الإعلام والمشاركة أنموذجا 

أوكيل محمد أمين

أستاذ محاضر قسم “أ”، أستاذ بحث،

مخبر فعليّة القاعدة القانونية،

كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة عبد الرحمن ميرة، بجاية، الجزائر.

ملخص

حرص المؤسس الدستوري في الجزائر على تكريس مبادئ الحكامة من خلال التعديل الدستوري المؤرخ في 6 مارس 2016، والذي دستر دعامتين أساسيتين للانتقال الديمقراطي والانفتاح السياسي والمؤسساتي في الدولة، وهما آلية الإعلام الإداري والديمقراطية التشاركية. وعلى هذا الأساس يهدف هذا المقال لتبيان وتحليل أسس وأبعاد ترسيخ معالم الحكامة في الدستور، وانعكاساتها على ترشيد أداء المؤسسات العامة وسبل ممارسة السلطة لا سيما على المستوى المحلي في الجزائر. بحيث خلصنا لتبيان العلاقة العضوية التي تجمع كلا من آلية الاعلام والحق في الولوج إلى المعلومة الإدارية ومبدأ المشاركة الديمقراطية، بحيث تعد الاعلام رافعة لممارسة المقاربة التشاركية عبر وسائلها الواردة في القانون الوطني والمتمثلة أساسا في كل من الاستشارة العمومية والتشاور العمومي.

الكلمات المفتاحية:

الاعلام الإداري، المعلومة الإدارية، المشاركة، الديمقراطية التشاركية.

Consécration des principes de gouvernance à la lumière de l’amendement constitutionnel de 2016 en Algérie: Médias et participation comme modèle

OUKIL MOHAMED AMINE

Résumé

Le constituent en Algérie a tenu à consacrer les principes de gouvernance à travers l’amendement constitutionnel du 6 mars 2016, qui couvrait deux principaux piliers de la transition démocratique et de l’ouverture politique et institutionnelle de l’État, à savoir le mécanisme de l’acces a l’information et la démocratie participative. Sur cette base, cet article vise à clarifier et analyser les fondements et les dimensions de l’ancrage des caractéristiques de la gouvernance dans la constitution, et leurs implications pour la rationalisation de la performance des institutions publiques et des modes d’exercice du pouvoir, notamment au niveau local en Algérie. Nous avons donc conclu à clarifier la relation organique qui lie à la fois le droit d’accès à l’information administrative et le principe de participation démocratique, afin que les médias soient considérés comme un levier pour pratiquer l’approche participative à travers ses moyens contenus dans le droit national, qui sont principalement à la fois la consultation publique et la consertation publique

. Les mots clés :

Informations administratives, accès a l’informations, participation et démocratie participative.

مقدّمة:

شهد مسار البناء الديمقراطي والإصلاح المؤسساتي لهياكل الدولة ومرافقها الإدارية في الجزائر منعرجا حاسما، عقب إقرار التعديل الدستوري في 6 مارس 2016 الذي كرّس بشكل صريح مسعى الانفتاح الإداري على الجمهور وتقريب المرافق العامة من المواطنين ، والذي جسّده إقرار مبدأ مشاركة المواطنين في تسيير شؤونهم المحلية، من خلال  نص المادة 15 من الدستور، التي تهدف لضمان مشاركة أفراد المجتمع في مجال التسيير المحلي عبر قنوات جديدة مكمّلة لأدوات التسيير الكلاسيكية، بعدما صارت هذه الأخيرة لا تفي وحدها بتجسيد محتوى الديمقراطية الحقيقي، القائم على تحقيق إرادة الجمهور وبلورتها في صلب السياسات العامة، وهو الرهان الذي ترفعه الديمقراطية التشاركية من خلال جعل الجمهور – مصدر السلطة- فاعلا في تنفيذها كذلك، لتعلن بذلك مشاركة المواطنين القطيعة نهائيا بدور هؤلاء التقليدي المنحصر في الانتخاب فقط كما تمليه أصول الديمقراطية التمثيلية.

وعلى هذا الأساس فإنّ سبيل تمتين علاقة الدولة بالجمهور وترشيدها لا يقف عند حد إصلاح المنظومة الإدارية والمرافق العمومية فقط،  وإنما يتم بإقحام المجتمع المدني بمختلف تنظيماته  في استراتيجية الدولة للتسيير والتنمية وانخراطه في مسار اتخاذ القرارات العامة، باعتباره شريكا وفاعلا أساسيا في استطلاع انشغالات المواطنين وطرحها في سياق السياسيات العامة ومتابعة حسن تنفيذها، وعليه يعد مستوى إسهام المجتمع في تدبير الشأن العام المقياس المحدّد لمدى قوة منظومة الحكم ورشادة مرافق الدولة ونجاعة ممارسة السلطة امتثالا لتجسيد الحكامة وأسس الحكم الراشد، وعلى رأسها مبادئ المشاركة والشفافية والرقابة الشعبية في الأنظمة السياسية والقانونية المقارنة.

 وفي هذا الإطار حرص المؤسس الجزائري على دسترة حق الاطلاع والحصول على المعلومة بوصفه صميم الشفافية وإحدى المبادئ الأساسية التي تعزّز شرعية الدولة وتنظّم مرافقها واستمرارية مؤسساتها، وتضمن تحسين علاقتها بالجمهور بما يتيح تقديم خدمة عمومية ناجعة تفي بإشباع طلباته وتطلعاته المشروعة ، فضلا عن كونه دعامة أساسية لإنجاح التحول الديمقراطي نحو إقرار مبدأ المشاركة كنموذج تسيير جديد مكمّل للديمقراطية التمثيلية، لكون ممارسة المشاركة يقتضي بالضرورة إقامة الشفافية في التسيير ووضوح قواعد وسياسة الإدارة وتدبير الشؤون العامة وإتاحة المعلومة للمجتمع، حيث جاء التعديل الدستوري المؤرخ في 6مارس 2016  يؤكد حق المواطنين في النفاذ إلى المعلومة الإدارية من خلال نص الفقرة الأولى من المادة 51 من الدستور.

وعلى هذا الأساس تهدف هذه الورقة البحثية لتبيان مضمون مبدأ المشاركة والحق في الإعلام ودورهما في تكريس التحول الديمقراطي والدستوري في الجزائر، باعتبارهما من أهم الدعائم الجديدة لترشيد علاقة الدولة بأفراد المجتمع في إطار التعديل الدستوري ل6 مارس 2016، وكذا نطاق وأفق تفعيلهما في الممارسة الراهنة، وهذا من خلال طرح الإشكالية التالية:

فيما تتمثل أبعاد وانعكاسات تكريس مبدأ المشاركة وحق في الاعلام الإداري في الدستور من خلال تجربة التحول الديمقراطي والإصلاح المؤسساتي في الجزائر؟

وللإجابة عن هذه الإشكالية ارتأينا اعتماد خطة مقسمة لمحورين، تناولنا في الأول، تكريس مبدأ المشاركة والإعلام في مسار الانتقال الديمقراطي في الجزائر، بينما عالجنا في المحور الثاني، الديمقراطية التشاركية والحق في الإعلام الإداري كآليتين لترشيد علاقة الدولة بالمجتمع.

المحور الأول

تكريس المشاركة والإعلام من خلال مسار الانتقال والإصلاح الديمقراطي في الجزائر

  لم تكن الديمقراطية التشاركية كمبدأ فكرا دخيلا عن التشريع الوطني، فقد كانت حاضرة في جل الدساتير في الجزائر ولكن بصفة ضمنية وفي مجال محدود ببعض التشريعات القانونية فقط، إلى أن تم تكريسها الفعلي بشكل صريح عقب صدور قانون البلدية 11-10 الذي أسس قواعد هذا المبدأ وأساليب ممارسته، والذي جاء استجابة لسلسلة من الإصلاحات التي تضمنها خطاب رئيس الجمهورية الموجه للأمة في 15 أبريل2011، ثم ليتم ترسيخها نهائيا كإحدى مبادئ التنظيم الديمقراطي بنص صريح في الدستور إثر التعديل 6مارس 2016 (الفرع الأول).  ولا يحيد الأمر كثيرا بالنسبة للحق في الإعلام الإداري، الذي أقره ّالمؤسس الجزائري من خلال التعديل الدستوري الأخير المؤرخ في 6مارس2016 في نص المادة 51 من الدستور، والذي جاء تتويجا لمسار الإصلاح الإداري والمؤسساتي لهياكل وأجهزة الدولة ولنشاط مرافقها العامة المنتهج في العديد من القوانين والتنظيمات فضلا عن الاتفاقيات التي اعتمدتها الجزائر (الفرع الثاني).

  • الفرع الأول/ التكريس القانوني للديمقراطية التشاركية في القانون الوطني

نتطرق فيما يأتي لمسار تكريس المقاربة التشاركية في القانون الوطني.

  1. قراءة في المرجعية السياسية لتكريس مبدأ المشاركة في الجزائر

ترجع بداية تكريس الديمقراطية التشاركية بشكل صريح إلى خطاب رئيس الجمهورية الموجه للأمة المؤرخ في 15أفريل2011 ([1]) والذي صدر في ظل مرحلة سياسية دقيقة فرضها الحراك الشعبي أو ما عرف ب “الربيع العربي”. كانت هذه الأحداث بوادر مباشرة للإسراع في الانتقال إلى إصلاحات واسعة في نظام ممارسة السلطة، وعلى رأسه القانون السامي الذي صدر تعديله في 6 مارس 2016 متضمنا إصلاحات عديدة، بهدف تعزيز أكبر لمجال التمتع بالحقوق والحريات وممارسة الديمقراطية لا سيما على الصعيد المحلي.  

وبغية تعزيز هذه المطالب، وباعتبار الجماعات الاقليمية هي النواة القاعدية لممارسة السلطة وتدبير الشؤون المحلية، جاءت الإشارة مباشرة في نص الخطاب الرئاسي إلى ضرورة تعزيز ومراجعة أسس ممارسة الديمقراطية المحلية وسبل تحريك التنمية مع التأكيد على الدور المحوري لإشراك الجمهور في معادلة التسيير العمومي المحلي[2].

  1. إقرار قانون البلدية 11-10: أداة محورية لتكريس الديمقراطية التشاركية

صدر نص القانون رقم 11-10 المتضمن قانون البلدية[3] مرسخا لقيمة البلدية بكونها قاعدة النظام اللامركزي. ونص صراحة على كونها الفضاء الأنسب لممارسة المواطنة ومشاركة المواطنين في شؤون التسيير المحلي عبر المجالس المنتخبة ([4])، وعلاوة على ذلك تضمّن قانون رقم11-10 بابا خاصا بمبدأ المشاركة وهو الباب الثالث بعنوان: “مشاركة المواطنين في تسيير شؤون البلدية”، يقع في 4 مواد: من المادة 11إلى المادة 14 شملت التأكيد على دور البلدية الأساسي في ممارسة الديمقراطية المحلية ومشاركة المواطنين في التسيير المحلي، وعلى دور المجالس المنتخبة في حث المواطنين على المشاركة بالإضافة إلى الجمعيات المحلية، فضلا عن تكريسه أدوات المشاركة: كالاستشارة العمومية، وحق الاطلاع والولوج إلى المعلومة الإدارية، بغية تكريس سياسة القرب وتعزيز منافذ الانفتاح الإداري والمرفقي على الجمهور، وتقريبهم من مجريات اتخاذ القرار، وتسهيل إشراكهم في دعم التنمية المحلية.

ومما سبق يظهر أن الديمقراطية التشاركية قد نالت مكانة بارزة في مسار التحول الديمقراطي الذي عرفته الجزائر، وتعد من معالم إصلاح الادارة وتحديثها ومن مقومات التسيير المحلي وآلية محورية لمساهمة المجتمع المدني في ممارسة المواطنة والمشاركة في عملية التنمية المحلية، وعلاوة عن تكريسها الصريح في الدستور كما سيأتي بيانه، وقانون الجماعات المحلية كما سبق ذكره، فإن العديد من القوانين تعتمد المبدأ بشكل صريح في صلبها كقانون المدينة ([5]) وقانون الوقاية من الفساد([6]) وقانون البيئة([7]) وغيرها من القوانين التي تؤكد دور المواطنين ومختلف أطياف المجتمع المدني في تكريس الديمقراطية التشاركية.

  1. تدرّج تكريس مبدأ المشاركة في إطار تجربة الانتقال الدستوري والديمقراطي في الجزائر

عرفت المراحل السابقة عن اعتماد قانون البلدية 11-10 تعاملا محتشما مع تبني مبدأ الديمقراطية التشاركية في الجزائر، وذلك رغم اتفاق جل الدساتير الوطنية على الإشارة في صلبها لمبدأ المشاركة ([8]) فأول إشارة له وردت بمقتضى صدور دستور22 نوفمبر 1976 ([9])، حيث جاء في ديباجته: ” تقوم دعائم الدولة الجزائرية على مشاركة الجماهير في تسيير الشؤون العمومية…”. وفي نص المادة34 منه كذلك : ” يستند تنظيم الدولة إلى مبدأ اللامركزية القائم على ديمقراطية المؤسسات والمشاركة الفعلية للجماهير في تسيير الشؤون العمومية”، وحيث لا يمكن إنكار دور دستور 1976 في وضع أولى خطوات مبدأ المشاركة، فإنّ هيمنة الحزب الواحد على كل مفاصل الدولة وتسيير المؤسسات ألقت بتداعياتها على العلاقة بين الإدارة والمواطن، حيث ظل الأخير مغيّبا ومهمّشا بسلطة الحزب، الوسيط ومحور الربط الفعلي بين الإدارة والجمهور([10]).

فالعلاقة بين الإدارة المحلية والمواطن بقيت رهينة سياسات تقليدية قائمة على المفهوم الاشتراكي السائد وسيطرة الحزب الواحد حتى نهاية الثمانينيات، والذي أفرز  حصيلة  رديئة مثقلة بالتراكمات والتعقيدات الإدارية على غرار تفشي البيروقراطية  وسوء تسيير  المرافق العامة والقصور الحاد في  نوعية ونجاعة الخدمة العمومية ،  فضلا عن عجز الديمقراطية التمثيلية في تحقيق الفعالية المرجوة من التسيير وإدارة المرافق والهيئات المحلية وضمان الخدمة العمومية المطلوبة، لشبه الانفصال الدائم للهيئة المنتخبة والمصالح الإدارية الموضوعة تحت تصرفها عن انشغالات المواطنين وتطلعاتهم، بالإضافة إلى غياب مفهوم الديمقراطية التشاركية ومحدودية أدوات تطبيقها وضمانات ممارستها في الواقع وهو ما فرض تغييبا شبه كلي للمواطنين عن مجريات اتخاذ القرار المحلي وتداعياته.

جاء دستور 23فبراير1989([11]) معلنا قطيعة نهاية مع التوجه الاشتراكي لإدارة الدولة وتسيير مؤسساتها وسيطرة الحزب على مرافق الدولة وهيئاتها، بإعلانه بداية الانفتاح الديمقراطي والإصلاح المؤسساتي وتضمينه المزيد من الحقوق والحريات وتعزيزه سبل ممارسة الرقابة الشعبية والمواطنة، حيث كان النص صراحة في المادة 16 منه على: “تمثل المجالس المنتخبة قاعدة اللامركزية ومكان مشاركة المواطنين في تسيير الشؤون العمومية”.  وهي المادة نفسها التي احتفظ بها دستور1996([12])، حيث استمر هذا المكسب الدستوري راسخا في المنظومة القانونية للدولة باعتباره أحد الثوابت الأساسية في ممارسة الديمقراطية، وهو ما أقرّه صراحة المؤسس الجزائري بموجب التعديل الأخير في 6 مارس 2016، حيث حافظ على هذا النص وعزّزه بنص جديد ألزم الدولة فيه بتدعيم ممارسة الديمقراطية التشاركية على المستوى المحلي، مع اعتبارها من مبادئ ممارسة السلطة، وهذا ما نلمسه من خلال الفقرة الثالثة من المادة 15 من الدستور:” تقوم الدولة على مبادئ التنظيم الديمقراطي و…تشجّع الدولة الديمقراطية التشاركية على مستوى الجماعات المحلية”.

  • الفرع الثاني/ تكريس الحق في الإعلام والولوج إلى المعلومة في القانون الوطني

  يعتبر حق المواطن في الإعلام والنفاذ إلى المعلومة حقا من حقوق الانسان تتضمنه العديد من الإعلانات والمعاهدات الدولية ذات الصلة ([13]) علاوة على إقراره في غالبية التشريعات المقارنة لتكريس سياسة الانفتاح الإداري على الجمهور وتعزيز قواعد الشفافية في التسيير ([14]). عرّفت منظمة الشفافية الدولية حق الولوج إلى المعلومة بأنه: “الحق المقرّر للمواطنين بموجب القانون للحصول على المعلومات التي تملكها الدولة ومؤسساتها وأجهزتها”([15]). أقرّت الجزائر حق الولوج إلى المعلومة عبر مجموعة متفرقة من النصوص القانونية المكرّسة للإصلاح الإداري وتقريب الإدارة من المواطنين. اقترنت عملية تقنين هذا الحق بسياسة الإصلاح الإداري المنتهجة في الجزائر، والتي مست مؤسسات الدولة ومرافقها العمومية ككل وفي مقدمتها الجماعات الإقليمية، بهدف ترشيد العلاقة بين الإدارة والمواطن وتحسين الخدمة العمومية وتعزيز فرص مشاركة المواطنين في تسيير شؤونهم العامة والتي تتوجت بتكريسه في الدستور بموجب التعديل 2016.

  1. الحق في الاعلام والولوج إلى المعلومة في الدستور

كرّس المؤسس الجزائري على غرار العديد من الدساتير المقارنة ([16]) حق المواطنين في الوصول إلى المعلومة في التعديل الدستوري الأخير المؤرخ في 6مارس2016، حيث نصّت المادة 51 من الدستور، على: ” الحصول على المعلومات والوثائق الإدارية والاحصائيات ونقلها مضمونان للمواطن”.

وعلى هذا الأساس يكتسب حق الولوج إلى المعلومات الإدارية، ضمانة دستورية تجعله ضمن مجموعة الحقوق المكفولة بحماية النص الأسمى في الدولة، كما يفرض على السلطات المسؤولة على إنفاذه التزامات ضمانه للمواطنين وعدم التصرف فيه إلاّ بالحدود المبيّنة في الدستور ([17]). والجدير بالتنويه في هذا الصدد هو إسناد المؤسس أمر تطبيق وإعمال حق الاطلاع على المعلومات إلى قانون خاص بحيث يضطلع هذا القانون بتبيان أسس وضوابط تفعيل حق المواطن في الاطلاع والحصول على المعلومات وكذا الاستثناءات الواردة عليه.

  1. الحق في الإعلام والولوج إلى المعلومة الإدارية في الاتفاقيات الدولية

سبقت الإشارة إلى اعتبار الحق في النفاذ والولوج إلى المعلومة حقا أساسيا من حقوق الانسان الواردة في الصكوك الدولية ذات العلاقة بحماية هذه الحقوق، حيث تنص المادة 19 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية على:” لكل إنسان الحق في حرية التعبير ويشمل هذا الحق التماس أنواع المعلومات وتلقيها ونقلها…”. وعلاوة على اعتبار هذا الحق كجزء من منظومة حقوق الانسان، فإنّ تفعيل مضمونه يتقاطع مع العديد من مبادئ الحكامة الرشيدة كمبدأ شفافية الإدارة ومبدأ المساءلة لما لها من دور فعّال في ترشيد الخدمة العمومية ومكافحة الفساد الاداري، لذلك تم إقراره صراحة في نص المادتين 10و13 من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد ([18] وكذا في نص المادة 09 من اتفاقية الاتحاد الافريقي لمنع ومكافحة الفساد ([19]).

  1. الحق في الاعلام والولوج إلى المعلومة الإدارية في القوانين

تفتقر المنظومة القانونية لقانون خاص ينظّم حق النفاذ إلى المعلومة، بالرغم من أنّ الدستور قد نصّ صراحة في الفقرة الثانية من المادة 51 على أنّ كيفيات ممارسة هذا الحق ستتم بموجب قانون، لكنه لم يصدر بعد. وبالمقابل تفرّقت القوانين الوطنية التي تنص على حق المواطن في النفاذ إلى المعلومة وذلك بحسب مدى صلة هذا الحق بطبيعة القانون المعني، فمثلا نجد قانون الاعلام ([20]) ينص في نص المادة 84 منه على حق الصحفي في الوصول لمصدر المعلومة، وأن تمكينه من هذا الحق هو ضمان لإعلام المواطن بالمعلومة. كما وردت الإشارة لحق المواطن في المعلومة بموجب نص المادة 11 من قانون06-01 المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته ([21] حيث ألزم السلطات العمومية بإعلام الجمهور والمواطنين وتيسير سبل ولوجهم للمعلومة لصلتها الأكيدة في الحد من الفساد والتبليغ عنه. علاوة على ذلك، أقرّ قانون03-10 المتعلق بحماية البيئة في إطار التنمية المستدامة ([22]) مبدأ الاعلام وحق المواطنين في الحصول على المعلومة البيئية حسب المادة السابعة منه، وكذا المعلومات المتعلقة بالأخطار التي تصيب الأقاليم المتواجدين فيها كما تنص عليه المادة التاسعة من نفس القانون ([23]).

  1. الحق في الاعلام والولوج إلى المعلومة الإدارية في المراسيم التنظيمية

جاء تكريس حق المواطن في النفاذ إلى المعلومة بموجب مرسوم 88-131 المنظّم للعلاقة بين الإدارة والمواطن ([24])، حيث نصت المادة 10 منه: “يمكن المواطنين من أن يطلعوا على المعلومات والوثائق الإدارية…” يشكّل المرسوم أهم أداة قانونية لتنظيم العلاقة بين الإدارة والمواطنين باعتباره النص الوحيد لحد الآن، علاوة على إسهامه غير المسبوق في تقنيين قواعد حسن سير الإدارة العمومية وتقريب مصالحها من الجمهور، وفق ما يُعرف حاليا بالحكامة في التسيير الإداري، لكنه يبقى بحاجة أكيدة إلى المراجعة. ([25])

المحور الثاني

الديمقراطية التشاركية والحق في الإعلام الإداري كآليتين لترشيد علاقة الدولة بالمجتمع

  تكمن الجدوى من تكريس الديمقراطية التشاركية والحق في الوصول إلى المعلومة في ترشيد أطر العلاقة بين الدولة والمجتمع، بوضع ديناميكية جديدة لممارسة السلطة وتدبير الشأن العام تخوّل جمهور المواطنين ومختلف شرائح المجتمع المدني من الاطلاع على سياسة التسيير والتنمية العمومية للدولة والمساهمة الفعلية في تحضيرها وتنفيذها، وهو ما يحقق التكامل والانسجام الذي يفرضه الانتقال من وضع الديمقراطية التمثيلية إلى وضع الديمقراطية التشاركية في مستويات ممارسة السلطة بين الدولة وقاعدة المجتمع ، ذلك أنّ عدم تمكين المواطنين من المعلومة الإدارية يعيق إشراك الجمهور وفعاليات المجتمع المدني في سياسة التسيير، وهو ما يفرغ الديمقراطية التشاركية من جوهرها الحقيقي كونها أداة لتعزيز السياسة التضامنية والتشاورية بين السلطة والجمهور، فضلا على أنها وسيلة لتحقيق أهداف التنمية المحلية وأهم مظهر من مظاهر تطبيق الحكم الرشيد،(الفرع الأول). لذلك كان حرص الدولة باديا من خلال تكريس الديمقراطية التشاركية والحق في الاعلام على تشجيع انخراط المواطنين وتنظيمات المجتمع المدني في استراتيجية التسيير العمومي سيما على النطاق المحلي من خلال هتين الآليتين، وذلك عن طريق إقراره جملة من الأسس والدعائم المساعدة لمشاركة المجتمع المدني في التسيير المحلي فضلا عن تقنينه أدوات تفعيل حق في الإعلام لكونه دعامة الديمقراطية التشاركية الأساسية. (الفرع الثاني).

  • الفرع الأول / المشاركة والإعلام: أهم معالم الحكامة وترشيد التسيير العمومي

نبيّن فيما يأتي العلاقة العضوية بين دعائم الحكامة المتمثلة في الإعلام والمشاركة:

  1. المشاركة المظهر الأبرز للتحول الديمقراطي

  يعتبر الحكم الراشد العامل الاكمل لتمتين علاقة الدولة بالجمهور من خلال تعزيز التوازنات الأساسية داخل المجتمع بمختلف تشكيلاته وتحقيق التنمية ودعمها وضمان سيرورتها. ويُبنى الحكم الراشد على المبادئ الأساسية للديمقراطية كالتمثيل والمساواة وحماية الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين ([26])، وتتجسد هذه المبادئ عبر مؤسسات وهيئات تسمح للجمهور بالمشاركة والاسهام في اتخاذ القرارات الادارية وفي إنتاج السياسات العمومية الهادفة في محصّلتها إلى الوصول إلى توافق أكبر ورضا واسع لدى فئات المجتمع وشرائحه المختلفة في الانخراط والمساهمة في ممارسة السلطة وتسيير الشؤون العامة. وعليه يكون مبدأ المشاركة أهم مظهر لتفعيل مبادى الرشادة والتحول الديمقراطي في الدولة، وهو يقتضي مساهمة المجتمع من خلال القوى المدنية الفاعلة فيه كالجمعيات والنقابات المهنية وغيرها، بالإضافة للمواطنين في صنع السياسة العمومية من خلال وسائل الاستشارة والمناقشة والتشاور والتعبير عن أراءهم، والتأثير في مجريات اتخاذ القرارات الادارية وكذا في انتقاء المشاريع ذات الأولوية وترشيد إنفاق المال العام.

 وعلى هذا الاساس تنبري مدى قوة الرابطة بين المشاركة والحكم الراشد، وذلك من خلال الانتقال من دور الدولة الاحادي في التسيير والسلطوي المالك لصلاحيات واسعة من دون منافس في اتخاذ القرار، والتحول إلى هيئة أو هياكل أكثر ديمقراطية تضم قنوات تشاورية وتشاركية مع الجمهور في استراتيجية ممارسة السلطة وإدارة الشأن العام لا سيما على المستوى المحلي، وهو ما فسّره المجلس الدستوري في رأيه المعلّل بشان التعديل الدستوري في 6 مارس 2016 ([27] حيث اعتبر أنّ إضافة نص المادة 15 من الدستور، المتعلقة بتشجيع الدولة للديمقراطية التشاركية على المستوى المحلي، على أنها من دعائم التنظيم الديمقراطي للدولة وإرساء أسس دولة القانون، وضمانا لحقوق المواطن وحريته بما فيها حقه في المشاركة في تسيير الشؤون العمومية. 

  1. الحق في الإعلام الإداري والحكم الراشد: أية علاقة؟

  علاوة عن الارتباط الوثيق بين المشاركة والحكم الراشد، فإن ترشيد أدوات وأطر ممارسة السلطة يقتضي الانتقال من نظام مجتمع منغلق يسوده التعتيم إلى نظام مجتمع مفتوح يسعى لتنوير الرأي العام والمواطنين بسياسة التسيير وتوجهاتها الأساسية، وهو ما يتحقق من خلال كفل حق المواطن في الإعلام والوصول إلى المعلومة باعتباره حجر الزاوية في عملية البناء الديمقراطي والإصلاح المؤسساتي وأحد أركان الحكم الراشد ([28]). يعتبر حق الوصول إلى المعلومات من الحقوق الأساسية التي تمكن الجمهور من ممارسة مجموعة من الحقوق الأساسية، فضلا عن كونه من أسس الحكم الراشد وتعزيز سبل ممارسة الديمقراطية التي تقوم على أساس حكم الشعب الذي يفرض رقابة دائمة ومستمرة على أداء السلطة ([29])، ذلك أنه يهدف لإضفاء الشفافية على نشاط الهيئات والمرافق الإدارية للدولة وتمكين المواطن من معرفة مجريات السياسة العامة واستراتيجية الدولة في التنمية والتسيير العمومي والجواري. فالإعلام وحق النفاذ إلى المعلومة أضحى اليوم من الالتزامات الأساسية الملقاة على الدولة في سبيل سعيها لترشيد مؤسساتها وتحسين علاقتها بالجمهور وضمان جودة الخدمة العامة وتيسير الرقابة الشعبية وتضييق قنوات الفساد وإهدار المال العام. 

يعد الحق في الولوج إلى المعلومة العمومية نتيجة منطقية وحتمية لتطبيق مبدأ شفافية الإدارة ، حيث يفرض على القائمين على التسيير الإداري واجب تعريف قوى المجتمع المدني والمتعاملين مع الإدارة بحقوقهم والتزاماتهم، بحيث تلتزم الإدارة بالكشف عن نشاطاتها ومشاريعها ذات الصلة بمصالح الجمهور ([30])، إما بالوسائل العامة كالنشر أو الإعلان أو التبليغ وهو ما كرّسه المشرع في العديد من التشريعات أهمها مرسوم 88-131 المنظّم للعلاقة بين الإدارة والمواطن في نص المادتين 8 و24 منه، والمادة 11من قانون البلدية، وكذا المادة 18من قانون الولاية ([31]). بحيث يساهم تطبيق هذا المبدأ في تنمية الشفافية وتقوية روابط الثقة والنزاهة بين الإدارة والجمهور وقوى المجتمع المدني الفاعلة، وإخلاء جانب المسؤولين والمسيّرين الإداريين من مسؤولية التحيّز والمحاباة والمحسوبية، كما يضع حدا للسرية في التعامل والإفلات من المساءلة وتعزّز فرص الرقابة الشعبية ومشاركة المواطنين في منع الفساد.

  1. حتمية العلاقة العضوية بين الديمقراطية التشاركية والحق في الإعلام الإداري             

  مما لا شك فيه أن نجاح المقاربة التشاركية لا يقوم إلا من خلال تيسير انخراط الجمهور والمجتمع المدني بجميع فعالياته في استراتيجية التسيير والتنمية، باعتباره المرآة العاكسة لطموحات وانشغالات المواطنين لما تحمله نشاطاته المختلفة من أبعاد تضامنية وأهداف مشتركة تلتقي جميعا عند تحقيق الصالح العام([32])، وعليه فإنّ انفتاح السلطة سيما على النطاق المحلي وتكاملها مع القوى الفاعلة في المجتمع المحلي كشركاء في معادلة التسيير والتدبير والتنمية المحلية أمر لا مناص منه، وذلك يتم بإقامة مجموعة من الأسس والدعائم لضمان  مشاركة المواطن والمجتمع المدني في مقاربة التيسير التشاركي.

 تتحقق المشاركة الفعلية للجمهور وقوى المجتمع المدني في عملية التسيير، بضمان مبدأ شفافية التسيير الاداري والتخلي المطلق عن الوجه الانغلاقي أو السري الذي يطبع سير العمل الاداري، قصد تحقيق الانفتاح الاداري والمؤسساتي على جميع فعاليات المجتمع المدني لتسهيل إشراكه الفعلي في مقاربة التسيير والتنمية. لذلك يقتضي الاقرار بمبدأ مشاركة الجمهور وتنظيمات المجتمع المدني في تسيير الشؤون العمومية تمكين فعالياته المختلفة من الحصول على المعلومة واطلاعها على الوثائق ذات الصلة التي تمكنها الادلاء برأيها ومتابعة مجريات التسيير وأهدافه ومراقبة نشاط الجماعات المحلية وسياساتها التنموية والعمرانية والبيئية ذات العلاقة بشؤون ومصالح الساكنة ([33])، فضلا عن الدور الهام الذي تؤديه المعلومة المحلية في مساعدة قوى المجتمع المدني من تحديد مواقفها وتقديم تصوراتها في كل ما يتصل بتقدير وتنفيذ استراتيجية التسيير والادارة  المحلية، من أجل المساهمة في إعداد القرارات المحلية وضمان مشاركة فعلية وفعالة في مضمونها وفي نتائجها، لذلك يمكن الاستنتاج بأن الحق في المعلومة يعد أساس وعماد المشاركة.

  • الفرع الثاني / أدوات إعمال مبدأ المشاركة والإعلام في إطار ترشيد علاقة الدولة بالمجتمع

تمارس قوى المجتمع الديمقراطية التشاركية على بمجموعة من الآليات القانونية، حرص المشرع على تنظيمها في العديد من القوانين أهمها قانون الجماعات المحلية لكونها المدخل الطبيعي لمشاركة المواطنين في تسيير الشؤون العامة، وذلك سواء في قانون 11-10 المتعلق بالبلدية، أو قانون 12-07 المتعلق بالولاية (1) والأمر نفسه بالنسبة لحق المواطنين في الحصول على المعلومة الذي يعد دعامة ممارسة الديمقراطية التشاركية، ولذلك نجده مكرسا في القوانين المتعلقة بالجماعات الإقليمية كالولاية والبلدية باعتبارها فضاءات المشاركة ومكان إسهام الجمهور في تسيير شؤونه العمومية(2).

  1. أساليب إعمال مبدأ المشاركة الديمقراطية في تسيير وإدارة الشؤون العامة

نبيّن فيما يأتي أساليب ممارسة المشاركة الديمقراطية.

  1. الاستشارة العمومية: (La consultation publique)

  يعد إجراء الاستشارة أهم الآليات المجسّدة لمشاركة الجمهور وفعاليات المجتمع المدني في تسيير الشؤون العمومية، لأنه يفتح مجال للاتصال مباشرة بين الجمهور وبين المسؤولين عن تدبير الشأن العام المحلي، تسمح باطلاع شرائح المجتمع المدني عن الإجراءات والتدابير التمهيدية لاتخاذ القرار المحلي، أو معالم صنع السياسة العمومية المحلية، مقابل تمكينهم من حق إبداء الرأي والتعبير عن مواقفهم بشأنها.وبالرغم أنّ المشرع عند تقنين هذا الاجراء في قانون الجماعات الإقليمية ([34]) لم ينص صراحة على استشارة المجتمع المدني وإنما جاء النص على استشارة جمهور المواطنين، حيث جاء في نص المادة 11 من قانون البلدية، الآتي: “يتخذ المجلس الشعبي البلدي كل التدابير لإعلام المواطنين بشؤونهم واستشارتهم حول خيارات وأولويات التنمية والتهيئة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية…”.

ومع ذلك فإن الاستشارة العمومية قد تكون عامة لكافة الجمهور بواسطة وسائل الاعلام أو النشر أو أي وسيلة أخرى لإعلام المواطنين([35]) ، كما قد تكون الاستشارة خاصة بفئة معينة أو بشخص معين بالذات يُختار بناء على معايير الخبرة والكفاءة في المجال المطلوب للاستشارة كالجمعيات أو مكونات المجتمع المدني، حيث تنص المادة 13 من قانون11-10المتعلق بالبلدية،: ” يمكن رئيس المجلس الشعبي البلدي، كلّما اقتضت ذلك شؤون البلدية، أن يستعين بصفة استشارية بكل شخصية محليّة أو كل خبير أو كل ممثل جمعية محلية معتمدة، الذين من شأنهم تقديم كل مساهمة مفيدة للمجلس أو لجانه بحكم مؤهلاتهم أو طبيعة نشاطهم” . أما قانون 12-07 المتعلق بالولاية فهو يشير إلى اعتماد المجالس الولائية لآلية استشارة جمعيات المجتمع المدني في بعض المجالات المحددة بالذات كمجال حماية وترقية التراث الثقافي والفني والتاريخي لتثمينه والحفاظ عليه ([36]).

وتظهر مشاركة منظمات المجتمع المدني كذلك في تسيير الشؤون المحلية على مستوى مجالات التعمير والتهيئة الإقليمية، فقد ألزم قانون90-29 المتعلق بالتهيئة والتعمير المجالس المحلية على استشارة جمعيات المجتمع المدني وغرف الفلاحة والتجارة المحلية أثناء تحضير المخطط التوجيهي الخاص بالتهيئة الاقليمية وشغل الأراضي ([37]) ويلتزم رئيس المجلس الشعبي البلدي باطلاعهم بالقرار القاضي بإنجاز المخطط المذكور. غير أن المشرع لم يبيّن طبيعة الاستشارة ولا كيفيات وإجراءات القيام بها.

  1. آلية التشاور (La concertation)

  نجد تطبيق آلية التشاور في بعض القوانين الخاصة كقانون رقم06-06 المتعلق بالقانون التوجيهي للمدينة مثلا، الذي نص فيه المشرع صراحة على اعتماد مبدأ التنسيق والتشاور كأحد المبادئ الأساسية التي تستند عليها سياسة المدينة ([38])، وذلك عن طريق تنسيق السلطات المحلية مع المواطنين والفاعلين في المجتمع المدني من أجل المساهمة في إرساء دعائم سياسة المدينة، وكذا تسهيل مشاركة الحركة الجمعوية في إجراءات التسيير الجواري وتحسين الإطار المعيشي للساكنة ودراسة آثاره وتقييم نتائجه، حيث نص على ضرورة إشراك الفاعلين الاقتصادين والاجتماعين في سياسة تطوير المدينة عن طريق أساليب جديدة تقتضي إبرام عقود شراكة بينهم وبين الجماعات المحلية ([39]).

 وفي هذا الإطار تسهر المجالس المحلية لا سيما البلديات على تشجيع جميع المبادرات الرامية إلى تأهيل المباني القديمة والاحياء السكنية التي تضطلع بإنجازها جمعيات المجتمع المدني ([40]).  كما نجد قانون 04-20 المتعلق بالوقاية من الاخطار الكبرى وتسيير الكوارث في إطار التنمية المستدامة ([41]) ينص صراحة على اعتماد مبدأ التشاور بين الجماعات الإقليمية والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين باشراك المواطنين قصد الوقاية من الاخطار الكبرى والاطلاع على الترتيبات الموضوعة لتجنبها أو وضع حد لانتشارها من دون الإشارة إلى فعاليات المجتمع المدني.

  1. الانخراط في سياسة التسيير العمومي L’implication du public))

 يقتضي التجسيد التام لمبدأ المشاركة انخراط الجمهور وسائر فعاليات المجتمع المدني في سياسة التسيير العمومية وفي اتخاذ القرار بصفة مباشرة، وهذا من خلال أطر قانونية مختلفة خاصة بذلك تقوم على أساس مشاركة الجمهور وقوى المجتمع المدني كالجمعيات وكذا لجان الأحياء وغيرها في إنجاز مشاريع تنموية ذات فائدة عمومية أو ورشات عمومية ([42])، أو المشاركة في إعداد الميزانية البلدية وفق ما يعرف بالميزانية التشاركية. وقد خصّ المشرع الجزائري تطبيق المشاركة المباشرة في تسيير الشؤون العمومية بآليات تضمّنها مشروع قانون الديمقراطية التشاركية قيد الاعداد على مستوى وزارة الداخلية، تتمثل أساسا في: القيام بنشاطات ذات منفعة عامة، وإنجاز مشاريع للمصلحة العامة. ([43])

  1. أسس إعمال حق الإعلام والولوج إلى المعلومة العمومية في سياسة تسيير الشؤون العامة

كرّس المشرع الولوج إلى المعلومة عبر وسائل مختلفة:

  1. مبدأ علنية جلسات المجالس المنتخبة

أقر المشرع مبدأ علنية الجلسات في قانون الجماعات المحلية، سواء في قانون رقم-11-10المتعلق بالبلدية أو قانون12-07 المتعلق بالولاية لتكريس شفافية الإدارة المحلية التي تعد دعامة محورية لممارسة الديمقراطية التشاركية. يعقد المجلس الشعبي البلدي جلساته عادة بشكل علني ([44]) بحيث تكون متاحة لعلم واطلاع الجمهور وسائر قطاعات المجتمع المدني للحضور ومتابعة كل مراحل الاجتماع من الاقتراح إلى التصويت على المواضيع المعنية وبذلك تتمكن شرائح المجتمع المدني من أخذ نظرة عامة عن مجريات سير وتدبير الشأن العام المحلي.

لا يختلف إعمال هذا المبدأ على مستوى الولاية، بحيث نجد قانون12-07 المتعلق بالولاية قد نص على اعتماد مبدأ علنية جلسات المجلس الشعبي الولائي بصفته الجهاز التشريعي للولاية وهيئة المداولة، بحيث يجتمع المجلس الولائي في أربع دورات عادية في السنة، وتجري مداولاته بما فيها مداولات لجانه المتخصصّة وأشغالها في المقرات المخصّصة للمجلس بصفة علنية ([45]) مما يسمح للجمهور ولفعاليات المجتمع المدني بالحضور ومتابعة سير هذه الجلسات. وبالنتيجة يمكننا القول أّن إقرار مبدأ علنية الجلسات تداول المجالس المنتخبة أمام الجمهور، يدعم أفراد المجتمع في المشاركة في إعداد القرارات المحلية وبناء السياسة التنموية عن طريق تقديم مشورته ووجهة نظره في المشاريع الجاري التداول بشأنها من جهة، كما يخوّله بسط رقابته الشعبية على أداء المجالس المنتخبة، كما يمكن اعتبارها كأداة من أدوات الضغط على المسؤولين لتوجيههم نحو تحقيق تطلعات وانشغالات الجمهور.

  1. تقديم المجالس المحلية عرضا سنويا عن حصيلة نشاطها أمام المواطنين

  قصد تكريس شفافية التسيير المحلي وتدعيم أسس ممارسة الرقابة والمساءلة الشعبية، بادر المشرع بإلزام المجالس المحليّة المنتخبة بضرورة عرض حصيلة أدائها السنوي أمام المواطنين، في إجراء شبيه إلى حد ما ببيان السياسة العامة التي تلتزم الحكومة بتقديمه سنويا أمام البرلمان في إطار المسؤولية السياسية لها طبقا لنص المادة 98 من الدستور، فقد جاء في نص المادة 11 فقرة 3 من قانون 11-10 المتعلق بالبلدية على إمكانية المجلس الشعبي الوطني تقديم عرض عن نشاطه السنوي أمام المواطنين، وهي آلية مستحدثة في قانون البلدية المذكور جديرة بالتنويه تمّكن الجمهور وقوى المجتمع المدني من المشاركة في تقييم السياسات العمومية على المستوى المحلي، ويتيح لها ممارسة رقابتها بشكل فعال. أما بالنسبة لقانون 12-07 المتعلق بالولاية، فإنه لم يخلو من تنظيم هذا الاجراء، حيث ينّص بدوره في المادة 109على: ” يقدّم الوالي أمام المجلس الشعبي الولائي بيانا سنويا حول نشاطات الولاية يتبع بمناقشة. يمكن أن تنتج عن ذلك توصيات يجري إرسالها إلى وزير الداخلية وعلى القطاعات المعنية”.

غير أنّ الفرق مقارنة بقانون البلدية يكمن في أن الوالي يتولى عرض نشاط الولاية أمام المجلس الشعبي الولائي فقط، على عكس رئيس المجلس الشعبي البلدي الذي يعرض نشاط المجلس أمام الشعب مباشرة، وهو ما يسمح بتحقيق شفافية ورقابة شعبية أكبر، تبقى هذه الآلية الرقابية بالنسبة للولاية مفيدة نسبيا في بيان نشاط الولاية وحصيلة قراراتها بشكل واضح أمام ممثلي الشعب وفعاليات المجتمع المدني.

  1. حق الاطلاع والحصول على المعلومات والوثائق الادارية

  علاوة عن أسس وأدوات الاعتراف للمواطنين بحق الاعلام الإداري السابقة الذكر، يقتضي تطبيق مبدأ الشفافية الإدارية ضمان حقهم كذلك في الوصول إلى منبع المعلومات والبيانات الإدارية، حيث يعد من الحقوق المجسّدة لمبدأ شفافية الجهاز الإداري بالنظر إلى ما يحققه من حرية للمواطن والمتعامل مع الإدارة في الولوج إلى مصادر المعلومة والاطلاع عليها ومعاينتها وتداول استخدامها ([46]).

 وهو يفرض تسهيل سبل الوصول والحصول على المعلومات والمعطيات الإدارية، على خلاف الحق في الاعلام بمفهومه العام الذي تلتزم فيه الإدارة بواجب إيصال المعلومة إلى الجمهور عن طريق النشر أو الإعلان أو التبليغ وليس أن يطلبها هذا الأخير.  ولعل هذا ما استدركه المؤسس الجزائري من خلال التعديل الد

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading