الهجرة العائدة ودورها في تنمية الموارد البشرية
إعداد
سعاد الطيب حسن
رئيس قسم الهجرة العائلة
وزارة العمل
تتناول الورقة الهجرة العائدة كظاهرة اجتماعية واقتصادية ولمعرفة دورها في تنمية الموارد البشرية، ركزت الورقة على كيفية الاستفادة من العمالة العائدة في تنمية الموارد البشرية وترى الورقة أن الدراسات السابقة أغفلت هذا الجانب على الرغم من أنه يشكل بعداً أساسياً من أبعاد التنمية داخل المجتمع وركزت إلى حد كبير على التنمية الاقتصادية وأهملت التنمية البشرية مع أنها تعد أساس التنمية والتقدم الذي يحدث داخل المجتمعات فهي تستهدف تنمية الإنسان في إطار الجماعة الاجتماعية لاستنهاض كافة جوانب الحياة حتى يتسنى له المساهمة بصورة فاعلة في عمليات التنمية الاقتصادية والسياسية وذلك بجعل العنصر البشري محوراً مهماً في العمليات التنموية.
بنيت الورقة على ثلاث فرضيات هي:
- اكتسبت الهجرة العائدة خبرات ومهارات في بلاد المهجر بسبب توفر التكنولوجيا ومعينات العمل الحديثة ويمكن الاستفادة منها في تنمية الموارد البشرية في السودان.
- العديد من أفراد الهجرة العائدة لازالوا قادرين على العطاء والإنتاج ودفع عملية التنمية في البلاد.
- لدى العديد من العائدين مدخرات مالية يمكن استثمارها في مشروعات تنموية لخلق فرص عمل تسهم في تقليل معدلات العطالة.
لاختبار هذه الفروض تم استخدام أداة الاستبيان لجمع البيانات.
كما تم استخدام أداة المقابلة مع بعض المسئولين في وزارة العمل وجهاز تنظيم شؤون السودانيين العاملين بالخارج ومسئولة العودة الطوعية بمنظمة الهجرة الدولية مكتب الخرطوم السودان.
لقد تعددت الدراسات التي تناولت موضوع الهجرة والهجرة العائدة إلا أنه يمكن حصرها في نظرات ثلاث هي:
نظرة دول الإرسال وكمثال لها السودان ويندرج تحت هذه النظرة دراسة الدكتور محمد العوض جلال الدين، ودراسة أحمد محمد حمد اللتين خلصتا إلى أن دول الإرسال ومن بينها السودان تشهد تدفقات من الهجرة المعاكسة نتيجة لتغيرات الظروف السائدة في كل من دول الهجرة ودول المهجر فالأولى شهدت تحسناً في أوضاعها الاقتصادية واستقراراً في أوضاعها السياسية مما شجع مواطنيها للعودة إليها والثانية شهدت تدريباً في عمالتها الوطنية وجنوحاً نحو القومية والسيادة الوطنية مما شجعها على الاستغناء من العمالة الأجنبية.
العمالة الوافدة في الخليج تؤثر وتتأثر بالسياسات الحكومية والأزمات بالمنطقة
كما حدث عند غزو العراق للكويت.
نظرة دول الاستقبال للهجرة وكمثال لها دولة الكويت ويندرج تحت هذه النظرة دراسة شملان يوسف العيسى التي تناولت تأثير أزمة الخليج على العمالة العربية وخلصت إلى نتيجة مفادها، أن هجرة العمالة تؤثر وتتأثر بالسياسات الحكومية والأزمات بالمنطقة فعلى الرغم من كبر حجم العمالة الأجنبية في دولة الكويت وحاجة الكويت الماسة لهذه العمالة فإن غزو العراق للكويت قد خلق أزمة بين الكويت وبعض الدول العربية أدت إلى طرد العمالة التابعة لهذه الدول دون النظر إلى حوجه الكويت لها.
دول الإرسال ومن بينها السودان تشهد تدفقات من الهجرة المعاكسة نتيجة
لتغير الأوضاع في كل من دول الهجرة والمهجر.
نظرة دول الإرسال والاستقبال وكمثال لها المملكة الأردنية الهاشمية حيث قدم الدكتور/ صالح الخصاونة دراسة حول سياسات الهجرة في المنطقة العربية متخذاً الأردن كحالة لها وخلص إلى نتيجة مفادها أن لإرسال العمالة أو استقبالها فوائد تعود على دولة الإرسال والاستقبال تتمثل في اكتساب المهارات وتحسين ميزان المدفوعات وزيادة معدلات النمو وزيادة معدلات الاستهلاك وأنماطه وارتفاع معدلات المعيشة.
أكثر من 80% من العائدين متزوجون و41.8% منهم جامعون و47.9% تعليمهم فوق الجامعي و65.5 كانوا يعملون في القطاع الخاص بدول المهجر.
واضح أن النتائج النهائية لهذه الدراسات ركزت على الآثار الاقتصادية لهجرة أو عودة العمالة المهاجرة سواء كانت تلك الآثار الاقتصادية متعلقة بدولة الإرسال أو الاستقبال أو بالعمالة نفسها ولم تركز على البعد الاجتماعي لهذه العمالة وهو ما حاولت الورقة تغطيته فكانت من نتائجها ما يلي:
بناء على نتائج استبيان وزع على عدد من العائدين أثبت أن أهم الخصائص الديموغرافية التي تميز العائدين من دول المهجر أن أكثر من 80% منهم من المتزوجين وأن عدد الذين تتراوح أفراد أسرهم ما بين اثنين إلى خمسة أفراد حوالي 58.6% وتقدر نسبة الذين يبلغ عدد أفراد أسرهم ما بين ستة إلى عشرة أفراد حوالي 31.7% وعدد الذين يبلغ عدد أفراد أسرهم أكثر من عشرة أشخاص حوالي 8.5% كما أوضحت نتائج الاستبيان أن معظم العائدين يحملون مؤهلات علمية عالية إذ تبلغ نسبة الجامعيين 41.8% ونسبة حملة الشهادات فوق الجامعية 47.9% بينما لا تتجاوز نسبة حملة الشهادة السودانية وما دونها 10% وأن أغلب العائدين كانوا يعملون في القطاع الخاص إذ بلغت نسبتهم 65.5% وأن نسبة الذين يعملون في القطاع العام لم تتجاوز 27.6% ويعمل الباقون البالغ نسبتهم حوالي 6% في منظمات عالمية أو يديرون أعمالاً خاصة.
هنالك معدلات متزايدة من الهجرة السودانية العائدة خاصة من السعودية ودول الخليج النفطية كنتيجة لتغيير الأوضاع والسياسات في دول المهجر وتوجهها نحو الاعتماد على العمالة الوطنية فضلا عن بروز الشعور القومي المعادي للأجانب لدى كثير من مواطني دول المهجر، وهذه النتيجة تتفق مع إحدى نتائج دراسة الدكتور محمد العوض جلال الدين وأحمد محمد حمد.
المجهودات التي تبذلها الدولة وأجهزتها المختلفة في امتصاص الآثار السالبة لا زالت بعيدة عن حل العديد من مشاكل العائدين.
على الرغم من المجهودات التي تبذلها الدولة وأجهزتها المختلفة في امتصاص الآثار الاقتصادية السالبة الناجمة عن عودة المهاجرين إلا أن هذه المجهودات لا زالت بعيدة عن حل العديد من المشاكل التي واجهت هؤلاء العائدين خاصة في مجال الاستيعاب في وظائف الدولة أو الاستثمار الخاص. هذه النتيجة لم تتطرق لها الدراسات السابقة لكن خلصت إليها الورقة من خلال متابعة مجهودات الدولة في احتواء آثار عودة العمالة المهاجرة سواء كان ذلك من خلال المقابلات مع المسئولين في الأجهزة المختصة أو من خلال استقصاء العائدين أنفسهم.
أفرزت سنوات الهجرة أنماط من الاستهلاك ومستويات عالية من المعيشة لم تتوفر للعائدين مما ولد لديهم شعوراً باليأس والإحباط.
أفزرت سنوات الهجرة أنماطاً من الاستهلاك ومستويات عالية من المعيشة لدى المهاجرين لم تتوفر لهم عند عودتهم إلى السودان مما ولد لديهم شعوراً باليأس والإحباط وفكر بعضهم في الهجرة مرة أخرى، وقد أشار إلى ذلك حوالي 9.1% من العائدين هذا وقد اتفق الجزء الأول من النتيجة الخاصة بأنماط الاستهلاك ومستوى المعيشة مع النتيجة التي توصل إليها الدكتور/ صالح الخصاونة بمعنى أن الهجرة تخلف أنماط جديدة من الاستهلاك كما تحسن من مستوى معيشة المهاجرين.
لقد لعبت السياسة دوراً بارزاً في قضية الهجرة العائدة فالدول المضيفة قد تعاملت معها من منطلق سياسي حينما رأت في تدفق المهاجرين إليها خطراً على أمنها القومي وقررت الاستغناء عن بعضهم وإحلال الوطنيين محلهم والحكومة السودانية قد تعاملت معهم من منطلق سياسي حينما قررت استيعاب بعض الموالين لها في وظائف مرموقة تحت مسمى وظائف الخبراء والمستشارين وحرمت غير الموالين لها، كما أن العائدين أنفسهم تعاملوا مع قضيتهم تعاملاً سياسياً إذ أشار 77.5% منهم إلى أنهم يودون الانخراط في العمل السياسي خلال ما تبقى من أعمارهم، وهذه النتيجة تتفق مع نتائج الدكتور/ صالح الخصاونة في أن السياسة تلعب دوراً محورياً في هجرة أو عودة المهاجرين.
إن منظمة الهجرة الدولية تقدم مساعدات للراغبين في العودة الطوعية متمثلة في التدريب وتأهيل العائدين وتقديم المساعدات في شكل دراسات الجدوى وتشجعيهم على الاستثمار في المشروعات الصغيرة ومتابعة تنفيذها إلا أن العائدين لم يستفيدوا من هذا البرنامج إما لجهلهم بمضمونه أو عزوفهم عنه. هذه النتيجة تم التوصل إليها من خلال المقابلة التي أجريت مع مسئولة العودة الطوعية بمنظمة الهجرة الدولية مكتب السودان/ الخرطوم.
لم تثبت استفادة السودان من خبرات ومهارات العمالة العائدة في تنمية الموارد البشرية بالقدر الكافي.
أثبتت الدراسة الحالية أن الهجرة العائدة إلى السودان اكتسبت خبرات ومهارات في بلاد المهجر وقد اتفقت هذه النتيجة مع دراسة الدكتور صالح الخصاونة إلا أنه لم يثبت استفادة السودان من العمالة العائدة في تنمية الموارد البشرية بالقدر الكافي وذلك إما بسبب بلوغ غالبية العائدين سن المعاش أو أن الحكومة قد عزفت عن توظيف غير الموالين إليها سياسياً، هذا وقد بينت الدراسة أن حوالي 25% من العائدين هم الذين وجدوا وظائف في الدولة ويمكن اعتبارهم من المساهمين في تنمية الموارد البشرية على الرغم من أن جل هؤلاء من النخب الموالية للسلطة السياسية أثبتت الورقة إن العائدين من دول المهجر قد كونوا مدخرات مالية حسب ما أشار 54.5% من عينة الدراسة وهي نتيجة تتفق مع دراسة الدكتور محمد العوض جلال الدين إلا أن هذه المدخرات لم توظف بطريقة راشدة إذ بينت الدراسة أن حوالي 55.1% من العائدين يفضلون الاستثمار في قطاع الخدمات وأن 49.4% يفضلون الاستثمار في العقارات وأن 13.6% يفضلون الاستثمار في قطاع الزراعة وإن 7.3% يفضلون الاستثمار في القطاع الصناعي ويأتي في مؤخرة القائمة الذين يفضلون الاستثمار في الأسهم والسندات بنسبة 3.6%.
مدخرات العائدين لم توظف بطريقة راشدة، وأثبتت الدراسة أن 55.1% من العائدين يفضلون الاستثمار في الخدمات و49.4% في العقارات.
بناء على هذه النتائج نوصي بالآتي:
- ضرورة بناء قاعدة معلومات للهجرة بكل أنماطها تشمل خصائص المهاجرين الديموغرافية والاقتصادية والاجتماعية.
- إيجاد آلية محددة تعين العائدين على توفير معلومات فرص ومجالات العمل عند عودتهم ونقترح (إنشاء بنك للوظائف).
- الإلمام بأوضاع أسواق العمل الخارجية تحسباً لأي هجرات عائدة من السودانيين لاتخاذ إجراءات بشأن استيعابها في سوق العمل الوطني.
- الاهتمام بتطوير مراكز التدريب المهني والتقني والتدريب التحويلي.
- تسهيل وتبسيط إجراءات الاستثمار لتشجيع الراغبين من العائدين لكي يسهموا في إنشاء مشروعات تساهم في توليد فرص العمل.
- استقطاب الكفاءات والخبرات للاستفادة منها في تدريب العاملين بالداخل.
- توفير جو ديموقراطي يساعد المهاجرين لأسباب سياسية من العودة والمساهمة في بناء الوطن دون التأثر بأي انتماءات فكرية أو أثنية أو عقدية.
- تبني الدولة برنامج للرعاية الاجتماعية يتولى رعاية أسر العائدين من المهجر خاصة أولئك الذين لم يعودوا قادرين على العمل.
- ضرورة التنسيق والتعاون مع المنظمات الدولية والإقليمية العاملة في مجال الهجرة والهجرة العائدة.
- ضرورة إجراء بحوث ودراسات مستقبلية تشمل:
- دراسة أثر الأوضاع السياسية على سياسة الهجرة.
- دراسة أثر تحويلات مدخرات المهاجرين على التنمية.
- دراسة كيفية إدماج العائدين في المجتمع.
- دراسة أسواق العمل الخارجية ومدى منافسة العمالة السودانية فيها.
- دراسة اثر الوجود السوداني في دول الجوار.
- دراسة أثر الوجود السوداني في دول الشتات.


