مفاهيم الموارد البشرية
– النشأة والتطور –
د. عبد الرحيم علام أشرف صالح محمد سيد
رئيس البحوث والدراسات ورئيس تحرير مجلة “إدارة”
عضو هيئة التدريس
المنظمة العربية للتنمية الإدارية جامعة ابن رشد – هولندا
مقدمة:
تحتل إدارة الموارد البشرية حيزًا مهمًا وفعالاً في العديد من المنظمات سواء كانت صناعية أم خدمية ، هادفة للربح أم تطوعية ، حيث يقع على عاتقها إدارة وتحقيق أهداف المنظمة ، ويمثل العنصر البشري في تلك المنظمات قوة الدفع لبقية العناصر والموارد ، كما أنه يمثل العنصر الأساسي في إحداث التغييرات التنظيمية اللازمة لرفع مستوى الأداء على مستوى المنظمة.
التطور التاريخي (لإدارة الموارد البشرية) [591]
يرى بعض المفكرين والباحثين في موضوع إدارة الموارد البشرية أنه بدأ في بداية القرن العشرين على يد فريدريك تايلور عندما تحدث وكتب باستفاضة عن الإدارة التعليمية، ولكن منهج الطرح في هذا البحث يرى عكس ذلك تمامًا ، وخاصة عندما نتعرض للفكر الإداري الإسلامي ونتتبع مسار هذا الفكر منذ ما يقرب من 14 قرنًا ، ولتتبع وإثبات ذلك نطرح ما يلي:
- في القرآن الكريم والسنة:
حيث جاءت الآيات القرآنية الكريمة لتضع شرطي الإمامة والقوة للمورد البشري عندما استأجر سيدنا شعيب عليه السلام كليم الله ونبيه موسى عليه السلام للقيام بعمل رعي الأغنام .. ” قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ” (القصص:26)
وفي السنة ، جاءت بعض الأحاديث التي تنص على ضرورة اختيار الشخص المناسب للعمل الملائم الذي يتفق مع قدراته وصفاته ومتطلبات العمل الذي سيؤديه أو يناط به . قال الرسول صلى الله عليه وسلم : “إذا ضيعت الأمانة فانتظروا الساعة “. قيل يا رسول الله وما إضاعتها ؟ قال: “إذا وسد الأمر [592] لغير أهله فانتظروا الساعة”. (صحيح البخاري) ، كما نبهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حقوق العاملين فقال “اعط الأجير أجره قبل أن يجف عرقه”.
وهكذا ؛ نرى أن في القرآن والسنة ما يتفق مع ما يسمى في عصرنا بـ ” التحليل الوظيفي” الذي ينقسم إلى الوصف الوظيفي وتحديد مواصفات شاغل الوظيفة.
- رواد الفكر الإسلامي:
ومنهم على سبيل المثال وليس الحصر ابن تيمية (ت 728هـ) في كتابه “السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية” حيث حدد صفات ومقومات الراعي “الحاكم” وواجباته وحقوقه وما هو ملتزم به من أعمال تجاه الله والرعية ، وكذلك حدد واجبات وحقوق الرعية، وهو ما يطلق عليه في زماننا حاليًا تحديد المهام أو توصيف الوظائف “المهام، الواجبات، الالتزامات” هذا وغيره مثل الغزالي الذي أفاض في العلاقة بين رب العمل والعاملين” ثم جاء من بعده الفارابي وابن خلدون والقلقشندي الذين أسهموا في إثراء الثقافة العربية والإسلامية بالعديد من الكتابات في مجال الإدارة والعمل
- في العصور الحالية:
حيث تجري عملية أسلمة المعرفة وعلوم الإدارة بمختلف توجهاتها طبقاً للشرعية والفقه الإسلامي المعاصر ، وبما يتفق مع الواقع الآتي، وطالما نتتبع البعد تاريخيًا فإن الفكر الإداري الغربي بدأ في:
بداية القرن التاسع عشر:
في كتابات روبرت أوين (1771-1858) [593] الذي نادى بضرورة الاهتمام بالأفراد ، والعمل على تحسين ظروفهم وأوضاعهم الاجتماعية والصحية والمعيشية ، وتحسين ظروف العمل ، وتقليل ساعات العمل ، ومنع تشغيل الصبية وكذلك النساء في الورديات الليلية .
ومن هنا نرى أن مبادئ إدارة الموارد البشرية ترجع إلى قرون سابقة على القرن العشرين حيث أرساها القرآن الكريم في قصص الأنبياء السابقين ، والتفت إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعده المفكرين الإسلاميين، ثم من الغرب جاء أوين ليتحدث بشك أكثر منهجية – إلى حد ما – عن إدارة الموارد البشرية تماشيا مع تطورات عصره.
بداية القرن العشرين:
حيث شغل التفكير مسألة تكوين قوة عمل راضية مع تحسين الإنتاج ، وظهر في هذا الإطار مدرستان الأولى هي مدرسة تايلور التي تسمى مدرسة الإدارة التعليمية ، يرى تايلور أن الإدارة العلمية تتضمن ثورة عقلية عبؤها على طرفي الإنتاج أي : الإدارة والعاملين . وقد ركز على ضرورة تخصيص أجور أعلى للعاملين وتحقيق أرباح أكبر للإدارة.
ويرجع لتايلور تكوين “مهنة” الإدارة وتحديد ملامحها ، إلا إنه أغفل النظر في عدة أمور ، فقد كان هدفه الوحيد هو زيادة الإنتاجية وركز على الناحية المادية أو الفنية للعمل ولم ينظر إلى البعد الإنساني . وفيما يتعلق بدوافع العمل ، فقد رأى أن الدافع الوحيد للعامل هو الدافع المادي وأن السبيل الوحيد لدفع العامل هو زيادة أجره وأغفل بذلك الجوانب النفسية والاجتماعية.
كما أسهم روبرت تايلور (1884 – 1958) من خلال كتاباته ودراساته عن الحركة والزمن وتطبيق الأسلوب العلمي في تقييم معدلات الأداء، بين العمل الإداري والعمل التنفيذي أو التطبيقي ، وضرورة اختبار الشخص المناسب للعمل الملائم ، إلا أن هدفه الرئيسي كان زيادة الانتاجية عن طريق الإدارة العلمية وكان يرى أن ثمار هذه الزيادة تحقق مصلحة مشتركة أو متبادلة للإدارة والعاملين على السواء.
أما المدرسة الثانية؛ مدرسة العلاقات الانسانية لصاحبها إلتون مايو (1880-1949) الذي ذهب إلى أن الظروف المادية ليست هي المؤثر الوحيد في انخفاض الروح المعنوية للعمال أو انخفاض انتاجيتهم أو ارتفاع معدلات الدوران . وركز على البعد الإنساني لدرجة إغفاله الجانب المادي الأمر الذي أوقعه في الشرك نفسه الذي وقع فيه تايلور بالتركيز على أحد البعدين دون الآخر.
ثم تطور المفهوم إلى إدارة تنمية الموارد البشرية بحيث تغيرت الأهداف والوسائل والغايات مع ثبات المورد البشري وهو الموظف أو العامل البشري ، والذي أصبح مسئولاً عن الكفاءة والجودة الانتاجية من حيث الكيف وهو ما يتطلب التأهيل والتدريب والتطوير ، كما إنه مسئول عن الكفاءة الربحية من حيث الكم وهو ما يتطلب إعادة تأهيل المورد البشري مع التطور التكنولوجي وما استتبعه من ثورة علمية وتكنولوجية هائلة. [594]
شئون الموظفين (العاملين):
مرت إدارة الموارد البشرية في العصر الحديث بعدة تطورات ، حيث كانت تتعلق أكثر ما تكون بما سمي بـ شئون العاملين ، فقد كانت عبارة عن مجموعة أعمال إجرائية تتعلق بتنفيذ سياسات ونظم العاملين ، ثم تطورت للاهتمام باستقطاب وتوظيف العاملين حسب احتياجات الإدارات التنفيذية المختلفة والارتفاع بمستوى القائمين على إدارة الموارد البشرية.
وقد اهتمت الموارد البشرية التقليدية (شئون العاملين) بالبناء المادي للإنسان وقواه العضلية وقدراته الجسمانية، ومن ثَم ركزت على الأداء للمهام التي يكلف بها دون أن يكون له دور في التفكير واتخاذ القرارات . كما ركزت على الجوانب المادية في العمل، واهتمت بقضايا الأجور والحوافز المالية ، وتحسين البيئة المادية للعمل. وقد اتخذت التنمية البشرية في الأساس شكل التدريب المهني الذي يركز على إكساب الفرد مهارات ميكانيكية يستخدمها في أداء العمل دون السعي لتنمية المهارات الفكرية أو استثمارها. [595]
واختصت شئون العاملين إجمالاً بإبداء الرأي في جميع المسائل المتصلة بشئون ورعاية العاملين من تعيينات وترقيات ، وتسويات وتنقلات ، وإجازات وجزاءات ، واستحقاقات وإنهاء الخدمة ، وكذلك رعايتهم صحياً واجتماعياً وثقافياً وفقاً للقوانين واللوائح والقرارات المعمول بها والإشراف على متابعة هذا التنفيذ والتوجيه في أدائها، كما تختص بالتقدم بالاقتراحات والتوصيات التي تؤدي إلى تطوير نظم العاملين والارتفاع بالروح المعنوية لهم.
ونظراً لأن شئون العاملين من عناصر الخدمة (التنفيذ ، والمساعدة) التي تدخل في خط السلطة وتعاون عناصر التنفيذ الرئيسية – عناصر التخطيط والرقابة- في تحقيق الأهداف التي أنشئت من أجلها المنظمة وتسهل لهذه العناصر عملها ، وتسمح باستمرار تدفق العمل بأيسر وأسرع السبل وأقلها تكلفة . لذلك يصبح من الضروري أن يكون مكان جهاز شئون العاملين وما يتضمنه من وحدات في البناء التنظيمي في المنظمة في الوضع الذي يهيئ له أكبر قسط من الكفاية والفعالية كجهاز يساعد على توفير مختلف الاحتياجات والمستلزمات التي يتطلبها العمل من العاملين من مختلف التخصصات والنوعيات والمستويات في مختلف قطاعات المنظمة.
ويختص جهاز شئون العاملين بتنفيذ النظم والقواعد المتصلة بشئون العاملين وفقاً للقوانين واللوائح والقرارات المعمول بها والإشراف على متابعة هذا التنفيذ والتوحيد في أدائها . والاشتراك في إعداد مشروعات موازنة الوظائف واعتماد الأجور والمكافآت والرواتب. وتنفيذ الموازنة بعد اعتمادها . وحصر الدرجات والفئات المالية ، واتخاذ إجراءات ترشيح وتعيين العاملين ، وإعداد البيانات الخاصة بالترقية وباستحقاق العلاوات ، والتنظيم والإشراف على توقيعات الحضور والإنصراف للعاملين. [596]
وهكذا؛ كانت شئون العاملين بمثابة وظيفة تنفيذية ولعل أهم ما ميزها هو التركيز بصفة أساسية على غير المديرين، مع التشكك الدائم في جميع أفكار التنمية التنظيمية وما شابهها من أفكار لها أبعاد اجتماعية ونفسية.
الموارد البشرية :
لقد أصبحت تنمية الموارد البشرية على مدى العقدين الماضيين أسرع مجالات التنمية الإدارية تطوراً ، ومن ناحية الدور المهني في هذا المجال أصبحت العديد من المنظمات الاستشارية تتخصص بصفة رئيسية في هذا المجال ، كما قامت المنظمات الكبرى بإنشاء إدارات متخصصة لتنمية الموارد البشرية وتدريب العاملين بها على المناهج والجوانب المهنية المختلفة في هذا المجال . كما عمل عدد من المنظمات علة الاستفادة من طفرة تنمية الموارد البشرية عن طريق تسويق حزم من برامج التنمية البشرية للعملاء الذين يسعون إلى إحراز تحسين ملموس في هذا المجال ، وذلك عن طريق تدريب العاملين في برامج مكثفة تتناول تحسين الاتصالات أو زيادة الانتاجية من خلال بناء فريق العمل. [597]
لقد كان للتحولات التي شهدتها مفاهيم وتقنيات الإدارة تأثيرها الواضح على إدارة الموارد البشرية فتحولت من إدارة تنفيذية خدمية إلى مهمة استراتيجية تتعامل مع أهم موارد المنظمة وتتشابك مع الاستراتيجيات العامة وتعادل في مستواها إدارات الانتاج والتسويق.
ومع العولمة وظهور الشركات متعددة الجنسيات والأعمال العابرة للقارات ، لم تعد مهمة استقطاب وتوظيف العاملين مقتصرة على الأسواق المحلية ، بل أصبح البحث عن أفضل العناصر بصرف النظر عن الجنسيات . أما عن إدارة الأداء فقد بدأ الاتجاه إلي استثمار نتائج تشخيص وتحليل الأداء في تطوير أساليب تدريب وتنمية الموارد البشرية على تطوير النظم والتدريب على إنها استثمار له عائد Return on investment
ولم تقف إدارة الموارد البشرية بمعزل عن التطور التكنولوجي فقد تحولت نحو ما يسمى بـ إدارة الموارد البشرية الإلكترونية [598] E-Human Resources Management بل وتبنت إدارة الموارد البشرية تقنيات إدارة الجودة الشاملة [599] (TQM) واعتبار جميع إدارات المنظمة التي تقوم إدارة الموارد البشرية بخدمتها بمثابة العميل الذي يجب إرضاؤه.
ولعل من أهم ما يميز المفهوم الجديد لإدارة الموارد البشرية هو اهتمامها بإطلاق الطاقات البشرية لتعظيم القيمة المضافة من الأداء البشري بالنسبة لتكلفته ، وقد جاء هذا التحول بعد أن أظهرت الصناعة اليابانية قدرتها على المنافسة باستثمار الطاقة الإبداعية للعامل الياباني واحترام الإنسان وتنمية ولائه.
ويتلخص المنطق الأساسي لإدارة الموارد البشرية الجديدة في ضرورة احترام الانسان واستثمار قدراته وطاقاته بتوظيفها في مجالات العمل الأنسب له، واعتباره شريك في العمل وليس مجرد أجير . ولذلك فإن مفاهيم إدارة الموارد البشرية الجديدة تختلف جذريأ عن مفاهيم إدارة الأفراد أو إدارة الموارد البشرية التقليدية ، حيث تهتم الموارد البشرية الجديدة بعقل الإنسان وقدراته الذهنية وإمكانياته في التفكير والابتكار في حل المشاكل وتحمل المسؤوليات ، كما تهتم بمحتوى العمل والبحث عما يشحذ القدرات الذهنية للفرد ، ولذا تهتم بالحوافز المعنوية وتمكين الإنسان ومنحه الصلاحيات للمشاركة في تحمل المسئوليات.
الموارد البشرية أساس تحقيق الميزة التنافسية:
وفي ظل التغيرات العالمية فقد أصبحت التنافسية هي سمة نظام الأعمال الجديد التي تفترض دراسة وتحليل ظروف البيئة الجديدة من فرص ومخاطر وقيود . وفي هذا الإطار يظهر الدور الفعال للموارد البشرية المتميزة ذات الكفاءة والتأهيل في تمكين المنظمات من مواجهة تحديات التنافسية . وحتي تستطيع الموارد البشرية الاضطلاع بهذه المهمة يجب أن يتوافر لها ما يلي:
- الندرة : أي أن يتوافر للمنظمة موارد بشرية نادرة المهارات والقدرات وهو ما يتأتى لها من خلال تطويرعمليةالاختيارباعتمادأكثرالاختباراتفعاليةومراكزالتقييم assessment center حيث لم يعد يعتمد تقييم الأفراد على الذكاء العقلي فحسب بل ومهارات التواصل والذكاء الانفعالي فضلاً عن تدريب الموارد البشرية الموجودة في المنظمة لمواكبة كل ما هو جديد.
- القدرة على انتاج وتجسيد القيم من خلال تجانس وتكامل المهارات.
- صعوبة تقليدها : فالنجاح الذي يتحقق من خلال الإدارة السليمة للعاملين يكون غير مرئي وبالتالي يصعب تقليده على عكس التكنولوجيا . كما أن إدارة العالمين تشكل منظومة متكاملة ، فإذا نقل أو قلد جزء منها دون الكل وطبق في بيئة مختلفة فإنه لا يعطي نفس النتائج المرجوة. [600]
- تضمين العاملين (employee involvement) : بأن يسمح للعمالة المتميزة بالمشاركة في صياغة المهام المنوط إليهم القيام بها ، وترك مساحة من المرونة تمكنهم من إعادة صياغة المهام في ضوء ظروف التنفيذ.
- التمكين (empowerment) : منح العمالة المتميزة صلاحيات اتخاذ القرار فيما يتعلق بتنظيم وتفعيل الموارد المخصصة لتنفيذ المهام الموكلة إليهم.
- المساءلة: تطبيق مبدأ المحاسبة بالنتائج والمساءلة وفقاً للإنجازات.
ويشجع توافر السمات والعوامل المذكورة علي تنمية مهارات الابتكار والتجديد والتطوير المستمر بما يسمح للعنصر البشري بالمساهمة بالدور المؤثر في بناء وتنمية القدرات التنافسية للمنظمة.
رأس المال البشري (الفكري):
يعتبر موضوع رأس المال الفكري أحد الموضوعات الرئيسية للموارد البشرية حيث يركز على فئة معينة من الأشخاص العاملين الذين يمتلكون معارف ومهارات خاصة، ويمثل اليوم موضوعاً حياً بالنسبة للباحثين والممارسين على حد سواء. لقد أكد Brown, 1988 على أهمية استثمار رأس المال الفكري بقوله “إن رأس المال الفكري غير المستثمر عملية يمكن تشبيهها بالذهب غير المستخرج ” هذا الوصف لهذه الفئة تجعل من اليسير التأكيد على الفوائد التي يمكن أن تجنيها أي منظمة أو مجتمع من خلال الاهتمام برأس المال الفكري وذلك لأنه يقود إلى ما يلي: [601]
- زيادة القدرة الإبداعية.
- إبهار وجذب العملاء وتعزيز ولائهم.
- تعزيز التنافس بالوقت من خلال تقديم المزيد من المنتجات الجديدة أو المطورة ، وتقليل الفترة بين كل ابتكار والذي يليه.
- خفض التكاليف وإمكان البيع بأسعار تنافسية.
- تحسين الإنتاجية.
- تعزيز القدرة التنافسية.
- أن رأس المال الفكري يعتبر من أكثر الموجودات قيمة في القرن الحادي والعشرين؛ لأنه يمثل قوى علمية قادرة على إدخال التعديلات الجوهرية على كل شئ في أعمال منظماتهم، فضلاً عن ابتكاراتهم المتلاحقة.
- توظيف نظم قياسه التي أصبحت من أهم المؤشرات التي تعكس تطور الفكر الإداري ، فهو يعد من أهم ممارسات المحاسبة الإدارية.
- الحاجة إلى إعطاء جهود التنمية البشرية والتدريب مضموناً استراتيجياً يلبي احتياجات تنمية طاقات الابداع والتعلم المؤسسي في جانب ، وقمية رأس المال المعرفي للمجتمع ومؤسساته في جانب آخر.
ويمكن تعريف رأس المال الفكري على أنه مجموعة من الأشخاص الذين يمتلكون المعارف والخبرات والمنجزات التي تمكنهم من الإسهام في أداء المنظمات التي يعملون بها؛ وبالتالي الإسهام في تطور مجتمعاتهم بل والعالم بأسره ، وتبعاً لذلك يمكن القول بأن رأس المال الفكري هو : [602]
- جزء من رأس المال البشري للمنظمة.
- يتكون من مجموعة من العاملين الذين يمتلكون قدرات معرفية وتنظيمية دون غيرهم.
- يرمي إلى انتاج أفكار جديدة أو تطوير أفكار قديمة.
- يسعى إلى توسيع الحصة السوقية للمنظمة.
- لا يتركز في مستوى إداري معين دون غيره.
- لا يشترط توافر شهادة أكاديمية لمن يتصف به.
إلا أنه يمكن القول ؛ بأن هذه المصادر غالباً لا يتم الانتباه إليها بل يتم تجاهلها ومحاربتها في بعض الأحيان . ففيما يتصل بعدم الانتباه إلى رأس المال الفكري فإنّ ذلك يعود إلى انشغال المنظمات والمجتمعات بقضية البطالة باعتبارها قضية سياسية واجتماعية واقتصادية تؤثر بواقعها على جميع ممارسات المجتمع . إلى جانب انشغال المنظمات والمجتمعات عن موضوع رأس المال الفكري نجد أن هناك منظمات تقف بالمرصاد لهذه الفئة من المجتمع وذلك من خلال إيجاد ثقافة قائمة على الصراع والمنافسة الهدامة التي لا مكان فيها لمثل هؤلاء المبدعين.
لقد بدأ الاهتمام بموضوع رأس المال الفكري منذ بداية التسعينات الميلادية عندما أطلق رالف ستير Ralph Stayer مدير شركة جونسون فيلي للأطعمة عبارة ” رأس المال الفكري” حيث قال ” في السابق كانت المصادر الطبيعية أهم مكونات الثروة الوطنية وأهم موجودات الشركات ، بعد ذلك اصبح رأس المال متمثلا فى النقد والموجودات الثابته هما اهم مكونات الشركات والمجتمع ،أما الآن فقد حل محل المصادر الطبيعية والنقد والموجودات الثابتة رأس المال الفكري الذي يعد أهم مكونات الثروة الوطنية وأغلى موجودات الشركات”. [603]
كما أشار كوينج (koering 2000) في مقالة له بعنوان “انبعاث رأس المال الفكري: تاكيد التحول من القياس إلي الإدارة” إلي أن رأس المال الفكري كان الشغل الشاغل لبحوث رجال الأعمال في بداية التسعينات الميلادية، ولكن نظراً لصعوبة قياسه فقد تدني الاهتمام به، ولكنه ظهر مرة أخري لكونه الأساس الذي تم علي أساسه بناء مفهوم إدارة المعرفة.
لقد انتهي الاهتمام بموضوع رأس المال الفكري إلي العالم العربي من منتصف التسعينات الميلادية، فقد تمثل ذلك في عقد المؤتمرات والندوات التي عالجت من خلال بعض محاورها موضوع رأس المال الفكري، من بين هذه المؤتمرات والندوات نفذت المنظمة العربية للتنمية الإدارية بالتعاون مع معهد الإدارة العامة في سلطنة عمان، 2001 فعالية بعنوان “العلم هو البوابة الحديثة في هذا العصر”لقد كان من محاور هذه الفعالية المحور المتعلق بأنماط ومعوقات الاستخدام المعرفي للبحوث الإدارية ، باعتبار أن المعرفة عنصراً أساسياً من عناصر رأس المال الفكري البشري
ولم يقتصر الاهتمام بموضوع رأس المال الفكري على أطروحات المؤتمرات والندوات ، بل نجد هذا الاهتمام ماثلاً في المجالات البحثية على مختلف أنواعها . فعند الدخول لقواعد البيانات العالمية ، نجد أنه بإمكان الباحث الحصول في بعض هذه المواقع علي أكثر من (300) عنوان تعالج جميعها قضايا مختلفة في موضوع راس المال الفكري .
حاولت هذه الموضوعات البحثية ربط التنمية الاقتصادية بالقيمة المضافة لرأس المال الفكري[604] . كما حاولت بعض الأبحاث استخدام مفهوم رأس المال الفكري لقياس الأصول غير المنظورة بالنسبة للشركات ونتائج المشروعات الاجتماعية . إلى جانب ذلك بعض هذه الأبحاث تحاول قياس النتائج غير الملموسة الناجمة عن نشر تقنية المعلومات في مجال التربية ، وذلك من خلال قياس رأس المال البشري والإبداعي . هذه الدراسة تم إجراؤها في البرازيل عام 2000 وذلك بغرض استخدام رأس المال الفكري لتقييم مشروعات التقنية التعليمية. [605]
أما R.F Carroll and R.R. Tansey [606] فقد درس موضوع رأس المال الفكري باعتبار أنه يمثل حجر الزاوية بالنسبة لأي نجاح في مجال الاقتصاد الجديد . لقد أوضح كيف أن شركة مثل شركة Intel corporation استطاعت أن تدير رأس المال الفكري بما مكنها من تحقيق هيمنة واسعة في سوق الأعمال . كذلك فقد حاول كل من N.Prennan danl , B.connell , 2000 مناقشة القضايا المعاصرة لرأس المال الفكري وتطبيقاته في مجال رسم السياسات وذلك من خلال التركيز على خمسة مجالات تمثلت في :
- التنظيمات المعاصرة بالنسبة للموجودات غير المنظورة.
- النتائج التي توصلت لها الأبحاث السابقة في موضوع رأس المال الفكري.
- تحديد أطر لتصنيف وإدارة رأس المال الفكري.
- مؤشرات رأس المال الفكري وأساليب قياسه.
- مناهج البحث التي تم استخدامها في دراسات رأس المال الفكري.
لقد خلص الباحثان إلى القول بأنه من بين هذه المجالات الخمسة تظل قضية قياس وإدارة رأس المال الفكري من بين القضايا التي تستحق مواصلة البحث، حيث إن نتائجها سوف تكون الأساس لرسم أي سياسة في هذا المجال ، وبخاصة ما يتعلق منها بإيجاد القواعد المحاسبية للتعامل مع هذا المصدر البشري.
وفي استراليا أشار كل من J. Guthrie and R.Petty (2000) إلي أن أفضل استراتيجية لإدارة المعرفة بالنسبة للشركات الكبيرة ، لابد أن تتضمن إيضاحاً لبنود رأس المال الفكري في تقاريرها السنوية وبناءً على هذا الأساس يطرح الباحثان وجهة نظر تتعلق بالمعايير العامة التي تتبناها الشركات الاسترالية في هذا الجانب والكيفية التي ينبغي أن تتعامل بها هذه الشركات مع تحديات إعداد التقارير الخاصة برأس المال الفكري.
وتتواصل الأبحاث والكتابات في مجال رأس المال الفكري في محاولة بناء نظرية يمكن على أساسها دراسة وقياس أبعاد هذا الموضوع ، بل إن بعض هذه الأبحاث حاول استخدام منظور الاستخدام الفكري كإطار بناء وتطبيق استراتيجية النمو.
ففي هولندا أشار كل من Bukh , P.N. H.T. Larsen, and J. Mouitsen (2001) [607] إلى تسع عشرة حالة من الشركات الهولندية التي تنظر إلى رأس المال الفكري باعتباره من القضايا الهامة في الشركات. لقد كان الاهتمام بموضوع رأس المال الفكري في هولندا مبكراً حيث يمكن الإشارة إلى بدايته منذ منتصف الثمانينات الميلادية إلى تاريخه. هذا الاهتمام توجه في جله نحو إيجاد معايير واضحة للتعامل مع رأس المال البشري وقياسه بما يضمن التفاعل معه بكفاءة باعتباره من الموجودات غير المنظورة بالنسبة للشركة.
وقد تواصل الاهتمام بموضوع الموارد البشرية كمجال للدراسات من قبل كل من Carol – Anne Ho, S.M. Williams (2003) حيث أجريا دراسة على عينة من (286) شركة في كل من جنوب إفريقيا والسويد والمملكة المتحدة ؛ وذلك بهدف بحث العلاقة بين خصائص مجالس الإدارة في الشركات وأداء كل شركة. لقد كان من بين محاور هذه الدراسة بحث موضوع العلاقة بين رأس المال المادي ورأس المال الفكري . لقد أظهرت نتائج الدراسة بشكل عام أن هناك علاقة بين خصائص مجالس الإدارة في هذه الشركات وأدائها باعتبار أن مجالس الإدارة تمثل مصدراً من مصادر رأس المال الفكري بالنسبة لهذه الشركات.
ويتواصل الاهتمام بموضوع رأس المال الفكري؛ وذلك بالتركيز على مؤشرات وقياس هذا المفهوم في الشركات باعتباره يمثل ميزة تنافسية بالنسبة لها. فلقد حاول كل من D. Han L.Han (2004) تحديد هذه المؤشرات ووضع أوزان لها وذلك بغرض الخروج بنموذج لاتخاذ القرار في شركة اتصالات الجوال.[608]
وفي العالم العربي كان موضوع رأس المال الفكري مادة للبحوث والدراسات ، وإن كانت قليلة مقارنة بالدراسات الغربية . فلقد أصدرت المنظمة العربية للتنمية الإدارية كتاباً بعنوان : “رأس المال الفكري: طرق قياسه وأساليب المحافظة عليه” تأليف عادل المفرجي وأحمد صلاح (2003) . لقد تعرض الكاتبان في هذا الكتاب إلى المفاهيم الأساسية لرأس المال الفكري وعلاقته ببعض التحديات المعاصرة وطرق قياسه وأساليب المحافظة عليه. إلي جانب ذلك فقد عرض الكاتبان في هذا الكتاب لبعض الحالات الدراسية حول رأس المال الفكري لإظهار الجانب العملي في تطبيق هذا المفهوم.
وقد تناول المبحث الخاص بطرق قياس رأس المال الفكري مبحثاً ثرياً ومفيداً بالنسبة للباحثين المهتمين بهذا الموضوع. فلقد تم التعرض في هذا المبحث لمفاهيم القياس وأهميته لرأس المال الفكري ومستويات قياسه وطرق القياس ونماذج من أدوات قياس رأس المال الفكري. وقد كان من بين أدوات القياس التي قدمها الكاتبان في هذا الكتاب مقياس تقدير رأس المال الفكري من إعداد B.Bowen (1999) ومقياس الاهتمام برأس المال الفكري في المنظمة T.A. Stewart (1999) ، ومقياس الأخطاء المميتة لرأس المال الفكري R.N. Rastorgi (2000) ومقياس تشخيص رأس المال الفكري في المنظمة وعوامل المحافظة عليه ” من إعداد أحمد علي صالح (2001).
وإجمالاً يمكن القول ؛ بأن هذا الكتاب يعد مرجعاً مهماً للمهتمين بموضوع رأس المال الفكري لما حواه من إطار نظري وأساليب وأدوات بحثية للتعامل مع هذا الموضوع ، وبخاصة ما يتعلق منها بنماذج قياس رأس المال الفكري.
كذلك فقد تطرق أحمد سيد مصطفى (2004) إلى موضوع رأس المال الفكري في كتباه “إدارة الموارد البشرية : الإدارة العصرية لرأس المال الفكري” وذلك من خلال التركيز على الإدارة الاستراتيجية للموارد البشرية والتدريب والتطوير. لقد اعتبر أحمد مصطفى أن رأس المال الفكري هو وقود عمليات البحوث والتطوير والإنتاج في شتى مجالات الأداء بالمنظمة؛ وهو مصدر الابتكارات والاختراعات التي – سجلت باسم المنظمة كبراءات اختراع وعلامات تجارية وكانت موضع حماية كملكية فكرية – وكانت سبيلاً أساسياً لتعزيز مركزها التنافسي”.
ويستطرد الكاتب فيشير إلى أن “رأس المال الفكري ينظر إليه المساهمون في الإدارة المعاصرة باعتباره أثمن أصول المنظمة، ويسعون لرفع قيمته بما يسهم في كفاءة عمليات المنظمة وفاعليتها واستمراريتها ، وتعظيم ربحيتها ، إن كانت منظمة تهدف للربح . وينظر إليه المديرون وهم المسئولون عن إدارته وتنميته باعتباره سندهم لبلوغ الأهداف المنوطة بكل إدارة أو قسم”.
أما سهيلة محمد عباس (2004) فقد ركزت في مقالتها بعنوان “علاقة رأس المال الفكري وإدارة الجودة الشاملة: دراسة تحليلية ونموذج مقترح ” . علي إدارة رأس المال الفكري وربط إدارة المعرفة برأس المال الفكري من أجل تحقيق التميز ، كما تم التأكيد على أن كفاءة رأس المال الفكري تزداد بتوفير برامج تدريبية متنوعة وأساليب تحفيزية جماعية ، مستندة إلى المهارات وتطبيق أنظمة التقويم المعتمدة على الأساليب الكمية للوصول إلى جودة المخرجات. [609]
وأخيراً؛ فقد أشار عامر الكبيسي (1427هـ) في ورقة له بعنوان “مستقبل إدارة الموارد البشرية في ظل العولمة التحديات وسبل مواجهتها” إلى الربط ما بين التعليم ورأس المال البشري. وقد أشار إلى أن بعضاً من الدول المتقدمة لا تستطيع أن تشغل وظائفها في سوق العمل من مخرجاتها التعليمية ؛ مما يضطرها إلى البحث عن أشخاص مؤهلين من دول أخرى ، بل إن الشركات العملاقة والمنظمات العالمية الكبيرة تركز على استثمار الأرصدة البشرية لدى دول العالم الثالث للعمل في فروعها المنتشرة عبر أقطار العالم.[610]
مما سبق يتبين لنا ؛ أن موضوع رأس المال الفكري يعتبر اليوم من أبرز موضوعات إدارة الموارد البشرية، سواء على مستوى التأليف أو البحث . بل إننا نجد اليوم أن هناك دورية متخصصة في هذا الموضوع باسم : Journal of Intellectual Capital تصدر منذ عام 2001 وتعالج قضايا مختلفة في هذا الموضوع . إن موضوع رأس المال الفكري بأطروحاته المختلفة من الممكن أن يكون أحد الإستراتيجيات التي توظفها الدول المختلفة ، وذلك من خلال التركيز على استثمار النخبة بدلاً من إهمالها والتركيز على عموم الوظائف.
منظمات المعرفة:
تعد إدارة المعرفة من أكثر الموضوعات سخونة في وقتنا الحاضر، كما تعّد بؤرة التركيز لجهود أطراف متعددة بوجهات نظر واهتمامات مختلفة، على وجه الخصوص العاملين في مجال إدارة الأعمال والتكنولوجيا . فقد أصبحت المعرفة المتمثلة بالخبرة الإنسانية والقيم والمعتقدات والمهارات حالياً من أكثر العناصر فاعلية وتأثيرًا في عصر اكتسب تسميته من سيادتها ، وبالفعل تعد المعرفة حاليًا من أنفس الموارد التي تعتمدها المؤسسات في الإنتاج أو في تقديم خدماتها. [611]
ومن أهم السمات الحالية التي تفرض إدارة المعرفة هي سرعة التغيير وحدتها ، والتزايد الكبير في المنافسة، وصعوبة التنبؤ لكثرة المتغيرات وسرعة حدوثها. وقد أدت هذه العوامل وغيرها إلى تغيير بيئة الأعمال بالذات، فاستبدلت بدورها الكثير من المفاهيم التقليدية بمفاهيم جديدة منها: (نظم بيئية لإدارة الأعمال – مجتمعات افتراضية للممارسات – وسطاء معلومات).
ولكي تُرسّخ هذه المفاهيم وتصبح قادرة على المشاركة بالتغيير، لابد من الاعتماد على العنصر البشري من أجل توليد معرفة جديدة. وبذلك تحققت الانتقالية مرة أخرى وبشكل معكوس من الاعتماد الكبير على التكنولوجيا إلى الاعتماد على العنصر البشري.
من هنا أيضًا فإن رؤية نظم المعلومات التي كانت تعمل سابقًا باستقلالية في مشاركتها بالتغيير المستقبلي أصبحت بعيدة عن الواقع . الأهم من ذلك، ومع هذا التحول، يفترض في العنصر البشري الملائمة الكبيرة مع متطلبات التغيير عليهم كأفراد فحص الواقع باستمرارية من خلال تكرار التساؤل والتفسير والتنقيح للمعرفة التي يمتلكونها سواء تلك المتعلقة بالعمل أو البيئة المحيطة كسوق للتنافس ومن ثم التأكيد على النواحي التالية : (المشاركة الإيجابية للتخيل والإبداع الكامن في عقولهم لتسهيل التنوع الداخلي الكبير للمؤسسة الذي يطابق تنوع وتعقيد البيئة الحالية – المعرفة الضمنية المتجذرة في العمل والخبرة والقيم والأحاسيس التي تتسم بالطبيعة الشخصية التي يصعب صياغتها والتواصل معها واستغلالها في توليد معرفة جديدة – الأسس الشخصية وصناعة المعني للمعرفة – النواحي البنائية لتوليد المعرفة حيث يصعب ضمان التفسير المميز لأفصل الممارسات القاطنة في مستودعات المعلومات طالما أن المعرفة مولدة من قبل الأفراد، حتى وإن كانت التفسيرات محددة مسبقاً ومخزنة في نظم معلومات، فإن المشكلات دائمًا قائمة عندما يتطلب الأمر حلولاً لمشكلات مستقبلية تستدعي إعادة التفكير بتلك التفسيرات من جديد وبمعزل عن الحالات السابقة).
فنجد أنه أصبح العنصر البشري هو الأساس في عصر إدارة المعرفة، بينما أصبحت التكنولوجيا أداة مساعدة ، بل كما يراها هلدبراند(Hildebrand, 1999) بأنها أقرب إلى إعادة هندسة المؤسسات (Reengineering) منه إلى إدارة المعرفة، فالتكنولوجيا تؤدي دورًا في تمكين أنشطة التعليم التنظيمي وإدارة المعرفة، بينما يبقى الفرد هو الحامل للمعرفة التي إن لم يستغلها فقدتها المؤسسة وفقدت معها مقومات التطوير وديمومة التنافس.
ففي الولايات المتحدة وحدها تشير المعلومات المهنية بأنها دفعت مبلغًا يقارب 1.5 بليون دولار للاستشارات في مجال إدارة المعرفة خلال العام 1996 ليصل المبلغ إلى خمسة بلايين دولار خلال العام 2001 . ويتوصل سرايكنتايا إلى وضع النموذج الوصفي العام لإدارة المعرفة الذي تتكامل فيه المعرفة الصريحة (المطبوعات وسجلات الأعمال والبريد الإليكتروني وشبكة الإنترنيت والانترانيت وقواعد البيانات والأعمال الشخصية من بحوث ودراسات مع المعرفة الضمنية (المحادثات – وجهًا لوجه – الرسمية وغير الرسمية والمكالمات الهاتفية والخبرة التي يمتلكها الأفراد في أدمغتهم ومجرات مكاتبهم) والبنية التحتية.
يعرف نانوكا (Nanoka 1994) [612] المعرفة على أنها “الإيمان المحقق الذي يزيد من قدرة الوحدة أو الكيان على العمل الفعال”. وبهذا التعريف يكون التركيز على العمل أو الأداء الفعال وليس على اكتشاف الحقيقة، وهذا ما يحصل في الغالب، حيث إننا نهتم بماذا يمكن أن تعمله المعرفة وليس بتعريف المعرفة ذاتها . فنحن نستخدم كلمة المعرفة لتعني بأننا نمتلك بعض المعلومات وبذلك نكون قادرين على التعبير عنها. ومع ذلك فهنالك حالات نمتلك فيها المعلومات ولكن لا نعبر عنها. وهذا هو حال المعرفة في مؤسساتنا التعليمية والخدمية والإنتاجية ، فليس كل من يكون قادرًا على الأداء، وإن كان متميزاً , يكون قادراً على التصريح عن المعلومات المتعلقة بتأدية العمل للاحتفاظ بها كجزء من معرفة أو أصول المؤسسة التي يعمل فيها.
ويؤكد ادفنسون(Advinsson, 1997) بأن المعرفة وتطبيق الخبرات والتقنية والعلاقات بين العملاء والمهارات الفنية جميعها تشكل رأس المال الفكري للمؤسسة فتصبح المعرفة موردًا لها يتعين عليها الاستفادة منها . يعكس لنا هذا المفهوم بأن المعرفة تمثل القوة على اتخاذ الفعل أو العمل. أما نيل فلمنج(Fleming) فله نظرة خاصة نحو العلاقة بين البيانات والمعلومات والمعرفة.
ويصنف نانوكا وناكيوشي(Nanoka and Takeuchi, 1995) المعرفة حسب إدارتها إلى صنفين، هما:[613]
- المعرفة الصريحة (Explicit Knowledge) وهي المعرفة المنظمة المحدودة المحتوى التي تتصف بالمظاهر الخارجية لها ويعبر عنها بالرسم والكتابة والتحدث وتتيح التكنولوجيا تحويلها وتناقلها.
- المعرفة الضمنية (Tacit Knowledge) وهي المعرفة القاطنة في عقول وسلوك الأفراد وهي تشير إلى الحدس والبديهية والإحساس الداخلي، إنها معرفة خفية تعتمد على الخبرة ويصعب تحويلها بالتكنولوجيا، بل تنتقل بالتفاعل الاجتماعي.
ومع ذلك فإن المؤلفين يعرفان أربعة أنماط من عمليات التحويل للمعرفة بين الصنفين أعلاه، وهذه العمليات تشمل :
- عملية تحويل معرفة ضمنية إلى معرفة ضمنية أخرى عند مشاركة الفرد بمعرفته الضمنية مع الآخرين وجهاً لوجه.
- عملية تحويل معرفة صريحة إلى معرفة صريحة أخرى عندما يمزج الفرد قطعاً أو أجزاء من المعرفة الصريحة ليخرج بحكم مهارته وخبرته بمعرفة جديدة.
- عملية تحويل معرفة ضمنية إلى معرفة صريحة وهذه العمليات من أساسيات التوسع في قاعدة المعرفة التنظيمية من خلال ترميز أو تدوين الخبرات وتخزينها بالشكل الذي يمكن به إعادة استخدامها والمشاركة بها مع الآخرين.
- عملية تحويل معرفة صريحة إلى ضمنية عندما يبدأ الموظفون بتطبيع المعرفة الصريحة أو المشاركة بها واستخدامها في توسيع أو إعادة دراسة معرفتهم الضمنية. وتكمن تحديات إدارة المعرفة في النمطين الأخيرين اللذين يتطلبان إدارة الابتكار وتشجيعه معًا.
ومن ناحية أخرى يركز سبندر (Spender , 1996) على المعرفة التنظيمية ويرى أنها نتاج للتفاعل بين الفرد والمؤسسة ويصنفها إلى أربعة أصناف هي:
- المعرفة الصريحة الواعية (Conscious Knowledge) التي تتمثل بالحقائق والنظريات والمفاهيم التي تعلمها الفرد أو اكتشفها بالخبرة.
- المعرفة الموضوعية (Objective Knowledge) وهي معرفة يتقاسمها أفراد المؤسسة (معرفة ضمنية) وتتمثل بجسد المعرفة المهنية المشتركة.
- المعرفة الآلية (Automatic Knowledge) وهي معرفة يكتسبها الفرد خلال العمل (وهي ضمنية) وتتمثل بالمهارات والمواهب والآراء الشخصية.
- المعرفة التجميعية (Collective Knowledge) وهي معرفة ضمنية أيضًا تتمثل بمعرفة الجماعة الكامنة.
بينما يصنفها بويزوت (Boisot, 1997) إلى أربعة أصناف اعتمادًا على العلاقة بين متغيرين هما مدى تصنيف المعرفة ودرجة انتشارها ، والأصناف هي:
- المعرفة الخاصة وهي معرفة مصنفة ولكنها غير منتشرة جاهزة للتداول ولكنها محدودة الانتشار.
- المعرفة الشخصية غير المصنفة وغير المنتشرة التي تتمثل إدراك الفرد وخبرته وبصيرته في العمل.
- المعرفة العامة وهي معرفة مصنفة منتشرة مثل الصحف والكتب والتقارير والمكتبات
- الفهم العام ويمثل المعرفة غير المصنفة ولكنها منتشرة بالتواصل الاجتماعي والمناقشات والأفكار العامة.
إن النجاح في تخليق المعرفة التنظيمية يقوم على نجاح المنظمة في فتح قنوات الاتصال بين أفرادها وإشاعة مناخ يحابي تحويل المعتقدات والمدركات والقيم التي يختزنونها بداخلهم إلى كلمات وتعبيرات معلنة يمكن تداولها فيما بينهم وانتشارها في أرجاء المنظمة حتي يمكن لها أن تجدد طريقها للاندماج فيما يتم من عمليات، منتجات ، ونظم خدمات.
وتبدأ المعرفة عادةً لدى الفرد ، ومن ثَم تنتقل هذه المعرفة إلى المنظمة من خلال التفاعل بين مدركات ومعارف وقيم واتجاهات الفرد التي يريد طرحها على المنظمة ، وبين النظم والقواعد والسياسات والهياكل والأساليب المقررة للسلوك التي تحددها المنظمة وتبغي فرضها على الفرد. وتستمر هذه العلاقة التبادلية معلقة بالقوة النسبية لكل من الطرفين ، حيث تتمركز قوة الفرد في معرفته ، وتتمركز قوة المنظمة في عناصر السلطة ، وقد كانت الغلبة في النظم الماضية للسلطة بينما تتحول القوة الآن لتكون في المعرفة.
ومن ثَم فإن عملية تخليق المعرفة التنظيمية يشارك فيها الجميع في المنظمة ، الإدارة العليا والإدارة الوسطى، والعاملون على مختلف المستويات ، ولكن كل يشارك بقدر بحسب مصادر معرفته الكامنة، أي بحسب قوته النسبية . وحيث يتمتع المهنيون والأخصائيون الذي يباشرون الأنشطة المعرفية ومن يطلق عليهم البعض عمال المعرفة بقدر من المعرفة أعمق وأوسع وأشد وضوحًا من غيرهم، لذا فإن تأثيرهم في تخليق المعرفة التنظيمية يكون أوضح وأقوى من غيرهم من فئات العاملين في المنظمة.
خاتمة:
ولعل أبلغ خاتمة لهذا البحث وفي هذا الموضوع ، الدلالات الواضحة الجلية من الممارسات التنظيمية الحديثة في مجال الأعمال ، ونقصد هنا تحديداً المنظمات الافتراضية
(Virtual organization) والتي تقوم أساسًا على الأصول والموجدات البشرية ، والفكرية وليس على الأصول والموجودات المادية المتعارف عليها.
إننا نرى تغيرًا جوهريًا في ما استقر عليه علمي الإدارة والاقتصاد فيما يخص عوامل الإنتاج – من رأسمال وأرض وعمل وتقنية – إلى مرحلة حديثة، تطرح تنظيمات إنتاجية في بعض الأحيان تقوم على العمل، أي على الموارد البشرية فقط وما تمتلكه من معارف ومهارات (أو مع القليل من رأس المال وبشكل ثانوي )، وتكون من أنجح المؤسسات منذ تأسيسها وحتى بعد نموها نجد أن قيمة الأصول والموجودات المادية لا تمثل نسبة كبيرة ومؤثرة إذا ما قورنت بالموجودات البشرية والفكرية للمؤسسة. وعسى أن تكون المؤسسة القائمة على فكرة الفيسبوك (Face Book) مثلاً واضحًا وصالحًا للتدليل على ما نطرحه في هذا الخصوص.
[591] عائشة العبد الله : “حدود تطبيق المفاهيم الحديثة في إدارة الموارد البشرية على إعداد المعلم بمراحل التعليم قبل الجامعي بدولة الإمارات” / إشراف أ.د. متولي السيد متولي . حلوان: جامعة حلوان، 2009، ص16-18 .(رسالة دكتوراه غير منشورة، كلية التجارة وإدارة الأعمال)
[592] وسد الأمر : أسند وأعطى العمل أو المهام
[593] روبرت أوين (1771-1858) مفكر اشتراكي بريطاني وصناعي ثري ، أنشأ أولى التعاونيات الاستهلاكية ، وعالم أحياء انجليزي ، من أساطين علم الأحياء في القرن التاسع عشر ، عارض الأفكار الداروينية واعتبرها مجرد خرافة . راجع : الموسوعة العربية العالمية . مؤسسة أعمال الموسوعة للنشر والتوزيع . الرياض 2004. (نسخة إليكترونية)
[594] ليلى مصطفي البرادعي: “إدارة الموارد البشرية” . متاح بتاريخ 15/12/2007(www.ehrma.net)
عبد القادر إسماعيل : “نشأة إدارة الموارد البشرية ومراحل تطورها ” . المنتدى العربي لإدارة الموارد البشرية – متاح بتاريخ 3يوليو 2009 (www.hrdiscussion.com)
[595] علي السلمي : “إدارة الموارد البشرية الاستراتيجية” . دار غريب للطباعة والنشر. القاهرة 2001. ص45
[596] جلال الدين محمد فهمي : “مفهوم وأهمية شئون الموظفين” . المنظمة العربية للتنمية الإدارية . القاهرة 2005. (برنامج تدريبي)
[597] عبد الرحمان توفيق. “استراتيجيات الاستثمار البشري بالمؤسسات العربية ” . مركز الخبرات المهنية للإدارة (بميك) . القاهرة 1996 . ص40
[598] محمد الصيرفي .”المرجع المتكامل في الإدارة الإلكترونية للموارد البشرية “.المكتب الجامعي الحديث. الإسكندرية 2009
[599] إن مفهوم إدارة الجودة الشاملة يعتبر من المفاهيم الإدارية الحديثة التي تهدف إلى تحسين وتطوير الأداء بصفة مستمرة وذلك من خلال الاستجابة لمتطلبات العميل . للمزيد راجع : محفوظ. جودة ” إدارة الجودة الشاملة : مفاهيم وتطبيقات ” . دار وائل للنشر والتوزيع . القاهرة 2005
[600] جفري فيفر. “الموارد البشرية كقوة تنافسية: تفجير الطاقات الكامنة في العاملين” . خلاصات . السنة الثالثة/ العدد الثاني عشر: القاهرة الشركة العربية للإعلام العلمي ، يونيه 1994
[601] راجع : أحمد سيد مصطفي . “إدارة الموارد البشرية: الإدارة العصرية لرأس المال الفكري” . القاهرة،2004
[602] راجع عبد الرحمن أحمد هيجان. “رأس المال الفكري: استراتيجية التحول من الفئة العامة إلي الفئة المتميزة”. الرياض 1427هـ
[603] عادل حرحوش المفرجي، صالح أحمد علي. “رأس المال الفكري: طرق قياسيه وأساليب المحافظة عليه” . المنظمة العربية للتنمية الإدارية . القاهرة 2003 .ص14
[604]Mouritsen, J. Diving growth : Economic value Added versus Intellectual Capital. Management Accounting Research .1988,9,461- 482
[605](( Joia L.A. (2000). Using intellectual Capital to evaluate educational technology projects. Journal of intellectual Capital. Vol . (1) . Issue (4), pp341-352
[606](( R.F. Carroll and R.R. Tansey. Intellectual capital in the new internet economy – its meaning measurement and management for enhancing quality . Journal of Intellectual Capital , 1 (4) : 296 – 312 , 2000
[607] p.n Bukh , P.N. H.T. Larsen, and J. Mouitsen. Constructing intellectual capital statements. Scandinavian Journal of Management, 17 (1): 87 – 108. Mar. 2001
[608] راجع : عبد الرحمن أحمد هيجان . “رأس المال الفكري: استراتيجية التحول من الفئة العامة إلى الفئة المتميزة” . الرياض، 1427هـ
[609] سهيلة محمد عباس . “علاقة رأس المال الفكري وإدارة الجودة الشاملة : دراسة تحليلية ونموذج مقترح”. مجلة الإداري. السنة (26) ، العدد (97) ، 2004 . ص 125-148
[610] عامر الكبيسي . “مستقبل إدارة الموارد البشرية في ظل العولمة : التحديات وسبل مواجهتها ” .الرياض ،1427هـ (ورقة عمل)
[611] إبراهيم رمضان الديب . “إدارة المعرفة ” الأكاديمية العربية المفتوحة . الدنمارك 2009. (كلية الإدارة الاقتصاد).
[612] Maryam Alavi and Dorothy E. Leidner, Knowledge Management and knowledge Management Systems: Conceptual Foundations and Research Issues – Spring 2006 (www.umsl.edu)
[613] Kujiro Nonaka & Hirotaka Takeuchi, The Knowledge creating company – How Japanese’s Companies create The Dynamics of Innovation – New York Oxford university press, 1995. P.31.


