بقلم: عابد أحمد السناري
المحامي والمحكم
مقدمة:
انتشر التحكيم على نطاق واسع في نهاية القرن الماضي وبداية هذا القرن كوسيلة فعالة لحل المنازعات المدنية خصوصا في مجال الاستثمار. وتمخض عن ذلك أن أصبح التحكيم عاملا مهما في جذب رؤوس الأموال والاستثمارات الأجنبية خاصة في الدول النامية ويعود ذلك إلى رغبة الأطراف في تفادي إجراءات القضاء والتي اتسمت بالتطويل والبطء الشديدين مما تمخض عنه القول المأثور (Justice delayed is Justice Denied) وتأكدت أهمية التحكيم عند صدور قوانين الاستثمار في الدول المتخلفة وعلى وجه الخصوص الدول النامية الطامحة لجذب رؤوس الأموال بغرض التنمية والالتحاق بركب التطور الاقتصادي والاجتماعي )الاتفاقية الموحدة لاستثمار رؤوس الأموال العربية في الدول الغربية 1980 م، اتفاقية تسوية منازعات الاستثمار بين الدول العربية 1974 م، الاتفاقية العامة للتعاون الاقتصادي والفني والتجاري بين الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي 1977 م) وعلى المستوى الدولي نجد (اتفاقية تسوية منازعات الاستثمار بين الدول ومواطني الدول الأخرى 1965 م وقانون تنفيذ الاتفاقية الدولية لتسوية منازعات الاستثمار بين الدول ومواطني الدول الأخرى 1968 م).
ويتضح من ذلك وجود تلاؤم أو تلازم بين التحكيم والاستثمار مما نتج عنه أن أصحاب رؤوس الأموال الباحثين عن الاستثمار يميلون بل يثقون في التحكيم كوسيلة فعالة وناجزة في حل المنازعات التي تنشأ بينهم والدول المضيفة أو رعايا تلك الدول.. وعليه فإن هدف الورقة هو بيان إيجابيات ذلك التلاؤم بين التحكيم والاستثمار وأيضا السلبيات إن وجدت.
أولا : ما معنى التحكيم وما معنى الاستثمار :
- التحكيم لغة:
من مادة حكم. وحكم بتشديد الكاف تعني طلب الحكم ممن يتم الاحتكام إليه.. ويسمى الحكم بفتح الحاء والكاف. قال تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا…) وفي أسماء الله الحسنى نجد (الحكم، العدل) والحكم أو المحكم بضم الميم وفتح الحاء والكاف مشدودة وفي الاصطلاح القانوني التحكيم هو نظام لتسوية المنازعات يخول بموجبه أطراف النزاع مهمة الفصل فيه إلى محكمين يختارونهم بمحض إرادتهم.. إذا التحكم يقتضي وجود ثلاثة عناصر: خصومة، محكم له سلطة الفصل. بقرار ملزم للأطراف واتفاقا بين الأطراف.
تعددت آراء القضاء حول الطبيعة القانونية للتحكيم هل هي تعاقدية بحتة أم قضائية بحتة أم مختلطة بحيث تقع بين التعاقدية والقضائية أم ذات طبيعة خاصة لا علاقة لها بكل ما ذكر؟ ولكن لما كان ليس هذا مجال تفنيد هذه الاتجاهات والآراء فالقول عندنا أن التحكيم هو (في أوله اتفاق وفي وسطه إجراء وآخره قضاء).
- الاستثمار:
الملاحظ أن اتفاقية تسوية منازعات الاستثمار بين الدول ومواطن الدول الأخرى الصادرة في واشنطن 1965 م لم تعرف ماهية منازعات الاستثمار أو كلمة الاستثمار بالرغم من النقلة التي أحدثتها هذه الاتفاقية في مجال الاستثمار ومشاكله. كل ما جاء في هذا الخصوص كان في المادة (25 (1)) ونصها يقوم اختصاص المركز (المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار) يمتد إلى أي نزاع قانوني ينشأ مباشرة من استثمار بين دولة متعاقدة والوطنية لدولة متعاقدة أخرى (الوطنية هنا تعني الشخص الطبيعي أو الاعتباري الذي يحمل جنسية الدولة المتعاقدة الأخرى). اتفاقية استثمار رؤوس الأموال العربية في الدول العربية الصادرة في تشرين 1980 م عرفت في المادة (1(6)) استثمار رأس المال العربي بأنه استخدام رأس المال العربي في أحد مجالات التنمية الاقتصادية بهدف تحقيق عائد في إقليم دولة طرف غير دولة جنسية المستثمر العربي أو تحويله إليها لذلك الغرض وفقا لأحكام هذه الاتفاقية. وعرفت المستثمر العربي بأنه المواطن العربي الذي يملك رأسمال عربي يقوم باستثماره في إقليم دولة لا يتمتع بجنسيتها، أما اتفاقية تسوية منازعات الاستثمار بين الدول المضيفة للاستثمارات العربية بين مواطني الدول العربية الأخرى فقد اكتفت بالنص في المادة 2 بأن الاتفاقية تهدف إلى حل أي نزاع قانوني ينشأ مباشرة عن أحد الاستثمارات بين الدول العربية المضيفة أو إحدى هيئاتها أو مؤسساتها العامة بين مواطني الدول العربية الأخرى.. ولا نجد في هذا النص أي تعريف لكلمة استثمار أو منازعات استثمار وربما يعود هذا إلى أن الاتفاقية غير معنية في الأساس بمثل هذه التعريفات وإنما معنية بحل النزاعات القانونية الناجمة عن الاستثمارات. أما قانون تشجيع الاستثمارات السوداني 1999 م فقد نص في المادة (5) منه بأن المال المستثمر يعني النقد المحلي المدفوع من المستثمر الذي يستخدم في إنشاء المشروع أو تحديثه أو النقد الأجنبي القابل للتحويل والمحول عن طريق أحد المصارف المسجلة لدى بنك السودان والذي يستخدم في إنشاء المشروع أو تشغيله أو تحديثه أو رأس المال العيني أو أي حقوق عينية أخرى مثل الآلات والمعدات والعربات المستخدمة في المشروع كما عرف المستثمر بأنه الشخص الذي يستثمر أمواله وفقا لأحكام هذا القانون في أي مشروع سواء كان سودانيا أو غير سوداني.
نخلص مما تقدم إلى أن البلدان العربية التي استحدثت قوانين الاستثمار في بلدانها قد عرفت الاستثمار تعريفا محليا أما الاتفاقية الموحدة لاستثمار رؤوس الأموال العربية في الدول العربية 1974 م فقد عرفت الاستثمار تعريفا إقليميا-أي ما يغطي نطاق المنطقة العربية كوحدة جغرافية.
أما على المستوى الدولي فقد امتنعتا اتفاقية تسوية منازعات الاستثمار بين الدول ومواطني الدول الأخرى عن إعطاء أي تعريف لمصطلح استثمار دولي. وهذا يعود إلى أن المشرع تحاشى وضع تعريف جامد لا يستوعب المستجدات والمفاهيم الجديدة المتلاحقة في عالم التجارة الدولية لذلك ترك مهمة التعريف للفقه والقضاء ليكون حالة بحالة (Case (by Case حتى تكون الاتفاقية صالحة لكل زمان ومكان !! وهذا ليس مسلكا نشاذاً في هذا الوقت. فالاتفاقية الدولية لمحاربة الفساد لم تعرف كلمة (فساد) وهو موضوع الاتفاقية وكذلك الاتفاقية الدولية لمحاربة الإرهاب لم تعرف كلمة الإرهاب التي صدرت لمحاربته. لكن ومهما يكن من أمر فإننا نورد تعريفا لمصطلح الاستثمار الدولي ليس جامعا ولا م