,

تحديات تنمية مهارات الموارد البشرية: مداخل منهجية

Written by

·

تحديات تنمية مهارات الموارد البشرية: مداخل منهجية

د. عبد الرحيم عبد الحليم محمد

مركز بناء القدرات CBC الخرطوم

 

يلاحظ المهتمون بدراسات القوى العاملة وتطوير المنشآت عبر الجهود المبدعة للموارد البشرية، أن النظرة التقليدية إلى الإنسان العامل كموظف أو كترس في آلة الإنتاج الضخمة او كأحد عوامل الانتاج، أصبحت من مخلفات الماضي، ذاك ماض تسلطت فيه الآلة الصناعية التي لم تكن عبر القرون إلا ناظرة إلى العالم كعنصر إنتاج لا كصانع له. ([1])([2])([3])

إن ذلك التغيير في النظرة إلى العنصر البشري، هي أن الانسان في دورة الإنتاج ليس منتجاً وإنما منتج، فتقدمت النظرة إليه عبر دراسات قياس الموارد البشرية HR metrics، باعتباره أساس التنافسية بين المنشآت، بل والدول، كما تقدمت النظرة عبر تلك الدراسات إلى تقييم جهود العاملين كأصول بشرية والسعي إلى قياسها على جداول الميزانيات كأصول وتقييم تلك الأصول وتحفيزها وتطويرها وشدها إلى البقا ء في إطار المنشأة كطرف تنافسي أصيل يبرز الفرق بين منشأة وأخرى. وفي ظل هذه النظرة الجديدة للعنصر البشري في عصر اقتصاد المعرفة صرنا بصدد عالم صناعي في أسواق العمل الدولية يتحدث عن شيء اسمه أسواق العمل، وعن مهارات الإنسان كسلعة قيمة شأنه شأن اقراص الكمبيوتر وبرامج الحاسوب.

بدأ الناس يتحدثون عن المهارات كسوق في عالم يتسابق على المهارات والقدرات البشرية، ويطرح علماؤه العديد من الاستراتيجيات التي يجب تطبيقها فيما لو أرادت منشأة ما إنجاح استراتيجيات أعمالها في الجودة والربحية والخدمة وتنمية الإنسان صانع هذه البرامج.

لقد صدر تقرير التنمية البشرية للأمم المتحدة لعام 2001 م، مبيناً أن الثورة التقنية تبدأ من الوطن وأن على الدولة إطلاق العنان للإبداع لاستيعاب التطورات المتلاحقة. وركز التقرير -كما يقول د. عبدالرحمن عبدالله (2002م)، على أن لب رعاية الإبداع يتمثل في التوسع في المهارات البشرية، كما أن الكفاءات المهاجرة لن تكون ذات جدوى في غياب بيئة اقتصادية وسياسية جذابة تخلقها الدولة لتنحاز إليها هذه الكفاءات، دعماً لمسيرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الوطن.

وما دامت مهارات الإنسان لها ذلك الضلع الكبير في التنمية البشرية بشكل عام وتنمية الموارد البشرية بشكل خاص، فإننا نحاول تلمس مداخل منهجية لتطوير مهارات مواردنا البشرية وتوفير مسارات منهجية يتبعها القائمون على الأمر في رسم الخطط التي تمكن بلادنا والبلدان العربية والإسلامية من مجاراة العالم في هذا المجال وفق رؤية لا تكتفي بالمعرفة القادمة من بعيد، وإنما أيضاً بالانتباه إلى تأصيل مناهجنا في هذا الخصوص في المجالات التي ترتادها هذه الورقة.

إن هذه المجالات هدفها شد زناد الانتباه إلى أزمة المهارات التي يشهدها العالم، وتلمس سبل إيجاد قاعدة متينة من هذه المهارات عبر مداخل أساسية تبدأ بإلقاء الضوء على أزمة المهارات التي تجتاح العالم وسبل معالجتها عبر مداخل منهجية هي : التقنية، وإدارة المعرفة، وبناء المؤسسات ذات القدرة على التعلم الدائم، والقيادة عبر منطور شامل يتمثل في وضع استراتيجيات فاعلة لجذب وتحفيز واستبقاء المهارات، وخلق قاعدة من القيادات عبر محور حضاري ومعاصر تراه الورقة أساساً لبعث منظومة ثقافية جديدة في منشآتنا من خلال تأصيل معارفنا ومناهجنا فيما يتعلق بترقية مواردنا البشرية وتنميتها.

أزمة مهارات ([4])([5])

ظلت دراسات أسواق العمل منذ نهاية التسعينيات تشير إلى تشكل سوق عمل دولي من سماته وجود مجاعة حقيقية في المهارات، حسب تعبير العديد من الدراسات، ومن ملامح ذلك السوق ما يلي : (Johnston,1993) وهو ما حاولنا
في إحصائيتنا أدناه توضيح معدل نمو القوى العاملة في الدول الصناعية مقارنة بمخزون هذه القوى في العالم النامي خلال عقدين ماضيين.

الدولة/ الإقليم القوى العاملة 1970 القوى العاملة 1985 القوى العاملة 2000 معدل النمو السنوي
العالم (مليون) 1956.8 2163.6 2752.5 1.6%
الدول الصناعية 307 372.4 401.3 0.5%
الدول النامية 1119.9 1595.8 2137.7 2.1%

المصدر: جونستون – 1993

  •   الدول النامية ستكون هي المنتج الأكبر لمعظم الموارد البشرية الماهرة وشبه الماهرة، كما ستنتج دول العالم الصناعي المتقدم غالبية الوظائف عالية المردود. ترتفع نوعية التعليم في الدول النامية مع تزايد حركة طلابها للتعليم خارج وطن المنشأ. ولا بد من التنبيه هنا إلى مجيء عولمة التعليم، حيث تنشئ الجامعات مراكز لها في مختلف أقاليم العالم مع إمكان الولوج إلى أماكن العلم عبر أقطار السموات والأرض، تخطياً للحدود الجغرافية عبر نظم الإنترنت
    والدورات التدريبية الافتراضية virtual courswork .
  •   كون أن الدول النامية ستكون هي المنتج الأكبر للمهارات يرجع في تقدير الخبراء إلى زيادة معدل السكان بها مقارنة بالدول المتقدمة، وذلك يظهر من الإحصاءات التي أعدتها منظمة الأمم المتحدة وغيرها، مما يمكن قراءته أدناه:

  •   حركة هائلة للبشر من مهاجرين وعمال ومعاشيين وزوار قاصدين مختلف مراكز الجذب الحضرية في دول العالم الصناعي، ومحور هذه الحركة من الشباب ذوي التعليم العالي لا سيما تخصصات مثل العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات.

هناك عدة دراسات تشير إلى تناقص مخزون العالم من هذه الكفاءات، وأن الكفاءات المطلوبة لاقتصاد القرن الحالي تختلف عن ما كان عليه الحال قبل عشر سنوات في العالم، وهذه ناحية تمس نظم التعليم والتدريب وضرورة صياغتها بما يمكن الدول من تلبية احتياجات العصر. ([6])([7])([8])

إن الإبداع الذي يتطلبه اقتصاد القرن الحالي يؤكد الحاجة إلى فرق العمل التي يطلق عليها الخبراء فرق العمل التعاونية الإبداعية innovative collaborative teams، باعتبار أن تعدد التوجهات وتنوعها فيه اختصار لنظم وطرق العمل، كمؤثر أساسي ونقطة فارقة في مجال الجودة والتنافسية المطلوبة للمنتجات والخدمات(Babco, 2004).

  •   التجارة في المهارات المبدعة ستؤدي إلى دعم اقتصاديات الدول التي تتمتع بفائض في رأسمالها البشري لا سيما الدول النامية التي تتميز بجودة نظمها التعليمية مثل الفلبين ومصر وبولندا، وهنغاريا.

ويجب علينا هنا أن نلاحظ ما تسببه هجرة العقول من أثر ضار على الدول التي تعاني من نقص هذه المهارات فيما يعرف بنزيف العقول عندما نتحدث عن العلاقة بين الدول المصدرة للمهارات والدول المستقبلة لهذه الهجرات. وهنا نشير إلى مؤلف مثل مؤلف “أزمة القوى العاملة”Dychtwald,Erickson& Morison, 2006) )، حيث ركزت مجموعة من الباحثين على المخاطر التي سيواجهها العالم الصناعي بسبب نقص المهارات وبروز عامل المهارة كنقطة فاصلة بين مجرد أن تحقق منشأة ما أهدافها، وبين أن تتميز بقدرة تنافسية عالية تتيح لها البقاء في عالم صناعي تقني ماهر يؤمن بأن الزبد يذهب جفاء ويبقى في عالم التميز ما ينفع الناس.

  • لقد خلص أولئك الباحثون إلى أن من أسباب نقص العقول والمهارات في العالم الصناعي، أن القوى العاملة أصبحت شائخة متغيرة في توزيعها الديمغرافي، وقد أصبحت العلاقة هناك بين المخدم والعامل يحكمها منطق خذ وهات. فالمهارة غالية وللمخدم حاجة تنافسية صارت لا تحفل بقوانين التقاعد وإنما بأسلوب التعاقد الذي يحفل بالقدرة على العطاء ولا يحفل بالعمر الذي يضع الناس في غيهب المعاش كقطارات قديمة في ورش الصيانة.
  •   إن العالم الآن يتحدث في مجال الاحتفاء بصاحب المهارة عن تقاعد التقاعد ويبحث بين عقول المتقاعدين عن تجاربهم القيمة ليتبادلها الناس فيما بينهم ويؤرشفونها في ذاكرة المنشأة. ويوجه الباحثون تنبيهاً مخلصا للمنشآت بل
    والدول أن تعيد النظر في استراتيجياتها لإنماء وبناء القدرات، مركزين على توفير احتياجات المنشأة من المهارات عبر تخطيط الموارد البشرية، وربط ذلك باحتياجات خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية. إن على المنشآت هنا
    النظر إلى عدة عوامل على رأسها تحقيق القدرة التنافسية التي تمكن المنشأة ليس فقط من مجاراة رياح المنافسة العاتية، وانما التفوق عليها. ([9])([10])

لا بد من أن تراقب المنشأة معدلات فقدها لاحتياطياتها من المعرفة البشرية وقدراتها من التنفيذيين المتميزين ونسب التقاعد لنجومها من العاملين. هنا فإن على المنشأة أن تسأل نفسها ماذا عساي أن أفعل لإيقاف النزيف وحماية نفسي من خطر الزوال؟ وما هي الاستراتيجيات التي يمكن اتباعها لجذب وتحفيز واستبقاء القدرات؟ لقد أصبح العالم الآن أكثر دراية بمدى حساسية الاعتماد على عقول البشر في اقتصاد المعرفة Knowledge economy الذي يعيشه العالم، كما تشير الدراسات الواردة عن مركز مثل مركز “بروفايل إنترناشونال” في الولايات المتحدة، وكيف أن نقص المهارات ستكون له تأثيرات سالبة تتضاءل أمامها التأثيرات السالبة التي حاقت بالعالم جراء هجمات الحادي عشر من سبتمبر.

  •   تتجه عديد من الدول الصناعية إلى التخفيف من غلواء قوانينها الحمائية المتشددة في مجال الهجرة لحاجتهم إلى العمالة الأجنبية الماهرة واعتمادهم عليها. إن هذه الدول ستتجه إلى فتح حدودها الفكرية عبر حدودها الجغرافية لإسهام الخبراء والعلماء الأجانب في تحقيق النهضة العلمية والاقتصادية للدول الصناعية. في الولايات المتحدة كدولة بنت تاريخياً نهضتها العلمية والتقنية على العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات، تنطلق الآن صيحات استغاثة بتناقص مخزونها التقليدي من الكفاءات الماهرة لعدة عوامل ديمغرافية في الداخل وتنافسية في الخارج.

وتشير الدراسات إلى أن الولايات المتحدة فقدت ربع مخزونها من العلماء بحلول عام 2010 م بسبب التقاعد. كان لهذا النقص انعكاسه على مجال الصحة العامة في أميركا بتناقص عدد الأطباء والممرضين والتوجه نحو بلدان مثل الصين وكوريا والهند وفيتنام والفلبين، بحثاً عن الأطباء. وانك لتجد في الجامعات الأميركية أساتذة رياضيات من بلدان كمصر والسعودية والسودان وروسيا وغيرها.

  •   تتجه الدول التي تعاني من نقص القوى العاملة وقلة المهاجرين المهرة كاليابان، إلى أعطاء اهتمام مركز بمعايير تحسين الإنتاجية وصقل مهارات العاملين تفادياً لإبطاء النمو الاقتصادي في البلاد.
  •   تشير الدراسات الديماغرافية إلى أنه وبينما يبطئ معدل المواليد في الدول الصناعية وتشيخ القوى العاملة بها labor force aging، تتزايد تلك المعدلات في الدول النامية المنتجة للمهارات، مما يفسر حالة المجاعة تلك في أسواق المهارات في وقت تتحطم فيه الحواجز بين الحدود، وتتأكد حرية عبور البشر والسلع والخدمات بين العديد من الدول. معدل القوى العاملة الشابة في بلدان كالولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا واليابان أقل من 40 % مقارنة بمعدل 59% في باكستان مثلاً، و55% في تايلاند، و 53% في الصين كبلدان تعد نامية.

وهناك من الدراسات ما يشير إلى أن المؤسسات في زمن الكساد الاقتصادي الذي يلف العالم اليوم يجب ألا تقع في حبائل الظن بأن الاهتمام ببناء القدرات يجب أن يتناقص أو يخبو، وأن الكساد يحقق وفراً في المهارات في ظل التخوف من الصرف على بند التطوير والتنمية. إن صاحب المهارة لا تقلقه الأوضاع الاقتصادية وهو قادر على تسويق مهاراته داخل وخارج منشأته، وعن طريق المهارة، تدير المنشأة معاركها مع الكساد (Spherionn, 2009)، ومع افتراض زوال حالة الكساد، فإنه، وفي ظل أزمة المهارات المشار إليها، سيكون وضع المنشأة حرجاً في سعيها لالتقاط أنفاسها وتنسم عبير التنافسية من جديد ما لم تكن ماضية قدماً في تطوير وتنمية قدراتها لا سيما في مجال تنمية رأس المال البشري.

ولعله من المناسب -بعد أن أشرنا الى المهارات ودورها في بناء القدرة التنافسية وإلى فرق العمل التعاونية الإبداعية كتوجه معاصر لجني ثمار مهارات التنوع في قوة العمل Work teams diversity – أن نشير إلى حث القرآن الكريم على بناء الفرق واستمرارها في جمع قوي ومعاصر يعكس العديد من النظريات التي يحث على روح الفريق الواحد ” وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ” (سورة المائدة، الآية: 2)، بل إن عالماً معاصراً معروفاً مثل بيتر سينج Senge، يبين كيف أن روح الفريق هي من مقومات بناء المنشأة دائمة التعلم The learning organization، حيث سنشير إلى ذلك لاحقاً، كما أن مصطلح الاستمرارية تؤيده أدبيات الإدارة اليابانية المعاصرة عبر فلسفة (كايزن) التي تعني التحسين المستمر في فلسفة الجودة الشاملة (Immai, 1998). ([11])([12])

ويقول المولي عز وجل في مجال روح الفريق الواحد : ” وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ” (سورة آل عمران، الآية: 103) ويعرف المختصون في الإدارة والقيادة والتنظيم أن وحدة الهدف هي الغاية من التنظيم ووسيلته Unity of purpose، حيث يسلط القرآن الكريم ضوءاً ساطعاً في هذا المجال، حيث يقول الحق جل وعلا: ” مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ” (سورة الأحزاب، الآية: 4) وفي السنة المطهرة نجد هنالك أيضاً ما يحض على روح الفريق وربط ذلك بالمكافأة من الله تعالى “من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله” (مسلم بن الحجاج، ج ا ص 454) وهو ما تشير إليه أدبيات الإدارة المعاصرة هنا وهناك بأداء الفريق Team performance.

وقبل مناقشة محاور ورقتنا هذه، فربما كان من المناسب تدوين قراءة موجزة لعدة مؤشرات مهمة قادمة، هي تحديات تواجه إدارات الموارد البشرية في مجال الاستثمار في المهارات ونظم العمل المرتبطة بها.

  •   ليس من خيار أمام المنشآت غير الوصول بأدائها إلى مرحلة التميز، ودور الموارد البشرية هنا هو رأس الرمح، وعلى أدائها أن ينصب على النواتج Outcomes، وهي في هذا المجال مسؤولة عن خلق قيمة عالية للمنشأة في
    نظر موظفيها وعملائها ومستثمريها. إنها شريك مع الإدارة التنفيذية في وضع وتنفيذ الاستراتيجيات، وهي لاعب أساسي في تشكيل ثقافة المنشأة ومواجهة تحديات التغيير عبر الخطط التنظيمية والتشغيلية اللازمة (Ulrich, 2000).

إن هذا الدور الحساس لقطاعات الموارد البشرية تحتمه تحديات الربحية عبر النمو والتوسع والتقنية الرقمية وإدارة المعرفة بفكها من عقالها وإطلاقها إلى حيث الحاجة إليها وتبويبها وأرشفتها. هنا يجب النظر إلى القوى العاملة الماهرة كمستودعات للمعرفة وتحويل المعرفة التي لديهم من معرفة كامنة إلى معرفة صريحة from implicit to explicit.

  •   ستصبح القوى العاملة الماهرة على ندرتها أكثر حركية عبر المؤسسات بل والدول متحكمة في 80% من إجمالي قرارات التقنية واستخداماتها في المنشأة، (Johnston, 1993)، هذا مع نشوء ذرية جديدة من الجامعات مهمتها تخطيط مناهج متحركة عالية السرعة لمواجهة التنافسية العالية التي تعيشها الدول والمنشآت.
  •   ينشأ تعريف قانوني جديد لكيان العمل business entity يشمل: الموظفين الافتراضيين، رأس المال، وحدود المسؤولية كبديل عن مجالس الإدارة. تزداد معدلات التنوع في قوة العمل وتلج المرأة بكثافة ميادين العمل. تتجاور عدة أجيال في موقع العمل الواحد generational diversity مع تطبيق فعلي لشعار “تقاعد التقاعد”.
  •   تتوجه المنشآت نحو المزيد من التكتل الذي يمتلك فيه العاملون المنشأة ويعلو دور الموارد البشرية كراع للموظف بديلاً عن مؤسسات التعليم والرعاية الاجتماعية. يعلو دور البحوث والتنمية وتنقرض المؤسسات التي تعمل وكأن
    مصير الموظف بيدها. تتجه الدول نحو تدريس مواد كإدارة المعرفة والابتكار في الجامعات والمدارس كمعبر مباشر إلى أسواق العمل وأداة رئيسية للتميز. ([13])([14])

لهذا يتحتم على الشركات والمؤسسات والدول، مراجعة أنظمتها لتخطيط القوى العاملة ونظم التدريب والتعليم والحوافز وإدارة الأداء.

إننا لنود التأكيد على أن هناك قوى عديدة تجتاح العالم، هي قوى ديمغرافية واقتصادية واجتماعية وتقنية تؤثر تأثيراً بالغاً في القوى العاملة وعالم العمل. إن هذه القوى العولمية المؤثرة تشمل تغير معدلات المواليد وأنماط التقاعد وتقدم الأساليب التقنية وتصاعد المنافسة العالمية وتعاظم حرية التجارة وتغييرات نظم الهجرة، والتي تتضافر كلها في إحداث تغيرات كاسحة في قوة العمل، مما يستوجب تعديل الطرق والأساليب التي درجنا عليها في القيادة والإدارة والتنظيم وتطوير طرق وأساليب جديدة في إدارة رأس المال البشري.

التقنية

مع توسع حقل الإدارة الاستراتيجية، يؤكد الباحثون أهمية تقنية المعلومات وتأثيرها إيجاباً على الأداء المالي والخدمة في القطاعات المستفيدة من هذه التقنية، غير أن هذه الدراسات تشير أيضاً إلى أن التقنية ورأس المال وحدهما لا يصنعان النجاح بدون المزاوجة اللازمة بين مهارات التقنية ومهارات الإنسان.

وكما يقول عالم الإدارة الأميركي بيتر دركر (Drucker, 2003)، فإن الابتكار يمنح الموارد طاقة جديدة لخلق الثروة، وهذا ما يعيدنا إلى ما ذكرناه سلفاً عن دور أصحاب المهارات في ظل الأزمة الاقتصادية كسلاح من أسلحة الإدارة والقيادة في أزمنة العسر.

لقد ظل العالم لعدة قرون مسرحاً للحركية العالية لذوي المهارات التقنية والعلمية العالية، وتلك حركية اعتبرها الباحثون وسيلة لنقل المعرفة ونشرها عبر العالم وترقية التطور العلمي والتقني به. وفي ظل الأزمة الاقتصادية، لاحظ الباحثون قواعد صغيرة للنجاح المالي هنا وهناك في القطاعات ذات التقنية الكثيفة العالية مثل تقنية المعلومات والاتصالات. وقد أرجع الباحثون قدرة بعض الدول في استقرار نجاحها في هذا المجال إلى وجود استراتيجيات لديها في هذا المجال، كما أدى ذلك النجاح إلى تركيز تلك الدول على جني ثمار الهجرات القادمة من بعيد.

بأن مصائب قوم عند قوم فوائد، -أشارت دراسة – أعدها مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية إلى أن هجرة العقول العربية تكلف الدول العربية خسائر لا تقل عن 200 مليار دولار، مضيفة أن الدول الغربية الرأسمالية تعد الرابح الأكبر من هجرة ما لا يقل عن 450 ألفاً من هذه العقول. ورأت الدراسة أن المجتمعات العربية أصبحت بيئات طاردة للكفاءات العلمية الوطنية وليست جاذبة أو حاضنة لها، الأمر الذي أدى إلى استفحال طاهرة هجرة العقول والأدمغة العلمية العربية إلى الخارج، خاصة إلى بلدان الغرب. ([15])([16])

وذكرت الدراسة أن 45% من الطلاب العرب الذين يدرسون في الخارج لا يعودون إلى بلدانهم، وأن 34% من الأطباء الأكفاء في بريطانيا هم من العرب، مضيفة أن هناك نحو 75% من الكفاءات العلمية العربية مهاجرة بالفعل إلى ثلاث
دول تحديداً، هي: أميركا وبريطانيا وكندا. ونوهت إلى أن الوطن العربي يسهم ب 31% من هجرة الكفاءات من الدول النامية إلى الغرب الرأسمالي بنحو 50% من الأطباء و 23% من المهندسين و 15 % من العلماء النابهين.

ويؤكد تقرير أميركي أن الأطباء والجراحين القادمين من الدول النامية خلال النصف الأول من السبعينيات إلى الولايات المتحدة الأميركية، يمثلون 50%، والمهندسين 26%، وأن ثلاثاً من دول الشمال هي: الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا، تستأثر به 75% من جملة التدفق في الكفاءات المهاجرة.

إن الكفاءات العلمية هي نتاج العقل البشري القادر على الاستفادة من معطيات التقنية لتحريك إنتاجه العقلي في اتجاه ما يفيد الإنسانية من دول وشعوب.

وقد كان لدى شعوب العالم أصداء هائلة إثر توقيع اتفاقية منظمة التجارة العالمية عام 1994 في مراكش لإحساس العديد من الدول، ومن بينها الدول العربية والإسلامية، بالفرح لتمكنها من تضمين كل ما أرادت تضمينه في اتفاقية أوريجواي السابقة لمراكش، غير أنه ساد شعور بالخشية من المستقبل. وهنا وكما يقول إبراهيم (1995 م)، فإن الثورة التقنية البشرية كان من سلبياتها اتساع الهوة بين من يملكون ومن لا يملكون بما يمكن أن يؤدي، كما قال، إلى التأثير على الاستقرار الدولي بمعناه الواسع. إن المشكلة الرئيسية التي تواجه شعوب الدول النامية هي محاولة تقريب المسافة التقنية بينها وبين العالم باكتساب أسرار التقدم العلمي والتقني وإعداد الكوادر البشرية والمؤسسات المختلفة لتحقيق هذا الغرض.

إن الحديث عن نقل التقنية إلى العالمين العربي والإسلامي وتوطين التقنية في مؤسساتهما كرافد من روافد تنمية الموارد البشرية ومجال حيوي من مجالاتها، حديث متعدد المد اخل. فهناك جانب المناهج النظرية والجانب القانوني والجانب السياسي، والجوانب ذات الصلة بالتنظيم والإدارة داخل المؤسسات.

فمن الناحية النظرية، فمناهج التعليم والتدريب والدراسة يجب أن تنتبه إلى مناطق الالتقاء بين الموارد البشرية والملكية الفكرية. وفي تقديرنا فإن أهم مناطق الالتقاء هي ارتكاز العالمين على إنتاج العقل البشري من خلال ما يعرف لديهما بالأصول الفكرية أو رأس المال البشري. فمن الطبيعي أن يكون الإنسان، الذي كرمه الله تعالى وكلفه بعمارة هذا الكون وجعله وريثاً له في الخلق والإبداع، هو المنتج للفكرة التي توصي بحمايتها قوانين الملكية الفكرية ومن بينها قوانين الاختراع وحقوق المؤلفين والأسرار التجارية والملكيات الصناعية، عبر النظم والمعاهدات والاتفاقيات الدولية التي عرفها العالم.

ولأن الإنسان هو منتج هذه المنظومة من الملكيات، فإن مدى توفر إبداعه لدى المنشآت والدول هو الفارق التنافسي بين دولة وأخرى وبين منشأة وأخرى. ([17])([18])

ومن هنا جاءت النظرة إليه كرأس مال بشري، ومن هنا أيضاً جاءت النظرة إليه كمورد ترعاه إدارات الموارد البشرية التي ينبغي النظر إليها على هذا الأساس، كراعية لمصالح الملكيات الفكرية و النظر إلى العالمين كعميلين لبعضهما بعضاً، مركز اهتمامهما تفجير طاقات الإنسان الإبداعية وحمايتها ورعاية الإنسان عبر برامج الموارد البشرية والملكية الفكرية المختلفة التي من بينها إدارة الملكية الفكرية كعلم له أصوله ومناهجه Intellectual Property Management. وهنا مجال رحب يتقاطع فيه القانون مع التقنية والاقتصاد والإدارة والقيادة، وتلك طبيعة إبداع الإنسان صعبة التعريف متعددة المسالك.

لقد كان من بين برامج المنظمة العالمية لحماية حقوق الملكية الفكرية عام 2007م، إجراء دراسات في نقل التقنية وما يمكن أن ينتج في هذا المجال من شراكات بين الجامعات داخل البلد وبين قطاع الصناعة فيها (تقرير الوايبو، 2007 م)، حيث نبهت تلك الفعاليات إلى الدور الذي تنهض به الجامعات في التقدم العلمي والتقني عبر الإنتاج الفكري للدارسين فيها. وقد ظل اهتمام متخذي القرار منصباً في السنوات الأخيرة على إيجاد آليات لنقل الثروة المعرفية المنتجة لدى الجامعات إلى قطاعات الصناعة حتى يمكن للمجتمع بوجه عام وقطاعات الأعمال المحلية على وجه الخصوص الاستفادة من الخبرة العلمية والتقنية للجامعات عبر شراكات بين الجامعات والقطاع الصناعي.

وبهذا يمكن النظر إلى منظومة مكونة من عدة مجالات نرى فيها لإدارات الموارد البشرية دوراً محورياً في تفجير طاقات المبدعين وإنماء المهارات.

وبالمثل يمكن النظر إلى علوم الملكية الفكرية كمناهج محفزة للاستغلال التجاري لنتائج البحوث الجامعية في تقاطع رائع بين الموارد البشرية والملكية الفكرية.

كما آن المتتبع لهذا المجال يلحظ تزايد أعداد طلبات الاختراعات في العديد من الجامعات في العالم عندما تجد المتابعة وإيجاد الأطر القانونية والتنظيمية التي تكفل انسياب حركة الإبداع وتدفقها وتحفيزها بجهد منسق بين القائمين على أمر الموارد البشرية في الدولة ونظم الملكية الفكرية فيها.

ومن الضروري قيام الحكومات بدورها بسن التشريعات اللازمة لدفع عملية نقل التقنية والمعرفة بين الجامعات وقطاعات الصناعة، مع إنشاء مكاتب تراعي النواحي الإدارية والفنية لنقل التقنية. ([19])([20])([21])

إن لنقل التقنية إلى أوطاننا عدة جوانب منها السياسي ومنها الاجتماعي ومنها القانوني، ففي كتابه “الردع النووي في الشرق الأوسط (الشقاقي، 1980م)، يقرر المؤلف بأن نقل التقنية له صلة بمفهوم الإخضاع والتبعية. ويقول الكاتب، إن
أي محاولة عربية لاستخدام مواد نووية من محطات الطاقة النووية للأغراض العسكرية ستواجه مشاكل عديدة تتمثل في تركيز القوى الغربية على تحجيم هذه الاستخدامات والتحكم في تحديد المعدات اللازمة لذلك، لشك الدول الموردة لها في الغرض الذي ستستعمل لأجله.

إن عدم قدرة خروج دولنا من هذه الدائرة هو تكريس لآثار التخلف العلمي والتقني على الشعوب والمجتمعات (الغفاري، 1998).

وهنا نقول، إن غياب الإبداع التقني فيه مساس مباشر بالأمن الغذائي لمجتمعاتنا في ظل ما تشهده من أنماط سكانية واستهلاكية ملحة، فلا بد من مكننة رشيدة أساسها التقنية مصوبة نحو الإنتاج الزراعي بطاقات بشرية مبدعة قليلة وأساليب عصرية. إن احتكار سوق التقنية في البلدان الصناعية وما يرتبط بذلك من تكاليف التسويق وبراءات الاختراع والعلامات التجارية، مما ينعكس على أسعار التقنية في البلدان التي تحتاج إليها، حلقة لا يمكن لأوطاننا الفكاك منها إلا عبر استراتيجيات واعية تقوم فيها الدولة بجهد واع لتصنيف أولويات الموارد البشرية، ومن ثم التوجه نحو تخطيط القوى العاملة عبر توجه لا يحفل فقط بالكم وإنما بالكيف أيضا، واضعين في الاعتبار المشهد العالمي ككل للمهارات وحمى التسابق نحو اقتنائها، لأنها الفارق بين الغث والسمين في عصر اقتصاد المعرفة.

إن الحديث عن نقل التقنية، هو حديث عن البعد الإنمائي في الدولة من خلال العنصر البشري المقتدر الذي تتم به صالحات النجاح الاقتصادي عبر التقنية، وعبر فكره الإبداعي في تزاوج سداه ولحمته قدرات الإنسان. إن التقنية هي التطبيق المنظم للمعرفة والخبرات المكتسبة في المهام العملية لحياة الإنسان.

إنها مجمل الوسائل الفنية التي يستخدمها الإنسان في مختلف نواحي حياته العملية. ونقل التقنية بهذا الفهم له عنصران هما المعدات والمعرفة (الرشيد، 1998م). وعليه فإن نقل التقنية لا يقصد به جلب الأجهزة والمعدات وتعديلها كي تتلاءم مع طبيعة البيئة المحلية.

إن نقل التقنية يعني ربطها بما هو أوسع من متطلبات المواءمة والتعديل، إذ لابد من ربطها بعملية نقل المعرفة ككل، كما سننوه عنه لاحقاً، فلا بد من نقل للتقنية يستصحب معه المهارات والمعرفة الفنية والخبرات الإدارية والتنظيمية.

وهنا تتجلى أهمية القدرة البشرية المبدعة في تحقيق هذا الترابط فيما يعرف بهندسة نظم العمل، كما تتجلى أهمية القدرات البشرية في توطين التقنية أيضاً.

وتوطين التقنية، هي العملية التي يتم من خلالها تنمية القدرات الذاتية للتعامل الفني مع وسائط التقنية وتحقيق ملاءمتها مع متطلبات البيئة المحلية. ([22])([23])([24])

وهنا لا بد من عنصر بشري قادر يتمثل فيما يجب أن تمتلكه الدولة لإنجاح عملية توطين التقنية، وهو أن يتوفر لدى الدولة مستويات معينة من المعارف والمهارات والقدرات التقنية الذاتية الضرورية لاستيعاب المهارات التقنية المنقولة والبناء عليها. وهنا تطل برأسها مهمة في غاية الحساسية من مهام إدارة البشرية وتنميتها، هي التعليم والتدريب والبحث والتطوير، فمن خلالها تتم صالحات تشجيع البحث العلمي نظرياً وتطبيقياً. وتجدر هنا الإشارة إلى تقرير أعده البنك الدولي أكد فيه أن العالم العربي سيبلغ عدد سكانه خلال 10 سنوات حوالى 300 مليون نسمة، منهم 40% تتراوح أعمارهم بين 20 إلى 25 سنة، مقارنة بأوروبا واليابان والولايات المتحدة، فشريحة كبار السن والتي ستخرج من سوق العمل ستبلغ رقماً هائلاً مع تناقص معدلات المواليد (التويجري، 2003م). ينبغي على أوطاننا الاستفادة من هذا الواقع الديمغرافي فتخطط لتعليم وتدريب ملايين الأفراد في مختلف مجالات التقنية والتنمية وفق أولويات تربط ما بين التقنيات المناسبة وأولويات التنمية.

فمن الممكن استيراد أفضل منتجات التقنية، لكنها تظل بلا حراك في غياب الأيدي العاملة التي تتمكن من استيعابها على أفضل وجه. تلك لوازم ملحة وواجبة ليس لخلق تلك المستويات المعينة اللازمة لتوطين التقنية، وإنما لتمكين عملية نقل التقنية والمعرفة ككل عبر المنشأة وجعلها واقعاً تنظيمياً وتنافسياً معاشاً. لا بد من تغيير الواقع الذي عناه الشاعر:

القوم يبتكرون المعجزات لنا

ونحن نفتن في إطراء ما ابتكروا

ومن حيث الجوانب القانونية، لا بد لمؤسساتنا من فهم النظم القانونية الخاصة بنقل التكنولوجيا إلى الدول النامية، حيث ينظر القانون إلى التقنية باعتبارها مالاً قابلاً للتملك ولا يفقد قيمته إلا بظهور معارف جديدة تمكن من تصنيع منتجات أفضل أو بنفقة أقل (إبراهيم، 2000م). وتجدر الإشارة هنا إلى أن القانون يتولى حماية التكنولوجيا والتي هي من إبداع العقل البشري المتمثل في الموارد البشرية بطريقتين هما: براءات الاختراع واتفاق المتعاقدين على حماية المعرفة الفنية.

فالاختراع لا يحق للغير استخدامه من دون تصريح من المخترع الذي يملك منع الغير من تصنيع أو استعمال أو بيع أو عرض الاختراع. أما الاتفاقات الدولية فهي تشتمل على مجموعة من المبادئ القانونية التي تلتزم بها كل الدول الأعضاء مثل مبدأ المعاملة الوطنية، ومؤداه أن تلتزم كل دولة من الدول الأعضاء في الاتفاقية بأن تمنح للأجانب المنتمين إلى أي دولة من الدول الأعضاء معاملة لا تقل عن تلك التي تمنحها إلى مواطنيها بشأن حماية الملكية الفكرية (انظر مثلاً اتفاقية الوايبو للأداءات الفنية والفونغراف لعام 1996م، ومعاهدة روما الدولية لحماية المؤدين والمنتجين للفونغرام والمؤسسات الإذاعية لعام 1961م، ومعاهدة الوايبو لحقوق المؤلفين لعام 1996م، ومعاهدة بيرن للأعمال الفنية والأدبية لعام 1971م).

ومن المناسب هنا الإشارة إلى وجوب تكامل الدعم القانوني مع التنظيمي في حماية الإبداع وقدرة المؤسسات على إدراك أماكن التقاطع بين مختلف التخصصات والمعارف فيما يتعلق بالموارد البشرية، والتوجه بذلك التقاطع نحو تحقيق الدور الرائد للموارد البشرية كي تؤدي دورها في دعم المنشأة من ناحية تحقيق الأهداف التشغيلية وكفاءة الأداء وتلبية طلبات العاملين والمشاركة في وضع استراتيجيات الأعمال وتقوية التزام العاملين بالأهداف. ولا بد لجهاز الموارد البشرية من أن يكون قادراً على تحقيق التواءم بين استراتيجيات الموارد البشرية في المؤسسة واستراتيجيات الأعمال بها وتطوير موارد بشرية قادرة على تشكيل وتجديد ثقافة المنظمة وتهيئتها للتغيير والتجدد. ذاك دور رأى فيه أحد خبراء الموارد البشرية (ديف أولرش، 2000م) دوراً واسعاً لاختصاصيي الموارد البشرية، كما سنبين لاحقاً، فهو شريك في الأعمال وخبير في الإدارة
ورائد موجه للعاملين وعامل من عوامل التغيير. ([25])([26])

إدارة المعرفة ونقلها

يعرف قاموس الأعمال إدارة المعرفة، بأنها الاستراتيجيات والعمليات التي يتم تصميمها لتحديد النقاط وهيكلة وتثمين وإثراء وتبادل أصول المنشأة الفكرية لترقية أدائها ووضعها التنافسي. وتستند إدارة المعرفة على منشطين جوهريين هما:

  1. التقاط وتدوين معارف الفرد الكامنة والظاهرة وتعميمها في رحاب المنشأة (Businessdictionary. com)، وفي هذا الإطار يشير د. طه جابر العلواني، في سلسلة محاضراته عن الأزمة الفكرية المعاصرة، إلى تعريف المعرفة لدى علماء المعرفة والتربية اليوم باعتبار أن المعرفة هي كل معلوم خضع للحس والتجربة (العلواني، 1992م)، مما لا يضع تحت مظلة المعرفة كل ما يتعلق بالله تعالى والآخرة والأنبياء، ومن ثم يطور العلواني تعريفاً تأصيلياً للمعرفة، وهي أنها كل معلوم دل عليه الوحي والحس والتجربة. وهو تعريف نميل إليه لقناعتنا الراسخة بإمكانية تطوير منظومة تأصيلية في موازاة مناهج الغرب لتطوير الموارد البشرية تغطى كل فعاليات الموارد البشرية من تخطيط وتنظيم وإدارة وقيادة وتقويم أداء وتعويض وتعليم.

وهنا نشير إلى ما ذكره العلواني في هذا الخصوص من “تحد كبير يواجه أمتنا، هو تطوير وتنفيذ منظور إسلامي يبرز تجليات الحضارة الإسلامية ومنهجها في تطوير وتحفيز وتنمية القوى العاملة في ظل حضارة العصر وآثار ثورة الاتصال التي
جعلت من المتعذر على الحواجز الجغرافية والحدود السياسية والقومية الوقوف في وجه تأثيرات الحضارة العالمية بكل أنواعها الفكرية والثقافية والفنية”. ([27])([28])

  1. تعتبر قضية إنتاج ونقل المعرفة واستخدامها، تحدياً ضرورياً لبقاء الأمم والمنشآت في عصر اقتصاد المعرفة الحالي Knowledge Economy ، وكما يؤكد (Prusak, 1994)، فإن هذه الضرورة تحتمها عولمة الاقتصاد التي باتت تضع على المؤسسات ضغوطا هائلة لزيادة سرعة تكيفها واستيعابها للمتغيرات المحيطة بها في عالم دائم التغير والتحول ومجاراته بما يناسبه من إبداع أساسه عقل الإنسان، فمالم تتمكن المؤسسة من التعلم بطريقة أسرع من منافسيها ستطل تراوح مكانها، متحدثة مع العصر بلغة لا يفهمها.

إن تلك الضرورة يحتمها أيضاً الوعي بقيمة المعرفة المتخصصة لمواكبة تلك الضغوط التنافسية العاتية. هذا إلى جانب أهمية المعرفة كعامل حاسم في الإنتاج، وما لها من دور حاسم في تحديد حصة المؤسسة في السوق المعرفية بين المؤسسات التي يرتكز نشاطها على المعرفة. إن ضرورة المعرفة يحتمها أيضا دور معطيات التقنية التي باتت تهيء للناس أدوات فاعلة ورخيصة للعمل والتعلم مع بعضهم بعضاً، وخير القوى البشرية ما كان سباقاً فاعلاً فيها ومبدعاً حتى يشكل فارقاً تنافسياً لا يكتفي بمجاراة المنافسة وإنما التفوق على معاييرها ومستوياتها.

إن من الضروري والواجب على المؤسسات في أوطاننا، أن تعمل على إشاعة ثقافة المعرفة داخلها، ومن أبجديات هذه الثقافة أن يفرق الناس بين مستويات هذه المعرفة مثل البيانات Data والمعلومات Information والمعرفة Knowledge، حتى تنشأ في المنظمة معرفة يمكن اختبار Testing  وإثبات موثوقيتها Validating وترميزها Codification.

إن من شأن ثقافة المعرفة اكتساب المقدرة التي تحتاجها المنشأة لتحقيق قدرتها التنافسية وتوفير هذه المعرفة بالتقاطها من عقول أصحابها وتدوينها وأرشفتها ونقلها إلى حيث الحاجة إليها ودعم وتحفيز استخدامها من قبل القيادة المؤسسية. إن التقاط تلك المعرفة يستوجب النظرة إلى أصحابها كمخازن معرفية reservoirs of knowledge، كما يقول (Starbuck, 1992).

ثم إنه لا بد من الاستفادة من هذه المعارف كمناهج تدريب لا تكتفي بإيجاد خبرات تراكمية للمؤسسة وإنما تثري نفسها بالانفتاح المستمر على التجارب الإنسانية الرائدة في مختلف مناحي الحياة، ولا بد أن يتوفر لثقافة المعرفة هياكل تنظيمية تدعمها.

فالهيكل التنظيمي المترهل المثقل بخطوط السلطة لا يساعد على ذلك، فمثل هذا الهيكل لا يحقق سرعة الاتصال ولا التواصل، إنه يخفي بين طياته معارف مبعثرة تضيع في غياهب التعقيد الروتيني، ويزداد الوضع سوءاً في غياب القيادات الشورية التي تسعى إلى تمكين العاملين وإشراكهم في إدارة المنشأة، ومجيء الأزمات هنا وهناك ومحاولة المنظمة عبر تنظيمها المثقل، الإسراع بالحركة في عالم يسبقها في السرعة لأنه ينطلق من تنظيم مرن مختصر تم وضعه لاستيعاب معارف الناس وتشجيعها وبسطها وتحقيق انسيابها عبر خطوط تنظيمية قصيرة وشفافة.

إن اقتصاد المعرفة يتطلب منا نظرة جديدة إلى قدرات الإنسان وإدراك الفرق بين هذا القرن المعرفي وما سبقه، فهذا هو قرن القوى العاملة المعرفية Knowledge workers. وفي قرن كهذا لا بد من نشوء قيادات تحسن الاستفادة من معارف الناس حتى تتمتع المنشأة بذاكرة مؤسسية (Organizational memory)، كما يقرر Walsh& Ungson, 1991)، وتلك ذاكرة تستوعب معارف الأفراد وتجاربهم في حل المشاكل واتخاذ القرارات والتخطيط والتنفيذ،
كما أن ذاكرة المؤسسة هي مستودعها الثقافي الذي يميزها ويمنحها الهوية والوجهة في ترسمها الخطى نحو تحقيق القدرة التنافسية المنشودة.

ومما يزيد موضوع الذاكرة المؤسسية سطوعاً وأهمية، ليس فقط كونها مستودعاً مؤسسياً لمعارف وخبرات الأفراد وإنما لأنها دعامة من دعامات المنشأة دائمة التعلم The learning organization التي عكف على تطوير وإثراء مفهومها وتطبيقاتها (بيتر سينج،1990م) عبر مؤلفه الذائع الصيت The Fifth Discipline، وحيث إن هذا المفهوم المعرفي يتقاطع منهجياً ودراسياً ونظرياً مع موضوع المعرفة، فإنه يشكل هنا محوراً من محاور ورقتنا هذه نستعرضه أدناه.

المنشأة دائمة التعلم ([29])

يقرر سينج بأن المنظمات تتعلم كما يتعلم الإنسان. في البداية يفهم المرء ما حوله ومن ثم يصبح مركز الثقل للقدرة التنافسية “الجدارة” التي تعتمد عليها تحديات المنظمة. والمنظمات كما يقول سينج لم تعد تكتفي بالتعلم، وإنما تبحث عن
الطرق التي تجعلها تحقق التعلم الأسرع والأعمق والأكثر قيمة في أعمالها وتحويل ما تعلمته إلى خدمات ومنتجات تصل بها للسوق بشكل أفضل من منافسيها، إذ أن تحول المنظمات إلى منظمات دائمة التعلم، يمثل نقلة نوعية جوهرية في نشاطات المنظمات والأعمال، بعد أن أصبح التعلم مصدراً لا ينضب للميزة التنافسية المستدامة في عصر العولمة الرقمي واقتصادها الذي بات يرتكز على ما لدى المنظمة من مخزون معرفي.

وبقدر ما كان القرن الماضي هو قرن النظر إلى الإنسان كعامل من عوامل الإنتاج، فإن القرن الحالي هو قرن المنظمة التي تنظر إلى الإنسان كناتج ومنتج معرفي، بالإضافة إلى كون المؤسسة تتعلم من أفضل ممارسات الآخرين وتنقل المعرفة بسرعة وفاعلية في كل كيانها بشكل تشاركي.

لقد كانت المشكلة الأساسية التي تواجه عمل المنظمات خلال القرن الماضي، مشكلة المهارات التنفيذية بالدرجة الأولى، انطلاقاً من مبدأ التخصص وتقسيم العمل التقليدي، إلى مستوى الإدارات العليا والإدارات الوسطى، ثم المستوى التنفيذي العملي الذي يقع أسفل الهرم التنظيمي في إشارة صريحة إلى مساحته الكبيرة وحجمه النسبي الواسع مقابل المكونات التنظيمية الأخرى للعاملين، إضافة إلى اعتماده على الأداء النمطي الروتيني الذي لا يحتاج إلى معلومات ومعارف واسعة.

ومع تحول هذه المنظمات بشكل نوعي من الإنتاج السلعي إلى الإنتاج الخدمي المعرفي في نهاية القرن الماضي أو ما يسمى باقتصاد المعرفة بفعل المتغيرات الكبرى على وسائل وقوى الإنتاج، نظراً للتقدم الهائل بتقنيات الاتصال والكمبيوتر وشبكات المعلوماتية والتحكم من البعد وطرق المعلومات السريعة والموظفين الافتراضيين، برزت مشكلة كبرى، تكمن في الحاجة الماسة إلى صنف نوعي جديد من المنظمات يواكب ويتناغم مع المتغيرات التقنية والمعرفية الجديدة، هذه المنظمات هي المنظمات المتعلمة التي تضطلع بهذه المهمة الحيوية وتركز عليها. ([30])([31])

إن المنشأة دائمة التعلم كما يرى بيتر سينج وزملاؤه في معهد ماساسوشتس هي ذات خمس ركائز سماها سينج أنظمة Disciplines، يؤدي وجودها وتمازجها وعملها معاً إلى توفير ثقافة مؤسسية تحض على وتتسع للتعليم المستمر كضرورة تنافسية للمنشأة. إن هذه الأنظمة على حد تعبير سينج هي: التفكير الشامل Systems thinking والتجويد الذاتي Personal Mastery والتعلم عبر الفرق Team Learning والنماذج الذهنية Mental Modelsوالرؤية المشتركة Shared vision بالشكل الذي حاولنا رسمه وتوضيحه في ما يلي.

التفكير الشمولي، هو أهم ركائز المنشأة الدائمة، التعلم، وهو ما عناه سينج ب”الخامس” باعتباره يتخلل جميع الركائز الأخرى ويحقق الترابط بينها. لقد درج الناس كما يقول سينج في عالم يمور بالتعقيدات والتحديات على تبني صور ذهنية مجزاة يعوزها الكمال والتركيز والشمول، فينادي بتفكير يركز على رؤية الصورة الكاملة التي تغطي كل ركن من أركان المنشأة وعلاقة كل جزء بالكل حتى نستطيع استبصار أنماط التغيير الذي يتم بدلاً من تأمل مجرد لقطات عابرة منه. إن نشوء طريقة التفكير الشمولي، كما يؤكد توجه المنشطة دائمة التعلم يمكننا من رؤية عالم جديد ومغاير تترابط فيه العناصر داخل المنظمة ولا تبدو كجزر متناثرة لا يربط بينها رابط.

Systems Thinking التفكير الشمولي
Team Learning التعلم عبر الفرق
Mental Models النماذج الذهنية
Shared vision الرؤية المشتركة

ركائز المنشأة دائمة التعلم – سينج (1990)

أما التجويد الذاتي فيقضي بضرورة توجه المنشآت نحو أغلى الموارد التي تملكها وهي البشر، لأن ما عداهم من موارد هي أدوات. إن طريق المنشآت لتكون دائمة التعلم تأتي عبر أولئك المتعلمين على الدوام. إن ثقافة المنشأة الدائمة التعلم تركز على التجويد الشخصي، لأنه أساس الأمان الوظيفي. ويبدأ بأن يدرك الناس إدراكاً عميقاً بأهمية التطوير الذاتي والتنمية المستمرة.

وفي تراثنا الإسلامي يوصي رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، بتعلم العلم من المهد إلى اللحد، وأساس التجويد أن ننظر إلى حياتنا كمسيرة إبداعية وأن نعيشها بمنظور إبداعي لا يكتفي بالتفاعل، لأن أساس إبداعنا ينبع من إحساسنا بذواتنا ككائنات مبدعة. إن المبدع هو من يتمتع بالإحساس بأن له هدفاً بعيداً يكمن خلف الرؤيا والأهداف، والمبدع لديه قلق البحث والاستفسار والتساؤل والقدرة على رؤية الحقيقة بوضوح والإحساس العميق بها وبالآخرين.

التعلم عبر الفرق يجسد قدرتنا كفرق على تعليق افتراضاتنا المسبقة، مفكرين بشكل جماعي عبر الحوار المخلص المفيد، متحررين من نوازع الدفاع الذاتي، واضعين أفكارنا واضحة جلية نتناولها بنقد هادف وندفع بها في اتجاه موضوعي كتعلم يمتلكه الفريق بما يساعد المؤسسة على التكيف الاستراتيجي والتشغيلي ويحقق سرعة تجاوبها مع العوامل المحيطة بها. إن تعدد الرؤى هو نتائج تعلم الفرق وسلة ايداعها، الأمر الذي يفيد المنشأة ويهيئ لها من أمرها رشداً نحو تحقيق البقاء والنجاح والتنافسية. ([32])([33])

تتصل النماذج الذهنية بركيزة شمولية التفكير، فهي تتطلب منا إنشاء نماذج ذهنية قادرة على فهم القوة الدافعة لقيم ومبادئ المنشأة. إنشاء نماذج ذهنية يتطلب منا تفكيك وترشيد ترسانة فرضياتنا السابقة التي نحملها فلا ننظر إليها كثوابت وكأنها نحت في الصخر، وذلك لأننا نعيش في عالم متغير. إن تجاوبنا السليم مع البيئة المحيطة بنا يتطلب منا باستمرار فهم وفحص ونقد نماذجنا الذهنية وتعميماتنا السالفة وإعادة تقييمها لإنتاج نماذج سريعة التجاوب مع ما يحيط بنا من تحديات وعوائق.

المنظور المشترك أساسه التعبير عنه كتابة وإيجاد صورة له تكون في نظر كل فرد منظوراً شخصياً له يعمل على تحقيقه ويتبناه كهم شخصي. إن مقياس وجود هذا المنظور هو أن يهئ لنا طريقة نلاحظ من خلالها ما يحدث من تقدم كفارق فعلي بين الواقع والمنظور. ويتطلب تحقيق هذا المنظور استمرارية تناوله بالنقد وتحديثه و النظر إليه ككائن حي ليواكب المتغيرات. ولا بد أن يعكس المنظور المشترك رؤى جميع العاملين نحو توجه المنظمة وغاياتها المستقبلية. ([34])

القيادة والتنمية البشرية

التنمية التي نقصدها في هذا المقام، هي تنمية الإنسان وتفجير طاقاته المبدعة، وإتاحة الظروف النفسية والتنظيمية التي تحقق له عمق الارتباط من حيث الرؤية والقيم والأهداف مع منشأته، وتعميق النظرة إليه كمورد ومنتج وشريك في المنشأة. كما أن القيادة التي نقصدها هي القيادة الإبداعية التي تكفل تحقيق الأهداف الشخصية والتنظيمية للعاملين، قيادة قادرة على فهم محفزات الأفراد وقدراتهم وتصميم المنشأة بما يحقق تدفق وانسياب جهود العاملين بطريقة مخلصة وملتزمة.

ولسنا هنا بصدد تتبع أنواع القيادة ولا نظرياتها وإنما نكتفي بالإشارة إلى تطور مسيرة القيادة، فمن تمركزها حول نظرية الرجل القوي ذي السمات الجبارة The Great Man في التأثير على الآخرين وعلى صناعة وتنفيذ الأهداف التنظيمية، إلى تطورها الذي تمحور حول المهارات skills، والقائل بأن القائد الناجح ليس ذاك الذي يولد بجبروته وقوته وإنما بمهاراته المكتسبة، ثم مرحلة الأنماط القيادية Leadership Styles والتي تتطلب من القائد الناجح ممارسة النمط القيادي الملائم للحالة الملائمة، ثم الإدارة الموقفية Situational Leadership والتي تقول إن المواقف هي التي تحدد السلوك القيادي فاختلاف المواقف يتطلب تغيير أسلوب القيادي حتى يتلاءم مع متطلبات الموقف، ومن ثم تشعبت فصول وتجليات الإدارة الموقفية فصرنا نلحظ بروز الإدارة التحويلية Transformational Leadership، التي تسعى إلى النهوض بشعور التابعين، وذلك من خلال الاحتكام إلى أفكار وقيم أخلاقية مثل الحرية والعدالة والمساواة والسلام والإنسانية.

فسلوك القيادة التحويلية يبدأ من القيم والمعتقدات الشخصية للقائد، وليس على تبادل مصالح مع المرؤوسين. فالقائد التحويلي يتحرك في عمله من خلال نطم قيمية راسخة كالعدالة والاستقامة، ويسمى تلك القيم، القيم الداخلية، والقيم الداخلية قيم لا يمكن التفاوض حولها أو تبادلها بين الأفراد (محمد، 2009 م).

إن تطوير القيادات يرتبط ارتباطاً وثيقاً باستراتيجيات المؤسسة لإدارة المهارات، حيث إن تطوير القيادات هو تطوير مهارات القيادة كجزء لا يتجزأ من أي استراتيجية تنظيمية لإدارة المهارات، ولا بد لتحقيق ذلك من القدرة على رصد وتحديد وقياس وتنمية القدرات القيادية الكامنة في مواردنا البشرية والتوجه نحو إعدادهم وتهيئتهم لأداء أدوار قيادية ثم التدرج في تفويض السلطة لهم لإكسابهم المهارات المطلوبة (Vickas, 2011). وهنا تبدو حاجة المؤسسات إلى نظم علمية للتقييم والاختيار وقياس القدرات الكامنة.

القيادة التي نعنيها هي ذلك النمط القيادي التحويلي الذي يستهدف في المقام الأول تفجير طاقات العاملين كمدخل لنيل جهودهم المخلصة والمبدعة، وهذا النمط القيادي كما يقرر (Bass& Riggio, 2006)، يكتسب جاذبيته من تركيزه على التحفيز الداخلي للعاملين والسعي لتفجير طاقاتهم. وكما يقرر (Northouse, 2007)، فإن هذا النمط القيادي يناسب احتياجات العاملين اليوم والذين ينشدون التحفيز والتمكين للنجاح في أزمنة يكتنفها المجهول وضبابية الرؤية.

إن القيادة التحويلية محط اهتمامها هو الإنسان، فمنه تبدأ لإحداث نقلة تحويلية تستهدف نقلهم من موظفين Personnel إلى موارد resources وهذه نقلة لا بد منها لمواجهة ثمانية تحديات حددها أولرش، منها: التنافسية التي غدت ضرورة في عصر العولمة، ثم القدرة على إضافة قيمة للمنشأة من خلال أداء لا يكتفي بروتين العمل اليومي، وإنما يتجه إلى تحقيق التميز للمؤسسة عبر جودة الخدمة والربحية فتعلو قيمتها في نظر عملائها ومورديها وموظفيها ومستثمريها.

ومن التحديات تلك، إحداث التغيير المطلوب وتقبل التغيير الذي يأتي عبر عدة نظم عرفتها المنظمات، وهي، وإن اختلفت مسمياتها، تخاطب تحدياً تنافسياً واحداً هو التغيير، ومن تلك النظم: التحول، وإعادة هندسة المنظمة، وتغيير الثقافة التنظيمية، وإعادة الابتكار، والتكيف، والمرونة، والتعلم السريع، وإعادة هيكلة المؤسسة، مما يستلزم إعادة “تسليك” ذهنية المؤسسة كسبيل لهيكلة وقيادة المنظمات (Zohar& Koehler, 1997).

ويستطرد أولرش في التحديات التي تواجه المنظمات فيذكر تحدي التقنية لتأثيرها البالغ على طريقة أدائنا لأعمالنا وأماكن أدائها وتكلفتها وجودتها، فلا بد من كادر بشري عليم بأسرار التقنية وتحديد الملائم منها لأهداف المؤسسة.

ولا بد من مواجهة تحد آخر يتمثل في قدرة المؤسسة على جذب واستبقاء قدرات بشرية مقتدرة هي رأسمالها البشري، وأن تكون قادرة على قياس إسهامه علمياً.

إن هذه القاعدة البشرية الماهرة هي منبع قيادات المؤسسة مستقبلاً كقيادات قادرة على تحويل الفرص إلى رؤى وتحويل الرؤى إلى أفعال. ولا بد للمؤسسة من اتباع نمط قياسي لما سماه أولرش بالبنية المعمارية للمنشأة ومقارنة كل عنصر فيها بأفضل الممارسات التي تم تحقيقها، ونورد فيما يلي نموذجاً توضيحياً لهذه البنية:

القيادة التي نعنيها بقطع النظر عن التصنيف النظري لأنماط القيادات، هي القيادة التي تنطلق من وجدان العاملين، وهنا يقرر (Kouzes& Posner, 2003)في كتابهما الشهير Encouraging the heart فإن دعم العاملين وجدانياً يتم عبر مبادئ وقيم وممارسات تلبي حاجة أساسية للإنسان وهي التقدير والإشادة كطريق لنيل التزامهم بقيم المؤسسة وأهدافها. إن القائد هنا دائم البحث عن فرص جديدة لم تطرق من قبل واستخدامها كعنصر من عناصر التغيير المنشود،
حريص على إيجاد منظور مشترك يضم في رحابه رؤى جميع العاملين كرؤى مؤسسية مشتركة يلتف حولها الناس في المؤسسة.

إن القائد هنا دائم البحث عن ما يوفر الثقة، ففي إطارها تزهر الفرص الجديدة وتنمو بدماء متجددة يضخها القائد في وجدان الناس بشكرهم وتحفيزهم وتقديرهم والاحتفاء بمنجزاتهم وإشراكهم في التخطيط وحل المشكلات، ثم إن على القائد تعبيد الطريق للعاملين كقدوة للعاملين، وهو ما أسماه كوزز وبوسنر Modeling the way، بتحديد فلسفته في القيادة، مع وضع الأنظمة والإجراءات المعبرة عن تحديات المؤسسة وقيمها وثقافتها، والقائد هنا يشرك العاملين في تصميم نظم الحوافز ومنحها عبر نظم سليمة لإدارة وقياس الأداء.

التحدي المطروح السؤال الواجب الطرح ترتيبنا في الممارسة 1 من 10 ترتيب أفضل الممارسات
الذهنية المشتركة إلى أي حد تنعم مؤسستنا بذهنية مشتركة وثقافة تنظيمية تجمع بين أفرادها وتشكل مجمل نظرتها لنفسها وللعالم؟
القدرات والمهارات اللازمة إلى أي حد تتوفر لدينا القدرات المطلوبة من معارف ومهارات مصوبة نحو تحقيق أهدافنا المستقبلية؟
برامج التحفيز إلى أي حد تتوفر لدينا نظم لإدارة وقياس الأداء وتكريمه وتحفيزه وصولاً بنا إلى الأهداف المرجوة؟
طرق وأساليب الأداء/ القدرة على التغيير إلى أي حد تتمتع منشآتنا بالقدرة على تحسين نظم طرق وعمليات الأداء لأعمالنا لإحداث التغيير اللازم كمنشأة دائمة التعلم؟
الحوكمة إلى أي حد نتمتع بهيكل تنظيمي صحيح وأنظمة اتصال ونظم وإجراءات فاعلة وصولاً بنا إلى المستقبل المنشود؟
القيادة إلى أي حد لدينا قيادة كفيلة بإيصالنا إلى أهدافنا المستقبلية؟

المصدر: ديف أولرش- قياس البنية المعمارية للمنشأة – ملخص من (Ulrich, 2000 Human Resources Champions, ,p73).

النقص الحالي والمتوقع + الكفاءات الفنية المهارة عالمياً

المصدر: المنتدى الدولي لتطوير الموارد البشرية – المملكة المتحدة 2008م

إن الرسم التالي يوضح ما أشار إليه الباحثون في الندوة الدولية التي أقيمت في بريطانيا لعام 2008م لتطوير الموارد البشرية من تناقص واضح في الكفاءات والقدرات الفية والتقنية، لا سيما في مجالات الاتصالات مع نقص مماثل في القيادات التنفيذية، مرجعين ذلك إلى تنامي الطلب على هذه الفئات لأغراض التنمية الاقتصادية خلال العشرين عاماً السابقة مع تصاعد النمو في قطاعات التقنية والاتصالات، مع تناقص القدرات البشرية بسبب تقاعد الجيل المولود بين الأعوام 1944- 1946 م، وهو ما يعرف بجيل الطفرة الإنجابية Baby boomers وانحسار اختيار الطلاب للتخصصات التقنية.

ولنا أن نلاحظ، كيف أن بلداً مثل الولايات المتحدة يعاني نقصاً هائلاً في التخصصات الطبية والهندسية والفنية مع تدفق موجات مديري التوظيف الأميركيين لتعيين الأطباء والممرضات والمهندسين ومبرمجي الحاسب الآلي من بلدان مثل الهند والصين وكوريا واليابان وغيرها، بينما نجد أن تلك الدول المنافسة المصدرة للخبرات تركز بعكس الولايات المتحدة على تخطيط نظمها التعليمية للوفاء باحتياجات التنمية لديها متفوقة بذلك على الولايات المتحدة،(Babco,2004).

وتنطلق في الولايات المتحدة في الوقت الحاضر صيحات إشفاق تتحدث عن إصلاح التعليم الذي لم تعد مناهجه صالحة لمخاطبة الجيل الرقمي الحالي، حيث يقول أحد خبراء التقنية الرقمية (Prensky, 2001)، إن المناهج التي نستخدمها في نظمنا التعليمية الحاضرة معدة لجيل سابق ليس هو الجيل الرقمي الحالي، وإنه لا بد من صياغة مناهجنا بربطها بمنتجات العصر ووسائله التقنية، فلم تعد مناهجنا الحالية وأساليبنا في التدريس إلا حنيناً للماضي، كما يقول، وإن على مدرسينا إتقان لغة العصر الرقمية للتحدث مع سكان العصر الرقمي الأصليين بلغتهم.

وقد فرق برينسكي في هذا الخصوص بين سكان العصر الرقمي الأصليين والمهاجرين إليه Digital Natives Vs Digital immigrants وربما نجد دعما لما يقوله برينسكي من أن عوامل أخرى لا دخل للصرف المالي فيها هي التي تؤثر على أداء الطلاب في الغرب ومنافسيه، وربما كان للمناهج والتقنية ومهارة المعلم نقاط فارقة في هذا الخصوص.

نقول بذلك ونحن نستعرض إحصائية تقارن بين أداء الطلاب الأميركيين ومنافسيهم الآخرين. فحين نجد أن الصرف المادي أكبر على الطالب الأميركي وأيام الدراسة أقل من المنافسين، نلاحظ تفوق القوى المنافسة رغم طول المدة الدراسية وقلة المصروف على الطالب مقارنة بالولايات المتحدة.

مقارنة أداء الطالب الامريكي بمنافسيه في المواد العلمية

البلد الصرف السنوي بالدولار على الطلاب عدد أيام الدراسة معدل الطلاب في الرياضيات المعدل في العلوم
فرنسا 2502 غير متوفر 523 489
كندا 3516 188 519 532
المانيا 2510 غير متوفر 495 497
إيطاليا 2687 غير متوفر 476 476
اليابان 2991 042 غير متوفر غير متوفر
كوريا 222 غير متوفر
الولايات المتحدة 3901 178 461 480

المصدر: Goetch & Davis, 2003

تأصيل مناهجنا وممارساتنا

تأصيل طرق وأساليب ومناهج تنمية مواردنا البشرية ضرورة لا بد لها، بالإضافة إلى وجوب انفتاحها على مناهج الآخرين، من التوجه نحو إنشاء إطارات نظرية مصوبة نحو تنظيم مناهج المسلمين في مجالات كالإدارة والقيادة الوجدانية emotional intelligence، ومهارات القيادة وتنمية وتطوير القوى العاملة والقيادات في إطار ثقافة المنشآت التي تنطلق من القرآن والسنة وتلك ثقافة من ركائزها التوحيد ووحدة الهدف والإيمان باليوم الآخر والثواب والعقاب والتوكل والمسؤولية والمحاسبة والمشاركة وتحقيق العدل والمساواة وحفظ كرامة الإنسان واحترامه ومراعاة خصوصياته والثقة والحوار وترشيد الكلفة وإدارة الوقت والرفق بالإنسان والحيوان، وشغف القراءة والتعلم الدائم.

ويمكن هنا إحالة قرائنا إلى مؤلف الإدارة والإسلام لـ (د. ناصر جبنون، 2008م)، فهناك تجد كيف أن الإسلام غطى كل توجهات دراسة وتحليل القيادة عبر مختلف تخلقاتها وتجلياتها، بدءاً من الرجل القوي الأمين إلى رحاب القيادة الخادمة Servant leadership، والتنظيم وإدارة الأزمات والإدارة الموقفية والتحويلية وغيرها، مما يجب التوفر عليه بجهد منهجي
منظم يجب وضعه بأيدي الدارسين والمدرسين لتأصيل منظومة حضارية مقصدها تنمية وتطوير الموارد البشرية وصقلها وجدانياً لمواجهة التغيير الذي تتطلبه تحديات العصر.

ولئن ركزنا هنا على تنمية الموارد البشرية، فذاك لأن السبل نحو التنمية البشرية متعددة. فقد يعيش البشر في رفاء، بينما تنقصهم مقومات الحرية والديمقراطية كمقاييس من مقاييس التنمية البشرية. وتركيزنا على إطار الموارد البشرية لأن التنمية البشرية بمفهومها الذي يشمل الصحة والتعليم والدخل، تشمل أيضاً مشاركة البشر في رسم ملامح التنمية والإنصاف والاستدامة ومقومات الحرية التي يسعى إليها الناس كطعم للحياة التي ينشدونها. إن الخير لا يأتي كله دفعة واحدة، كما يقول تقرير التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة لعام 2010م، لذلك اقتصرت ورقتنا هذه على الموارد البشرية كصانعة للتنمية البشرية عبر المؤسسات وهياكلها ونظمها التقنية والمعرفية ومبادراتها المواتية للتنافسية التي بها يسعد الناس.

كان الهدف هو شد زناد انتباه واضعي استراتيجيات تطوير المهارات، إلى أن هذه الاستراتيجيات محورها الإنسان تنظيماً وقيادة وإدارة عبر هياكل إدارية مرنة من شأنها الاستجابة السريعة للمتغيرات، وهياكل تنظيمية مرنة أساسها ثقافة نقل المعرفة والتقنية والمزاوجة بينها وبين مهارات الكادر البشري، عبر منظومة اختيار وتدريب وتأهيل علمية تنهض بهمة المؤسسة ككل وتسهل تحولها الثقافي إلى منشأة دائمة التعلم. وهذا التحول تتطلبه اقتصاديات المعرفة في عصرنا الحالي وتحديات العولمة مع ندرة على نطاق العالم في المهارات وتغير أنماط علاقات العمل التعاقدية وتأثير التكنولوجيا على هذه العلاقة. كما أنه لا بد لنظم التعليم من أن تواكب هذا المنظور الذي دعونا إليه وتغيير أنماط ووسائل تلقي المعرفة، مراعاة للعصر التقني الذي يناسب طلاب اليوم ويحفزهم على التلقي والإبداع والابتكار.

وفي عصر العولمة الذي يذهب فيه الزيد جفاء ويبقى ما ينفع الناس، وفقاً لمبدأ البقاء للأصلح، فإن الانفتاح على معارف الآخرين في إطار تأصيلي يهدف إلى بعث الأمة حضارياً وثقافياً، فيه جهد مأمول لإعادة تراث لا يجب أن يطمره أو يغمره طوفان العولمة لأنه سبق حضاري ينبغي أن يؤهل الأمة المسلمة، كي تكون في موضع المساهم في رفاء الإنسانية وتقدمها موظفة ما لديها من علوم ومعارف.


[1] عبد الرحمن عبد الله، السودان: الوحدة أم التمزق، رياض الريس للكتب والنشر، بيروت لبنان، 2002م.

[2] طه جابر العلواني، الأزمة الفكرية المعاصرة: تشخيص ومقترحات حلول، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1992م.

[3] خليل إبراهيم الشقاقي، الردع النووي في الشرق الأوسط، على الرابط: http://www./islamway.net

[4] سليمان الخراشي، نقل التقنية المتطورة إلى الدول الإسلامية عوائق وحلول، على الرابط: http://www./islamway.net

[5] أحمد صالح التويجري، أسباب فشل التقنية العربية، على الرابط http://www.aklaamuna.com/vb/showthread.php?t=1599

[6] إبراهيم أحمد إبراهيم، كيفية الإفادة من الاتفاقيات الدولية في مجال نقل العلم والتكنولوجيا في الدول العربية، على الرابط: http://www.arablegalnet.org

[7] عبد الرحيم عبد الحليم محمد، تحفيز العاملين نحو توجه إسلامي لإدارة الموارد البشرية، مجلة (التنوير)- العدد الثامن، 2009.

[8] عبد الله بن سليمان الغفاري، نظرات في مسألة التقدم العلمي التقني، مجلة (العلوم والتقنية)- العدد 41،  2006.

[9] عبد الله بن أحمد الرشيد، الأثر المتبادل بين نقل وتوطين التقنية ومستقبل التربية والتعليم في المملكة العربية السعودية، ورقة عمل مقدمة إلى اللقاء السنوي السادس لمديري التعليم بأبها- المملكة العربية السعودية، (المعرفة)- العدد (35). 1998 م.

[10] Babco, Eleanor. “Skills for the Innovation Economy”. http://www.cpst. org/Skills.pdf. Commission for Innovation and Technology, 2004. Web. 26 Apr- 2011.

[11]Bass, Bernard M., and Ronald E. Riggio. Transformational Leadership. Mahwah, NJ: L. Erlbaum Associates, 2006.

[12] Berne Convention for the Protection of Literary and Artistic Works. 28 Sept. 1979. World Intellectual Property Organization. Switzerland, Geneva.

[13] Drucker, Peter. Harvard Business Review. 2003. Web. <http://hbr.org/ authors/drucker>.

[14] Dychtwald, Ken, Tamara J. Erickson, and Robert M orison. Workforce Crisis: How to Beat the Coming Shortage of Skills and Talent. Boston, MA: Harvard Business School, 2006.

[15] Goetsch, David L., and Stanley Davis. Quality Management: Introduction to Total Quality Management for Production, Processing, and Services. Upper Saddle River, NJ: Prentice Hall,2003.

[16] Imai, Masaaki. Gai Shan: Riben Qi Ye Cheng Gong De Ao Mi. Beijing Shi: Ji Xie Gong Ye Chu Ban She, 2010.

[17] Jabnoun, Naceur. Islam and Management. Riyadh, Saudi Arabia: International Islamic House, 2005.

[18] Johnston, William. “Global Work Force 2000: The New World Labor Market – Harvard Business Review.’ Harvard Business Review Case Studies, Articles, Books Web. 26 Apr. 2011. <http://hbr. org/1991/03/ global-work- force-2000/ar/l>.

[19] Kouzes, James M., and Barry Z. Posner. Encouraging the Heart: a Leader’s Guide to Rewarding and Recognizing Others. San Francisco, CA: Jossey-Bass, 2003.

[20] Northouse, Peter G. Leadership: Theory and Practice. Thousand Oaks, CA [etc.: Sage, 2007.

[21] Prensky. “Digital Natives ,Digital Immigrants.” Prensky. 2001. Web. 26 Apr. 2011. <http://www. marcprensky.com/ writing/prensky%20

[22] Prusak, Laurence. Knowledge in Organizations. Boston: Butter wort h- Heineinann, 1997.

[23] Rome Convention 1961. 1997. World Intellectual Property Organization. Geneve.

[24] Senge. Peter M.The Fifth Discipline: the Art and Practice of the Learning Organization. New York: Doubleday/ Currency. 2006.

[25] Spherion. «Spherion Emerging Workforce Study». Spherion Staffing Services I Temporary Staffing I Job Search. Web. 26 Apr. 2011. <http://www. spherion ,com/EW_ Study/overview. html>.

[26] Starbuck, William H. “Learning by Knowledge Incentive Firms.” Ed. Laurence Prusak. Knowledge in Organizations. Boston: Butterworth- Heinemann, 1997.

[27]Technology Transfer.” Responsible Partnering.org- Home. 2007. Web. 26 Apr. 2011. http://www.responsible-partnering.org/>.

[28]Ulrich,Dave. Human Resource Champions: the next Agenda for Adding Value and Delivering Results. Boston, MA: Harvard Business School Pr., 2008.

[29]Vikas. Vij. “Role of Leadershi| Development and Talent Managemem in Organizational Growth”. Find Health. Education, Science & Technology Articles, Reviews, How-To and Tech Tips At Bright Hub – Apply To Be A Writer Today! Web. 24 Apr. 2011. http:// www.brighthub. com/office/ human-rcsources/ articles/101592. aspx>.

[30]Walsh. James, and Rivera Ungson “Organizational Memory . ‘ Ed. Laurence Prusak. Knowledge in Organizations. Boston: Butterworth- Heincmann, 1997.

[31] WIPO Copyright Treaty 1996. 1997. World Intellectual Property Organization. Geneva

[32] Wipe Performances and Phonograms Treaty 1996v. 1997. World Intellectual Property Organization. Geneva.

[33]Zohar, Danah. Rewiring the Corporate Brain: Using the New Science to Rethink How We Structure and Lead Organizations. San Francisco: Berrett-Koehler, 1997.

[34] Zohar, Danah. Rewiring the Corporate Brain: Using the New Science to Rethink How We Structure and Lead Organizations. San Franscisco: Berrett-Koehler, 1997.

https://powderencouraged.com/zht6b3bs66?key=8523542c4aaf6f083ce56f74bd271319
https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من فضاء المعرفة القانونية -espace connaissance juridique

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة