الأبعاد السياسية لسيرورة التدبير المفوض في المغرب
د. جواد النوحي
دكتور في الحقوق
جامعة محمد الخامس، أكدال – الرباط
انصبت مختلف التحولات السياسية والاقتصادية والتدبيرية التي عرفها المغرب منذ بداية العقد الأخير من القرن المنصرم، على تقوية حضور الفاعل الخاص في القطاع الاقتصادي، والتخفيف من تدخلات السلطات العمومية، سواء على المستوى المركزي أو المحلي. ومن المجالات التي همها هذا التوجه العديد من القطاعات التي كان أمر تدبيرها تضطلع به الجماعات المحلية. إذ بدءا من سنة 1997 سيسجل ارتفاع نوعي وكمي في الخدمات التي فوت تدبيرها لشركات القطاع الخاص، سواء المحلي أو الأجنبي.
وما ميز حركية التدبير المفوض في المغرب في هذا الإطار، تفاعل تطورها مع السياق السياسي. فلقد أبانت سيرورة هذا النمط من التدبير على ما يزيد عن اثني عشر سنة عن ترابطها بالمتغير السياسي. وهو واقع لا يمكن فصله عن اتجاه العلاقة بين السياسي والاقتصادي في المغرب، والتي يتبين، وبالرغم من العديد من التحولات، أنها تظل متشابكة ومتداخلة ([1]). كما لا يمكن عزله عن الاتجاه العام لهذه العلاقة في التجارب العالمية، حيث سواء في الدول الديمقراطية، أو الحديثة الانتقال إلى الديمقراطية، أو التسلطية اتضح أنه لا يمكن عزل الخيارات الاقتصادية عن المحددات السياسية ([2]).
انطلاقا من هذا الواقع، يسعى هذا المقال لتناول الأبعاد السياسية لسيرورة التدبير المفوض في المغرب. ويقارب التحليل عمليات التفويت، التي همت المرافق العمومية المحلية، من خلال محاولة الإجابة عن سؤال إلى أي حد تفاعل السياسي في المغرب مع التدبير المفوض ؟
يتفرع عن هذا السؤال مجموعة من التساؤلات، من ذلك: إلى أي حد ساهم العامل السياسي في تنامي عمليات التدبير المفوض هاته ؟ وكيف تداخل التدبير المفوض مع السياسي ؟ وأي انعكاس سياسي للتطور في تطبيقات التدبير المفوض التي شهدتها العديد من المدن ؟
للإجابة على هذه الأسئلة، تتعرض هذه الورقة لثلاث عناصر أساسية: أولا، آثر التحول السياسي في حركية التدبير المفوض. ثانيا، الدلالات السياسية في المرجعية القانونية للتدبير المفوض. ثم ثالثا، المخلفات السياسية للتدبير المفوض.
أولا : العامل السياسي عنصر قوة في تنامي شركات التدبير المفوض
يبرز واقع الممارسة الاقتصادية في المغرب، أن الدولة استطاعت أن تفرض التدبير المفوض كآلية لتدبير العديد من المرافق العمومية. فلقد سجل توسع في القطاعات التي همها التدبير المفوض، وامتد إلى العديد من المدن. ذلك أنه بالرغم من أن موضوع التدبير المفوض، أثار نقاشا قويا، وجوبه بمعارضة حادة من طرف العديد من الأطراف ([3]) فإن التطورات المسجلة خلال فترة ما بعد منتصف التسعينات في المجالين السياسي والاقتصادي، أسهمت في تطوير الممارسة في هذا المجال.
وأولى عناصر هذا الواقع، موافقة القوى السياسية الرئيسية على دستور 1996. فذلك التوافق انعكس على المجال الاقتصادي. إذ ما تضمنه من التعديلات المدخلة على الوثيقة الدستورية دسترة الحرية الاقتصادية، ونقل حرية المبادرة الخاصة إلى مبدأ دستوري، فمما جاءت به المراجعة الدستورية لسنة 1996 التعديل الذي هم الفصل 15 من الدستور. إذ بعدما كان يضمن هذا الفصل، على امتداد الدساتير التي عرفها المغرب، منذ وضع أول دستور للمملكة سنة 1962 حق الملكية، أكمل هذا الحق ليشمل حرية المبادرة كمرتكز يتعين أن يحكم الاختيارات الاقتصادية للدولة. وهو ما يعني تكييف النظام الأساسي للدولة مع الاختيارات الاقتصادية التي تبنتها منذ شروعها في تطبيق برنامج التقويم الهيكلي، وتعزيز قواعد اقتصاد السوق، ووضع الضمانات الدستورية لتحقيقه. وبذلك يبرز أن المشرع الدستوري أراد إعطاء إشارات قوية مفادها اعتبار المرجعية الليبرالية في المادة الاقتصادية الموجهة للاقتصاد المغربي، وأن أي مبادرة تصدر عن المؤسسات الدستورية يتعين أن لا تمس بالقواعد التي تدعم جلب الرساميل والاستثمارات الخاصة المحلية والأجنبية ([4]).
وقوى وصول بعض الأحزاب اليسارية إلى الحكومة في المغرب، التوافق حول خيارات التدبير الاقتصادي للدولة. ذلك أن السياسة الاقتصادية لحكومة التناوب، والحكومات التي تلتها لم تخلق تغييرا راديكاليا في التوجهات الاقتصادية الليبرالية التي تبناها المغرب منذ إقرار برنامج التقويم الهيكلي، وما يعنيه ذلك، من توسع الأطراف المؤيدة للتدبير المفوض، بحيث إن معظم القوى السياسية المتواجدة في المجالس المنتخبة لم تعد تعارض توجهات الدولة في هذا الباب.
وفي خضم هذا التطور، قامت الدولة بوضع إطار قانوني للتدبير المفوض. إذ تم إصدار قانون رقم 54.05 تحددت فلسفته الأساسية في توضيح حقوق والتزامات المفوض والمفوض إليه بهدف تشجيع وتطوير الشراكة بين القطاعين العام والخاص ([5]). نتيجة لهذا التحول، برز امتداد في جغرافية التدبير المفوض، وفي القطاعات التي يخول تفويت تدبيرها. على مستوى الجغرافية، فبعد أولى الممارسات في مدن الدار البيضاء، والرباط، وطنجة وتطوان، لجأت العديد من الجماعات المحلية، سواء بصفة فردية أو في إطار تكتل جماعات، إلى إبرام عقود التدبير المفوض سواء مع شركات خاصة أو عامة.
أما بخصوص القطاعات، يشهد الواقع الحالي عن تنامي القطاعات التي خول تدبيرها للقطاع الخاص في إطار عقود التدبير المفوض. وتتمحور أهم القطاعات التي همتها عمليات التفويت حاليا، بالأساس، في قطاعات الماء، والكهرباء، والتطهير السائل، والنفايات، والنقل، بل ويسير توجه السلطات العمومية إلى عرض تفويت العديد من القطاعات التي لم يشملها مجال التدبير المفوض حاليا. هذا الوضع يطرح تساؤلا مركزيا، أي حدود للجماعات المحلية في تفويت تدبير مرافقها؟
في هذا الإطار يتعين الإشارة إلى أنه، إذا كانت القوانين المؤطرة لعملية التفويت لم تحدد القطاعات التي لا يمكن أن تكون موضوع تفويت، فإن ذلك لا يعني الحرية بالنسبة للمجالس الجماعية في تفويت جميع المرافق التي تضطلع بها. فإذا كان من المتفق عليه، قابلية المرافق العمومية التجارية والصناعية للتفويت، فإن الأمر موضوع نقاش حول المرافق ذات الطبيعة الإدارية. وهنا يبرز، وبالاعتماد على التجارب المقارنة أن هناك حدود في عمليات تفويت هذا النوع من المرافق العمومية. فوفقا لآراء الفقه الإداري، واستنادا إلى العديد من الأحكام القضائية، فإن تفويت المرافق العمومية المحلية ليس يخضع لبعض القيود.
فوفقا لهذه التصورات يبرز أن هناك نوعين من المرافق لا يمكن أن تكون موضوع تفويت، تلك التي بطبيعتها لا يمكن تدبيرها إلا من طرف الجماعة نفسها كمرفق الحالة المدنية، وتلك التي ينص المشرع صراحة على عدم تفويتها ([6]).
وكنماذج لأهم عمليات تفويت تدبير المرافق العمومية المحلية، يتعين الإشارة إلى تفويت توزيع الماء والكهرباء والتطهير بمدينة الدار البيضاء سنة 1997 من طرف المجموعة الحضرية، لشركة ليديك لمدة 30 سنة بمبلغ استثمارات 30 مليار درهم. وأيضا تفويت توزيع الماء والكهرباء والتطهير بمدينة الرباط سنة 1999 من طرف المجموعة الحضرية للرباط وسلا والصخيرات وتمارة، لتجمع شركات “بلايد” و “أ. د. ب ” البرتغاليتين، “إيربازر” الإسبانية، و”البوردا” المغربية، لمدة 30 سنة بمبلغ استثمارات 14 مليار درهم. ثم تفويت توزيع الماء والكهرباء والتطهير بمدينتي طنجة وتطوان لشركة ” أمانديس ” لمدة 25 سنة بمبلغ استثمارات 3.7 مليار درهم لطنجة، و3.9 مليار درهم لتطوان ([7]).
ثانيا : الدلالات السياسية في المرجعية القانونية للتدبير المفوض
يتحدد الإطار القانوني الذي ينظم تفويت التدبير المفوض من طرف الجماعات المحلية في العديد من النصوص. فهناك ظهير رقم 1.06.15 صادر في 15 من محرم 1427 (14 فبراير2006) بتنفيذ القانون رقم 54.05 المتعلق بالتدبير المفوض للمرافق العمومية ([8]). أيضا ظهير رقم 1.02.297 صادر في 25 من رجب 1423 (3 أكتوبر2002) بتنفيذ القانون رقم 78.00 المتعلق بالميثاق الجماعي ([9])، كما تم تغييره وتتميمه بظهير 1.08.153 صادر في 22 من صفر 1430 (18 فبراير 2009) بتنفيذ القانون رقم 17.08 المتعلق بالميثاق الجماعي ([10]).
وبتحليل مقتضيات هذه التشريعات، يبرز خيار الدولة نحو بلورة التوجه الديمقراطي في إقرار التدبير المفوض. ذلك أن النصوص القانونية تخول الجماعات المحلية سلطة إقرار تفويت تدبير المرافق العمومية.
تنص المادة 39 على أنه: ” يقرر المجلس في طرق تدبير المرافق العمومية الجماعية عن طريق الوكالة المباشرة والوكالة المستقلة والامتياز وكل طريقة أخرى من طرق التدبير المفوض للمرافق العمومية طبقا للقوانين والأنظمة المعمول بها”. غير أن هذه الممارسة تتم تحت وصاية وزارة الداخلية. إذ وفق المادة 69 من الميثاق الجماعي، فإن مقررات المجالس الجماعية منها إحداث المرافق العمومية وطرق تدبيرها، لا تكون قابلة للتنفيذ إلا إذا صادقت عليها سلطة الوصاية. ويتولى وزير الداخلية أو من يفوض إليه ذلك ممارسة سلطة الوصاية بالنسبة للجماعات الحضرية، والوالي أو العامل بالنسبة للجماعات القروية، ويصادق وزير الداخلية على المقررات خلال 45 يوما التالية لتاريخ التسليم، والوالي أو العامل داخل أجل 30 يوما ابتداء من يوم التوصل بالمقرر، ويعتبر عدم صدور أي قرار في الأجلين بمثابة مصادقة.
وبغض النظر عن المقتضيات القانونية، فإن الممارسة أبرزت أن سلطة الوصاية تتدخل بشكل أكبر في عمليات تفويت المرافق العمومية الجماعية. بل وتكون، في حالات عدة، المبادرة باقتراح تفويت تدبير قطاع معين. وكأبرز مثال على ذلك، حالة تفويت تدبير قطاع الماء والكهرباء والتطهير لمدينة الدار البيضاء سنة 1997 للمجموعة الفرنسية لاليونيز ذي زو. فقد سجل تجاوز قانوني في إدارة المفاوضات. فبالرغم من أنه من الناحية القانونية المجموعة الحضرية للدار البيضاء هي المخاطب الرئيسي في المفاوضات، فإن وزارة الداخلية هي التي أدارت عملية منح عقد التدبير المفوض. هذا الوضع رتب انتقادات عدة. إذ مع سيرورة المفاوضات تشكلت مواقف معارضة للاتجاه الذي أخذته لعملية التفويت. وجوهر الانتقاد كان يقوم على أن اختيار ليدك فرع لاليونيز ذي زو، تم من طرف وزارة الداخلية بدون طلب، وأساسا على مبررات سياسية أكثر منها اقتصادية ([11]). ذلك أنه بالرغم من أن إقرار اتفاقية التدبير المفوض تمت بإجماع أعضاء مجلس المجموعة الحضرية للدار البيضاء، فإن العديد من المنتخبين اعتبروها تتعارض مع المادة 30 من الميثاق الجماعي لسنة 1976 الذي كان ساريا آنذاك ([12]).
وحتى في تطور الممارسة، فقد تحكمت وزارة الداخلية في جوانب تنفيذ الاتفاقية. فمثلا خلال سنة2006، تم إقرار الزيادة في تسعيرة الماء والكهرباء بتوافق بين وزارة الداخلية والشركة المفوض إليها دون الرجوع إلى المجالس المنتخبة، بما أشر عن تجاوز لصلاحيات مجلس المدينة وبدون أن تشرك المنتخبين في إدارة مفاوضات تعديل العقد ([13]).
والجانب الآخر في التحليل هو أن نص التدبير المفوض سعى إلى إرساء قواعد جديدة، فقد تم إقرار قانون التدبير المفوض بهدف سد الفراغ القانوني على مستوى الممارسة العملية، ووفق منظور يجعل مضامينه تقوم على مبادئ الشفافية والمساواة بين الفاعلين عند إبرام عقود التدبير المفوض، وذلك على أساس علاقة متوازنة بين المفوض والمفوض إليه.
وهكذا، من أجل ضمان الشفافية وتكافؤ الفرص بين المستثمرين، نص القانون على مبدأ المنافسة كأساس في اختيار المرشحين، بحيث أكد على القيام لاختيار المفوض إليه بالدعوة إلى المنافسة قصد ضمان المساواة بين المترشحين وموضوعية معايير الاختيار وشفافية العمليات وعدم التحيز في اتخاذ القرارات ([14])، لكنه أبقى على إمكانية اختيار المفوض إليه عن طريق التفاوض المباشر في حالات استثنائية. تتحدد الحالات التي حددها المشرع في كل من: عند حالة الاستعجال قصد ضمان استمرارية المرفق العام، لأسباب يقتضيها الدفاع الوطني أو الأمن العام، بالنسبة للأنشطة التي يختص باستغلالها حاملو براءات الاختراع أو بالنسبة إلى الأعمال التي لا يمكن أن يعهد بإنجازها إلا إلى مفوض إليه معين، ثم في حالة إذا لم يتم تقديم أي عرض أو إذا تم الإعلان عن عدم جدوى الدعوى إلى المنافسة ([15]).
وقد قيد القانون ممارسة التفويت بالتفاوض المباشر بإعداد تقرير من طرف الجماعات المحلية في الموضوع، يبين فيه الأسباب التي أدت إلى اللجوء إلى هذه الطريقة، وإلى اختيار المفوض إليه المقترح، ونص على أن التقرير يعرض على مصادقة سلطة الوصاية.
ثالثا : تفاعل السياسي مع تطور التدبير المفوض
إن تطور التدبير المفوض لم يتم بدون أن تكون له انعكاسات سياسية. ذلك أن الممارسة الحالية، في العديد من المدن، بينت انعكاس ما تم تفويته من تدبير القطاعات على المجال السياسي. تمثلت أول عناصر ذلك إسهامه في إحداث نوع من التحديث في بنيات الدولة، والدفع بتغيير في المنظور الاقتصادي، وعن تعديل في البنية السوسيو اقتصادية. ذلك أنه رتب تغييرا في التوجه الذي كان يرى في السلطات العمومية الآلية الوحيدة للقيام بالحاجيات الأساسية، ممكنة بذلك من تحقيق أحد النتائج المنتظرة من تفويت تدبير المرافق العمومية للقطاع الخاص، بإعلان نهاية التصور التقليدي للمرفق العمومي المبني على الاحتكار ([16]).
إن هذا الواقع أشر على نوع من التحول في الممارسة القديمة، وأسس لمعالم رؤى أصبح فيها لدور القطاع الخاص، وأنماط التدبير التي يحددها موجه لتدبير المرافق العمومية. ذلك، أن رؤى القطاع العمومي أصبحت تتجه لاعتماد أساليب الشركات الخاصة، وقد زاد من ذلك التطور التكنولوجي، وما أفرزه من تحولات في اتجاه تحسين الخدمات. ففي السنوات الأخيرة، برز تأقلم المواطنين مع التحولات الاقتصادية، بحيث أصبح هناك قبول بأدوار القطاع الخاص. فمجالات عدة امتد إليها تأثير الشركات الخاصة. وكأبلغ مثال على ذلك، تزايد دور شركات الأمن الخاصة وتوسع أنشطتها، سواء في المؤسسات العمومية، أو في المؤسسات الخاصة.
وزاد من ذلك، بروز عناصر إيجابية رتبتها الممارسة. إذ أن قراءة أولية لتطبيقات التدبير المفوض في العديد من القطاعات، وفي العديد من المدن، وبالخصوص التي لها ارتباط مباشر مع المواطنين، تبين أنه بفضل الأسلوب الذي قامت به الشركات المفوض إليها تحققت مجموعة من الانتظارات. وكنموذج لذلك ومن خلال معاينة تجربة ريضال بالرباط يتضح أن من بين العناصر الإيجابية المسجلة: تحسن جودة الخدمات المقدمة في مجال الاستغلال، تقليص مدة الانتظار، تبسيط مساطير وآجال الربط بالشبكة، وبروز نوع من الشفافية في الفوترة.
وما يمكن قوله، بخصوص هذا المعطى أن ما حدث من تحول، قوى طروحات المدافعين عن التدبير المفوض. إذ برز بالنسبة إليهم العنصر الذي يدفع به مناصرو المبادرة الخاصة على الصعيد العالمي، والذين ينطلقون من فكرة أن تفويت تدبير المرافق العمومية للقطاع الخاص آلية من شأنها الدفع بعناصر التحديث، ليس فقط على المستوى الاقتصادي فحسب، وإنما أيضا بالنسبة لأدوار الدولة ([17]). أو ما يلخصه عالم الاجتماع الفرنسي ميشال كرزيه أن: ” الدولة الحديثة يتعين أن تكون دولة متواضعة، ولكن فعالة ” ([18]).
غير أن عناصر التحول الإيجابية المسجلة لم تخفي حجم الاختلالات، والتي برز المجال السياسي أحد المعنيين بها. فإذا كانت الدولة قد استطاعت عبر اللجوء إلى التدبير المفوض من أن تحقق فوائد عدة، أساسا تقليص أعبائها المالية، واستقطاب مجموعات رائدة عالميا، فإن الممارسة أفرزت في جوانب عدة وجود تأثيرات سلبية لعمليات التدبير المفوض على المستهلكين، إلى حد طغت عناصره السلبية على ما تم تحقيقه من إيجابيات. هذا الواقع وفر الأجواء لميلاد نمط جديد من الاحتجاجات الاجتماعية، كان موضوعه انتقاد سيرورة تفويت المرافق العمومية المحلية لشركات خاصة ([19]). فلقد سجل منذ أول عمليات التدبير المفوض تنامي عدة احتجاجات اجتماعية، وبالخصوص المرتبطة بشكل مباشر، بالحاجيات الأساسية للمواطنين. وقد انطلقت هذه الاحتجاجات من انتقاد الارتفاع في أثمان التسعيرة، المطالبة بالمزيد من تحسين الخدمات، وتسويق المنتوج بأسعار تتناسب مع القدرة الشرائية للمواطنين. كما همت مطالبها دفع الشركات على الوفاء بالتزاماتها.
وكنماذج للاحتجاجات، ما تم مثلا في مدينة طنجة ضد شركة أمانديس، والتي انبنت أساسا على حثها على الوفاء بالعديد من الالتزامات الموقعة في العقد، وبالخصوص إنهاء مشكل التلوث والفيضانات، وأيضا بإنجاز أشغال معالجة المياه العادمة ([20]). وقد امتد النقاش إلى مستوى المجالس المنتخبة. إذ أثار العديد من المستشارين، وفي العديد من المدن إشكالات مرتبطة ببنود العقد الموقعة بين مجالسها والشركات المفوض لها، وهمت ملاحظاتها عدم التزام الشركات بالعديد من المقتضيات المضمنة في الاتفاقيات الموقعة بخصوص تفويت تدبير العديد من المرافق العمومية المحلية. فمثلا في حالة الدار البيضاء، تجسدت أهم المقتضيات التي تم إثارتها من طرف أعضاء مجلس المدينة ومستشاري المقاطعات الداخل في نفوذها تدبير الماء والكهرباء والتطهير من طرف ليديك في: عدم إنجاز الاستثمارات المتفق عليها، عدم وضوح العقد ومن تم المطالبة بمراجعته، التسعيرات غير المنسجمة مع الواقع، مشكل عدم تحديد بشكل واضح آجال وميكانيزمات حل المشاكل، والنظر إلى أن تقنين العقد لم يحدد بشكل كافي حقوق والتزامات المفوض إليه… ([21])
ما يمكن قوله بخصوص هذه الدراسة، أن هناك تنامي مسجل في آليات الانفتاح على القطاع الخاص في المغرب، وفي مجالات عدة، وعبر العديد من الوسائل. ذلك، أن المغرب يعيش حاليا موجة جديدة لازدهار أدوار الشركات الخاصة، سواء الوطنية والمحلية، في تدبير المرافق العمومية. والمستقبل ما زال حافلا في هذا الباب. ففضلا عن عقود التدبير والامتياز، هناك توجهات أخرى ممكن تطويرها، من ذلك إحداث شركات الاقتصاد المختلط، الدفع بالشركات مع المجتمع المدني …
لكن هذا التحول لا يعني التسليم النهائي بإجماع الفاعلين بالتدبير المفوض، وبمختلف أنماط الشركات بين القطاعين العام والخاص. فما يسجل أن وضعية العديد من القطاعات، ونظرة العديد من المعنيين والمقررين لأهمية استمرار الجماعات في تدبير العديد من المرافق العمومية التجارية والصناعية، كما ترغب في ذلك النظرية الليبرالية، بعيدة عن التحقق. ومن إفرازات هذا الواقع، أن النقاش بين الفاعلين ما يزال ينتج خطابات متعارضة، وأن هناك هواجس عدة حول مختلف أنماط الشركات بين القطاعين العام والخاص، ومدى دورها في الدفع بالحكامة المحلية ([22]).
وفي الأخير يتعين الإشارة إلى أن تجربة التدبير المفوض في المغرب تحمل قضايا كبرى لا يمكن للتحليل أن لا يوليها أهمية كبرى. وهنا تبرز أهمية تعدد المقاربات في معالجة الإشكاليات التي يطرحها، والباحث في الحقل السياسي لا يمكن أن يكون بمعزل عن ذلك. فإذا كان هذا المقال حاول طرح إشكالية الأبعاد السياسية في سيرورة التدبير المفوض بالمغرب، فإن موضوع الدراسة لم يتطرق بشكل مستفيض لمختلف هذه الأبعاد. وهو أمر يقتضي المزيد من التفكير في جوانب أخرى للمقاربة السياسية للتدبير المفوض، كما هو الأمر لمختلف تدخل القطاع الخاص في تدبير المرافق العمومية الوطنية والمحلية.
[1] جواد النوحي، مقاربة سياسية للاستثمارات الأجنبية في المغرب، مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية، سلسلة أبحاث، منشورات عكاظ، الدار البيضاء، 2010، ص 331- 346.
[2] Béatrice Hibou, la Force de l’obéissance. Economie politique de la répression en Tunisie, Editions la Découverte, Paris, 2006.
[3] انصبت عناصر المعارضة على اعتبار هذا التوجه سيؤدى إلى تدهور في أداء العديد من القطاعات، ويهدد أدوار المرافق العمومية، ويؤثر سلبا على المستهلكين. كما سيلحق أضرارا على الطبقة العاملة، وأنه سيفضي إلى هيمنة المصالح الرأسمالية الدولية على التدبير الاقتصادي في المغرب.
انظر: عبد السلام أديب، الأزمة الاقتصادية في المغرب، إلى أين؟ دراسات في ميكانيزمات الأزمة، منشورات النهج الديمقراطي، الدار البيضاء، 2005، ص 93.
[4] Myriam Catusse, « Economie des élections au Maroc », Monde Arabe Maghreb-Machrek, n° 168, avril-juin, 2000, p. 55.
[5] حول جوانب التدبير المفوض في المغرب، راجع:
– Mohammed Benahmed et Abdelouahed Zahidi, la Gestion déléguée au service de l’usager, Dar Al Qalam, Rabat, 2007.
– Driss Guerraoui et autres, le Devenir du service public. Comparaison France-Maroc, Editions Toubkal-l’Harmattan, Casablanca- Paris, 1997.
[6] Mohammed Hajji, Droit et pratique des services publics au Maroc. De la concession à la gestion déléguée, Editions Zaouia, Rabat, 2007, p. 17.
[7] www.finances.gov.ma consulté le 31 mars 2010.
[8] الجريدة الرسمية، عدد 5404، 15 صفر 1427 (16 مارس 2006)، ص 744.
[9] الجريدة الرسمية، عدد 5058، 16 رمضان 1423 (21 نوفمبر 2002)، ص 3468.
[10] الجريدة الرسمية، عدد 5711، 27 صفر 1430 (23 فبراير 2009)، ص 536.
[11] Myriam Catusse, le Temps des entrepreneurs ? Politique et transformations du capitalisme au Maroc, Institut de recherche sur le Maghreb contemporain, Editions Maisonneuve et Larose, Paris, 2008, p. 137.
[12] La lydec resserre l’étau autour du sajid, le journal Hebdomadaire, n° 329, du 15 au 21 décembre 2007, p. 34.
[13] Ali Jafry, « Casablanca le contrat avec lydec sera révisé », l’Economiste, n° 2064, 14 juillet 2005, p. 13.
[14] المادة 5 من قانون التدبير المفوض.
[15] المادة 6 من قانون التدبير المفوض.
[16] Idriss Ibn Amar, « La délégation en droit public marocain. Contribution à la connaissance de la pratique de la délégation en droit public marocain (1955-2005) », thèse du doctorat d’Etat, Université Mohammed V-Agdal, Rabat, 2009, p. 534.
[17] Arnoldo Wald, « La nouvelle législation brésilienne relative au régime des concessions de service publics », Revue international de droit comparé, n° 1, 1996, p. 166.
[18] Michel Crozier, Etat modeste, Etat moderne, Editions Fayard, Paris, 1987.
[19] Taieb Belghazi et Mohammed Madani, l’Action collective au Maroc de la mobilisation des ressources à la prise de parole, Publications de la faculté des Lettres et des sciences humaines, série “Essais et études”, n° 30, Rabat, 2001, p. 76.
[20] الأحداث لذلك، انظر مواقف العديد من الفاعلين في ملف حول الموضوع.
[21] Mehdi Lahlou, la Privatisation de l’Eau au Maroc les premiers constats à partir de l’expérience de la lyonnaise des eaux à Casablanca, p. 3.
http : http://www.acme-eau.org/ACME-Maroc consulté le 14 janvier 2008.
[22]كنموذج لذلك، انظر مواقف العديد من الفاعلين في ملف حول الموضوع.
« Pour une meilleur gouvernance locale. Quels partenariats public-privé ? », la revue Economia, n° 5, février-mai 2009, p. 122-130.


