ذ. أمحمد العيساوي

دكتوراه في القانون العام

إطار بوزارة الصحة

 أستاذ زائر بالكلية متعددة التخصصات بتازة

تشكل الجهوية بالمغرب إضافة مؤسساتية نوعية وإختيار ديمقراطي لا محيد عنه لصالح تقوية وتجديد النظام الإداري والسياسي في كليته، وأمام هذا الرهان الجسيم المعلق على التدبير الجهوي كأسلوب جديد يقطع مع المركزية في مقاربة إشكالات الشأن العام، من اللازم البحث عن سبل تقوية الآليات والميكانزمات والمداخل الأساسية والجوهرية المتعارف عليها في البناء و التأسيس الجهوي.

في هذا السياق تعد طبيعة التأطير الترابي الجهوي  (المطلب الأول) المعتمدة في تحديد الجهات، منطلق أساسي ومحوري في إنجاح ومأسسة  العدالة المجالية.

وكذلك  فالآليات والقنوات الأساسية التي تفرز المؤسسات الجهوية الديمقراطية (المطلب الثاني) تساهم في ضمان تأبيد فرص نجاح وإنغراس النموذج الجهوي في بيئة يتسم نسقها وبنيتها بالمركزية المفرطة في ممارسة التدبير.

المطلب الأول :  طبيعة التأطير الترابي الجهوي

يذهب فريق من الباحثين والمختصين الى التاكيد على أن الجهوية كنظام متعدد الابعاد والأهداف، تساهم في أداء الوظيفة التنموية للمشروع الوطني التكاملي[1]، كلما توفرت لها شروط وظروف ومقومات الاشتغال.

ولكي تلعب هذه الوحدة الترابية ـ الجهة ـ دورها التنموي،  لزاما إيجاد تقطيع ترابي يلائم الأهداف التنموية البحتة بعيدا عن الاعتبارات الأخرى التي من شأنها أن تسيء للعمل الجهوي وتجعل انطلاقته غير سليمة. حيث أن مراعاة الخصوصيات الجهوية لبلد متنوع ثقافيا، وعدم تجاهلها أثناء عملية التأطير الترابي، وذلك بضرورة التوفر على ما نسميه بالقدرة الاستيعابية التأطيرية الهائلة لفهم وتحليل التنوعات الثقاقية، سيؤدي بالنتيجة إلى خلق وحدات جهوية متمايزة ، متجانسة ومتحمسة للعمل والإبداع والاجتهاد في المجالات التنموية المختلفة.

وسنحاول تناول دور التأطير الترابي في البناء الجهوي في فرعين:

الفرع الأول: البعد التنموي للتأطير الترابي الجهوي.

الفرع الثاني: الخصوصيات الجهوية كأساس للتقسيم الجهوي.

الفرع الأول: البعد التنموي كأساس التأطير الترابي الجهوي.

إن الجهة، هذا الرديف و المساعد الأكبر للدولة، القادر على مساعدتها للقيام بواجباتها والتي يمكن الاعتماد عليها من أجل تنظيم التعبير عن الطموحات الاقتصادية وتوجيهها، هي وسيلة من وسائل المشاركة في تدبير الشؤون العامة المحلية الثقافية أو السياسية أو الاقتصادية[2].

فالجهة لضرورات تنموية يتم الرهان عليها مما يتحتم أن يكون التقسيم الجهوي مراعيا ومنسجما مع الأهداف التنموية مع العلم أن مسألة التقطيع هي مسألة شائكة تتطلب إلماما عميقا بالواقع الاقتصادي والبشري والجغرافي[3].

وتتطلب كذلك تراضي اجتماعي وسياسي متجذر بين كافة الفاعلين الأساسيين في الدولة، بحيث أن غياب هذا التراضي والتوافق مع الخيارات المصيرية في الدولة ينتج عنه الاحتكام فقط إلى الظرفيات السياسية الضيقة أثناء إعداد الآليات والخطط التي ترسم النهج المستقبلي للدولة في مجالات مختلفة. وهو ما قد يكون حاضرا في سياسة وتقنية التقطيع الترابي، مما يترتب عليه بالنتيجة فشل السياسات العمومية المتخذة، وبالتالي الدخول في متاهات الأزمات دون الخروج السريع منها ـ الذي تتطلبه طبيعة التنمية ـ بحلول عملية وعلمية.

وتجدر الإشارة إلى أن الوعي بأهمية التجانس في التقسيم الجهوي كان حاضرا مع التجربة الجهوية  16 جهة، خاصة وأن مساوئ وعيوب شتى سجلت على مستوى التجربة الجهوية مع ظهير 1971[4]، بحيث أن السلطات العمومية وكذلك المنتخبين أكدوا على تقادم التقسيم الجهوي لـ 1971 مع حجم المسؤولية الملقاة على عاتق الجهة كجماعة محلية[5].

وعليه فإن طبيعة التقسيم الجهوي الحالي يبدو من وجهة نظر معينة غير ملائم خاصة إذا استحضرنا التطورات والمستجدات الحاصلة والمتصلة بالمجال التنموي الناجحة، القائمة على إعطاء أهمية قصوى للبعد الترابي في كل نشاط أو عمل اقتصادي عمومي، أي الأخذ بعين الاعتبار متطلبات التدبير الاستراتيجي للتراب[6].

إذن، فمحو الفوارق الجهوية والسعي الحثيث نحو التقليص من معادلة المغرب النافع والمغرب غير النافع، لن يكون فقط بإعطاء اختصاصات مهمة للجهة ، بل و أن مراعاة التجانس الجهوي وسيادة منطق التنمية وسيطرته، سيساهم بدرجة قوية في إنجاح المسلسل التنموي على المستوى الجهوي، بالتالي إيجاد وحدات جهوية ترابية تتوفر لها شروط التنمية اللازمة.

فخلق فضاء جديد أو مجال ترابي جديد للتنمية من حجم الجهة ، ضروري أن تحترم في تشييده وبنائه معطيات وشروط الواقع الاجتماعي الثقافي اللغوي الاقتصادي، دون تجاوزها، وهو ما نجده في الأهداف “المعلنة” أثناء اعتماد التقسيم الجهوي الحالي[7]، دون تحقيق ذلك على أرض الواقع.

إذن فغلبة البعد التنموي في التقطيع الجهوي الترابي الذي يهم الجهات يكون بالضرورة عبر احترام الخصوصيات الجهوية وعدم تجاهلها.

الفرع الثاني : الخصوصيات الجهوية كأساس التأطير الترابي الجهوي

تحدد التنمية في إحدى أسسها كعملية إرادية وذاتية بالأساس، أي قائمة على ما يسمى في الخطاب التنموي المعاصر بمبدأ الاعتماد على الذات، وهو ما يصدق على الجهة[8]، أي أن تنميتها يجب أن تستند على مقوماتها وشروطها الخاصة، غير أن ذلك لا يعني أن تصبح دولة داخل دولة، أو تنازع شرعية هذه الأخيرة؛ وإنما يراد باعتماد سياسة الجهوية كدعامة أساسية للتنمية أن تنخرط المشاريع التنموية الجهوية في إطار سيرورة تنموية شمولية مرتكزة على الاعتماد المتبادل بين الجهات المكونة للمجتمع[9] الواحد المتعدد الروافد.

إذن فلكي تقوم الجهة بالدور الطبيعي الموكول لها لزاما أن تتوفر لها ـ على الأقل ـ إمكانية استغلال مؤهلاتها الطبيعية والثقافية والتاريخية الذاتية التي تتميز بها عن باقي الجهات. وهو ما لن يكون سهل التحقيق، إلا إذا جاء التقسيم الجهوي محترما لهذه الخصوصيات الجهوية.

فالعمل التنموي لن يتم تأطيره من خلال تجميع الأقاليم أو بالتحام الحدود الإدارية للمجالات الجهوية، بل ينبثق عن توافر مجال ترابي متجانس بمكوناته الترابية (الأسرة، القبيلة، السوق، الطرق، نوعية الأفراد وهويتهم الثقافية)[10]

إن الجهة كوحدة ترابية هي إطار يتوخى تأطير وتوجيه مجمل الإمكانيات والخصوصيات التي تتميز بها واستغلالها تنمويا، وليس تشويه هاته الخصوصيات وتكسيرها. وفي الكثير من الجهات يبدو الهيكل الترابي منفصلا عن الواقع البشري والثقافي والاقتصادي والجغرافي الذي يهدف إلى تنظيمه[11]، فالعمل التنموي واستنهاض القوى الحية لن يكون في ظل  جهات لا تجمع بين أجزائها الترابية قواسم ثقافية  مشتركة.  فالجهوية في أحد أبعادها ودلالاتها العميقة ظهرت لتأطير هذه الخصوصيات وتدبيرها  في إطار الوحدة الوطنية. 

الفصل مثلا بين الناظور والحسيمة كمنطقتين منعزلتين كل واحدة في جهة يعد من باب التعسف الاداري نظرا لعمق الروابط الاقتصادية والبشرية والتاريخية والثقافية بينهما. فمنطقة الحسيمة التي أضيفت إلى طنجة تشكل مركز الريف المغربي بلغة التاريخ  الذي لا يمكن طمسه بالاجراءات الادارية الارتجالية. وبتعبير الباحث عبد الكبير يحيا “فلا يعقل أن يكون الهيكل الإداري لمنطقة واحدة تابعة لجهة معينة وحياتها الاقتصادية وعلاقاتها البشرية تابعة لجهة أخرى”[12].

إذن، فكيف يمكن للجهة أن تنمو وتساهم في التنمية الإجمالية للوطن ككل في ظل غياب التوازن وسيادة منطق الاختلال بين مكوناتها ومقوماتها؟

ان وجود جهة قوية مرهون إلى حد ما بتقاسم التقاليد والأعراف والثقافة، علما أن هذه الأخيرة، طبقا للتجربة الجهوية الحالية بالمغرب أصبحت مشتتة عوض أن تكون مؤطرة في مجال ترابي متجانس، انسجاما مع الفلسفة الجهوية كما هي متعارف عليها. فالتقسيم الترابي الجهوي موضوعيا يجب أن يسفر عن خلق وحدات إدارية جهوية قادرة على الإسهام في تنمية الشأن العمومي الجهوي والمحلي[13]، وتجاوز الاختلالات والفوراق المسجلة بين ربوع البلاد.

يمكن الجزم أن التقسيم الجهوي الحالي كانت ولادته غير سليمة، وبالتالي فأن النتائج لن تكون أحسن من نتائج سابقه[14]. لذلك فإن مراجعة هذا التقسيم وتصحيح الاختلالات يعد من بين الأولويات الأساسية لتقوية آليات التواجد الجهوي بالمغرب، علما أن الهدف من التقسيم الجهوي هو القضاء على التفاوتات وتحريك الاقتصاد الجهوي[15]، وليس تكريس هذه التفاوتات. فالضرورات التنموية تلح على إيجاد مؤسسة جهوية فاعلة تتحرك في مجال ترابي متجانس ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا.

المطلب الثاني : مداخل بروز مؤسسات جهوية ديمقراطية فاعلة

إن وجود أجهزة ومؤسسات جهوية فاعلة وديمقراطية تخدم الشأن الجهوي بحيوية وحماسة تنموية، مرهون إلى حد كبير بطبيعة الآليات والقنوات الأولى الطبيعية التي تشكل روافد المؤسسات الجهوية المنتخبة ومادتها الخامة.

وسنحاول تسليط الضوء في هذا الإطار على كل من دور الوظيفة الانتخابية (الفرع الأول) وكذا دور المؤسسة الحزبية (الفرع الثاني).

الفرع الأول: الوظيفة الانتخابية ودورها في إفراز مؤسسات جهوية فاعلة

تمثل آلية الانتخاب بالنسبة للإدارة المحلية مبدءا من المبادئ الثلاثة للامركزية الترابية إلى جانب وجود الشأن العام المحلي والوصاية المركزية[16]. ويحظى الانتخاب بتحصين دستوري من طرف المشرع الدستوري المغربي[17]. والذي تم تزكيته مع  الدستور الجديد لسنة [18]2011 .

الجدير بالذكر أن كل نظام للتصويت إلا وله دلالات وأبعاد محددة، فالاقتراع الاسمي الأحادي يقوي حظوظ الأحزاب القوية في مقابل ضعف حظوظ الأحزاب الصغيرة أو الضعيفة، في حين أن نظام الاقتراع باللائحة يقوي حظوظ الأحزاب الصغيرة على حساب الأحزاب الكبيرة[19]. وفي النظام المغربي فالملاحظ أن أساليب التصويت تختلف حسب اختلاف درجة الجماعة الترابية بل حتى بالنسبة للنوع أو الدرجة الواحدة[20].

وفي هذا الإطار فقد تم اعتماد الانتخاب كطريقة لاختيار المجالس الجهوية، باعتبار أن الانتخاب هو الشكل الديمقراطي الذي اعتمدته الجماعات المحلية الأخرى، فهو يضمن تمثيلية السكان ومشاركتهم ويحيط المؤسسات بالشرعية والقوة والاستقلالية[21]، كما أنه يعد السبيل الوحيد نحو دمقرطة التنظيم الجهوي[22]. غير أن عدم الحسم في أسلوب الانتخاب، فتح المجال أمام اعتماد الانتخاب غير المباشر، رغم أن الانتخاب المباشر هو الأكثر ديمقراطية[23] ، والذي يجسد آلية القرب من  انتظارات و مطامح  وتطلعات السكان.

فمجالس الجهات في ظل قانون 96/47 تنتخب عن طريق الاقتراع العام غير المباشر وبالتصويت اللائحي وفق التمثيل النسبي على أساس قاعدة أكبر بقية، غير أنه قد يباشر بالاقتراع الفردي وبالأغلبية النسبية إذا كان الأمر يتعلق بانتخاب عضو واحد[24].

وهكذا، حتى تكون بالفعل الجهة بالمغرب قطبا للامركزية وتجسيدا للديمقراطية المحلية[25] لزاما الاعتماد على أسلوب الاقتراع المباشر، وهو ما يجب الاستجابة له من طرف المشرع إنسجاما مع المقتضيات الدستورية الواردة في دستةر 2011.  كما هو الشأن بالنسبة للتجربة الجهوية الفرنسية بحيث إن المجلس الجهوي ينتخب تطبيقا لقانون 10 يوليوز 1985 عن طريق الاقتراع المباشر[26].

وإذا كان تبني نظام التصويت اللائحي على مستوى الجهات يشكل خطوة محمودة نظرا لأهميته وأفضليته على نظام الاقتراع الفردي الاسمي. فاعتماد الاقتراع اللائحي بصفة التعميم، من شأنه أن يقلل من العوامل السلبية المتحكمة في السلوك الانتخابي، وأن يسهم في فك الارتباط بين هذا الأخير وتلك العوامل السلبية، وأن يشجع على التنافس البرامجي للمترشحين الحزبيين نسبيا في ظل غياب برامج انتخابية محلية جهوية لدى الأحزاب[27].

في حين إن التصويت الفردي في أبعاده الحقوقية والسياسية، فهو ينقص من قيمة الديمقراطية المحلية كفلسفة سياسية توحيدية ولا يساعد على إعداد البرامج المتكاملة والمنسجمة للنهوض بالجماعة المحلية[28].

ومن أجل الربط السياسي  والإيديولوجي بين الكتلة الانتخابية والمنتخبين، لا مناص من اعتماد نمط الاقتراع المباشر، حتى تكون آمال وطموحات السكان على المستوى الجهوي في صلب اهتمامات المنتخبين الجهويين؛ فمصدر ومرجعية مشروعية التنظيم الجهوي تستقى وتفرز من الواقع الموضوعي للساكنة على مستوى المجال الجهوي.

كما أن من شأن الاقتراع المباشر للمنتخبين الجهويين أن يساهم في تدليل إشكالية المشاركة الشعبية المفقودة[29] وكذلك من التجسيد الفعلي للإجماع القوي حول الجهوية كقيمة ديمقراطية[30].  في هذا السياق يعتبر اختيار أسلوب ديمقراطي للانتخاب آلية أساسية لنجاح النظام اللامركزي المعمول به[31] ومن ضمنه النهج الجهوي، وذلك من خلال “إيجاد قيادات سياسية منتخبة قريبة من مواطنيها الذين تحظى برضاهم عبر مشاركتهم ودعمهم”[32].

ويجدر التأكيد على أن قيام الوظيفة الانتخابية بدورها الطبيعي الديمقراطي لن يكون إلا بوجود أحزاب سياسية مؤمنة بالفعل الديمقراطي الجهوي والمحلي.

فكيف تتجلى مساهمة المؤسسة الحزبية في تقوية التنظيم الجهوي؟

الفقرة الثانية : دور المؤسسة الحزبية كآلية لإفراز مؤسسات جهوية فاعلة

اللامركزية الإدارية قبل أن تكون مفهوما قانونيا، فهي بالدرجة الأولى مؤسسة على المقترب السياسي، إذ تعد ذلك النمط والأسلوب الإداري المجسد للمشاركة لفئات وشرائح عريضة من المواطنين في صياغة القرارات بتدبير الشأن العام المحلي من مواقع متعددة[33]. كما أن “النظام اللامركزي يتحقق إجرائيا من خلال الاعتراف بمجموعة من الهيئات التي تضمن مشاركة السكان ، وقربهم من فعل السلطة العامة ، وموضوعيا بالإجابة وبشكل كاف وفعال عن متطلبات المواطنين”[34].

لذلك فإن مشاركة المواطنين عبر القنوات الحزبية يعد مطلبا ضروريا لتطوير اللامركزية في بعدها الجهوي، نظرا لما تحمله من حرية ومسؤولية وتضامن و تواصل .

فأهمية الجهة تبدو من زاوية أنها تشكل إطارا للتمثيل والتعبير عن المصالح الجهوية[35]، قبل أن تكون آلية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وبالتالي فالهيئات الحزبية مبدئيا تشكل آلية لإفراز وإبراز المصالح والتطلعات والطموحات الجهوية عبر التواجد الدائم في صلب وعمق الشأن الجهوي.

إذن فالتساؤل الذي يطرح في هذا الصدد، هو كيف يمكن إعمال أدوات الجهوية كنمط في تدبير الشأن الترابي له حمولة ديمقراطية، في ظل قصور تطوير آليات التنشئة السياسية والتأطير والتكوين الثقافي والسياسي؟

إن “الحزب السياسي هو مجموعة من الناس ذوي الاتجاه الواحد والنظرة المتماثلة والمبادئ المشتركة يحاولون أن يحققوا الأهداف التي يؤمنون بها، وهم يرتبطون ببعضهم وفقا لقاعدة أو قواعد تنظيمية مقبولة من جانبهم تحدد علاقاتهم وأسلوبهم ووسائلهم في العمل”[36].

إن هذا التعريف يحيلنا مباشرة على المعنى النبيل للحزب باعتباره مؤسسة ديمقراطية، وما يزيد من ضرورة المؤسسة الحزبية هو ارتباطها الطبيعي بالعمل السياسي كقناة أساسية لتصريف البرامج السياسية. فالسياسة هي من الحاجات الأساسية لكل مجتمع بشري، وضرورة بديهية لتنظيم شؤونه[37]، كما أن حضور الأحزاب السياسية هو في المقابل حضور للديمقراطية في أسمى تجلياتها، فالعلاقة الجدلية بين المفهومين (الحزب/ الديمقراطية) قائمة، بحيث أن الديمقراطية لا يمكن أن توجد بدون أحزاب سياسية، بل أن التفاعل الحتمي هو الذي يؤطر العلاقة بين المفهومين[38].

ومن هذا المنظور، تعتبر معالجة مسألة الإصلاح الحزبي بالمغرب الراهن ممرا أساسيا لمقاربة مختلف الإشكاليات الديمقراطية المرتبطة بالمؤسسة الحزبية، ومن بينها المؤسسة الجهوية في أفق التحضير لإيجاد بنيات استقبالية تليق بكل التطورات التقدمية التي يمكن أن تمس جوهر التنظيم الجهوي بالمغرب راهنا ومستقبلا. ذلك أن الحراك الحزبي القاعدي المتصل بهموم وتطلعات السكان يعتبر آلية سياسية و اجتماعية نحو إقرار وإفراز النخبة السياسية الجهوية القادرة على تحمل المسؤوليات التنموية و الإجابة عليها.

ومن هنا، فمسؤولية الأحزاب السياسية المغربية  في هذا الإطار  تبقى قائمة انسجاما مع المكانة التي تحتلها مؤسسة الحزب السياسي دستوريا[39] في تأطير وتمثيل المواطنين، وبالتالي الجهة تشكل فرصة وحلقة أساسية في ممارسة وظيفة التنشئة السياسية.

وهكذا فالأحزاب السياسية مطالبة بتجاوز القصور الفكري حتى تقوم بدورها الطبيعي، على اعتبار أن مطالب الدولة والمجتمع أضحت تتجاوز سقف الإنتاج والتفكير الحزبي بالمغرب؛ بمعنى آخر إن المشهد السياسي أضحى يعاني من خلل كبير بين العرض الحزبي ومتطلبات السوق السياسية والاجتماعية[40].

تتجلى أهم خاصيات الخطاب السياسي لهذه الأحزاب بوصف الأزمة وليس خطابا لحلها. وحتى لو افترضنا أنه بإمكان هذه الأحزاب تشخيص الأزمة التي تجتازها البلاد، فإنها تفتقد للوسائل الكفيلة بتجاوزها، وبذلك تعلن عجزها عن تقديم الحلول والبدائل مستعيضة عن ذلك بالتسويف وتسويق الوعود في إيجاد الحلول مع تحسن الظروف وتوفر الإمكانيات، وبذلك اختزل هذا الخطاب هويته في قدرته على التعبير عن طموحات المجتمع في الكرامة والديمقراطية، دون محاولة العمل على تكريس ذلك من خلال برامج علمية وعملية من شأنها خلق تمايز بين هذه الأحزاب على المستوى السياسي الذي باستطاعته مواكبة التعددية الحزبية الهيكلية القائمة سلفا[41].

أمام هذا التأزم الذي تتخبط فيه العملية الحزبية بالمغرب، اهتدت الدولة إلى محاولة إصلاح العمل الحزبي بتبني قانون رقم 04/36 المتعلق بالأحزاب السياسية، الذي يهدف إلى جعل المواطن أقرب من الشأن السياسي العام ليس فقط بناء على أجندة محددة بالزمن الانتخابي الضيق وإنما أيضا بناء على حاجات اجتماعية مؤسسة على برامج سياسية واضحة[42].

إذن فدور المؤسسة الحزبية على المستوى الجهوي مبدئيا  يشكل المادة الخامة التي تشكل الأجهزة المنتخبة في التنظيم الجهوي. وبالتالي فتلقين المنتخبين الجهويين في مرحلة ما قبل وما بعد تولية الشأن الجهوي،أدوات التدبير وكيفية ربط الشراكات التنموية … تتحمل فيه الأحزاب السياسية القسط المهم، ذلك إن المؤسسات الحزبية في العمق تعتبر من بين العوامل المساعدة على تحقيق التنمية[43] خاصة وأننا نعيش عصر الحكامة التي تفرض على المنتخبين الجهويين الدخول في شراكات وعلاقات تعاون مع الفاعلين الآخرين (الخواص، المنظمات غير الحكومية … )[44].

ويمكن الجزم أن لا جهوية فاعلة وقوية ذات حمولة ديمقراطية بدون حراك مجتمعي تقوده الأحزاب السياسية المتميزة بالحظور الاجتماعي والتي تشكل الأداة والوسيلة الطبيعية التي تدافع عن الديمقراطية في مواجهة “مملكة البيروقراطية” التي تنتحر ببزوغ وشروق الديمقراطية[45].

ونخلص إلى التأكيد على أن مجمل الآليات والميكانزيمات التي اعتبرناها أساسية وجوهرية لن تفي بدورها في تصحيح الاختلالات الجهوية ،دون حضور آليات أخرى تدعيمية ومكملة.


[1]–  توفيق منصور: “النموذج الإيطالي للجهوية”، م م ا ق س، عدد خاص،  يونيو 2005، ص. 141.

[2] –  السملالي عبد المجيد: ، “النموذج الألماني للجهوية ،، م م ا ق س، عدد خاص،  يونيو 2005،ص. 155.

[3] – مشكور الزهراء و بختاوي كريمة:، الجهة مقارنة بين المغرب وفرنسا، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون العام، جامعة محمد الأول، كلية الحقوق، وجدة، 1998، ص. 27.

[4]-KHATTABI (M) : traits caractéristiques de la politique de décentralisation et de régionalisation du Maroc, in REMALD, thèmes actuels, 1994, p. 32. 

[5]– ibid, p. 33.

[6]– يحيا محمد: “إشكالية التنمية الإدارية في المخطط الخماسي 2000 – 2004 (الإدارة الترابية نموذجا)” (الندوة الرابعة)، م. طنجيس للقانون والاقتصاد، عدد 3، 2003، ص. 137.

[7]-الغيوبي الشريف : الأسس القانونية والمقومات المالية للتنمية الجهوية، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام ، جامعة محمد الخامس ، كلية الحقوق أكدال،الرباط،2002-2003 ، ص. 326.

[8]– مصطفى محسن: “المسألة الجهوية بالمغرب وإشكالية التنمية”،م م إ م ت،سلسلة مواضيع الساعة،العدد16،1998 ، ص.23.

[9]– مصطفى محسن: م. س، ص. 73.

[10]– عبد الكبير يحيا:”التقسيم الجهوي بالمغرب ورهان التنمية”، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون العام، جامعة عبد المالك السعدي، كلية الحقو، طنجة، 2004 – 2005، ص 128.

[11] – المرجع نفسه ، ص. 133.

[12] – المرجع نفسه ، ص. 134.

[13]-المساوي شاكر: “الإدارة المحلية المغربية وتحديات الحكامة المحلية “قراءة نقدية””، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون العام، جامعة عبد الملك السعدي، كلية الحقوق، طنجة، 2004-2005، ص. 14.

[14]– عبد الكبير يحيا : م س، ص. 134

[15]-الإدريسي عبد القادر – ذ أوعطي أحمد : “التقسيم الجهوي الجديد”، م م إ  م ت، سلسلة مواضيع الساعة، عدد 16، 1998، ص. 34.

[16]– المساوي شاكر : م. س.، ص. 23.

[17]– الفصل 101 من الدستور المغربي لسنة 1996 ينص على ما يلي: “تنتخب الجماعات المحلية مجالس تتكلف بتدبير شؤونها تدبيرا ديمقراطيا ….”

[18]-تنص الفقرة الثالثة من الفصل 135 من دستور 2011 على ما يلي :” تنتخب  مجالس الجهات و الجماعات بالإقتراع العام المباشر”.

[19]–  المساوي شاكر: م. س.، ص. 23.

[20]– المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

[21]– جردان إدريس: م. س، ص. 48.

[22]-بن الساهل إدريس : تطور آفاق الجهة بالمغرب، مذكرة لنيل الدراسات العليا في القانون العام، جماعة محمد الخامس، أكدال، كلية الحقوق، الرباط، 1996، 239.

[23]– جردان إدريس : النظام القانوني للجهة بالمغرب، دار سليكي أخوان للنشر والطباعة، طنجة، 2006ص. 49

[24]– المادة 147 من القانون رقم 9.97 المتعلق بمدونة الانتخابات كما وقع تغييره وتتميمه بموجب القانون رقم 02 – 64 الصادر الأمر بتنفيذه بموجب الظهير الشريف رقم 1.03.83 في 24 مارس 2003، ج. ر. عدد 5093 بتاريخ 24 مارس 2003، .ص 1001 وما بعدها، منشور بالمجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسة نصوص ووثائق، العدد 91، مطبوعات دار النشر المغربية،، الطبعة الأولى 2003، ص. 237.

[25]– BOUDAHRAIN (A): le nouveau Maroc politique quel avenir ? imprimerie Najah Eljadida, Casablanca, 1ère édition, 1999, p. 132.

[26]–  الوزاني الشاهدي الحسن: الجهة أداة لتطوير ودعم اللامركزية، م. س.، ص. 19.

[27]–  المساوي شاكر: م. س.، ص. 26.

[28]– حماد صابر: المغرب المعاصر بين تحقيق اللامركزية الإدارية وتعثر الوظيفة الانتخابية، م م إ م ت، عدد 26، يناير / مارس 1999، ص. 80.

[29] – HADDY (M) : réflexion sur la région et le développement régional, … op. cit., p. 101.

[30]– راكيل أوخيد أوغارسيا:   Raquel Ajeda Garciaترجمة العفراني محمد: “النخبة المحلية واللامركزية للمغرب، مجلة وجهة نظر، عدد 16، 2002، ص. 25.

[31]– حماد صابر: م. س، ص. 82.

[32]– الغالي محمد: سياسة القرب مؤشر على أزمة الديمقراطية التمثيلية  م م إ م ت، سلسلة مواضيع الساعة، عدد 53، 2006، ص. 25.

[33]– محمد يحيا: المغرب الإداري، مطبعة سبارطيل، طنجة، الطبعة الثالثة، 2001، ص. 116.

[34]– الغالي محمد: م س، ص. 26.

[35]–  HARSI (A) : « Décentralisation et déconcentration administrative : instruments de la proximité administrative » in REMALD, série thèmes actuels, n° 53, 2006, p. 30.

[36]-العطري عبد الرحيم: “صناعة النخبة بالمغرب” منشورات دفاتر وجهة نظر، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الأولى، عدد 9، 2006، ص. 70.

[37]– العلمي عبد القادر: “في الثقافة السياسية الجديدة” منشورات الزمن، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، عدد 41، 2005، ص. 218.

[38]– زين الدين محمد: “الفعل الحزبي بالمغرب وسؤال الدمقرطة”، مجلة مسالك في الفكر والسياسة والاقتصاد، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، العدد 3، 2005، ص. 49.

[39]– الفصل 3 من دستور 1996.

[40]– المنار السليمي عبد الرحيم: “التوجهات الكبرى للمشهد الحزبي والنقابي بالمغرب خلال سنة 2004″، مجلة وجهة نظر وكراسات إستراتيجية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2004، ص. 47. 

[41]– الصديق نقلي:”الرأي العام والانتقال الديمقراطي بالمغرب – دراسة سوسيوسياسية”، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، جامعة محمد الأول، كلية الحقوق، وجدة، 2005، ص. 160.

[42]– محمد الغالي: م. س، ص. 26.

[43]-SAIDA LATMANI :LE role des parts politiques dans l’encadrement du citoyen ,in ,TANJIS REVUE DE DROIT ET d’economie,numéro spécial,2004,p ,31 .

[44] YAHYAOUI (Y): « Stratégie et organisation des collectivités locales au Maroc : rôle dans le développement régional », in Tanjis revue de droit et d’économie, N° 5, 2005, p. 197.

[45] -GOT (J . P) / HOUNIER (J P) : « pour une sociologie politique, tome 1in, 1974, éditions du Seuil, paris, p.145.

https://powderencouraged.com/zht6b3bs66?key=8523542c4aaf6f083ce56f74bd271319
https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من فضاء المعرفة القانونية -espace connaissance juridique

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة