساسية بالدولة وهي السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، والسلطة القضائية. وتشكيل هذه السلطات، وتحديد اختصاص كل سلطة منها، وبيان علاقة كل منها بالأخرى، ومبدأ الفصل بين هذه السلطات. لذلك تكلم الفقهاء عن أهل الحل والعقد، وهو ما يقابل اليوم السلطة التشريعية. فبينوا شروطهم من العدل والعلم والرأي والحكم، وحددوا مهمتهم في اختيار الخليفة، واستنباط القواعد والأحكام من مصادرها الشرعية، وفى معاونة ولي الأمر في النهوض بمسؤولياته في حدود الشرع.

كما تكلموا عن الوزارة فذكروا شروط الوزير، وقالوا بوزارة التفويض ووزارة التنفيذ، وبينوا شروط كل وزارة وكيف يولي الوزير إلى غير ذلك([69]).

كما تكلم الفقهاء كذلك عن الحاكم أو الخليفة أو ولي الأمر – أياً كان اللقب – أي رئيس الدولة الإسلامية وطريقة اختياره وواجباته، وكيفية محاسبته ومراقبته في إدارته لشئون الدولة وطريقة عزلة.

ومن موضوعات نظام الحكم في الإسلام كذلك الأحكام التي تنظم حقوق الأفراد وحرياتهم في مواجهة الدولة وكيفية ممارستها، وضوابطها، وكيفية إدارة الدولة لمرافقها العامة، وبخاصة مرفق القضاء. لذا فقد كان موضع اهتمام الفقهاء في كل العصور الإسلامية، فبينوا مكانة القاضي في الإسلام، وشروط تقلده القضاء وقواعد تعيينه وعزله والمسئولية عن أحكامه، واستقلاله، وآدابه، واختصاصاته وأصول المحاكمات، وإصدار الأحكام.

كما يندرج في ذلك أيضاً ما يتعلق بتنظيم الجيش، وتحديد مهامه واختيار قواده وتحديد صلاحياتهم ووجوب تقيدهم بآداب الإسلام في الحروب ومعاملة أسرى الحرب وغير ذلك.

وكذلك عقد الألوية، وجمع الزكاة والغنائم وتوزيعها في مصارفها الشرعية، وإقامة الحدود، وعقد العهود إلى غير ذلك من كل ما من شأنه تحقيق أهداف الحكم الإسلامي وغاياته والتي هي موضوع الفقرة التالية.

المبحث الثاني

أهمية نظام الحكم في الإسلام ومقاصده الشرعية

لكل نظام من نظم الحكم التي عرفها العالم غاية يسعى إلى تحقيقها، وتتمثل الغاية من الحكم بصفة عامة في تحقيق العدل بين الناس وإقامة التوازن بين مصالحهم المتعارضة – في أغلب الأحيان – وحمل الناس على الطاعة والانضباط تجنباً للفوضى، وتدبير شئون المجتمع، وإصلاحها بما يعود على الناس كافة بتحقيق مصالحهم، ودفع المفاسد عنها، ومن ثم يتحقق استقرار المجتمع على نحو يمكن من تقدمه وازدهاره.

ذلك لأن الإنسان اجتماعي بطبعه – كما هو معلوم – بسبب عجزهٍ فرداً عن توفير حاجاته الضرورية، التي لا غني عنها في وجوده فضلاً عن ضرورات ترقية هذا الوجود مادية، ومعنوياً.

من أجل ذلك – تحتم – بحكم الفطرة والعقل – أن يعيش الناس جماعات على نحو يحتم أيضاً قيام علاقات ومعاملات بينهم، ومعلوم الإنسان يسير وراء مطامعه الشخصية تلبية لحاجاته وغرائزه المختلفة،  وتحت تأثيره ميوله المتعددة. وهو في كل ذلك محتاج إلى معاونة من بني جنسه، حيث لا يستطيع إدراك حاجاته ومآربه بمفرده، فالحياة حياة جماعية تنتظم بمجهودات الجميع.

ولقد طبعت النفس الإنسان على الأنانية وحب الذات، فكل فرد يتمني أن ينال خطاً أوفر من غيره، ومن هنا تتعارض المصالح وتتنازع الأهواء، فتنشأ الصراعات، لذا كان من الضروري وجود سلطة وحكومة لها قوانين وأعراف توضح وتحدد للناس ما هو عدل وما هو ظلم، ما هو حق وما هو باطل، وتقوم على فض ما ينجم بينهم من نزاعات وخصومات فتأخذ على يدل الظالم فتمنعه عن ظلمه، وتنتصف للمظلوم بقدر ما ناله من ظلم، وفق معايير عادلة. إذ لو ترك الناس بغير حكومة وسلطة لاضطربت الحياة وسادت الفوضى. تلك هي الغايات من الحكم بصفة عامة، غير أن تحقيق هذه الغايات رهن بمدى مشروعية الحكومة والسلطة وبقدر سعيها على تحقيقها وفق معايير تستند إلى العدل والمساواة، وصون حقوق الأفراد وحرياتهم، وذلك مما يعزز مشروعية السلطة ذاتها.

وإذا نظرنا إلى التشريع الإسلامي وبحثنا في مصادره وقواعده ومقاصده ومبادئه العامة عن غايات نظام الحكم فيه لوجدنا أنها لا تخرج عن هذه الغايات العامة، مع مراعاة انفراد وتميز نظام الحكم في النظر الإسلامي بهدف وغاية على جانب كبير من الأهمية وهي حفظ الدين، والذي يعد مقصداً من المقاصد الضرورية للشريعة الإسلامية، وما يقتضيه ذلك من حفظ النفس والعقل، والمال والعرض. إضافة إلى مهمة التبليغ ونشر الدعوة إلى العالمين.

– ولذلك كانت الإمامة – أو الرياسة – أو خلافه المسلمين أمر واجب من حيث كونها خلافه عن النبوة في حراسة الدين والدنيا، فعقدها لمن يقوم بها واجب بالإجماع. سواء أكان مصدر هذا الوجوب هو العقل أو الشرع، يقول الإمام الماوردي في ذلك: ” … فقالت طائفة وجبت بالعقل لما في طباع العقلاء من التسليم لزعيم يمنعهم من التظالم ويفصل بينهم في التنازع والتخاصم، ولولا الولاة لكانوا فوضى مهملين، وهمجاً مضاعين، وقد قال الأفوه الأودي وهو شاعر جاهلي:

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم … ولا سراة إذا جهالهم سادوا

وقالت طائفة أخرى: بل وجبت بالشرع دون العقل، لأن الإمام يقوم بأمور شرعية قد كان مجوزاً في العقل أن لا يرد التعبد بها، فلم يكن العقل موجباً لها، وإنما أوجب العقل أن يمنع كل واحد نفسه من العقلاء عن التظالم والتقاطع، ويأخذ بمقتضي العدل في التناصف والتواصل فيتدبر بعقله غيره. ولكن جاء الشرع بتفويض الأمور إلى وليه في الدين، قال الله عز وجل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) ([70])، ففرض علينا طاعة أولى الأمر فينا وهم الأئمة المتأمرون علينا، وروي عن هشام بن عروة عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله – صلي الله عليه وسلم – قال: “سيليكم بعدي ولاة فيليكم البربيرة، ويليكم الفاجر بفجوره، فاسمعوا لهم وأطيعوا في كل ما وافق الحق، فإن أحسنوا فلكم ولهم، وإن أساءوا فلكم وعليهم” … فإذا ثبت وجوب الإمامة ففرضها على الكفاية كالجهاد وطلب العلم فإذا قام بها من هو من أهلها سقط ففرضها على الكفاية، وإن لم يقم بها أحد خرج من الناس فريقان: أحدهما أهل الاختيار حتى يختاروا أماماً للأمة، والثاني: أهل الإمامة حتى ينتصب أحدهم للإمامة، وليس على من عدا هذين الفريقين من الأمة في تأخير الإمامة حرج ولا مأثم، وإذا تميز هذان الفريقان من الأمة في فرض الإمامة وجب أن يعتبر كل فريق منهما بالشروط المعتبرة فيه…” ([71]).

وتلك الغاية التي يهدف نظام الحكم في الإسلام إلى تحقيقها – حفظ الدين – تؤكد ما سبق أن أشرنا إليه من تميز التشريع الإسلامي عن غيره من التشريعات الوضعية من حيث كونه يعني بأمور الدين والدنيا معاً، فلم يهمل أحد الجانبين على حساب الآخر. ومن ثم، فإن الإسلام يعني بأمور الحكم والسياسة والإدارة وغيرها تماماً عنايته بالعقائد والأخلاق والعبادات .

ولما كان حفظ الدين غاية أساسية ومقصداً رئيساً يهدف نظام الحكم في الإسلام إلى تحقيقه، فقد أشار إلى ذلك العلماء في تعريفاته للإمامة أو الخلاقة، حيث عرفها الإمام الماوردي بأنها: “الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا”([72]).

كما ذكر ابن خلدون أن الخلافة هي، حمل الكافة على مقتضي النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها، إذ أحوال الدنيا كلها عن الشارع راجعة إلى اعتبارها بمصالح الآخر، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين والدنيا([73]).

ولذلك أيضاً ذكر العلماء في تفسيرهم لقوله تعالي (إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا …)([74]).

أن هذا خطاب لولاة الأمر أن يقوموا برعاية الرعية وحملهم على موجب الدين والشريعة، وعدوا من ذلك تولية المناصب مستحقيها. وقالوا إن من تصدير الكلام “بإن” الدالة على التأكيد والتحقيق وإظهار الاسم الجليل “الله” وإيراد الأمر على صورة الإخبار من الفخامة وتأكيد وجوب الامتثال والدلالة على الاعتناء بذلك ما لا مزيد عليه([75]).

وفى ذلك يقول الإمام ابن تيمية في مقدمته لكتاب الحسبة: أصل ذلك أن تعلم أن جميع الولايات في الإسلام مقصودها أن يكون الدين لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، فالله سبحانه وتعالي إنما خلق الخلق لذلك … وأنزل الكتب … وأرسل الرسل وعليه جاهد الرسول والمؤمنون.

* ويستفاد من ذلك: أن المقصود الأول من الإمامة – نظام الحكم عامة – هو إقامة أمر الدين على الوجه المأمور به من إخلاص الطاعات وإحياء السنن وإماته البدع ليتوفر العباد على طاعة المولى سبحانه وتعالي، وذلك مأخوذ من قوله تعالي (ومَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ)([76]).

وأما المقصود الثاني فهو النظر في أمور الدنيا وتدبيرها، مثل استيفاء الأموال من وجوهها، وإيصالها لمستحقيها، ودفع الظلم، وذلك ليتفرغ العباد لأمر الدين.

ذلك لأن أمور المعاش إذا انتظمت، فلم يعتد أحد على أحد وأمن كل على نفسه وماله، ووصل كل ذي حق في بيت المال أو غيره إلى حقه، تفرغ الناس لأمر دينهم فقاموا بالعبادات المطلوبة منهم.

وهذه الغاية من نظام الحكم تنتظم أهدافاً عديدة أهمها:

1- بيان الدين للناس بياناً صحيحاً يدفع الشبهات عنه، وأخذ الناس به برفق، وحفظه من الملحدين والمعتدين، والانتصار لشريعته إذا أراد أحد المخالفة عن أحكامها.

2- العمل على وحدة الأمة واجتماع كلمتها والتعاون بين أبنائها وتوفير سب الحياة الكريمة لكل منهم، حتى تكون الأمة جميعاً كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً.

3- حراسة الوطن من الاعتداد، وبينه من الظلم والبغي والاستبداد، والتسوية بينهم جميعاً في الحقوق والواجبات العامة، لا فرق بين أمير وسوقه، وقوى وضعيف، وصديق وعدو.

تلك هما جماع الحكم في الإسلام ومجموعها يكون الغاية منه وبتحقيق هذه الغاية يبقى للدين والشريعة حرمتها ومكانتها العليا([77]).

ولما كان بيان الدين وحفظه مقصداً هاماً من مقاصد الحكم في الإسلام فإن ذلك يقتضي أن يأخذ الإمام – ولى الأمر – بشدة كل من ينكر شيئاً مما فرضه الله تعالي في كتابه وبينه الرسول – صلي الله عليه وسلم – في سنته فتلك مسئولية الإمام وولاة الأمر. ولذا باشر النبي – صلي الله عليه وسلم – هذه المهمة في إبلاغ الدين للناس وتبيينه لهم والأخذ على أيديهم في حفظه والعمل بأحكامه وبأشرها الخلفاء الراشدون وسائر الأمراء بعد ذلك وكانوا يتواصون بذلك .

ولذلك رأينا الخليفة الأول أبا بكر الصديق – رضي الله عنه – وقد بدأ خلافته بقتال المرتدين فيما عرف بحروب الردة فقد حدث بعد وفاة النبي – صلي الله عليه وسلم – أن ارتد العرب عن الإسلام، وقالوا نصلي ولا نزكي فوقف لهم بالمرصاد وقاتلهم، روي عن قتادة أنه قال: “لما توفى النبي – صلي الله عليه وسلم – ارتدت العرب، فذكر قتال أبي بكر لهم إلى أن قال: فكنا نتحدث أن هذه الآية نزلت في أبي بكر وأصحابه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ) ([78]). أخرج البيهقي عن الحسن البصري في هذه الآية أنه قال: هو والله أبو بكر وأصحابه لما ارتدت العرب جاهدهم أبو بكر وأصحابه حتى ردوهم إلى الإسلام([79]).

روي عن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – أنه قال: “لما قبض رسول الله – صلي الله عليه وسلم – ارتد من ارتد من العرب وقالوا: نصلي ولا نزكي، فأتيت أبا بكر فقلت: يا خليفة رسول الله، تألف الناس وأرفق بهم فإنهم بمنزلة الوحش، فقال: رجوت نصرتك وجئتني بحذلانك، جباراً في الجاهلية خواراً في الإسلام، بما عسيت أن أتألفهم؟ بشعر مفتعل أو بسحر مفترى؟ هيهات، مضى النبي – صلي الله عليه وسلم – وانقطع الوحي، والله لأجاهدنهم ما استمسك السيف في يدي وإن منعوني عقالاً، قال عمر: فوجدته في ذلك أمضى مني وأحزم وأدب الناس على أمور هانت على كثير من مؤنتهم حين وليتهم”([80]).

وهذا يدل على صمود أبي بكر وقوته في دين الله وفى الحق في مواجهة من أراد أن يمنع أو ينكر بعض ما فرضه الله تعالي وكان لهذا الموقف أثر كبير بالنسبة للإسلام وللمسلمين، إذ عرف أولائك المرتدون ومن في قلوبهم من أمثالهم أن حماية الدين ممن يحاولون النيل منه والتضحية في أصله بالنفس والمال أمر واجب على الخليفة أو الإمام وكذلك على سائر أبناء الإسلام جميعاً.

وهذا المسلك في حماية الدين وحفظه كان الخلفاء يتواصون به. فقد روي أن أبا بكر – رضي الله عنه – قال لعمر بن الخطاب – رضي الله عنه – ” إني موصيك بوصية إن حفظتها إن لله حقاً بالنهار لا يقبله بالليل، ولله في الليل حق لا يقبله بالنهار، وإنما لا تقبل نافلة حتى تؤدي الفريضة، وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة بإتباعهم في الدنيا الحق وثقله عليهم وحق لميزان لا يوضح فيه إلا الحق أن يكون ثقيلاً، وإنما خفت من خفت موازينه بالباطل، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يكون خفيفاً، وأن الله عز وجل ذكر أهل الجنة وصالح ما عملوا وتجاوز عن سيائتهم وذكر آية الرحمة وآية العذاب ليكون المؤمن راغباً راهباً ولا يتمني الحق إلا الحق ولا تلقى بيدك إلى التهلكة فإن حفظت قولي فلا يكونن غائب أحب إليك من الموت ولن تعجز”([81]).

من ذلك نتبين مدى حرص الصحابة وتابعيهم على التواصي برعاية الرعية والحكم بينهم بالحق والعدل وحملهم على موجب الدين والشريعة، مما يؤكد أن الغاية من الحكم في الإسلام هي إقامة أمر الدين، وأمر الدنيا معاً مما يعود على المجتمع الإسلامي بتحقيق مصالحه العامة والخاصة ويضمن أمنه واستقراره وتقدمه. وذلك من التطبيقات العملية للسياسة الشرعية.

فغاية نظام الحكم في الإسلام ومقصده الشرعي هو أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا. وفى ذلك يقول الإمام ابن تيمية([82]): “أصل ذلك أن تعلم أن جميع الولايات في الإسلام مقصودها أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، فإن الله سبحانه وتعالي إنما خلق الخلق لذلك، وبه أنزل الكتب، وبه أرسل الرسل، وعليه جاهد الرسول والمؤمنون : قال الله تعالي: (ومَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ). وقال تعالي: (ومَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إلاَّ نُوحِي إلَيْهِ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ). وقال تعالي أيضاً: (ولَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ).

الفصل الثاني

السمات العامة المميزة لنظام الحكم في الإسلام

يتميز نظام الحكم في الإسلام أو النظام السياسي الإسلامي عن غيره من كافة أنظمة الحكم الوضعية المعروفة في العالم بعدة مميزات تضفي عليه خصوصية واستقلالاً وشمولاً في ذات الوقت وف هذا الفصل نتناول هذه السمات بشيء من التوضيح من خلال المباحث التالي:

المبحث الأول: الشرعية

المبحث الثاني: السيادة في النظام الإسلامي ليست مطلقة.

المبحث الثالث: الدولة في النظام الإسلامي ليست دولة دينية (ثيوقراطية)

المبحث الرابع: مرونة النظام السياسي في الإسلام.

المبحث الخامس: استقلالية النظام السياسي في الإسلامي.

المبحث السادس: إنسانية النظام السياسي في الإسلام.

المبحث الأول

الشرعية

والمقصود – في هذا المقام – الشرعية بوصفها أحد أهم المفاهيم التي تقوم عليها الدولة الديمقراطية الحديثة تمييزاً لها عن الدولة القديمة. والتي تعني خضوع كل تصرفات الدولة لقواعد قانونية يستطيع المواطنون المطالبة باحترامها أمام قضاء مستقل، وأن تمتنع الدولة عن إتيان أي فعل لا ينسجم مع نظامها القانوني السائد، وأن تلتزم باحترام القيم الأساسية والأهداف العليا للمجتمع بما يؤدي إلى القبول الطوعي من قبل الشعب بقوانينها وسياستها، وبعدالتها وملاءمة مؤسساتها لحاجيات المجتمع وقيمة.

وتستند شرعية نظام الحكم في الإسلام إلى أمرين:

أولهما: يتعلق بالمرجعية أو المصدر الذي تستمد منه السياسة ويستند إليه الحكم في الدولة الإسلامية، وهو أحكام الشريعة الإسلامية سواء أكان ذلك بصورة مباشرة من خلال النصوص الواردة بهذا الشأن في القرآن الكريم والسنة النبوية أم من خلال ما يستنبط من هذه النصوص من أحكام عبر الاجتهاد- بصورة المتعددة – فيها وفى ضوء القواعد الكلية والمبادئ الأساسية والمقاصد العامة للشريعة الإسلامية.

فلقد تعددت النصوص الشرعية القاطعة التي توجب رد جميع الأمور إلى الشرع والاحتكام إليه، من ذلك قوله تعالي (فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ولا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الحَقِّ)([83])، وقوله تعالي (وأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ولا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ واحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ)([84])، وقوله تعالي (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ والرَّسُولِ إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأَحْسَنُ تَأْوِيلاً)([85]).

وقوله تعالي (فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)([86]). وقوله تعالي (ومَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلَى اللَّهِ ….)([87]).

فهذه النصوص – وأمثلها كثير – توجب رد جميع أمور الدولة من حكم وسياسة ونظام وتشريع، وقضاء إلى حكم الله تعالي، وهي بمثابة الأصول في هذه الأمور وغيرها، ومن ثم يجب على الدولة – حكاماً ومحكومين – التقيد والالتزام بأحكامها، بالتطبيق المباشر أو غير المباشر – كما أشرنا سابقاً -.

* وتطبيق هذه الأصول والمبادئ الشرعية يضفى على الحكم شرعية وقداسة في نفوس المخاطبين وتجعلهم أكثر انصياغاً للدولة ولقوانينها، بل إن الدولة تفقد شرعية الطاعة بقدر ما تبتعد أو تتنكب عن هذه الأصول([88]).

ثانيهما: الأمر الثاني الذي يستند إليه شرعية نظام الحكم في الشورى، والتي تعد من أهم المبادئ الأساسية التي يقوم عليها نظام الحكم في الإسلام، وقد عدها العلماء من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، وقالوا إن من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب([89]). فهي نظام إسلامي شرع ليكون أصلاً ملزماً للحكام والمحكومين سواء، من شأنه أن يمنع التسلط والاستبداد بالرأي، ويحقق النزعة الجماعية في التشريع الإسلامي ويجعل السياسة مشتركة بين الحاكم والمحكوم، مما يولد بينهما علاقة وطيدة تدعم استقرار الحكم، كما تؤدي إلى تكافل سياسي بين الأمة وحكامها في تدبير شئون الدولة وفقاً للمسئولية المتبادلة بينهما، وعلى ذلك لا تقتصر الشورى على كونها مجرد قاعدة أساسية للنظام السياسي الإسلامي، إنما تمثل الإطار العام والنطاق الذي يجب أن تعمل في حدوده كافة السلطات الحاكمة في الدولة – التشريعية والتنفيذية والقضائية – وهي بذلك تلزم الحاكم بالتقيد والالتزام في كل تصرفاته بالشريعة وتحول دون استبداده بالرأي والأمر دون الرجوع إلى الأمة، بل يلتزم بمشاورتها والاستماع لنصحها وتوجيهها، ومن ثم، عليه أن يرجع إلى أهل الاختصاص من العلماء وأهل الرأي والخبرة في التشريع الاجتهادي، والتصرفات ذات الصفة العامة كالتصرفات السياسية نحو إعلان الحرب أو الهدنة، أو عقد المعاهدات أو قطع العلاقات وغير ذلك . وكالتصرفات المالية نحو وضع الميزانية، وتخصيص النفقات لجهات معينة وما إلى ذلك وهكذا في كل شئون الدولة.

* وبذلك يتقيد الحاكم – وفق النظام الإسلامي – بقيدين: الشريعة والشورى . أي بحكم الله تعالي، ورأي الأمة، وهذا من شأن تحقيق شرعية الحكم والدولة، ويجب استحقاق الطاعة والامتثال([90]).

* وبهذه السمة – سمة الشرعية – يتحقق لنظام الحكم في الإسلام تميزه وتفرده عن غيره من كافة أنظمة الحكم المعروفة في العالم على اختلاف أنواعها، حيث يختلف عن نظام الحكم المطلق، وعن النظام الديمقراطي كذلك([91])، والأنظمة القائمة على الحزب الواحد، حيث يكون الفرد أن الحزب هو المرجع المطلق في التشريع في هذه الأنظمة، وهو السلطة التي يكون لها الخضوع المطلق، وهذا غير صحيح في نظر الإسلام، فالحكومة الإسلامية ليست من نوع الحكومات المستبدة التي لا يتقيد القائم على أمرها بقانون أو نظام أو مشورة([92]).

* ويترتب على سمة الشرعية لنظام الحكم في الإسلام كذلك ثبوت الحق للأمة في مراقبة الحاكم ومحاسبته وانتقاده، حتى إن هذا الحق يثبت لغير المسلم من أفراد الرعية للدولة الإسلامية في التقدم بالشكوى من ظلم الحاكم لهم أو إساءة تطبيق أحكام الإسلام عليهم. وتاريخ الإسلام مليء بالشواهد العملية التي تؤكد ذلك.

وتتحقق تلك المراقبة والمحاسبة من خلال واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة، وكان ذلك واقعاً بالفعل، فكانت المراقبة للسلطة والنقد وحرية إبداء الرأي في مجال الحكم، والمحاسبة للحكام مالياً وسياسياً مبادئ دستورية معترفاً بها ومنصوصاً عليها في الكتاب والسنة”، وعرفاً من الأعراف السياسية في صدر الإسلام. وبقي التسليم النظري لهذه المبادئ مستمراً لدى المسلمين حتى الآن. غير أن التطبيق العملي أخذ بالضعف ابتداء من العصر الأموي وكاد يهمل فيما بعد من جهة الحكام بل ويأخذ طابعاً عكسياً من الاضطهاد والتنكيل والظلم([93]).

المبحث الثاني

السيادة في النظام الإسلامي ليست مطلقة

السمة الثانية من سمات نظام الحكم في الإسلام، هي: أن السيادة في الدولة الإسلامية ليست مطلقة، وهي نتيجة منطقية لشرعية نظام الحكم، السمة الأولى التي تحدثنا عنها آنفاً.

فمن المعلوم أن السيادة أو السلطة ضرورة للدولة الإسلامية – كما سنعرف لا حقاً – تمكن من تطبيق أحكام الشريعة، إذا لا يكفي الوازع الديني، بل لابد من اقترانه بالسلطة العامة لحمل الناس على التزام الأحكام والقوانين.

ويلاحظ أن السيادة أو سلطة الدولة الإسلامية، وبخاصة في مجال التشريع ليست مطلقة، إنما هي مقيدة بنصوص الشرع وضوابطه وحدوده، فهي ليست حقاً خالصاً للحاكم إنما للأمة، وهي ليست مطلقة الحرية في ذلك بل مقيدة بوجوب تطبيق أحكام الشريعة على أفراد الأمة ورعاية شئونهم([94]). ولعل في ذلك تمييز لنظام الحكم في الإسلام عن الأنظمة الديمقراطية الحديثة.

وتقييد السلطة على هذا النحو ليس فيه مساس بسيادة الدولة، لأن القرآن الكريم والسنة النبوية والذي يكون الاستنباط في ظلهما والأخذ من أحكامهما وهما القانون المسيطر على حرية الدولة في مجال التشريع خاصة، لا ينافي فكرة السيادة، على اعتبار أن التقييد هنا كالتقييد بالفضيلة والمصلحة فلا ينتقص من السيادة في شيء.

المبحث الثالث

الدولة في النظام الإسلامي ليست دولة دينية( ثيوقراطية)

السمة الثالثة أن نظام الحكم في الإسلام لا يجعل من الدولة الإسلامية دولة دينية (ثيوقراطية) بالمعني المعروف لدى المذاهب الثيوقراطية في أصل نشأة الدولة، والتي تنسب مصدر السلطة مباشرة إلى الله عز وجل، وتعتبر الدولة نظاماً إلهياً من صنع الخالق، وتبرر أو تفسر السلطة السياسية في الدولة عن طريق تدخل سلطة سماوية عليا.

ويرى بعض أنصار هذا المذهب أن الدولة هي من صنع الله، وأن الله هو الذي يختار الملوك أو الأسر المالكة مباشرة لحكم الشعوب، بشكل مباشر، وهؤلاء أصحاب نظرية “الحق الإلهي المباشر”. بينما يرى بعضهم أن الدولة من صنع الله أيضاً، وأن الله هو الذي يختار الملوك لكن بشكل غير مباشر، وهم أصحاب نظرية: “الحق الإلهي غير المباشر”. وعلى هذا أو ذاك فإنه يتحتم على الرعايا أن يطيعوا أوامر الأشخاص الذين اصطفاهم الله وأمدهم بروح من عنده وأيدهم بقوته وعنايته، لأن مخالفة أوامرهم تعد تمرداً على أوامر الله تعالي.

ويترتب على ذلك – تنحية هامة هي: أن الملوك والرؤساء – وفقاً لهذا النظر – لا يسألون عن أفعالهم أمام البشر، إنما أمام الخالق وحده.

* فالدولة الإسلامية ليست دينية بهذا المعني، بحيث تستمد سلطانها من الله، بل تستمد سلطاتها من الجماعة “الأمة”. ولو كانت دينية (ثيوقراطية) لما فرض الله الشورى وألزم الدولة بها، ولكان لرئيسها أن يفعل ما يشاء ما دام يستمد سلطانه من الله.

والواقع أن رئيس الدولة الإسلامية، أو ولي الأمر مقيد – في حكمة – بالتشريع عبر النصوص القرآنية، أو نصوص السنة النبوية، أو بما تسفر عنه الشورى إذا لم يكن هناك نص([95]).

فلقد رأينا آنفاً أن الحاكم – وفق النظام الإسلامي – مقيد بقيدي الشريعة والشورى، أي حكم الله تعالي، ورأي الأمة. كما رأينا كذلك أن السلطة ليست للحاكم وحده، وإنما للأمة مقيدة أيضاً بحدود الشريعة وضوابطها. فليس في الإسلام نظام السلطة المطلقة أو المستبدة. كما علمنا أن الإسلام أثبت للأمة الحق في مراقبة الحاكم ومحاسبته وانتقاده.

وتجدر الإشارة في هذا المقام إلى أن الدولة الإسلامية لا تقتصر مهمتها على الجانب الديني فقط، بالأمر بتبليغ التكليفات الشرعية وحمل الناس عليه. إنما تمتد مهمتها إلى أمور الدنيا والسياسة كذلك من أجل تدبيرها على نحو تتحقق معه مصالح الرعية العاجلة والآجلة – كما سبق أن ذكرنا([96]).

وهذا يدل أيضاً على تميز نظام الحكم في الإسلام وأحكامه عن نظيرها في القوانين الحديثة من حيث النطاق أي المجال الذي تتناوله الأحكام بالتنظيم والتطبيق. ذلك أن النظم الوضعية لا تعني بالجانب الديني بل تقتصر على الجانب المادي فقط.

المبحث الرابع

مرونة النظام السياسي في الإسلام

“الثبات أو المرونة أي القابلية للتغيير والتطور”. سبق أن ذكرنا أن أحكام الشريعة الإسلامية أنواع، منها ما يتعلق بالعقيدة، ومنها ما يتعلق بالأخلاقيات وهذان النوعان من الأحكام يتميزان بصفة الثبات والدوام والاستقرار فلا يعتريها التغيير ولا الإلغاء. لأنها أسس الدين وثوابته فهي مستقرة دائماً أبداً لا تخضع لسنة التغيير أو التطوير أو الإلغاء. ذلك أن الإيمان بالله تعالي وبصفاته، وملائكته، ورسله، وكتبه واليوم الآخر، وكذلك التخلق بالأخلاق الفاضلة من الصدق والأمانة والوفاء بالعهود وغيرها من الإيمانيات والأخلاقيات هي حقائق أزلية لا يمكن تصور خلاف شيء منها أو تغييره حقيقة منها بدعوى التطور أو التمدين، بل إن قمة التطور أن تراعي هذه الأسس والثوابت، فتطور المجتمعات لا يقتضي التحلل من أحكام العقيدة، أو التنازل عن الأخلاقيات بأن يصير القبيح حسناً والحسن قبيحاً، بل يتطلب التمسك بهه الثوابت . لذلك جاء النص عليها في القرآن الكريم بنصوص صريحة مفصلة وقاطعة في ثبوتها وفي دلالاتها على هذا الأحكام، حتى لا ينالها التغيير أو الإلغاء.

وهنالك نوع ثالث من أحكام الشريعة وهو الأحكام العملية التي تعني بتنظيم علاقة الإنسان بربه سبحانه وتعالي، وعلاقته بغيره من بني جنسه، وعلاقته بالدولة التي يتمتع بجنسيتها، وعلاقة الدولة بغيرها من الدول الأخرى. ويندرج تحته أحكام العبادات والمعاملات، وأحكام الأسرة، وأحكام السياسة الشرعية. ويسمي بالفقه، أو علم الفروع.

وهذا النوع من الأحكام – عدا القسم الخاص بالعبادات – يخضع لسنة التغيير والتبديل استجابة لمقتضيات التطور والتقدم ومراعاة لمصالح الأمة أفراداً وجماعات، ملائمة لأحوالهم وظروفهم.

ومن ثم، فإن هذه الأحكام جمعت بين الثبات والقابلية للتغيير ويظهر عنصر الثبات والاستقرار من جانب لأحكام التي ورد النص عليها تفصيلاً بحيث لا تحتاج سوى التطبيق والامتثال مثل الحدود والكفارات، وتحديد المحرمات من النساء، وتحديد أصحاب الفروض منا لوارثين، ونصيب كل وارث منهم في التركة، فمثل هذه الأحكام ورد النص عليها بأدلة قاطعة الدلالة صريحة في إفادتها، بحيث لا تحتمل تأويلاً ولا اجتهاداً سوى في تطبيقها فقط.

أما عنصر المرونة والقابلية فيبدو في أحكام الفروع العملية أو المسائل الجزئية والتفصيلات التي تحتاج بطبيعتها على التغيير والتبديل ملاحقة للتطورات الإنسانية والاجتماعية.

ولذا، لم يرد بشأنها نصوص تفصيلية قاطعة وحاسمة، إنما اقتصرت النصوص بشأنها – على بيان المبادئ والأسس والقواعد العامة التي تحكمها، مع ترك الجزئيات والتفصيلات للمجتهدين من الأمة في كل عصر يستنبطوا أحكامها في ضوء هذه المبادئ والأسس العامة وذلك رفعاً للحرج والمشقة عن الأمة، وليكون ذلك عاملاً من عوامل صلاحية الفقه الإسلامي لمواجهة ما يستجد من وقائع وأحداث عبر العصور والأزمان.

وذلك كالنص على وجوب الوفاء بالعقود والعهود، وضرورة الرضا لتكوين العقود، وتحريم الغش والتدليس والكذب في المعاملات، ووجوب العدل، والمساواة، والشورى في الحكم، ودفع الضرر، ورعاية الحقوق لأصحابها، وأداء الأمانات إلى أهلها، وغير ذلك من المبادئ العامة والأسس التي لا يجوز مخالفتها أو تجاوزها والتي تمثل إطاراً عاماً لتلك المسائل والفروع الجزئية التي لا تستقر على حال، ومن ثم ضبطت بمبادئ أساسية لتوضع التفصيلات حسب مقتضيات العصر والحال، في ضوء هذه البادئ العامة وعلى نحو يلبي احتياجات الناس ويستجيب لمطالبهم ويحقق مصالحهم في كل زمان ومكان.

وقد اجتهد الفقهاء المسلمون في فهم هذه القواعد والمبادئ التي بينتها النصوص الشرعية في القرآن الكريم والسنة النبوية، وأنزلوا هذه الأحكام التي استنبطوها للجزئيات والفروع التي جدت للناس أو فرضوها ليجد الناس حكمها إذا وقعت لهم في عصر من العصور([97]).

وفى هذا الصدد يقول الإمام ابن القيم – رحمة الله – “إن الأحكام نوعان: نوع لا يتغير عن حالة واحدة هو عليها لا بحسب الأزمنة والأمكنة ولا اجتهاد الأمة، كوجوب الواجبات، وتحريم المحرمات، والحدود المقدرة بالشرع على الجرائم ونحو ذلك. فهذا لا يتطرق إليه تغيير ولا اجتهاد يخالف ما وضع عليه. والنوع الثاني ما يتغير بحسب المصلحة له، زماناً ومكاناً وحالاً كمقادير التعزيزات وأجناسها، وصفاتها فإن الشارع ينوع فيها بحسب المصلحة”([98]).

ومن هنا أيضاً: وضع الفقهاء قاعدة هامة تحكم هذه المسائل مؤداها: “لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان”.

وتعني هذه القاعدة بإيجاز: أن الأحكام التي تتبدل بتبدل الزمان والأعراف هي الأحكام الاجتهادية المبنية على العرف والمصلحة، بخلاف الأحكام الثابتة بنصوص قطعية فهي لا تتغير.

* وبالنظر في الأحكام الخاصة بنظم الحكم والسياسة في التشريع الإسلامي نجد أنها من نوع الأحكام التي تقبل التغيير أي الأحكام المرنة حيث جمعت بين الثبات والمرونة. إذ ورد النص في القرآن الكريم والسنة النبوية على المبادئ العامة التي تحكمها، مثل إقامة الدولة ونظاما لحكم على أسس من العدالة، والمساواة، والشورى وضرورة حماية الحريات وصيانتها، مع ترك التفصيلات للاجتهاد في ضوئها لاستخراج أحكامها الشرعية التي هي متجددة ومتطورة بطبيعتها. وذلك رفعاً للحرج والمشقة عن الأمة.

لذلك سبق أن ذكرنا أننا لا نجد نصوصاً تفصيلية تلزم المسلمين بنظام محدد للدولة ونظام الحكم فيها، إنما اكتفت النصوص بتوجيه المسلمين إلى إقامة الدولة والحكومة الإسلامية لتحمل مسئولياتها وممارسة اختصاصاتها الدينية والسياسية – وغيرها. على أسس من العدل والمساواة وضمان الحقوق والحريات وكفالة احترامها، دون نص على تفصيل الجزئيات التي تحتاج بطبيعتها إلى التغيير، ليتسع لولاة الأمر – في كل عصر بحسبه – وضع هذه التفاصيل في ضوء هذه المبادئ العامة والقواعد الكلية التي تضمنتها النصوص. ولذلك سنجد في أثناء عرضنا لمصادر هذه الأحكام – الأحكام الشرعية المتعلقة بنظام الحكم والسياسة – لا حقاً أنها عبارة عن نصوص قليلة نسبياً تضمنت النص على المبادئ العامة فقط دون التعرض للتفصيلات.

ومن هذه الناحية أيضاً يبدو تميزاً أحكام نظام الحكم في الإسلام عن نظائرها في النظم الوضعية الحديثة من حيث أن الأخيرة برمتها عبارة عن أنظمة وقوانين وقتية يضعها البشر، ومن ثم فهي قابلة للتغيير والتبديل والتعديل والإلغاء إذا ما اقتضت أهواؤهم ورغباتهم ذلك. أما الأحكام الشرعية في هذا المجال فتجمع بين عنصري الثبات المتمثل في مجموعة المبادئ الثابتة التي لا يمكن مخالفتها فهي دائمة إلى الأبد لا تخضع لرغبات وأهواء الحكام أو المحكومين ويستفاد ذلك من النص عليها في القرآن الكريم وصحيح السنة النبوية، وعنصر المرونة والمتمثل في التفاصيل والجزئيات السنة النبوية، وعنصر المرونة والمتمثل في التفاصيل والجزئيات السنة النبوية، وعنصر المرونة والمتمثل في التفاصيل والجزئيات والذي تسرى عليه سنة التبديل والتغيير، لكن ليس وفقاً للأهواء إنما وفق مقاصد الشرع وضوابطه وعلى الوجه الذي تتحقق معه المصلحة العامة للأمة.

المبحث الخامس

استقلالية النظام السياسي في الإسلام

سمة أخرى من السمات التي يتسم بها النظام السياسي في الإسلام وميزة تميزه عن غيره من سائر أنظمة الحكم والسياسة الوضعية وهي استقلاليته، فهو نظام مستقل، له مصادره ومرجعيته الخاصة التي يستقى منها أحكامه – على نحو ما تبين – وتتمثل في التشريع الإسلامي نصاً أو استنباطاً. فيشمل القرآن الكريم والسنة النبوية وما يستنبط من خلالهما وفى ضوئهما من الأحكام، بناء على القواعد الكلية والمبادئ العامة ومقاصد التشريع الإسلامي.

وهذا من شأنه أن يحقق للنظام السياسي الإسلامي قدراً من المرونة والحيوية تمكنه من ملاحقة التطورات، وتلبية حاجات ومقتضيات النظم الحديثة، وتحقيق رغبات الأمة في التقدم والازدهار.

ويجعل من النظام السياسي الإسلامي نظاماً مستقلاً متفرداً له خصوصيته وتميزه، لا مكان فيه لمثل تلك المذاهب الفكرية، والفلسفات والمبادئ المختلفة التي تخالف الإسلام، نحو العلمانية والليبرالية، وغيرها من هذه المذاهب، التي لا ينبغي قبولها أو تبني نظام للحكم والسياسة من خلال مبادئها وأفكارها، وليست الأمة بحاجة إلى شيء من ذلك، في ظل شمول التشريع الإسلامي وكفايته.

فضلاً عن أن الاعتماد على مثل هذه المذاهب، أو قبولها، أو حتى مجرد الدعوة إلى ذلك يسهم بشكل كبير في دعم ما يسمي بالتغريب، بمعني صبغ حياة المسلمين بالأسلوب الغربي بقصد إلغاء شخصيتهم المستقلة وخصائصهم المتفردة، ليكونوا أسرى التبعية الكاملة للحضارة الغربية، كما يتضمن أيضاً معني التغييب، أي تغييب الدين عن أهله وعن مجتمعاتهم، وذلك بإجبارهم على الأخذ بمبدأ فصل الدين عن الدولة، والتقليد الأعمى للحضارة الغربية المادية وذلك عبر وسائل متعددة لتحقيق ذلك، كتغريب مناهج التعليم ووسائل الإعلام، وتربية زعامات علمانية تقود الأمة بعيداً عن الإسلام، تحريض المرأة على التمرد على الإسلام وأحكامه – من حيث كونها قوام الأسرة ومن ثم المجتمعات – وفرض النظم والقوانين الوضعية بالقوة وهكذا، ونشر المذاهب اللادينية والشعارات الهدامة([99]).

وإذا نظرنا إلى كل من العلمانية والليبرالية، من حيث معني كل منهما، وما يقتضيه هذا المعني من آثار، ومن حيث الأسباب والظروف التي أدت إلى ظهورهما، ودواعي اعتناقهما فكراً ومنهجاً ونظماً، لسلمنا يقينا بأنها لا تصلح لمجتمعاتنا الإسلامية ولتأكدنا أننا لسنا بحاجة إلى ذلك بالفعل، ويتضح ذلك من خلال تلك الكلمة الموجزة عن كل من العلمانية، والليبرالية فيما يلي:

أولاً: العلمانية:

العلمانية مصطلح غربي جديد – ترجمته الحرفية تعني: اللاديني أو غير عقدي، ومن ثم كانت العلمانية تعني اللادينية، أو الدنيوية.

معناها، فصل الدين عن الحكم عند البعض، وتعني فصل الدين عن الحياة عند البعض الآخر، وفى كلا المعنيين يراد بالعلمانية إقصاء الدين عن الحكم والحياة العامة([100]). فهي دعوة إلى إقامة الحياة على العلم الوضعي والعقل ومراعاة المصلحة بعيداً عن الدين وتعني في جانبها السياسي تحديداً اللادينية في الحكم، وهي كلمة لا صلة لها بكلمة العلم الوضعي، ومدلول العلمانية المتفق عليه يعني عزل الدين عن الدولة وحياة المجتمع. أو فصل الدين والمعتقدات الدينية عن السياسة والحياة العامة، وهي مشتقة من الكلمة علم([101]) وعلى ذلك، فالدين في النظر العلماني ينتهي عندما يخرج الفرد من دار العبادة.

وجاء أيضاً في تعريف العلمانية ما ترجمته : “العلمانية: رؤية للحياة أو أي محدد يعتمد أساساً على أنه يجب استبعاد الدين وكل الاعتبارات الدينية وتجاهلها، ومن ثم فهي نظام أخلاقي اجتماعي يعتمد على قانون يقول بأن المستويات الأخلاقية والسلوكيات الاجتماعية يجب أن تحدد من خلال الرجوع إلى الحياة المعاشة والرفاهية الاجتماعية دون الرجوع إلى الدين([102]).

وبذلك يتضح تعارض العلمانية مع الدين – أي دين – ورفضها التعايش مع كل ما هو ديني، فكأن التعبير الشائع في الكتب الإسلامية المعاصرة هو فصل الدين عن الدولة، وهو في الحقيقة لا يعطي المدلول الكامل للعلمانية الذي ينطبق على الأفراد وعلى السلوك الذي قد لا يكون له صلة بالدين، ولو قيل إنها: “فصل الدين عن الحياة” لكان أصوب، ومن ثم، فإن المدلول الصحيح للعلمانية هو: “إقامة الحياة على غير الدين”.

هذا عن معني العلمانية، أما عن ظروف نشأتها وأسبابها، فقد نشأت العلمانية في البلاد الأوربية النصرانية، وذلك بسبب استبداد رجال الكنيسة وجبروتهم في السيطرة على الدولة، وظلم الناس فيها باسم الدين، ومحاربة التطور والحداثة والعلم باسم الدين، عند ما يتصادم ذلك مع أهوائهم ومصالحهم أو يهدد سيطرتهم، فيطلقون على المخالفين لهم أوصاف الكفر والفسق والفجور والعداء للدين، خشية أن ينفلت منهم زمام السيطرة على المجتمع كلما ظهرت نظرية علمية تخالف ما كان قد كرسه رجال الكنيسة في أذهان الناس من مفاهيم باجتهادهم الخاص، أعطوا هذه المفاهيم ضرباً من القداسة وألصقوها بالدين، هذا بالإضافة إلى ابتزاز رجال الكنيسة أموال الناس وإخضاع رقابهم لسلطان الكنيسة، وهكذا فأوقع رجال الكنيسة الناس في ضيق عظيم وحرج شديد.

ومن ثم انفجرت الثورة ضدهم بكل قوة بعد أن كفر الناس بالكنيسة ورجالها فأطاحوا بسلطان رجال الكنيسة، وأقصوها عن الحياة العامة. فمنهم من أقصاهم مع الدين عن الحياة جملة وتفصيلاً، ومنهم من أقصوا الدين عن الحياة العامة في الحكم والسياسة، أي أن الثورة الفرنسية هي أول انتفاضة علمانية ضد استبداد رجال الكنيسة، ثم انتشرت الظاهرة في سائر البلاد الأوربية الشرقية منها والغربية ثم انتقلت منها إلى البلاد الإسلامية، وتغلغلت في العالم الإسلامي بقوة من خلال وسائل الإعلام ومناهج التعليم حتى انحصر الإسلام في المساجد والعبادات فحسب، وتم إقصاؤه عن الحياة السياسية والاقتصادية والعقوبات الجزائية، ولم يبق للإسلام في أجهزة الحكم سوى أحكام الأسرة والأحوال الشخصية، وجيء بدلاً عنه – الإسلام – بالقوانين الغربية. وصحب ذلك بالطبع في المجتمعات الإسلامية معني الابتعاد عن الدين في التوجيه وفى التربية، وفى التشريع، وفى نظام الحكم، وأصبح يفهم من هذا المصطلح ذلك الاتجاه الإنساني المستقل عن السلطة الدينية أو عن إتباع علماء المسلمين([103]).

ومن خلال ما تبين من معني العلمانية وما يقتضيه من ضرورة البعد عن الدين، والإيمان المطلق بالمادة وبما يحس ويشاهده فقط وإنكار ما رواء ذلك من أمور غيبية، وتقديس للعمل التجريبي كمصدر للمعرفة والتعرف على الحقائق ومعاداة الدين وإبعاده عن مجالات الحياة المختلفة وغير ذلك من المبادئ التي يقوم عليها الفكر العلماني، وكذلك ما تبين من أسباب نشأتها وظهورها يتأكد لنا أن هذا الفكر لا يصلح ولا يمكن قبوله في مجتمعاتنا الإسلامية، ويتأكد ذلك أيضاً من وجوه أهمها ما يلي:

أولاً: إذا كان الفكر العلماني نشأ في شكل انتفاضة وتمرد على الكنيسة ورجالها وتعسفهم وظلمهم وجبروتهم باسم الدين، وحيث تحولت النصرانية المحرفة عن الدين بمعتقدات خرافية عائقاً أمام العلم والفكر، وقيداً على الحريات، فإن ذلك مفتقد في الإسلام ما يسمي بالكهنوت أو رجال الدين بهذا الشكل من القسوة والعنف وإنكار العلم ودوره العظيم في التقديم وبناء الحضارات، فالإسلام المعتدل الصحيح يقدر العقل ويحترم العلم ويقدر الحريات ويصونها ويجعل العلاقة مباشرة بين العبد وخالقه سبحانه وتعالي.

وعلى ذلك فلئن كان ذلك مبرراً لظهور العلمانية في المجتمعات الأوربية الشرقية والغربية فإن ذلك مفتقد في ظل التشريع الإسلامي.

ثانياً: إن التشريع الإسلامي يتضمن منهجاً شاملاً يغطي أوجه الحياة المختلفة ويفي بحاجاتها، ويحتوى على تنظيم دقيق محكم لكافة العلاقات التي يتصور وجودها من علاقات بين الأفراد وبينهم وبين مجتمعهم، وهكذا، على نحو ما بينا في التمهيد لهذه الدراسة([104]) وذلك على العكس من الشرائع الأخرى، فهي لا تحتوى على هذا التنظيم المتكامل خلقياً، وسياسياً، واجتماعياً واقتصادياً … الخز ومن ثم فإن الأمة الإسلامية ليست بحاجة إلى عون ولا مدد من مذاهب فكرية، ومبادئ خارج الإسلام، لأن الإسلام يتضمن كل شيء.، يحتاج إليه المجتمعات في سبيل تقدمها وازدهارها، وخير شاهد على ذلك تاريخ الدولة الإسلامية وسيادتها للعالم لعدة قرون في فترة كانت أوربا والعالم كله يتخبط في ظلام الجهل والخرافات.

ثالثاً: ولعل أهم ما يؤكد على عدم حاجة الأمة الإسلامية إلى ا لمذاهب والأفكار العلمانية، بل ويُحرم ذلك على الأمة، هو أن الإسلام كل لا يتجزأ، فأحكام الإسلام كلها ملزمة – على اختلاف درجاتها وأنواعها – بمعني أنه من غير المقبول أن نأخذ بعض الأحكام ونترك الآخر وفى ذلك يقول الله تعالى (قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيَايَ ومَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ)([105]).

فحياة المسلمين لابد أن تكون كلها وفق أحكام الإسلام عقيدة، وأخلاق وعبادات ومعاملات، وتشريعات، وعلاقات مختلفة، لأن الإسلام كما قلنا كل لا يتجزأ، ولذلك نعى الله سبحانه على بني إسرائيل حين رفضوا بعض أحكام كتبهم في قوله تعالي: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتَابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إلاَّ خِزْيٌ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ويَوْمَ القِيَامَةِ يُرَدُّونَ إلَى أَشَدِّ العَذَابِ ومَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) ([106]).

وعلى ذلك فلا مكان للعلمانية في فكر الأمة الإسلامية، فليس من المقبول من المسلم – فرداً أو جماعة أو أمة – أن يؤمن بالله ويعتقد بوجوده ويؤمن بكتبه ورسله، ثم يحتكم إلى غير شرعه، مهما كانت درجة عباداته من صلاة وزكاة وصيام وحج إلى غير ذلك من سائر أعمال الطاعات. بل يلزم أن يقيم العقيدة والشريعة، الدين والحياة، فلا حياة للمسلمين في غير دينهم الحنيف في كل مجالات حياتهم سياسية واقتصادية واجتماعية وقضائية وغيرها.

ثانياً: الليبرالية:

وهي كذلك من المذاهب الفكرية التي تنافي صحيح الإسلام. وكلمة الليبرالية كلمة غير عربية ترجمة لكلمة “الحرية” وتعني التحررية، ويقال : إنها من الكلمة اللاتينية ليبر أي: “حر”.

والليبرالية كمصطلح (إيدلوجية وفلسفة سياسية وفكرية واقتصادية تعتبر الحرية قيمتها الرئيسية) وهي مذهب فكري يركز على الحرية الفردية ويرى وجوب احترام استقلال الأفراد، ويعتقد أن الوظيفة الأساسية للدولة هي حماية حريات المواطنين، مثل حرية التفكير والتعبير والملكية الخاصة والحرية الشخصية وغيرها، ويقوم هذا المذهب على أساس علماني يعظم الإنسان ويرى أنه مستقل بذاته في إدراك احتياجاته([107]).

v والليبرالية مذهب غربي ظهر في عصر النهضة الأوربية في القرن الخامس عشر الميلادي، وقد نشأ في ظروف غير طبيعية فجأة رده فعل لها، وكان ظهوره في أول الأمر متجهاً إلى التحرير من قيود الدين والنظم الاقتصادية والسياسية الصارمة للإقطاع والملكية، ولكنه لم يكن واعياً بذاته منذ البداية، بل أخذ تشكيله زمناً طويلاً، وتنوعت صورة في كل فترة حسب ظروفها وطبيعتها، ثم تبلور بعد ذلك وأصبح له أسس فكرية عامة. والليبرالية الجديدة هي الأساس الفكري الذي قامت عليه فكرة العولمة في أقسي صورها.

v فهناك ارتباط وثيق بين الليبرالية والعلمانية من حيث النشأة إذ أن الليبرالية نشأت كرد فعل لمظالم الكنيسة والإقطاع في أوربا، وكانت وراء الثورات الكبرى في العالم الغربي، وتعتبر مصطلحاً غامضاً لأن معناها وتأكيداتها تبدلت بصورة ملحوظة بمرور السنين.

v وأهم مبادئها هي الحرية، والفردية والعقلانية والتسامح، لكن الحرية في هذا النظر حرية مطلقة لا تقيدها قيود، والتي من خلالها يسعي الفرد لتحقيق مصلحته الذاتية، فالليبرالية هي الحرية المطلقة. وكذلك فإن الفردية وفقاً لهذا المذهب تعني التركيز على أهمية الفرد، وتحرره من أي سيطرة أو استبداد، فلا تقبل الليبرالية تسلط الدولة بل وتعتبره استبداداً سياسياً ولا تقبل تسلط الجماعة وتراه استبداداً اجتماعياً. فهي تصل إلى حد الأنانية وحب الذات والعقلانية تعني استقلال العقل البشري بإدراك مصالح الفرد والمنافع بدون وصاية من السلطة الدينية أي الاعتماد على العقل وتحييد الدين واستبعاده([108]).

وإذا كان الفكر الليبرالي ظهر في أوربا كما أشرنا إلا أن البلاد الإسلامية لم تسلم منه ومن آثاره، فقد عانت من هذا الفكر سواء بفقد حريتها في صياغة أنظمتها بما تقتضيه مصالحها وفق المنهج الرباني الذي تدين لله تعالي به، أو بوجود فئات مدعومة من الدول الكبرى تصنع أنظمة البلاد الإسلامية بما ينافي دينها ومصالح شعوبها.

وقد تسلل الفكر الليبرالي إلى العالم الإسلامي من خلال عوامل كثيرة أدت إلى ذلك وهي : الانحراف العقدي بصورة المتعددة وهو السبب المباشر في ضعف الأمة الإسلامية وتخلفها وانحطاطها، وتراجعها في القرون المتأخرة، والاستبداد السياسي، والإنفراد بالسلطة، والسيطرة التامة على مقاليد الدولة واغتصابها من الأمة دون رضا منهم أو مشورة، وهذا ما فتح أبواب الظلم والفساد وضروب العدوان .، والجمود والتقليد، ثم الاستعمار أو القوى الاستعمارية. ([109])، فلقد كان للاستعمار جهوداً كبيرة في فرض الليبرالية في العالم الإسلامي تمثلت فيما يلي:

  1. إلغاء الحكم بالشريعة الإسلامية، وإحلال القوانين الوضعية محلها.
  2. القضاء على التعليم الإسلامي، وتغيير مناهجه وبناء المدارس الأجنبية والمدارس التنصيرية في بلاد المسلمين بغرض التأثير على أبناء المسلمين ليسهل تقبل الأفكار الليبرالية.
  3. القيام بإبراز الطوائف والذاهب غير الإسلامية باسم حقوق الأقليات وهذا العمل يبدو من ظاهرة حماية الحريات ونبذ الطائفية والتعصب ولكن باطنه إبراز هذه الطوائف، وإضعاف الروح الدينية في المجتمع الإسلامي.
  4. تكوين جيل بل أجيال تحمل الفكر الليبرالي من أبناء المسلمين.

وبذلك ظهر الفكر الليبرالي في العالم الإسلامي واتخذ مظاهر في مجالات شتى منها: الحكم والسياسة، والمال والاقتصاد وغير ذلك كثير من المجالات([110]).

ومن خلال هذه الكلمة الموجزة عن مفهوم الليبرالية، وظروف نشأتها، وأهم مبادئها يتبين أنها تخالف الإسلام وأحكامه، وبالتالي لا تصلح لتبني أفكارها ومبادئها لإقامة نظام سياسي، فهي وإن بدت بصورة مثالية من حيث مبادئها وهي الحرية والفردية والعقلانية، وإفشاء روح التسامح، فهو من إلباس الحق بالباطل، أو هو حق أريد به باطل. ذلك لأن الحرية في أصل نشأتها إسلامية، وهي حرية عاقلة، حرية راشدة مسئولة، لا حرية مطلقة، فالحرية المطلقة لا تجد لها مجال في عالم الإنسان، لأن الحرية المطلقة ما هي إلا فوضى، فهي تقدس الحرية، وتهدر كل ما يقيدها أو يجد منها، حتى ولو كان الدين أو التشريع، كما تتذرع بالفردية وتقديس الفرد والتأكيد على حرياته، مما يعوده ويربيه على التمرد والأنانية الممقوتة، وإن الفرد في الإسلام إلا عضو في مجتمع يُربي على تحمل الالتزامات والواجبات كحرصه على نيل حقوقه وحرياته، ولا ننسي أن الإسلام هو من كرم الإنسان وأعلى قدره وشأن، وصان حقوقه على اختلاف أنواعها، وقد أثبت القرآن الكريم ذلك بقوله تعالي: (ولَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ والْبَحْرِ ورَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً)([111]). فالإنسان مُكرم في الإسلام بمظاهر عديدة لهذا التكريم. ولكن هذا التكريم لا يعني إطلاق الحريات إلى حد يصل إلى الفرضي، وإلى تحكيم العقل المجرد في كل شيء، فالإسلام كذلك احترام العقل وأعلى شأنه بل جعله مناط التكليف في الإنسان فلا تكليف على من لا يعقل ومن ثم كان العقل من أعظم نعم الله تعالي على خلقه فبه فضلهم على سائر خلقه، ولكن أن يكون العقل هو مصدر السلطات، وأساس الحريات كما تنادى هذه المذاهب الفوضوية فإن ذلك يخالف الفطرة السليمة، فضلاً عن كونه يعارض سنن الكون ويعارض صحيح الدين، ولقد كان من آثار تقديس الحريات، والفردية، والعقلانية في هذا النظر الليبرالي المنصرف أن نرى التحرر الخلقي والسلوكي حيث لا قيد على حرية ولا ضابط لفكر أو سلوك ومن ثم كانت المطالبة بإباحة الشذوذ، وإباحة زواج المثل في تلك الحضارات التي تدّعى الرقي، والتي يلهث ورائها من أمتنا من يفضلون هذا التحلل والتحرر الأخلاقي والديني على ضوابط الفضيلة ومكارم الأخلاق المستمدة من الإسلام الحنيف.

فإذا كانت نريد حيات حقيقية مسؤولة تصان في ظلها الحقوق وتحترم الالتزامات، وإذا كنا بحاجة إلى فرد يسهم في بناء حضارة إنسانية راقية، وإذا كنا نطمح ونتطلع إلى إشاعة روح التسامح والتوادّ في مجتمعاتنا فعلينا بالإسلام، وأحكام الإسلام الراقية الملائمة للطبائع البشرية السوية السليمة، والملائكة للكون وما فيه بصفه عامة.

ومن ثم، فلا مكان في الإسلام للفكر الليبرالي الذي يبدو من ظاهرة الرحمن، وباطنه من قبله العذاب والهوان.

فهذا الفكر مبني على أساس مادي بحت لا يرتبط بقيم ولا أخلاق، فالأنانية المفرطة، وإتباع الهوى المجرد، وما يترتب عليها هي أمور محمودة في هذا الفكر، من حيث كونها تحقق لذاتية الإنسان وفرديته، محمودة في هذا الفكر، من حيث كونها تحقق لذاتية الإنسان وفرديته، وهذا ما أوصل المجتمع إلى هذه الأنماط السيئة غير الأخلاقية في التعامل والسلوك.

إن الليبرالية في أبسط وصف لها هي إتباع تام للهوي والرغبة وإيثار للدنيا وحطامها الفاني([112]). ولقد قال الله تعالي: (فَإن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ومَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ)([113]). وقال الله تعالي أيضاً: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ وأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ)([114]).

ونخلص مما سبق ومن خلال تلك الكلمة الموجزة عن كل من العلمانية والليبرالية أنه لا مكان لهذا الفكر أو غيره من المذاهب والأفكار التي تخالف أحكام الإسلام، في المجتمعات الإسلامية، ولا ينبغي للأمة أن تعتمد على مثل هذه المذاهب الفكرية في بناء نظام للحكم والسياسة ولا لغير ذلك.

كما يتضح أن النظام السياسي الإسلامي نظام مستقل له خصوصيته وتميزه، فهو نظام إسلامي، يجعل من الدول في ظله دولة إسلامية، وسيطة معتدلة تحترم فيها الحقوق والواجبات، وتصان الأنفس والأمور والأعراض، وفيها يحكم الشعب نفسه بنفسه وفق شرع الله تعالي. لا وفق مبادئ الديمقراطية الحديثة التي تجعل الحكم للشعب، وتجعل الشعب هو وحده مصدر السلطات، ومصدر الحقوق وهكذا إنما الشعب وفق شريعة الإسلام يحكم نفسه وفق أحكم الإسلام، ومصدر السلطات ومصدر التشريعات هو الله سبحانه وتعالي من خلال هذا النبع المتدفق الوارف الظلال الذي تسع بما يحتوى من النصوص، والآثار والقواعد والمبادئ والمقاصد السامية النبيلة لاستيعاب كافة متطلبات الحياة، وتلبية مطالب الشعوب وتحقيق آمالهم وأمانيهم في العيش في تقدم وازدهار، فالدولة في المفهوم الإسلامي دولة حديثة متطورة بمرجعية إسلامية خالصة، لا ديني، ولا علمانية، ولا ليبرالية.

المبحث السادس

إنسانية النظام السياسي في الإسلام

بقى أن نبين آخراً أن سياسة الدولة الإسلامية أو نظام الحكم في الإسلام يتميز بالجانب الإنساني، فالسياسة في الإسلام إنسانية، ترمي إلى  خير الشعوب ورفاهيتها روحياً ومادياً ولا ترمي إلى تسليط شعب على شعب، كما هي سياسة الدول الكبرى في الوقت الحاضر مع الزعم الكاذب أن مقصدها خير الشعوب، ومحاولة القضاء على استعباد الناس بعضهم بعضاً. إنما تقوم سياستها على العصبيات القومية والدينية والتمييز بين الوطنيين، والأجانب، والأسود، والأبيض، وما إلى ذلك من مساوئ. أما سياسة الإسلام فهي سياسة رشيدة صريحة تقصد إلى خير الناس دو التواء أو خداع، لا تعتنق المهب القائل – الغاية تبرر الوسيلة – وإنما هي عادلة تستلك المنهج المشرع في الوصول إلى الغايات. فبالحق تصل إلى الحق، وتدعو إلى الحق، وقد جرى النبي – صلي الله عليه وسلم – على هذه السياسة العادلة، وانتهج نهجه – بعد وفاته – الخلفاء الراشدون، فكانت سياسته الداخلية والخارجية واضحتين صريحتين في مدلوليهما، تهدفان إلى خير الناس وإشاعة الأمن والسلام للجميع بلا تمييز([115]).

يقول الله تعالي (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ والْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ …)([116]). فإن الله سبحانه أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به الأرض والسماوات، فإن ظهرت أمارات العدل، وأسفر وجهه بأي طريق كان فثم شرع الله ودينه، والله سبحانه أعلم وأحكم … فقد بين سبحانه بما شرعه من الطرق أن مقصود إقامة العدل بين عباده وقيام الناس بالقسط فأي طريق استخرج بها العدل فهي من الدين، ليست مخالفة له([117]).

فمهمة الرسل جميعاً وخاتمهم نبينا محمد – صلي الله عليه وسلم – والرسالات والشرائع جميعها وآخرها وأكملها رسالة الإسلام هي إقامة القسط والعدل بين الناس، فالإسلام وضع أسس السياسة العادلة التي تخرج الحق من الظالم وتدفع الظلم عن المظلومين وتردع أهل الفساد، ويتوصل بها إلى المقاصد الشرعية من حفظ للدين، والنفس، والمال، والعقل، والنسل.

يقول الإمام ابن فرحون في كتاب تبصره الحكام: “… وتوهموا أن السياسة الشرعية قاصرة عن سياسة الخلق ومصلحة الأمة وهو جهل وغلط فاحش، فقد قال عز من قائل (اليوم أكملت لكم دينكم …) ([118])، فدخل في هذا جميع مصالح العباد الدينية والدنيوية على وجه الكمال”([119]).

ويقول الإمام ابن القيم: “ومن له ذوق في الشريعة وإطلاع على كمالها وتضمنها لغاية مصالح العباد في المعاش والمعاد، ومجيئها بغاية العدل الذي يفضل بين الخلائق، وأنه لا عدل فوق عدلها ولا مصلحة فوق ما تضمنته من المصالح تبين له أن السياسة العادلة جزء من أجزائها وفرع من فروعها، وأن من له معرفة بمقاصدها ووضعها وحسن فهمه فيها: لم يحتج معها إلى سياسة غيرها البتة.

فإن السياسة نوعان: سياسة ظالمة فالشريعة تحرمها، وسياسة عادلة تخرج الحق من الظالم الفاجر فهي من الشريعة …” ([120]).

الفصل الثالث

مصادر الأحكام المتعلقة بنظام الحكم في الإسلام أو

“أدلتها”

تمهيد:

أشرنا فيما سبق إلى أن الأحكام المتعلقة بنظام الحكم والسياسة لم يرد بشأنها نصوص تفصيلية في القرآن الكريم والسنة النبوية لتحدد التفصيلات الأخرى كالعبادات من صلاة، وزكاة، وصوم وحج. وبعض مسائل الأحوال الشخصية – أحكام الأسرة – وبعض الأحكام المتعلقة بالقانون الجنائي، مثل وصف بعض الأفعال بالتجريم، وتحديد عقوباتها، كالحدود، وهي تلك العقوبات المحددة على أفعال محددة، مثل حد القتل، والزنا، والسرقة، والقذف، والشرب، والحرابة، وهكذا.

ومرد ذلك في الواقع هو أن مسائل الحكم والسياسة والدولة من المسائل التي تتغير وتختلف باختلاف البيئات والأحوال وتتطور بتطور المصالح.

ولذلك كانت القاعدة الفقهية التي أشرنا إليها سابقاً : ” لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان” أي أن الأحكام المبنية على مصالح وأعراف معينة وأحوال محددة تتغير بتغير وجه المصلحة زماناً ومكاناً، وهذا المبدأ – مبدأ تغير الأحكام – تؤيده أصول التشريع ومقاصده العامة. ذلك أن الأحكام شرعها الله تعالي لتحقيق مصالح العباد، فحيث توجد المصلحة فثم شرع الله تعالي.

فالتشريع الذي تلائم أحكامه أمة ويتفق ومصالحها قد لا تلائم أحكامه أمة أخرى، بل ويعارض مصالحها بل إن التشريع قد تتلاءم أحكامه لأمة ويتفق مع مصالحها في فترة زمنية معينة، وقد لا تكون كذلك في فترة أخرى. ومن ثم جاز تغيير بعض الأحكام.

والواقع أن أحكام المسائل المتعلقة بنظام الحكم والسياسة من قبيل هذه الأحكام التي تقبل التغيير بتغير المصلحة والأحوال زماناً ومكاناً. يقول الإمام ابن القيم في هذا الصدد: “إذا عرف هذا فعموم الولايات وخصوصها … يتلقى من الألفاظ والأحوال والعرف، وليس لذلك حد في الشرع، فقد يدخل في ولاية القضاء في بعض الأزمنة والأمكنة ما يدخل في ولاية الحرب في زمان ومكان آخر، وبالعكس … فمن عدل في ولاية من هذه الولايات وساسها بعلم وعدل وأطاع الله ورسوله بحسب الإمكان فهو من الأبرار العادلين ومن حكم فيها بجهل وظلم فهو من الظالمين المعتدين …”([121]).

فيفهم من ذلك أن الأحكام السياسة تتغير حسب الظروف والأحوال والأعراف، وهذه الأحكام الاجتهادية إنما تكون من قبل السلطان أو الوالي أو ولي الأمر بتصرف فيها حسب المصلحة في حينها([122]). وذلك – بالطبع – على عكس الأحكام الشرعية الأخرى والتي لا تخضع لسنة التغيير، ولذا تبقى علي حالها وعلى النحو الذي جددته النصوص الشرعية ولذا تبقى علي حالها وعلى النحو الذي جددته النصوص الشرعية المتضمنة أحكامها.

وبناء على ذلك، اكتفت النصوص الشرعية بالنص على مجموعة من المبادئ الأساسية العامة والجوهرية، الثابتة، والقواعد الكلية التي يبني عليها نظام الحكم في الإسلام، بحيث يفقد النظام صبغته الإسلامية إذا تضمن ما يخالفها، تجاهلها كأسس ودعائم يرتكز عليها، بغض النظر عن تفصيلاته هذا النظام وجزئياته والتي سكتت عنها النصوص لتكون كل أمة في سعة من أن تراعي فيها مصالحها الخاصة وما يقتضيه حالها. نظراً لقابليتها للتغيير وعدم البات على حال.

وفى هذا الفصل من الدراسة نتناول أهم هذه المصادر من النص الشرعي أولاً- قرآناً وسنة نبوية – ثم من الآثار الواردة عن الصحابة والخفاء في هذا الشأن وذلك من خلال ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: القرآن الكريم.

المبحث الثاني: السنة النبوية.

المبحث الثالث: الآثار الواردة عن الصحابة والخلفاء.

المبحث الأول

الأدلة من القرآن الكريم

فالقرآن الكريم وهو المصدر الأول للتشريع لم يفصل نظاماً محدداً لشكل الدولة والحكومة، ولا لتنظيم سلطاتها، ولا لاختيار أهل الحل والعقد فيها([123]). إنما اكتفى بالنص على الدعائم الثابتة التي ينبغي أن تعتمد عليها نظم كل حكومة عادلة ولا تختلف فيها أمة عن أمة، فقرر مبادئ العدل، والشورى والمساواة، وضمان الحقوق والحريات، وسيادة القانون([124]).

ولذلك يقول الإمام ابن تيمية في تقديمه لكتاب السياسة الشرعية : “أما بعد: فهذه رسالة مختصرة فيها جوامع السياسة الإلهية والآيات النبوية لا يستغني عنها الراعي والرعية اقتضاها من أوجب الله نصحه من ولاة الأمور كما قال – صلي الله عليه وسلم – أن الله يرضى لكم ثلاثاً : أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاة الله أمركم، وهذه الرسالة مبنية على آيتين من كتاب الله تعالي وهما قول الله تعالي (إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا …)، وقوله تعالي (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا )([125]).

وسنذكر هاتين الآيتين تفصيلاً بعد ذلك.

وعلى ذلك: ففي شئون الحكم والدولة والسياسة ليس من المحتم لعد السياسة شرعية عادلة أن يوجد لكل جزئية من أجزائها نص خاص يبين حكمها وتفصيلها من القرآن الكريم أو السنة النبوية كالنص على شكل محدد للدولة أو طريقة اختيار الحاكم وأعوانه، واختيار أهل الشورى أو الحل والعد … وهكذا، لأن ذلك فيه تضييق على الأمة وإيقاعها في الحرج والمشقة وهما مرفوعان من التشريع الإسلامي. إنما للأمة أن تتخذ بكل ما من شأنه تحقيق المصالح ودراً المفاسد في أي شأن من شئون الدولة ما دام لا يتعدى حدود الشريعة ولا يخرج عن قوانينها العامة، فلكي تكون السياسة عادلة ليس بالضرورة أن ينطق بها الشرع، أي لا تخالف ما نطق به.

ولذلكرأينا في تعريفات الفقهاء للسياسة الشرعية من عرفها بأنها: “هي فعل شيء من الحاكم لمصلحة يراها وإن لم يرد بذلك الفعل دليل جزئي”.

ويقول الإمام ابن القيم: “قال الشافعي : لا سياسة إلا ما وافق الشرع”. فقال ابن عقيل : السياسة ما كان فعلاً يكون معه الناس أرقب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول – صلي الله عليه وسلم – ولا نزل به وحي. فإن أردت بقولك ” إلا ما وافق الشرع” أي لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيح، وإن أردت : لا سياسة إلا ما نطق به الشرع فغلط، وتغليط للصحابة، فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل والتمثيل ما لا يجحده عالم بالسنن، ولو لم يكن إلا تحريق عثمان – رضي الله عنه – المصاحف([126])، فإنه كان رأياً اعتمدوا فيه على مصلحة الأمة. وتحريق على – رضي الله عنه – الزنادقة في الأخاديد فقال:

لما رأيت الأمر أمراً منكراً

أججت ناراً ودعوت قنبراً([127]).

ونفى عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – لنصر بن الحجاج([128]).

وهذا موضع مزلة قدم أفهام … فرط فيه طائفة فعطلوا الحدود، وضيعوا الحقوق، وجرؤ أهل الفجور على الفساد وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد محتاجة إلى غيرها، وسدوا على أنفسهم طرقاً صحيحة من طرق معرفة الحق والتنفيذ له وعطلوها مع علمهم أنها حق مطابق للواقع ظناً منهم منافاتها لقواعد الشرع، ولعمر الله إنها لم تناف ما جاء به الرسول – صلي الله عليه وسلم – وإن نفت ما فهموه هم من شريعته باجتهادهم، والذي أوجب لهم ذلك نوع تقصير في معرفة الواقع وتنزيل أحدهما على الآخر … فإن الله سبحانه أرسل الرسل وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط وهو العدل الذي قامت به الأرض والسماوات … بل قد بين سبحانه بما شرعه من الطرق أن مقصوده العدل بين عبادة وقيام الناس بالقسط، فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين، ليست مخالفة له”([129]).

فكأن الفقهاء أرادوا التوسعة على الحكام في أمور السياسة وعدم إلزامهم بالوقوف عند النصوص دون مراعاة المصالح العامة للأمة.

يقول الإمام القرافي: “وأعلم أن التوسعة على الحكام في الأحكام السياسية ليس مخالفاً للشرع، بل تشهد له الأدلة المتقدمة، وتشهد له أيضاً القواعد من وجوه.

أحدها: أن الفساد قد كثر وانتشر، بخلاف العصر الأول ومقتضي ذلك اختلاف الأحكام بحيث لا تخرج عن الشرع بالكلية لقوله – صلي الله عليه وسلم – “لا ضرر ولا ضرار” وترك هذه القوانين يؤدي إلى الضرر … ويؤكد ذلك جميع النصوص الواردة بنفي الحرج.

وثانيها : المصلحة المرسلة، قال بها مالك – رضي الله عنه – وجمع من العلماء، وهي المصلحة التي لا يشهد الشرع باعتبارها ولا بإلغائها ويؤكد العمل بالمصالح المرسلة أن الصحابة – رضي الله عنه – عملوا أموراً لمطلق المصلحة لا لتقدم شاهد بالاعتبار نحو كتابة المصحف ولم يتقدم فيه أمراً ولا تسطير ولاية العهد من أبي بكر لعمر – رضي الله عنه – ولم يتقدم فيهما أمر ولا تسطير. كذلك ترك الخلافة شورى بين ستة، وتدوين الدواوين، وعمل السكة واتخاذ السجن … وغير ذلك كثير جداً مما لم يتقدم فيه أمر أو نظير وإنما فعل لمطلق المصلحة.

ثالثها: أن الشرع شدد في الشهادة اكثر من الرواية لتوهم العداوة، فاشترط العدد والحرية ووسع في كثير من العقود للضرورة كالعرايا والمساقاة والقراض وغيرها من من العقود المستثناة … وإذا جاز نصب الشهود فسقة لأجل عموم الفساد جاز التوسع في الأحكام السياسية لأجل كثرة فساد الزمان وأهله … وهكذا إلى أن قال: فقد ظهر أن الأحكام والشرائع بحسب اختلاف الأزمان، وذلك لطف من الله عز وجل بعبادة وسنته الجارية في خلقه فظهر أن هذه القوانين لا تخرج عن أصول القواعد وليست بدعاً عما جاء به الشرع المكرم”([130]).

وإنما كانت التوسعة على الحكام في أمور السياسة والحكم على هذا النحو من باب التيسير على الناس ورفع الحرج والمشقة عنهم في مجال التشريع والقضاء في هذه الشئون خاصة وفى كل أحكام الشريعة ومجالاتها عامة. فأحكام السياسة الشرعية ترجع في جملتها إلى قاعدة التيسير ورفع الحرج ومبدأ الحكم بالعدل والتواصي بالخير والتعاون على الخير والبر والتقوى، وأن أمر المسلمين بينهم شورى يديرونه بما يحقق مصالحهم ويكفل سعادتهم، وهذه المبادئ محكمة مقررة دل على الاعتداد بها الكتاب والسنة، قال تعالي (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ)([131]). و(مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ ولَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ولِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)([132]).

كما أن هذه التوسعة أيضاً لها حكمة أخرى غاية في الأهمية وهي أن التشريع في أمور السياسة والحكم على هذا النحو – النص على المبادئ التي لا تتغيرن أحكام الجزئيات التي تتغير بتغير المصلحة لاجتهاد علماء الأمة من كل عصر – يحقق للشريعة الإسلامية وللفقه الإسلامي المرونة والقابلية الأمر الذي يجعله صالحاً ومناسباً للتطبيق في كل العصور وفى كل مكان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهذا أمر منطقي حيث إن المولى عز وجل قضى بأن يكون خاتم الأنبياء نبياً الأعظم محمد – صلى الله عليه وسلم – وأن تكون رسالته خاتمة الشرائع والرسالات، فلا نبي بعده – صلى الله عليه وسلم – ولا شريعة بعد شريعته، والله غالب على أمره، ولا راد لحكمه ولا معقب لقضائه. ومن ثم كان طبيعياً ومنطقياً أن تتضمن تلك الشريعة عناصر بقائها صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان، وافية بحاجات الناس على اختلاف أنواعها،  وغاياتها إن هم أخلصوا النوايا، وأحسنوا التعامل، وقدروها حق قدرها، واجتهدوا في فهمها، واستنباط أحكام ما يواجهون من وقائع ومستجدات من خلال نصوصها ومبادئها العامة ومقاصدها السامية.

* وفى ضوء ما سبق نبين فيما يلي أهم أدلة هذه الأحكام السياسة – في نصوص القرآن الكريم، والسنة النبوية، والآثار المروية عن الخلفاء الراشدين وأعمالهم.

والقرآن الكريم هو أساس الشريعة وأصلها الأول([133])، الكفيل بجميع علوم الشرع، أنزل الله فيه أسس الشريعة وقواعدها، وأحكامها في العقائد، والأخلاق، والعبادات، والمعاملات، بالتفصيل تارة وبالإجمال أخرى، شرح الله فيه واجبات الأحكام، وفرق فيه بين الحلال والحرام، وكرر المواعظ والقصص للإفهام، وضرب فيه الأمثال، وقص فيه غيب الأخبار، فقال تعالي(مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ) وخاطب به أولياءه ففهموا، وبين لهم فيه مراده فعملوا([134])، ولذا كان القرآن الكريم هو المصدر الأول للتشريع.

روى عن على – رضي الله عنه – أنه قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: “ستكون فتن كقطع الليل المظلم. قلت : يا رسول الله وما المخرج منها؟ قال : كتاب الله تبارك وتعالي، فيه نبأ من قبلكم، وخبر من بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغي الهدى في غيره أضله الله، هو حبل الله المتين، ونوره المبين، والذكر الحكيم، وهو الصراطك المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يمله الأتقياء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا : إنا سمعنا قرآناً عجباً. من علم علمه سبق، ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أجر، ومن دعا إليه هدي إلى صراط …”.

* وقد عرفه العلمءا بأنه : “كلام الله تعالي المنزل على سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم – باللفظ العربي، المنقول بالتواتر، المتحدى به، المتعبد بتلاوته المبدوء بسورة الفاتحة، المختوم بسورة الناس”.

وهو معجزة عقلية “معنوية لا مادية حسية، كمعجزات الأنبياء والمرسلين من قبل. مثل إبمراء الأكمة والأبرص والأبرص، وسفينة نوح، وعصا موسى وانقلابها إلى حية تسعى بأمر الله تعالي : لكن تميز القرآن عن ذلك بكونه معجزة عقلية، لأنه لو كان كغيره لانتهي بانتهاء المعجزة واقتصرت معرفته على من شاهدها وعاينها، ولما عمت معرفتها إلا على أنها خبر من الأخبار، أما المعجزة المعنوية فهي باقية خالدة تحمل معها إعجازها إلى يوم القيامة وذلك كما يتفق وعموم الشريعة وخلودها([135]).

* والقرآن الكريم قطعي الثبوت، أي لا شك في نسبته كله إلى المولى عز وجل فهو ثابت بطريق التواتر أي بالرواية المتواترة التي لا لبس فيها ولا شك إلا أن دلالته على الأحكام قد تكون قطعية – أي تدل على معني معين ومحدد لا يحتمل تأويلاً ولا يفهم معني آخر منه، وذلك عندما يكون اللفظ من قبيل الخاص الذي يدل على معني واحد على سبيل الأنفراد حيث يدل دلالة قاطعة على حكمة لعدم احتماله لمعان أخرى بل معني واحد وذلك مثل الآيات التي حددت المحرمات من النساء، وغيرها من الآيات الكريمة التي وردت بلفظ خاص لا يفهم إلا معني واحد.

وقد تكون دلالته ظنية – أي دلالة اللفظ على معني لكنه يحتمل التأويل أو صرفه عن هذا المعني إلى غيره، أو أن اللفظ يحتمل أكثر من معني – وهذا النوع هو ما يقبل الاجتهاد والاختلال بين العلماء لتحديد المراد من النص.

أدلة الأحكام المتعلقة بنظام الحكم في القرآن الكريم:

1- قوله تعالي (إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا وإذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا)([136]).

قال الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة أن فيها مسألتان : الأولى قوله تعالي: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات … هذه الآية من أمهات الأحكام تضمنت جميع الشرع.

وقد اختلف العلماء فيمن المخاطب بها. فقال البعض أنها نزلت في علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – أو خطاب لولاة المسلمين خاصة فهي للنبي – صلى الله عليه وسلم – وأمرائه من بعده، ثم تتناول من بعدهم.

وقيل : خطاب للنبي – صلى الله عليه وسلم – في أمر مفتاح الكعبة، حين أخذ من عثمان بن أبي طلحة من بني عبد الدار ومن ابن عمه شيبة وكانا كافرين وقت فتح مكة، فطلبه العباس بن عبد المطلب لتنضاف له السدانة إلى السقاية، فدخل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الكعبة فكسر ما كان فيها من الأوثان. وأخرج مقام إبراهيم ونزل عليه جبريل بهذه الآية. قال عمر – رضي الله عنه – وخرج رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهو يقرأ هذه لآية، وما كنت سمعتها من قبل، فدعا عثمان وشيبة فقال : “خذاها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم “. وقد حكم أن شيبه أراد ألا يدفع المفتاح ثم دفعه، وقال للنبي – صلى الله عليه وسلم – خذه بأمانة الله.

وقال ابن عباس – رضي الله عنه – الآية في الولاة خاصة أن يعظوا النساء في النشوز ونحوه، وبردهن إلى الأزواج.

* والأرجح في الآية أنها عامة في جميع الناس، فهي تتناول الولاة فيما وكل إليهم من الأمانات، وفى قسمة الأموال، ورد المظالم والعدل في الحكومات، وتتناول من دونهم من الناس في حفظ الودائع، والتحرز في الشهادات، وغير ذلك كالرجل يحكم في نازلة ما ونحو، والصلاة، والزكاة، وسائر العبادات أمانة الله تعالي، روى عن ابن مسعود – رضي الله عنه – أنه قال : “القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها، أو قال كل شيء إلا الأمانة”.

أي أن الخطاب في الآية الكريمة من الله تعالي إلى ولاة أمور المسلمين بأداء الأمانة إلى من ولوا أمره في فيئهم، وحقوقهم، وما ائتمنوا عليه من أمورهم بالعدل بينهم بالسوية في القضية والقسم بينهم بالسوية، فالخطاب يعم كل الأمانات وكل الأفراد بحيث تعم كل الحقوق المتعلقة بذممهم من حقوق الله تعالي وحقوق العباد، وعموم الحكم لا ينافي خصوص السبب([137]).

الثانية: قوله تعالي (وإذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) هذا خطاب للولاة والأمراء والحكام، ويدخل في ذلك المعني جميع الخلق كما ذكر في أداء الأمانات، قال – صلى الله عليه وسلم – “إن المقسطين يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم، وأهليهم، وما ولوا”.

فالآية وما يفسرها من أحاديث صحيحة تتناول الجميع حكاماً ومحكومين وكذلك العالم الحاكم لأنه إذا أفتى حكم وقضى وفصل بين الحلال والحرام والغرض والندب والصحة والفساد فجميع ذلك أمانة تؤدي وحكم يقضي”([138]).

* ففي الآية الكريمة دلالة صريحة وواضحة على أمر الحكام وولاة أمور المسلمين على اختلاف مراتبهم ومواقعهم أن يلتزموا بأداء الأمانات ومن المعلوم أن الولايات جميعها أمانات سواء أكانت ولاية عامة في أمر عام نحو رئاسة دولةن أو مؤسسة، أو وزارة وما إلى ذلك من كافة أنواع الولايات أم كانت ولاية خاصة فهي كلها أمانات تتدرج تحت حكم الآية الكريمة، كما أن في الآية أمر كذلك بإقامة العدل بين الناس. في كافة الشئون والأحوال وبخاصة في أمور الحكم بمعناه السياسي وبمعني القضاء والفصل في الخصومات كذلك وهذه من الدعائم الأساسية لنظام الحكم في الإسلام.

* ومن أداء الأمانات التي تأمر بها الآية الكريمة أن يستعمل – أي يولي – الأصلح علماً وخلقاً وقوة وأقدر على فهم ولايته وحدودها وضوابطها، فإن عُدم الأصلح فيختار الأمثل فالأمثل وهكذا في كل منصب وموضع بحسبه، فإذا فعل ولي الأمر ذلك بعد الاجتهاد التام والتحري الدقيق فقد أدى الأمانة، وإلا فقد خان.

يقول الإمام ابن تيمية، والولاية أساسها القوة والأمانة والقوة في الحكم بين الناس ترجع إلى العلم بالعدل الذي دل عليه الكتاب والسنة وإلى القوة على تنفيذ الأحكام . والأمانة ترجع إلى خشية الله تعالي وألا يشترى بآياته ثمناً قليلاً وترك خشية الناس، وهذه الخصال الثلاث التي أخذها الله على كل من حكم على الناس في قوله تعالي (فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ واخْشَوْنِ ولا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً)([139])، ولهذا قال النبي – صلى الله عليه وسلم – “القضاة ثلاثة قاضيان في النار وقاض في الجنة” … والقاضي اسم لكل من قضي بين اثنين وحكم بينهما سواء أكان خليفة أو سلطاناً، أم نائباً، أم والياً أو كان منصوباً ليقضي بالشرع أو نائباً له. والقاضي الذي لرا يحكم بالحق إما لعدم معرفته به، أو لخشيته من الحكم به من بطش حاكم أو ذوي نفوذ ونحوه وهو مذموم عاص قطعاً.

* وانطلاقاً من ذلك، فإنه يجب على ولي الأمر أن يولى على كل عمل من أعمال المسلمين أصلح من يجده لذلك العمل، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – “من ولي من أمور المسلمين شيئاً فولي رجال وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه فقد خان الله ورسوله ” وفى رواية: “من قلد رجلاً عملاً على عصابة – جماعة من الناس – وهو يجد في تلك العصابة أرضي منه فقد خان الله وخان رسول وخان المؤمنين “، رواه الحاكم في صحيحه.

فواجب على ولي الأمر البحث عن المستحقين للولايات – والوظائف العامة – من نوابه على الأمصار … والقضاة، ومن أمراء الجيس، وولاة الأمر من الوزراء … والسعاة على الخارج والصدقات، وجباية الضرائب وغير ذلك من الأموال التي للمسلمين وعلى كل واحد من هؤلاء، أن يستنيب ويستعمل أصلح من يجده … وهكذا في سائر أمور المسلمين ولا يقدم في الولايات لمجرد طلبه الولاية لنهي النبي – صلى الله عليه وسلم – عن ذلك حيث لا يولي من حرص على الولاية – كما سيأتي.

فإن عدل عن الأحق الأصلح إلى غيره لا لسبب موضوعي مقبول كأن يقدم لأجل قرابة، أو موافقة في بلد، أو مذهب أو فكر أو طريقة أو جنس، أو لرشوة بأخذها منه من مال أو منفعة أو غير ذلك من الأسباب، أو لضغن – حقد – في قلبه على الأحق أو عداوة بينهما، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين ودخل فيما نهي عنه في قوله تعالي (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وأَنتُمْ تَعْلَمُونَ)([140]).

فيجب أن يسند الأمر إلى من هو أهل له وأقدر على القيام به بناء على كفاءته لا لسبب آخر، وذلك من أهم الأمانات بل إن من صور تضييع الأمانة وعدم أدائها، أن يولي الأمر لمن ليس أهلاً له وذلك من علامات الساعة. يقول النبي – صلى الله عليه وسلم – “إذا ضيعت الأمانة انتظر الساعة ” قيل يا رسول الله، وما إضاعتها؟ قال: “إذا وسد – أسند – الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة”([141]).

وعلينا أن نتأمل حالنا، وكيف تسير في أمور الوظائف، وكيفية توليها ومؤهلاتها، وطريقة اعتلاء المناصب، وبخاصة الخطير منها والذي يتصل بأموال الناس، ودمائهم وأعراضهم … وهكذا فلعلنا نقف على أسباب تراجعنا وتذيلينا مواكب التقدم والتطور ولنعترف أننا بحاجة ماسة إلى العودة إلى منهج الله تعالي وإلى توجيهاته في حفظ الأمانات وإسناد الولايات إلى أهلها وإلى إقامة العدل الذي أمرنا الله تعالي به في شتى الأمور فذلك طريق عزتنا وسعادتنا في الدنيا والآخرة، ولنتدبر قول الله تعالي (إنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا)، قالوا أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه، يا معشر ولاة أمور المسلمين إن الله نعم الشيء يعظكم به، ونعمت العظة يعظكم بها في أمره إياكم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وأن تحكموا بين الناس بالعدل”([142]). فأوامر الله تعالي دائماً تهدف إلى تحقيق مصالحنا العاجلة والآجلة.

2- قوله تعالي (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ والرَّسُولِ إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأَحْسَنُ تَأْوِيلاً)([143]).

وهذه الآية الكريمة مع سابقتيها يمثلان أدلة الحكم والسياسة الشرعية كما ذكر الإمام ابن تيمية – رحمه الله – وتبني عليهما أمور الحكم والدولة وتسيير مرافقها وإدارتها، وفى امتثال أحكامها تكمن أسباب العزة والنصرة للمسلمين.

يقول علماء التفسير في الآية الكريمة : بعدما أمر سبحانه وتعالي ولاة الأمور في الآية المتقدمة، وبدأ بهم فأمرهم بأداء الأمانات وأن يحكموا بين الناس بالعدل، أمر الناس – الرعية – في هذه الآية بإطاعتهم في ضمن إطاعته عز وجل، وإطاعة رسوله، وطاعة الله في أوامره ونواهيه. ثم طاعة رسوله – صلى الله عليه وسلم – وهو المبعوث لتبليغ أحكامه إليكم فأطيعوه في كل ما يأمركم به وينهاكم عنه أيضاً . ثم إطاعة الأمراء. ثالثاً: قيل : وأما طاعة السلطان فتجب فيما كان فيه طاعة ولا تجب فيما كان لله فيه معصية.

وروى أن المعني : أطيعوا الله في الفرائض، وأطيعوا الرسول في السنن والأمر بطاعة الرسول في حياته فيما أمر ونهي، وبعد وفاته باتباع سنته، وطاعة الرسول طاعة لله تعالي . يقول الرسول – صلى الله عليه وسلم – “من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصاني فقد عصي الله، ومن عصى أميري فقد عصاني”.

وقد اقترنت طاعة الرسول بطاعة الله تعالي اعتناء بشأنه عليه الطلاة والسلام، وقطعا لتوهم أنه لا يجب أمتثال ما ليس في القرآن، وإيذاناً بأن له – صلى الله عليه وسلم – استقلالاً بالطاعة لم يثبت لغيره، وثم أعيد الفعل – يعني قوله تعالي أطيعوا – بالنسبة للرسول – صلى الله عليه وسلم – ولم يعد في قوله سبحانه وتعالي (وأولى الأمر منكم). إيذاناً بأنهم – ولاة الأمر – لا استقلال لهم فيها استقلال الرسول – صلى الله عليه وسلم([144]) – لذلك تكون طاعتهم ما أطاعوا الله ورسوله فحسب. فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

يقول الإمام علي – رضي الله عنه – أنه قال : “حق على الإمام أن يحكم بالعدل، ويؤدي الأمانة، فإن فعل ذلك وجب على المسلمين أن يطيعوه، لأن الله تعالي أمرنا بأداء الأمانة والعدل ثم أمر بطاعته”([145]).

واختلفت العلماء في “أولى الأمر” الذين أمر الله عباده بطاعتهم في هذه الآية. فقال بعضهم هم أمراء المسلمين في عهد الرسول – صلى الله عليه وسلم – ويعده، ويندرج فيهم الخلفاء والسلاطين والقضاة وغيرهم . وقيل المراد أمراء السرايا. وقال آخرون : هم أهل العلم والفقه. وقيل هم أصحاب محمد – صلى الله عليه وسلم – وقيل هم أبو بكر وعمر – رضي الله عنهما.

قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال : هم الأمراء والولاة . لصحة الأخبار عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بالأمر بطاعة الأئمة والولاة فيما كان لله فيه طاعة وللمسلمين مصلحة([146])، وهذا هو الراجح.

وعلى كل حال فإن في الآية الكريمة دليل على وجوب امتثال أوامر الله تعالي، وأوامر الرسول – صلى الله عليه وسلم – وطاعة ولاة الأمر من المسلمين ما أطاعوا الله ورسوله، وبذلك يكتمل النظام في الدولة الإسلامية ويقوي نظامها وحكومته، وذلك بالتزام ولاة الأمر بأداء الأمانات، وإقامة العدل والحكومة العادلة بين الناس – تنفيذاً للآية الأولى الخاصة بولاة الأمر. ثم توجيه الأمر بعد ذلك إلى الرعية بإطاعة الله تعالي وإطاعة رسوله وولاة أمورهم امتثالاً لأمر الله تعالي تحقيقاً للمصالح ودرءاً للمفاسد.

مع ملاحظة أن الآية الكريمة ربطت الإيمان بالله واليوم الآخر بمدى مراعاة هذه الأحكام، بمعني أن إيمان الأمة لا يكتمل إلا بامتثال أحكامها من حيث وجوب طاعة الله ورسوله وولاة أمور المسلمين ورد الأمر المتنازع عليها والمختصم بشأنها إلى كتاب الله وإلى سنة الرسول – صلى الله عليه وسلم – بأن يكون الحكم والقول الفصل فيهما – والله أعلم.

3- قوله تعالي: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ولَوْ كُنتَ فَظًا غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ واسْتَغْفِرْ لَهُمْ وشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ)([147]).

والشاهد في الآية الكريمة قوله تعالي (وشاورهم في الأمر) ففيه أمر من الله عز وجل لنبيه – صلى الله عليه وسلم – بمشاورة أصحابه – رضوان الله عليهم أجمعين. وظاهر الأمر للوجوب، كما تقضي القاعدة رضوان الله عليهم أجمعين . وظاهر الأمر للوجوب، كما تقضي القاعدة الأصولية: “أن الأمر حقيقة في الوجوب مجاز فيما عداه” وعلى ذلكن فقوله تعالي: “وشاورهخم” يقتضي الوجوب، وعليه تكون الشورى واجبة، وحمل الشافعي – رحمه الله – ذلك على الندب([148]).

والشوري في أبسط معانيها تعني : “استطلاع الرأي من ذوي الخبرة فيه للتوصل إلى أقرب الأمور للحق “. وذلك يصدق على الشورى الفنية الخاصة باستشارة أهل الرأي والخبرة في المسائل الفنية. لكن الشورى المقصودة هنا كنظام للحكم أعم من ذلك، حيث تكون في الأمور العامة المتعلقة بها”. ومعني هذا، حق الأمة في أخذ رأيها في اختيار الحاكم الذي ترتضيه، وأخذ رأيها في كل الأمور الهامة، ومقتضي هذا أيضاً أن تحكم وفقاً لإرادتها ومن أجل مصلحتها، كما يستلزم كذلك حق الأمة في الرقابة والمعارضة والنقد والتقويم([149]).

يقول علماء التفسير : الفائدة في أنه تعالي أمر الرسول – صلى الله عليه وسلم – بمشاورة أصحابه من وجوه : الأول : أن مشاورة الرسول – صلى الله عليه وسلم – إياهم توجب علو شأنهم ورفعه درجتهم، وذلك يقتضي شدة محبتهم له وخلوصهم في طاعته . الثاني: أنه  عليه السلام وإن كان أكمل الناس عقلاً، إلا أن علوم الخلق متناهية، فلا يبعد أن يخطر ببال إنسان من وجوه المصالح ما لا يخطر بباله لاسيما فيما يفعل من أمور الدنيا فإنه عليه السلام، قال : “أنتم أعرف بأمور دنياكم وأنا أعرف بأمور دينكم”. ولهذا السبب قال عليه السلام: “ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمرهم”. ثالثاً: التطييب لأنفسهم، أو أن تكون سنة بعده لأنمته، أي أنه عليه السلام أمر بذلك ليقتدي به غيره في المشاورة ويصير سنة في أمته. وإليه ذهب الحسن فقد أخرج البيهقي عنه أنه قال في الآية: “قد علم الله تعالي ما به إليهم حاجة ولكن أراد أن يستن به من بعده”، ويؤيده ما أخرجه ابن عدي والبيهقي عن ابن عباس قال : لما نزلت “وشاورهم في الأمر ” قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – “أما إن الله ورسوله لغنيان عنها، ولكن جعلها الله تعالي رحمه لأمتي، فمن استشار منهم لم يعدو رشداً ومن تركها لم يعغدم غياً”. الرابع: أنه عليه السلام شاورهم في واقعة أحد فأشاروا عليه بالخروج، وكان ميله إلى أن يخرج فلما خرج وقع ما وقع، فلو ترك مشاورتهم بعد ذلك لكان ذلك يدل على أنه بقى في قلبه منهم بسبب مشاورتهم بقية أثر. الخامس: “وشاورهم في الأمر” لا لتستفيد منهم رأياً وعلماً” لأن الله يغنيه عن ذلك – عن رأيهم – بوحيه. لكن لكي تعلم مقادير عقولهم وأفهامهم، ومقادير حبهم لك وإخلاصهم في طاعتك أي يمتحنهم فيتميز الناصح من الغاش، ويتميز الفاضل من المفضول فبين لهم على قدر منازلهم السادس: “وشاورهم في الأمر ” لا لأنك محتاج إليهم، ولكن لأجل أنك إذا شاورهم في الأمر اجتهد كل واحد منهم في استخراج الوجه الأصلح في تلك الواقعة فتصير الأرواح متطابقة متوافقة على تحصيل أصلح الوجوه فيها. السابع: لما أمر الله محمداً عليه السلام – بماشورتهم دل ذلك على أن لهم عند الله قدراً وقيمة . الثامن : الملك العظيم لا يشاور في المهمات العظيمة إلا خواصه والمقربين عنده ن فهؤلاء لما أذنبوا – في غزوة أحد. فربما خطر ببالهم أن الله تعالي وإن عفا عنهم بفضله إلا أنه ما بقيت لنا تلك الدرجة العظيمة، فبين الله تعالي أن تلك الدرجة ما انتقصت بعد التوبة، بل أزيد فيها وذلك أنه قبل هذه الواقعة ما أمرت رسولي بمشاورتكم([150]).

وبعد، فهذه بعض وجوه الفائدة من أمر الله تعالي لنبية – صلى الله عليه وسلم – بالتزام مشاورة أصحابه، رغم عدم حاجته إلى رأيهم، إنما ليعلمهم ما في المشاورة من الفضل وليقتدي به أمته من بعده، وليتخذوا الشورى أساساً في كافة شئونهم، فلا تقتصر على أمور السياسة وشئون الدولة فحسب بل هي شاملة لكل ما يتعلق بأمور المسلمين ومجالات حياتهم الفردية منها والجماعية، السياسية والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية وغير ذلك، أي كل مصالحهم الكلية والجزئية، بدءاً من أعظمها أهمية وهو اختيار إمام للمسلمين، فما دون ذلك، من أمور الإمامة وأحكام السياسة الشرعية، فما دون ذلك من الشئون القضائية وما دون ذلك من المسائل الفقهية المتعلقة بآحاد المكلفين([151]).

ولذلك جعل الله الشورى من لوازم الإسلام، بل صفة من الصفات اللصيقة بالمؤمنين المميزة لهم، والتي مدحهم الله عليهم في قوله تعالي (والَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وأَقَامُوا الصَّلاةَ وأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ومِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ)([152]). فقد ذكر المولى عز وجل صفة الشورى بين صفتين، هما عبادتان، الصلاة، والإنفاق في سبيل الله، وذكر الشورى بعد الصلاة يوحي بأمرين : أولهما: أن هذه الشورى العامة عبادة من العبادات، مثل الصلاة التي هي شعيرة تعبدية معروفة، فكما أن المسلم يعبد ربه بالصلاة فهو يعبد ربه عن طريق تقديمه لرأيه أو نظره في رأي أخيه، وإذا ترك المسلمون الشوري في أمورهم كأنهم يتركون عبادة من العبادات وبتركه يبتعدون عن الله، وتفسيد حياتهم العامة والخاصة . ثانيهما: أن من معاني الصلاة وإيحاءاتها المساواة بين المسلمين عندما يقفون في صفوف الصلاة، فكما أنهم يتساوون في الصلاة فلابد من أن يتساووا في الشورى([153]).

فالإسلام الحنيف قد جعل الشورى أصلاً عاماً لكل شئون المسلمين ومبدأ من أهم المبادئ الدستورية، أي تلك المبادئ التي يقوم عليها نظام الحكم في الإسلام. ولتكون عاصماً من الاستبداد السياسي([154]). فالحكومة الإسلامية – كما ذكرنا سابقاً – ليست بالحكومة المستبدة المتسلطة، إنما تعتمد على الشورى لتحول دون ذلك الاستبداد.

ولذلك التزامها النبي – صلى الله عليه وسلم – والتزامها أصحابه من بعده بوصفهما فريضة والتزامالً دينياً لا تجوز مخالفته، وصارت من قواعد الشريعة، وعزائم الأحكام، ومن ثم قال العلماء : “من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، ويجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون، وفيما أشكل عليهم من أمور الدين ووجوه الجيش … ووجوه الناس … ووجوه الكتاب والوزراء والعمال فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها، حتى قيل : ما ندم من استشار ومنن أعجب برأيه ضل([155]).

هذا، إذا كان القرآن الكريم قد قرر الشورى، وجعلها أصلاً من أصول الحكم، وأهم دعائم الدولة الإسلامية، إلا أنه لم يبين كيفيتها، ولم يحدد لها نظاماً خاصاً، وذلك كي لا يسهل الاختيار حسبما تقتضيه مصالح الأمة وأحوالها([156]).

4- قوله تعالي (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وأُنثَى وجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)([157]).

وقوله تعالي (إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ)([158]).

وقوله تعالي (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا ونِسَاءً …)([159]).

فهذه النصوص تقرر واحداً من أهم المبادئ التي يقوم عليها نظام الحكم في الإسلام، وهو مبدأ المساواة.

والواقع أن مبدأ المساواة يعد صورة من صور العدالة المأمور به في الآية التي سبق ذكرها، وفى غيرها من الآيات الكريمة. ولا شك أن هذا المبدأ كان جديداً بالنسبة للعرب حين أقره الإسلام الحنيف، بل ولقد كان يتعارض مع الشعور القبلي الذي كان سائداً لديهم في عصر الجاهلية حيث كان العرب يتفاخرون بالأنساب والألقاب.

ولقد كان هذا المبدأ من أهم المبادئ التي جذبت قديماً نحو الإسلام الكثير من الشعوب الأخرى، فكان بذلك مصدراً من مصادر القوة للمسلمين الأولين([160]).

* وبالتأمل في الآيات الكريمة، نجد أن النداء فيها موجهاً إلى الخليفة كلها، فالله تعالي ناداهم بوصف الناس ليشمل النداء الإنسانية كلها، والأسرة البشرية جمعاء، موضحاً أن الجميع مرده إلى أب واحد وهو آدم، وأم واحدة هي حواء، فلا يصح تفاخر بنسب، أو حسب أو بمال، أو جاه، أو بجنس، أو عنصر، أو لون، أو لغة، لأن مرد الناس جميعاً إلى آم وحواء([161])، فهذا تذكير بأصل الخلقة، حيث التساوي في الأصل، وهذا يقتضي التساوي في الحقوق والواجبات، وجميع التكاليف .

كما أن في قوله تعالي ” إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ” رفع لكافة المعايير البشرية في التفضيل بين الناس، وإبطال لكافة ألوان التمييز بين البشر الذين هم من أصل واحد، فلا تفضيل ولا تمييز بناء على عنصر أو لون أو جنس أو ما إلى ذلك من كافة معايير التمييز المذموم، إنما معيار التفضيل أمام الله تعالي وفى ميزانه سبحانه هو التقوى والعمل الصالح .

والقرآن الكريم حين ينادي الناس بأن يكونوا متعارفين متآلفين إنما يستهدف التعارف والتآلف لا الخصومات ولا الحروب، بل يحب أن يكون الجنس البشري أسره واحدة، وليتحقق التكامل والتعاون بين الدول والشعوب . من أجل إشباع الحاجات المتبادلة ولهذا أرسل الله سبحانه وتعالي الرسل والأنبياء للهداية والإرشاد وتلافي التنازع والخصام بين الشعوب والطوائف حتى تتضح مظاهر التساوي في إطار الأمة الواحدة.

فلا تعترف الشريعة الإسلامية بوجود أمتيازات خاصة لطائفة على طائفة أخرى فالناس جميعاً متساوون، ومن هنا كان نبذ الإسلام للعنصرية والتمييز.

ويقتضي مبدأ المساواة في إطار نظام الحكم في الإسلام، تحقيق المساواة بصورها المختلفة والمعروفة في القانون الدستورى الحديث فالمساواة التي قررها الإسلام تتضمن مساواة الأفراد جميعاً أمام القانون، فليس هناك فرد مهما علا مقامه يعلو فوق القانون مكانه، فأمير المؤمنين أو الحاكم … أو الولاة كل أولئك متساوون أمام القانون مع غيرهم من أفراد الأمة، كما أنهم جميعاً متساوون أمام القضاء … وهكذا، فلا امتياز في ميزان الشرع إلا بالتقوى والعمل وصالح الأعمال، ولا تفرقة بسبب الأصل أو الجنس أو اللون أو الثروة.

أي أن الإسلام يقرر المساواة أمام القضاء، والمساواة في الحقوق السياسية والتي تشمل حق التوظيف، وحق الاشتراك في شئون الحكم من حق انتخاب وحق ترشيح للهيئات النيابية وغيرها([162]).

وقد التزم النبي – صلى الله عليه وسلم – هذا المبدأ في سياسته، وقيادته للدولة الإسلامية الناشئة، وظل يوجه أصحابه، وأمته من بعدهم إلى مبدأ المساواة، حتى لا يستعلى أحد على أحد، وحتى لا يظلم أحد أحداً، وحارب الرسول – صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم – التفرقة وكافة صور التمييز في المعاملة. واستنكر من يعمل على هذه التفرقة والتمييز أياً كان أساسها، ثم سلك خلفاؤه من بعده هذا المسلك في ترسيخ مبدأ المساواة باعتبارها صورة من صور العدل الذي أمر الله تعالي به في القرآن الكريم، وفى سنة نبيه الكريم، والذي يعد من أهم المبادئ التي يقوم عليها نظام الحكم في الإسلام بجانب الشورى، وضمان الحريات وصيانتها([163]).

وهكذا نجد أن القرآن الكريم وهو المصدر الأول للتشريع قد تضمن النص على أهم المبادئ التي يقوم عليها الحكم في الإسلام كالعدل، والشورى والمساواة، ووجوب طاعة ولي الأمر، كما تضمن النص على بعض الحقوق والحريات كالنص على حرية العقيدة في قوله تعالي : (لا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ)، وقوله (أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ). وقوله تعالي (لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ)، وقوله تعالي (لَكُمْ دِينُكُمْ ولِيَ دِينِ)، وغير ذلك من الحقوق والحريات مثل حق التملك، وحرية الرأي وغيرها، مع ملاحظة أن السنة كان لها دور كبير في إرساء هذه المبادئ وترسيخ هذه الحقوق والحرايت على النحو الذي نراه فيما يلي:

المبحث ال ثاني

الأدلة من السنة النبوية

السنة هي المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي . بعد القرآن الكريم، وتتمتع بالحجة في إثبات الأحكام الشرعية، هذه الحجية أثبتها القرآن الكريم، وأكد عليها الني – صلى الله عليه وسلم – وأجمعت الأمة عليها، كما يؤكدها العقل والنظر السليم، مما يفيد أن إنكار حجية السنة خروج من الدين.

* فمن القرآن آيات كثيرة منها: قوله تعالي (ومَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ومَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ)([164]).

وقوله تعالي (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ والرَّسُولِ إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأَحْسَنُ تَأْوِيلاً)([165]).

وقوله تعالي (وأَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ واحْذَرُوا فَإن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا البَلاغُ المُبِينُ)([166]). وقوله تعالي (مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ومَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا)([167]).

ففي هذه الآيات الكريمة وغيرها كثير توجب طاعة النبي – صلى الله عليه وسلم – وطاعته تكون باتباع سنته والعمل بها، بل إن الله تعالي جعل طاعة الرسول – صلى الله عليه وسلم – هي طاعة له سبحانه وتعالي، كما توجب الآيات أيضاً الرجوع إلى كتاب الله تعالي وسنة نبيه – صلى الله عليه وسلم – للاحتكام إلى ما ورد بهما من أحكام، وقرنت الإيمان بالله واليوم الآخر بشرط الاحتكام إليهما.

ولا شك أن كل ذلك يدل على أن السنة حجة في إثبات الأحكام الشرعية، ومصدر من مصادر التشريع الإسلامي لا غني عنه، ويجب العمل بها والأخذ بما أمر به النبي – صلى الله عليه وسلم – والانتهاء عما نهي عنه.

* وأما من السنة فأحاديث كثيرة أيضاً منها: قوله – صلى الله عليه وسلم – “تركت يكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما، كتاب الله تعالي وسنة رسوله”. وقوله تعالي – صلى الله عليه وسلم – فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدى تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ …” وقوله – صلى الله عليه وسلم – ” كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أب ي، قالوا : ومن يأب يا رسول الله ؟ قال: “من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبي”.

وأما الإجماع: فقد أجمع المسلمون على الاحتجاج بالسنة([168]). النصوص، والإجماع – العقل والنظر السليم، فالعقل يقتضي وجوب العمل بالنسبة، ذلك أن منهج القرآن الكريم في تناوله للأحكام الشرعية يقتضي الاحتجاج بالسنة، والاستعانة بها في تفسير بعض أحكام القرآن، وتبيينها، وشرحها ليتمكن المكلف من تنفيذها، والامتثال لها. لذلك روي عن الإمام الأوزاعي عن حسان بن عطية أنه قال: “كان الوحي ينزل على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ويحضره جبريل بالسنة التي تفسر ذلك “. فقد ورد في القرآن الكريم أحكاماً على سبيل الإجمال، أو الإطلاق، أو العموم، وهنا كان دور السنة الهام جداً في تبيين مجمل القرآن، وتقييد مطلقة . وتخصيص عامة، ولذا يطلق عليها شارحة مفسرة .

* فمن السنة المبينة للمجمل : نجد أن الله تعالي فرض على الناس فرائض لم يبين كيفية أدائها على سبيل التحديد، كالصلاة، والزكاة، والحج، وغيرها، ومن المعلوم أن هذه الفرائض من قبيل التكليف الذي يجب على المكلفين امتثاله . ولا يصح التكليف بالمجمل من النصوص قبل بيانه ممن له سلطة البيان وهو النبي – صلى الله عليه وسلم – لأن المكلف يحتاج إلى البيان الذي يظهره، لأنه مجهول، والله سبحانه وتعالي لا يكلف الإنسان بما يجهله، لأن درب من التكليف بالمستحيل وهو محال في حق الله تعالي.

ولذلك جاءت السنة وبينت مجمل النصوص . فبين النبي – صلى الله عليه وسلم – عدد الصلوات، وعدد ركعاتها، وأوقاتها وهكذا وصلى النبي – صلى الله عليه وسلم – وعلم الصحابة ذلك وقال : “خذوا عني مناسككم”. وهكذا في سائر التكليفات الشرعية التي لم يلزم المكلفون بها إلا بعد بيانها بفعل النبي – صلى الله عليه وسلم – كتبيينه ما تجب فيه الزكاة من الأمور، ومقدار الواجب في كل صنف، وتحديد نصابه.

* ومن السنة المقيدة للمطلق : كما في قوله تعالي (والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)، فاليد مطلقة في الآية غير مقيدة بكونها اليمني أو اليسرى، كما أن القطع غير مقيد بموضع معين من الأيدي فهل تقطع اليد كلها من الكتف أم من الكوع أم من الرسغ، فجاءت السنة وقيدت ذلك فبينت أن اليد التي تقطع هي اليمني، ومن الرسغ.

* ومن السنة المخصصة للعام: قوله تعالي – صلى الله عليه وسلم – ” لا يرث القاتل شيئاً”، فهو مخصص لقوله تعالي (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ). فالآية تثبت الميراث لكل الأولاد، أي تفيد بعمومها أن كل ولد للمتوفى يرث سواء أكان قاتلاً أم غير قاتل . ولكن السنة خصصت هذا العموم بقصر الحق في الإرث على غير القاتل، وحرمان القاتل من الميراث. ([169]).

إضافة إلى هذا الدور للسنة فقد أتت السنة مؤكدة لما ورد في القرآن الكريم وهي كثيرة جداً. حيث كثرت الأحاديث التي توافق وتؤكدج ما ورد في القرآن الكريم من أحكام مثل قوله – صلى الله عليه وسلم – ” لا يحل مال أمرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه” . فالمعني الوارد في الحديث يؤكد ما ورد في قوله تعالي (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ …).

وقوله – صلى الله عليه وسلم – “اتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله “، فهذا يؤكد قول الله تعالي (وعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا ويَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا).

وأيضاً عندما سئل – صلى الله عليه وسلم – عن الكبائر، فقال: “الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وشهادة الزور”. فهذا يوافق ويؤكد قول الله تعالي (ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلاَّ بِالْحَقِّ). وقوله تعالي (وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ). وغير ذلك كثير في السنة النبوية. وقد تأتي السنة بحكم لم يذكر في القرآن الكريم، وتسمي بالسنة المستقلة أو المؤسسة. أي أحكام أتت بها السنة ابتداء. ومن ذلك ثبوت ميراث الجدة واستحقاقها لفرض السدس، وغير ذلك كثير.

وهكذا : يتأكد أن السنة مصدر من مصادر التشريع، ذلك لنسبتها إلى الرسول – صلى الله عليه وسلم – الذي ثبت له العصمة من الكذب وبالتالي فهو – صلى الله عليه وسلم – صادق في كل ما يصدر عنه، وذلك لأن منصب الرسالة منصب التبليغ عن الله تعالي، والبيان لأوامره نواهيه، قال تعالي (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وإن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ) ([170]). وقال تعالي (وأَنزَلْنَا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ ولَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)([171]). ومن ثم كانت السنة هي مفتاح الكتاب والنبراس الذي يهتدي به إلى كشف حقائقه، والوقوف على دقائقه، ومن هنا كانت السنة حجة واجبة الاتباع.

إضافة إلى ما سبق، فإن الإيمان بالإسلام ديناً، وبالقرآن إماماً وكتاباً لهذا الدين يوجبان حجية السنة، وإلا فكيف يقيم الإنسان حدود ربه ويلتزم أحكامه، فكيف يصلى، وكيف يزكي، ويصوم، ويحج؟ إن كل هذه الفرائض الإسلامية لا تتم إلا باعتماد السنة، فهي التي تحدد ركعات الصلاة، ومواقيتها، وتحدد مقادير الزكاة، وأنواعها … إلخ. فالشك في السنة، وإنكار حجيتها، والاعتماد على القرآن وحده يقوض الشرية ويعطل التكاليف الشرعية([172]). وفى ذلك رد على من يدعون أنهم قرآنيون، أي يكتفون بالقرآن، ويرفضون السنة، وليس ذلك سوى جهل بالدين وتعطيل لأحكام القرآن الكريم لأن القرآن يوجب العمل بالسنة.

* وقد ورد في السنة النبوية الكثير من النصوص التي تتضمن أحكاماً تتعلق بنظام الحكم والسياسة في الإسلام، وتبين أهم المبادئ التي يجب أن يتعمد عليها هذا النظام، من ذلك ما يلي:

1- ما روى عن أبي ذر – رضي الله عنه – أنه قال:

“قلت يا رسول الله ألا تستعملني، قال : فضرب بيده على منكبي، ثم قال : يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزى وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها”([173]).

وجه الدلالة من الحديث : أن النبي – صلى الله عليه وسلم – بين في الحديث أن ولاية أمر من أمور المؤمنين هو من باب الأمانات التي يجب أن تؤدي كما أمر الله تعالي، وإلا ستكون جالبة للخزي والندامة يوم القيامة، ووجوه أدائها كثيرة منها، تولية الأصلح، والأحق، لا لقرابة، أو لغير ذلك من الأسباب البعيدة عن الصواب، ولذلك يقول النبي – صلى الله عليه وسلم – من ولي من أمر المسلمين شيئاً فولى رجلاً وهو يجد من هو أصلح منه فقد خان الله ورسوله. ومن ووهها أيضاً ضرورة القيام بواجبات الولاية أياً ما كان قدرها وفق كتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم. ومنها وجوب إقامة العدل بين من ولي أمرهم أو من هم في تبعيته.

ومن وجوه أداء الأمانة أيضاً: عدم الغلول، أي الاستيلاء على المال العام الذي يؤتمن عليه بحكم ولايته أو وظيفته . أو استعمال هذا المال في مصالحه الخاصة نحو منشآت أو سيارات وخلافه من كل ما هو مملوك للدولة ووضع تحت يده بحكم وظيفته، وليتذكر دائماً تغليظ الرسول – صلى الله عليه وسلم – للغلول.

فيما روى عن أبي هريرة أنه قال : “قام فينا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ذات يوم فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره ثم قال: “لا ألفين أحكم يجيئ يوم القيامة على رقته بعير له رغاء يقول يا رسول الله أغثني، فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك . لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة فيقول يا رسول الله أغثني . فأقول لا أملك لك شيئاً فقد أبلغتك . لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته  شاة لها ثغاء يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك . لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت، فيقول يا رسول الله أغثني، فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك”([174]). ففي الحديث الشريف تحذير شيديد وترهيب لكل من استولى، أو تسول له نفسه أن يستولى – بغير حق – على مال عام أياً كانت طبيعته، وكل إليه أمره، أو وضع تحت تصرفه بمناسبة عمله، أو حتى استعمل هذا المال في غير مقتضيات وظيفته، نحو استعمال المرافق العامة. وبخاصة السيارات في قضاء المصالح الخاصة، وليعلم يقيناً أنه إن استطاع الإفلات من سلطة الدنيا فلن يستطيع الإفلرات من محاسبة الله تعالي له، وليعلم أنه سيأتي به محمولاً على عنقه يوم القيامة كما صور ذلك الحديث الشريف في هذه الصور القاسية والمتنوعة . والتي تؤكد قول الله تعالي (ومَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ ومَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وهُمْ لا يُظْلَمُونَ)([175]).

2- ما روى عن عبد الرحمن بن سمرة أنه قال:

قال لي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن غي مسألة اعنت عليها”([176]).

وجه الدلالة من الحديث أن في الحديث نهي عن سؤال الإمارة – أي طلبها – وأن الله تعالي عين الإنسان عليها إذا حصل عليها عن غير مسألة.

كما أن القاعدة أن من سأل الولاية أو حرص عليها لا يولاها فقد روى عن أي موسى أنه قال: “دخلت على النبي – صلى الله عليه وسلم – أنا ورجلان من بني عمي فقال أحد الرجلين يا رسول الله أمرنا على بعض ما ولاك الله عز وجل، وقال الآخر مثل ذلك، فقال: إنا والله لا نولي على هذا العمل أحد سأله ولا أحداً حرص عليه”([177]).

3- قوله – صلى الله عليه وسلم – “الا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسئولة عنهم، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته”([178]). فهذا الحديث الشريف فيه تقرير مبدأ مسئولية الحاكمن عن الرعية وهو محاسب عنها أمام الله عز وجل، كما أن الرجل مسئول عن أهل بيته، والمرأة مسئولة عن بيت زوجها الذي هو بيتها وأولادهما، وكذلك حتى العبد مسئول عن مال سيده الذي يعمل به، والكل محاسب عن مسئوليته أمام الله عز وجل، وهو سبحانه وتعالي يعلم ما إذا كان المسئولون أدوا ما عليهم، أم أنهم قصروا وضيعوا تلك الأمانات.

4- قوله – صلى الله عليه وسلم – “إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن عز وجل، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم، وأهليهم، وما ولوا”([179]). والحديث الشريف يؤكد على إقامة العدل ويبين فضيلة الإمام العادل الذي يراعي الله سبحانه وتعالي في حدود ما ولاه الله عليه وما يقتضيه من إقامة العدل بين أفراد رعيته في كافة وجوهه ومواطنه، وليس أفضل له مقابل عدله من أن يكون في هذه المنزلة الكريمة التي يصورها الحديث الشريف، حيث يكون على منبر من نور عن يمين الرحمن عز وجل في يوم القيامة، يوم يشيب الولدان من هول ما يرون . ويصدق ذلك أيضاً قوله – صلى الله عليه وسلم – في ذات الشأن : “سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وأولهم الإمام العادل، يعني أن عدل الإمام – بالمعني الواسع جداً والذي يشمل كل من ولي أمراً للمسلمين بدءاً من الحاكم إلى أصغر موظف في السلم الإداري، وكذلك كل من ولي أمراً آخر من أمور المسلمين الخاصة – يصل بصاحبه إلى أن يكون في هذا اليوم العظيم مستظلاً بظل عرش الرحمن سبحانه وتعالي.

فهذه الأحاديث تؤكد على مبدأ العدل، واعتباره من أهم المبادئ التي يقوم عليها نظام الحكم في الإسلام.

5- قوله – صلى الله عليه وسلم – ” ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة”([180]).

وقوله – صلى الله عليه وسلم – “اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به”([181]).

وقوله – صلى الله عليه وسلم – “من سره أن يظله الله من فوز جهنم، ويجعله في ظله، فلا يكن على المؤمنين غليظاً، وليكن بهم رحيماً”([182]).

فهذه الأحاديث تؤكد على وجوب التزام ولي الأمر بالصدق مع الرعية لا يغشهم ولا يدلس عليهم، كما يلتزم جانب الرفق معهم في معاملتهم وعدم المشقة عليهم حتى لا يقع في معصية الله تعالي ويستحق العقاب الشديد المنصوص عليه في هذه الأحاديث، فلقد بين النبي – صلى الله عليه وسلم – أن الولي – في جميع أنواع الولايات، وعلى كافة مستوياتها – إذا شق على أمته أو رعيته فسوف يشق الله عليه يوم القيامة، وإذا كان غاشاً لهم بأي صورة من صور الغش – الذي هو في جوهره تغيير الحقيقة والإيهام بغيرها لإيقاع الناس في غلط في حقيقة الأمر – نحو الكذب في بيانات تتعلق بها مصالح الناس، أو تضليل للرأي العام وما إلى ذلك  من صور الغش والكذب الكثيرة الواقعة الآن، فقد حكم الله بحرمانه من الجنة، ويا لهول تلك العقوبة التي لا يمكن أن يعوضها كل ولايات الدنيا، ولا مناصبها ولا سلطاتها أو أموالها. إنما يتطلب الإسلام من الراعي أن يكون عادلاً، صادقاً أميناً، رفيقاً برعيته أو من هم في ولايته، حتى يفوز برضا الله تعالي وينعم بظله تعالي يوم لا ظل إلا ظله.

6- قوله – صلى الله عليه وسلم – “من أعطاني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصا الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصا أميري فقد عصاني”([183]).

وما روى عنه – صلى الله عليه وسلم – أنه قال : قال حجة الوداع “… ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا “([184]).

وما روى عن عبادة بن الصامت – رضي الله عنه – أنه قال: دعانا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فبايعناه، فكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثره علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله. قال : “إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان”([185]).

وقوله – صلى الله عليه وسلم – “على المرء السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمصية فلا سمع ولا طاعة”([186]).

وما روى عن علي – رضي الله عنه – أنه قال: “بعث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – سرية واستعمل عليهم رجلاً من الأنصار، وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا، فأغضبوه في شيء فقال: أجمعوا لي حطباً فجمعوا له، ثم قال: أوقدوا ناراً. فأوقدوا. ثم قال: فادخلوها، قال فنرظ بعضهم إلى بعض فقالوا : إنما فررنا إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من النار، فكانوا كذلك وسكن غضبه وطفنت النار، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي – صلى الله عليه وسلم – فقال : لو دخلوها ما خرجوا منها إنما الطاعة فىا لمعروف”([187]).

وقوله – صلى الله عليه وسلم – “من رأي من أميره شيئاً فكرهه فليصبر، فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبراً فيموت، إلا مات ميتة جاهلية”([188]).

ويستفاد من جملة الأحاديث سالفة الذكر أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – أوجب طاعة ولي الأمر وجعل ذلك طاعة لله تعالي، وإن كان هذا الولي عبداً حبشياً رأسه زبيبه كما ورد في بعض الروايات، فعلى الرعية أن تسمع وتطيع، وأداء الأمانات إلى أهلها، ووجودب الرفق بهم، بالمقابل أمر بطاعة هؤلاء الأمراء، ووجوب الصبر عليهم إلا أن يأمروا بمعصية، فعندئذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق سبحانه وتعالي. ويلاحظ أن ذلك من قبيل السنة الموافقة المؤكدة لما ورد في القرآن الكريم لأننا رأينا أثنا عرضنا للأدلة من القرآن، أن الله تعالي أمر بطاعة ولي الأمر.

7- قوله – صلى الله عليه وسلم – في خطبته الجامعة في حجة الوداع “أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، إن أكرمكم

وقوله – صلى الله عليه وسلم – “من رأي من أميره شيئاً فكرهه فليصبر، فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبراً فيموت، إلا مات ميتة جاهلية”([189]).

ويستفاد من جملة الأحاديث سالفة الذكر أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – أوجب طاعة ولي الأمر وجعل ذلك طاعة لله تعالي، وإن كان هذا الولي عبداً حبشياً رأسه زبيبه كما ورد في بعض الروايات، فعلى الرعية أن تسمع وتطيع، وأداء الأمانات إلى أهلها، ووجودب الرفق بهم، بالمقابل أمر بطاعة هؤلاء الأمراء، ووجوب الصبر عليهم إلا أن يأمروا بمعصية، فعندئذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق سبحانه وتعالي. ويلاحظ أن ذلك من قبيل السنة الموافقة المؤكدة لما ورد في القرآن الكريم لأننا رأينا أثنا عرضنا للأدلة من القرآن، أن الله تعالي أمر بطاعة ولي الأمر.

7- قوله – صلى الله عليه وسلم – في خطبته الجامعة في حجة الوداع “أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربي على أعجمعي ولا أعجمي على عربي ولا لأحمر على أبيض، ولا لأبيض على أسود فضل إلا بالتقوى. ([190]).

في هذا بالحديث الشريف تأكيد على مبدأ المساواة والتساوي بين البشر جميعاً، هذا المبدأ الذي نص عليه القرآن الكريم، وأعلنه النبي – صلى الله عليه وسلم – مؤكداً على ضرورة مراعاته، وعدم التمييز بين الناس بسبب عرق أو لون وما إلى ذلك بل مساواة أمام القانون، وفى الحقوق والواجبات وغيرها.

مع ملاحظة أن هذا ليس خاصاً بالمسلمين فحسب، بل كذلك بالنسبة لغير المسلمين، فهم متساوون مع المسلمين في حرمة الدماء والأموال إعمالاً لقاعدة “لهم ما لنا وعليهم ما علينا”. تلك القاعدة الشهيرة في معاملة الذميين – وهم غير المسلمين الين يقيمون بالدولة الإسلامية على سبيل الدوام بمقتضي عقد الذمة . والأمر أيضاً ينطق على كل من يقيمون أو يتواجدون بالدولة الإسلامية حيث لا تفرقة في الحقوق، من حيث الأصل”([191]).

وقد ورد أيضاً ما يؤكد مبدأ المساواة بين المسلمين في قوله – صلى الله عليه وسلم – المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم”([192]).

وفى التأكيد على المساواة أيضاً في مجال من أهم المجالات وهو مجال القضاء والحدود ما روى بشأن المرأة المخزومية التي سرقت، وأن قريشاً أهمهم أمرهم وثقل عليهم إقامة الحد عليها فرأوا أن يبعثوا بأسامة بن زيد ليكلم في أمرها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من باب الشفاعة لها عنده، فقال – صلى الله عليه وسلم – أتشفع في حد من حدود الله ثم خطب فقال” إنما هلك الذين قبلكم إنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة ابنة محمد سرقت لقطعت يدها”([193]).

وفى هذا الباب أيضاً – باب المساواة ما روى عن أبي ذر – رضي الله عنه – أنه قال: “إني ساببت رجلاً فعيرته بأمه. فقال لي النبي –صلى الله عليه وسلم – يا أبا ذر أعيرته أمه ؟ إنك أمرؤ فيك جاهلية، إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما لا يطيقون، فإن كلفتوهم فأعينوهم”([194]).

8- ما روى عن ابن عباس – رضي الله عنه – أنه قال: “لما نزلت (وشاورهم في الأمر) قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أما إن الله ورسوله لغنيان عنها، ولكن جعلها الله تعالي رحمة لأمتي، فمن استشار منهم لم يعدم رشداًومن تركها لم يعد غياً.

وما روى أنه – صلى الله عليه وسلم – قال لأبي بكر وعمر: “لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما”([195]).

وقوله – صلى الله عليه وسلم – ” ما ندم من استشار، ولا خاب من استخار”([196]).

وقوله – صلى الله عليه وسلم – “ما شقى قط عبد بمشورة، وما سعد باستغناء رأي “([197]).

وقوله – صلى الله عليه وسلم – “من أراد أمراً فشاور فيه امرأ مسلماً وفقه الله لأرشد أموره”.

وقوله – صلى الله عليه وسلم – “المستشار مؤتمن فإذا استشير فليشر بما هو صالح لنفسه”([198]).

وما روى عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أنه قال: ” لم يكن أحد أكثر مشاورة لأصحاب من رسول الله – صلى الله عليه وسلم –”([199]). وقد سبق أن ذكرنا فوائد استشارتهم، فهذه الأحاديث فيها ترسيخ مبدأ الشورى وإقراره كأحد أهم المبادئ التي يقوم عليها الحكم في الإسلام.

والملاحظ أنه بالنسبة للسنة في مجال الشورى، أغلبها من قبيل السنة الفعلية. حيث ثبت أن النبي – صلى الله عليه وسلم – استشار أصحابه في مواطن عديدة منها على سبيل المثال:

10 أن النبي – صلى الله عليه وسلم – بلغه خبر قريش بمسيرهم ليمنعوا غيرهم فاستشار الناس وأخبرهم عن قريش فقام أبو بكر الصديق، فقال وأحسن . ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن . ثم قام المقداد بن عمرو، فقال : يا رسول الله : أمض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قلت بنو إسرائيل لموسى (أذهب أنت وربك فقاتلاً إنا ههنا قاعدون) . ولكن أذهب أنت وربك فقاتلاًُ إنا معكما مقاتلون، فوا الذي بعثك بالحق، لو سرت بنا إلى برك الغماد – موضع بناحية اليمن – لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه، فقال له رسول الله – صلى الله عليه وسلم – خيراً ودعا له ربه”.

ثم قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أشيروا علي أيها الناس. وإنما يريد الأنصار، وذلك أنهم عدد الناس وأنهم بايعوه بالعقبة – فكان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يتخوف ألا تكون الأنصار ترى عليها نصره إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم . فلما قال ذلك رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال سعد بن معاذ: “والله لكأنك تريدنا يا رسول الله، قال: أجل، قال: قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا، على السمع والطاعة فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوا الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً، إنا لصبر في الحرب، ثدق في اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله، فسر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بقول سعد ونشطة ذلك، ثم قال : سيروا وأبشروا، فإن الله وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم”([200]).

2- وفى غزوة بدر أيضاً – في أمر مشورة الحباب بن المنذر على الرسول – صلى الله عليه وسلم – فقد روى أن الحباب بن المنذر، قال: يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزلاً أنزله الله، ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ قال : بل هو الرأي والحرب والمكيدة، فقال : يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل فانهض بالناس حتى تأتي أدني ماء من القوم فننزله ثم نغور- أي نطمس ونفسد – ما وراءه من القلب ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولايشربون فقال – صلي الله عليه وسلم – لقد أشرت بالرأي، فنهض رسول الله – صلي الله عليه وسلم – ومن معه من الناس (1).

وغير ذلك أيضا عندما استشار أصحابه في أسرى غزوة بدر، وهكذا كان الرسول – صلي الله عليه وسلم – يشاور أصحابه برغم أن الوحي ينزل عليه، وأنه في غني عن مشورتهم، إنما ليقرر المشورة كمبدأ أساسي للدولة الإسلامية، وليصير الاقتداء به من بعده . وقد كان ذلك شأن صحابته وخلفاء من بعده – صلي الله عليه وسلم – حتي صارت الشورى من أهم المبادئ التي يقوم عليها نظام الحكم في الإسلام . وستكون لنا وقفه أخرى مع الشورى في موضع لا حق من البحث

المبحث الثالث

الآثار الواردة عن الصحابة والخلفاء

لقد ورد عن صحابة رسول الله – صلي الله عليه وسلم – ومن بعدهم، الكثير من الآثار القولية، والفعلية التي تؤكد التزامهم مبادئ الحكم التي قررها القرآن الكريم، وتضمنتها السنه النبوية كالعدل، والشورى، والمساواة ووضعوا على هديها من القواعد ما ينظم حكوماتهم ودولتهم وسياستهم بوجه عام .

وهنا قد يثور التساؤل عن مدى حجية أقوال الصحابة والخلفاء وأفعالهم في إثبات الأحكام الشرعية الخاصة بنظام الحكم، وبعبارة أخري هل تعتبر هذه الآثار ملزمة للمسلمين في كل زمان ومكان ؟ وللإجابة عن ذلك، وبعيداً عن الخلاف حول قول الصحابي ومدي عده مصدراً للأحكام نقول : إنه تجب التفرقة في هذا الصدد بين نوعين من الآثار أقوالاً كانت أم أفعال .

النوع الأول : وهو ما أثر عنهم مما يعد تأكيداً على المبادئ الأساسية التي جاءت بها نصوص القرآن والسنه كالعدل، والشورى والمساواة، والاجتهاد في أداء الأمانات وضمان الحقوق والحريات للناس، وهذا النوع لا يمثل تشريعاً مبتدءاً، بل يعد تطبيقاً لتلك المبادئ، وبالتالى فهو ملزم، لكنه يستمد صفة الإلزام من النصوص الأساسية الواردة بشأنه في القرآن الكريم والسنه النبوية .كما أنه يمكن أن يمكن أن يستمد صفة الإلزام من ناحية عده نوعاً من الإجماع، إذا كان محل اتفاق، مث لقتال المرتدين ومانعي الزكاة، وجمع القرآن الكريم، وغير ذلك مما اتفقوا عليه لتحقيق وجه المصلحة فيه.

النوع الثاني: ما يعد من قبيل الاجتهاد في شأن تسيير أمور الدولة، وتنظيم مؤسساتها ومرافقها، وتعيين الولاة وتحديد الوظائف، ووضع شروطها وضوابطها، وغير ذلك من الأمور التفصيلية لنظام الحكم، وهذا النوع بطبيعته يخضع لسنة التغيير وفق المصالح والأحوال وبالتالي فليس من المحتم إتباعه في كل زمان ومكان، بل يجوز الخروج عنه واللجوء إلى غيره، مما يمكن أكثر مراعاة لمصالح الأمة وظروفها، وأحوالها في كل عصر.

ومن الآثار الواردة في هذا المجال على سبيل المثال:

1- عندما بويع أبو بكر الصديق – رضي الله عنه – جلس أبو بكر على المنبر فقام عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – فتكلم قبل أبي بكر، فحمد لله وأثني عليه، ثم قال : إن الله قد جمع أمركم على خيركم، صاحب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وثاني اثنين إذ هما في الغاز فقوموا فبايعوه، فبايع الناس أبا بكر بيعه العامة بعد بيعه السقيفة، ثم تكلم أبو بكر وحمد الله وأثني عليه، ثم قال : أما بعد أيها الناس، فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوى عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله، والقوى فيكم ضعيف حتى أخذ منه الحق إن شاء الله … أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم…” ([201]).

وبالنظر في ذلك تتضح أمور أهمها:

أولاً: مبايعة الصحابة لأبي بكر الصديق – رضي الله عنه – لاتفاقهم جميعاً على انه أصلحهم لهذا الأمر لما كان له من منزلة عند النبي – صلى الله عليه وسلم – كما أنهم استخدموا القياس في هذا الأمر حيث قاسوا إمامته لهم في أمور الحكم والسياسة والدولة على إمامته لهم في الصلاة إذا ثبت أن النبي – صلى الله عليه وسلم – أمر بتقديمه للصلاة بالمسلمين حيث مرض النبي – صلى الله عليه وسلم.

وفى ذلك إعمالاً لما سبق أن سردناه من أدلة أحكام السياسة في الإسلام من حيث وجوب نصب إمام يتولى أمر المسلمين ولابد أن يراعي في ذلك اجتماع كلمة المسلمين على إمام يطيعونه امتثالاً لأمر الله تعالي، كما أنهم اتبعوا الشريعة في ذلك حيث إن الشريعة توجب أن تكون الولاية للإصلاح علماً وقوة وديناً وخلقاً وهكذا، وقد رأوا أن أبا بكر هو أصلحهم فبايعوه.

ثانياً: أنه يؤخذ من كلام أبي بكر – رضي الله عنه – أنه ملتزم بما أمر الله به ولاة أمور المسلمين من حيث طاعته لله تعالي ولرسوله – صلى الله عليه وسلم – والحرص على أداء الأمانات، وضمان الحقوق، وضرورة الحكم بينهم بالعدل، واعتماده على الشورى كأساس لحكمة . وذلك في قوله : “أعينوني … وقوموني “، فلاشك أن طريق ذلك هو الشورى.

ثالثاً: أنه – رشوان الله عليه – أقر مبدأ المساواة واعتبره من الأسس التي سيلتزمها في حكمه÷ وذلك في قوله الضعيف فيكم قوي عندي … والقوي فيكم ضعيف عندي …”. أي أنه لا يفرق بين قوي وضعيف في مجال الحقوق والواجبات.

رابعاً: أنه – رضوان الله عليه – في هذه الكلمة الجامعة التي ابتدأ بها مهام منصبه في قيادة المسلمين. قرر مبدأ مسئولية الحاكم أمام الله تعالي، وأمام الرعية، وضرورة مراجعته ومراقبته، ومحاسبته، وذلك في قوله: ” … وإن أسأت فقوموني … وأطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم “. ففي ذلك إقرار للمبادئ التي وردت بها النصوص في القرآن والسنة، وأنه وفق النظام الإسلامي لا توجد سلطة مطلقة للحاكم، ولا لحكومته، ونوابه ووزرائه، إنما السلطة للأمة – من خلال إعمال الشورى – وفى حدود الشريعة وضوابطها، وقواعدها.

2- قتال مانعي الزكاة والمرتدون . لما توفى النبي – صلى الله عليه وسلم – امتنع البعض عن أداء الزكاة، وأنكروا وجوب أدائها للخليفة، وقد ذكرنا ذلك في موضع سابق ([202])، والشاهد في ذلك : أن سيدنا أبا بكر الصديق – رضي الله عنه – عزم قتال هؤلاء فيما عرف بحروب الردة. وقال: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالاً – أي عقال بعير – كانوا يؤدونها إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لقاتلتهم على منعها، ووافقه عمر بن الخطاب على ذلك، وانتهي الرأي إلى قتال منكري الزكاة.

وفى ذلك أيضاً دليل على مباشر مهامه كإمام للمسلمين في تدبير شئونهم الدينية والدنيوية، على اعتبار أن مهمة الإمام خلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا، وحمل الناس على موجب أحكام الشريعة .

3- ما روى أن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – قال : “من ولي من أمر المسلمين شيئاً فولى رجلاً لمودة، أو قرابة بينهما فقد خان ورسوله والمسلمين”([203]).

4- ما ورد أن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – استشار المسلمين في تدوين الديوان، فقال له علي – رضي الله عنه – تقسم كل سنة ما اجتمع إليك من مال، ولا تمسك منه شيئاً، وقال عثمان – رضي الله عنه – أرى مالاً كثيراً يسع الناس وأن لم يحصوا حتى يعرف من أخذ ممن لم يأخذ خشيت أن يلتبس الأمر، فقال له الوليد بن هشام بن المغيرة: يا أمير المؤمنين قد جئت الشام فرأيت ملوكها دونوا ديواناً وجندوا جنوداً، فدون ديواناً وجنود جنوداً فأخذ بقوله، فدعا بعض الصحابة من نساب قريش، فقال : اكتبوا الناس على منازلهم، فكتبوا فبدءوا ببني هاشم ثم اتبعوهم أبا بكر وقومه، ثم عمر وقومه على الخلافة، فلما نظر فيه عمر، قال : ابدءوا بقرابة النبي – صلى الله عليه وسلم – الأقرب فالأقرب حتى تضعوا عمر حيث وضعه الله”([204]).

5- ما ورد أنه لما تولى عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – الخلافة، قال : من رأي منكم في أعوجاجاً فليقومه، قال له أعرابي : والله لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بسيوفنا”([205]).

6- ما روي عن علي – رضي الله عنه – قال : “حق على الإمام أن يحكم بالعدل، ويؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك وجب على المسلمين أن يطيعوه، لأن الله تعالي أمره بأداء الأمانة والعدل، ثم أمر بطاعته”([206]).

وهذا الأثر عن الإمام علي – رضي الله عنه – أيضاً في نفس السياق، إذ يؤكد على المبادئ التي سبق ذكرها، من وجوب عدل الحاكم وحرصه على أداء الأمانات، ومن ثم يستحق الطاعة من الرعية.

7- قد كان منهج الصحابة والخلفاء في استنباط الاحكام الشرعية لما استجد لهم من حوادث وأحكام الخصومات التي تعرض عليهم، أن يبحثوا عن الحكم في كتاب الله تعالي، فإن وجدوا فيه حكموا به وقضوا، وإن لم يجدوا بحثوا في سنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فإن وجدوا سنة قضوا بها، فإن لم يجدوا، فإنهم كانوا يجتمعون ويتشاورون من أجل الوصول إلى الحكم الشرعي للواقعة أو الحادثة التي استجدت أو الخصومة التي رفعت إليهم من أجل الحكم فيها.

ولذلك كان من أسباب قلة الاختلاف بين الصحابة إعمالهم لمبدأ الشروى، في استنباط الأحكام، ذلك لما يترتب عليه من تمحيص للرأي مما يجعله موافقاً للصواب والحق غالباً.

8- روى عن عمر بن عبدا لعزيز – رضي الله عنه – أنه قيل له : يا أمير المؤمنين أقفرت أفواه بنيك – أي اخليت أيديهم من المال وأفواههم من ملذات المطاعم – من هذا المال، وتركتهم فقراء، لا شيء وأفواههم من ملذات المطاعم – من هذا المال، وتركتهم فقراء لا شيء لهم وكان في مرض موته، فقال : أدخلوهم علي فأدخلوهم وهم بضعة عشر ذكران ليس فيهم بالغ، فلما رآهم ذرفت عيناه، ثم قال : يا بني، والله ما منعتكم حقاً هو لكم، ولم أكن بالذي آخذ أموال الناس فأدفعها إليكم، وإنما أنتم أحد رجلين : إما صالح، فالله يتولى الصالحين، وإما غير صالح، فلا أترك له ما يستعين به على معصية الله، قوموا عني . قال : فلقد رأيت بعض ولده، حمل على مائة فرس في سبيل الله يعني أعطاها لمن يغزو عليها”([207]). فلنتأمل مدى حرص ولي الأمر التقى في حفظه لأموال المسلمين – التي هي في يده – وشدة أمانته في حكمه.

ولقد مارس الصحابة والخلفاء السياسة الشرعية فعلاً وواقعاً في كثير من الوقائع التي تطلبت منهم إبداء الرأي الشرعي فيها، فلم يقفوا مكتوفي الأيدي حائرين بل لجأوا إلى النصوص الشرعية، وعموماتها، ومبادئها، ومقاصدها، فوفقهم الله تعالي إلى حسن التطبيق للأحكام، والشواهد على ذلك كثيرة منها على سبيل المثال فقط – إضافة لما سبق ذكره في مناسبات سابقة من الدراسة-:

1- استخلاف أبي بكر لعمر بن الخطاب – رضي الله عنهما – عندما شعر بدنو أجله.

ويظهر وجه السياسة في تلك الواقعة في أن أبا بكر – رضي الله عنه – نظر إلى تلك الأوضاع التي كان يمر بها المسلمون في ظروف صعبة لا تدع مجالاً للاختلاف والفتنة، وذلك تطبيقاً لقاعدة فقهية هامة في هذا الصدد وهي : “أن تصرف الراعي على الرعية منوط بالمصلحة أو بتحقيق المصلحة، بل إن السياسة الشرعية في حقيقتها هي تدبير أمور الخلق بما يصلحها على وفق الشرع، ومن ثم رأي أبو بكر أن يدفع عن المسلمين أكبر مفسدة وهي الفتنة.

إضافة إلى ذلك أن أبا بكر لم يقدم على تعيين عمر من تلقاء نفسه، بل طبق مبدأ الشورى بأن استشار الصحابة من المهاجرين والأنصار، كي لا يكون تعيينه لعمر تنصيباً عنصرياً فتقع فتنة أشد، فالقاعدة أيضاً أن الضرر يجب دفعه لكن على ألا يترتب على ذلك ضرر أشد . فكان تصرف أبي بكر – رضي الله عنه – على هذا النحو محققاً لمصلحة المسلمين عامة.

2- إيقاف عمر – رضي الله عنه – حد السرقة فىعام المجاعة . حيث أوقف – رضي الله عنه. تطبيق النص الصريح بقطع يد السارق وهو قوله تعالي: “والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما …”. فقفد أوقف العمل بهذا الحد في عام المجاعة فدرأ الحد عن السارقة فيه وقال : لا أقطع في عام سنة([208]).

ويظهر وجه السياسة في تلك الحالة أيضاً بأن إيقاف الحد هو فهم صحيح لمقصود النص الشرعي الآمر بإيقاع العقوبة عند المخالفة، وفى عام المجاعة كان الناس في ضيق شديد فلم تتوافر شروط تطبيق النص، لأن ما أصابتهم شبيه بما يصيب المضطر، ولا يعد هذا إلغاء للنص بل هو فهم دقيق له. فحسن فهم النص وتطبيقه هو من السياسة الشرعية، كما أن النص من قبيل العام القابل للتخصيص، فيخصص بالمصلحة بضوابطها الشرعية، كما أن النص من قبيل العام القابل للتخصيص، فيخصص بالمصلحة بضوابطها الشرعية([209]). وغير ذلك كثير من الوقائع التي تثبت عملاً أن الصحابة طبقوا السياسة الشرعية مما يفيد وجوب الأخذ بها، وحسن تدبير الأمور للنهوض بالأمة وملائمة تطور أحداثها.

وبعد، فهذه بعض الآثار المروية عن الصحابة والخلفاء الراشدون في مجال الحكم والسياسة، وهي قليل من كثير، لكنها تدل على مدى حرصهم على تحقيق العدل، والمساواة، واعتماد الشورى في شئونهم وأعمالهم وكيف كانوا ينظمون أمور دولتهم على هدى النصوص الشرعية، وما تضمنته من مبادئ وأحكام، وفى ضوء اجتهادهم المستند إلى هذه النصوص، عبر استخدامهم، للقياس، أو المصلحة، أو الاستحسان وما إلى ذلك من الأدلة الاحتياطية أو الفرعية للتشريع الإسلامي.

الخاتمـة

وبعد:

فلا أزعم أو أدعى أن الدراسة قدمت نظرية سياسية، أو نموذجاً لنظام الحكم في الإسلام، فتلك مهمة تفوق الطاقة، وتتجاوز الغرض من الدراسة، فموضوع الدراسة كما يقول الإمام ابن القيم – موضع مزلة أقدام، ومضلة أفهام، ومعترك صعب . فرط فيه طائفة، فعطلو الحدود، وضيعوا الحقوق، وجرؤا أهل الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد محتاجة إلى غيرها، وسدوا على نفوسهم طرقاً صحيحة من طرق معرفة الحق والتنفيذ له، وعطلوها مع علمهم أنها حق مطابق للواقع … وأفرطت طائفة أخرى فسوغت من ذلك ما ينافي حكم الله ورسوله.

وكلا الطائفتين أتت من تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله وأنزل به كتابه، فإن الله سبحانه أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم النسا بالقسط . وهو العدل الذي قامت به الأرض والسماوات…” ([210]).

ومن ثم كانت مهمة الدراسة التأكيد على أن الإسلام هو عقيدة وشريعة للدين والدنيا معاً، وهو نظام الحكم والدولة وللمجتمع أمه وأفراداً . وقد اشتملت أحكامه على ما يصلح لإقامة نظام سياسي مستقل له خوصيته وتميزه عن غيره من أنظمة الحكم الموجودة في النظم الوضعية المعاصرة، فهو متميزة من حيث الغاية التي يهدف إلى تحقيقها، وهي حفظ الدين والدنيا، وإقامة الدين، وإبلاغه ونش رسالة الإسلام للعالمين جميعاً، كما يتميز من حيث مرجعيته إلى الشرع الإسلامي بمعناه الواسع الذي يشمل النص الشرعي من القرآن الكريم والسنة النبوية، وما يستنبط منهما، أو يبني عليهما من سائر الأدلة . وكذلك من حيث الأسس والمفاهيم والمقاييس التي تراعي الشؤن بمقتضاها، كما يتميز بإنسانيته، واستقلاليته على نحو يغني الأمة عن الاعتماد أو التماس نظام للحكم من خلال مذاهب مادية متحررة دينياً، وخلقياً وهكذا، ففي التشريع الإسلامي الكفاية.

ولعل أهم ما يميز النظام السياسي في الإسلام – فضلاً عما سبق – مرونته وحيويته، حيث تبين من خلال الدراسة أنه يجمع في إحكامه بين الثبات والمرونة . وتمثل عنصر الثبات في المبادئ والأسس التي يقوم عليها من العدل والمساواة واعتماد مبدأ الشورى، وكفالة الحقوق والحريات، فتلك مبادئ يتطلع إليها أي مجتمع يبغي التقدم والرقي، ولا يصلح – في الإسلام – أن يبني نظام للحكم يخالف مقتضي هذه المبادئ وتلك الأسس .

وتمثل عنصر المرونة في التوسعة التي تركها التشريع الإسلامي للأمة في مجال تنطبيق هذه المبادئ، وقد رأينا في الدراسة ما ذكره العلماء من أن الله تعالي وسع على الحكام وعلى الأمة عامة في هذا المجال، حتى قال الإمام ابن عقيل : “إن السياسة ما كان فعلاً يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول – صلى الله عليه وسلم – ولا نزل به وحي ” فالسياسة هي ما وافق الشرع، أي لم يخالف ما نطق به الشرع، وليست السياسة فقط ما نطق به الشرع، وإلا وقع الناس في حرج عظيم، وفى ذلك أيضاً ما ذكره الإمام ابن تيمية في تقديمه لكتاب السياسة الشرعية … وهذه الرسالة – يقصد السياسة – مبنية على آيتين من كتاب الله تعالي، وهما قول الله تعالي (إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا)، وقوله تعالي (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ …). والغرض من ذلك – كما بينا – ترك المجال للاجتهاد في مجال نظم الحكم والسياسة عامة، حتى تستطيع الأمة من خلاله الوصول إلى تحقيق المصالح ودرء المفاسد.

وبذلك يتحقق لنظام الحكم في الإسلام بتلك الخصوصية الجمع بين الأصالة، والمعاصرة والحداثة، فلا ينحرف عن العقيدة ومبادئ الدين وقيمة وأخلاقه، ولا يبتعد عن الأخذ بأسباب التقدم والرفاهية، ومواكبة التطورات، ومقتضيات الحضارة الحديثة.

ولقد كان للمسلمين – وبحق ([211]) – نظام سياسية يطبق، بدأه الرسول – صلى الله عليه وسلم – فوضع معالمه، وحدد أحكامه وبين قواعده، وطبق تعاليمه، وطبقه من بعده الخلفاء والأمراء والولاة في عصور الدول الإسلامية المتعاقبة، وإن بنسب متفاوتة.

ولئن أساء بعض الخلفاء، أو بعض الأمراء، أو الولاة تطبيق أحكام الإسلام، أو خالفوا بعض مبادئه … فهم بشر يخطئون ويصيبون، فالعبرة بأحكام الإسلام وتشريعاته لا بتصرفات المسلمين فأحكام الإسلام تؤخذ من مصادره لا من أفعال المسلمين. بخاصة إذا تذكرنا في ذلك حديث النبي – صلى الله عليه وسلم – الذي أخبرنا فيه بأن مسائل الحكم والسياسة هي من الفروض والأوامر، وأنها أول ما ينتقض عرى الإسلام، فقد روى عنه – صلى الله عليه وسلم – أنه قال : “لتنتقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، وأولهن نقضاً الحكم، وأخرهن الصلاة “. وعرى الإسلام يعني فرائضه وأوامره، ومعني قوله – صلى الله عليه وسلم – “وأولهن نقضاً الحكم” هو عدم الحكم بشرع الله تعالي، والانحراف عن أحكام الإسلام في هذا الجال، وهذا هو اواقع اليوم في غالب الدول المنتسبة للإسلام، التي تحكم بقوانين مخالفة لشريعة الله تعالي.

وقد رأيت في نهاية الدراسة أن اذكر بعض التوصيات راجياً أن تكون موضع الملاحظة ومحل الاهتمام، وهي :

أولاً: تشكيل لجنة من ذوي الاختصاص والخبرة بعلم السياسة الشرعية، والنظم الدستورية والسياسية الوضعية، يوكل إليها وضع تصور شامل أو نظرية عامة للنظام السياسي ونظام الحكم في مصر على أسس من التشريع الإسلامي ومبادئه وقواعده، ومقاصده.

أو على الأقل تنقيح القوانين القائمة في مجال الحكم والدولة والسياسة والإدارة وتنقيتها من كل ما يتضمن مخالفة للشريعة الإسلامية، وذلك بدءاً بالدولة، وتحديد نظاماً الأساسي وأسسه، والمقومات الأساسية للمجتمع، السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والأخلاقية، إلى غير ذلك . وتأمين حقوق المواطنين في العمل، والولايات أي الوظائف العامة على أسس من العدل وتحقيق المساواة، وتنظيم سائر الحقوق والحريات والواجبات العامة.

ثم تحديد نظام الحكم في الدولة، من حيث طريقة وأسس اختيار الحاكم أو رئيس الدولة – أياً كان لقبه – وتحديد الشروط الواجب توافرها فيمن يحق له أن يكون رئيس دولة وفقاً للنظام الإسلامي، وتحديد مسئولياته ومهامه على نحوة يُمكن من مراقبته ومحاسبته، إتباع في ذلك لمنهج النبي – صلى الله عليه وسلم – والخلافاء من بعده كما رأينا من خلال الدراسة، وكذلك كيفية اختيار معاونيه من الوزراء والأمراء، وأهل الشورى إلى غير ذلك، وتحديد وبيان مبدأ السيادة([212])، والسلطات ومصدرها في الدولة، وهكذا إلى غير ذلك من سائر المسائل والإشكاليات التي يقتضيها إقامة نظام سياسي يستطيع تحقيق رفاهية المجتمع وازدهاره.

وهذه اللجنة وهي في سبيل قيامها بتلك المهمة الشاقة لها أن تطلع على حضارات وثقافات أخرى، وتقتبس من نظمها ما يمكن أن تستفيد منه في تحقيق الغاية المنشودة، على أن يكون الاقتباس عن وعي وإدراك، وبحذر في ذات الوقت، ثم يصبغ بالصبغة الإسلامية، فالأمر في هذا المجال على التوسعة كما علمنا، فلا حرج في ذلك ولا مانع، وقد فعل ذلك السلف الصالح، كما أن الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها.

– وتجدر الإشارة في هذا المقام إلى أنه لا خوف ولا ضرر على غير المسلمين من المواطنين من تطبيق أحكام الإسلام أو تبني نظام إسلامي للحكم والسياسة، فهؤلاء مواطنون أصلاء شركاء في الوطن والمصير، لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، وهم متساوون – بحسب الأصل مع المسلمين في الحقوق والواجبات، وفى عصمة دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وإن نظرة في التشريع الإسلامي فيما يتعلق بغير الملمين وحقوقهم في الدولة الإسلامية لكفيلة بإثبات ذلك وتأكيده، بل التأكيد على أن حماية كافة حقوقهم لن تكون إلا بتطبيق أـحكام الإسلام الصحيح.

فلو رجعنا بلمحة موجزة إلى عهود الصلح التي عقدها الرسول – صلى الله عليه وسلم – وخلفاؤه الراشدون من بعده مع غير المسلمين لتأكد لنا ذلك، ولتبين لنا مقدار عدل الإسلام وسماحته وسعة صدره لمخالفيه في العقيدة والدين، وأنه ليست المخالفة في الدين سبباً للعداء أو الاعتداء على غير الملمين، وبذلك تتبدد تلك المخاوف وتتبدل إلى طمأنينة وسكينة . فمن ذلك على سبيل المثال : ما جاء في كتاب الرسول – صلى الله عليه وسلم – لأهل نجران: “… ولنجران وحاشيتها جوار الله، وذمة محمد النبي – صلى الله عليه وسلم – على أموالهم وأنفسهم، وأرواحهم وملتهم وغائبهم، وشاهدهم، وعشيرتهم …”. وفى رواية ” وأن لا يفتنوا عن دينهم …” ثم كتب لهم بمثل ذلك أيضاً أبو بكر الصديق فجاء في كتاب لهم: “… لأهل نجران جوار الله وذمة محمد النبي رسول الله … على أنفسهم وأراضيهم وملتهم وأموالهم … وأساقفهم ورهبانهم وبيعهم … ولا يغير أسقف من أسقفيته ولا راهب من رهبانيته، وفاء لهم بما كتب لهم محمد النبي – صلى الله عليه وسلم – … ” ثم كتب لهم عمر كذلك بمثل ما كتب أبو بكر، وكذلك عثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين … وكذلك ما جاء في صلح عمر رضي الله عنه مع أهل “إيلياء” – القدس – فجاء في كتابه لهم” … أماناً لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم …” وكذلك صلح خالد مع أهل الحيرة في عهد أبي بكر … وهكذا حتى تواتر عمل السلف الصالح، وأقر ذلك فقهاء المذاهب الإسلامية في كتب مذاهبهم، مما يدل على قمة التسامح مع غير المسلمين، وعدم إكراههم على الدين، أو محاولة فتنتهم عن دينهم أو الاعتداء على حقوقهم وحرياتهم. مع ملاحظة أن ذلك كان في وقت قوة الإسلام وعزته، وكان المسلمون آنذاك فاتحين منتصرين . ومع ذلك كانوا في قمة التسامح مع أهل هذه البلاد برغم مخالفتهم في الدين والاعتقاد. وإذا كان الأمر كذلك مع هؤلاء فإنه مع المواطنين من غير المسلمين من باب الأولى([213]).

ثانياً: ضرورة الاهتمام بالبالغ بتدريس الدين الإسلامي وتعليمه للناشئة على سبيل الإلزام في صفوف التعليم المختلفة وتحديداً – ولا يغني عن ذلك إمكانية تعليمه بوسائل أخرى أو في أماكن أخرى فالمقصود أن يكون رسمياً – ومنذ الصغر، وتربيتهم على آدابه وأخلاقه ومبادئه، فمن الأهمية بمكانة أن نعلم أبنائنا وناشئتنا بسيد الخلق محمد – صلى الله عليه وسلم – ونربيهم على سيرته وحسن خلقه وكرمه ورحمته بالعالمين جميعاً، ونغرس في نفوسه من أهمية الاقتداء به – صلى الله عليه وسلم – ونؤكد لهم أن هذا من الواجبات الدينية المؤكدة.

وهذا المطلب ليس بخارج عن السياق، إنما هو أساس في الموضوع وذلك لأوجه كثيرة منها: 1- إن الدين الإسلامي – وينص الدستور – هو دين الدولة، ودين الأغلبية الساحقة للشعب المصري، بل إن غير المسلمين من المصريين لا يشكلون إلا أقلية . كما أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، وبالتالي فإن هذا المطلب يعد مطلباً دستورياً.

إضافة إلى ذلك فإن المنطق العادي للأمور والواقع العملي يقتضيان ضرورة الاهتمام بالإسلام تعليماً وتعلماً، حتى يمكن فهم أحكامه وتطبيقها، وإلا فكيف يكون الإسلام هو الدين الرسمي للدولة، ومبادئ الشريعة هي المصدر الرئيسي للتشريع من غير أن نتعلم أحكامه ؟ وكيف نظفر بحاكم يعرف حدود دينه، ويقدر مسئوليته عن إقامة الدين وحفظه – وقد علمنا أن ذلك من مهام الحاكم في الإسلام – ومسئوليته عن رعيته في كل شئونهم أمام الله تعالي من غير أن يتعلم الإسلام؟ وكيف نظرفر بحكومة يعرف أفرادها حدود مسئولياتهم عن دينهم وعن رعيتهم من غير أن يتعلموا الإسلام؟ وكيف نظفر بشعب يقدر أفراده حكامهم ويطيعونهم بأمر الله تعالي، ويحافظون على أوطانهم من غير أن يتعلموا الإسلام؟

2- إن هذا المطلب يتفق مع ما نص عليه الدستور المصري الحالي في المادة (12) منه والتي تنص على أن : “يلتزم المجتمع برعاية الأخلاق وحمياتها، والتمكين للتقاليد المصرية الأصيلة، وعليه مراعاة المستوى الرفيع للتربية الدينية والقيم الخلقية والوطنية …” ولن يتحقق ذلك إلا بالإسلام، إذ أن الأخلاق الكريمة والقيم الخلقية الرفيعة، وكذلك غرس قيمة الوطنية والمواطنة وبذل النفس والمال وكل غال ونفيس من أجل سلامة الوطن هو من الإسلام، ومن ثم فإن ذلك يحتم الاهتمام الإسلام ويفرضه فرضاً في مناهج التعليم المختلفة.

3- إن من أهم الأمور التي تؤكد على ضرورة الاهتمام بتدريس الإسلام على سبيل الإلزام في مدارسنا وجامعاتنا أننا نجد أن من بين من ينادون بإقصاء الإسلام وأحكامه عن مجال التطبيق، ويحذرون من صياغة نظام للحكم والسياسة من خلال التشريع الإسلامي – وللأسف الشديد – من المسلمين، بل ويرون تبني أو اقتباس نظام للحكم من مذاهب إلحادية كالعلمانية والليبرالية وغيرها، وذلك يرجع إلى جهل هؤلاء بحقيقة دينهم، وعدم معرفتهم لسماحة أحكامه وعدالتها ورقيها، وقلة الوازع الديني لديهم كما سبق أن ذكرنا . وأن ما يطالبون به من حريات وحقوق من خلال تلك المذاهب الزائفة الخادعة إنما هي من إبجديات الإسلام وبدهياته، ولكن كيف يتسنى لهم أن يعرفوا ذلك وهم لم يعرفوا شيئاً عن الإسلام إلا بعض مظاهر العامة؟

4- لا شك في أن الاهتمام بالتربية الإسلامية من قبل الدولة بوضعها ضمن قائمة المناهج الأساسية الإلزامية أمر في حد ذاته يشعر بأهميتها، ومن ثم يكون باعثاً قوياً يسهم في تحقيق مقاصد الشريعة الإسلامية وغاياتها من أحكامها عامة، ومن نظام الحكم فيها خاصة، حيث تهدف إلى الرحمة، والعدل، والمساواة، وحفظ الدين، والأنفس، والأموال والأعراض، وكذلك العمل على إصلاح حال الناس والحرص على تحقيق مصالحهم، ودرء المفاسد عنهم، وحفظ حقوقهم وإنصافهم، وحفظ البلاد والأوطان، وصيانة حدودها وثغورها، ونصرة المسلمين وتحقيق عزتهم . والعمل على وحدة الأمة .

ولقد كان تغييب الدين بتهميش مادة التربية الإسلامية عن الدراسة سياسة مقصودة لتغريب الدين عن أهله، وتغريبهم عنه، وقد تحققت بعض أهدافها في بعض طوائف الأمة، لولا أن الله تعالي قضى بأن يظل الخير في هذه الأمة إلى يوم القيامة، فقيض لها من أهل الخير من عبادة – أفراداً ومؤسسات وهيئات – من يعتني بالمحافظة على الإسلام والقرآن وكافة أحكام الإسلام تعلماً وتطبيقاً.

ومما يدعو إلى العجب وإثارة الدهشة أن هؤلاء الذين ينادون بإبعاد الإسلام عن مناهج التعليم، يطالبون في الوقت نفسه بتدريس مادة الجنس أو ما يسمي الثقافة الجنسية ووضعها ضمن مناهج التعليم الإلزامية بل ويتهمون من يعارض ذلك بالرجعية والتخلف ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ولكن، وبعد زوال ذلك النظام الذي كان المتهم الأول في تلك السياسة فإن الفرصة سانحة ومواتية لتغيير تلك السياسة والعودة إلى تنقيح مناهجنا الدراسية وتربية أبنائنا على قيم ديننا الحنيف، لنضمن بذلك أجيالاً صالحة تتحلى بقيم الإسلام وأخلاقه الفاضلة، ولنظفر من خلال ذلكم بمجتمع فاضل تصان فيه الأنفس والأعراض والأموال والممتلكات، وسائر الحقوق . ويعرف فيه الحكام والمحكومين حدود مسئولياتهم أمام الله تعالي، وعندئذ نجد الحاكم الذي يقوم بأمر الله تعالي، ويتقيه في رعيته، فالراعي من جنس الرعية وكيفما تكونوا يولى عليكم.

ثالثاً وأخيراً: أوصى المسلمين عامة، والدعاة منهم خاصة، بالعمل الجاد والحث على توحيد الصف وجمع الأمة على كلمة سواء . فإن من أهم مقاصد الشريعة الإسلامية وغاياتها تحقيق وحدة الأمة وتأكيدها. فأصولنا تحتم ذلك، فإلهنا واحد، ونبينا واحد وكتابنا واحد هو القرآن الكريم. كما أن شعائر الدين أيضاً تلفت إلى ذلك، فالجماعات، والصيام وسائر العبادات والجنائز، والأعياد وغير ذلك من الشعائر تحرص على الوحدة بين المسلمين، وتقضي على أسباب الخلاف والقاق بينهم، ذلك أرشدنا الله سبحانه إلى ذلك في قوله عز وجل: (إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ). وأمرنا بها في قوله سبحانه (واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا واذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إخْوَانًا) كما حذرنا سبحانه من التفرق والتنازع وبين سوء عاقبة ذلك في قوله: (وأَطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ واصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ).

فوحدة الأمة إذن واجب ديني يحقق عزتها وقوتها، كما أن التفرق والتنازع يوهنها ويضعفها، ومن ثم، يجب الأخذ بأسباب الوحدة، والابتعاد عن كل أسباب التفرق، وحتى نسد الباب ونقطع الطريق على من يزعمون أن المسلمين شيعاً وأحزاباً متفرقين غير متآلفينو ولا متفقين ويتخذون ذلك ذريعة لتوسعة الهوة بين أتباع الإسلام ويتساءلون بخبث وجهل وسوء نية، بصدد الحديث عن المطالبة بتطبيق أحكام الإسلام في البلاد – ويقولون أي إسلام نطبق؟ وإلى أي فريق من المسلمين ننحاز وننتبع ؟ هل الأخوان، أم السلف، أم الجماعة؟ وهكذا .

فلابد أن تثبت لهؤلاء وغيرهم أن المسلمين جماعة ووحدة واحدة غايتهم واحدة، وإن اختلفت مناهجهم، يحتكمون إلى أصول ثابتة، ومرجعية وموارد للأحكام صافية واضحة، تعتمد على القرآن الكريم وسنة النبي – صلى الله عليه وسلم – وما يستنبط منهما وعلى هديهما من الأحكام.

وأتمني أن يكون ذلك الاتحاد للأمة تحت رعاية الأزهر الشريف، تلك الهيئة العلمية الإسلامي وأحكام الإسلام الوسطي المعتدل السديد، ويعمل الأزهر دائماً على إحياء علوم الدين وتجديدها، طبقاً لمذاهب أهل السنة والجماعة الذي يجمع بين العقل والنقل . ويكشف عن قواعد التأول المرعية للنصوص الشرعية، ومن ثم يتخذه العالم الإسلامي رمزاً للإسلام وأحكامه السمحة الغراء، ويعدونه المنارة الهادية التي يستضاء بها، ويحتكم إليها في حل مشكلات المسلمين عامة، وفى تحديد علاقة الدولة بالدين، وبيان أسس السياسية الشرعية الصحيحة التي ينبغى انتهاجها، ارتكازاً على خبراته المتراكمة، وتاريخه العلمي الثقافي المديد.

ولكن لابد لذلك كله من أن ينال الأزهر استقلاله وتحرره ليتمكن من الاضطلاع بتلك المهام الجسام، ويؤدي مهمته بحرية كاملة في حفظ الدين وتبليغه، ونشره للعالمين، ثم يمنح صلاحيات من شأنها أن يكون مرجعاً للمسلمين، وعوناً للدول والحكومات على وضع التشريعات الحديثة التي لا تنافى صحيح الدين.

وأخيراً : دعاؤنا الله عز وجل أن يحمي مصرنا وأهلها جميعاً وسائر أمصار المسلمين بالإسلام، وأن ينعم علينا بالعيش الكريم في ظل شريعته الغراء، إنه على كل شيء قدير.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

قائمة المراجع

1- القرآن الكريم والتفاسير

  1. الألوسي ، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني .
  2. القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن ،مجلد 3 .
  1. السنة النبوية
    1. ابن حجر العسقلاني : فتح الباري بشرح صحيح البخاري – دار الحديث – القاهرة – الطبعة الأولى سنة 1998 .
    2. أبو داود – سنن أبي داود – دار الحديث القاهرة .
    3. الترمذى : الجامع الصحيح – سنن الترمذى – تحقيق أحمد محمد شاكر – دار الحديث – بدون تاريخ .
    4. مسلم : صحيح مسلم – دار إحياء الكتب العربية – بدون تاريخ .
    5. ابن هشام ، السيرة النبوية ، المجلد الثاني .

3- معاجم اللغة العربية

  1. الجرجاني : التعريفات – دار الريان للتراث
  2. الرازي –مختار الصحاح ترتيب السيد محمود خاطر – الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية – الطبعة التاسعة 1963 .
  3. مجمع اللغة العربية – المعجم الوجيز – سنة 2004 م.
  4. الزبيدي –تاج العروس – دار الفكر العربي – بيروت سنة 1994 ، 321 مادة (سوس) .
  5. الفيروزي آبادي القاموس المحيط مؤسسة الرسالة – الطبعة السادسة سنة 1998 .
  6. محمد قلعجي – معجم ألفاظ الفقهاء دار النفائس للطباعة والنشر – بيروت – الطبعة الثانية سنه 1998 .

4- الفقه الإسلامي وأصوله

1- إبراهيم العناني ، المساواة وعدم التمييز في الشريعة الإسلامية والقانون الدولي ، منشور ضمن أعمال الندوة العلمية بعنوان حقوق الإنسان بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي ، أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية ، الرياض الطبعة الأولى 2001 .

2- ابن الجوزي ، ابي الفرج عبد الرحمن بن على بن محمد بن الجوزي ، مناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، دار العقيدة للتراث ، الإسكندرية .

3- ابن القيم ، الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ، دار الكتب العلمية ، الطبعة الأولي ، 1995 .

4- ابن تيمية ، السياسة الشرعية في إصلاح .الراعي والرعية ، دار الكتب العربية ، بيروت .

5- ابن عابدين – حاشية رد المحتار – دار الفكر للطباعة والنشر – بيروت ج 4 .

6- ابن عقيل الحنبلي في كتاب الطرق الحكمية لابن القيم – طبعة دار الكتب العلمية – بيروت – الطبعة الأولي سنة 1995

7- ابن فرحون : تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام ، شركة ومطبعة الحلبي ، 1958 .

8- أحمد الشافعي – رحمه الله – أصول الفقه الإسلامي ، منشورات الحلبي الحقوقية ، بيروت ، سنة 2002

9- أحمد عمر هاشم ، المساواة حق من حقوق الإنسان ، مؤتمر عن المساواة في القانون الوضعي والشريعة الإسلامية ، الإسكندرية ، 2002 .

10- أحمد فراج حسين أصول الفقة الإسلامي ، الدر الجامعية ، سنة 1998 .

11- إسحاق بن عقيل عزوز المالكي ، الفرق الإسلامية ، دار ابن حزم .

12- أسعد مدني ، الدولة الإسلامية ، دولة إنسانية ، مؤتمر رعاية الإسلام للقيم والمعاني الإنسانية ، 1971 .

13- الإمام ابن تيمية – الحسبة في الإسلام .

14- الإمام السيوطي ، تاريخ الخلفاء ، دار المنار ، ميدان الحسين ، القاهرة ، ص 50 .

15- الإمام الشاطبي ، رحمه الله ، الاعتصام ، مطبعة السعادة ، جـ2 ، ص 305 ، 310 ، جـ1

16- الإمام بن القيم ، إغاثة اللهفان ، تحقيق محمد كيلاني ، مطبعة الحلبي ، 1961 م .

17- بأقر شريف القرشي ، النظام السياسي في الإسلام ، دار المعارف للمطبوعات – بيروت ، الطبعة الثانية 1398 .

18- جابر عبد الهادي سالم ، ترسيخ العمل بالسياسة الشرعية في ظل اتجاهات العولمة ، دعوة للإصلاح التشريعي في الوطن العربي ، دار الجامعة الجديدة ، الإسكندرية ، 2007 .

19- جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي ، إصدار المجلس الأعلي للشئون الإسلامية ، بجمهورية مصر العربية ، سنة 1368 هـ ، جـ1 .

20- رمزي دراز ، السكوت وأثره على الأحكام في الفقه الإسلامي .

21- رمزي محمد على دراز ، فكرة تنازع القوانين في الفقه الإسلامي ، سنة 1999 .

22- رمضان الشرنباصي ، المدخل لدراسة الفكر الإسلامي ، دار النيل للطباعة والنشر .

23- رياض منصور الخليفي ، المقاصد الشرعية وأثرها في فقه المعاملات المالية ، منشور بمجلة جامعة الملك عبد العزيز ، الاقتصاد الإسلامي ، مجلد 17 ، ع1 ، سنة 1425 هـ ، سنة 2004 م .

24- زكريا عبد الرازق المصري – استراتيجية الصحوة الإسلامية في كيفية التعامل مع العلمانية الشرقية والعلمانية الغربية – الطبعة الأولي سنة 2009 .

25- سعد بن مطر العتيبي – مدلول السياسة الشرعية مقال منشور على شبكة الانترنت بملتقي المذاهب الفقهية .

26- سعيد سعد مرطان ، مدخل للفكر الاقتصادي في الإسلام ، مؤسسة الرسالة ، الطبعة الأولي ، سنة 1986 م .

27- سماحة الشيخ عبد الله غوشة وزير الشئون الدينية بالأردن سابقا”، رعاية الإسلام للقيم والمعاني الإنسانية في الدولة الإسلامية منشور بأعمال المؤتمر السادس لمجمع البحوث الإسلامية 1971 .

28- سمير عاليه ، علم القانون والفقه الإسلامي ، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ، الطبعة الأولي ، 1991 .

29- صلاح عبد الفتاح الخالدي ، الشوري في القرأن الكريم من مؤتمر الشورى في الإسلام .

30- عبد الحميد إسماعيل الأنصاري – نظام الحكم في الإسلام – سنة 1985 .

31- عبد الحميد إسماعيل الأنصاري ، الشورى وأثرها في الديمقراطية ، منشورات المكتبة العربية ، الطبعة الثانية .

32- عبد الحميد متولي ، الدولة في الإسلام مشكلة السيادة أو سلطان الدولة المجلد الثاني ، سلسلة دراسات عن التشريع الإسلامي والنظم القانونية الوضعية ، إصدار اليونسكو ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، سنة 1978 .

34- عبد الرحمن تاج – السياسة الشرعية والفقه الإسلامي – مطبعة دار التأليف الطبعة الأولي سنة 1953م.

35- عبج الرحيم بن صمايل السلمي . حقيقة الليبرالية وموقف الإسلام منها مركز التأصيل للدراسات والبحوث – الطبعة الأولي – سنة 2009 .

36- عبد الستار الشيخ في عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين من سلسلة أعلام المسلمين ، طبع دار القلم ، دمشق ، الطبعة الثانية 2005 .

37- عبد العزيز عزت الخياط – النظام السياسي في الإسلام – النظرية السياسية – نظام الحكم ، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع – الطبعة الثانية سنة 2004م .

38- عبد العزيز عزت الخياط – النظام السياسي في الإسلام – دار السلام – الطبعة الأولي ، سنة 1999.

39- عبد القديم زلوم – نظام الحكم في الإسلام – كتاب موسع منقح على كتاب نظام الحكم في الإسلام لمؤلفه : تقي الدين البنهاني – الطبعة السادسة سنة 2004.

40- عبد الله محمد القاضي ، السياسة الشرعية مصدر للتقنين بين النظرية والتطبيق ، الطبعة الأولي عام 1989.

41- عبد الله محمد رباعية – توظيف السياسة الشرعية في النهوض بالأمة الإسلامية – منشور بمجلة جامعة الشارقة للعلوم الشرعية والقانونية – مجلد 5 عدد 3 أكتوبر 2008 .

42- عبد الوهاب خلاف – السياسة الشرعية أو نظام الدولة الإسلامية ، مؤسسة الرسالة ، الطبعة السادسة ، 1997م .

43- علاء بكر – الإسلام والليبرالية – مكتبة فياض سنة 2011 .

44- علاء بكر – مذاهب فكرية في الميزان “محاضرات في الغزو الفكري” راجعه د/ ياسر برهامي مكتبة فياض المنصورة – الطبعة الأولي سنة 2011م .

45- على عبد الرازق في كتاب الإسلام وأصول الحكم ، الطبعة الأولي ، مطبعة مصر ، سنة 1925

46- فايز محمد حسين ، د. طارق المجذوب ، تاريخ النظم القانونية ، منشورات الحلبي الحقوقية 2007.

47- فؤاد العطار ، النظم السياسية والقانون الدستورين دار النهضة العربية ، 1966 .

48- ماجد راغب الحلو ، الدولة في ميزان الشريعة ، دار المطبوعات الجامعية 1996 .

49- الماوردي ، الأحكام السلطانية والولايات الدينية ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، بدون تاريخ .

50- محمد الطاهر بن عاشور ، مقاصد الشريعة الإسلامية ، دار السلام ، الطبعة الثانية ، سنة 2007م .

51- محمد المبارك ، نظام الإسلام “الحكم والدولة ” دار الفكر ، مشار إلية في كتاب عمر بن عبد العزيز للأستاذ عبد الستار الشيخ .

52- محمد أمين الكردي الأربيلي ، تنوير القلوب في معاملة علام الغيوب ، المكتبة العصرية ، بيروت سنة 2005.

53- محمد بلتاجي – منهج عمر بن الخطاب في التشريع ، دار السلام – الطبعة الثالثة 2006م .

54- محمد حسن قاسم ، المدخل لدراسة القانون ، جـ1، القاعدة القانونية ، منشورات الحلبي الحقوية ، سنة 2007.

55- محمد سراج ، الفقه الإسلامي بين النظرية والتطبيق ، سنة 1993، 15 ، 16.

56- محمد سعيد رمضان البوطي ، خصائص الشوري ومقوماتها .

57- محمد سلام مدكور ، الإسلام وأثره في الثقافة العالمية ، للمجلس الأعلي للشئون الإسلامية ، سنة 1968م .

58- محمد ضياء الدين الريس ، الخراج والنظم المالية للدولة الإسلامية ، دار الأنصار بالقاهرة ، الطبعة الرابعة ، سنة 1977م .

59- محمد عبد الله العربي – نظام الحكم في الإسلام – طبعة بيروت ص 21 ، مشار إليه في : تعريف نظام الحكم وطبيعته وغايته تأليغ د/ فؤاد عبد المنعم أحمد . مقال مجلة البعث الإسلامي – العدد الخامس أغسطس 1990 على شبكة الألوكة الشرعية .

60- محمد كمال الدين إمام ، الفقه الإسلامي ، تاريخ العقل الفقهي ، دار الجامعة الجديدة ، 2004.

61- محمد كمال الدين إمام ، في منهجية التقنين ، دار المطبوعات الجامعية ، سنة 1997 ، ص 10، 11.

62- محمد كمال الدين إمام ، مقدمة لدراسة الفقه الإسلامي ، مدخل منهجي ، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ، الطبعة الأولي ، سنة 1996.

63- محمد كمال إمام ، د. رمزي دراز ، أصول الفقه الإسلامي ، منشورات الحلبي الحقوقية ، سنة 2008.

64- محمد مصطفي شلبي ، تعليل الأحكام ، مطبعة الأزهر ، 1947م

65- محمد نجيب المطيعي “حقيقة الإسلام وأصول الحكم”

66- محمد يوسف موسي ، المدخل لدراسة الفقه الإسلامي ، دار الفكر العربي ، الطبعة الثانية ، سنة 1961.

67- محمد يوسف موسي ، نظام الحكم في الإسلام ، دار الكاتب العربي للطباعة والنشر ، الطبعة الثانية ، بدون تاريخ .

68- مصطفي أبو زيد فهمي ، فن الحكم في الإسلام ، دار الفكر العربي ، الطبعة الثانية ، 193م .

69- مصطفي الزرقا ، الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد ، ط1 ، المدخل الفقهي العام .

70- مها سليم مكداش ، تغير الأحكام ، دار البشائر الإسلامية ، الطبعة الأولي ، 2007 .

71- موسوعة الفقه الإسلامي ، وزارة الأوقاف الكويتية ، ج32 .

72- وزارة الأوقاف والشئون – الكويت – الموسوعة الفقهية الكويتية . ج25 ص 203 .

73- يوسف القرضاوي – السياسة الشرعية في ضوء نصوص الشريعة ومقاصدها – مكتبة وهبة الطبعة الثالثة 2008 .

74- يوسف القرضاوي ، المرجعية العليا في الإسلام للقرآن والسنة ، مكتبة وهبة .


[1]سورة النساء – آية: 60 – 61.

[2] سورة آل عمران – آية: 19.

[3] سورة آل عمران – آية: 85.

[4] سورة النساء – آية: 60 – 61.

[5] سورة آل عمران – آية: 196 – 197.

[6] سورة الأنفال – آية: 59 .

[7] سورة النساء – آية: 65.

[8] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، مجلد 3، ص 232.

[9] سورة النور – آية: 50.

[10] ومع هذا فقد زعم البعض أن الإسلام دين فحسب، وأن النبي – صلي الله عليه وسلم – ما كان إلا رسولاً لدعوة دينية خالصة للدين، لا تشوبها بها نزعة ملك، ولا دعوة لدولة، ولم يكن للنبي – صلي الله عليه وسلم – ملك ولا حكومة، وما كان إلا رسولاً كإخوانه الخالين من الرسل. وما كان ملكاً ولا مؤسساً لدولة. ويرى أن ولاية النبي – صلي الله عليه وسلم – على قومه ولاية روحية منشؤها إيمان القلب. وولاية الحاكم ولاية مادية تعتمد إخضاع الجسم من غير أن يكون لها بالقلوب اتصال … تلك للدين وهذه للدنيا. إلا أن ذلك رأي ظاهر البطلان، حيث يخالف الإجماع، كما يخالف واقع الإسلام وحقيقته. فالواقع الذي لاشك فيه أن النبي – صلي الله عليه وسلم – منذ أن استقر بالمدينة بدأ بتكوين الدولة الإسلامية، بمفهومها، وأركانها التي يجمع عليها رجال القانون في النظم المعاصرة. راجع في تفصيل هذا الرأي: الشيخ على عبد الرازق في كتاب الإسلام وأصول الحكم، الطبعة الأولى، مطبعة مصر، سنة 1925، ص 64، 69، 91.

لكن وعلى أثر صدور هذا الكتاب، توالت ردود العلماء عليه في كتب متعددة منها: نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم للأستاذ محمد خضر حسن، وكتاب حقيقة الإسلام وأصول الحكم لأستاذ محمد نجيب المطيعي، وكتاب نقد علمي لكتاب الإسلام وأصول الحكم، للأستاذ / السيد محمد الطاهر بن عاشور، راجع: د. عبد الحميد متولي، الدولة في الإسلام مشكلة السيادة أو سلطان الدولة المجلد الثاني، سلسلة دراسات عن التشريع الإسلامي والنظم القانونية الوضعية، إصدار اليونسكو،، الهيئة المصرية العامة للكتاب، سنة 1978، ص 17.

كما قام بالرد على هذا الرأي وبيان أن الإسلام دين ودولة وأن الرسول – صلي الله عليه وسلم – قام بتأسيس دولة وأنه – صلي الله عليه وسلم – نبياً وزعيماً للدولة كثير من العلماء حتى تحقق إجماع العلماء على أن الإسلام دين ودولة وأن الأمر واضح غاية الوضوح، راجع في ذلك شيء من التفصيل، رسالتنا للماجستير بعنوان فكرة تنازع القوانين في الفقه الإسلامي”، كلية الحقوق، جامعة الإسكندرية، سنة 1999م، ص 109، وما بعدها، طبع دار الجامعة الجديدة، بالإسكندرية، سنة 2004م.

[11] د. محمد ضياء الدين الريس، الخراج والنظم المالية للدولة الإسلامية، دار الأنصار بالقاهرة، الطبعة الرابعة، سنة 1977م، ص 88، د. محمد يوسف موسي، المدخل لدراسة الفقه الإسلامي، دار الفكر العربي، الطبعة الثانية، سنة 1961، ص 203، د. محمد سلام مدكور، الإسلام وأثره في الثقافة العالمية، للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، سنة 1968م، ص 17، أ.د. أحمد فراج حسين أصول الفقه الإسلامي، الدر الجامعية، سنة 1998م، ص 126، د. محمد حسن قاسم، المدخل لدراسة القانون، جـ1، القاعدة القانونية، منشورات الحلبي الحقوقية، سنة 2007، ص 237.

[12] سورة القصص – آية: 77.

[13] الماوردي، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، دار الكتب العلمية، بيروت، بدون تاريخ، ص 5.

[14] د. محمد ضياء الدين الريس، المرجع السابق، ص 88، د. محمد كمال الدين إمام، في منهجية التقنين، دار المطبوعات الجامعية، سنة 1997، سنة 1997، ص 10، 11.

[15] د. سعيد سعد مرطان، مدخل للفكر الاقتصادي في الإسلام، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، سنة 1986م، ص 12.

[16] د. يوسف القرضاوي، المرجعية العليا في الإسلام للقرآن والسنة، مكتبة وهبة، ص 13.

[17] ويستطرد في بيان ذلك فيقول – رحمة الله تعالي – ” فلا يقال: قد وجدنا من النوازل والوقائع المتجددة ما لم يكن في الكتاب ولا في السنة نص عليه ولا عموم ينتظمه، وأن مسائل الجد في الفرائض، والحرام في الطلاق … وسائر المسائل الاجتهادية التي لا نص فيها من كتاب ولا سنة، فأين الكلام فيها؟ فيقال في الجواب: أولاً أن قوله تعالي (اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ)، إن اعتبرت فيها الجزئيات من المسائل والنوازل فهو كما أردتم، ولكن المراد كلياتها، فلم يبق للدين قاعدة يحتاج إليها والنوازل فهو كما أردتم، ولكن المراد كلياتها، فلم يبق للدين قاعدة يحتاج إليها في الضروريات والحاجيات أو التكميليات إلا وقد بينت غاية البيان، نعم يبقى تنزيل الجزئيات على تلك الكليات موكولاً إلى نظر المجتهد، فإن قاعدة الاجتهاد أيضاً ثابتة في الكتاب والسنة فلابد من إعمالها ولا يسع تركها وإذا ثبت في الشريعة، أشعرت بأن ثم مجالاً للاجتهاد، ولا يوجد ذلك إلا فيما لا نص فيه. ولو كان المراد بالآية الكمال بحسب تحصيل الجزئيات بالفعل، فالجزئيات لا نهاية لها، فلا تنحصر برسوم، وقد نص العلماء على هذا المعني، فإنما المراد الكمال بحسب ما يحتاج إليه من القواعد الكلية التي يجرى عليها ما لا نهاية له من النوازل …”. أنر في ذلك تفصيلاً، الإمام الشاطبي رحمه الله، الاعتصام، مطبعة السعادة، جـ2، ص 305، 310، جـ1، ص 48.

[18] أنظر: الشاطبي، الاعتصام، المرجع السابق، جـ2، ص 310، د. يوسف القرضاوي، المرجعية العليا في الإسلام للقرآن والسنة، مرجع سابق، ص 183.

[19] راجع: رياض منصور الخليفي، المقاصد الشرعية وأثرها في فقه المعاملات المالية، منشور بمجلة جامعة الملك عبد العزيز، الاقتصاد الإسلامي، مجلد 17، ع1، سنة 2004م، ص 4.

وفى هذا السياق يقول الإمام محمد الطاهر بن عاشور: “معلوم بالضرورة أن شريعة الإسلام جاءت عامة داعية. جميع البشر إلى أتباعها، لأنها لما كانت خاتمة الشرائع استلزم ذلك عمومها لا محالة سائر أقطار المعمورة وفى سائر أزمنة هذا العالمي والأدلة على ذلك كثيرة … راجع محمد الطاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، دار السلام، الطبعة الثانية، سنة 2007م، ص 86. وأنظر في هذا المعني أيضاً. د. سها مكداش، تغير الأحكام، دار البشائر الإسلامية، الطبعة الأولى، سنة 2007، ص 270.

[20] راجع د. محمد كمال إمام، د. رمزي دراز، أصول الفقه الإسلامي، منشورات الحلبي الحقوقية، سنة 2008، ص 218.

[21] الإمام الشاطبي، الاعتصام، مرجع سابق، جـ2،  305.

[22] د. محمد كمال الدين إمام، مقدمة لدراسة الفقه الإسلامي، مدخل منهجي، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، سنة 1996، ص 21، 22.

[23] أنظر: الإمام الشاطبي، الاعتصام، مرجع سابق، جـ2، ص 306.

[24] أنظر: د. أحمد الشافعي – رحمه الله – أصول الفقه الإسلامي، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، سنة 2002، ص 151، وفى هذا المعني، د. أحمد فراج حسين، أصول الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ص 140، د. محمد سراج، الفقه الإسلامي بين النظرية والتطبيق، سنة 1993، 15، 16.

[25] الإمام الشاطبي، الاعتصام، مرجع سابق، جـ 2، ص 306، 307.

[26] أنظر: محمد الطاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، مرجع سابق، ص 91، 92.

[27] الشريعة والشرعة في اللغة: مورد الماء للاستقاء. سمي بذلك لوضوحه وظهوره، وتجمع الشريعة على شرائع. والشرع مصدر شرع بمعني وضح وظهر. وقد غلب استعمال هذه الألفاظ في الدين وجميع أحكامه. قال تعالي (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وصَّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ) (الشوري – آية: 13)، وقال سبحانه (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومِنْهَاجًا) (سورة المائدة – آية: 48). راجع موسوعة، جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي، إصدار المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، بجمهورية مصر العربية، سنة 1386هـ، جـ1، ص 13، موسوعة الفقه الإسلامي، وزارة الأوقاف الكويتية، ج32، ص 193، وما بعدها.

[28] د. يوسف القرضاوي، المرجعية العليا في الإسلام للقرآن والسنة، مكتبة وهبة، ص 13.

[29] هذا التقسيم هو بحسب موضوع الحكم الشرعي ومجاله وهو ما تعلق به خطاب الشرع، = = أو المحكوم فيه، وهو تقسيم حادث لم يعن به الفقهاء الأقدمون.

[30] أنظر في ذلك تفصيلاً: العلامة الشيخ محمد أمين الكردي الأربيلي، تنوير القلوب في معاملة علام الغيوب، المكتبة العصرية، بيروت، سنة 2005، ص 17، وما بعدها.

[31] أنظر: العلامة الشيخ إسحاق بن عقيل عزوز المالكي، الفرق الإسلامية، دار ابن حزم.

[32] سورة الأعراف – آية:179.

[33] سورة النساء – آية:78.

[34] سورة التوبة – آية:122.

[35] سورة هود – آية: 91

[36] اصطلاح الأحوال الشخصية اصطلاح وافد لم يعرف في الفقه الإسلامي في عصوره الأولى ولم تعرفه مصر قبل دخول النظم الغربية، وإنما ابتداعه الفقه الإيطالي في القرنين الثاني عشر والثالث عشر. وكلمة “أحوال” تعني “قوانين” وكان يقصد بالأحوال الشخصية مجموعة القواعد والأعراف التي تنظم المسائل المتعلقة بالأشخاص وهذا الاصطلاح كان يقابل اصطلاح الأحوال العينية، أي مجموعة القواعد والأعراف التي تنظم المسائل المتعلقة بالأموال، واستمر هذا الاصطلاح إلى وقتنا الحاضر في معظم النظم القانونية الأجنبية والعربية، ويقابله في الفقه الإسلامي “أحكام الأسرة”.

ومصطلح “الأحوال الشخصية” شدد الغموض حيث لا يمكن وضع تعريف منضبط ومحدد له، ولقد حاولت محكمة النقض المصرية تعريف الأحوال الشخصية وذلك في حكم شهير لها بتاريخ 21 يونيو عام 1934 فقال: “إن المقصود بالأحوال الشخصية مجموعة ما يتميز به الإنسان عن غيره من الصفات الطبيعية أو العائلية التي رتب عليها القانون أثراً قانونياً في حياته الاجتماعية ككون الإنسان ذكراً أو أنثي وكونه زوجاً أو أرمل أو مطلقاً أو كونه ابناً شرعياً … الخ”.

راجع في ذلك د. رمزي دراز، السكوت وأثره على الأحكام في الفقه الإسلامي، ص 95.

[37] يقصد بالتقنين جمع أحكام المسائل الفقهية في كل باب وصياغتها في مواد متتابعة مرقمة بحيث يختار في حكم كل مسألة رأي واحد من بين الآراء المتعددة، ويكون هذا الحكم هو المختار، وذلك بهدف توحيد الأحكام في المسائل المتشابهة، وتيسير مراجعة الأحكام الفقهية على القضاة والمتخاصمين وغيرهم، لأن ترتيب الأحكام الفقهية في مواد متتابعة، وفى أبواب منظمة مرتبة يؤدي إلى أخذ الأحكام منها بسهولة ويسر ويبتعد بالفقه عن التعصب المذهبي، ويحقق وحدة الأحكام وشمولها.

راجع د. رمضان الشرنباصي، المدخل لدراسة الفقه الإسلامي، ص 107- 108، د. محمد كمال الدين إمام، في منهجية التقنين، النظرية والتطبيق، ص 34.

[38] راجع في تعريف كلمة السياسة لغة: الزبيدي – تارج العروس – دار الفكر العربي – بيروت سنة 1994 ص 8 ص 321 مادة (سوس)، الفيروزي آبادي القاموس المحيط مؤسسة الرسالة – الطبعة السادسة سنة 1998م ص 551، محمد قلعجي – معجم ألفاظ الفقهاء دار النفائس للطباعة والنشر – بيروت – الطبعة الثانية سنة 1997، ص 252. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية – الكويت – الموسوعة الفقهية الكويتية ج25 ص 203.

[39] سورة الشورى – آية: 13.

[40] هذا التعريف منسوب لابن نجيم الحنفي في كتابه البحر الرائق – أنظر في ذلك ابن عابدين – حاشية رد المحتار – دار الفكر للطباعة والنشر – بيروت ج4 ص 179، باقر شريف القرشي، النظام السياسي في الإسلام، دار المعارف للمطبوعات – بيروت، الطبعة الثانية 1398 ص 58، د. سعد بن مطر العتيبي – مدلول السياسة الشرعية مقال منشور على شبكة الإنترنت بملتقى المذاهب الفقهية. ص 1، عبد الوهاب خلاف السياسة الشرعية أو نظام الدولة الإسلامية – مؤسسة الرسالة سنة 1997 ص 6.

[41] ابن عقيل الحنبلي في كتاب الطرق الحكمية لابن القيم – طبعة دار الكتب العلمية – بيروت – الطبعة الأولى سنة 1995 ص 11.

[42] هذا التعريف للبيجرمي. انظر الموسوعة الفقهية الكويتية المرجع السابق ج 24 ص 203.

[43] عبد الرحمن تاج – السياسة الشرعية والفقه الإسلامي – مطبعة دار التأليف الطبعة الأولى سنة 1953م ص 7، د/ عبد الله محمد رباعية – توظيف السياسة الشرعية في النهوض بالأمة الإسلامية – منشور بمجلة جامعة الشارقة للعلوم والقانونية – مجلد 5 عدد 3 أكتوبر 2008 ص 137.

[44] لدى د/ جابر عبد الهادي سالم الشافعي – ترسيخ العمل بالسياسة الشرعية – دار الجامعة الجديدة للنشر سنة 2006 ص 32.

[45] للمزيد من هذه التعريفات للسياسة الشرعية واتجاهات الفقهاء بشأنها راجع على سبيل المثال: الشيخ عبد الرحمن تاج – السياسة الشرعية والفقه الإسلامي، مرجع سابق – ص 7 وما بعدها، دكتور عبد الله محمد القاضي، السياسة الشرعية مصدر للتقنين بين النظرية والتطبيق، الطبعة الأولى عام 1989، ص 29 وما بعدها، د. جابر عبد الهادي سالم، ترسيخ العمل بالسياسة الشرعية في ظل اتجاهات العولمة، دعوة للإصلاح التشريعي في الوطن العربي، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، 2007، ص 25 وما بعدها.

[46] سورة الأنبياء – آية: 92.

[47] وهذا التعريف الذي اقترحناه للسياسة الشرعية يقترب كثيراً من التعريف الذي اقتراحه زميلنا الدكتور جابر عبد الهادي سالم إذ عرفها بأنه: “هي ذلك النوع من الفقه الإسلامي الخاص بالأحكام الشرعية التي تنظم الدولة، وتنظم علاقة الدولة بالأفراد وعلاقتها بغيرها من الدول والتي يقوم عليها إصلاح ورعاية وحفظ وتدبير أمور الأمة بغية تحقيق مصالحها ودفع المفاسد عنها”. فهذا التعريف وإن اختلف في شكله وصياغته عند تعريفنا إلا أنه  يؤدي نفس المعني.

راجع زميلنا الدكتور جابر عبد الهادي، المرجع السابق، ص 38.

راجع في ذلك: رمزي محمد على دراز، فكرة تنازع القوانين في الفقه الإسلامي، ص 22 وما بعدها.

[48] أنظر في ذلك – الموسوعة الفقهية الكويتية – مرجع سابق ج 25 ص 203.

[49] أنظر: عبد الرحمن تاج – السياسة الشرعية والفقه الإسلامي مرجع سابق – ص 7، د/ يوسف القرضاوي – السياسة الشرعية في ضوء نصوص الشريعة ومقاصدها – مكتبة وهبة الطبعة الثالثة 2008 ص 29، د/ عبد الله محمد ربايعة – توظيف السياسة الشرعية في النصوص بالأمة الإسلامية – مرجع سابق ص 140.

[50] راجع – ابن القيم الطرق الحكمية – مرجع سابق ص 11، عبد الرحمن تاج – السياسة الشرعية والفقه الإسلامي مرجع سابق ص11.

[51] الجزء الثالث من صحيح البخاري في “باب الشروط في الولاء” من كتاب الشروط.

[52] مذهب بعض الفقهاء كالشافعية أن اشتراط الولاء للبائع مبطل للبيع؛ وقد أجابوا عن الحديث – كما قال ابن حجر في فتح الباري على صحيح بخاري – بأن الصحيح أنه من خصائص عائشة. قالوا والحكمة في إذنه صلي الله عليه وسلم فيه ثم إبطاله أن يكون أبلغ في قطع عاداتهم في ذلك، كما أذن لهم في الإحرام بالحج في حجة الوداع ثم أمرهم بفسخه وجعله عمرة ليكون أبلغ في زجرهم عما اعتادوا من الامتناع عن العمرة في أشهر الحج. يراجع فتح الباري ج 5 ص 140 – 141.

[53] العسيف على وزن الأجير وهو بمعناه.

[54] راجع في هذا النقل الحرفي – عبد الرحمن تاج – السياسة الشرعية والفقه الإسلامي – مرجع سابق –  12 – 16.

[55] راجع د. عبد الله القاضي، المرجع السابق، ص 11.

[56] أنظر: عبد الوهاب خلاف، السياسة الشرعية أو نظام الدولة الإسلامية، مؤسسة الرسالة، الطبعة السادسة، 1997م، ص 7.

[57] أنظر في ذلك تفصيلاً د. عبد الله محمد ربايعة – توظيف السياسة الشرعية في النهوض بالأمة الإسلامية – مرجع سابق – ص 144 – 145.

[58] سورة الشوري – آية: 52، 53.

[59] سورة المائدة – آية: 6.

[60] أنظر د. عبدا لحميد متولي، مبادئ نظام الحكم في الإسلام، منشأة المعارف بالإسكندرية، الطبعة الثانية 1974، ص 32.

[61] النظام في اللغة مصدر من نظم الأشياء نظماً، ألفها وضم بعضها إلى بعض فالنظم التأليف، وضم شيء إلى شيء آخر. فهو من الترتيب والاتساق والتأليف، وأصله: الخيط الذي ينظم فيه اللؤلؤ. يقال: نظم اللؤلؤ إذا ألفه وجمعه في سلك واحد، ويطلق على ملاك الأمر، ونظمت الأمر فانتظم أي: أقمته فاستقام، وهو على نظام واحد، أي نهج غير مختلف فيه، وقد أطلقت لفظة النظام على الأحكام التي تنتظم في موضوع واحد وهي ملاك هذا الموضوع فكأنها حبات لؤلؤ نظمت بخيط واحد. وجمع النظام: نظم وأنظمة وأناظيم. والنظم أيضاً: تأليف الكلمات والجمل مترتبة المعاني متناسبة الدلالات على حسب ما يقتضيه العقل. وقيل الألفاظ المترتبة المسوقة المعتبر في دلالاتها على ما يقضيه العقل.

أنظر في ذلك: الجرجاني: التعريفات – دار الريان للتراث – ص 310، الفيروز آبادي القاموس المحيط – مؤسسة الرسالة – الطبعة السادسة سنة 1998 ص 1162، الرازي – مختار الصحاح ترتيب السيد محمود خاطر – الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية – الطبعة التاسعة سنة 1963 ص 667، مجمع اللغة العربية – المعجم الوجيز – سنة 2004م ص 623.

[62] هذا التعريف للدكتور: محمد عبد الله العربي – نام الحكم في الإسلام – طبعة بيروت ص 21، مشار إليه فيك تعريف نظام الحكم وطبيعته وغايته تأليف د/ فؤاد عبد المنعم أحمد. مقال مجلة البعث الإسلامي – العدد الخامس أغسطس 1990 على شبكة الألوكة الشرعية.

http: //www. alukah/ sharia/ 30239.

[63] راجع في ذلك: د. عبد العزيز عزت الخياط – النظام السياسي في الإسلام – النظرية السياسية – نظام الحكم، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع – الطبعة الثانية سنة 2004م ص 21.

[64] د. فؤاد عبدا لمنعم أحمد المرجع السابق ص 1/3.

[65] التعريف لأبي الوفا بن عقيل في كتاب الطرق الحكمية، المرجع السابق ص 11.

[66] عبد القديم زلوم – نظام الحكم في الإسلام – كتاب موسع منقح على كتاب نظام الحكم في الإسلام لمؤلفه: تقي الدين البنهاني – ص 17 – الطبعة السادسة سنة 2004.

[67] د/ عبد الحميد إسماعيل الأنصاري – نظام الحكم في الإسلام – سنة 1985 ص 7.

[68] قارب عبد الستار الشيخ، في كتابه: عمر بن العزيز. من سلسلة أعلام المسلمين، دار القلم، الطبعة الثالثة 2005م، ص 132.

[69] أنظر: عبد الستار في كتاب عمر بن عبد العزيز، مرجع سابق، ص 131، ود. سمير عاليه، علم القانون والفقه الإسلامي، مرجع سابق، ص 264، ود. جابر عبد الهادي، السياسة الشرعية، مرجع سابق، ص 54.

[70] سورة النساء – آية:59.

[71] أنظر: الإمام الماوردي – الأحكام السلطانية والولايات الدينية – دار الكتب العلمية – == بيروت – طبعة حديثة – ص 5 -6.

[72] أنظر: الإمام الماوردي، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، المرجع السابق، ص 5.

[73] أنظر: د. محمد يوسف موسى، نظام الحكم في الإسلام، دار الكاتب العربي للطباعة والنشر،، الطبعة الثانية، بدون تاريخ، ص 168، عبد الستار الشيخ في، عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين، دار القلم، دمشق، ص 132.

[74] سورة النساء – آية: 58.

[75] أنظر في ذلك: الألوسي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، ص 4، وص 102، في تفسير سورة النساء، آية: 58.

[76] سورة الذاريات – آية: 56.

[77] انظر: د. محمد يوسف موسى، نظام الحكم في الإسلام، مرجع سابق، ص 168، 169.

[78] سورة المائدة – آية: 54.

[79] أنظر: الإمام السيوطي، تاريخ الخلفاء، دار المنار، ميدان الحسين، القاهرة، ص 50.

[80] الإمام السيوطي، المرجع السابق، ص 55.

[81] أنظر: ابن الجوزي، أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي، مناقب أمير المؤمنين بن الخطاب، دار العقيدة للتراث، الإسكندرية، ص 58- 59.

[82] راجع الإمام ابن تيمية – الحسبة في الإسلام، ص 1.

[83] سورة المائدة – آية: 48.

[84] سورة المائدة – آية: 49.

[85] سورة النساء – آية: 59.

[86] سورة النساء – آية: 65.

[87] سورة الشورى – آية: 10.

[88] سنتعرض – بمشيئة الله تعالي – في موضع لاحق من الدراسة لمصادر نظام الحكم وأدلته في الشريعة الإسلامية إنما أردناالإشارة هنا فقط إلى مصدر الشرعية لنظام الحكم في الإسلام.

[89] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، في تفسير الآية 159، من سورة آل عمران.

[90] راع في ذلك عبد الستار الشيخ في عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين من سلسلة أعلام المسلمين، طبع دار القلم، دمشق، الطبعة الثانية 2005، ص 133، ولأن الشورى من أهم المبادئ التي يقوم نظام الحكم في الإسلام بل هي قاعدته الأساسية سيكون لنا وقفة معها في هذا البحث في موضع لاحق.

[91] وفى هذا الصدد يقول أحد الباحثين : “ويجب الحذر الشديد من التورط فيما وقع فيه عدد من المؤلفين والباحثين من اعتبار النظم الديمقراطية والانتخابات النيابية والاستفتاءات، هي بعينها الشورى الإسلامية، لاشك أن في هذا خطأ وتلفيقاً كبيرين . فمن الخطأ الشديد أن نشبه الشورى الإسلامية بنظم أرضية يشتغل أصحابها غفلة الجماهير ويتملقونهم ويزيفون ويغشون، ويشترون الأصوات وغير ذلك من المساوئ. إن الأسس المبدئية والعقائدية للنظامين مختلفة. والظروف التاريخية والاجتماعية مختلفة كذلك … أنظر أ. عبدا لستار الشيخ، المرجع السابق، ص 134.

[92] لم يعرف تاريخ الإسلام نظام الاستبداد المطلق، بل ظل قدر من التعددية قائماً من المستوى الثقافي الفكري من حيث تعدد المدارس الاجتهادية، ولم يكن الاستبداد وصفاً مميزاً لتاريخ الإسلام … ولئن وقع الاستبداد في فترة تاريخية فليس الإسلام مسئولاً عن ذلك لأنه ليس من الممكن أن نجد دليلاً على الاستبداد والظلم وتقييد حريات الإنسان في نصوص الشرع بل إن الإسلام دعوة لإقامة العدل ومحاربة الظلم.

[93] راجع محمد المبارك، نظام الإسلام “الحكم والدولة” دار الفكر، مشار إليه في كتاب عمر بن عبد العزيز للأستاذ عبد الستار الشيخ، مرجع سابق، ص 135.

[94] د. فؤاد العطار، النظم السياسية والقانون الدستورين دار النهضة العربية، 1966، ص 132.

[95] راجع في ذلك: سماحة الشيخ عبد الله غوشة وزير الشئون الدينية بالأردن سابقاً، رعاية الإسلام للقيم والمعاني الإنسانية في الدولة الإسلامية منشور بأعمال المؤتمر السادس لمجمع البحوث الإسلامية 1971، ص 175، د. فايز محمد حسين، د. طارق المجذوب، تاريخ النظم القانونية، منشورات الحلبي الحقوقية 2007، ص 34.

[96] راجع ما سبق في أهمية نظام الحكم.

[97] راجع في ذلك: د. محمد مصطفي شلبي، تعليل الأحكام، مطبعة الأزهر،1947م، ص 207، د. مصطفي الزرق، الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد، ط1، المدخل الفقهي العام، ص7، د. عبد الناصر العطار، مبادئ القانون مرجع سابق، ص 25.

[98] أنظر: الإمام بن القيم، إغاثة اللهفان، تحقيق محمد كيلاني، مطبعة الحلبي، 1961م.

[99] للمزيد من التفاصيل في ذلك راجع: د/ علاء بكر – مذاهب فكرية في الميزان “محاضرات في الغزو الفكري” راجعه د/ ياسر برهامي مكتبة فياض المنصورة – الطبعة الأولى سنة 2011م ص 44 وما بعدها.

[100] راجع في ذلك: هيئة علماء الصحوة الإسلامية في لبنان، والشيخ زكريا عبد الرازق المصري – إستراتيجية الصحوة الإسلامية في كيفية التعامل مع العلمانية الشرقية والعلمانية الغربية – الطبعة الأولى سنة 2009 ص 10، د/ علاء بكر – مذاهب فكرية في الميزان – مرجع سابق – ص 127.

[101] راجع في ذلك : العلمانية على شبكة الإنترنت موقع www. Said. Net/ mktart/ a/nani/ 12.htm.

[102] د/ علاء بكر – مذاهب فكرية في الميزان – مرجع سابق – ص 127.

[103] راجع في ذلك تفصيلاً – هيئة علماء الصحوة في لبنان د. زكريا المصري إستراتيجية الصحوة الإسلامية – مرجع سابق – ص 10 وما بعدها، د. علاء بكر مذاهب فكرية في الميزان – مرجع سابق – ص 127 وما بعدها.

[104] راجع ما سبق في عموم الشريعة الإسلامية في المبحث التمهيدي.

[105] سورة الأنعام – الآيات : 162 – 163.

[106] سورة البقرة – آية: 85.

[107] راجع: د/ عبد الرحيم بن صمايل السلمي . حقيقة الليبرالية وموقف الإسلام منها مركز التأصيل للدراسات والبحوث – الطبعة الأولى – سنة 2009 ص 6 وما بعدها.

[108] راجع في ذلك د/ علاء بكر – الإسلام والليبرالية – مكتبة فياض سنة 2011 ص 13 وما بعدها.

[109] للمزيد من التفصيل في ذلك راجع د/ عبد الرحيم بن صمايل السلمي. حقيقة الليبرالية وموقف الإسلام منها – مرجع سابق – ص 321 وما بعدها.

[110] أنظر في ذلك تفصيلاً: / عبد الرحيم بن صمايل السلمي. حقيقة الليبرالية وموقف الإسلام منها – مرجع سابق – ص 391- 392 وما بعدها.

[111] سورة الإسراء – آية: 70.

[112] أنظر: د/ علاء بكر – الإسلام والليبرالية – مرجع سابق – ص 377.

[113] سورة القصص – آية: 50.

[114] سورة الجاثية – آية: 23.

[115] أنظر : أ. أسعد مدني، الدولة الإسلامية، دولة إنسانية، مؤتمر رعاية الإسلام للقيم والمعاني الإنسانية، 1971، ص 245.

[116] سورة الحديد– آية: 25.

[117] الإمام ابن القيم، الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1995، ص11.

[118] سورة المائدة – آية: 3.

[119] ابن فرحون: تبصره الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام، شركة ومطبعة الحلي، 1958، ص 2، 132.

[120] الإمام ابن القيم، الطرق الحكمية، مرجع سابق، ص 4.

[121] الإمام ابن القيم، الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1995، ص 185.

[122] أنظر : د. مها سليم مكداش، تغير الأحكام، دار البشائر الإسلامية، الطبعة الأولى، 2007، ص 13، ص 392.

[123] ولا وجه للاعتراض بقول الله تعالي (مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ) . وقوله تعالي (ونَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ). وذلك لأن المقصود بيان كل شيء من أمور الدين . أو أن معني الآيتين أن القرآن تضمن النص على حكم كل شيء إما نصاً تفصيلياً، وإما نصاً إجمالياً أي بالنص على الأسس والمبادئ التي تحكم كل شيء على أن نترك الجزئيات للاجتهاد في ضوء النصوص ووفق مقاصد الشريعة وضوابطه وحدودها.

[124] أنظر في ذلك على سبيل المثال: عبد الوهاب خلاف، السياسة الشرعية، مؤسسة الرسالة، الطبعة السادسة، 1197، ص 21، د. عبد الحميد متولي، مبادئ نظام الحكم في الإسلام، منشأة المعارف بالإسكندرية، الطبعة الثانية، 1974، ص 33 وما بعدها، د. ماجد راغب الحلو، الدولة في ميزان الشريعة، دار المطبوعات الجامعية 1996، ص 15، د. سمير عاليه، علم القانون والفقه الإسلامي، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 1991، ص 266.

[125] ابن تيمية، السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، دار الكتب العربية، بيروت، ص 2 وما بعدها.

[126] جمع عثمان – رضي الله عنه – الناس على حرف واحد من الأحرف السبعة التي أطلق لهم الرسول – صلي الله عليه وسلم – القراءة بها لما  كان ذلك مصلحة، فلما خاف الصحابة – رضي الله عنه – على الأمة أن يختلفوا في القرآن ورأوا أن جمعهم على حرف واحد أسلم وأبعد من وقوع الاختلاف فعلوا ذلك وأمروا بتحريق المصاحف وجمع الأمة على مصحف واحد بناء على المصلحة التي اتفق عليها الصحابة.

[127] تحريق على – رضي الله عنه – الزنادقة الرافضة، وهو يعلم بسنة رسول الله – صلي الله عليه وسلم – من قبل الكافر، ولكن لما رأي أمراً عظيماً جعل عقوبته من أعظم العقوبات ليزجر الناس عن مثله، وقنبر هو غلامه.

[128] حلق عمر – رضي الله عنه – رأس نصر بن حجاج ونفاه من المدينة لتشبيب النساء به.

[129] أنظر : الإمام بن القيم، الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، مرجع سابق، ص 11210.

[130] راجع: ابن فرحون، تبصرة الأحكام مرجع سابق، ص 2، وص 150 وما بعدها وتكملة لما ذكر : رابعها : أن كل حكم في هذه القوانين ورد دليل يخصه أو أصل يقاس عليه … ونص ابن أبي زيد في النوادر على أن إذا لم نجد في جهة غير العدول أقمنا أصلحهم وأقلهم فجورا للشهادة ويلزم مثل ذلك في القضاة وغيرهم لئلا تضيع المصالح … خامسها : أنه يعضد ذلك من القواعد الشرعية إذ الشرع وسع للمرضع في النجاسة اللاحقة لها من الصغير … وجوز الشارع ترك أركان الصلاة وشروطها إذا ضاق الحال كصلاة = = الخوف ونحوها وذلك كثير في الشرع ولذلك قال الشافعي “ما ضاق شيء إلا اتسع” … سادسها : أن أول بدء الإنسان في زمن آدم عليه السلام كان الحال ضعيفاً فأبيحت الأخت لأخيها وأشياء كثيرة وسع الله تعالي فيها فلما اتسع الحال وكثرت الذرية حرم ذلك في زمن بني إسرائيل …” راجع المصدر نفسه.

[131] سورة البقرة – آية: 185.

[132] سورة المائدة – آية: 6.

[133] الكتاب هو القرآن الكريم. فالكتاب لغة اسم للمكتوب، والقرآن لغة: مصدر قرأ، يقال قرأ قراءة وقرآنا، ومنه قوله تعالي (إنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ). وتعريف الكتاب بالقرآن من قبيل التعريف اللفظي التفسيري، أي أن الكتاب والقرآن لفظان مترادفان عرفاً، أي في عرف أهل الشرع، وغايته أن القرآن أشهر من الكتاب، ومما يدل على أن الكتاب هو القرآن قوله تعالي (وإذْ صَرَفْنَا إلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ ولَّوْا إلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ (29) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلَى الحَقِّ وإلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ) (الأحقاف – آية: 29-30).

[134] فقراءة القرآن حملة سر الكون الله المكنون، وحفظه علمه المخزون، وخلفاء أنبيائه، وأمناؤه، وهم أهله وخاصته، وخيرته، وأصفياؤه قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – “إن لله أهلين منا قالوا يا رسول الله من هم؟ قال : هم أهل القرآن أهل الله وخاصته”. أخرجه ابن ماجه في سننه، راجع الإمام القرطبي في مقدمته لكتاب التفسير المعروف بالجامع لأحكام القرآن.

[135] تجدر الإشارة إلى أن الله سبحانه وتعالي قد أيد سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم – بكثير من المعجزات وخوارق العادات المادية مثل : الإسراء والمعراج وحنين الجذع له. وتخيم الغاز عليه العنكبوت، وبيض الحمام على فم الغار وغير ذلك من الخوارق المادية مما هو ثابت بالأحاديث الصحيحة، لكن – صلى الله عليه وسلم – كانت معجزته الخالدة الباقية التي تحدى بها القرآن وحده، لأنها المعجزة العقلية التي تخاطب العقول، وتثير الفكر الإنساين وتوجهه نحو الحقائق العلمية والتشريعية في كل زمان ومكان.

* ووجوه إعجاز القرآن كثيرة منها: أن الله تحدى به الناس جميعاً، وبخاصة العرب أرباب الفصاحة والبلاغة أن يأتوا بمثله أو بسورة واحدة من مثله، فعجزوا فكان ذلك دليلاً على أنه كلام الله تعالي. ارتفاع بلاغة القرآن إلى درجة لم تعرف في كلام العرب قط فلم يكن من قبيل الشعر أو النثر أو غير ذلك من فنون الكلام التي برع فيها العرب إنما كان للقرآن منها فريد مستقل قائم بذاته. ولذا مدحه صناديد الكفر وأئمة الشرك، فها هو الوليد بن المغيرة وقد ذهب إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال ماذا أقول فها هو الوليد بن المغيرة وقد ذهب إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال ماذا أقول فيه، والله إن لقوله حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وأنه ليحطم ما تحته وأن أصله لعذق (يشبهه بالنخلة التي ثبت = = أصلها وقوى وطاب فرعها إذا جنى). وإن فرعه لجناة وإنه ليعلو وما يعلى عليه. ومنها أن قارئ القرآن لا يمله وسامعه لا يمجه، فروعه القرآن التي تلحق قلوب سامعيه وأسماعهم عند تلاوته باقية ما بقى الدهر ومنها إخباره بأحوال الأمم السابقة، وإخباره عن أمور مستقبلة وقعت كما قررها القرآن مثل وعد الله لنبيه – صلى الله عليه وسلم – في القرآن يفتح مكة وتحقيق ذلك، ومنها ما اشتمل عليه من حقائق إنسانية وعلوم كونية لا يمكن أن يكون لأمي لا يقرأ ولا يكتب . وغير ذلك كثير. أنظر أ.د. أحمد فراج، أصول الفقه الإسلامي، الدار الجامعية، 1998، ص 41 وما بعدها.

[136] سورة النساء – آية: 58.

[137] راجع في ذلك من حيث سبب نزول الآية والاختلاف فيمن المخاطب بها الإمام الطبري، تفسير الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، تحقيق أحمد شاكر، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى 2000، سورة النساء، آية 58، الإمام القرطبي، تفسير القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، سورة النساء. الألوسي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، سورة النساء.

[138] الإمام القرطبي، المرجع السابق.

[139] سورة المائدة – آية: 44.

[140] سورة الأنفعال – آية: 27.

[141] أنظر: الإمام ابن تيمية، السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، مرجع سابق، ص 5، 9 وما بعدها.

[142] أنظر : الطبري، مرجع سابق، سورة النساء.

[143] سورة النساء – آية: 59.

[144] راجع : الطبرى، تفسير الطبري، الموضع السابق الألوسي، روح المعاني، الموضع السابق، القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، المرجع السابق، ذات الموضع.

[145] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، المرجع السابق، ذات الموضع.

[146] الطبري : تفسير الطبري، المرجع السابق، ذات الموضع.

[147] سورة آل عمران – آية: 159.

[148] الرازي، مفاتيح الغيب، مرجع سابق، القرطبي، الجامع لأحكام القرآن .

[149] د. عبد الحميد  الأنصاري، الشورى وأثرها في الديمقراطية، منشورات المكتبة العربية، الطبعة الثانية، ص 4، د. محمد سعيد رمضان البوطي، خصائص الشرورى ومقوماتها، ص 487.

[150] أنظر في ذلك: الرازي، مفاتيح الغيب، مرجع سابق، في تفسير الآية 159 – آل عمران، الألوسي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، مرجع سابق في تفسير الآية الكريمة، القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق، ذات الموضع.

[151] راجع د. محمد سعيد رمضان البوطي، خصائص الشورى ومقوماتها، مرجع سابق، ص 488.

[152] سورة الشورى – آية: 38.

[153] راجع د. صلاح عبد الفتاح الخالدي، الشورى في القرآن الكريم من مؤتمر الشورى في الإسلام، مشار إليه سابقاً، ص 56-57.

[154] د. مصطفي أبو زيد فهمي، فن الحكم في الإسلام، دار الفكر العربي، الطبعة الثانية، 193م، ص 220.

[155] القرطبي، الجامع لحكام القرآن، مرجع سابق، سورة آل عمارن، 159.

[156] أ. سعد مدني، الدولة الإسلامية دولة إنسانية . من مؤتمر رعاية الإسلام للقيم والمعاني الإنسانية، مرجع سابق، ص 246.

هذا، وسيكون لنا وقفة مع الشوري باعتبارها من مبادئ الحكم في الإسلام في موضع = = لا حق من الدراسة.

[157] سورة الحجرات – آية: 13.

[158] سورة الحجرات – آية: 10.

[159] سورة النساء – آية: 1.

[160] د. عبد الحميد متولى، مبادئ نظام الحكم في الإسلام، مرجع سابق، ص 385.

[161] د. أحمد عمر هاشم، المساواة حق من حقوق الإنسان، مؤتمر عن المساواة في القانون الوضعي والشريعة الإسلامية، الإسكندرية، 2002.

[162] د. عبد الحميد متولى، مبادئ نظام الحكم في الإسلام، مرجع سابق، ص 387. هذا وليس معني المساواة في هذا المقام، المساواة المطلقة بين البشر في كل شيء، لأن هنالك أنواع من التفاوت بين البشر اقتضتها حكمة الله تعالي في خلقه، كالتفاوت في العلم، والمال، والعمل، والفهم، والذكاء، وسائر أنواع الرزق . وذلك ليتحقق الابتلاء، والافتتان ولينظر الله تعالي مدى صبر الناس على ذلك ولتتحقق إرادة الله تةعالي ومشيئته في ذلك.

[163] أنظر : د. إبراهيم العناني، المساواة وعدم التمييز في الشريعة الإسلامية والقانون الدولي، منشور ضمن أعمال الندوة العلمية بعنوان حقوق الإنسان بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي، أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية، الرياض، الطبعة الأولى، 2001، ص 215 وما بعدها، وسيكون لنا وقفة مع مبدأ المساواة وتطبيقاته في عصر الرسول – صلى الله عليه وسلم – وعصور الخلفاء، وذلك في موضع لاحق من الدراسة .

[164] سورة الحشر – آية: 7.

[165] سورة النساء – آية: 59.

[166] سورة المائدة – آية: 92.

[167] سورة النساء – آية: 80.

[168] يلاحظ أن الإجماع على حجية السنة، ووجوب اعتبارها، والعمل بها والاستدلال بها على الأحكام الشرعية، وفق ما قررته النصوص، وأن إنكارها خروج عن المللة هو صادق على السنة في الجملة أو بوجه عام، أما من حيث قوتها في الحجية فهي تختلف باختلاف طريق روايتها، وثبوتها عن النبي – صلى الله عليه وسلم – وهي بهذا الاعتبار تنقسم – عند الجمهور – إلى قسمين : متواترة وآحاد.

* أما السنة المتواترة : فهي من التواتر، وهو في اللغة من تتابع الأمور واحداً بعد واحد، ومنه قوله تعالي (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا) أي رسولاً بعد رسول، وفى اصطلاح الأصوليين : هي الخبر الذي بلغت رواته في الكثرة مبلغاً تحيل العادة تواطؤهم على الكذب، بأن يرويه على النبي – صلى الله عليه وسلم – جمع من الصحابة يستحيل تواطؤهم على الكذب عادة، ثم رواها عنهم جمع من التابعين يمتنع اتفاقهم على الكذب، ثم رواها عنهم جمع من تابعي التابعين يستحيل اتفاقهم على الكذب، أي أنها رويت عن جمع بلغ حد التوار في العصور الثلاثة. مما يقطع بثبوتها عن النبي – صلى الله عليه وسلم – كأحاديث عدد الصلوات وعدد ركعاتها، ومقادير الزكاة ومن أمثلتها أيضاً قوله – صلى الله عليه وسلم – “من كذب علي متعمداً فيتبوأ مقعده من النار”. ولا يشترط لحصول التواتر عدد معين من الرواه بل العبرة عدم تصور التواطؤ على الكذب عقلاً.

والتواتر قد يكون لفظياً حين ينقل الحديث متواتراً بلفظه ومعناه، وقد يكون تواتراً معنوياً، وذلك حين ينقل الحديث بألفاظ مختلفة لكنها متفقة في المعني . مثل حديث “إنما الأعمال بالنيات”. وحديث رفع اليدين في الدعاء. والتواتر اللفظي قليل جداً، ويكثر التواتر المعنوي في السنة الفعلية، لأن أفعال النبي – صلى الله عليه وسلم –  في الصلاة، والصوم، والمعاملات غالباً ما يراها عدد كبير من الصحابة، لأنها تعتبر تطبيقاً عملياً للتكاليف الشرعية فيكثر رواته.

حكم السنة المتواترة : السنة المتواترة بنوعيها – اللفظي والمعنوي – قطعية الثبوت عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أي لا شك في صدورها عنه – صلى الله عليه وسلم – ومن ثم فإنها تفيد العلم اليقيني، الضروري، ويجب العمل بها، ويكفر من ينكرها أو يجحدها ’ هي من هذه الناحية كالقرآن الكريم . من حيث قطعية الثبوت.

* وأما سنة الآحاد: أو “أخبار الآحاد” : فهي ما رواها عن النبي – صلى الله عليه وسلم – عدد لا يبلغ حد التواتر، ولا يمنع تواطئهم على الكذب عادة، ثم رواها عنهم جمع من = = التابعين وتابعي لم يبلغ حد التواتر أيضاً، أي لم يتوافر بشأنها تواتر في أي عصر من العصور الثلاثة، وأكثر السنة من هذا النوع.

وحكم سنة الآحاد: أنها لا تفيد إلا الظن، ولذا اختلف العلماء في العمل بخبر الآحاد وهو خلاف له جذوره في مواقف الصحابة – رضوان الله عليهم أجمعين – من خبر الواحد، ولكنهم يتفقون في جوب العمل بخبر الواحد متى غلب علىالظن صدوره عن النبي – صلى الله عليه وسلم – . وقد اشترط المذهب الحنفي للعمل بخبر الواحد شروطاً هي : ألا يعمل الراوي أو يفتى بخلاف ما رواه عن الرسول – صلى الله عليه وسلم – ألا يرد الحديث في أمر واجب تقم به البلوي، أي يكثر وقوعه ويتكرر ويهم كل الناس، ألا يكون الحديث مخالفاً للقياس أو للقواعد العامة، والأصول الشرعية إذا كان راويه غير فقيه.

أما في المذهب المالكي، فيشترط للعمل بخبر الواحد أن يكون موافقاً لعمل أهل المدينة . وفى المذهب الشافعي يشترط للعمل بخبر الواحد صحة السند واتصاله، وفى المذهب الحنبلي، توسع في قبول خبر فلم يشترطوا إلا صحة السند.

وقد أضاف علماء المذهب الحنفي قسماً آخر للسنة من حيث طريق روايتها وهو السنة المشهورة . وهي ما لم تواتر في عصر الصحابة، ثم تواترت في عصري التابعين، وتابعيهم فرواتها الأول – من الصحابة – لم يبلغوا حد التواتر، وبعد الطبقة الأولى بلغ عدد الرواة حد التواتر . ومثالها قول الرسول – صلى الله عليه وسلم – “نحن معاشر الأنبياء لا نورث”. وقوله – صلى الله عليه وسلم – ” البينة على من أدعى واليمين على من أنكر “.

وحكم السنة المشهورة : أنهغا تفيد الطمأنينة، والظن القريب من اليقين، ومنكرها لا يكفر، بل يحكم بخطئه.

[169] أنظر في ذلك: أستاذنا الدكتور / رمضان الشرنباصي، المدخل لدراسة الفكر الإسلامي، دار النيل للطباعة والنشر، ص 176 وما بعدها . والزميل د. جابر عبد الهادي، ترسيخ العمل بالسياسة الشرعية، مرجع سابق، ص 73 وما بعدها.

[170] سورة المائدة – آية: 67.

[171] سورة النحل – آية: 44.

[172] راجع: د. محمد كمال الدين إمام، الفقه الإسلامي، تاريخ العقل الفقهي، دار الجامعة الجديدة، 2004، ص 119.

[173] صحيح مسلم باب كراهة الإمارة بغير ضرورة، حديث رقم 4823، ورواه البخاري بصيغة أخرى: “إنكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة فنعم المرضعة وبثست الفاطمة”. أنظر : صحيح البخاري، كتاب الأحكام، حديث رقم 2735.

[174] صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب غلظ الغلول . ويجدر التنبيه إلى أن الأمانة إذا كانت واجبة في جانب الوالي أو الحاكم، فإنها كذلك واجبة على الرعية بما تقتضيه من الأمانة في، اختيار الحكام ونواهم وما إلى ذلك، وألا يكون اختيار الإنسان لمصلحة دنيوية خاصة مثلما يحدث في الانتخابات النيابية أو النقابية وغيرها في هذا الزمان.

قول الرسول – صلى الله عليه وسلم – “ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، رجل على فضل ماء بالطريق يمنع منه ابن السبيل، ورجل بايع إماماً لا يبايعه إلا لدنياه، إن أعطاه ما يريد وفى له وإلا لم يف له، ورجل يبايع رجلاً بسلعة بعد العصر فحلف بالله لقد أعطي بها كذا وكذا فصدقه فأخذها ولم يعط بها”. كما تقتضي الأمانة كذلك الالتزام بعدم منافقة الحكام والثناء عليهم في مجالسهم فقط . روى أنه قال أناس لابن عمر – رضي الله عنهما – إنا ندخل على سلطاننا فنقول لهم خلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عندهم، قال : كما نعدها نفاقاً. البخاري، كتاب الأحكام.

[175] سورة آل عمران – آية: 161.

[176] صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب النهي عن طلب الإمارة والحرص عليهما.

[177] صحيح مسلم، كتاب الإمارة، ذات الموضع السابق.

[178] صحيح البخاري، مرجع سابق، كتاب الأحكام، حديث رقم 7225، صحيح مسلم، كتاب الإمارة، مرجع سابق، باب فضيلة الإمام العادل.

[179] صحيح مسلم، كتاب الإمارة، حديث رقم 2825.

[180] صحيح مسلم، كتاب الإمارة، حديث رقم 2834.

[181] صحيح مسلم، كتاب الإمارة، حديث رقم 2826.

[182] الإمام السيوطي، تاريخ الخلفاء، دار المنار، القاهرة، ص 71.

[183] البخاري، كتاب الأحكام، حديث رقم 7225، ومسلم كتاب الإمارة، حديث رقم 4828، وفى هذا المعني أيضاً يقول النبي – صلى الله عليه وسلم – إنما الإمام جنة يقاتل من ورائه، يتقى به فإن أمر بتقوى الله عز وجل وعدل كان له بذلك أجر، وإن يأمره بغيره كان عليه منه.

[184] صحيح مسلم، المرجع السابق، حديث رقم 4864، وفى رواية عن أبي ذر أنه قال: “إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع وإن كان عبداً مجدع الأطراف، وفى رواية أخرى … عبداً حبشياً مجدع الأطراف”. راجع في ذلك الإمام مسلم في صحيحه في كتاب الإمارة. = = وفى رواية البخاري: “وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زييبة”.

[185] صحيح مسلم، كتاب الإمارة، حديث رقم 4877.

[186] صحيح البخاري، كتاب الأحكام، باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية، حديث رقم 7231، وصحيح مسلم، كتا بالإمارة، حديث رقم 4869.

[187] صحيح البخاري، كتاب الأحكام، الباب المشار إليه، حديث رقم 7232، وصحيح مسلم، كتاب الإمارة، حديث رقم 4872.

[188] سورة – آية:

[189] صحيح البخاري، كتاب الأحكام، باب السمع والطاعة، حديث رقم 7230.

[190] ابن هشام، السيرة النبوية، الدار الثقافية العربية، بيروت، المجلد الثاني، ص 4، 603.

[191] د. رمزي دراز، فكرة تنازع القوانين في الفقه الإسلامي، ص 24.

[192] البخاري، صحيح البخاري، ص 4، ص150-151، مشار إلريه عند د. جابر عبد الهادي، ترسيخ العمل بالسياسة الشرعة، مرجع سابق، ص 91.

[193] راجع د. أحمد عمر هاشم، المساواة حق من حقوق الإنسان، مرجع سابق، ص 7.

[194] راجع د. أحمد عمر هاشم، المساواة حق من حقوق الإنسان، مرجع سابق، ص 7.

[195] راجع الألولسي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، مرجع سابق، في تفسير آية 159، آل عمران.

[196] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق، في تفسير آية 159- آل عمران.

[197] المرجع نفسه.

[198] الطبراني، المعجم الأوسط، دار الحرمين، ص 2، 349، مشار إليه عند د. جابر، المرجع السابق، ص 89.

[199] ابن تيمية، السياسة الشرعية، مرجع سابق، ص 162.

[200] أنظر : ابن هشام، السيرة النبوية، المرجع السابق، المجلد الثاني، ص 620.

[201] أنظر: الإمام السيوطي، تاريخ الخلفاء، مرجع سابق، ص 63.

[202] سبق أن ذكرنا ذلك نصاً في معرض حديثنا عن أهمية نظام الحكم وغايته.

[203] ابن تيمية، السياسة الشرعية، مرجع سابق، ص 9.

[204] السيوطي، تاريخ الخلفاء، مرجع سابق، ص 108.

[205] عبد الوهاب خلاف، السياسة الشرعية، مرجع سابق، ص 30.

[206] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق، تفسيره آية، 159، آل عمران.

[207] أنظر : ابن تيمية، السياسة الشرعية، مرجع سابق، ص 12.

[208] أنظر في هذه المسألة تفصيلاً : د/ محمد بلتاجي – منهج عمر بن الخطاب في التشريع، دار السلام – الطبعة الثالثة 2006م، ص 214 وما بعدها.

وكذلك د. يوسف القرضاوي – السياسة الشرعية – مرجع سابق.

[209] راجع د/ عبد الله محمد ربايعة – توظيف السياسة الشرعية في النهوض بالأمة الإسلامية – مرجع سابق – 143.

وكذلك د. يوسف القرضاوي – السياسة الشرعية – مرجع سابق ص 204 ويذكر سيادته لموقف عمر – ض – أن السارق في عام المجاعة لا يشمله النص فلا يجب قطعه، ثم يعمق فقهه في هذا فيقرر أن مظنة الضرورة وهي عموم الأمر ظناً في عام المجاعة تنزل منزلة الضرورة الفعلية ومن ثم لا يجب الفحص في عام المجاعة عن حالة سارق بعينه، ليعلم أكان في فاقة وضرورة أم لم يكن؟

[210] أنظر الإمام ابن القيم – الطرق الحكمية في السياسة الشرعية – مرجع سابق، ص 11.

[211] وذلك خلافاً لما يدعيه بعض الباحثني من إنكار أن للإسلام نظرية سياسية، فالثابت أن للإسلام نظرية سياسية هي جزء من نظام الإسلام السياسي وهي قواعد نظام الحكم في الإسلام، والمقصود بالنظرية السياسية مجموعة القواعد السياسية العامة التي تقوم بها الدولة في سياسة الأمور الداخلية والخارجية – أنظر في ذلك : د. عبد العزيز عزت الخياط – النظام السياسي في الإسلام – دار السلام – الطبعة الأولى، سنة 1999، ص 31.

[212] سورة وفى هذا الصدد، ربما لو دققنا النظر في نص المادة الثالثة من الباب الأول من الدستور المصري الحالي والتي تنص على أن السيادة للشعب وحده، وهو مصدر السلطات، ويمارس الشعب هذه السيادة ويحيمها ..” وفى ضوء الاحداث الجارية لتأكد لنا أن هذا النص محل نظر، فلقد رأينا ما يجرى في ظل غياب سلطة حاكمة تقوم على حفظ الأمن وتوفير الأمان للممتلكات والأشخاص.

[213] راجع في ذلك على سبيل التفصيل رسالتنا للماجستير بعنوان: ” فكرة تنازع القوانين في الفقه الإسلامي ” جامعة الإسكندرية، سنة 1999، ص 301 وما بعدها.

https://powderencouraged.com/zht6b3bs66?key=8523542c4aaf6f083ce56f74bd271319
https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من فضاء المعرفة القانونية -espace connaissance juridique

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading