رقابة القاضي الإداري لقرارات الهيئات الإدارية المستقلة

 

الدكتور / حسيني مراد

كلية الحقوق بجامعة أبو بكر بلكايد

تلمسان/ الجزائر

المقدمة:

تعد الهيئات الإدارية المستقلة، مؤسسات جديدة من المؤسسات المكونة لجهاز الدولة في الجزائر. فهي لا تكتفي بالتسيير وإنما تراقب وتضبط نشاط معين في المجال الاقتصادي بهدف الحفاظ على توازنه. وتختلف هذه الهيئات باختلاف علاقتها مع الدولة خاصة السلطة التنفيذية. فيمكننا القول أن الدولة – بواسطة هذه الهيئات – قد سلكت طريقا غير مباشر لضبط وتنظيم المجال الاقتصادي.

فسلطات الضبط المستقلة هي هيئات وطنية ذات طابع إداري صرف، لا تخضع لا للسلطة الرئاسية ولا للوصاية الإدارية، فهي عكس الإدارة التقليدية تتمتع بالاستقلالية العضوية والوظيفية ولا تخضع إلا للرقابة القضائية، بل والأكثر من ذلك أنها تبتعد كل البعد عن الهيئات الاستشارية لما لها من صلاحيات واسعة في ضبط القطاع الاقتصادي، إذ تمتلك
سلطة اتخاذ القرار، ناهيك عن أن بعضها يتمتع بالشخصية المعنوية، الأمر الذي جعلها سابقة من نوعها وتجديد قوي على مستوى التشكيلة المؤسساتية للدولة.

ولم يظهر هذا النوع من السلطات في الجزائر، إلا مع بداية سنوات التسعينيات، حيث استمد المشرع الجزائري فكرة إنشاء هذا النوع من الهيئات من التجربة الفرنسية. حيث كانت فرنسا سباقة بدورها إلى نقل هذه التجربة عن الدول الأنجلوسكسونية كبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، هذه الأخيرة التي كانت مهد هذا النوع من السلطات، إذ ظهرت هذه السلطات لأول مرة في الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1889 مع لجنة التجارة ما بين الولايات I. C. C ليلي ذلك إنشاء هيئات إدارية مستقلة أخرى في مجالات مختلفة.

أما في الجزائر فكانت البداية مع إنشاء أول هيئة إدارية مستقلة متمثلة في المجلس الأعلى للإعلام سنة 1990 ([1]) ليتجاوز عدد السلطات الإدارية المستقلة المستحدثة في الجزائر 12 سلطة ضبط، تتكفل كل منها بضبط مجال محدد، كقطاع البنوك والمؤسسات المالية، ونشاطات البورصة، والتأمينات، والبريد والمواصلات السلكية واللاسلكية، المناجم، الكهرباء والغاز، النقل، المحروقات، وكذا قطاع المنافسة.

وحتى يتسنى لهذه الهيئات أداء مهامها في ضبط هذه القطاعات الحساسة، زودت بمجموعة من الاختصاصات التي كانت عائدة سابقا للإدارة التقليدية، فأصبح لها سلطة اتخاذ القرارات وتوقيع العقوبات.

وإذا كان المسلم به، أن رقابة القاضي الإداري، على الصلاحيات الزجرية للهيئات الإدارية المستقلة، تخضع لتقنين الإجراءات المدنية والإدارية – القواعد العامة – إلا أن نصوصها القانونية الخاصة، أفرزت وجود استثناءات تمس مواعيد الطعن، والتظلم الإداري، إلى جانب أهم إجراء وهو وقف تنفيذ القرارات الصادرة عن هذه الهيئات.

فاستحداث هيئات ضبط مستقلة في المنظومة القانونية الجزائرية وتزويدها باختصاصات وأساليب ضبط كانت في الأصل من اختصاصات الدولة يثير عدة إشكالات، فكيف يمكن للمشرع الجزائري إيجاد هيئات لا تخضع للرقابة وبالمقابل تتمتع بسلطة تنظيمية وقمعية دون أن يكون هناك خرق للدستور؟ وما مدى توافق قواعد تقنين الإجراءات المدنية والإدارية القواعد الخاصة بالمنازعات والطعون في التشريعات المنشئة للهيئات الإدارية المستقلة؟ وفي سبيل دراسة هذه الهيئات بما لها وما عليها سنتطرق في هذه الورقة البحثية للاختصاص القضائي المزدوج للفصل في الطعون المرفوعة ضد قرارات سلطات الضبط (مطلب أول) و كذا الطابع الاستثنائي لإجراءات الطعون الإدارية (مطلب ثان).

المطلب الأول : الاختصاص القضائي المزدوج

من أجل تحقيق الفعالية الاقتصادية، وزع المشرع الجزائري الاختصاص القضائي الفاصل في المنازعات المتعلقة بسلطات الضبط إلى جهتين، بحيث جعل الطعن في قراراتها كأصل عام يدخل في نطاق القضاء الإداري (فقرة أولى) وكاستثناء جعل الاختصاص بالفصل في بعض الدعاوى للقضاء العادي (فقرة ثانية).

الفقرة الأولى: الاختصاص الأصيل للقاضي الإداري

نظرا للطابع الإداري الذي أضفاه المشرع الجزائري على سلطات الضبط المستقلة فإن الطعن في قراراتها كأصل عام يكون أمام القضاء الإداري. وهذا انطلاقا من أن النصوص القانونية المنظمة لسلطات الضبط المستقلة، خصت مجلس الدولة بالفصل في الطعون المرفوعة ضد قراراتها، الأمر الذي ينسجم والفقرة الثانية من المادة 901 من تقنين الإجراءات المدنية والإدارية التي تنص على أنه: ” يختص مجلس الدولة في القضايا المخولة له بموجب نصوص خاصة”. ولا يتحقق ذلك إلا إذا تم إدراج سلطات الضبط المستقلة ضمن فئة الهيئات العمومية الوطنية طبقا للمادة 09 من القانون العضوي([2]) رقم 01-98 المؤرخ في 30 ماي 1998 المتعلق باختصاص مجلس الدولة و تنظيمه ([3])، التي تنص على أنه : “يفصل مجلس الدولة ابتدائيا ونهائيا في: – الطعون بالإلغاء المرفوعة ضد القرارات التنظيمية أو الفردية الصادرة عن السلطات الإدارية المركزية، الهيئات العمومية الوطنية…”.

وباستقراء النصوص المنشئة والمنظمة لسلطات الضبط المستقلة، نجد أن كل الطعون الموجهة ضد قرارات هذه الأخيرة، يفصل فيها مجلس الدولة. وهذا نظرا لكونها تمارس صلاحياتها باسم الدولة ولحسابها، وأنها ذات طابع إداري مما يستدعي تطبيق المعيار العضوي.

وعلى سبيل المثال نجد المادة 17 من القانون رقم 03-2000 المحدد للقواعد العامة المتعلقة بالبريد والمواصلات، تنص على أنه : “… يجوز الطعن في قرارات مجلس سلطة الضبط أمام مجلس الدولة …” ([4]). وما نصت عليه المادة 19، من قانون المنافسة بأنه : ” يمكن الطعن في قرارات رفض التجميع أمام مجلس الدولة” ([5]).

أما بالنسبة للجنة تنظيم عمليات البورصة ومراقبتها والتي تتمتع بالشخصية المعنوية، ما يمنحها الحق في التقاضي، أي أنه بإمكانها أن تكون طرفا في النزاعات سواء كمدعية أو مدعى عليها. وهذا ما يدفعنا إلى القول بأن جميع الدعاوى و الطعون ترفع مباشرة ضد اللجنة دون الحاجة إلى إدخال الدولة عن طريق إحدى الوزارات في النزاع، حيث أن اللجنة تتمتع بالاستقلال المالي، ويمكنها دفع أي تعويض من ذمتها المالية الخاصة، وهذا منذ صدور القانون رقم 03-04 المعدل والمتمم للمرسوم التشريعي رقم 10-93. ومن هنا فإننا سنتطرق لرقابة القضاء الإداري – مجلس الدولة – على كل من القرارات الفردية والقرارات التنظيمية الصادرة عن سلطات الضبط المستقلة.

أولا : رقابة القضاء الإداري على القرارات الفردية لسلطات الضبط المستقلة

تصدر سلطات الضبط المستقلة قرارات عديدة ومتنوعة، قد تأخذ شكل أو تسمية تأشيرات أو اعتمادات أو جزاءات إدارية، وهذا حسب تنوع طبيعة محلها أو موضوعها.

ويمارس القضاء الإداري رقابته حول شرعية هذه القرارات الفردية ([6])، بناء على طلب الأشخاص المتضررين من هذه القرارات. إلا أن المشرع الجزائري لم يبين في العديد من الحالات الإجراءات الواجب إتباعها لمجابهة هذه القرارات، ومن ذلك أنه لم ينص على أي نوع من الطعون ضد قرارات منح التأشيرة التي تضعها لجنة تنظيم عمليات البورصة ومراقبتها، على المذكرة الإعلامية، التي يقدمها مصدر القيم المنقولة. وفي ظل غياب نص قانوني خاص ينظم هذه المسألة – إجراءات الطعن في القرارات الفردية لسلطات الضبط المستقلة – فإنه يتوجب علينا الأمر الرجوع إلى القواعد العامة في الطعون ضد القرارات الإدارية الفردية، حيث ترفع الدعاوى أمام مجلس الدولة كأول وآخر درجة طبقا لنص المادة 9 من القانون العضوي رقم 01-98 المتضمن تنظيم وسير مجلس الدولة ([7]). وما يؤكد هذا الاعتقاد هو ما نصت عليه المادة 09 من المرسوم التشريعي رقم 10-93 المعدل والمتمم بموجب القانون رقم 04-03 فيما يخص قرارات اعتماد الوسطاء في عمليات البورصة، حيث أعطى المشرع الجزائري الحق لطالب الاعتماد – في حالة رفض طلبه أو تحديد مجال الاعتماد في رفع طعن أمام مجلس الدولة في ميعاده قدره شهر واحد يبدأ حسابه منذ تاريخ تبليغ القرار، ويلتزم مجلس الدولة بالبت في هذا الطعن وإصدار قراره خلال ثلاثة أشهر من تاريخ تسجيله.

أما بالنسبة للقرارات التي تصدرها الغرفة التأديبية والتحكيمية للجنة فإنها تقبل الطعن بالإلغاء أمام مجلس الدولة خلال شهر واحد ([8]) يبدأ حسابه من تاريخ تبليغ القرار محل الطعن، ولمجلس الدولة أجل ستة أشهر من تاريخ تسجيل الطعن ليفصل خلالها فيه ([9])، وهذا خلافا للأحكام العامة حيث لا يوجد أي نص يلزم مجلس الدولة أو المحكمة العليا بضرورة الفصل خلال أجل محدد.

ثانيا: رقابة القضاء الإداري على القرارات التنظيمية لسلطات الضبط المستقلة

تنص المادة 33 من المرسوم التشريعي رقم 10-93 المعدل والمتمم، بأنه يمكن في حالة حصول طعن قضائي أن يأمر بتأجيل تنفيذ أحكام اللائحة المطعون فيها إذا كانت بالغة الخطورة منذ نشرها. وهذا ما يدل على أن اللوائح التي تصدرها لجنة تنظيم عمليات البورصة ومراقبتها، يمكن أن تشكل موضوع طعن قضائي، شأنها شأن جميع القرارات الإدارية
التنظيمية الصادرة عن الجهات الإدارية عموما. إلا أن المشرع الجزائري قد أهمل تحديد الجهات أو الأطراف التي يعود لها الحق في تقديم هذا الطعن وهو الأمر الذي يؤدي بنا إلى الافتراض بأن نية المشرع الجزائري قد توجهت إلى تطبيق القواعد العامة في مجال الطعون بالإلغاء ضد القرارات الإدارية عامة، إذ ترفع من جميع ذوي الصفة والمصلحة، دون تحديد لطائفة معينة من الأشخاص، وهذا بخلاف ما هو معمول به على مستوى بعض سلطات الضبط المستقلة. فالأنظمة التي يصدرها مجلس النقد والقرض مثلا، لا يمكن توجيه الطعن ضدها بالإلغاء، إلا من قبل الوزير المكلف بالمالية، في أجل ستين يوما من تاريخ نشرها وفقا للأشكال المقررة في القانون ([10]) تحت طائلة ردها شكلا ([11]).

فالطعن هنا حق ممنوح حصريا للوزير المذكور دون غيره من الأشخاص الطبيعيين أو المعنويين حتى ولو كان هذا القرار التنظيمي يمس بمراكزهم القانونية حال تطبيقه، وهو الأمر الذي ارتكز عليه دفاع بنك الجزائر في قضية فصل فيها المجلس الدولة بين يونيون بنك كمدعي ومحافظ بنك الجزائر مدعى عليه، حينما رد بشأن الدفع بعدم المشروعية بأنه حق للوزير المكلف بالمالية دون أي شخص آخر حسب المادة 46 ([12])، وبأنه ليس للمدعية الصفة في إثارة هذا الدفع مادام أن الأمر يتعلق بقرار تنظيمي.

والحقيقة أن الدفاع قد أخلط ما بين حالتي الطعن بالإلغاء و الدفع بتقدير المشروعية ([13]).

ففي غياب نص خاص في الأمر المتعلق بالنقد والقرض حول إمكانية الطعن في عدم شرعية قرارات مجلس النقد والقرض، فإن القواعد العامة للإجراءات تجد سبيلها للتطبيق بصورة طبيعية استنادا لأحكام للفقرة الثانية من المادة 09 من القانون العضوي 01-98 المتعلق باختصاصات مجلس الدولة وتنظيمه وعمله، حيث : “يفصل مجلس الدولة ابتدائيا ونهائيا في 2. الطعون الخاصة بالتفسير ومدى شرعية القرارات التي تكون نزاعاتها من اختصاص مجلس الدولة “. وهو الاختصاص الذي يصرح به القانون في دعوى الإبطال التي يرفعها الوزير المكلف بالمالية تأسيسا على أن مجلس النقد والقرض يدرج باعتباره هيئة من الهيئات العمومية الوطنية المشار إليها في اختصاصات مجلس الدولة.

إن مثل هذه الطعن يبقى مفتوحا – في غياب أي نص يقضي بخلاف ذلك – أمام كل من تضرر من تطبيق النظام الذي يرد مخالفا لمبدأ المشروعية، والذي يتجسد في قضية الحال في نص المادة رقم 15من النظام 07-95 ومعارضتها لأحكام قانون النقد والقرض المتعلقة بصلاحيات مجلس النقد والقرض واللجنة المصرفية في نفس الوقت، وهو ما تم تأكيده من خلال تقدير الحل المعتمد في القرار الذي أصدره مجلس الدولة([14]) تحت رقم 2138 بتاريخ 08/05/2000، ولقد تضمن مضمون القرار شقين هما:

 إبطال القرار المؤرخ في 01/02/1992 الصادر عن مديرية مراقبة الصرف لبنك الجزائر، والمتضمن السحب المؤقت والتحفظي مع التطبيق الفوري لصفة الوسيط المعتمد.

 التصريح بعدم قابلية المادة 15 من النظام 07-95 للتطبيق على هذه القضية.

  1. حول صحة الدفع بعدم المشروعية

تنص المادة 15 من النظام 07-95 على ما يلي : “بإمكان بنك الجزائر سحب صفة الوسيط المعتمد في أي وقت من أي مستفيد لجزء أو كل العمليات المرخص بها في حالة عدم تطبيق النصوص السارية المفعول”.

ومثلما هو واضح، فإن بنك الجزائر قد أعطى لنفسه حقا غير شرعي للمعاقبة عن طريق هذه المادة، وهو ما يشكل – حسب دفاع يونيون بنك – مساسا بالفصل بين السلطات المنظم بمقتضى القانون البنكي.

إن سحب صفة الوسيط المعتمد لا يمكن أن تتم، حسب أحكام الأمر المتعلق بالنقد والقرض إلا من قبل مجلس النقد والقرض في إطار اتخاذه للقرارات الفردية، أو من طرف اللجنة المصرفية باعتباره أقصى حد للعقوبات التي يمكن لهذه الأخيرة اتخاذها، وليس لجهة أخرى غير هاتين المذكورتين مباشرة مثل هذه الصلاحية ولو كان بنك الجزائر ذاته ممثلا في المحافظ أو من يعمل تحت سلطته (كمديرية مراقبة الصرف). و لذلك فإن مقتضى هذه المادة 15 من النظام 07-95 الصادر عن مجلس النقد والقرض قد جاء مخالفا لأحكام قانون النقد والقرض المتعلقة بسلطة العقاب في المجال البنكي والدفع الذي تقدم به محامي يونيون بنك جاء مؤسسا.

2 حول الحل المتخذ من طرف المجلس

ورد الحل الذي اعتمده مجلس الدولة بشأن الدفع بعدم المشروعية كما يلي : “حيث أنه إذا كان من صلاحيات مجلس النقد والقرض وإعداد الأنظمة المتخذة تطبيقا للقانون رقم 90-10، فإنه لا يستطيع أن يضيف إلى النص حكما جديدا؛ حيث أنه عندما نص مجلس النقد والقرض… على أنه يمكن لبنك الجزائر سحب صفة الوسيط المعتمد لعمليات الصرف، فإنه قد تجاهل مقتضيات المادة 156 التي توكل هذا الاختصاص للجنة المصرفية فقط، حيث أنه في هذه الحالة يتعين التصريح بأن مقتضيات المادة 15 من النظام المذكور أعلاه باطلة وعديمة الأثر فيما يخص الدعوى الحالية فقط،…

إن مجلس الدولة يقضي : … بالتصريح بعدم قابلية المادة 15 من النظام 07-95 المؤرخ في 23 ديسمبر 1995 للتطبيق على هذه القضية…”

لقد لخص المجلس بقراره هذا ما هو مستقر عليه فقها بشأن الدفع بعدم المشروعية، من حيث:

 إمكانية إثارة هذا الدفع إزاء أي إجراء إداري جماعي ([15]) صادر عن سلطة إدارية، تقليدية كانت أو مستقلة، تمارس صلاحية وضع قواعد معيارية عامة تأخذ في تطبيقها نفس أبعاد النصوص القانونية، ولكنها لا تحوز وصف “أعمال السيادة “، بسبب عدم استيفائها لإجراء التصويت والإصدار ([16]).

 أن الدفع بعدم المشروعية، مثل الدفع بعدم الدستورية، لا تتم إثارته إلا إذا كانت مسألة أولية وتتوقف الخصومة على الفصل فيها ([17])، وهذا ما حدث في قضية الحال، حيث استدعى إبطال القرار الصادر عن مديرية الصرف في 01 فيفري 1999 التطرق لمسألة مدى مشروعية الإجراء المتخذ من طرف بنك الجزائر استنادا لنص المادة 15 من النظام رقم 07-95 الذي اعتمد كأساس لتبرير الإجراء الذي قامت به المديرية.

الفقرة الثانية: الاختصاص الاستثنائي للقاضي العادي

تشكل القرارات الصادرة عن مجلس المنافسة باعتباره سلطة ضبط في المجال الاقتصادي استثناءا على القاعدة العامة، حيث تفلت من رقابة القاضي الإداري، وينص القانون على أنها تعود لاختصاص مجلس قضاء الجزائر العاصمة الفاصل في المواد التجارية ([18])، وذلك رغم أن القانون يعتبر مجلس المنافسة هيئة إدارية صراحة.

ويعود هذا الاستثناء إلى كون هذا الحكم مستلهما من القانون الفرنسي، فقد أعطى المشرع الفرنسي هذا الاختصاص لمحكمة استئناف باريس، مما يجعل القضاء العادي و ليس القضاء الإداري هو المختص بنظر الطعون المقدمة ضد قرارات مجلس المنافسة، ولقد أقر المجلس الدستوري الفرنسي خروج المشرع عن القواعد التقليدية في توزيع الاختصاص القضائي، لأن القضاء العادي في فرنسا يختص ببعض المنازعات الإدارية وفقا للفكرة التقليدية بأن القاضي العادي هو حصن الحريات الفردية ([19])”.

لكن المشكلة في نقل الاختصاص لمحكمة استئناف “باريس”، كانت تكمن في عدم وقف تنفيذ القرار المطعون فيه أمامها كنتيجة للطعن مثلما هو متبع أمام مجلس الدولة، مما كان يفوت ضمانه للمتقاضين؛ يحرمون منها أمام محكمة استئناف باريس، ويتمتعون بها، إذا ظل الاختصاص لمجلس الدولة، وفقا للقواعد التقليدية باختصاصه بنظر الطعون في القرارات الإدارية، وكان هذا الوضع يشكل مخالفة دستورية، حيث يناقض مبدأ المساواة وضمانات التقاضي المنصوص عليها في الدستور الفرنسي، كما كانت هذه الأوضاع محلا لملاحظات أبداها المجلس الدستوري على القانون الذي كان المشرع يزمع بمقتضاه نقل الاختصاص لمحكمة استئناف باريس بنظر الطعون في قرارات مجلس المنافسة.

وصدر في 1987/07/06 القانون الذي يخول محكمة استئناف باريس، الفصل في المنازعات الخاصة بقرارات مجلس المنافسة، مراعيا ما أبداه المجلس الدستوري من ملاحظات وبصفة خاصة تلك المتعلقة بوقف تنفيذ القرارات المطعون فيها كأثر للطعن، فقرر القانون أن الطعن أمام محكمة استئناف باريس يكون له أثر موقف كقاعدة عامة، لكن الرئيس الأول لمحكمة استئناف باريس، يمكن أن يأمر بوقف التنفيذ، لحين الفصل في موضوع الدعوى، بشرط أن يثبت الطاعن أن هناك خطرا جسيما يمكن أن يترتب على التنفيذ أو أن هناك وقائع جديدة ذات خطورة استثنائية، وأن تكون قد حدثت في تاريخ لاحق على صدور القرار المطعون فيه على أن تراقب محكمة استئناف باريس، مدى التناسب بين العقوبات المالية التي وقعها مجلس المنافسة، وبين الأفعال المرتكبة والمبررة لتوقيع هذه العقوبات.

من هنا يكون المشرع قد اكتفى بنقل أحكام القانون التجاري الفرنسي، إلا أنه لم يتبن نفس الحل الذي تبناه المشرع الفرنسي في مجال البورصة، الأمر الذي أدى إلى عدة انتقادات فقهية، مما يعني بأن المعيار الاقتصادي لا يعد حاسما في توزيع الاختصاص بين القضاء الإداري والقضاء العادي.

أما بالنسبة للجزائر، فإن اختصاصات مجلس الدولة حددتها المادة 09 من القانون العضوي رقم 01/98 المتعلق باختصاصات مجلس الدولة و تنظيمه وعمله التي تنص على ما يلي: “يفصل مجلس الدولة ابتدائيا و نهائيا في:

– الطعون بالإلغاء المرفوعة ضد القرارات التنظيمية أو الفردية الصادرة عن السلطات الإدارية المركزية والهيئات العمومية الوطنية والمنظمات المهنية الوطنية……….”.

في حين أنه، في حالة الطعن ضد قرارات مجلس المنافسة فإن القانون هو الذي يمنح الاختصاص بقراراته للقاضي العادي، وقد ذكر المجلس الدستوري بمناسبة اللجوء إليه، مركز القانون العضوي في التدرج الهرمي للقوانين بهذه العبارات:

“باعتبار أن مجال تدخل القانون العادي و تدخل القانون العضوي محددة على الترتيب بالمواد 122 و 123 وأحكام أخرى من الدستور الجزائري المعدل سنة 1996 و بأن المؤسس الدستوري حدد إجراءات تبني كل واحد منها وهي مختلفة، فالقانون العضوي وعلى عكس القانون العادي، يتم إصداره بناءا على الفقرات الثانية والثالثة من المادة 123 من الدستور بالأغلبية المطلقة للنواب وهو يخضع – وقبل إصداره – إلزاميا لرقابة المطابقة للدستور، وإخضاعهما لإجراءات مختلفة ينبع من مبدأ التدرج السلمي للقواعد في النظام القانوني الداخلي، الذي يفرض بأن القانون العضوي بمركزه والقانون العادي، لا يمكن أن يتدخلا إلا في المجال وحسب الإجراءات التي تحددها لهما الدستور، مما يستتبع بأن المجلس الشعبي الوطني، لا يمكن أن يخضع الأحكام الخاصة بمجال القانون العضوي لنفس الإجراءات المتعلقة بالقانون العادي.

وهكذا يكرس المجلس الدستوري سمو القانون العضوي على القانون العادي، فوحده القانون العضوي بإمكانه وضع استثناءات للاختصاص الأساسي أو المبدئي لمجلس الدولة بهذا فالقانون العادي الذي يعدل جوهر قانون عضوي، يمكن الطعن في عدم دستوريته.

إن تخويل الغرفة التجارية لمجلس قضاء الجزائر العاصمة، حق النظر في الطعون المقدمة ضد قرارات مجلس المنافسة، يجعلنا نتساءل عن طبيعة هذا الطعن؟

وفي هذا الصدد تشير المادة 63 من الأمر 03-03 المتعلق بالمنافسة إلى الطعن في قرارات مجلس المنافسة وليس الاستئناف، مما يستخلص منه بأن الغرفة التجارية لمجلس قضاء الجزائر العاصمة، تنظر في القضية بصفة ابتدائية ونهائية وليس بصفتها قاضي الدرجة الثانية، فيمكن تشبيهها بالقضاء الإداري، لأن مجلس المنافسة ليس هيئة قضائية فلا يقدم الاستئناف إلا ضد الأحكام القضائية ،سواء تعلق الأمر بمنازعة مدينة أو إدارية.

هذا هو الاتجاه الذي تبناه كل من الفقه والتشريع الفرنسيين، حيث أنه ورغم غموض النص الذي يعطي الاختصاص لمحكمة استئناف باريس، فإن التفسير لا يمكن أن يتم إلا بالمقارنة مع المنازعة الإدارية التقليدية الذي يؤدي إلى اعتبار محكمة استئناف “باريس” هي هيئة قضاء إداري.

وفي النظام الجزائري وبالرجوع إلى الأمر المتعلق بالمنافسة وكذا تقنين الإجراءات المدنية والإدارية فإن الطعن ضد قرارات مجلس المنافسة أمام الغرفة التجارية لمجلس قضاء الجزائر يمنحها حق النظر في الدعوى كقاضي إلغاء وكقاضي تعويض، حيث يمكنها أن تلغي أو تعدل من القرار أو تؤيد قرار مجلس المنافسة !! بل ويملك رئيس الغرفة اختصاصات وقف التنفيذ!

أولا : إلغاء القرار المطعون فيه

تتخذ قرارات مجلس المنافسة باعتبارها قرارات إدارية فردية، ضمن امتيازات السلطة العامة ،فرغم كون الغرفة التجارية للمجلس هي هيئة قضائية عادية، إلا أنها تستخدم تقنيات الرقابة التي يستعملها القاضي الإداري، حيث أنها تنظر في مدى احترام مجلس المنافسة لاختصاصاته التي خولها له القانون، وكذا مدى احترامه للإجراءات المتعلقة بحقوق الدفاع.

كما يبحث القاضي عن مدى تطبيق مجلس المنافسة للقواعد الموضوعية المنصوص عليها في قانون المنافسة ومدى صحة التكييف بالنظر إلى النصوص القانونية المستند إليها ومدى تناسب العقوبة مع الفعل المقترف. وفي حالة ما إذا كان سبب الإلغاء يتعلق بالإجراء بكامله ويمس بحقوق الدفاع، أو يؤدي إلى إفراغ الملف بإبعاد عناصر الإثبات، ففي هذه الحالات إن قرار الغرفة التجارية القاضي بالإلغاء، يضع حدا للمتابعات.

وفي الحالة العكسية، فإن الغرفة التجارية لدى المجلس تنظر في القضية من ناحية الوقائع والقانون من جديد وتقضي:

– إما بترك مجلس المنافسة يواصل الإجراء و يقضي بقرار جديد، وهذا ما تفعله الغرفة التجارية في حالة إلغاء القرار لعدم القبول أو بألا وجه لدعوى رفعت دون تبليغ الطرف المعني.

– وإما أن تنظر من جديد إذا كانت عناصر الملف تسمح للغرفة التجارية لدى المجلس أن تحل بقرارها محل قرار مجلس المنافسة في مجال الأوامر والعقوبات المالية وإجراءات النشر والإجراءات التحفظية أو تنفيذ الأوامر.

– أخيرا أن تنظر الغرفة من جديد بعد أن تأمر بإجراء تحقيق.

ثانيا: الحكم للمتضرر بالتعويض

عندما يفصل القاضي العادي في قضايا المنافسة بالتعديل فإنه يحكم أيضا بالتعويض. ففي حالة تعديل قرار يقضي بعدم القبول أو بألا وجه للمتابعة، واتخذ القرار دون تبليغ الطرف المعني، يملك القاضي العادي سلطة الأمر بالتحقيق كما يمكنه أن يحيل الإجراء لمجلس المنافسة ليتخذه مطابقة للقانون، وبالعكس لا يمكن للقاضي أن يعدل من العقوبة زيادة إلا إذا كان الطعن من وزير التجارة أومن الطرف الذي أخطر المجلس.

غير أن الإشكال الذي يطرح هو حين يصدر مجلس المنافسة قرارا ويتم إلغاؤه من طرف الغرفة التجارية لمجلس قضاء الجزائر لتجاوز السلطة، وأراد الطرف المتضرر رفع دعوى التعويض ضد مجلس المنافسة فهل ترفع الدعوى أمام الغرفة التي أصدرت القرار أو أمام القاضي الإداري ؟

لم تشر النصوص المتعلقة بالمنافسة إلى القضاء المختص بالنظر في دعوى المسؤولية التي ترفع ضد مجلس المنافسة، لكن بالمقارنة مع ما استقر عليه العمل في فرنسا، فإن القاضي العادي هو نفسه الذي يختص بدعوى التعويض، في حين أنه من المفروض – وأمام سكوت النص- أن يعود الاختصاص إلى القاضي الإداري حسب التوزيع التقليدي للاختصاص بين القضاء العادي والقضاء الإداري.

ومن أجل توحيد الاختصاص، وعدم توزيع الدعاوى بين القاضي العادي والإداري حيث أنه لما تلغي الغرفة التجارية لمجلس قضاء الجزائر قرارا لمجلس المنافسة فلا يجب إحالة الطرف المعني إلى المحكمة الإدارية للنظر في دعوى التعويض، لأن من شأن ذلك أن يؤدي إلى اختلاف الاجتهاد القضائي.

وإذا أيدت الغرفة التجارية لمجلس قضاء الجزائر العاصمة قرار مجلس المنافسة، فإنه يحق للطرف المعني الطعن ضد قرارها أمام الغرفة التجارية للمحكمة العليا، طبقا للقواعد العامة. وتمارس هذه الأخيرة حق الرقابة على قرار الغرفة التجارية بالمجلس القضائي للجزائر العاصمة باعتبارها محكمة قانون، وإذا نقضت قرارها فإنها تحيلها إلى نفس الغرفة المصدرة للقرار مشكلة تشكيلية أخرى.

المطلب الثاني : الطابع الاستثنائي لإجراءات الطعون الإدارية

رغم أن المشرع الجزائري أقر إمكانية الطعن في قرارات سلطات الضبط المستقلة الأمر الذي يستدعي إتباع نفس الإجراءات القضائية المتبعة أمام مجلس الدولة، وفق ما هو منصوص عليه في تقنين الإجراءات المدنية والإدارية، إلا أن وجود قوانين خاصة بسلطات الضبط المستقلة فرضت بعض الاستثناءات التي تتعلق بإجراءات التقاضي الأمر الذي من شأنه التأثير على مسار المنازعة الإدارية سواء فيما يخص التظلم الإداري المسبق (فقرة أولى) ومسألة مواعيد الطعن (فقرة ثانية ).

الفقرة الأولى: التظلم الإداري

خير المشرع الجزائري بموجب المادة 830 ([20]) من تقنين الإجراءات المدنية والإدارية المتضرر من القرار الإداري بين رفع التظلم الإداري ([21]) المسبق من عدمه، ولعل الحكمة من ذلك هي تخفيف العبء على المتقاضين، وكذا تبسيط إجراءات الطعون الإدارية الذي يشكل التظلم الإداري أهم مظاهر تعقيدها ([22])، على النحو السائد قبل صدور القانون رقم 23-90 بتاريخ 1990-06-18 حيث كان التظلم الإداري شرطا جوهريا لقبول الدعوى ([23]).

وفي هذا الصدد اعتبر مجلس الدولة أن الطعون المرفوعة ضد قرارات اللجنة المصرفية تبقى منظمة بموجب الأحكام المتعلقة بالنقد والقرض، إذ أن الأمر رقم 11-03 يشترط التظلم فيما يخص رفض ترخيص أو اعتماد فروع في الجزائر للبنوك والمؤسسات المالية الأجنبية، حيث تنص المادة 87من هذا الأمر على أنه: “ألا يمكن الطعن أمام مجلس الدولة في القرارات التي يتخذها المجلس بموجب المواد 82، 84 و 85 أعلاه إلا بعد قرارين بالرفض، ولا يجوز تقديم الطلب الثاني إلا بعد مضي أكثر من 10 أشهر من تبليغ رفض الطلب الثاني”.

من خلال استقراء نص هذه المادة، وعلى وجه الخصوص عبارة “بعد قرارين بالرفض” نلاحظ أن المشرع الجزائري، يستوجب بعد قرار الرفض الأول بالترخيص أو اعتماد فروع في الجزائر للبنوك والمؤسسات المالية الأجنبية، ضرورة تقديم طلب آخر – بمثابة التظلم الإداري – وهذا قبل الطعن أمام مجلس الدولة. ([24])

ومن جانب آخر، فإن الدعوى يجب أن ترفع خلال 60يوما من تاريخ تبليغ القرار، ولا يسمح برفع هذه الدعوى إلا للأشخاص الطبيعيين أو المعنويين المستهدفين بالقرار مباشرة.

وبتطبيق قواعد الاجتهاد القضائي، فإن الطعون المرفوعة ضد قرارات كل من سلطة الضبط للبريد و المواصلات، لجنة تنظيم عمليات البورصة ومراقبتها، الوكالة الوطنية للممتلكات المنجمية والوكالة الوطنية للجيولوجية والمراقبة المنجمية، كلها لا تشترط التظلم الإداري. ولم يبق من ذلك إلا قرارات لجنة ضبط الكهرباء و الغاز التي نص المشرع الجزائري على أنها يمكن أن تكون موضوع طعن قضائي أمام مجلس الدولة.

الفقرة الثانية: مواعيد الطعن

تختلف مواعيد الطعن من سلطة ضبط لأخرى، ولا تتوافق مع القاعدة العامة المنصوص عليها في المادة 829من تقنين الإجراءات المدنية والإدارية، والتي تقضي بوجوب رفع الدعوى خلال أربعة أشهر من تاريخ تبليغ القرار الفردي أو من تاريخ نشر القرار التنظيمي. وشهرين (02) من تاريخ تبليغ قرار رفض التظلم الإداري أو في حالة سكوت الإدارة المتظلم أمامها ([25]).

فيشير تقنين النقد والقرض إلى أن الطعون المرفوعة ضد قرارات اللجنة المصرفية- عندما تمارس سلطتها العقابية – يجب أن ترفع خلال ستين (60) يوما ابتداء من تاريخ تبليغ القرار. ويظهر لأول وهلة من نصر المادة 107 من الأمر رقم 11-03 أنها لا تشكل استثناء على قاعدة تقديم الطعن في أجل الشهرين من تاريخ التبليغ، فقد تتساوى مدة الستين يوما مع الشهرين، غير أن الأجلين في حقيقة الأمر مختلفان فقد تزيد مدة الشهرين عن الستين يوما ([26]) ويمكن أن تنقص عنها ([27]).

فالانتقال من حساب مواعيد الطعن بالأشهر المنصوص عليه في تقنين الإجراءات المدنية والإدارية إلى معيار الحساب اليومي في قانون النقد والقرض، يشكل استثناء من مواعيد الطعن ضد قرارات سلطات الضبط المستقلة، الأمر الذي يتوجب معه معرفة الأحكام العامة.

فعلى سبيل المثال يطعن في القرارات الصادرة عن لجنة تنظيم عمليات البورصة ومراقبتها وسلطة الضبط للبريد والمواصلات أمام مجلس الدولة خلال شهر واحد من التبليغ. في حين أن الطعون المرفوعة ضد قرارات مجلس إدارة كل من الوكالة الوطنية للممتلكات المنجمية والوكالة الوطنية للجيولوجيا والمراقبة المنجمية، تكون في أجل ثلاثين يوما من تاريخ تبليغ القرار محل النزاع ([28]). بالإضافة إلى قرارات مجلس المنافسة التي تخضع لنفس ميعاد الطعن – أي شهر واحد – وهذا أمام الغرفة التجارية لمجلس قضاء الجزائر، غير أن هذا الأجل يتقلص إلى ثمانية (08) أيام عندما يتعلق الأمر بالطعن في الإجراءات التحفظية.

يحدد المشرع الجزائري، ميعاد الطعن في قرارات لجنة ضبط الكهرباء والغاز، الأمر الذي يستوجب الرجوع إلى القواعد العامة المنصوص عليها في تقنين الإجراءات المدنية والإدارية.

الخاتمة:

منح المشرع الجزائري الهيئات الإدارية المستقلة، سلطة زجر ومعاقبة كل من يخالف قواعد المنافسة النزيهة. والجمع بين كل هذه الاختصاصات بين أيدي سلطات الضبط المستقلة له ما يبرره، كون هذه الأخيرة يجب أن تكون معاصرة ومسايرة لمتطلبات السوق وتطوراته المستمرة، فظهور هذه السلطات كان بغرض محاربة التعقيدات والبطء الحكومي في اتخاذ القرارات، بسبب مرورها عبر عدة قنوات مما يفقد الأداء الحكومي سرعته في تلبية الاحتياجات بصورة طبيعية.

فالسلطات الإدارية المستقلة تعتبر ذات أهمية كبيرة في ضبط الاقتصاد، وتكريس المشرع لفكرة الضبط في المجال الاقتصادي كان لابد منه، لمسايرة التطورات والتحولات الراهنة وللاستجابة لمتطلبات اقتصاد السوق، حيث تلعب هذه الهيئات دورا حيويا في مجال اختصاصها إذ تعتبر بداية لتحديث الإدارة الجزائرية في المجال الاقتصادي.

ولئن خول المشرع الجزائري الهيئات الإدارية المستقلة اختصاصات هامة في سبيل أدائها لمهامها. وأقر لها باستقلالية واسعة بموجب النصوص القانونية المنشئة والمنظمة لها، إلا أنه أخضعها للرقابة القضائية، التي تهدف إلى حماية مصالح المتعاملين الاقتصاديين.

فبعد دراسة آليات هذه الرقابة القضائية، اتضح أنها لا تعتبر ضمانة فعالة لتحقيق التوازن بين الصلاحيات القمعية الممنوحة لهذه الهيئات وحقوق المتعاملين الاقتصاديين.

فوقف تنفيذ القرارات الصادرة عن هذه الهيئات يعتبر إحدى الضمانات المهمة وذلك بالنظر إلى النتائج التي يحققها. فالملاحظ أن بعض الهيئات الإدارية المستقلة على أهمية المجال الذي تضبطه تستبعد بصورة صريحة وقف تنفيذ قراراتها، وهو ما يمثل انتقاصا صارخا للضمانات التي ينص عليها تقنين الإجراءات المدنية والإدارية، خاصة أمام خطورة القرارات التي تصدرها وهي بصدد ممارسة سلطتها القمعية، لذا فإننا نهيب بالمشرع الجزائري تدارك هذه المسألة بتكريس ضمانات كافية للمتعاملين مع هذه الهيئات المكلفة بضبط ومراقبة نشاطهم.


[1] القانون رقم 07-90 المؤرخ في 03أفريل 1990 المتعلق بالإعلام، الجريدة الرسمية الجزائرية العدد 14 لسنة 1990.

[2] من المستجدات التي جاء بها التعديل الدستوري لسنة 1996 إدخال المؤسس الدستوري الجزائري مصطلحا جديدا في قاموس القانون الوضعي الدستوري الجزائري، ألا وهو مصطلح القانون العضوي. هذا الأخير الذي يحتل مرتبة أعلى من الفانون العادي وأدنى من الدستور، حيث يشكل هذا أحد مظاهر مبدأ المشروعية في الدولة، فليس من شأن القانون النظامي أو العضوي أن يعارض الدستور في شيء أو يعدله، وبالمقابل لا يمتد القانون العادي إلى المجال المحجوز للقانون النظامي. عزاوي عبد الرحمن، “فئة القوانين الجديدة : القوانين العضوية أو النظامية وفقا للدستور الجزائري المعدل سنة 1996” “، المجلة القانونية التونسية، مركز النشر الجامعي، العدد الرابع، 2002، ص 57.

[3]الجريدة الرسمية الجزائرية العدد 37 لسنة 1998

[4]الجريدة الرسمية الجزائرية العدد 48 لسنة 2000

[5]الجريدة الرسمية الجزائرية العدد 43 لسنة 2003

[6] فالقرار الإداري سواء كان فرديا أو تنظيميا فيعتبر دوما عمل إداري انفرادي، على عكس العقود الإدارية التي تعتبر عملا ثنائيا. جبار عبد الحميد، “مفهوم القرار الإداري في القانون الجزائري “، مجلة إدارة، المدرسة الوطنية للإدارة، الجزائر، العدد الأول، 1995 ص. 15

[7] الجريدة الرسمية الجزائرية العدد 37 لسنة 1998.

[8] وهو ميعاد أقل بكثير من ميعاد الطعن بالنقض أمام مجلس الدولة في الحالات العادية الأخرى وهو شهران ابتداء من تاريخ التبليغ الرسمي والشخصي للقرار أو الحكم محل الطعن .طبق للمادتين 354 و 956 من القانون رقم 09/08 المؤرخ في 25فبراير 2008 والمتضمن قانون الإجراءات المدنية والإدارية، الجريدة الرسمية الجزائرية رقم 21 لسنة 2008.

[9] طبقا للمادة 57 من المرسوم التشريعي رقم 10-93 المتعلق ببورصة القيم المنقولة، الجريدة الرسمية الجزائرية العدد 18 لسنة 1996

[10] في الجريدة الرسمية الجزائرية أو في جريدتين يوميتين تصدران بالجزائر العاصمة، في حالة الاستعجال حسب المادة 64 من الأمر رقم 11-03 المؤرخ في 11 أوت 2003 يتعلق بالنقد والقرض، الجريدة الرسمية الجزائرية العدد 52 لسنة 2003

[11] المادة 65 الفقرة الأولى و الثانية من الأمر رقم 11-03 المتعلق بالنقد و القرض، الأمر المرجعي سابق الذكر.

[12] من قانون 10-90 والتي تضمنتها المادة 21/65 من الأمر رقم 11-03 المتعلق بالنقد والقرض، الأمر المرجعي سابق الذكر.

[13]عبد الحق قريمس، ” مراقبة القضاء الإداري لمشروعية عمل السلطات الإدارية المتنقلة، مجلة الاجتهاد القضائي، كلية الحقوق والعلوم السياسية ،جامعة محمد خيضر، بسكرة -الجزائر، العدد الثالث، مارس 2006، ص .236.

[14]أصدر مجلس الدولة القرار رقم 13الصادر في 09 فبراير 1999 والفاصل في قضية اتحاد بنك المؤسسة المالية في شكل شركة مساهمة “يونين بنك ” ضد محافظ بنك الجزائر، مجلة إدارة، المدرسة الوطنية للإدارة، الجزائر، العدد الأول، 1999، ص 173

[15] إن استعمال مصطلح إجراء إداري جماعي لا يعني باي حال من الأحوال أنه قرار إداري تنظيمي بل هو قرار فردي ولو أنه يخص مجموعة محددة من الأفراد.

[16]جورج قودال وبيار دلفولفيه، القانون الإداري، ترجمة منصور القاضي، الطبعة الأولى، المؤسسة الجامعية للدراسات، بيروت، 2001، 33

[17] عبد العزيز محمد سلمان، قيود الرقابة الدستورية، دار النهضة العربية، القاهرة، 1998 ص .83

[18] انظر المادة 63 من الأمر رقم 03-03 المؤرخ في : 19 جويلية 2003 والمتعلق بالمنافسة، الجريدة الرسمية العدد 43 لسنة 2003؛ المعدل والمتمم بالقانون رقم 12-08 المؤرخ في 25 جوان 2008، الجريدة الرسمية العدد 36 لسنة 2008

[19]حنفي عبد الله، السلطات الإدارية المستقلة، دار النهضة العربية، القاهرة، 2000 ص 120

[20] إذ تنص المادة 830من تقنين الإجراءات المدنية والإدارية على أنه: “يجوز للشخص المعني بالقرار الإداري، تقديم تظلم إلى الجهة الإدارية مصدرة القرار…”.

[21] التظلم عبارة عن إجراء يرسمه القانون أحيانا لاتباعه ويتمثل في طعن إداري يقوم به الشخص الذي يريد مقاضاة الإدارة كإجراء أولي، عن طريق توجيهه شكوى أو احتجاج أو التماس للإدارة. ويدعى ذلك الإجراء “تظلما مسبقا” أو “طعنا إداريا ” يطالب بضرورة مراجعة الإدارة لقرارتها وتصرفاتها قبل الشروع في مقاضاتها.

[22] بربارة عبد الرحمان، شرح قانون الإجراءات المدنية والإدارية، الطبعة الأولى، منثورات بغدادي، 2009،ص .432.

[23]عزاوي عبد الرحمان و معاشو عمار، تعدد مصادر القاعدة الإجرائية في المنازعات الإدارية في النظام الجزائري، دار الأمل، الجزائر، 1998 ص .15وما يليها.

[24] تطبيقا لذلك صدر قرار مجلس الدولة رقم 006614، بتاريخ : 12 أكتوبر 2001، مجلة مجلس الدولة، منشورات الساحل، الجزائر، العدد السادس، 2004.

[25] انطلاقا من أن جل منازعات سلطات الضبط المستقلة، يختص مجلس الدولة بالنظر و الفصل فيها، كأول وآخر درجة فإن ميعاد الطعن محدد بأربعة أشهر على أساس المادة 907 من تقنين الإجراءات المدنية والإدارية والتي تنص أنه : “عندما يفصل مجلس الدولة كدرجة أولى وأخيرة تطبق الحكام المتعلقة بالآجال المنصوص عليها في المواد من 829 إلى “832 ، وحيث تنص المادة 829 من تقنين الإجراءات المدنية والإدارية على أنه: “يحدد أجل الطعن أمام المحكمة الإدارية بأربعة (04) أشهر، يسري من تاريخ التبليغ الشخصي بنسخة من القرار الإداري الفردي، أو من تاريخ نشر القرار الإداري الجماعي أو التنظيمي”.

[26]كشهري ديسمبر و جانفي، أو شهري جويلية وأوت.

[27]في حال شهري فيفري و مارس مثلا.

[28] المادة 48 من القانون رقم 01-01 المؤرخ في 03 جويلية 2001 المتضمن قانون المناجم الجريدة الرسمية العدد 35 لسنة 2001المعدل والمتمم بالأمر 01-07 المؤرخ في 01 مارس 2007 الجريدة الرسمية العدد 16لسنة 2007.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
ร—
error: Content is protected !!

ุงูƒุชุดุงู ุงู„ู…ุฒูŠุฏ ู…ู†

ุงุดุชุฑูƒ ุงู„ุขู† ู„ู„ุงุณุชู…ุฑุงุฑ ููŠ ุงู„ู‚ุฑุงุกุฉ ูˆุงู„ุญุตูˆู„ ุนู„ู‰ ุญู‚ ุงู„ูˆุตูˆู„ ุฅู„ู‰ ุงู„ุฃุฑุดูŠู ุงู„ูƒุงู…ู„.

Continue reading