في دستور السياسات العمومية
ذ. حسن طارق
أستاذ بكلية الحقوق بسطات
ونائب برلماني
شكلت موضوعة “السياسات العمومية” جزءا من اهتمامات الحوار العمومي الواسع الذي شهده المغرب بعد الخطاب الملكي لــــ9 مارس 2011 وذلك من خلال انشغال عدد مهم من الأحزاب السياسية والجمعيات المدنية بتضمين المذكرات المرفوعة إلى اللجنة الاستشارية لمراجعة الدستور لمقتضيات تهم علاقة السياسات العمومية بالوظيفة التنفيذية أو بوظيفة التشريع، إذ نجد مثلا في مذكرة حزب التقدم والاشتراكية، أن مجلس الحكومة يجب أن يكون من صلاحياته “تنفيذ وتتبع السياسات العمومية”، وهو نفس الاقتراح الذي نجده تقريبا في مذكرة حزب الأصالة والمعاصرة التي اعتبرت أن “الحكومة مسؤولة عن وضع وتنفيذ السياسات العمومية”.
أما فيما يتعلق بعلاقة السياسات العمومية بالوظيفة التشريعية، فقد بدا واضحا أن الاتجاه العام لاقتراحات الأحزاب والجمعيات الموجهة إلى اللجنة الاستشارية، قد تجلى في اقتراح وظيفة جديدة على البرلمان هي مهمة تقييم السياسات العمومية، هكذا نقرأ في مذكرة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية عن تصور هذا الحزب لوظيفة البرلمان بأن هذا الأخير يقوم “بالتشريع ومراقبة الأداء العمومي للحكومة والصناديق والوكالات والمؤسسات العمومية وكل المرافق التي تدير المال العام، كما يقوم بتقييم السياسات العمومية”.
في نفس السياق، دعت مذكرة حزب العدالة والتنمية إلى إمكانية توجيه البرلمان عبر لجانه لطلبات افتحاص لسياسات عمومية جديدة.
إن وظيفة التقييم تحضر، داخل هذه المذكرات، بعلاقة مع المجلس الأعلى للحسابات، فمذكرة الصالة والمعاصرة ربطت بين هذا المجلس وبين البرلمان، عندما اعتبرت أن تقييم السياسات العمومية- يتم- بناء على تقارير المجلس الأعلى للحسابات، في حين دعت مذكرة حزب العدالة والتنمية إلى التنصيص على إمكانية البرلمان طلب رأي هذا المجلس في قضية تهم المالية العمومية.
تصورات المجتمع المدني لم تختلف كثرا عما طرحته الأحزاب فيما يتعلق بالسياسات العمومية، إذا دعت جمعية الوسيط من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان، مثلا إلى تعزيز صلاحيات الحكومة وشرعيتها من خلال انبثاقها عن نتائج صناديق الاقتراع، وتمكين رئيسها من صلاحيات تنفيذية واسعة وجعلها مسؤولة عن وضع وتنفيذ السياسات العمومية، وذهب منتدى الحقيقة والإنصاف، في نفس الاتجاه وإن بعلاقة هذه المرة مع الوظيفة التشريعية، عندما اعتبر أن البرلمان عليه أن يقوم بمراقبة السياسات والأداء العمومي للحكومة في المجالات الداخلية والخارجية والدفاع والأمن كما يقوم بمراقبة الصناديق والوكالات والمؤسسات العمومية وكل المرافق التي تدبر المال العام كما يقوم بتقييم السياسات العمومية، أما إحدى المنظمات النقابية (الفيدرالية الديمقراطية للشغل)، فقد أكدت في مذكرتها على ضرورة التنصيص الدستوري على إحداث لجنة لتقييم السياسات العمومية داخل البرلمان. فيما دعا منتدى بدائل المغرب إلى “دسترة ومأسسة مبدأ تقييم السياسات العمومية للدولة والجماعات الترابية وخلق آلية مستقلة للتقييم على مستوى البرلمان، بعهد إليهم تقييم السياسات بطريقة دورية”.
لا يمكن الحديث عن الاقتراحات المتعلقة بالمراجعة الدستورية في علاقتها بموضوع “السياسات العمومية” دون الإشارة إلى المذكرة المهمة التي قدمتها الجمعية المغربية للتقييم، للجنة الاستشارية المكلفة بالمراجعة الدستورية، حول دسترة تقييم السياسات العمومية بالمغرب([1]).
حيث انطلقت المذكرة من كون بلادنا مهيأة لاحتضان ممارسة مستقلة لعملية تقييم السياسات العمومية، وإذا كانت هذه الممارسة تتوفر على العديد من العوامل المساعدة في البنية المؤسساتية للمغرب، فإنها تحتاج في المقابل بالإضافة إلى الإرادة السياسية، إلى عديد من التراكمات والموارد وأساسا إلى دسترة وظيفة التقييم، بما يعني بإلزامية تقييم أي سياسة عمومية، على مستوى النتائج، الحدود، والنجاح، وعرضها على الحوار العمومي.
وهو ما من شأنه أن يأثر على التدبير الجيد للفعل العمومي وللموارد الميزانياتية ولكن الأثر الأهم سيكون هو شرعنة السياسات العمومية نفسها، حيث سيصبح الحاكمون مسؤولون سياسيا على أدائهم.
وإذا كان مسلسل مأسسة تقييم السياسات العمومية الذي لا يزال في بداياته يحتاج لترجمة التوجه السياسي المعلن إلى إصلاحات، قوانين ومعايير مضبوطة، لكنه يتوقف بالأساس على توفير الانسجام بين مختلف المبادرات المنبثقة عن بعض الإدارات والمؤسسات، وتحديد المهام والصلاحيات الممنوحة لمختلف المتدخلين، وهنا فإنه من المهم خلق هيئتين للتقييم واحدة لدى البرلمان وأخرى لدى رئاسة الحكومة، بالإضافة إلى جعل التقييم ممارسة عادية ومنتظمة لدى المجلس الأعلى للحسابات.
وهكذا قدمت الجمعية المغربية للتقييم توصياتها على الشكل التالي:
- دسترة مبدأ تقييم فعالية وكفاية وانسجام الفعل العمومي للدولة وللجماعات الترابية،
- خلق هيئة للتقييم لدى البرلمان لتوفير قاعدة لتقييمات مستقلة للسياسات العمومية وانسجامها،
- توضيح مختلف أدوار ومهام المتدخلين في مجال المراقبة والتقييم (المجلس الأعلى للحسابات، المفتشة العامة للمالية، المرصد الوطني للتنمية البشرية…) وتنظيم وظيفة التقييم عن طريق تمكين رئاسة الحكومة من بنية دائمة بينوزارية لتحليل وتقييم السياسات العمومية (SGAPP) ودعم المجلس للحسابات في مساعدته للبرلمان في مجال التقييم وتمكين هذا المجلس من الآليات القانونية والتنظيمية والبشرية الكفيلة بتقوية دوره في المتابعة والتقييم والتسيير المبني على النتائج…
أولا: السياسات العمومية موضوعا للمشاركة المواطنة
جعلت الوثيقة الدستورية من الديمقراطية المواطنة والتشاركية إحدى الأسس التي ينهض عليها النظام الدستوري للمملكة المغربية إذ تساهم الجمعيات المهتمة بقضايا الشأن العام، والمنظمات غير الحكومية في إطار الديمقراطية التشاركية في إعداد قرارات ومشاريع لدى المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومية، وكذا في قرارات تفعيلها وتقييمها (الفصل 12 من الدستور) كما تعمل السلطات العمومية على إحداث هيئات للتشاور، قصد إشراك مختلف الفاعلين الاجتماعيين في إعداد السياسات العمومية وتفعيلها وتنفيذها وتقييمها (الفصل 13 من الدستور) هذه الديمقراطية المواطنة أصبحت تسمح كذلك للمواطنين والمواطنات بالحق في تقديم ملتمسات في مجال التشريع (الفصل 14) وكذا الحق في تقديم عرائض إلى السلطات العمومية (الفصل 15) على أن ثمة إضافة إلى البعد الوطني لهذه الديمقراطية التشاركية، انطلاقا من الدستور، بعدا محليا وجهويا واضحا إذ تم اعتبار التنظيم الجهوي والترابي قائما على مبادئ التدبير الحر وعلى التعاون والتضامن وعلى أنه يؤمن مشاركة السكان المعنيين في تدبير شؤونهم، والرفع من مساهمتهم في التنمية المندمجة والمستدامة (الفصل 136)، وذلك من خلال آليات تشاركية للحوار، هادفة إلى تيسير مساهمة المواطنات والمواطنين والجمعيات في إعداد برامج التنمية وتتبعها، وكذلك عبر إمكانية المواطنات والمواطنين والجمعيات تقديم عرائض الهدف منها مطالبة المجلس الجهوي أو الجماعي بإدراج نقطة تدخل في اختصاصه ضمن جدول أعماله (الفصل 139).
الملاحظ أن تفعيل المقتضيات المتعلقة بإسهام قنوات الديمقراطية التشاركية في صياغة وتقييم السياسات العمومية الوطنية والمحلية، يبقى مرتبطا بإنتاج مجموعة من القوانين سواء ذات الطبيعة التنظيمية (حالة العرائض الموجهة للسلطات العمومية والعرائض الموجهة لمجالس الجهات والجماعات الترابية وملتمسات التشريع…)، أو ذات الطبيعة العادية (حالة تنظيم مساهمة الجمعيات عبر الديمقراطية التشاركية في إعداد قرارات ومشاريع لدى المؤسسات المنتخبة أو السلطات العمومية) على أن هذا الأمر لا يلغي بتاتا الأهمية الكبرى التي أصبح يحظى بها البعد التشاركي داخل الهندسة الدستورية المغربية، خاصة عندما نعود قليلا إلى الوراء حيث يبدو من الواضح أنه إلى حدود الحوار العمومي الواسع حول الإصلاحات الدستورية الذي انطلق بعد 9 مارس 2011، لم يكن النقاش الدستوري من خلال مطالب ومقترحات ومذكرات الأحزاب السياسية، منفتحا على جوانب التقعيد القانوني لأشكال الديمقراطية التشاركية، على عكس ما نجده لدى المجتمع المدني الذي كان سباقا إلى طرح قضايا المشاركة المواطنة والمدنية في الشأن العام الوطني والمحلي.
وبالتأكيد، فإن التأصيل لفكرة المشاركة المواطنة في السياسات العمومية مغربيا يتطلب الإشارة بالإضافة إلى لجوء المجتمع المدني إلى آليات الترافع لدى المؤسسات المعنية مما مكنه من التأسيس الفعلي لبدايات هذه المشاركة، إلى اعتماد الكثير من السياسات العمومية الأفقية أو القطاعية على مقاربة تشاركية مما منح الفاعل المدني الفرصة المباشرة للاحتكاك بمسلسل تنفيذ وصياغة وتقييم السياسات العمومية.
ثانيا: السياسات العمومية موضوعا للحوار داخل المؤسسات الوطنية والاستشارية وهيئات الديمقراطية التشاركية
نص الدستور على مجموعة من الهيئات سواء في صيغة مؤسسات وطنية أو استشارية (حالة المجلس الاقتصادي والاجتماعي، مجلس الجالية المغربية بالخارج، الهيأة المكلفة بالمناصفة، المجلس الاستشاري للأسرة والطفولة، المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي…)، تهدف إلى خلق فضاءات مؤسسية مستقلة عن السلطة التنفيذية، منفتحة وتعددية من حيث تكوينها، مما يسمح بإمكانيات التداول والحوار بين الفاعلين المجتمعيين والخبراء وممثلي الحكومة، لتقديم الرأي والمشورة للسلطة التنفيذية أو السلطة التشريعية وتشمل اهتمامات هذه المؤسسات، السياسات العمومية المرتبطة بالقضايا التالية:
- القضايا ذات الطابع الاقتصادي والاجتماعي والبيئي (المجلس الاقتصادي والاجتماعي)،
- التوجهات العامة للاقتصاد الوطني والتنمية المستدامة (المجلس الاقتصادي والاجتماعي)،
- قضايا حقوق الإنسان والحريات وحمايتها (المجلس الوطني لحقوق الإنسان)،
- السياسات العمومية التي تمكن المغاربة المقيمين بالخارج من تأمين الحفاظ على علاقات متينة مع هويتهم المغربية، وضمان حقوقهم ومصالحهم، وكذا المساهمة في التنمية البشرية والمستدامة في وطنهم (مجلس الجالية المغربية بالخارج)،
- احترام المساواة بين الرجل والمرأة والسعي إلى تحقيق المناصفة (هيأة للمناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز)،
- السياسات العمومية والقضايا التي تهم التربية والتكوين والبحث العلمي (المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي)،
- قضايا الأسرة والطفولة (المجلس الاستشاري للأسرة والطفولة)،
- قضايا الشباب والنهوض بتطوير الحياة الجمعوية (المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي).
إن الرهان على دور المؤسسات الوطنية والاستشارية في دعم انفتاح السياسات العمومية على فضاءات جديدة لديمقراطية المشاركة والحوار العمومي، يرتبط بمدى قدرة القوانين التي ستنظم تأليف وصلاحيات هذه المؤسسات المستقلة، على تجسيد انفتاح أكبر على المجتمع المدني وضمان مساهمة مباشرة للمواطنين عبر تقنيات العرائض مثلا، والذهاب بالمقارنة الإدماجية، إلى مداها الأقصى حتى لا ترتهن هذه المؤسسات فقط بالأصوات الحاضرة في فضاءات تقريرية أخرى وهنا فمن الواضح أن جعل تنظيم هذه المؤسسات من صلاحيات البرلمان وأن التنصيص الدستوري على ضرورة عرض هذه المؤسسات المستقلة والاستشارية لتقارير عن أعمالها مرة واحدة في السنة، بالإضافة إلى أن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي يقدم استشارته للحكومة ولمجلس النواب ومجلس المستشارين، كل عناصر تأشر إلى نزعة تغلب التأويل البرلماني للوظيفة الاستشارية وإلى إمكانية الانتقال من ثقافة “المشورة” إلى ثقافة “الاستشارة”.
ثالثا: السياسات العمومية وصلاحيات السلطة التنفيذية
يعتبر الدستور المغربي في فصله 89 أن الحكومة هي من يمارس السلطة التنفيذية، لذلك فالباب الخامس منه والمعنون بــــ”السلطة التنفيذية” يتضمن كل ما له علاقة بتأليف الحكومة وتعيينها وصلاحيتها وسلطة رئيسها ومجلسها.
لكن هذا لا يعني بالتأكيد أن المؤسسة الملكية لم تعد لها علاقة بالسلطة التنفيذية خلال دستور 2011، نعم إن فكرة الملكة التنفيذية لم تعد فكرة مهيكلة للهندسة الدستورية، كما في السابق، لكن في نفس الوقت فإن دستور 2011 ليس دستور ملكية برلمانية ينقطع فيها أي تأثير للملك على التدبير والتوجيه السياسي والاقتصادي والاجتماعي للبلاد.
ذلك أن الوثيقة الدستورية اتجهت نحو تبني صيغة نظام برلماني ثنائي، مما يجعل واقعيا السلطة التنفيذية مقسمة بين مؤسستي الملكية والحكومة- دون أن يعني هذا انتفاء البعد التراتبي في العلاقة- وهذا ما يتجلى في العلاقة مع هندسة وصياغة وتنفيذ السياسات العمومية.
أ- الملك وسلطة التوجيه والإشراف الاستراتيجي على السياسات العمومية
فضلا عن الاختصاصات الحصرية التي يحتكر من خلالها الملك تدبير الصلاحيات الدينية المتعلقة بإمارة المؤمنين، وعن الاختصاصات السيادية والتحكيمية، فإنه يمارس باعتباره رئيسا للدولة سلطة التوجه والإشراف الاستراتيجي على السياسات العمومية عبر عديد من الآليات الدستورية أهمها:
- سلطة تعيين رئيس الحكومة، وإمكانية إعفاءه لأي عضو أو أكثر من أعضاء الحكومة،
- سلطة رئاسة المجلس الموازي، خاصة أن الدستور قد أوكل لهذا المجلس صلاحية التداول في: “التوجهات الإستراتيجية لسياسة الدولة”، “التوجهات العامة لمشروع قانون المالية”، مشاريع لقوانين الإطار التي تضع إطار للأهداف الأساسية لنشاط الدولة، في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية، وفي أمر التعيينات سواء تلك التي تأتي باقتراح من رئيس الحكومة أو تلك المتعلقة بالمؤسسات والمقالات العمومية الإستراتيجية.
- سلطة مخاطبة الأمة والبرلمان،
- سلطة الإطلاع على مداولات المجلس الحكومي،
- سلطة ممارسة الصلاحيات الدبلوماسية المقدرة بمقتضى الفصل 55، حيث الملك هو من يعتمد السفراء لدى الدول والمنظمات، ولديه يعتمد السفراء وممثلو المنظمات الدولية، وهو من يوقع على المعاهدات ويصادق عليها مباشرة أو بعد الموافقة عليها بقانون،
- سلطة ترأس المجلس الأعلى للسلطة القضائية.
ب- الحكومة وصلاحيات التدبير المباشر للسياسات العمومية والقطاعية
منح دستور 2011 وضعا جد متقدم للحكومة قياسا مع الصلاحيات التي سبق أن منحت لها طوال التجربة الدستورية المغربية، حيث أصبحنا أمام حكومة “سياسية” و”منتخبة” جراء انبثاقها عن الأغلبية النيابية مما جعلها لا تكتمل كوجود قانوني وسياسي إلا بعد تظافر لحظتين: لحظة التعيين الملكي ثم لحظة التنصيب البرلماني.
هذا الوضع جعل من الحكومة الجهة المشرفة على التدبير المباشر للسياسات العمومية وذلك انطلاقا من الآليات الدستورية التالية:
- إقرار البرنامج الحكومي المتضمن للخطوط الرئيسية للعمل الذي تنوي الحكومة القيام به في ميادين السياسة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية والخارجية، كقاعدة للتعاقد السياسي لحظة الحصول على ثقة مجلس النواب عند تنصيب الحكومة،
- سلطة تنفيذ البرنامج الحكومي وتنفيذ القوانين والإشراف والوصاية على المؤسسات والمقاولات العمومية،
- ممارسة السلطة التنظيمية،
- سلطة التعيين كصلاحية حصرية عندما يتعلق بالوظائف المدنية في الإدارات العمومية، أو سلطة الاقتراح في التعيين في الوظائف السامية التي يتم البت فيها داخل المجلس الوزاري،
- الصلاحيات الممنوحة للمجلس الحكومي والمتعلقة أساسا بــ:
- السياسات العمومية،
- السياسات القطاعية،
- التداول في قضايا السياسة العامة للدولة قبل عرضها على المجلس الوزاري،
- التعيين في مناصب الكتاب العامين، ومديري الإدارات المركزية بالإدارات العمومية، ورؤساء الجامعات، والعمداء، ومديري المدارس والمؤسسات العليا، وفي الوظائف السامية لبعض المؤسسات والمقاولات العمومية.
رابعا: البرلمان والسياسات العمومية: من التشريع والمراقبة إلى التقييم
وسعت الوثيقة الدستورية لعام 2011 من مجال القانون، حيث أصبح البرلمان مكلفا بالتشريع في مجالات أكبر من السابق وهو ما يعني تعزيز إمكانية تأثيره القانوني على دائرة أكبر من السياسات العمومية، كما عملت على تقوية مهمته الرقابية عبر تثمين وظيفة المعارضة وتيسير إمكانيات اللجوء إلى الآليات الرقابية الأكثر قوة (اللجان النيابية لتقصي الحقائق…).
وإذا كانت لحظة مناقشة التصويت على مشروع قانون المالية تظل اللحظة الدستورية الأهم التي تجعل البرلمان في قلب النقاش حول السياسات العمومية، فإن دستور 2011 قد جاء بمستجدات أساسية على مستوى العلاقة بين المؤسسة التشريعية والسياسات العمومية، فالمواطنون والمواطنات أصبح من حقهم وفق شروط يحددها قانون تنظيمي، التقدم بملتمسات في مجال التشريع. ومن جهة أخرى فالبرلمان فضلا عن مهمتي التشريع والمراقبة أصبح مكلفا بمهمة تقييم السياسات العمومية (الفصل 70)، حيث تخصص جلسة سنوية لمناقشة السياسات العمومية وتقييمها (الفصل 101)، وجلسة واحدة كل شهر لتقديم الأجوبة على الأسئلة المتعلقة بالسياسة العامة من قبل رئيس الحكومة (الفصل 100)، كما أصبح البرلمان بإمكانه اللجوء إلى مساعدة المجلس الأعلى للحسابات في مجالات مراقبة المالية العامة ولتقديم الأجوبة والاستشارات المرتبطة بوظائف التشريع والمراقبة والتقييم المتعلقة بالمالية العامة.
وإذا كان الدستور قد دعا البرلمان لتخصيص جلسة سنوية لتقييم السياسات العمومية، فإن القانون الداخلي لمجلس النواب كما تم إقراره يوم 12 يناير 2012 قد وسع من تأويل هذا الاختصاص المتعلق بالتقييم، حيث جعل من صلاحية اللجان الدائمة لمجلس النواب أن تخصص اجتماعات لتقييم السياسات العمومية للقطاعات التي تدخل ضمن اختصاصها (الفصل 48 من القانون الداخلي)، لكن المجلس الدستوري في قراره رقم 829- 12، اعتبر أن هذه الصلاحية الممنوحة للجان مخالفة للدستور، على اعتبار أن قراءة الفصل (101) يستفاد منه أن مناقشة وتقييم السياسات يتم من قبل مجلسي البرلمان في جلسات عمومية تعقد في نفس الفترة وليس في نطاق اللجان البرلمانية الدائمة.
ولاشك أن مثل هذه القراءة توضح بشكل جلي حدود الانتقال من منظومة برلمانية رقابية تقليدية إلى منظومة برلمانية تقييمية وحديثة، فالتاريخ له ثقله كذلك، إذ أن البرلمان المغربي ظل بعيدا جدا عن أي اهتمام بمجال التقييم، إذ أمام غياب قدرات مستقلة في الخبرة والتحليل، فإن هيمنة الجهاز التنفيذي تصبح مضاعفة بفعل التبعية المطلقة للبرلمان اتجاه الحكومة، في ميدان الوصول إلى المعلومة الضرورية قصد ممارسة اختصاصه[2]، فضلا عن محدودية الآليات الرقابية لبرلمان مغربي عانى بشكل مزدوج من إطاره البرلماني المعقلن المستوحى من هندسة الجمهورية الفرنسية الخامسة من جهة، ومن وضع تمثيلي أدني في سياق نمط سلطوي من جهة أخرى.
فلذلك فالرهان على تجاوز الإرث السلبي، بالرغم من التقدم المسجل من الناحية المعيارية على مستوى وضع البرلمان وطبيعته الثنائية وأهمية الاختصاصات، من خلال دستور 2011، يرتبط كذلك بطبية النخب البرلمانية وبالاجتهاد على مستوى الممارسة، وفي هذا الإطار فإن تطوير القانون التنظيمي للمالية قد يكون كذلك أحد المداخل الأساسية لتجاوز وضعية التأثير المحدود للمؤسسة التشريعية على السياسات العمومية صياغة، رقابة وتقييما.
خامسا: السياسات العمومية والدستور: سؤال المرجعيات
هل يمكن للوثيقة الدستورية، خارج الهندسة الشكلية للصلاحيات والاختصاصات وتحديد أدوار ووظائف السلط والمؤسسات فيما يتعلق بالسياسات العمومية، أن تقدم لنا إجابات عن مرجعيات ومضامين هذه السياسات؟
لأكيد أن هذه المضامين متروكة لمستوى الممارسة السياسية ولطبيعة الاختيارات المعبر عنها من طرف الإرادة العامة لمجموع الناخبين لكن من الواضح كذلك أن الدستور يحدد مجموعة من المبادئ المرجعية التي تحكم السياسات وتمنحها اختيارات قيمية لها قوة السمو الدستوري، من هذه المبادئ يمكن أن نذكر مثلا، مسألة الهوية، الاختيار الديمقراطي والمرجعية الحقوقية، قضية المساواة، الالتزام بالبعد الاجتماعي، وتأكيد التوجه الليبرالي للسياسات العمومية وحكامتها.
1. المحدد الهوياتي كمرجعية للسياسات العمومية
أهمية ومركزية هذا المحدد تتجلى في أنه من الناحية النظرية لا يمكن أن نتصور سياسات عمومية ثقافية، دينية، تعليمية أو لغوية أو إعلامية… لا تنطلق في بناء مرجعياتها ومنطلقاتها القيمية، من ما يقرره الدستور على مستوى تمثله للهوية الوطنية، المبنية على تلاحم وتنوع مقوماتها، الموحدة بانصهار كل مكوناتها العربية، الإسلامية، والأمازيغية، والصحراوية الحسانية، والفنية بروافدها الإفريقية والأندلسية، والعبرية والمتوسطية، والمميزة بتبوء الدين الإسلامي مكان الصدارة فيها، في ظل تثبت الشعب المغربي بقيم الانفتاح والاعتدال والتسامح والحوار، والتفاهم المتبادل بين الثقافات والحضارات الإنسانية جمعاء.
2. الاختيار الديمقراطي والمرجعية الحقوقية كمنطلقات للسياسات العمومية
شكلت الوثيقة الدستورية لعام 2011 إعلانا متجدد لتبني المغرب الاختيار الديمقراطي وللمرجعية الحقوقية.
مثلا إذا انطلاقا من الكلمات الأولى للتصدير يتم اعتبار بناء دولة ديمقراطية يسودها الحق والقانون اختيارا لا رجعة فيه، في إطار توطيد مؤسسات دولة حديثة ترتكز على المشاركة والتعددية، ولعل هذا ما يسمح بقراءة إضافة سمة “البرلمانية” على توصيف نظام الحكم بالمغرب، خلال الفصل الأول من الدستور الذي أصبح كالتالي “نظام ملكية دستورية ديمقراطية برلمانية واجتماعية”.
في نفس الفصل يتم من جهة تقديم أسس النظام الدستوري المغربي من خلال:
- فصل السلط وتوازنها وتعاونها،
- الديمقراطية المواطنة والتشاركية،
- مبادئ الحكامة الجيدة،
- ربط المسؤولية بالمحاسبة.
ومن جهة أخرى، سيضاف الاختيار الديمقراطي إلى ما يعرف بالثوابت الجامعة للأمة: الدين الإسلامي السمح، والوحدة الوطنية متعددة الروافد، الملكية الدستورية. وهذا ما سيكون من آثاره المباشرة التحصين الدستوري للأحكام المتعلقة بالاختيار الديمقراطي وبالمكتسبات في مجال الحريات والحقوق الأساسية، باعتبارها أحكاما غير قابلة للمراجعة الدستورية.
أما يتعلق بالمرجعية الحقوقية، فالوثيقة الدستورية التي أصبحت من خلال هيكلتها وهندستها تتضمن وثيقة كاملة للحقوق، تنطلق من التعهد بالالتزام بما تقتضيه مواثيق المنظمات الدولية من مبادئ وحقوق وواجبات، ومن التأكيد على تشبث المغرب بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا، ومن الالتزام بحماية منظومتي حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني والنهوض بهما، والإسهام بتطويرهما، مع مراعاة الطابع الكوني لتلك الحقوق.
في نفس السياق خصص الباب الثاني بكامله للحريات والحقوق الأساسية (من الفصل 19 إل الفصل 40) فيما يشبه دستور للمواطنة المغربية، يحدد من جهة الحقوق والحريات (المساواة، الحق في الحياة، السلامة الشخصية، السلامة الجسدية والمعنوية، قرينة البراءة، الحق في المحاكمة العادلة، الحياة الخاصة، حرية الفكر والرأي والتعبير، الحق في المعلومة، حرية الصحافة، الحريات العامة، الحقوق المدنية والسياسية، الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والبيئة والتنمية…) ومن جهة أخرى واجبات المواطنة (احترام الدستور، التقيد بالقانون، الدفاع عن الوطن وأداء التكاليف العمومية…).
3. مبدأ المساواة ومقاربة النوع الاجتماعي كقاعدة للسياسات العمومية
انطلق الدستور من اعتبار المساواة إحدى دعائم المجتمع المتضامن الذي يسعى المغرب إلى إرساءه، كما أكد تصديره على الالتزام بحظر ومكافحة كل أشكال التمييز، بسبب الجنس أو اللون أو المعتقد أو الثقافة أو الانتماء الاجتماعي أو اللغة أو الإعاقة أو أي وضع شخص، مهما كان.
أما الفصل 19 فنص على تمتع الرجل والمرأة، “على قدم المساواة، بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، الواردة في هذا الباب من الدستور (المقصود الباب الثاني)، وفي مقتضياته الأخرى، وكذا في الاتفاقيات والمواثيق الدولية، كما صادق عليها المغرب، وكل ذلك في نطاق أحكام الدستور وثوابت المملكة وقوانينها”، مؤكدا سعي الدولة إلى “تحقيق مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء”، وإحداث “هيئة للمناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز”.
أما الفصل 154 فينص على أنه يتم تنظيم المرافق العمومية على أساس المساواة بين المواطنات والمواطنين في الولوج إليها.
الاهتمام بالنوع الاجتماعي يشمل كذلك فئتي الشباب وذوو الاحتياجات الخاصة، إذ نصت مقتضيات الفصل 33 على أن السلطات العمومية مطالبة باتخاذ التدابير الملائمة لتحقيق ما يلي:
- توسيع وتعميم مشاركة الشباب في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية للبلاد،
- مساعدة الشباب على الاندماج في الحياة النشيطة والجمعوية، وتقديم المساعدة لأولئك الذين تعترضهم صعوبة في التكيف المدرسي أو الاجتماعي أو المهني،
- تيسير ولوج الشباب للثقافة والعلم والتكنولوجيا، والفن والرياضة والأنشطة الترفيهية، مع توفير لظروف المواتية لتفتق طاقاته الخلافة والإبداعية في كل هذه المجالات.
في حين نص الفصل 34 على أن تقوم السلطات العمومية بوضع وتفعيل سياسات موجهة إلى الأشخاص والفئات من ذوي الاحتياجات الخاصة، ولهذا الغرض تسهر خصوصا على ما يلي:
- معالجة الأوضاع الهشة لفئات من النساء والأمهات، والأطفال والأشخاص المسنين والوقاية منها.
- إعادة تأهيل الأشخاص الذين يعانون من إعاقة جسدية أو حسية حركية أو عقلية، وإدماجهم في الحياة الاجتماعية والمدنية، وتيسير تمتيعهم بالحقوق والحريات المعترف بها للجميع.
4. الالتزام بالبعد الاجتماعي للسياسات العمومية
يطرح تصدير الدستور مسألة إرساء دعائم مجتمع متضامن كإحدى الغايات الكبرى للدولة المغربية، مجتمع يتمتع فيه الجميع بالأمن والحرية والكرامة والمساواة، وتكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية ومقومات العيش الكريم.
البعد الاجتماعي يتأكد كذلك في التشبث بالسمة الاجتماعية، كنظام للحكم بالمغرب (الفصل 1)، وفي تنصيص الفصل 31 على أن تعمل الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية على تعبئة كل الوسائل المتاحة، لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين، على قدم المساواة من الحق في:
- العلاج والعناية الصحية،
- الحماية الاجتماعية والتغطية الصحة، والتضامن التعاضدي أو المنظم من لدن الدولة،
- الحصول على تعليم عصري ميسر الولوج وذي جودة،
- التنشئة على التشبث بلهوية المغربية، والثوابت الوطنية الراسخة،
- التكوين المهني والاستفادة من التربية البدنية والفنية،
- السكن اللائق،
- الشغل والدعم من طرف السلطات العمومية في البحث عن منصب شغل، أو في التشغيل الذاتي،
- ولوج الوظائف العمومية حسب الاستحقاق،
- الحصول على الماء والعيش في بيئة سليمة،
- التنمية المستدامة.
وفي نفس السياق، ينص الفصل 35 على أن الدولة تعمل على تحقيق تنمية بشرية مستدامة، من شأنها تعزيز العدالة الاجتماعية. وأنها تسهر على ضمان تكافؤ الفرص للجميع والرعاية الخاصة للفئات الاجتماعية الأقل حظا.
5. تأكيد التوجه الليبرالي للسياسات العمومية
نص الفصل 35 على أن القانون يضمن حق الملكية، وإنه يمكن الحد من نطاقها وممارستها بموجب القانون.
وفي نفس الفصل تم التأكيد على أن الدولة تضمن حرية المقاولة، والتنافس الحر.
تأكيدا على هذا التوجيه الليبرالي، عملت الوثيقة الدستورية على دسترة مبدأ التوازن المالي للدولة، من خلال تنصيص الفصل 77 على أن البرلمان الحكومة يسهران على الحفاظ على توازن مالية الدولة.
أما الفصل 36 فينص على أن القانون يعاقب على الشطط في استغلال مواقع النفوذ والامتياز، ووضعيات الاحتكار والهيمنة، وباقي الممارسات المخالفة لمبادئ المنافسة الحرة والمشروعة في العلاقات الاقتصادية.
6. حكامة السياسات العمومية
أفراد الدستور بابا خاصا للحكامة الجيدة (الباب 12)، ضمنه العديد من المبادئ الموجهة لحكامة السياسات العمومية:
- مبدأ المساواة في الولوج إلى المرافق العمومية،
- الإنصاف المجالي لتغطية المرافق العمومية كل التراب الوطني،
- استمرارية المرافق في أداء الخدمات،
- خضوع المرافق العمومية لمعايير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية والمبادئ والقيم الديمقراطية،
- ممارسة أعوان المرافق العمومية لوظائفهم وفق مبادئ احترام القانون والحياد والنزاهة والمصلحة العامة مع تأمين تبقيهم لملاحظات تظلمات المرتفقين وتتبعها،
- تقديم المرافق العمومية الحساب عن تدبيرها للأموال العمومية،
- إصدار ميثاق المرافق العمومية يحدد قواعد الحكامة الجيدة المتعلقة بتسيير الإدارات العمومية والجهات والجماعات الترابية الأخرى،
- التزام كل شخص منتخب أو معين يمارس مسؤولية عمومية، أن يقدم تصريحا كتابيا بالممتلكات والأصول التي في حيازته بمجرد تسلمه لمهامه وخلال ممارستها وعند انتهائها.
[1] Association marocaine l’évaluation, Memorendum pour la constitutionnalisation de l’evaluation des politique publique au Maroc, présenté à la Commission consultative de la revision de la constitution, 12 avril 2011.
[2] تقييم العمل العمومي “مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد”، الرباط، 2005، ص. 24.