اللامركزية والدستور في المغرب
ذ. محمد اليعكوبي
أستاذ بكلية الحقوق بسلا
يبدو، لأول وهلة، أن المقتضيات المتعلقة باللامركزية لا مكان لها في الدساتير. فاللامركزية تقتضي، بعينها، قواعد خاضعة في حين يشكل الدستور القاعدة الاسمى بامتياز. فالدستور يحيل مباشرة على فكرة الديمقراطية السياسية، أما اللامركزية فتهدف إلى تحقيق الديمقراطية الإدارية ([1]). إذ يتعلق الأمر بالتعارض الشائع بين الإدارة التابعة والسلطة السياسية التي تجد أسمى تعبيرها في الدستور. وإذا استبعدنا من الدستور الفصول التي تهم الحقوق والحريات، فباقي المقتضيات تنصب أساسا على تنظيم اللعبة السياسية بين السلطات العمومية.
وتبرز، بين السطور، في هذه الملاحظات، فئتان من المؤسسات غير قابلة للتطابق تتأسس على التمييز بين مؤسسات دستورية أو سياسية ذات صبغة وطنية ومؤسسات محلية ثانوية بطبيعتها. وبمعنى آخر، يمكن الحديث مجازا عن تعارض بين دولة اللحظات الكبرى ودولة التدبير اليومي. والفصل 61 من الدستور أحسن مثال يؤكد هذه المقولة: ” تعمل الحكومة على تنفيذ القوانين تحت مسؤولية الوزير الأول والإدارة موضوعة رهن تصرفها “. ويتم تثبيت تبعية الإدارة إما بواسطة السلطة الرئاسية أو بممارسة سلطة الوصاية.
ويمكن أن نتساءل عما إذا كان الدستور، كقاعدة أسمى مكلفة بتنظيم العلاقات بين السلطات العمومية، يهتم أيضا بالإدارة اللامركزية، حيث، من المعلوم، أن المشرع هو المختص لتنظيم اللامركزية في الدولة الموحدة عكس الفدرالية حيث يقوم دستور الدولة الفدرالية بتقنين العلاقات بين المركز والدويلات الأعضاء وتوزيع الاختصاصات.
والترتيب الذي تبناه الدستور المغربي لتنظيم مختلف المؤسسات يؤكد، بالنسبة لغير المختص، هذه الأحكام المسبقة والمتسرعة. فيبدو أن الأمر يتعلق بترتيب تنازلي من حيث الأهمية: المؤسسة الملكية (الباب الثاني)، البرلمان (الباب الثالث)، الحكومة (الباب الرابع)، المجلس الدستوري (الباب السادس)، القضاء (الباب السابع)، المحكمة العليا (الباب الثامن)، المجلس الاقتصادي والاجتماعي (الباب التاسع، المجلس الأعلى للحسابات (الباب العاشر)، وأخيرا الجماعات المحلية (الباب الحادي عشر). لكن رغم ما توحي به المظاهر، فإن هناك علاقات حتمية بين اللامركزية والدستور. فمن الواضح أن مصطلح اللامركزية لا وجود له في الدستور، إلا أن القانون الاسمى قد كرس الجماعات المحلية في عدة مقتضيات دستورية، دون أن ننسى أن الديمقراطية كمفهوم عام يشكل عاملا مشتركا بين الدستور والنظام اللامركزي.
ومما لا شك فيه أن تخصيص باب بأكمله للجماعات المحلية من لدن السلطة الدستورية يعبر عن ردة فعل مباشرة ضد فترة الحماية التي كانت تسود فيها سياسة المركزية المفرطة وغياب الانتخابات. كما أن السلطة الدستورية أرادت أن تضع، في آن واحد، أسس السلطة السياسية ودعامات الديمقراطية الإدارية. والمراجعات الدستورية المختلفة دليل على الرغبة في تأمين تكامل إيجابي بين الديمقراطية المحلية والديمقراطية السياسية التي تتم على الصعيد الوطني.
وفضلا عن ذلك، فمن المعروف أن من بين مزايا اللامركزية أن المواطن يستأنس بالشؤون العمومية المحلية ويكتسب تكوينا ملائما قبل التعاطي للشؤون الوطنية المعقدة في إطار الديمقراطية السياسية. وهذا ما تؤكده المقولة الشهيرة للفقيه الفرنسي ألكسيس دي طوكفيل حيث يعتبر أن ” الديمقراطية المحلية بالنسبة للديمقراطية السياسية هي ما تشكله المدارس الابتدائية بالنسبة للعلوم ” ([2]).
بل، أكثر من ذلك، يبدو أن الديمقراطية المحلية تكتسي أهمية لا مثيل لها في الديمقراطية السياسية، بالنظر الى عامل القرب الذي تحققه. فكم من مرة أكد المرحوم الملك الحسن الثاني أن الديمقراطية الحقة هي التي “تنجز على مستوى الجماعات المحلية. والمراجعة الدستورية المعلن عنها في خطاب العرش بتاريخ 3 مارس 1996 تصب في هذا الاتجاه حيث تهدف الى تقوية اللامركزية بالسماح للجماعات المحلية وخصوصا الجهات بالتعبير عن نفسها داخل مجلس المستشارين.
فمن الأساسي دراسة الجماعات المحلية من المنظور الدستوري، خصوصا وأن الدراسات الفقهية التي من شأنها تغذية النقاش حول هذا الموضوع محدودة جدا.
ومن المؤكد أن إنشاء المجلس الدستوري مع ما سيصدره من إجتهادات محتملة وتأسيس الغرفة الثانية، كلها عناصر ستدفع في اتجاه تقوية الوعي بأن قانون الجماعات المحلية أصبح يتوفر على أسس دستورية مهمة وبضرورة تخصيص مطلب من المطالب لهذه الأسس في مادة القانون الدستوري وما هو عادي في بعض الدول ما زال غير عادي في المغرب. لكن الأمور ستتطور، بالتأكيد، في الأيام القادمة وسنشهد ميلاد قانون دستوري محلي ([3]).
ولحد الآن لم يتم دراسة اللامركزية من المنظور الدستوري على الأقل من الناحية النظرية. والمقاربات الموجودة في هذا الصدد ترتكز على القانون الإداري ([4])، والعلوم الإدارية ([5]) والعلوم السياسية ([6]) والمالية العامة ([7]) الخ.
ولتحليل اللامركزية الإدارية من الوجهة الدستورية، من الضروري الاستناد الى ست مقتضيات دستورية والإشارة إليها بالكامل لنلامس مضامينها بطريقة مباشرة قبل الشروع في دراستها بالتفصيل.
الفصل 3: “الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية والجماعات المحلية والغرف المهنية تساهم في تنظيم المواطنين وتمثيلهم “.
الفصل 38: ” يتكون ثلاثة أخماس مجلس المستشارين من أعضاء تنتخبهم في كل جهة من جهات المملكة هيئة ناخبة تتألف من ممثلي الجماعات المحلية ويتكون خمساه الباقيان من أعضاء تنتخبهم أيضا في كل جهة هيئات ناخبة تتألف من المنتخبين في الغرف المهنية وأعضاء تنتخبهم على الصعيد الوطني هيئة ناخبة تتألف من ممثلي المأجورين “.
الفصل 46: يختص القانون في “النظام الانتخابي لمجالس الجماعات المحلية… إحداث المؤسسات العمومية… “.
الفصل 100: “الجماعات المحلية بالمملكة هي الجهات والعمالات والأقاليم والجماعات الحضرية والقروية، ولا يمكن إحداث أي جماعة محلية أخرى إلا بقانون “.
الفصل 101: ” تنتخب الجماعات المحلية مجالس تتكلف بتدبير شؤونها تدبيرا ديمقراطيا طبق شروط يحددها القانون -يتولى العمال تنفيذ قرارات مجالس العمالات والأقاليم والجهات طبق شروط يحددها القانون “.
الفصل 102: ” يمثل العمال الدولة في العمالات والأقاليم والجهات، ويسهرون على تنفيذ القوانين، وهم مسؤولون عن تطبيق قرارات الحكومة، كما أنهم مسؤولون، لهذه الغاية، عن تدبير المصالح المحلية التابعة للإدارات المركزية “.
من الواضح أن الأمر يتعلق بتكريس دستوري حقيقي للامركزية (القسم الأول)، إلا أن هذا التكريس يعرف حدودا وتقييدات مختلفة (القسم الثاني).
القسم الأول
التكريس الدستوري للامركزية
يسمح التكريس الدستوري بحماية اللامركزية من خلال تأمين ثلاث ضمانات: ضمانة لوجود الجماعة المحلية، ضمانة للاستقلال المحلي، ثم ضمانة لاستقلال سياسي محدود.
أ – ضمانة الوجود
تشكل الجماعات التي تتكون منها المملكة أجزاء غير قابلة للفصل. فهي تتميز عن مجموعات القانون الخاص التي تشبهها أحيانا من حيث الشكل والمظهر ([8]). فالدستور هو الذي أسس لحقها في الوجود بالتنصيص عليها في الفصول السابق ذكرها. ومن المؤكد أن البعض منها يرجع ظهوره الى زمن بعيد كالجماعة ([9])، إلا أنها لم تصبح هذه الوحدة الترابية قائمة الوجود بالنسبة للقانون المغربي إلا بعد أن قام الدستور بتكريسها وتأسيسها بالنص عليها صراحة في مقتضياته.
لكن رغم الوحدة في التأسيس الدستوري، يجب أن نشير إلى أن الجماعات المحلية لا تتوفر بالضرورة على نفس النظام القانوني، والتمييز بين الوحدات المحلية هو من العمل المباشر للسلطة الدستورية.
فالفصل المائة يكرس في الواقع مجموعتين من الجماعات المحلية. الأولى تم التنصيص عليها بصريح العبارة في النص الدستوري وهي الجهات والعمالات والأقاليم والجماعات أما المجموعة الثانية فلا يمكن إنشاؤها إلا بقانون.
وهذه المجموعة الثانية، عكس المجموعة الأولى، لا تتوفر على نفس النظام الدستوري نظرا للتفاوت على مستوى ضمانة الوجود. وحيث أن الجهات والعمالات والأقاليم تم التنصيص عليها في الدستور، فلا يمكن حذفها كفئات من الجماعات الترابية. أما المجموعة الثانية التي يمكن للمشرع أن ينشئها، فتشكل دائرة أخرى، إن صح التعبير، من الجماعات المحلية ما دام أنها تنشأ بقانون، ويمكن بطبيعة الحال ، أن تحذف بقانون، فهي جماعات محلية ذات نظام تشريعي.
فضمانة الوجود لا تهم كل جماعة محلية على حدة. فحذف الجماعات أو تحويل فئة من الجماعات إلى فئة أخرى يبقى ممكنا نظريا وعمليا. والمراجعات المختلفة للتقطيع الترابي يؤكد ذلك. فيمكن تجميع عدد من الجماعات لخلق عمالة أو إقليم، ويمكن فصل جماعة أو جماعات معينة تنتمي لعمالة أو إقليم وإلحاقها بعمالات أو أقاليم أخرى. كما يمكن دائما تغيير حدود الجماعات المحلية لأقلمتها مع توسع المدن والتطور الاقتصادي والاجتماعي للتجمعات البشرية المختلفة.
وهذا التمييز لم يكن موجودا في دستور 1962. فلقد نص الفصل 93 منه على أن “الجماعات المحلية بالمملكة هي العمالات والأقاليم والجماعات. ويكون إحداثها بقانون “. هذا يعني بوضوح أنه لأحداث فئة جديدة من الجماعات المحلية يجب حثما المرور عبر مراجعة دستورية، حيث إن تعداد الجماعات المحلية كان على سبيل الحصر.
والتعديل الذي جاء به دستور 1970 والذي أكدته المراجعات الدستورية اللاحقة يتسم بالعقلانية، ذلك أن الهدف منه هو تسهيل مسطرة إحداث الجماعات المحلية وجعلها أكثر مرونة. وهكذا، يمكن خلق فئات جديدة من الجماعات المحلية دون اللجوء بالضرورة للمراجعة الدستورية.
لكن ماذا يعني، بالضبط، الشطر الثاني من الفصل المائة: ” ولا يمكن إحداث أي جماعة محلية أخرى إلا بقانون “؟ ما هو المضمون الحقيقي لاختصاص المشرع في هذه النقطة ؟ هل يجب الاستناد إلى المعنى الحرفي، والقول، في هذه الحالة، أن المقتضى يجيز للمشرع أن يحدث جماعة ترابية ما لا تدخل في الفئات المشار إليها آنفا (الجهات، العمالات، الأقاليم، الجماعات )، أم أن هذه الجملة يجب فهمها ضمنيا على أنها تعني ” أي (فئة أخرى من الجماعات المحلية ) جماعة محلية أخرى إلا بقانون “.
فالمشرع لا يختص إلا بإحداث “الفئات ” من الجماعات المحلية، في حين تختص السلطة التنظيمية بإحداث كل جهة أو كل عمالة أو إقليم أو كل جماعة أو كل وحدة محلية من الفئات التي من المحتمل أن يقوم المشرع بإحداثها.
ويمكن استنتاج الدليل الأول من الصياغة نفسها للجملة المعنية. فالدستور استعمل صيغة الفرد وليس الجمع: (ولا يمكن إحداث أي جماعة محلية أخرى إلا بقانون ). كما أن جانبا من الفقه يعتمد أيضا على المعنى الواضح والطبيعي للمفردات المستعملة وبنية الفصل الدستوري: “من الواضح منذ الآن أن اختصاص المشرع لا يهم كل جماعة محلية في حد ذاتها بل فقط الفئات المختلفة من الجماعات المحلية. وداخل كل فئة تختص السلطة التنظيمية بإحداث أو بحذف جماعة محلية ما ” ([10]).
وإذا كان المشرع هو المختص لأحداث الفئات من الجماعات المحلية، هل يجوز له إحداث فئات لا تضم إلا جماعة محلية واحدة ؟ فلقد تم الحسم في هذه القضية من قبل المجلس الدستوري الفرنسي في قرار شهير بتاريخ 25 فبراير 1982 على إثر تقديم طعن من طرف البرلمانيين ضد القانون المتعلق بالنظام الخاص بجهة الكورس (Région de corse) حيث إن مقتضى الدستور الذي يؤكد على أن ” أي جماعة ترابية أخرى تحدث بقانون ” لا يستبعد قطعا إحداث فئات من الجماعات الترابية التي لا تضم إلا جماعة واحدة، وأن هذا التأويل هو الذي اعتمده المشرع لما منح نظاما خاصا لمدينة باريز وأحدث الجماعة الترابية المسماة مايوت (Mayotte) ([11]).
ولحد الآن، لم يستعمل المشرع المغربي اختصاصه على أساس الشطر الثاني من الفصل المائة، لأحداث فئة جديدة من الجماعات المحلية. وعكس الحالة الفرنسية حيث أحدثت الجهة من قبل المشرع ([12])، اختار المغرب الحل الرسمي والأكثر حماية. فالمراجعة الدستورية هي التي، بطبيعة الحال، منحت نظاما دستوريا للجهة كرمز للتحديث والعصرنة ([13]).
ب – ضمانة الاستقلال المحلي
كما رأينا في السابق، تؤكد الفقرة الأولى من الفصل الحادي بعد المائة على أنه ” تنتخب الجماعات المحلية مجالس تتكلف بتدبير شؤونها تدبيرا ديمقراطيا طبق شروط يحددها القانون “.
فهذا الفصل يكرس، رسميا، التدبير الديمقراطي على مستوى الوحدات اللامركزية ويعد امتدادا منطقيا لمضمون الفصل المائة. فالتدبير الديمقراطي يقتضي وجود الجماعة المحلية وإدراجها في النظام القانوني (ordre juridique) بواسطة الشخصية المعنوية التي أصبحت تتوفر عليها كشخص قانوني. والدليل على ذلك أن كل المواد الأولى من القوانين المنظمة للامركزية تنص على أن الجهات أو العمالات والأقاليم والجماعات ” تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي ” ([14]).
مما يعني أنه يجب أن يكون الاستقلال هو المبدأ، إذ سيغيب التدبير الديمقراطي في الحالة التي يمتلك فيها أعوان، خارج الجماعة المحلية، سلطات تهم شؤون هذه الوحدات وتكون أقوى من تلك التي يتوفر عليها ممثلوها. ومن شأن التدبير الديمقراطي أن يختفي أيضا في الحالة التي يكون فيها عدد القرارات القابلة للتعديل من لدن سلطة خارجية أكبر من عدد تلك التي لا يمكن تعديلها.
كما أن الجهات والعمالات والأقاليم والجماعات كأشخاص قانونية تتوفر، حتما، على اختصاصات وموارد مادام أن إمكانية التصرف في الوسائل تستلزم التوفر على الشخصية القانونية.
إلا أن اللامركزية التي تسعى الى تأمين الحريات المحلية تقتضي، ثانيا، نوعا معينا من الاستقلالية. فالتدبير الديمقراطي ينطوي على استقلال من الضروري أن يكون محدودا. فالدستور لم يحدد مدى هذه الاستقلالية، ولذلك فالمشرع هو المختص بموجب الفقرة السابعة من الفصل السادس والأربعين لتقنين “النظام الانتخابي لمجالس الجماعات المحلية “، وبموجب الفصل الحادي بعد المائة لتحديد ” الشروط ” المؤطرة “لتدبير شؤونها تدبيرا ديمقراطيا”. وهكذا، يتعين على المشرع أن يحترم مبدأ الديمقراطية كما هو منصوص عليه في الفصلين الأول والثاني من الدستور اللذان يؤكدان تباعا على أن ” نظام الحكم بالمغرب نظام ملكية دستورية ديمقراطية واجتماعية “. وعلى أن ” السيادة للامة تمارسها مباشرة بالاستفتاء وبصفة غير مباشرة بواسطة المؤسسات الدستورية “.
ولذا نلاحظ أن الدستور كان منطقيا باستنتاجه لأمرين. فهو يتحدث عن مجالس، ومجالس منتخبة، ونظام انتخابي… فلا يمكن تصور جماعات محلية بدون مجالس منتخبة. وعلاوة على ذلك، لا يمكن حصر وظيفة الجماعات المحلية في دور استشاري محض وإلا لن تقوم بالتدبير الذي يقتضي أتخاد قرارات إدارية.
ومن المعلوم أن الاستقلال المحلي لا يتناقض مع الوصاية التي تعد من المكونات الجوهرية للامركزية. ولذا، فلا يمكن تصور إشتغال جماعة محلية دون أن تخضع للوصاية وإلا تحولت طبيعة هذه الجماعة لتفقد صفتها ونظامها كجزء من الدولة الموحدة اللامركزية وتصبح من مكونات الدولة الفدرالية. وفي هذا السياق ، لا يمكن أن يستدل بكون الدستور نفسه نص على أنه ” تنتخب الجماعات المحلية مجالس تتكلف بتدبير شؤونها تدبيرا ديمقراطيا” ما دام أن التدبير أو التسيير لا يعني الحكم، أي اتخاذ قرارات ذات صبغة سياسية ،رغم أن الدستور يكرس، الى حد ما، نوعا من الاستقلال السياسي للجماعات المحلية.
ج – ضمانة الاستقلال السياسي المحدود
أن التأطير الدستوري للجماعات المحلية ذهب الى حد الاعتراف لهذه الوحدات بتمثيلية خاصة في مؤسسات المملكة. وللتدليل على ذلك سنستشهد مرة أخرى بالفصل الثامن والثلاثين: ” تكون ثلاثة أخماس مجلس المستشارين من أعضاء تنتخبهم في كل جهة من جهات المملكة هيئة ناخبة تتألف من ممثلي الجماعات المحلية… “. ويمكن التأكيد على أن الفصل الثاني من الدستور الذي يتحدث عن السيادة وخاصة ممارستها غير المباشرة تهم ليس فقط انتخابات البرلمان بل كذلك الانتخابات الجماعية مادام أنها تشكل الأساس للانتخاب غير المباشر لثلثي أخماس مجلس المستشارين اللذان يساهمان في ممارسة هذه السيادة. والفصل الثالث من الدستور يزيد من تقوية وضع الجماعات المحلية على إعتبار أنها تساهم مثل الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية والغرف المهنية في تنظيم المواطنين وتمثيلهم.
إن الجماعات المحلية للمملكة هي في آن واحد مستقلة وتابعة. ولتوضيح ذلك، يمكن الانطلاق من تحاليل العميد موريس هوريو حيث يميز بين مركزيتين: “المركزية السياسية التي تؤدي، في الواقع، الى وحدة القانون والتشريع في البلاد، والمركزية الإدارية التي تؤدي الى الوحدة في تنفيذ القوانين وتدبير المرافق ” ([15]).
فالمركزية السياسية تشكل أساس عدم قابلية الدولة للتجزيئ، وبالنتيجة، فالأجهزة المركزية وحدها تساهم في التعبير عن الإرادة السياسية للدولة. والجماعات الترابية تكتسب، نوعا ما، الحق في المساهمة في التعبير عن هذه الإرادة السياسية للدولة. إلا أن ممارسة السلطة السياسية تبقى بصفة عامة مرفوضة لكون الجماعات الترابية تعتبر مجرد أجهزة إدارية.
وإذا كان القانون الوضعي يتجه، ولو بطريقة رمزية، نحو استبعاد الحياة المحلية عن ميدان السياسة الوطنية، فقد يحدث أن تتبنى مقتضيات دستورية موقفا معاكسا تماما (الفصل 38).
وهكذا، يبدو تحريم التدخل في الحياة السياسية الوطنية مباشرة في نظام الانتخابات حيث تم تقسيم القضاء حسب طبيعة العمليات: المجلس الدستوري ([16]) بالنسبة للانتخابات التشريعية والمحاكم الإدارية ([17]) بالنسبة للانتخابات الإدارية بما في ذلك العمليات الانتخابية الجماعية والإقليمية والجهوية سواء تعلق الأمر بالمجالس أو رؤسائها ونوابهم.
كما أن تحريم الملتمسات السياسية مؤشر على النزوع نحو الفصل الواضح بين الحياة المحلية والسياسة الوطنية. إذ تؤكد المادة 44 في فقرتها الأخيرة من الميثاق الجماعي على أنه ” يمكن للمجلس… تقديم بعض الملتمسات فيما يتعلق بجميع المسائل ذات الفائدة الجماعية باستثناء الملتمسات ذات الصبغة السياسية “. ونجد نفس التحريم بنفس الصيغة في الفقرة ما قبل الأخيرة من المادة 38 من القانون المنظم للعمالات والأقاليم إما الفقرة الأخيرة من المادة الأولى من القانون المنظم للجهة، فيستعمل صيغة مباشرة تنصب على التداول نظرا لحساسية المستوى الجهوي: “لا يجوز للمجلس الجهوي أن يتداول في قضايا ذات طابع سياسي أو خارجة عن نطاق المسائل التي تهم مصلحة الجهة “.
إلا أن الممارسة والنصوص الدستورية نفسها تجعل من تحريم التدخل في الحياة السياسية الوطنية مسألة نسبية إلى حد ما.
فمن الناحية العملية، يؤدي تطبيق اللامركزية الى الخلط بين تدبير المرافق العمومية المحلية والديمقراطية السياسية. يجب، أولا، الأخذ بعين الاعتبار الميكانزمات والمساطر الخاصة بالديمقراطية الانتخابية والحملات السياسية التي تقودها مختلف الأحزاب خلال المراحل الانتخابية الجماعية والإقليمية والجهوية. فجل الاقتراعات تسمح بتشكيل ودعم أغلبية سياسية داخل المجالس المحلية. وغالبا ما تقاس الأغلبية والأقلية بمرجعية الانتماء السياسي للمنتخبين.
ومن الوجهة الدستورية يمكن أن نلاحظ أن الفصل الثامن والثلاثين الذي ينص على مساهمة ممثلي الجماعات المحلية في تكوين مجلس المستشارين ينطوي على تناقض صارخ مع أطروحة الحياد السياسي للجماعات المحلية، إذ يتم التصويت على ممثلي الجماعات المحلية داخل مجلس المستشارين من لدن المنتخبين المحليين وفي نفس الآن يتم رفض الصبغة السياسية لهذا الانتخاب. وسيكون من المنطقي والعقلاني اعتبار الجماعات المحلية كأجهزة ذات طبيعة مزدوجة: نصف سياسية ونصف إدارية، على أن لا يتجاوز تدخلها في الحياة السياسية الوطنية حدا من شأنه المس بالمركزية السياسية.
وفي الواقع، تعرف اللامركزية حدودا قصوى لا يمكن للمشرع أن يتجاهلها وإلا ستصبح القوانين المنظمة منافية للدستور. وهذا ما يجعل من التكريس الدستوري للامركزية تكريسا محدودا من الناحية الموضوعية.
القسم الثاني
تكريس دستوري محدود للامركزية
بصفة عامة، يمكن القول إن اللامركزية تتحدد بثلاثة عوامل: بنية الدولة، الاختصاصات الدستورية لأجهزة الدولة، والتقييد العضوي الوارد في الفقرة الثانية من الفصل الحادي بعد المائة من الدستور بالنسبة للإقليم أو العمالة والجهة.
أ – التقييد ببنية الدولة
إن الحدود بين الدولة القابلة للتجزيئ والدولة غير القابلة للتجزيئ تتأسس على معيار وجود أو عدم وجود سلطة قانونية مستقلة (pouvoir normatif autonome). ويتعلق الامر بمعيار جوهري في التساؤل التالي: هل الجماعة الثانوية (collectivité secondaire) تتوفر على سلطة قانونية أولية (pouvoir normatif primaire) لا يمكن للجماعة العليا (الدولة) أن تقصيها بواسطة مختلف تدخلاتها كالإلغاء والتعديل ورفض المصادقة والحلول الخ. وعلى العكس من ذلك، لا وجود لوحدة الدولة لما تكون القوانين المطبقة مختلفة ومتباينة في الأجزاء المكونة للتراب الوطني.
أما المغرب، فلا يشكل دولة فدرالية ولا تتوفر أي جماعة محلية (الجهة، العمالة أو الإقليم والجماعة) على سلطة قانونية أولية غير قابلة للإقصاء أو الحذف من لدن الجماعة العليا (الدولة). فالمادة الثانية من الدستور توضح أن “السيادة للامة تمارسها مباشرة بالاستفتاء وبصفة غير مباشرة بواسطة المؤسسات الدستورية “.
إن السيادة في التصور التقليدي تعد من خاصيات الدولة، وبالتالي فعدم قابلية تجزيئ السيادة ينعكس على الدولة ويتعارض مع النظام الفدرالي. كما أن الفصل التاسع عشر يصب في نفس الاتجاه: ” الملك… الممثل الاسمى للامة ورمز وحدتها… وهو الضامن لاستقلال البلاد وحوزة المملكة…” وهكذا فلا يمكن للامركزية أن تؤدي إلى منح جماعة ترابية ما شكل الدولة.
ومن البديهي القول، إن المغرب دولة موحدة ولا يمكن لأي جماعة محلية أن تمس بحوزة ترابها. ولقد أكد جانبا من الفقه على أن “الجهوية تنطوي على دينامية نابذة للمركز (centrifuge) وأنه في حالة تجاوزها لعتبة معينة فمن شأنها أن تكسر علاقة الولاء الوطني. فتتغير العلاقة بين الهوية الجهوية والهوية الوطنية من التكامل والإغناء المتبادل الى التعارض والحلول ” ([18]).
والمشرع المغربي كان واعيا بهذا التحدي حيث نص في المادة الثانية من القانون المنظم للجهة على أنه ” لا يجوز بأي حال من الأحوال أن يمس إحداث وتنظيم الجهات بوحدة الأمة ولا بالحوزة الترابية للمملكة “.
كما أن الخطب الملكية ركزت على وحدة الدولة كدعامة لأي إصلاح جهوي. وهكذا أوضح خطاب 24 أكتوبر 1984 الذي القاه المرحوم الملك الحسن الثاني أمام أعضاء الجهة الاقتصادية للوسط الشمالي أن “الجماعات الجهوية ستكون مرتبطة مباشرة بملك المغرب على مستوى التوجيه والتخطيط والأبداع “. وكان خطاب 3 مارس 1996 أكثر صرامة: “أن منح الجهات إمكانية تنمية خصوصياتها لا يمكن ولا يجب بأي حال من الأحوال أن تمس بوحدة البلاد وكيان الوطن…”.
وخطب جلالة الملك محمد السادس أكثر تفصيلا فيما يخص هذه القضية. فحسب خطاب 6 نونبر 2008 المتعلق بالجهوية المتقدمة “فإن هذا الإصلاح يجب أن يقوم على مرتكزات الوحدة والتوازن والتضامن. فأما الوحدة فتشمل وحدة الدولة والوطن والتراب “. أما خطاب 5 يناير 2010، الذي يهم تنصيب اللجنة الاستشارية للجهوية، فيعتبر أن المرتكز الأول للجهوية المتقدمة يتمثل في ” التشبث بمقدسات الأمة وثوابتها في وحدة الدولة، والوطن والتراب “.
إلا أن اللامركزية لا تتحدد فقط ببنية الدولة، بل هناك معايير واضحة ومنطقية تتدخل للتدقيق أكثر في المجال الحقيقي للامركزية الإدارية. ويتعلق الأمر بالاختصاصات الدستورية التي تمارسها أجهزة الدولة.
ب – التقييد بالاختصاصات الدستورية لأجهزة الدولة
يجب الاعتراف بأن اللامركزية تجد حدودا في القواعد الدستورية المتعلقة باختصاصات أجهزة الدولة، ويمكن تفسير هذا الأمر بكون الجماعات المحلية لا يمكن لها أن تستقل بالكامل عن هذه الأجهزة، ذلك أنها مندمجة في شبكة من التبعيات المختلفة حسب الفئات من الجماعات المحلية.
فلا يمكن للجماعة المحلية أن تمارس الاختصاصات التي منحها الدستور للبرلمان (الفصل 46) ونفس الملاحظة تنطبق على الاختصاصات التي تدخل في نطاق السلطة التنظيمية للحكومة (الفصل 47).
وبصفة خاصة، فمن غير المقبول أن تقوم أي جماعة بتحديد النظام الانتخابي لمجلسها المحلي والشروط التي يدبر في إطارها المجلس شؤونه تدبيرا ديمقراطيا. فالجماعة الترابية ليست مستقلة وحرة في تنظيم نفسها. وعلى العكس من ذلك، يمكن للقانون أن يسمح لها بتوجيه الاقتراحات والآراء والملتمسات الى الحكومة فيما يهم شؤونها الخاصة.
كما أنه لا يمكن للجماعة أن تتدخل في الاختصاصات الممنوحة لرئيس الدولة أو الوزير الأول من قبل الدستور. فلا يمكن لها أن تتفاوض لإبرام اتفاقات دولية مع حكومات أجنبية ([19]) أو منظمات دولية، باستثناء الاتفاقيات التي تبرم مع جماعات ترابية تنتمي لدول أخرى ([20]).
وأخيرا لا يمكن أن تتدخل الجماعة في المهام المنوطة بالسلطة القضائية التي تبقى سلطة مستقلة ليس فقط عن السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية بل أيضا عن الإدارات المحلية، سواء تعلق الأمر بالعدالة الإدارية أو العدالة العادية.
ويبدو أن هذه المبادئ العامة لا تعرف إلا استثناء واحدا يتعلق بسلطات الحكومة.
أولا، يمكن للجماعة المحلية، لممارسة اختصاصاتها، أن تتوفر على إمكانية اتخاذ قرارات لو كانت تهم مجموع التراب الوطني لأصبحت من اختصاص الحكومة. فالفصل 63 من الدستور ينص على أن الوزير يمارس السلطة التنظيمية. لكن إذا كانت الجماعات المحلية تنتخب مجالس تتكلف بتدبير شؤونها تدبيرا ديمقراطيا، فهذا يعني أن الفصل 102 يقتضي أن هذه الجماعات تتوفر أيضا على السلطة التنظيمية. وهذا ما يفسر كون الجماعات ([21]) والأقاليم أو العمالات ([22]) والجهات ([23]) تمتلك هذه السلطة الأساسية والضرورية. وستكون لا محالة منافية للدستور المقتضيات التشريعية التي ترفض للجماعات المحلية سلطة اتخاذ التدابير العامة والمجردة في ميادين اختصاصها وفوق ترابها.
ومن جهة أخرى، فرغم أن الفقرة الثانية من الفصل 3 من الدستور تنص على أن للملك “حق التعيين في الوظائف المدنية والعسكرية كما له أن يفوض لغيره ممارسة هذا الحق “، يمكن للجماعات المحلية أن تمارس سلطة التعيين في الوظائف المرتبطة بإدارتها. وفي هذا السياق توضح المادة 54 من الميثاق الجماعي أن رئيس المجلس الجماعي “يعتبر الرئيس التسلسلي للموظفين الجماعيين ويتولى التعيين في جميع المناصب الجماعية “.
إلا أن استقلال الجماعات المحلية لا يمكن الحد منه إلا من طرف الدستور أو القانون، ولذلك يجب أن يكون هناك نص دستوري أو تشريعي صريح لكي تستطيع الحكومة أو الإدارة التدخل بشكل مباشر أو غير مباشر في الشؤون الخاصة بالوحدة المحلية.
وفي الواقع تبقى الجماعات المحلية محاصرة في شبكة من التبعيات تحت المراقبة النسبية للقاضي الإداري. فلقد أشرنا الى التبعية في العلاقة مع البرلمان المختص عادة لوضع القواعد العامة المؤطرة لسير الجماعات المحلية. وتكتسي التبعية في العلاقة مع الحكومة وإدارة الدولة عدة أوجه كممارسة السلطة التنظيمية بموجب الفصل 63 من الدستور، وسلطة الحكومة وإدارة الدولة في تذكير الجماعة المحلية أو إرغامها على احترام القانون ([24])، وسلطة تقييد حرية الجماعة المحلية في أعمالها خصوصا من خلال مراقبة ملاءمة قراراتها ([25]).
والازدواج الوظيفي الذي يجعل من العامل في آن واحد ممثلا للدولة وممثلا للإقليم أو العمالة والجهة يشكل التبعية البارزة أكثر في نظام اللامركزية الإدارية.
ج – التقييد العضوي بالازدواج الوظيفي للعامل
يتكلف العمال كممثلين للدولة، حسب الفصل 102 من الدستور، بالسهر “على تنفيذ القوانين “. ويضم القانون هنا مجموع كتلة الشرعية بتنوع مكوناتها. فإذا كان عمل من الأعمال يتعارض مع قرار تنظيمي اتخذ فعلا بطريقة غير صحيحة يمكن اعتباره منافيا للقانون. وفي هذا الصدد، فالمادة الثانية من ظهير 15 فبراير 1977 المتعلق باختصاصات العامل أكثر تدقيقا في هذه النقطة حيث تنص على أن ” العامل يسهر على تطبيق الظهائر الشريفة، والقوانين والأنظمة وعلى تنفيذ قرارات وتوجيهات الحكومة في العمالة أو الإقليم ” ([26]).
والملاحظ أن عبارة ” يسهرون على تنفيذ القانون ” ([27]) تنطوي على دلالتين.
يعني ” تنفيذ القوانين ” أولا، أنه كلما كان اتخاذ التدابير التنظيمية والفردية ضروريا لتأمين احترام القانون في دائرة جماعة محلية ما فالعامل هو المختص لاتخاذها كمندوب للحكومة. ولا يمكن للمشرع أن يكلف ممثل الجماعة الترابية المعنية كرئيس المجلس الإقليمي مثلا بممارسة هذه المهمة. وتنطبق نفس الملاحظة على رئيس الجماعة حيث يكون رجل السلطة هو الذي يمثل الدولة سواء تعلق الأمر بالقائد أو الباشا ([28]). ففي جميع الجماعات يسهر رجل السلطة على تطبيق مجموعة من النصوص التشريعية والتنظيمية المنصوص عليها في الفقرة الثانية من المادة 49 من الميثاق الجماعي.
ثانيا، يسهر العامل على تنفيذ القوانين سواء من لدن مصالح الدولة أو من طرف الجماعات الترابية. وهذا يعني أن العامل، وبصفة عامة ممثل الدولة على الصعيد المحلي، هو السلطة الوحيدة المؤهلة لإرغام مصلحة من مصالح الدولة أو جهاز من أجهزة الجماعات الترابية على تنفيذ القانون.
كما أنه لا يمكن للمشرع أن يسمح لرئيس المجلس الإقليمي أو الجهوي أن يرغم جماعة من الجماعات على احترام القانون. بل أكثر من ذلك، لا يمكن، حسب الفقرة الثانية من المادة 5 من القانون المتعلق بالجهات، ” أن يؤدي التعاون فيما بين الجهات أو بينها وبين جماعات محلية أخرى الى إقامة وصاية لجماعة على جماعة أخرى “.
– التقييد الثاني، والأكثر حساسية، تنص عليه الفقرة الثانية من الفصل 101 من الدستور: ” يتولى العمال تنفيذ قرارات مجالس العمالات والأقاليم والجهات طبق شروط يحددها القانون “. فمن الواضح أن العامل يمارس تمثيلية مزدوجة. فهو يمثل الدولة كسلطة لا ممركزة، طبقا لظهير 15 فبراير 1977 حيث يعتبر العامل ممثلا لصاحب الجلالة ومندوبا للحكومة. ويمثل العامل أيضا الإقليم أو الجهة كسلطة لا مركزية بحكم تنفيذه لمداولات المجلس الإقليمي والجهوي.
ويبدو أن الإشكالية التي يطرحها الازدواج الوظيفي تتجلى في كون من الصعب على العامل أن ينسلخ من صفته كممثل للدولة لما يتدخل كممثل للإقليم أو الجهة كجماعات محلية ؟ فهل يتخلى فعلا العامل كسلطة لامركزية عن توجيهات سلطات الحكومة الموجهة إليه كسلطة لا ممركزة ؟ بل أكثر من ذلك، يبدو أن هذه الصفة المزدوجة من شأنها أن تعيق أحيانا تنفيذ مداولات المجلس المصادق عليها من لدن سلطة الوصاية. فالمجلس الإقليمي أو الجهوي لا يملك في هذه الحالة وسائل فعالة للضغط على العامل بهدف التسريع في التنفيذ. كما أن رئيس المجلس الإقليمي أو المجلس الجهوي لا يتوفر على سلطة الحلول في حالة عدم احترام أجل قانوني من قبل العامل.
من المؤكد أن المشرع قد نص في القانونين المتعلقين بتنظيم العمالات والأقاليم والجهات على تقنيات متنوعة تسمح للمجالس ورؤسائها بمراقبة التنفيذ الذي يقوم به العامل كتوقيع تدابير التنفيذ من قبل الرئيس واطلاع الرئيس بانتظام على التنفيذ وإخبار أعضاء المكتب والمندوبين بحالة تقدم التنفيذ، وطلب الإيضاح الى العامل وإقرار ملتمس يوجه الى وزير الداخلية، ثم اللجوء إلى المحكمة الإدارية ([29]). لكن يبقى تطبيق هذه المساطر نظريا شيئا ما بسبب تعقدها. ولذا فلا يمكن لتنفيذ المداولات إلا أن يكون نتيجة حتمية للتعاون بين العامل والمجلس المنتخب.
ويمكن أن نتساءل عما إذا كان العامل يتوفر على اختصاصات أخرى غير تلك المنصوص عليها في الفصل 102 من الدستور.
فمن المعلوم أن تكليف جهاز من أجهزة الدولة بمهمة من المهام غالبا ما يمنح مباشرة سلطات ضرورية إضافية لممارسة هذه المهمة. ونشير في هذا السياق إلى نظرية السلطات الضمنية التي أبدعها الاجتهاد القضائي الفرنسي ([30]) والمغربي ([31]).
وهكذا، يتعين على العامل، وبصفة عامة ممثل الدولة على الصعيد المحلي، أن يعترض ليس فقط على التصرفات المخالفة للقانون، بل كذلك الأعمال التي، رغم احترامها للنصوص، تمس بمصالح الدولة. ومن الأمثلة النظرية على ذلك إنشاء علاقات مع دولة أجنبية من لدن جماعة ترابية في شروط منافية للالتزامات الدولية للمغرب أو اللجوء الى قوات عسكرية أجنبية أو منظمة إرهابية. ولذا تشكل بوضوح مؤسسة العامل أو رجل السلطة صمام الأمان الذي من الصعب توقع كل الفرضيات التي يمكن أن يتدخل في إطارها ([32]).
الخاتمة
يستنتج من كل هذه التحاليل، أن الدستور استند بصريح العبارة الى سلم في التكريس الدستوري للامركزية. ويبدو أن الأمر يتعلق بموقف ذي دلالة واضحة إزاء الديمقراطية المحلية. فدلالة التكريس الدستوري تختلف بحسب طبيعة كل فئة من فئات الجماعات المحلية. ويبرز تباين الدلالة أكثر لما يتعلق الأمر باللامركزية الترابية أو اللامركزية المرفقية أو التقنية.
- إن مدى الحماية الدستورية تتحكم فيه أولا طبيعة الوحدة اللامركزية: الجهة، العمالة أو الإقليم، الجماعة. ويبدو أن الدستور منح الامتياز للجماعة على حساب الجماعات المحلية الأخرى. ويكمن الدليل القاطع في التقييد العضوي المنصوص عليه في الفقرة الثانية من الفصل 101 من الدستور والذي لا يهم إلا العمالة أو الإقليم والجهة.
ولذلك، فالرسالة الدستورية واضحة مفادها أنه يتعين تقوية اللامركزية على الصعيد الجماعي وجعلها أكثر فاعلية من الصعيدين الإقليمي والجهوي. وقد فهم المشرع جيدا هذا التوجيه العام حيث قام بتنظيم اللامركزية الجماعية بطريقة أكثر ليبرالية مقارنة باللامركزية الإقليمية والجهوية. وحتى إذا وضعنا جانبا الازدواج الوظيفي للعامل، فيكفي أن نقارن الميثاق الجماعي بالقانونين المتعلقين بالإقليم والجهة لملامسة التباين. فرغم التحسينات الواردة في النصين يبقى دور رئيس المجلس الإقليمي والجهوي محدودا جدا، والوصاية على الإقليم والجهة تبدو واسعة إلى حد كبير. كما توحي البنية العامة لهذين القانونين بأننا بصدد نظامين يتأرجحان بين اللامركزية واللا تمركز.
ويمكن أن نتساءل عما إذا كان موقف السلطة الدستورية يتأسس على اعتبارات ذات طبيعة سوسيولوجية. فيبدو حسب الدستور، لحد الآن على الأقل، أن الأقاليم والجهات، عكس الجماعات، لا تشكل بعد مجموعات بشرية حقيقية تنطوي على فكرة الإحساس بالانتماء، خصوصا وأن الاتصالات بين المواطن والجهات والأقاليم تبقى محدودة إذا استثنينا بعض الوثائق مثل جواز السفر ورخصة الصيد البري، الخ.
- ويتوقف مدى الحماية الدستورية، ثانيا، على طبيعة صنف اللامركزية المعنية. فالدستور يعطي الأولوية للامركزية الترابية على حساب اللامركزية المرفقية. ومن المؤكد أن إحداث المؤسسة العمومية من اختصاص القانون بموجب الفصل 46، مما يشكل ضمانة أساسية، لكن لم يتم النص على المؤسسة العمومية إلا في إطار توزيع الاختصاصات بين البرلمان والحكومة.
ويمكن تبرير هذا التمييز بأسباب نظرية واعتبارات عملية.
فمن الناحية النظرية، من الصعب وضع المؤسسات العمومية في نفس المستوى الذي تحظى به الجماعات المحلية والقول بأن الأولى تجسد اللامركزية المرفقية والثانية اللامركزية الترابية.
إن جانبا من الفقه يعتبر أن النموذج الأصيل للامركزية يتمثل في اللامركزية الترابية فقط، حيث لا تنطوي اللامركزية المرفقية على أي سمة من سمات اللامركزية. ويمكن تفسير هذا المنظور بالتصور الخاص للفقيه أيزنمان الذي يحدد المركزية واللامركزية بالصبغة المركزية أو غير المركزية للأجهزة ([33]) (le caractère central ou non central des organes). وفي هذا السياق، تصبح اللامركزية المزعومة مسألة أخرى. فهي من تجليات التمييز بين مختلف فروع الإدارة وعدد هذه الفروع. ويتحدث فقيه آخر في هذا الشأن عن مفهوم ” اللاتمركز المرفقي ” (déconcentration par service) مواز للاتمركز الترابي ([34]).
وحتى إذا قبلنا بفكرة اللامركزية المرفقية، فيبدو أنها تختلف جوهريا عن اللامركزية الترابية. فهذه الأخيرة تعتبر طريقة من طرق تهيئة الدولة تحت ضغط السكان. ويتعلق الأمر أولا وقبل كل شيء بظاهرة سياسية تتجلى في أحدات جماعات محلية. وعلى العكس من ذلك، تشكل المؤسسة العمومية وسيلة للتهيئة الداخلية للبنيات والهيئات الإدارية. ويهم إحداثها حل المشاكل الفنية التي لا تستأثر مبدئيا باهتمام المواطنين. فغالبا ما لا يكون وراء إحداث المؤسسة العمومية ساكنة معينة أو مصالح جماعية نوعية، بل يكون نشاط خاص هو نقطة الانطلاقة لظهور هذا الشخص العمومي، بمعنى أن اللامركزية المرفقية غالبا ما لا تتأسس على دعامة سوسيولوجية موجودة سابقا تجعل من اللامركزية واقعا حيا وملموسا. ولذلك فاللامركزية التقنية التي تقوم على نشاط من الأنشطة من أجل تدبيره تبقى لامركزية صورية ومجردة.
صحيح أن الدعامة السوسيولوجية لبعض المؤسسات العمومية تظهر بعد إحداثها، وعلى سبيل المثال يتم إحداث الجامعة وفي المرحلة اللاحقة يقوم هذا المرفق بتوظيف الأساتذة وتسجيل الطلبة.
إلا أن البنية الإدارية في اللامركزية الترابية تبرز بعد البنية البشرية وليس العكس. والنتائج التي تنجم عن هذا التمييز من الأهمية بمكان. فإذا كانت المؤسسة العمومية تنبني على مفهوم النشاط (notion d’activité) ولا تمثل أي شيء ولا أي شخص منذ الوهلة الأولى، فغالبا ما تكون أجهزتها معينة من لدن السلطة المركزية، وهذا حال جل المؤسسات العمومية في المغرب، كما أن الانتخاب لا يعرف إلا تطبيقات استثنائية لما يتعلق الأمر بتوظيف دعامة سوسيولوجية خاصة، كما هو الشأن بالنسبة للجامعات ([35]) والأكاديميات الجهوية للتربية والتعليم ([36]). ويبدو هذا الاستنتاج منطقيا بحيث من الصعب، أحيانا، العثور على المعنيين مباشرة بنشاط المؤسسات العمومية كالمكتب الشريف للفوسفاط والمكتب الوطني للسياحة الخ. كما أن الوصاية تكون بالضرورة صارمة بالمقارنة مع المراقبة التي “تمارس على الجماعات المحلية. وفي المجمل، يبدو أن اللامركزية المرفقية تشبه الى حد كبير اللاتمركز إن لم نقل أنها تتطابق مع هذا النظام الإداري.
وتؤكد الاعتبارات العملية هذه الأسباب النظرية على الأقل بالنسبة للحالة المغربية. وفي هذا الصدد يعتبر بعض الفقهاء أنه “إذا كان نموذج المؤسسة العمومية يتطابق مع الأسلوب التقليدي المبني على المركزية، فهو يستجيب أكثر لمتطلبات المهمة التي أنيطت بها. وكل تقييم صحيح لدلالة المؤسسة العمومية يجب إذن أن يأخذ في الاعتبار ليس فقط مبدأ الاستقلال الذي تنطوي عليه الشخصية المعنوية، بل كذلك ضرورات المهمة التي أنيطت بها. واللافت للنظر في هذا الصدد هو كون المؤسسات العمومية الحالية مكلفة إما بتسيير أنشطة تم فصلها عن الإدارات المركزية لمجرد أسباب تتعلق بسهولة التدبير الإداري وإما بتحقيق جزء من برنامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية في قطاع معين ” ([37]).
[·] مساهمة في اليوم الدراسي الذي نظمته جمعية بادس للتنشيط الاجتماعي والاقتصادي وجمعية قدماء تلامذة ثانوية مولاي علي الشريف بالحسيمة يوم 10 ماي 2008 حول: ” أي دور للجهة في التنمية “.
[1] محمد اليعكوبي، ” الديمقراطية الإدارية في المغرب “، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، 2005 عدد 61، ص. 27.
[2]A. De Tocqueville, De la démocratie en Amérique, 1835.
[3]A. ROUX, Droit constitutionnel local, Economica, 1995.
[4]عبد الله الإدريسي، محاضرات في القانون الإداري المغربي، الجزء الأول، الطبعة الثانية، المعهد المغربي للكتاب، 1997.
أنظر، أيضا، ميشيل روسي وجان غارنيون، القانون الإداري المغربي، الطبعة السادسة، المطبعة الملكية، 2006 (بالفرنسية)، محمد الأعرج، القانون الإداري المغربي، الجزء الأول، منشورات م.م.إ.م.ت “مواضيع الساعة” 2010 عدد 66، ص 60-192.
[5]المصطفى الخطابي، القانون الإداري والعلوم الإدارية، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الثانية، 1993، ص 51-127.
[6] J.P.Worms, L’Etat et les collectivités locales, Esprit, janvier 1970, p. 20.
[7]أحمد حضراني، النظام الجبائي المحلي على ضوء التشريع المغربي والمقارن، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية” مواضيع الساعة ” 2001، عدد 22.
[8] أنظر القانون 84-2 المتعلق بجمعيات مستعملي ماء الري، الجريدة الرسمية 16 يناير 1991.
[9]S. Belbachir, L’administration locale au Maroc, Imprimerie Royale, Casablanca, 1969, p. 113.
[10]M.Rousset, J.Garagnon, Droit administratif marocain, 6e édition.
[11]Décision 82.138 DC du 25 janvier 1982
[12]Code général des collectivités territoriales, 10e édition, Dalloz 2007, p. 1471.
[13] الفصل المائة من دستور 1996.
[14] القانون رقم 96-47 المتعلق بتنظيم الجهة، الجريدة الرسمية عدد 4470 بتاريخ 3 أبريل 1997، ص. 556، القانون رقم 00-79 المتعلق بالعمالات والأقاليم، الجريدة الرسمية عدد 5058 بتاريخ 21 نونبر 2002، ص 3490 ، القانون المتعلق بالميثاق الجماعي، الجريدة الرسمية عدد 5711 بتاريخ 23 فبراير 2009 ص. 536.
[15]M. Hauriou, Précis de droit administratif et de droit public, Sirey, 12e édition, Paris 1933.
[16] الباب السادس من الدستور.
[17] القانون رقم 90-41 المتعلق بالمحاكم الإدارية، الجريدة الرسمية، عدد 4227 بتاريخ 3 نونبر 1993، ص. 2168.
[18]J. Chevalier, La région dans le système politico- administratif français, in l’Institution régionale, p. 48, Paris 1933.
[19] الفقرة الأخيرة من المادة 36 من القانون المنظم للعمالات والأقاليم.
[20] المادة 42 من الميثاق الجماعي، الفقرة ما قبل الأخيرة من المادة 36 من القانون المنظم للعمالات والأقاليم.
[21] انظر المواد 35، 38، 39، 43، 47، 49، 50، 99 من الميثاق الجماعي.
[22] انظر المواد ،35،36،45، 46 من القانون المتعلق بالعمالات والأقاليم.
[23]انظر المواد: 6، 7، 8 من القانون المتعلق بالجهات.
[24]المادة 77 من الميثاق الجماعي، والمادة 43 من القانون المتعلق بالعمالات والأقاليم والمادة 57 من القانون المنظم للجهات.
[25]المادة 69 من الميثاق الجماعي، والمادة 59 من القانون المنظم للعمالات والأقاليم والمادة 41 من القانون المنظم للجهات.
[26]المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية، ” نصوص ووثائق “، عدد 209، 2009 ، ص. 52.
[27]المادة 102 من الدستور.
[28]قانون 29 دجنبر 1986.
[29]انظر المادتين 54 و 60 من الميثاق الجهوى، والمادة 47 من القانون المنظم للعمالات والأقاليم.
[30]CE 7 février 1936, Jamart, GAJA 12e édition p. 316 . CE 7 juillet 1950, Dehaene, GAJA idem p. 436.
[31]المجلس الأعلى، الغرفة الإدارية، 17 أبريل 1961، الحيحي محمد، ص.56 (بالفرنسية).
[32]ولا يجب أن ننسى في هذا الصدد، أن العامل هو أيضا سلطة مكلفة ببعض مهام الشرطة القضائية المتعلقة بالجرائم والجنح الماسة بالأمن الداخلي أو الخارجي للدولة، إلا أن المادة 33 من مدونة المسطرة الجنائية تضع شروطا دقيقة لتقييد هذه المهمة الحساسة للحفاظ على استقلالية القضاء.
[33]Ch. Eisenmann, Centralisation et décentralisation, LGDJ. 1947, p. 20.
[34]A. Homont, La déconcentration des services publics, 1948.
[35]المادة 9 من القانون 01.60 المتعلق بتنظيم التعليم العالي، الجريدة الرسمية، عدد 4798 بتاريخ 25 ماى 2000.
[36]المادة 4 من القانون رقم 07.00 القاضي بإحداث الاكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، ج.ر. عدد 4798 بتاريخ 25 ماى 2000، ص.1191.
[37]M.Rousset et J.Garagnon, Droit administratif marocain, Imprimerie Royale.


