ملامح و مميزات قانون إدارة الموارد البشرية
د. عبد القادر حمرات
يندرج صدور قانون إدارة الموارد البشرية في إطار استراتيجية التنمية الشاملة للدولة في مختلف النواحي الاقتصادية والاجتماعية والبشرية والثقافية، وذلك تحت الإطار التنظيمي لهذه الاستراتيجية الشاملة للدولة، ألا وهو رؤية قطر الوطنية 2030 الصادرة بالقرار الأميري رقم (44) لسنة 2008.
وقد أكدت هذه الرؤية على التنمية البشرية كركيزة أساسية لتطوير وتنمية سكان دولة قطر لكي يتمكنوا من بناء مجتمع مزدهر، وجعله مجتمعا متقدما تماشيا مع أفضل المعايير والمقاييس العلمية المعاصرة والممارسات العالمية المطبقة في إدارة الموارد البشرية. ولذلك جاء قانون إدارة الموارد البشرية الجديد في تسميته ومضمونه لتحقيق أهداف هذه الرؤية، وهو بذلك يستهدف إحداث نقلة نوعية في مفهوم إدارة الموارد البشرية بالدولة.
وبالدراسة لمحتوى أحكام هذا القانون، نستخلص الملامح والمميزات التي يتصف بها، نورد البعض منها في النقاط التالية.
أولا : دور قانون إدارة الموارد البشرية كآلية لتحقيق رؤية قطر الوطنية 2030
تعتبر تنمية الموارد البشرية من الركائز الأساسية التي تعتمد عليها رؤية قطر الوطنية 2030 في التنمية الشاملة للمجتمع. فقد نصت على أن رؤية قطر الوطنية تهدف إلى تحويل قطر بحلول العام 2030 إلى دولة متقدمة قادرة على تحقيق التنمية المستدامة وعلى تأمين استمرار العيش الكريم لشعبها جيلا بعد جيل ([1]).
ومن الغايات المستهدفة لهذه الرؤية هو توفير قوة عمل كفؤة وملتزمة بأخلاقيات العمل، ومشاركة متزايدة ومتنوعة للقطريين في قوة العمل من خلال:
- استثمارات واسعة لمؤسسات القطاعين العام والخاص في برامج التأهيل والتدريب.
- تقديم الحوافز للقطريين لتشجيعهم على شغل المهن الفنية والإدارية العليا في قطاعات الأعمال والصحة والتعليم.
- إيجاد فرص تدريبية عالية الجودة لجميع المواطنين كل حسب طموحاته وقدراته.
- زيادة فرص العمل أمام المرأة القطرية ودعمها مهنيا.
لذلك نصت المادة (2) من القانون رقم (8) لسنة 2009 بإصدار قانون إدارة الموارد البشرية على أن أحكام هذا القانون تسري على الموظفين المدنيين بالوزارات والأجهزة الحكومية الأخرى والهيئات والمؤسسات العامة، إلا الفئات الوظيفية التي استثناها القانون من الخضوع لأحكامه بحيث توضع لهم أنظمة قانونية خاصة بهم.
وبصدور هذا القانون، تم وضع الإطار التنظيمي العام والموحد لكل من يتولى وظيفة عامة بالدولة. يمكن ذلك من تجسيد المبادئ الدستورية من عدالة ومساواة بين كل من يشغل وظيفة عامة. كما يمكن من تحقيق أهداف الرؤية وتحقيق الاستقرار والأمن الوظيفي، إلى جانب توفير نفس متطلبات بيئات العمل ونفس الحوافز لتحقيق الأهداف المخطط لها على مستوى الجهة الحكومية وعلى مستوى الدولة.
ثانيا : توحيد التنظيم القانوني للوظائف العامة بالدولة
من الدوافع التي أدت إلى إصدار هذا القانون هو التفاوت الذي كان موجودا بين موظفي الإدارات المركزية (الوزارات) والهيئات العامة والمؤسسات العامة من حيث الرواتب والعلاوات والمزايا الوظيفية الأخرى، والتي كانت في بعض الأحيان غير معتمدة من قبل السلطات المختصة. كما جاء هذا القانون لمواصلة مسيرة الدولة نحو تحقيق الإصلاحات الإدارية بالجهات الحكومية وترشيد الإنفاق الحكومي، وتحقيق التنسيق والتكامل بين جميع الجهات الحكومية فيما يخص إدارة مواردها البشرية.
فقد جاء القانون الجديد موحدا للمسار الوظيفي للموظف أيا كانت الجهة الحكومية التي يعمل بها، بداية من الإعلان عن الوظائف وشروط التعيين فيها إلى غاية نهاية الخدمة. ووضع القانون الحل الجذري للتفاوت الذي كان موجودا بين الجهات الحكومية، بحيث حدد رواتب الموظفين في جدولين حسب تصنيف الجهة الحكومية، جهات حكومية إشرافيه وجهات حكومية تشغيلية.
كما وحد القانون الجديد المجموعات الوظيفية في مختلف الجهات الحكومية، فقسمها إلى مجموعات وظيفية عامة، وقسمت كل مجموعة عامة إلى وظائف نوعية.
ويساهم ذلك في ضبط وتنظيم عملية التعيين والترقية في الوظائف العامة. ووفقا لأحكام المادة (4) من القانون أصدر سعادة وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء دليل وصف وتصنيف وترتيب الوظائف العامة بموجب القرار رقم (17) لسنة 2010. وقد اعتمد إصدار هذا الدليل على تقييم الوظائف القيادية والإدارية والتخصصية والفنية والمكتبية والحرفية، معتمدا على طريقة علمية قائمة أولا على تحديد المسار الوظيفي الذي يتم رسمه بما جاء على المهام الرئيسية ودرجة المسؤولية التي تتطلبها كل وظيفة نوعية، إلى جانب مدى تأثيرها إيجابا أو سلبا على تحقيق أهداف الجهة الحكومية. فإذا كان تركيز الوظيفة يقوم مثلا على إدارة الشؤون المالية، سوف تصنف ضمن المسار الوظيفي المالي. وإذا كان تركيز الوظيفة يقوم على إدارة الشؤون القانونية، سوف تصنف ضمن المسار الوظيفي القانوني. هذا إلى جانب أن التقسيم كان قائما على أساس تحقيق التوازن بين احتياجات سوق العمل ومخرجات التعليم.
ويحتوي كل مسار وظيفي على عدة فئات وظيفية يتم تحديدها طبقا لمعايير مختلفة، أهمها طبيعة الوظيفة، الحد الأدنى من المؤهل العلمي المطلوب لأداء تلك الوظيفة، والخبرة المطلوبة، إلى جانب شروط تولي الوظيفة وشروط الترقية إليها. وقد قسم الدليل الوظائف العامة بالدولة إلى أربع مجموعات عامة، المجموعة العامة للوظائف القيادية (الكود 1) والمجموعة العامة للوظائف التخصصية (كود 2)، والمجموعة العامة للوظائف الفنية والمكتبية (الكود 3)، والمجموعة العامة للوظائف الحرفية والعمالية (الكود 4).
كما تم تقسيم كل مجموعة عامة إلى مجموعات نوعية تتجانس في مستويات التأهيل العلمي اللازمة لشغلها حسب التخصصات، بحيث تتضمن كل مجموعة نوعية كافة الوظائف المتماثلة في نوع العمل وإن اختلفت في مستوى صعوبتها ومسؤولياتها.
فقد قسمت المجموعة العامة للوظائف القيادية إلى مجموعتين نوعيتين وهما المجموعة النوعية لوظائف الإدارة العليا والمجموعة النوعية للوظائف الإشرافية. وقسمت المجموعة العامة للوظائف التخصصية إلى 28 مجموعة نوعية (وظائف الهندسة، الوظائف القانونية، وظائف الشؤون المالية، حاسب آلي، الخدمات الإدارية، طبية …. إلخ). كما قسمت المجموعة العامة للوظائف الفنية والمكتبية إلى سبع مجموعات نوعية (الوظائف الهندسية المساعدة، وظائف التقنيات المساعدة، وظائف الخدمات العامة …….إلخ). وقسمت المجموعة العامة للوظائف الحرفية والعمالية إلى خمس مجموعات نوعية (وظائف الورش والصيانة، وظائف تشغيل وقيادة المعدات، وظائف الخدمات المعاونة …إلخ)
ولتوضح ذلك التقسيم حدد الدليل مهام كل وظيفة نوعية وشروط شغلها والمدة البينية للبقاء في الوظيفة، إلى غير ذلك من الأحكام الواردة بهذا الدليل ([2]).
ومن مميزات التنظيم القانوني الجديد إرساء قواعد العدالة والمساواة بين الموظفين في التعيين والترقية في وظائف الدرجة الأولى فما دونها، إذ حدد ضوابط وإجراءات التعيين أو الترقية لتصبح موحدة بين جميع الجهات الحكومية. وفي هذا الاتجاه وضع القانون ضوابط وإجراءات صريحة وواضحة، بحيث أصبح من حق كل موظف تتوفر فيه شروط الترقية العادية الواردة في المادتين (76) و(77)، ومنها إكمال المدة البينية في الوظيفة الحالية وحصوله على تقييم أداء عن السنتين الأخيرتين بدرجة جيد جدا على الأقل، أن يترشح للترقية. ومن اجل ضمان تحقيق العدالة والمساواة بين الموظفين في الترقية، أعطى القانون سلطة الرقابة اللاحقة للإدارة العامة لإدارة الموارد البشرية الحكومية بالأمانة العامة لمجلس الوزراء للتأكد من مدى التزام الجهات الحكومية بالضوابط والإجراءات القانونية الواجبة الإتباع عند الترقية. إذ الزم القانون الجهة الحكومية موافاة الإدارة العامة لإدارة الموارد البشرية الحكومية بقرار الترقية خلال أسبوع من تاريخ صدوره للتأكد من مدى احترامه للقانون من عدمه. وفي حالة مخالفته للقانون، يعتبر القرار وكأنه لم يكن وفقا لأحكام المادة (76).
ومن بين الصفات المميزة للقانون الجديد التنظيم القانوني لحالة الوظائف الإشرافية، الذي وضع حدا للاختلالات التي كانت موجودة بين الجهات الحكومية في تولي هذه الوظائف، لذلك فرق القانون بين ضوابط تولي الوظائف الإشرافية والدرجات الوظيفية، بحيث لم يعد الأمر مرتبطا بالدرجة المالية للموظف لتولي الوظائف الإشرافية بل أصبح الضابط هو الجدارة، ولم يعط لهذه الوظائف درجات مالية، ولا يعين الموظف على الوظيفة الإشرافية. بل يعين في إحدى الوظائف المدرجة في الهيكل الوظيفي ولها درجتها المالية، ليتقاضى راتبه ومستحقاته الأخرى وفقا لهذه الدرجة المالية. وقد يكلف هذا الموظف بتولي إحدى الوظائف الإشرافية إذا كان ممن يشغلون الفئات الوظيفية في تولي مدير إدارة فأعلى (شاغلي الدرجات المالية من الأولى إلى الرابعة) أو مساعد مدير إدارة (شاغلي الدرجات المالية من الأولى إلى الخامسة) أو رئيس قسم (شاغلي الدرجات المالية من الأولى إلى السادسة)، وفقا لأحكام دليل وصف وتصنيف وترتيب الوظائف.
هذا وحدد القانون بدل إشراف لمن يتولى الوظيفة الإشرافية ولم يخصص لها راتب، وفقا للمادة (30) من قانون إدارة الموارد البشرية التي تنص على أن الموظف الذي يتولى وظيفة إشرافية يستحق بدل شهري وفقا لفئة الوظيفة الإشرافية الذي يتولاها. فإذا تولى وظيفة مدير إدارة فأعلى، استحق بدل إشراف شهري بمبلغ 3000 ريال، وإذا تولى وظيفة مساعد مدير إدارة، استحق بدل شهري بمبلغ 2500 ريال، وإذا تولى وظيفة رئيس قسم، استحق بدل شهري بمبلغ 2000 ريال.
ثالثا: دور الجهات الحكومية في تنمية مواردها البشرية
جاء قانون رقم (8) لسنة 2009 الصادر بتاريخ 2-4-2009 بإصدار قانون إدارة الموارد البشرية بنظرة جديدة ودور جديد للجهات الحكومية من حيث تعزيز دورها في إدارة مواردها البشرية وجعلها شريكا استراتيجيا في تخطيط وتنظيم مسار موظفيها. لذلك نصت المادة (2) من القانون على تحمل الجهة الحكومية مسؤولية الاستثمار الأمثل لمواردها البشرية، ويهدف هذا الاستثمار إلى تحقيق أهدافها وتطوير القدرات الفردية لموظفيها. كما يقع على عاتق الجهة الحكومية توفير بيئة عمل آمنة وعادية ومحفزة على العطاء المتميز والإبداع والتعاون.
وألقى القانون، من جهة أخرى، على عاتق الجهات الحكومية مسؤولية الفهم الدقيق للتوجهات الجديدة لسياسات واستراتيجيات إدارة الموارد البشرية بالدولة، وضمان تطبيقها على جميع الموظفين بعدالة وموضوعية ونزاهة دون تمييز بينهم، كل ذلك بهدف خلق ثقافة يحكمها الأداء المتميز. ولها أن تستعين في تطبيق ذلك بالإدارة العامة لإدارة الموارد البشرية الحكومية بالأمانة العامة لمجلس الوزراء عند أي التباس في كيفية تطبيق أحكام هذا القانون.
ومن الملامح المميزة لهذا القانون، التأكيد على كل جهة حكومية بضرورة إشراك موظفيها في تطوير أنماط العمل بها. ويترجم ذلك على إدارة المشرع في استخدام الأساليب المعاصرة في الإدارة ومنها منح الفرصة للموظف في الإبداء برأيه في تسيير مؤسسته.
كما أكد القانون على التوجه الجديد لإدارة السلطات العليا بالدولة على ترشيد الإنفاق العام ومنها ترشيد إدارة الموارد البشرية، بحيث نصت المادة (3) منه على مسؤولية الجهة الحكومية في إعداد هيكلها الوظيفي بما يتناسب واختصاصاتها واحتياجاتها الفعلية وفقا لهيكلها التنظيمي المعتمد.
هذا إلى جانب السلطات الواسعة التي منحها القانون إلى الأجهزة الداخلية للجهات الحكومية في إدارة مواردها البشرية، وبالأخص سلطات رئيس الجهة الحكومية والوحدة التنظيمية المختصة بإدارة مواردها البشرية في عملية تسيير موظفيها من تخطيط وتنظيم وصلاحيات التعيين ومنح العلاوات والإجازات، كما سنوضحه لاحقا.
ومن بين المميزات الخاصة لهذا القانون هو تأكيد الاهتمام الكبير على تدريب وتأهيل الموظفين وتطوير قدراتهم. إذ الزم القانون بمقتضى أحكام المادة (53) كل الجهات الحكومية على تطوير مواردها البشرية عن طريق تزويد موظفيها بفرص ملائمة للتدريب والتأهيل بهدف تنمية وتعزيز قدراتهم وإكسابهم مهارات جديدة تحسن من أدائهم لوظائفهم التي يشغلونها، وتؤهلهم لتولي مسؤوليات أخرى، على أن يربط التدريب والتأهيل بين تحقيق أهداف الجهة الحكومية والأهداف الاستراتيجية للدولة (المادة 54). وبالتالي أصبحت وظيفة التدريب والتأهيل تندرج ضمن فلسفة هادفة إلى إعداد كوادر وطنية قادرة على تحمل أعباء التنمية الشاملة للدولة.
رابعا: توسيع صلاحيات رئيس الجهة الحكومية
منح قانون إدارة الموارد البشرية صلاحيات واسعة لرئيس الجهة الحكومية في مجال إدارة الموارد البشرية مقارنة مع الأحكام القانونية التي كان ينظمها قانون الخدمة المدنية السابق. فقد منحه القانون الجديد سلطة التعيين في الدرجات من الأولى إلى الثالثة عشر. كما منحه سلطة الترقية العادية والترقية الاستثنائية، ومنح المكافآت التشجيعية والعينية للموظفين المتميزين ضمن الموازنة المعتمدة للجهة الحكومية. وبالرجوع إلى أحكام المواد (13)، (76)، (78)، (79)، (81) و(84)، فإن الصلاحيات المتعلقة بالتعيين الترقية، الندب، النقل والإعارة صارت من اختصاص رئيس الجهة الحكومية. وهي أول مرة يعطي القانون مثل هذه الصلاحية لهذه الجهات. ويؤكد هذا التحول النوعي في الاختصاص على ترسيخ مبدأ لا مركزية التسيير للموارد البشرية الحكومية وتحميل الهيئة الأعلى بالجهة الحكومية مسؤولية تقدير متى وكيف تولي الوظائف العامة بها. وتبقى رقابة الإدارة العامة لإدارة الموارد البشرية الحكومية بالأمانة العامة لمجلس الوزراء مقتصرة على الرقابة اللاحقة على مدى مشروعية القرارات المتخذة دون أن تتدخل في ملائمة وفعالية هذه القرارات للجهة الحكومية.
كما أعطى القانون للجهات الحكومية صلاحية وضع أنظمة مناسبة للوظائف ذات الطبيعة الخاصة. ومنح للرئيس بالتوظيف بعقود مؤقتة لمواجهة احتياجات الجهة الحكومية لمثل هذه الوظائف، ولمنح فرصة للمواطنين غير الراغبين في العمل على مدار الدوام الكامل ([3]).
خامسا: الدول الجديد للإدارات المختصة بإدارة الموالد البشرية بالجهات الحكومية
أحدث قانون إدارة الموارد البشرية نقلة نوعية في مفهوم إدارة الموارد البشرية بالجهات الحكومية من حيث تعزيز أدوار الإدارات المختصة بإدارة الموارد البشرية بالجهات الحكومية وجعلها شريكا استراتيجيا للقيادات العليا بتلك الجهات بشأن المسائل ذات العلاقة بتسيير مواردها البشرية وتنظيم المسار الوظيفي لموظفيها. مما جعل جهود موظفي تلك الإدارات تتركز على تطوير أداء موظفي الجهة الحكومية وتدريبهم وتحسين أدائهم، والإشراف على تقييم أداء كل منهم. هذا إلى جانب ضمان حصول الموظفين على حقوقهم وتوعيتهم بالإجراءات الواجبة الإتباع للحصول على حقوقهم.
وفي هذا الاتجاه نصت المواد من (2) إلى (8) من قانون إدارة الموارد البشرية على الدور الهام جدا للإدارات المختصة بإدارة الموارد البشرية بالجهات الحكومية على صعيد تخطيط وتنظيم وتسيير ومتابعة المسار الوظيفي للموظفين بالجهة الحكومية. فقد أصبحت هذه الإدارات هي المسؤولة على وضع السياسات والخطط والهياكل الوظيفية ودليل وصف وتصنيف وترتيب الوظائف ومتابعة تنفيذها بعد اعتمادها من الجهات المختصة. وتقوم هذه الإدارات بإنجاز المهام الموكلة إليها مستعينة بالإدارة العامة لإدارة الموارد البشرية الحكومية بالأمانة العامة لمجلس الوزراء، التي تقوم بدور المرشد والموجه والمساعد في التطبيق الصحيح لأحكام القانون. هذا إلى جانب أن هذه الإدارة بالأمانة العامة لمجلس الوزراء تقوم بوضع الأدلة والأسس والمعايير المناسبة لإدارة الموارد البشرية مع ضمان مرونة كافية لمختلف الجهات الحكومية لتطوير هذه الأدلة والأسس والمعايير المشتركة بما يتلاءم مع استراتيجيتها وأهدافها وطبيعة عملها.
سادسا: التنظيم القانوني الجديد للرواتب والعلاوات والبدلات
إن اكتساب صفة الموظف تجعل الموظف العام في وضعية قانونية متميزة باعتباره يؤدى وظيفة عامة تابعة للدولة يقدم من خلالها الخدمات العامة للمواطنين، وبالتالي فإن الموظف، في أدائه لمهامه وفي علاقته مع الجمهور، فإنه يمثل الدولة في أدائه لواجباته اليومية. وفي ضوء الآثار المترتبة على الرابطة القانونية التنظيمية التي تحكم العلاقة بين الجهة الحكومية والموظف العام، فإن حقوق وواجبات كل طرف محددة سلفا بالقانون لا يستطيع أي طرف تعديلها أو تغييرها حتى ولو تم الإتفاق فيما بينهما. وعليه، فإن الرواتب والعلاوات والبدلات تعتبر من الحقوق الأساسية للموظف المقررة بنص القانون ([4])، ولا سبيل للإدارة سوى منحها إذا توافرت شروط استحقاقها دون أن يكون لها سلطة تقديرية في ذلك. ما يعني أن اختصاص الإدارة هنا هو اختصاص مقيد على اعتبار أن مصدر هذا الحق هو القانون مباشرة.
وقد حدد قانون إدارة الموارد البشرية العديد من الحقوق المالية والإدارية التي يحتاجها الموظف في أداء مهامه، من توفير بيئة عمل آمنة، الحماية الوظيفية، السلامة والأمن المهني، والرواتب والعلاوات والإجازات، إلى الجانب السلوك الوظيفي الواجب الإتباع أثناء أداء الوظيفة.
أما فيما يخص التنظيم القانوني الجديد الذي أصبح يحكم الرواتب والعلاوات والبدلات، فإن القانون الجديد منح للموظف العديد من المزايا، من زيادة في الرواتب عما كان عليه سابقا، والزيادة في مبالغ العلاوات التي كانت موجودة، بالإضافة إلى منح علاوات وبدلات جديدة، كل ذلك من أجل توفير بيئة عمل مطمئنة ومستقرة للموظف، بحيث يكون فكره وجهده مخصصا بشكل كلي لأداء مهامه الوظيفية بجدارة واقتدار.
ومن بين السمات البارزة في هذا القانون هو توحيد جداول الرواتب بين الجهات الحكومية على حسب تصنيف مجلس الوزراء للجهات الحكومية وفقا لطبيعة نشاط كل جهة والمهام الموكلة إليها. لذلك تم تصنيف الجهات الحكومية إلى فئتين، الجهات الحكومية الإشرافية التي تختص بإعداد السياسات العامة والإشراف على تنفيذها، والجهات الحكومية التشغيلية التي تختص بتنفيذ السياسات أو إدارة المرافق وتقديم الخدمات العامة. يساهم هذا التوحيد في الرواتب في ضمان الاستقرار الوظيفي وتفادى الهجرة من جهات حكومية إلى أخرى، بحيث أن الموظف سيجد نفس الراتب ونفس العلاوات والبدلات في أي صنف من الجهات الحكومية ([5]).
وقد ربط القانون منح بعض العلاوات بتقييم أداء الموظف تشجيعا له لرفع مستوى أدائه، وتنمية روح العمل بين الموظفين كفريق عمل واحد بحيث يؤثر أدائهم سلبا أو إيجابا على أداء الوحدة التنظيمية التي ينتمون إليها. لذلك ربط القانون في منح المكافأة السنوية بين تقييم أداء الموظفين وتقييم أداء الوحدة التنظيمية ([6]).
بالإضافة إلى ذلك استحدث القانون المكافأة التشجيعية من أجل تشجيع روح الابتكار والتطوير لدى الموظفين، من خلال تمكين رئيس الجهة الحكومية من منح هذه المكافأة للموظف الذي يقدم خدمات متميزة أو أعمالا أو بحوثا أو اقتراحات تساعد على تحسين طرق العمل أو رفع كفاءة أداء أو توفير في النفقات. ([7])
أما العلاوة الدورية، فقد تغير تنظيمها القانوني إذ لم تعد تمنح بمبالغ ثابتة دون تمييز بين أداء الموظفين كما كان عليه الوضع سابقا في ظل قانون الخدمة المدنية. وهذا ما كان يعاب على القانون السابق لأن ثبات مبلغ هذه العلاوة كان لا يشجع الموظفين على الابتكار والتطوير باعتبار أنه لا يميز بين الموظف الذي يجتهد ويبتكر والموظف الضعيف الذي لا ينتج. لذلك جاء القانون الجديد بهذه النقلة النوعية الجديدة التي تدفع الموظفين إلى الزيادة في إنتاجيتهم وتحسين أدائهم، وربط منح هذه العلاوة بتقييم أداء الموظف، وميز بين نسب منحها لخلق روح المنافسة بين الموظفين. فقد منح القانون العلاوة الدورية بنسبة 6% من الراتب للموظف الذي يحصل
على تقييم أداء بدرجة ممتاز، ونسبة 5% للموظف الذي يحصل على تقييم أداء بدرجة جيد جدا، وبنسبة 3% للمتحصل على تقييم أداء بدرجة جيد، ونسبة 1% للمتحصل على تقييم أداء بدرجة مقبول. أما التقييم الضعيف فلا يستحق العلاوة. ([8])
من مميزات القانون الجديد أيضا زيادة مبالغ بعض العلاوات ومنها العلاوة الاجتماعية. فقد زادت نسب تتراوح ما بين 23% إلى 66% حسب درجة الموظف وفئته الاجتماعية. ([9])
ومن الملامح المميزة للقانون الجديد توسيع استحقاق بدل السكن إلى فئات لم تكن تستحقه من قبل مثل الموظفة القطرية والموظف القطري الأعزب. كما زاد بدل السكن عما كان عليه في ظل القانون القديم بنسب تتراوح بين 50% إلى 70% حسب درجة الموظف وفئته الاجتماعية. ([10])
أما بشأن بدل التنقل، فقد زاد بنسب تتراوح بين 100% إلى 150% حسب الدرجة المالية للموظف، الذي يمنح إذا توافرت شروط استحقاقه ([11]).
كما استحدث القانون بدلات جديدة مثل بدل استخدام سيارة خاص، يمنح للموظف الذي تقتضي طبيعة عمله استخدام سيارته الخاصة للعمل خارج المؤسسة. ويتراوح هذا البدل بين 1000 ريال و 2000 ريال يقدره رئيس الجهة الحكومية. كذلك استحداث منح بدل استخدام هاتف نقال للموظف الذي يتطلب عمله استخدام هاتفه النقال وفقا لوتيرة استخدامه تقدر من قبل رئيس الجهة الحكومية (استخدام بسيط 300 ريال، استخدام متوسط 500 ريال، استخدام مرتفع 1000 ريال) ([12]).
ونصت المادة (39) من قانون إدارة الموارد البشرية على أن تحدد بقرار من مجلس الوزراء الوظائف التي يستحق شاغلوها بدل طبيعة العمل.
وقد صدر قرار مجلس الوزراء بهذا الشأن في اجتماعه العادي (12) لعام 2010 المنعقد بتاريخ 7/3/2010، بمنح هذا البدل لكل الفئات الوظيفية حتى مجموعة الوظائف الحرفية والعمالية، محددا نسب هذا البدل وشروط استحقاقه. ([13])
سابعا: الإجازات، أنواعها، وشروط استحقاقها في القانون الجديد
يستقر حق الموظف في الإجازة على أصل مؤداه انه لا تكليف إلا بمقدور النفس ووسعها. ومواصلة العمل بدون إعطاء النفس والبدن حقهما من الراحة للاستراحة من عناء العمل وضغوطه يصل بالإنسان إلى حد التكليف بما لا تستطيع باعتبار أن النفس البشرية لها طاقة محدودة، فإذا ما زاد الشيء عن حده انقلب إلى ضده، وانعكست الجدارة والكفاءة والفعالية إلى توتر وتأخير في الإنجاز وسوء جودة العمل. تطبيقا لهذا المنظور، جاء قانون الموارد البشرية بتنظيم قانوني جديد بشأن الإجازات التي تمنح للموظف، نورد مميزاتها في النقاط التالية:
- حدد القانون أنواع الأجازات التي يستحقها الموظف على سبيل الحصر بستة عشر نوع يستطيع الموظف الانقطاع بموجبها عن العمل بطريقة مشروعة ([14]). ومن خلال تحليل هذه الأنواع من الإجازات، يتضح أن المشرع حصر كل الحالات الممكن أن يتعرض لها الموظف ويحتاج فيها إلى إجازة، بما فيها طلب إجازة بدون راتب في حالة استنفاد أجازته الدورية.
- كل الإجازات التي تمنح براتب تحسب على أساس الراتب الإجمالي، خلافا عما كان عليه في ظل قانون الخدمة المدنية السابق الذي كان يمنح بعض الأجازات على أساس الراتب.
- حدد القانون شروطا واضحة، لا تحتاج إلى تفسير، لاستحقاق كل نوع من أنواع الأجازات. وقد أصدرت الأمانة العامة لمجلس الوزراء تعاميم توضح إجراءات تطبيق هذه الشروط، ومنها تحديد تاريخ بداية استحقاق العلاوة الدورية في أول أبريل من السنة المالية، بهدف توحيد تاريخ بداية ونهاية الأجازة الدورية في كل الجهات الحكومية.
كما وجهت الجهات الحكومية بعدم إمكانية ترحيل الأجازات الدورية لسنوات مقبلة تفاديا للمشاكل التي عرفتها المؤسسات الحكومية بهذا الشأن.
- استحدث القانون الجديد منحة أجازة دورية للموظف القطري، يستحقها عند قيامه بأجازته الدورية، تعادل راتب شهر عن كل سنة. ([15])
إلى جانب كل الملامح والمميزات التي ذكرت، هناك مميزات أخرى جاء بها قانون إدارة الموارد البشرية سنتطرق إليها في دراسات لاحقة، من بينها الضمانات المتعلقة بالمساءلة التأديبية، والحق الجديد الذي أدرجه القانون لصالح الموظف وهو السلامة والصحة المهنية ([16])، مع تحديد الأمراض المهنية، ومدى تأثير هذا الموضوع على الأداء المؤسسي.
(*) خبير قانوني في معهد التنمية الإدارية.
[1] القرار الأميري رقم (44) لسنة 2008 باعتماد الرؤية الشاملة للتنمية “رؤية قطر الوطنية 2030”
[2] قرار وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء رقم (17) لسنة 2010 بإصدار دليل وصف وتصنيف وترتيب الوظائف العامة.
[3] المادتان (11) و (12) من قانون إدارة الموارد البشرية رقم (8) لسنة 2009-الجريدة الرسمية رقم (27) -23/4 /2009 م
[4] د. سعد نواف العنزي، النظام القانوني للموظف العام، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية 2007، ص81
[5] المادة (20) من قانون إدارة الموارد البشرية-المرجع السابق
[6] المادة (72) من قانون إدارة الموارد البشرية -المرجع السابق
[7] المادة (73) من قانون إدارة الموارد البشرية-المرجع السابق
[8] المادة (23) من قانون إدارة الموارد البشرية-المرجع السابق
[9] وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء -وكالة الأنباء القطرية – 12/4/2009
[10] وزير الدول لشؤون مجلس الوزراء-المرجع السابق
المادة (27) من قانون إدارة الموارد البشرية-المرجع السابق
[11] وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء-المرجع السابق-المادة (29) من قانون إدارة الموارد البشرية-المرجع السابق
[12] المادتان (43) و (45) من قانون إدارة الموارد البشرية-المرجع السابق
[13] قرار مجلس الوزراء-الاجتماع العادي (12) بتاريخ 7/4/2009
[14] المادة (91) من قانون إدارة الموارد البشرية-المرجع السابق
[15] المادة (98) من قانون إدارة الموارد البشرية -المرجع السابق
[16] المادة (156) من قانون إدارة الموارد البشرية-المرجع السابق


